إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

تحدث التجارب أحياناً بحسد من الشياطين وبخاصة في أيام الصوم والتناول والحرارة الروحية إن الشيطان يحزن حينما يجد إنساناً يسير في طريق اللـه لذلك إن حلت بك التجارب في فترة الصوم، لا تحزن فهذا دليل على أن صومك له مفعوله، وقد أزعج الشيطان

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر ملاخى

+ تفسير سفر ملاخى +



تفسير سفر ملاخى أصحاح 1 PDF Print Email

التقدمة المقبولة

في هذا الأصحاح يبرز ملاخي النبي معرفتهم الصادقة نحو الله أنه أب سماوي وسيد، لكنهم لم يقوموا بتكريمه عمليًا كأب، ولا خافوه كسيدٍ وربٍ. فيليق أن ترتبط معرفتنا وإيماننا بالحياة العملية في محبة الله ومخافته.

يكشف الله عن حبه ليعقوب، ويصب محبته في نسله السالكين بذات فكره. إنه حب مجاني يُعطى للجادين في خلاص نفوسهم.

1. الحاجة إلى عمل الله         [1-5].

2. التكريم العملي لله               [6].

3. تقدمة نجسة                  [7-9].

4. التقدمة الطاهرة          [10-11].

5. تقدمة معيبة              [12-14].

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

 

 

 

1. الحاجة إلى عمل الله:

وَحْيُ كَلِمَةِ الرَّبِّ لإِسْرَائِيلَ عَنْ يَدِ مَلاَخِي:
[1]

يترجم البعض كلمة "وحي" هنا أنها "ثقل"، فقد كانت كلمة الرب بالنسبة لإسرائيل في شره لا تمثل بهجة وفرحًا وعذوبة، لأنها تكشف عن جراحاتهم بغير مداهنة. لذلك حسبوها ثقلاً عليهم، تحزنهم حتى كانوا غير قادرين على سماعها. إنها عبء بالنسبة لمن لا يطلب خلاص نفسه، أما الجادون في خلاص أنفسهم فيجدونها نيرًا هينًا وحلوًا (مت 11: 30).

أَحْبَبْتُكُمْ، قَالَ الرَّبُّ. وَقُلْتُمْ: بِمَا أَحْبَبْتَنَا؟

أَلَيْسَ عِيسُو أَخًا لِيَعْقُوب،َ يَقُولُ الرَّبُّ،


وَأَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ [2].

إذ يكشف هذا السفر عن دعوة كل الأمم والشعوب بقبول الإيمان، يبدأ بتأكيد حب الله لشعبه مجانًا وبدون استحقاق من جانبهم. لكنهم استخفوا بمحبته، واحتقروا اسمه ونجسوا التقدمات والذبائح. لهذا لم يعد يُسر الله بهم ماداموا يسلكون هكذا، ويفتح الباب لكل الأمم من مشرق الشمس إلى مغربها ليتمجد اسمه في كل الأرض.

بدأ يفتح جراحات شعبه لتنظيفها ومعالجتها، مؤكدًا لهم أنه يفعل هذا لا عن كراهية أو بغضة، بل عن حبٍ وحنوٍ، لهذا تبدأ رسالة الله لهم بالقول: "أحببتكم". هذا ما أكده الله على الدوام عن لسان أنبيائه: "محبة أبدية أحببتك، ومن أجل ذلك أدمت لك الرحمة" (إر 31: 3). "لما كان إسرائيل غلامًا أحببته" (هو 11: 1)، "لأن الرب يُسٌر بكِ" (إش 4: 62).

هكذا يبدأ حديثه بإعلان حبه، ليؤكد أنه وإن وبخ إنما لأنه أب: "إني كل من أحبه أوبخه وأؤدبه" (رؤ 3: 19)، كما يوبخهم، لأنهم لم يردوا له الحب بالحب.

يحتاج الإنسان إلى من يحبه ومن يتقبل حبه، لهذا كثيرًا ما يؤكد الله لأولاده: "أحببتكم". لكن إذ تمُر بالإنسان ظروف تبدو في عينيه قاسية ومُرة، يتساءل في داخله: "أين هي محبة الله لي؟"

لقد تشككوا في محبته لهم، واستهانوا بها، "وقلتم: بِمَ أحببتنا؟" بقولهم هذا يستخفون بحب الله وعنايته بهم.

"أليس عيسو أخًا ليعقوب، يقول الرب، وأحببت يعقوب" [2]. كثيرًا ما يظن اليهود أن الله ملتزم بالحب نحوهم بكونهم أبناء إبراهيم، وأنه يرد لهم الحب كمن هو مدين لأبيهم. لهذا يقول لهم: لو أنني أحبكم ردًا لحب إبراهيم ليّ لكان الأولى أن يتمتع عيسو بحبي أكثر من يعقوب، لأنه البكر، ومع هذا فإن يعقوب اغتصب بالإيمان العملي حب الله، بينما سقط عيسو بقسوة قلبه تحت الغضب. لا تقوم محبة الله على المحاباة، ولا على القرابات الجسدية المجردة، فقد كان عيسو ويعقوب أخوين توأمين في رحمٍ واحدٍ، فتمتع يعقوب بالدخول في عهد مع الله، وحُرم عيسو نفسه من العطية.

هذه العطية التي نالها يعقوب مجانية، ليس له فضل فيها، إنما هي حسب مسرة الله، ولكن ليست إلزامًا أو قهرًا، إنما خلال تجاوب الإنسان مع النعمة الإلهية المجانية.

*     يسبق الله فيعرف الناس الخطاة وهم في رحم أمهاتهم (تك 25: 23)[8].

*     "زاغ الأشرار من الرحم، ضلوا من البطن، متكلمين كذبًا" (مز 58: 3)... ما هذا؟ لنبحث في أكثر اهتمام، فإنه ربما يقول هذا لأن الله سبق فعرف البشر الذين هم خطاة وهم في رحم أمهاتهم. لذلك عندما كانت رفقة لا تزال حاملاً، وقد حملت توأمين، قيل: "أحببت يعقوب، وأبغضت عيسو" (مل 1: 2، رو 9: 13). فقد قيل: "الأكبر يخدم الأصغر". كان حكم الله مخفيًا في ذلك الوقت، ولكن من الرحم، من الأصل ذاته يزوغ الخطاة. من أين يزوغون؟ من الحق. من أين يزوغون؟ من المدينة الطوباوية، من الحياة المطٌوبة[9].

القديس أغسطينوس

*     احتقر قايين أخاه، كما احتقر الله. كيف احتقره؟ بإجابته الوقحة على الله: "أحارس أنا لأخي؟" (تك 4: 9). احتقر عيسو أخاه، وهو أيضًا احتقر الله. لذلك قال الله: "أحببت يعقوب، وأبغضت عيسو" (رو 9: 13، مل 1: 2-3)[10].

القديس يوحنا الذهبي الفم


*     إننا نفكر بالصواب بقولنا إن "الله يُحب العدل، ويبغض الاختلاس بالظلم". وهذا لا يعني بأن له ميل تجاه الواحد أو تجاه الآخر، ويقبل ما هو مضاد، لدرجة أنه يفضل هذا ولا يفضل ذاك. فهذه هي سمة المخلوقات، بل يعني أنه كقاضٍ يحب الأبرار ويعينهم، ويعزف عن الأشرار[11].

القديس أثناسيوس الرسولي


أعلن الله حبه لإسرائيل قائلاً: "لما كان إسرائيل غلامًا أحببته، ومن مصر دعوت ابني" (هو 11: 1)، فقد دعاه غلامًا وابنه. في غير محاباة، إذ أصر شعب إسرائيل على شرورهم يدعوهم نبيه القديس يوحنا المعمدان: "يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي؟!" (مت 3: 7). هكذا ليس لدى الله محاباة!

*     إنها ثمرة غباوتهم وتفكيرهم الطفولي أن يعانوا من هذه العقوبة. لقد دعوتهم من مصر، وحررتهم من العبودية القاسية، لكنهم أظهروا جحودًا ليّ، واختاروا عبادة الأوثان. أنا الذي علَّمتهم المشي، وشفيتهم من سلوكهم البشع، وأظهرت لهم حنوًا أبويًا، واستخدمت معهم كل أنواع العلاج، رفضوا أن يعرفوني، مع أنني حفظتهم من دمارٍ مضاعفٍ بيد الغازين. أنهم كمن نشبوا بأظافرهم فيّ، وأنا أحبهم كما لو كان ذلك قيدًا[12].

ثيؤدورت أسقف قورش


*     دُعي إسرائيل رمزيًا ابنًا منذ كان في مصر (مت 2: 15)، لكنه فقد بنوته بتعبده للبعل وتقديم بخور للأوثان، فأعطاهم يوحنا اسمًا لائقًا بهم "أولاد الأفاعي" (مت 3: 7). إذ فقدوا لقب البنوة الذي انسكب عليهم خلال النعمة في أيام موسى، نالوا من يوحنا اسمًا متطابقًا مع أفعالهم[13].

القديس مار أفرام السرياني


وَأَبْغَضْتُ عِيسُو،َ

وَجَعَلْتُ جِبَالَهُ خَرَابًا، وَمِيرَاثَهُ لِذِئَابِ الْبَرِّيَّةِ؟
[3]

تحدى أدوم (عيسو) إله إسرائيل ولم يبالِ بإرادته الإلهية، فسقط في خرابٍ أبديٍ في الوقت المناسب. بينما نال إسرائيل الذي كان تحت التأديب بركة إعلان مجد الله في تخومه. هذا العمل قائم على الدوام روحيًا، فإن تحدى اليهودي أو الأممي إله القوات يصير كأنه أدوم الروحي، ويطيل الله عليه أناته، وإذ يمتلئ كأسه بالشر يسقط في الهلاك الأبدي. بينما كثير من الأمم الذين كانوا أدوم الروحي المعاند، إذ يرجعون إلى الرب يصيرون إسرائيل الجديد الممتلئ بأمجاد إلهيةٍ.

كان عيسو عنيفًا مع أخيه ووالده ووالدته، فتزوج من بنات حثِ زوجتين، "فكانتا مرارة نفس لإسحق ورفقة" (تك 26: 35). شرب من الكأس الذي ملأه لوالديه وأخيه، فحلٌ الخراب بقلبه، وارتد هذا الخراب حتى على جبال سعير التي كانت "ميراثه". إذ قام جيش الكلدانيين بتخريبها، حتى أصبحت مسكنًا لذئاب البرية، إذ صارت مقفرة جدًا.

شرب بنو عيسو أو بنو أدوم الشامتون في خراب أورشليم (مز 137: 7) من ذات كأس الترنح الذي ملأوه لغيرهم.

لقد كان الله طويل الأناة جدًا على أدوم، فتركها جيلاً بعد جيل، حتى ظن البعض كأن تهديدات الله لهم لم تكن إلاَّ كلامًا بلا فعلٍ، وأخيرًا سقطت في خرابٍ دائمٍ، فلم تقم بعد مملكة لأدوم.

*     حملت رفقة الاثنين، يعقوب وعيسو. الزرع واحد، لكن اللذين حُمل بهما مختلفان. الرحم واحد، واللذان حملت بهما مختلفان. أليست المرأة الحرة حملت عيسو؟ لقد تصارعا في رحم والدتهما، هناك تشاجرا، وقيل لرفقة: "في رحمك شعبان" رجلان، شعبان، لكنهما تصارعا في الرحم. كم من أشرار يوجدون في الكنيسة! رحم واحد يُحبل بهم حتى ينفصلوا في النهاية، والأشرار يصرخون ضد الصالحين وكلاهما يصارعان في أحشاء أمهما الواحدة[14].

*     من هو غبي شرير فيقول إن الله غير قادر على تغيير الإرادة الشريرة للناس، كيفما يشاء، وحينما يشاء، وأينما يشاء، فيجعلها صالحة؟ لكنه إذ يعمل، إنما يعمل خلال الرحمة؛ وعندما لا يعمل إنما خلال العدل. إذ "هو يرحم من يشاء، ويقسي من يشاء" (رو 9: 18). الآن عندما قال الرسول هذا، يمتدح النعمة، هذه التي تحدث عنها عندما ربطها بتوأمي رحم رفقة. "لأنه وهما لم يُولدا بعد، ولا فعلا خيرًا أو شرًا، لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار، ليس من الأعمال بل من الذي يدعو، قيل لها أن الكبير يُستعبد للصغير" (رو 9: 11-12). بالتبعية يُشير إلى شهادة نبوية أخري، حيث كتب: "أحببت يعقوب وأبغضت عيسو" (مل 1: 2-3). وإذ تحقق كيف أن ما قاله قد يُسبب اضطرابًا لأولئك الذين لم يستطع فهمهم أن يدخلوا إلى هذا العمق للنعمة، أضاف: "فماذا نقول: ألعل عند الله ظلمًا؟ حاشا!" (رو 9: 14). ومع هذا يبدو أنه في ظلم، دون أي استحقاق عن أعمالٍ صالحةٍ أو شريرة، يحب الله أحدًا ويبغض الآخر. الآن لو كان الرسول أراد منا أن نفهم وجود أعمال صالحة مستقبله للآخر- هذه التي حتمًا قد سبق فعرفها الله - لما قال: "ليس من الأعمال" (رو 9: 11) بل قال: "عن أعمال في المستقبل". هكذا أراد أن يحل المعضلة؛ أو بالحري أراد ألاَّ يترك معضلة لكي تحل. إذ أضاف للحال: "حاشا!" (ليظهر أنه لا يوجد ظلم في الله). "لأنه يقول لموسى: إني أرحم من أرحم، وأتراءف على من أتراءف" (رو 9: 15). الآن من هو سوى الغبي ذاك الذي يظن في الله ظلمًا سواء عندما يوقع جزاء على من يستحق، أو يظهر رحمة على غير المستحق؟ أخيرًا يختم الرسول بالقول: "فإذًا ليس لمن يشاء، ولا لمن يسعى، بل لله الذي يرحم" (رو 9: 16)[15].

القديس أغسطينوس


*     منذ بداية العالم، من بين الابنين اللذين ولدا لآدم، هابيل الأصغر مختار، بينما قايين الأكبر - بكونه رمزًا لليهود غير المؤمنين - قد دُين. بعد ذلك في وقت إبراهيم، تحقق ذات الرمز في سارة وهاجر. كانت سارة عاقرًا إلى وقت طويل كرمز للكنيسة، بينما هاجر كرمزٍ للمجمع اليهودي حملت ابنًا للحال. هنا الابن الأصغر – اسحق - قبل في الميراث، وأما إسماعيل الأكبر فحُرم منه. تبدو هذه الحقيقة إنها تحققت في الاثنين: يعقوب الأصغر أحبه الله، بينما عيسو رُفض كما هو مكتوب: "أحببت يعقوب، وأبغضت عيسو" (مل 1: 2-3). هذا الرمز أيضًا معروف أنه يتحقق في أختين اتخذهما يعقوب زوجتين: راحيل الصغرى، أحبها يعقوب أكثر من ليئة، الكبرى. في الواقع من الأولى ولد يوسف الذي بيع في مصر كرمزٍ لربنا ومخلصنا. هكذا كانت ليئة ضعيفة البصر، بينما كانت راحيل جميلة الملامح، هذا أيضًا له معنى: تُفهم ليئة بكونها مجمع اليهود، وراحيل تُشير إلى الكنيسة. الإنسان الذي تُصاب عيناه الجسديتان بالتهاب لا يقدر أن يتطلع إلى بهاء الشمس. هكذا كان المجمع، الذي كان له عيون قلبه مملوءة حسدًا وحقدًا ضد ربنا ومخلصنا كما بفيضانٍ مملوء سمًا، لا تقدر أن تتطلع إلى سمو المسيح، الذي هو شمس العدل (مل 4: 2)[16].

الأب قيصريوس أسقف أرل

لأَنَّ أدوم قَالَ: قَدْ هُدِمْنَا فَنَعُودُ وَنَبْنِي الْخِرَبَ.

هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: هُمْ يَبْنُونَ وَأَنَا أَهْدِمُ.

وَيَدْعُونَهُمْ تُخُومَ الشَّرِّ،

وَالشَّعْبَ الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهِ الرَّبُّ إِلَى الأَبَدِ.
[4]

ظن أدوم أنه قادر بذاته أن يقوم من هذا الخراب الذي حٌل به دون إصلاح القلب وطرد الذئاب الداخلية. لقد سقط أدوم في آمالٍ باطلةٍ، فظنوا أنهم يستطيعون القيام ببناء الخرب، كما حدث مع أورشليم.

بقولهم: "نعود فنبني الخرب" يرون أن الأمر في أيديهم ويعتمد على إمكانياتهم العسكرية وتخطيطهم، سواء أراد الله ذلك أو لم يرد. لذلك "هكذا قال رب الجنود: هم يبنون، وأنا أهدم". إذ لا يستطيعون الوقوف في تحدٍ أمام الله.

بتحديهم يصيرون مثلاً وعبرة للنفوس المتشامخة على الله. "ويدعونهم تخوم الشر، والشعب الذي غضب عليه الرب إلى الأبد" [4]. يدرك الكل كلمات أيوب: "من تصلب عليه فَسلِمَ" (أي 9: 4).

إذ رفض اليهود السيد المسيح، وقاوموا إنجيله وكنيسته صاروا أدوميين، وتمت فيهم هذه العبارة، لأنهم لما حاولوا إعادة بناء الهيكل في أورشليم أيام الإمبراطور أدريان هدم الله ما بنوه، بحدوث زلزلة وخروج ألسنة نارية، فاضطروا إلى التوقف عن البناء[17].

*     إن نطق الله ألف كلمة متهمًا إيانا، لن نستطيع أن نقاوم كلمةً واحدةً. ماذا يقول النبي: "لن يتبرر في عينيك إنسان" (مز 143: 2)[18].

القديس يوحنا الذهبي الفم


*     "أعترف لك بخطيتي يا إلهي، وأنت رفعت إثم قلبي" (راجع مز 32: 5) لست أُجادل معك في الحكم، يا أيها الحق، فإني لا أُريد أن أخدع نفسي، لئلا يقف إثمي ضدي[19].

القديس أغسطينوس

فَتَرَى أَعْيُنُكُمْ وَتَقُولُونَ:

لِيَتَعَظَّمِ الرَّبُّ مِنْ عَُِنْدِ تُخُمِ إِسْرَائِيلَ.
[5]

إذ صار قلب أدوم قفرًا، ليس فيه أثر للحب، بل حمل خبث الذئاب، تحولت جباله إلى خرابٍ، وصار ميراثه ملكًا لذئاب البرية. الآن إذ يطلب إسرائيل وهو تحت التأديب التدخل الإلهي، يتمجد الله في تخومه كما يتمجد في أعماقه الداخلية. هذه هي مسرة الله أن يصير العالم كله إسرائيل الجديد الروحي الحامل لمجد الله في الداخل والخارج.

جاء كلمة الله لكي ينقلنا خلال المعمودية من البنوة لعدو الخير إلى البنوة لله، ويحولنا من أدوم الحاملة للقلب الذئبي القفر إلى إسرائيل الجديد الحامل للمجد الإلهي.

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

 

 

 

2. التكريم العملي لله:

الاِبْنُ يُكْرِمُ أَبَاهُ، وَالْعَبْدُ يُكْرِمُ سَيِّدَهُ.

فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَبًا فَأَيْنَ كَرَامَتِي؟

وَإِنْ كُنْتُ سَيِّدًا فَأَيْنَ هَيْبَتِي؟

قَالَ لَكُمْ رَبُّ الْجُنُودِ: أَيُّهَا الْكَهَنَةُ الْمُحْتَقِرُونَ اسْمِي.

وَتَقُولُونَ: بِمَ احْتَقَرْنَا اسْمَكَ؟ [6]

بناموس الطبيعة يُكرم الابن أباه، وبقوانين العالم يُهاب العبد سيده ويطيع أوامره، ويحرص على خدمة مصالحه. الابن الذي لا يُكرم أباه يسقط تحت لعنة الناموس الطبيعي، والعبد الذي لا يسمع لسيده يسقط تحت عقوبة قوانين المجتمع. هذا هو موقف الابن والعبد، فما هو موقف الكاهن الذي يحكمه القانون الإلهي؟ أيهما أولى بالطاعة القانون الإلهي أم نواميس الطبيعة والمجتمع؟

إن كان الكاهن يود أن يُدعى أبًا (قض 18: 19)، وإن كان البعض يتطلعون إليه كقائدٍ يلزم طاعته، فيلزم على الكاهن أن يتعامل مع الله كابنٍ وعبدٍ له. إذ كيف يمكن للكاهن أن يدعو الشعب لتكريم الله كأبٍ، والخضوع له كسيدٍ، وهو لا يحمل ذات الروح. يقول القديس بولس: "ثم قد كان لنا آباء أجسادنا مؤدبين وكنا نهابهم، أفلا نخضع بالأولى جدًا لأبي الأرواح فنحيا؟" (عب 12: 9).

*     يطلب الله من كل المخلوقات: "إن كنت أبًا فأين كرامتي؟ وإن كنت سيدًا فأين مهابتي؟" (مل 1: 6). إن لم يكن للحياة الإنسانية سيد يُشرف عليها تتحول إلى فوضى تستدعى الرثاء. وهذا ما آلت إليه القوات السمائية التي تمردت، وصلَّبت أعناقها على الله ضابط الكل، رافضة الخضوع له، ليس لأنها من طبيعة غير مخلوقة، بل لأن سبب معصيتها كان التمرد على الخالق[20].

*     يُقال: "الابن يكرم أباه، والعبد سيده" (مل 1: 6). واحد من هذين الاثنين، العبودية تُقدم بواسطة المخلوق، والآخر الذي يمكن أن يُقال إنه صداقة حميمة فتتحقق بواسطة الروح القدس[21].

القديس باسيليوس الكبير


*     ينبغي أن تتفق صلاتنا مع إرادة من نصلي إليه "الصالحة"، وذلك بتمجيده في افتتاحية الصلاة. لهذا أمرنا ألاَّ نبدأ إلاَّ بالقول "أبانا الذي في السماوات".

حقًا تنتشر بين صفحات الكتاب المقدس كلمات كثيرة خاصة بتمجيد الله، لكننا لم نجد قط وصية لشعب اليهود أن يقولوا "أبانا"، أي لا يصلون إليه بكونهم أبناء بل كعبيدٍ، أي بكونهم ما زالوا يحيون حسب الجسد.

أقول إنهم لم يتخذوا الله أبًا لهم، وكان يمكنهم ذلك لو لم يعصوا الشريعة التي أُمروا بحفظها، لذلك جاءت النصوص التالية:

"ربَّيت بنين ونشَّأْتُهم. أما هم فعصوا عليَّ" (إش 1: 2).

"أنا قلت إنكم آلهة وبنو العليّ كلكم" (مز 82: 6).

"فإن كنت أنا أبًا فأين كرامتي... الخ." (مل 1: 6)

هذه النصوص تظهر عدم قبولهم كأبناء لله، كما أنها نبوة لما سيكون عليه المسيحيون الذين يتخذون الله أبًا لهم، وذلك كقول الإنجيلي: "فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله" (يو 1: 12). وقول الرسول بولس: "مادام الوارث قاصرًا لا يفرق شيئًا عن العبد" (غل 4: 1)، مُشيرًا إلى روح التبني الذي أخذناه، والذي به نصرخ يا أبا الآب" (رو 8: 15)[22].

القديس أغسطينوس


*     مجد الآباء هو قداسة أبنائهم، وكرامة السادة هو مخافة عبيدهم، أما عكس هذا ففيه إهانة وارتباك. إذ يقول: "بسببكم يُجدف على اسمي بين الأمم"[23].

الدسقولية


*     "ربيت بنين ونشأتهم؛ أما هم فعصوا عليّ" (إش 1: 2)... إنه لا يُشير إلى شركتهم مع كل البشرية بتعبيرات عن سمو ميلادهم، بل بالحري عن عونٍ فائق إذ صاروا أبناءه. يبادر الله في كل موضوع بتقديم الهبات، ففي خلقة الإنسان بدأ بتكريمه حتى قبل أن يوجده، قائلاً: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (تك 1: 26)... هنا يمكن للشخص أن يرى أن الله يُكرم تبني الإنسان[24].

*     أولئك الذين صاروا أبناء ويتمتعون بالطعام الروحي، يحق لهم أن يمجدوا أباهم. يقول الكتاب: "الابن يكرم أباه والعبد يرهب سيده". لقد صرتُ ابنًا له وتتمتع بالطعام الروحي، تتناول جسده ودمه اللذين يهبانك ميلادًا جديدًا. إذن، رد مثل هذا الإحسان بتمجيد واهبه لك. وعندما تقرأ هذه العبارات ثَبٌت ارتباطك بهذه الكلمات. عندما يقول: "أرفعك يا إلهي، ملكي" (مز 145: 1). قدم شهادة عن علاقتك الحميمة حتى يقول الله عنك كما عن إبراهيم وإسحق ويعقوب: "أنا إله إبراهيم، إله اسحق، إله يعقوب" (خر 3: 6). أقصد، إن كنت تقول: "يا إلهي، يا ملكي"، وليس فقط تقول هذا، بل وتقدم شهادة عن مثل هذا الحب، فهو بدوره يقول عنك نفس الشيء: "خادمي، مرافقي" الأمر الذي قاله عن موسى أيضًا[25].

*     من له المخافة ليس بفضولي، بل يسقط ويسجد. من له المخافة لا يقدم تساؤلات من أجل حب الاستطلاع، بل بالعكس يُقدم تسبيحًا ومجدًا[26].

القديس يوحنا الذهبي الفم


*     في الأسبوع الماضي تحدثت بإطالة بما فيه الكفاية من أجل إصلاح أولئك الذين لا يقدمون تشكرات للخالق على العطايا الإلهية التي يتمتعون بها، هؤلاء الذين وهم ينتفعون بالحنو السماوي فإنهم كأناس جاحدين غير مستحقين لا يعرفون واهب الحنو. إنهم جاحدون، أقول، هؤلاء الذين لا يهابون الله كعبيد نحو سيدهم، ولا يكرمونه كأبناء نحو أبيهم. يقول الله بالنبي: "إن كنت سيدًا فأين مهابتي، وإن كنت أنا أبًا فأين كرامتي؟" (مل 1: 6) بمعني إن كنت عبدًا قدم للسيد الخدمة بمهابة، وإن كنت ابنًا أظهر لأبيك الحب الوقور. ولكن إذ لا تقدم تشكرات، فإنك لا تحب الله ولا تهابه. فأنت عبد متغطرس أو ابن متكبر. المسيحي الصالح يلزمه أن يسبح أباه وسيده على الدوام، ويمارس كل الأعمال الصالحة لأجل مجده. ذلك كما يقول الرسول: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا، فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1 كو 10: 33)[27].

مكسيموس أسقف تورين

*     بخصوص الله، الذي هو واحد وحده، إذ يحمل شخصية لها جانبان بكونه الأب والسيد. فنحن ملتزمون أن نحبه إذ نحن أبناؤه، وأن نخافه بكوننا عبيده[28].

لاكتانتيوس

*     هذا الخوف أو الحب الذي من أجله يوبخنا الله، كل واحد حسب ما يتناسب معه، قائلاً: "الابن يكرم أباهُ، والعبد يكرم سيدهُ، فإن كنت أنا أبًا فأين كرامتي؟ وإن كنت سيّدًا فأين هيبتي؟" (مل 1: 6). فالعبد يلزمه أن يخاف: "وأمَّا ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيدهِ ولا يستعدُّ ولا يفعل بحسب إرادتهِ فيُضرَب كثيرًا" (لو 12: 47)[29].

*     يوجد خوف مزدوج:

1. أحدهما للمبتدئين، أي الذين لازالوا تحت العبودية المرعبة، التي نقرأ عنها: "العبد يكرم سيدهُ" (مل 1: 6). وفي الإنجيل يقول: "لا أعود أسمّيكم عبيدًا، لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيدهُ" (يو 15: 15). "والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أمَّا الابن فيبقى إلى الأبد" (يو 8: 35). لذلك يعلمنا الله أن ننتقل من الخوف من القصاص إلى ملء حرية المحبة وثقة الأحباء أبناء الله. أخيرًا فإن الرسول المبارك بقوة حب الله عبر مرحلة عبودية الخوف، لكي يحتقر الأشياء الأرضية، ويعلن أنه قد اغتنى بأمور الله الصالحة، إذ يقول: "لأن الله لم يُعطنا روح الفَشَل، بل روح القوَّة والمحبَّةِ والنصحِ" (2 تي 1: 7). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هؤلاء أيضًا الذين التهبوا بحب كامل نحو أبيهم السماوي، والذين بالتبني الإلهي صاروا أبناءً لا عبيدًا، يخاطبهم الرسول: "إذ لم تأْخذوا روح العبوديَّة أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبنّي الذي به نصرخ يا أَبا الآب" (رو 8: 15).

2. أما عن الخوف الآخر فيتكلم النبي عن الروح ذيّ السبع جوانب، الذي بحسب سرّ التجسد يحل بكمالٍ على الإله المتجسد: "ويحلُّ عليهِ روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب" (إش 11: 2). بل ويضيف على وجه الخصوص: "ولذَّتهُ تكون في مخافة الرب" (إش 11: 3). نلاحظ أنه لم يكمل قائلاً، "يحلَّ عليك روح الخوف"، بل "لذَّتهُ تكون في مخافة الرب". لأن هذا هو عظمة غنى هذا الخوف أنه إذ يستقر على أحد بقوته لا يستحوذ على جزء من عقله بل كل عقله. وليس ذلك بغير إدراك، لأنه مرتبط ارتباطا وثيقًا بالحب الذي "لا يسقط أبدًا"[30].

الأب شيريمون


اتهام خطير موجه للشعب كما للكهنة، وإجابة خطيرة: "بِمَ احتقرنا اسمك؟" تستحضرنا أمام صورة محزنة ومرعبة.

إن أخطر ما في الأمر هو العمى الروحي الذي أصاب الكل، فلم يشعروا أنهم يحتقرون اسم الله، بل ربما كانوا يتفاخرون أنهم يقدمون تقدمات وذبائح ويمارسون العبادة بدقةٍ حسب الشريعة.

كان الشعب اليهودي يعتز بأن لديهم سبط لاوي، حيث الكهنة الذين اختارهم الرب له، يقدمون ذبائح تقدمات موضع سرور الله. الآن يكشف لهم الله نفسه أن الكهنة الذين يشفعون عنهم لنوال البركات، فقدوا البركة والقداسة ومسرة الله، فمن يقدر أن يرفع وجه الشعب أمام الله؟

يتكلم الله على لسان النبي ليُحاسب الكهنة، فإن كانوا قد أُقيموا قضاة في بيت الرب إنما ليمارسوا هم أولاً الوصية ويعيشوها، وإلاَّ يسقطوا تحت الدينونة.

*     كن مطيعًا لأسقفك، طعه كأبيك الروحي. الأبناء يحبون، والعبيد يخافون. يقول: "إن كنت أنا أبًا فأين كرامتي؟ وإن كنت سيدًا فأين هيبتي؟" (مل 1: 6): في حالتكم قد يحمل شخص واحد أتعابًا كثيرة لكرامتكم، فيكون في نفس الوقت راهبًا وأسقفًا وعمًا. أما الأساقفة فيلزمهم أن يعرفوا أنهم كهنة لا سادة. ليردوا للكهنوت كرامته اللائقة به[31].

القديس جيروم


*     هذا هو واجبك أيها الأسقف، ألا تتجاهل خطايا الشعب، ولا ترفض الذين هم تائبين، لئلا تحطم قطيع الرب في عدم مهارة، أو تهين اسمه الجديد الذي وُضع على شعب، وأنت نفسك تُوبخ كما حدث مع الرعاة القدامى الذين قال عنهم الله لإرميا: "رعاة كثيرون أفسدوا كرمي، داسوا نصيبي" (إر 12: 10). وفي عبارة أخرى: "على الرعاة اشتعل غضبي وعلى الحملان سخطي" (راجع زك 10: 3). وفي موضع آخر: "أيها الكهنة المحتقرون اسمي" (مل 1: 6)[32].

*     واضح أن الأساقفة والكهنة الذين يدعون هكذا باطلاً لا يهربون من دينونة الله[33].

الدسقولية


+ إقرأ اصحاح 1 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +


3. تقدمة نجسة:

تُقَرِّبُونَ خُبْزًا نَجِسًا عَلَى مَذْبَحِي.

وَتَقُولُونَ: بِمَ نَجَّسْنَاكَ؟

بِقَوْلِكُمْ إِنَّ مَائِدَةَ الرَّبِّ مُحْتَقَرَةٌ. [7]


الاتهام الذي يوجهه ضد الكهنة هو احتقار اسم الله وتنجيس مقدساته، وما هو أخطر من هذا أنهم إذ يسمعون الاتهام يجيبون: "بِمَ احتقرنا اسمك؟ بِمَ نجسناك؟" مثل هذه الأسئلة تكشف إما عن جهل الكهنة للحق، وهذا أمر خطير بكونهم قادة عميان يقودون الشعب، أو عن معرفة لما يفعلونه، فيجيبون بشيءٍ من الجسارة غير اللائقة، وهذا أشر! فارتكابهم للشر سواء كان بمعرفةٍ أو بغير معرفةٍ، هو أمر خطير للغاية بحكم مركزهم القيادي.

"مائدة الرب محتقرة": ربما يقصد بها مائدة خبز الوجوه أو مذبح المحرقات، وقد دُعيت هكذا، إذ كان الكهنة والشعب يأكلون منها، وكأن الله الذي يقبل الذبائح يود أن يشترك الكهنة والشعب معه كما على مائدة المصالحة.

فباشتراكهم في الذبائح المقدمة للأوثان يحتقرون مائدة الرب إذ يودون الشركة مع الله والأوثان، أو مع الله والشيطان. بهذا يحسبون كمن نجسوا مائدة الرب [12].

كما احتقروا مائدة الرب بتقديم ذبائح معيبة، فيعطون الأولية لأنفسهم ويحسبون الله غير مستحقٍ لتقديم أفضل ما عندهم.

لقد قدموا ذبائح على مائدة الرب أو المذبح، وظنوا إنهم يرضونه، وهم لا يدركون إنهم يحتقرونه وينجسون مذبحه، لذلك يتساءلون: "بِمَ نجسناك؟" قدموا ذبائح، أما قلوبهم فكانت بعيدة عن الرب، ومقاومة له، لا تقبل وصيته، ولا تود التمتع بالعشرة معه.

وَإِنْ قَرَّبْتُمُ الأَعْمَى ذَبِيحَةً، أَفَلَيْسَ ذَلِكَ شَرًّا؟

وَإِنْ قَرَّبْتُمُ الأَعْرَجَ وَالسَّقِيمَ، أَفَلَيْسَ ذَلِكَ شَرًّا؟

قَرِّبْهُ لِوَالِيكَ أَفَيَرْضَى عَلَيْكَ أَوْ يَرْفَعُ وَجْهَكَ؟ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ
. [8]

قدموا الذبائح التي لا تصلح لغرضٍ آخر، حاسبين أن أية ذبيحة محرقة إنما تُحرق بالنار، فيستخسرون تقديم الحيوانات التي تصلح للبيع أو التجارة أو لأي غرض آخر، وكأنهم يقدمون لله فضلاتهم. جاء في سفر التثنية عن الذبائح: "ولكن إذا كان فيه عيب: عرجٌ أو عمي، عيب ما رديء، فلا تذبحه للرب إلهك. في أبوابك تأكله. النجس والطاهر، سواء كالظبي والأيل" (تث 15: 21-22).

تُشير ذبيحة الأعمى إلى ممارسة العبادة بغير استفادة روحية، فنكون كمن يمارس واجبًا في جهلٍ، وبغير تطلع إلى الله للتعرف على أسراره السماوية المفرحة.

تُشير ذبيحة الأعرج إلى الإنسان الذي لا يتمتع بالسيد المسيح بكونه الطريق الإلهي، به ينطلق نحو الحضن الأبوي، فتستقر نفسه وتستريح وتتعزى بالآب السماوي.

تُشير ذبيحة السقيم إلى من يمارس العبادة في عدم اكتراث، دون أن تتركز عيناه على الرب الطبيب السماوي، فتقف نفسه المريضة دون أن تطلب الشفاء الحقيقي.

يلاحظ في الذبائح الثلاثة السابقة: سواء التي للأعمى أو الأعرج أو السقيم يُمارس الإنسان عبادته بالجسد دون القلب، وبالحرف دون الروح، فيحمل قلبًا بلا استنارة، وبلا حركة روحية، وفي رخاوة!

يعاتبهم بأن ما يمارسونه في علاقتهم معه لا يتجاسرون ان يفعلوه مع ملكٍ أو والٍ يطلبون رضاه، إذ لا يستطيعون أن يقدموا هدية أو جزية بأعرجً أو مستقيمٍ.

*     هكذا كانت تقدمة قايين القاتل مرفوضة. قال له الله: "إن أحسنت (العمل) أفلا رفع؟!" (تك 4: 7) هكذا أيضًا كانت كل تقدمات إسرائيل المرفوضة، حيث نالوا اللعنة التي قالها النبي: "ملعون الذي يوجد في قطيعه ذكر، وينذر ويذبح للسيد عائبًا" (مل 1: 14). إنه ينتهرهم ويوبخهم، قائلاً: "قربه لواليك أفيرضى عليك أو يظهر لك حنوًا، يقول الرب" (راجع مل 1: 8). فكيف تقدم أي حديث موجه لله أثناء خدمة الصلاة يُظهر أي نوع من الاستخفاف ويكون مقبولاً لدى لله، حديثًا مملوءً بكل أنواع التشتيت، أي حديثًا مريضًا يعوقه مقاطعات كثيرة (بتشتيت الفكر)؟ مثل هذا النوع لا يكون مقبولاً حتى إن قُدم لأتفه كائن بشري إن وجه إليه هكذا. تقدمة الصلاة المملوءة اضطرابًا وخدمة القلب المستخف هما مثل ذبيحة لكبشٍ معيبٍ تمامًا[34].

ساهدونا

إن كان الله لا يُسر بذبيحة وتقدمة (مز 40: 6)، بل يطلب ذبائح التسبيح والحمد والشكر (مز 51: 16؛ 116: 17؛ إر 33: 11)، فإنه يتقبلها من شفاهٍ طاهرة مقدسة، أما من يقدمها من شفاهٍ نجسة، تشتم ولا تبارك، تكذب ولا تنطق بالحق، تدين ولا تترفق، فتحسب ذبائح نجسه. وكأن الإنسان يقدم ذبيحة الأعمى أو الأعرج أو السقيم.

وَالآنَ تَرَضُّوا وَجْهَ الله، فَيَتَرَأَّفَ عَلَيْنَا.

هَذِهِ كَانَتْ مِنْ يَدِكُمْ.

هَلْ يَرْفَعُ وَجْهَكُمْ؟ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ
. [9]

يرى البعض أن وباءً حلّ بالبلاد، حيث هجمت غارات من الجراد على الحقول، فأكلت ما هو أخضر (مل 3: 11)، وصرخ الكهنة فلم يستجب الرب بسبب شرهم. لهذا يُقدم لهم نصيحة أن يرجعوا إلى الله بالتوبة فيسمع لصلواتهم، عن أنفسهم كما عن الشعب. وكما يقول المرتل: "إن راعيت إثمًا في قلبي لا يستمع ليّ الرب" (مز 66: 18).

*     ارجع إلى نفسك، كن لنفسك قاضيًا في الداخل. تطلع إلى حجالك الخفي، في أعماق القلب، هناك حيث أنت والله الذي يرى تكونا وحدكما، ولا تُسر بالإثم، فيّسر بك الله... "لكن قد سمع الله ليّ" (مز 66: 19)، لأنني لا أنظر إثمًا في قلبي، "اصغِ إلى صلاتي" (مز 66: 19). "مبارك إلهي الذي لم يُبعد صلاتي ولا رحمته عني" (مز 66: 20)[35].

القديس أغسطينوس

"هذه كانت من يدكم"
[9]، بمعنى أن الله يود أن يسمع لصلوات كهنته عن شعبه، لكن بسبب إثمهم لا يسمع لهم حتى يرجعوا إليه.

 

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

 

4. التقدمة الطاهرة:

مَنْ فِيكُمْ يُغْلِقُ الْبَابَ، بَلْ لاَ تُوقِدُونَ عَلَى مَذْبَحِي مَجَّانًا؟

لَيْسَتْ لِي مَسَّرَةٌ بِكُمْ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ


وَلاَ أَقْبَلُ تَقْدِمَةً مِنْ يَدِكُمْ
. [10]

في صراحة كاملة يعلن الرب، إله الجنود: "ليست ليّ مسرة بكم"، مظهرًا أنه بالحب الذي أحبهم به يحب كل البشرية. وفي وضوح النهار يشرق بشمسه على كل الأمم التي تقدم بخورًا زكيًا لمجد اسمه القدوس.

ظن الكهنة أنهم يفتحون أبواب الهيكل ويوقدون المذبح، لكنهم إذ سلكوا كأجراء يطلبون النفع المادي لهم، جاءهم الصوت الإلهي: "ليست ليّ مسرة بكم". ذاك الذي يحبهم مؤكدًا لهم: "أحببتكم" [2]. يقول لهم إنه ليس له مسرة بهم. أمر مؤسف للغاية! لم تعد لله مسرة في خدمة هؤلاء الكهنة الذين لا يمارسون العبادة إلاَّ من أجل الأجرة، فإن أغلقوا الباب أو أوقدوا نارًا أو مارسوا عملاً يطلبون أجرة! وكما جاء في إشعياء النبي: "والكلاب شرهة لا تعرف الشبع، وهم رعاة لا يعرفون الفهم، التفتوا جميعًا إلى طرقهم، كل واحدٍ إلى الربح القبيح" (إش 56: 11).

لقد سمح الله للذين يخدمون المذبح من المذبح يأكلون، والذين يخدمون الإنجيل من الإنجيل يأكلون (1 كو 9: 7-14)، لكنهم لا يعملون بغية الأجرة والربح القبيح.

يدعونا الله إلى مراجعة أعماقنا لنتلامس مع الدافع الخفي لعبادتنا له وخدمتنا وكرازتنا.

*     ملاخي، آخر كل الأنبياء يتحدث بكل صراحة عن رفض إسرائيل ودعوة الأمم[36].

القديس جيروم

*     عاد اليهود من بابل، وأصلحوا المدينة، وأعادوا بناء الهيكل، وقدموا ذبائح. ولكن قبل كل شيء تنبأ ملاخي النبي عن حلول الخراب الحاضر ورجاسة الذبائح اليهودية[37].

*     ألاَّ ترون كيف أنه يوقف الطرق اليهودية ويبطلها وينشر طريق حياة الكنيسة ويعلن عن عبادتها؟[38]

القديس يوحنا الذهبي الفم


*     أنت أيها اليهودي لم تأتِ إلى ذبيحة طاهرة، أبرهن لك أنها غير طاهرة[39].

*     لماذا تحاولون أيها اليهود أن تشوهوا هذه الكلمات النبوية إلى معنى آخر حسبما يمليه قلبكم، فإنكم تقاومون ابن الله ضد خلاصكم... فإن بيت يعقوب أو إسرائيل هو ذات الشعب الذي دُعي وهو الذي طُرد - لم يُدعَ بخصوص البعض ويُطرد بخصوص آخرين، إنما البيت كله مدعو أن يسير في نور الرب... أما علة طرد البيت فلأن شعبه لم يسلك في نور الرب[40].

القديس أغسطينوس


*     إن كان إنسان ما سكيثيًا أو فارسيًا، إن كانت له معرفة الله ومعرفة مسيحه، ويحفظ أحكام البٌر الأبدية، فهو مختون بالختان الصالح والنافع، ويكون صديقًا لله، ويفرح الله بعطاياه وتقدماته[41]...

القديس يوستين الشهيد


لأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ،

وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يُقَرَّبُ لاِسْمِي بَخُورٌ وَتَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ،

لأَنَّ اسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ
. [11]

في العهد القديم كانت التسبحة: "الله معروف في يهوذا، اسمه عظيم في إسرائيل" (مز 76: 1) الآن صارت كل الأمم تمجده، من مشرق الشمس إلى مغربها.

*     الآن أعود إلى ملاخى؛ تنبأ هذا الإنسان عن الكنيسة التي امتدت بقوة المسيح واتسعت جدًا، فتحدث مع اليهود على لسان الله: "ليست ليّ مسرة بكم، قال رب الجنود، ولا أقبل تقدمة من يدكم، لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها أسمي عظيم بين الأمم، وفي كل مكان يُقرب لاسمي بخور وتقدمة طاهرة، لأن اسمي عظيم بين الأمم قال رب الجنود" (مل 1: 10-11). الآن إن كنا نرى أنه في وقتنا هذا في كل مكانٍ من مشرق الشمس إلى مغربها تُقدم هذه الذبيحة التي على طقس ملكي صادق، وإن كان اليهود لا يقدرون على أي الأوضاع أن ينكروا أن ذبائحهم مرفوضة... فكيف يمكنهم أن يترقبوا مجيء مسيح آخر؟ إنهم يقرأون النبوة، ويرون تحقيقها أمام أعينهم. لماذا لا يستطيعون التحقق من أن من يُتمم هذا هو المسيح، حيث لا يقدر آخر سواه أن يفعل ذلك؟[42]

القديس أغسطينوس


*     إنه يتحدث عن هؤلاء الأمم، أي عنا نحن، الذين نقدم في كل موضع ذبائح له، أي خبز الإفخارستيا، وأيضًا كأس الإفخارستيا، مؤكدًا كل منهما أننا نمجد اسمه وأنتم تدنسونه[43].

*     أنبأ الله عن كل الذبائح التي نقدمها باسمه، والتي أمرنا يسوع المسيح أن نقدمها، أي إفخارستيا الخبز والكأس، والتي يقدمها المسيحيون في كل مكانٍ في العالم، تحمل شهادة أنها موضع سروره. لكنه يرفض تمامًا ما تقدمونه وما يقدمه كهنتكم[44].

القديس يوستين الشهيد


*     سأل ابنه وحيد الجنس، خالق كل الأشياء، مشيره، أن ينزل من السماء، ويحول الإيمان المقدس بالله إلى الأمم، أي إلى أولئك الذين كانوا يجهلون الله، وأن يعلمهم البٌر الذي طرحه عنهم الشعب الغادر. وقد سبق من مدة طويلة أن هددهم أنه يفعل هذا، كما يُظهر ملاخي[45].

لاكتانتيوس


*     تُشير هذه الكلمات بطريقة واضحة أن الشعب السابق [اليهود] يوقفون التقدمات لله، ولكن في كل موضع تُقدم له ذبيحة طاهرة، ويتمجد اسمه بين الأمم[46].

القديس إيرينيؤس

*     عوض الذبيحة الدموية يعين ذبيحة سرية عقلية غير دموية هذه التي لجسده ودمه، هذه التي تتحقق لتمثل موت الرب... عوض الخدمة الإلهية المحددة بمكانٍ واحدِ، يأمر ويعين أن يُمجٌد من المشارق إلى المغارب في كل موضع لسلطانه (مز 13: 3، مل 1: 11). بهذا لم يبطل الناموس بل أبطل القيود[47].

الدسقولية


*     لدى عودة إبراهيم من كسر أعدائه، استقبله ملكي صادق، كاهن الله العليّ بخبزٍ وخمرٍ. وكانت تلك المائدة قد سبقت وصَّورت المائدة السرية هذه. كما أن ذاك الكاهن كان رمزًا وصورة للمسيح الكاهن الأعظم الحقيقي، لأن النبي يقول: "أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق" (مز 109 "110": 4). وخبزات التقدمة التي كانت صورة لهذا الخبز، هذه هي إذا الذبيحة الطاهرة أي غير الدموية التي تكلم عنها الرب بلسان النبيّ: إنها تُقِّرب له من مشارق الشمس إلى مغاربها" (مل 1: 11)[48].

الأب يوحنا الدمشقي

*     الآن بخصوص الموضع، ليُعرف أن كل موضع مناسب للصلاة إن كان الإنسان يُصلي حسنًا! لأنه يقول الرب: "في كل مكان يُقَّرب لاسمي بخور" (مل 1: 11)، "أُريد أن يُصلي الرجال في كل مكان" (1 تي 2: 8). ولكن ليكن لكل واحدٍ – إن كنت أصيغها هكذا - إن أمكن موضع مقدس مختار في بيته لإتمام صلواته في هدوء بلا تشتت[49].

العلامة أوريجينوس


*     بالتأكيد، يُعطي الرب سلطانًا للصلاة في كل موضع، بالكلمات: "يا امرأة صدقيني إنه تأتي ساعة، لا في هذا الجبل ولا في أورشليم، تسجدون للآب" (يو 4: 21). وكلمات الرسول شرعية (2 تي 2: 8). فان كلمة "كل" لا تشمل أماكن مخصصة لاستخدامٍ بشريٍ أو لأعمال دنسة معيبة، إنما تنزع الحدود في أورشليم إلى أماكن أخرى في العالم مخصصة كما يليق (للعبادة)، تتناغم مع النبوة عن الذبيحة (مل 1: 11).

إنها تكرس لله من أجل الاحتفال بالسرّ المجيد[50].
القديس باسيليوس الكبير

*     لما كان الختان والغرلة ينتميان إلى الله الواحد، فكلاهما قد بطلا في المسيح من أجل الأولوية التي أُعطيت للإيمان. هذا هو الإيمان الذي كُتب عنه أن الأمم سيؤمنون باسمه (اش 42: 4، مت 12: 21)[51].

العلامة ترتليان


*     إذ جاء الابن الوحيد صار اسمه عجيبًا في كل مكان... يقول كاتب آخر: العالم كله يمتلئ من معرفة الرب ( إش 11: 9)[52].

*     متى حدث هذا تعتقدون أيها اليهود؟ متى قُدم بخور لله في كل موضع؟ متى قُدمت تقدمة طاهرة؟ إنكم لا تستطيعون الإشارة إلى وقت آخر سوى ما بعد مجيء المسيح. افترضوا أن ملاخي لم يتحدث عن عصرنا، افترضوا أنه لم يتحدث عن ذبيحتنا بل عن الذبيحة اليهودية، لكانت نبوته مضادة للناموس. فقد منع موسى اليهود من تقديم ذبيحتهم في موضعٍ آخر سوى ذاك الذي اختاره الرب الإله، فقد حدد ذبائحهم بمكانٍ واحدٍ معين. فإن كان ملاخي قال بأن الذبائح تقدم في كل موضع، وأن تكون ذبيحة طاهرة، فهو يناقض ويضاد ما قاله موسى[53].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*     إنه يتحدث عن هؤلاء الأمم، أي عنا نحن، الذين في كل مكان نقدم له ذبائح، أي خبز الإفخارستيا، وأيضًا كأس الإفخارستيا، مؤكدًا أننا نمجد اسمه هذا الذي أنتم (اليهود) تدنسونه[54].
القديس يوستين الشهيد


v     سبق فأخبر النبي ملاخي أحد الاثني عشر: "ليست ليّ مسرة بكم قال الرب القدير، ولا أقبل تقدمه من يدكم، لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها اسميّ عظيم بين الأمم، وفي كل مكان يُقرب لاسمي بخور وتقدمه طاهرة، لأن اسمي عظيم بين الأمم "(مل 1: 10-11). تُشير هذه الكلمات بطريقة واضحة أن الشعب القديم (اليهود) سيتوقفون عن تقديم التقدمات لله. وإنما في كل موضع ستقدم إليه ذبيحة طاهرة، وأن اسمه سيتمجد بين الأمم. ولكن أي اسم لآخر يتمجد بين الأمم مثل ذاك الذي لربنا، الذي به يتمجد الآب والإنسان أيضًا؟ ولأن هذا هو اسم ابنه الذي صار جسدًا بواسطته لذا يدعوه "اسمه"[55].

القديس ايريناؤس


*     إنه الآن هو ذاك الوقت الذي فيه الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب لا في أورشليم ولا على جبل جرزيم بل بالروح والحق (يو 4: 20- 23). لذلك فإن الله يسكن في القلب. فإن كنتم تبحثون عن موضع الله، فإن القلب النقي هو موضعه، إذ يقول بالنبي: "أسكن فيهم، ويكونون شعبي، وأنا أكون لهم إلههم، يقول الرب" (2 كو 6: 16؛ لا 26: 12)[56].

العلامة أوريجينوس


*     الآن قد تبرهن بالأسفار المقدسة أن اليهود فقدوا الميراث، لأنهم رفضوا المسيح، ونحن الذين من الأمم أخذنا موضعهم. يقول إرميا: "قد تركت بيتي، ورفضت ميراثي، ودفعت حبيبة نفسي ليد أعدائها، صار ليّ ميراثي كأسدٍ في الوعر، نطق عليّ بصوته، من أجل ذلك أبغضته" (إر 12: 7-8). وأيضًا ملاخي: "ليست ليّ مسرة بكم، قال الرب، ولا أقبل تقدمه من يدكم، لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها اسمي عظيم بين الأمم" (مل 1: 10-11). أيضًا يقول إشعياء: "أجئ لجمع كل الأمم والألسنة، فيأتون ويرون مجدي" (إش 66: 18).

ويقول هو نفسه في موضع آخر في شخص الآب للابن: "أنا الرب قد دعوتك بالبرّ فأمسك بيدك، وأحفظك، وأجعلك عهدًا للشعب ونورًا للأمم، لتفتح عيون العمي، لتخرُج من الحبس المأسورين من بيت السجن، الجالسين في الظلمة" (إش 42: 6-7)[57].

لاكتانتيوس


*     في يوم الرب، اجتمعوا معًا لتكسروا الخبز وتشكروا، لكن أولاً اعترفوا بخطاياكم لكي تكون ذبيحتكم طاهرة.

على أي الأحوال، من كان على خلافٍ مع أخيه، فلا يشترك في اجتماعكم قبل أن يتصالح، فلا تكون ذبيحتكم دنسة.

لأنه هذا ما قاله الرب، "في كل مكانٍ، وفي كل زمانٍ، تقرب لاسمي تقدمة طاهرة، لأني ملك عظيم، يقول الرب، واسمي مهيب بين الأمم" (مل 1: 11)[58].

الديداكية

 

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

 

 

 

5. تقدمة معيبة:

أَمَّا أَنْتُمْ فَمُنَجِّسُوهُ بِقَوْلِكُمْ: إِنَّ مَائِدَةَ الرَّبِّ تَنَجَّسَتْ،


وَثَمَرَتَهَا مُحْتَقَرٌ طَعَامُهَا. [12]

إنه يُجدد الاتهام الخطير الذي سبق فوجهه إليهم في الآية 7. إذ انتهكوا المقدسات الإلهية والعبادة، فلا نعجب إن كان الله يطردهم من أمامه. لقد قالوا لا بأفواههم، بل بتصرفاتهم، إن مائدة الرب تنجست، فإنهم لم يقودوا الشعب إلى تكريم المذبح وتقديم أفخر ما لديهم لله، فصاروا كارزين بالاستخفاف بهيكل الرب ومذبحه.

وَقُلْتُمْ: مَا هَذِهِ الْمَشَقَّةُ؟

وَتَأَفَّفْتُمْ عَلَيْهِ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ،

وَجِئْتُمْ بِالْمُغْتَصَبِ وَالأَعْرَجِ وَالسَّقِيمِ فَأَتَيْتُمْ بِالتَّقْدِمَةِ.


فَهَلْ أَقْبَلُهَا مِنْ يَدِكُمْ؟ قَالَ الرَّبُّ. [13]

الاتهام الثاني الموجه إلى الكهنة أنهم ظنوا أن مهمتهم ثقيلة وشاقة جدًا، فكانوا يتممونها بروح التذمر. لهذا يُعاتب الرب شعبه في ميخا: "بماذا أضجرتك؟" (مي 6: 3)، وفي إشعياء يقول: "لم استخدمك بتقدمةٍ، ولا أتعبتك بلبانٍ، لم تشترِ ليّ بفضةٍ قصبًا، وبشحم ذبائحك لم تروني" (إش 43: 23-24).

الله لا يطلب التقدمة بل يطلب مقدم التقدمة نفسه. "يا ابني اعطني قلبك، ولتلاحظ عيناك طرقي" (أم 26: 23).

العبادة غير الطاهرة تتحول من الشعور باللذة والعذوبة في الشركة مع الله إلى مشقةٍ وتعبٍ ومللٍ، حيث يتأفف الإنسان، وينتفخ بعبادته عوض التمتع بالتواضع. بهذا يشعر الإنسان بالتعب والملل حتى في صلواته الجماعية أو الشخصية أو أصوامه أو عطائه بصورة أو أخرى.

وَمَلْعُونٌ الْمَاكِرُ الَّذِي يُوجَدُ فِي قَطِيعِهِ ذَكَرٌ

وَيَنْذُرُ وَيَذْبَحُ لِلسَّيِّدِ عَائِبًا.

لأَنِّي أَنَا مَلِكٌ عَظِيمٌ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ


وَاسْمِي مَهِيبٌ بَيْنَ الأُمَمِ. [14]

إنهم يقدمون ذبائح معيبة، لا لعدم وجود ذبائح لائقة، وإنما عن استخفاف واستهانة بالعبادة لله. لديهم أفضل القطعان، وما يصلح لخدمة الله وإكرامه، لكنهم قدموا أسوأ ما لديهم. يحاولون تقديم مبررات بشرية بمكرٍ لتقديم ذبائح معيبة. فيدعون أنهم يكرمون الله بينما هم يسيئون إليه.

بمكرهم سقطوا تحت اللعنة عوض تمتعهم بالبركات السماوية، إذ يقول عنهم: "ملعون الماكر".

يوبخ كهنته وشعبه أنهم سلكوا بصورة لم يسلكها الوثنيون، فإن اسمه عظيم ومهوب بين الأمم، بينما استخف اليهود وكهنتهم باسمه وهيكله وذبائحه. وكما يقول المرتل: "يا جميع الأمم صفقوا بالأيادي... لأن الرب عليُّ مخوف، ملك كبير على الأرض" (مز 47: 1-2).

*     لا يكفيه أن تكون أمة واحدة خاضعة له، فقد قدم ثمنًا عظيمًا خرج من جنبه لكي يشتري العالم كله[59].

القديس أغسطينوس

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

1من وحي ملاخي
قدسني، فأقدم لك ذبيحة مقدسة!

*     صوتك يدوي في أعماق قلبي:

أحببتك، واخترتك ابنًا ليّ.

فديتك بدمي لتنعم بشركة أمجادي!

*     اخترتني قبل أن تخلقني،

عرفتني قبل أن أوجد،

أعددت ليّ مجدًا وأنا بعد كنت عدمًا.

ماذا أرُد لك يا من تبادرني بحبك؟

*     انزع عني كل كبرياءٍ ورياءٍ،

ٍفإنني لن أتبرر أمامك.

أخطأت إذ لم أكرمك كأبٍ،

ولا خشيتك كسيدٍ ليّ.

ألهب قلبي بنار حبك،

وسمّر خوفك في داخلي.

*     في غباوة احتقرت اسمك،

وقدمت ذبائح نجسة،

إذ لم أقدم لك بكور وقتي،

ولم أعطِ الأولوية للقاء معك.

انشغلت بالزمنيات كأنها أبديات،

وتجاهلت أبديتي كأنها وهم وخيال.

أسأت إلى طول أناتك،

يا من تنتظر رجوعي إليك.

*     أخطأت، إذ كثيرًا ما انشغلت بالشكليات،

وحسبت العبادة لك واجبًا ثقيلاً.

أشرق على قلبي فيلتصق بك.

وليعمل روحك القدوس فيّ، فأسلك دومًا بالروح.

*     كثيرًا ما تقدمت إليك كأعرجٍ،

أعَّرج بين الطريقين.

احملني إليك وفيك يا أيها الطريق الحق.

انزع كل سقمٍ من نفسي يا أيها الطبيب السماوي.

ارفع وجهي إليك،

فاحسب كل شيء نفاية من أجلك!

*     لتشرق عليّ يا شمس البرّ كما على إخوتي،

فيستنير العالم كله بنورك.

ويقَّرب الجميع لاسمك بخورًا طاهرًا.

ويتمتع الكل بذبيحة جسدك ودمك المبذولين،

ويتمجد اسمك في كل إنسانٍ!

*     لتحول العالم كله إلى مقدسٍ لك،

ويتمتع الكل بالشركة معك،

ويقدم الكل ذبيحة طاهرة مقدسة،

حيث يلتصق الكل بذبيحة صليبك.

وتملك أيها الملك السماوي على كل بشرٍ.

 

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +
 
تفسير سفر ملاخى أصحاح 2 PDF Print Email

الكهنة بين اللعنة والبركة

بعد أن وجه الحديث للشعب ككل في الأصحاح الأول مبرزًا إنهم قابلوا محبة الله الفائقة لهم باستخفاف، وأنهم اتكلوا على وجود الكهنة بينهم وتقديم التقدمات والذبائح الحيوانية، أبرز هنا أخطاء الكهنة الجسيمة على وجه الخصوص.

1. لعنة عوض البركات                            [1-4].

2. عهد الله للحياة                                 [5-7].

3.إفسادهم العهد مع الله                       [8-9].

4. إفساد العهد مع القريب                      [10].

5. الزواج بالوثنيات                            [11-13].

6. إفساد العهد مع الزوجة                 [14-16].

7. الاستخفاف ببرّ الله                            [17].

+ إقرأ اصحاح 2 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

 

 

 

 

1. لعنة عوض البركات:

وَالآنَ إِلَيْكُمْ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ أَيُّهَا الْكَهَنَةُ: [1]

ربما يبرر الكهنة أخطاءهم المذكورة في الأصحاح السابق بأن ما يقدمونه على المذبح من تقدمات وذبائح نجسة ومعيبة ليس خطأهم، بل هو خطأ الشعب الذي يرفض تقديم أفضل ما لديهم لله. فجاء هذا الأصحاح ليكشف عما في قلب الكهنة أنفسهم. الوصية الموجهة هنا للكهنة لا تخص التقدمات والذبائح بل قلوب الكهنة ونياتهم وحياتهم وسلوكهم. فإن كان عمل الكاهن هو الشفاعة عن الشعب بتقديم الذبائح بكونها رمزًا لذبيحة السيد المسيح، فإنه يليق بالكاهن أن يتقدس. فإن كان الكاهن غير طاهر كيف يصرخ قلبه من أجل طهارة قلوب الآخرين وتقديسها.

إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَسْمَعُونَ وَلاَ تَجْعَلُونَ فِي الْقَلْبِ لِتُعْطُوا مَجْداً لاِسْمِي،

قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ

فَإِنِّي أُرْسِلُ عَلَيْكُمُ اللَّعْنَ.

وَأَلْعَنُ بَرَكَاتِكُمْ

بَلْ قَدْ لَعَنْتُهَا

لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ جَاعِلِينَ فِي الْقَلْبِ. [2]


الله الفاحص القلوب يدرك تمامًا أن ممارستهم للعمل الكهنوتي لم تكن بغية مجد الله، فالعيب في القلب ذاته، لهذا تحل عليهم اللعنة عوض البركات.

إذ لا يقدمون قلوبهم للرب من أجل المجد الزمني أو الطمع المادي، تحل اللعنة عليهم فيفقدون كرامتهم حتى الزمنية، والبركات حتى المادية. يخسرون ما هو سماوي، وأيضًا ما هو أرضي.

*   إنه لعبء ثقيل يلتزم به الكهنة أن يدافعوا عن مجد الله ويعملوا لأجله، حتى لا نبدو أننا نهمل في شيءٍ من هذا القبيل، عندما يحثنا الله ويقول: "والآن إليكم هذه الوصية أيها الكهنة، إن كنتم لا تسمعون، ولا تجعلون في القلب تعطوا مجدًا لاسمي، قال الرب، فإني أرسل عليكم اللعن، وألعن بركتكم" (راجع مل 2: 1-4)[60].

القديس كبريانوس

*   عندما يسير الراعي في الأماكن المنحدرة والوعرة، يتبعه القطيع فيسقط في وهدة الهلاك. ومن ثم يحزن الرب من معرفة الرعاة الرديئة، ويقول على لسان النبي: "أهو صغير عندكم أن ترعوا المرعى الجيد وبقية مراعيكم تدوسونها بأرجلكم، وأن تشربوا من المياه العميقة والبقية تكدرونها بأقدامكم. وغنمي ترعى من دوس أقدامكم، وتشرب من كدر أرجلكم." (حز 34: 18-19).

ومن الواضح أنه عندما ينهل الرعاة من المياه الصافية والنقية، فإنهم يرتوون من سبيل الحق بفهمهم الصائب، ولكنهم يفسدون التأمل المقدس بحياتهم الشريرة عندما يُكدروا المياه بأقدامهم. ومن البديهي أن الرعية ستشرب من هذه المياه الملوثة التي تعكرت من هذه الأقدام، ثم تمتنع عن تنفيذ التعاليم التي سمعتها، لأنها تتمثل بالقدوة الشريرة التي تراها. إن الرعية تتوق إلى فعل الصالح الذي يقوله الرعاة، ولكنها تنحرف من جراء الشر الذي يفعلونه، فتمتص الوحل مع ما تتجرعه إذ أنها تنهل من ينبوع ملوث.

لهذا كتب النبي قائلاً إن الكهنة الأشرار قد صاروا فخا لهلاك الشعب: "اسمعوا هذا أيها الكهنة!... لأن عليكم القضاء، إذ صرتم فخا" (هو 5: 1)، "النبي فخ صياد" (هو 9: 8) وأيضا يقول الرب بالنبي بخصوص الرعاة: "وكانوا معثرة إثم لبيت إسرائيل." (حز 44: 12)

ليس هناك من يلحق الأذى بالكنيسة أكثر من أولئك الذين لهم صورة القداسة ولقبها ولكنهم يتصرفون تصرفًا فاسدًا[61].

الأب غريغوريوس (الكبير)

*   هذا هو واجبك أيها الأسقف، ألا تتجاهل أخطاء الشعب ولا أن تستخف بالتائبين، حتى لا تُهلك قطيع الرب في عدم مهارة، أو تهين اسمه الجديد المختوم على شعبه، فتُوبَّخ أنت نفسك مثلما وُبخ الرعاة القدامى، إذ تحدث الله عنهم بإرميا: "رعاة كثيرون أفسدوا كرمي، دنسوا ميراثي" (راجع إر 12: 10)[62].

دساتير الرسل

إذ يسقط الكهنة تحت اللعنة، فإنهم بدورهم يكونون علة لعنة لمن يسلكون معهم في ذات طريقهم من الشعب.

*   لا يخدع الشعب نفسه، فيظنون أنهم في أمان من عدوى الخطية، حيث يلتصقون بكاهنٍ خاطيءٍ ويقدمون الطاعة لقائدهم الظالم غير الشرعي في أسقفيته. إذ يوجه اللوم إليهم من النبي هوشع: "ذبائحهم مثل خبز الحزن، كل من أكله يتنجس" (هو 9: 4). هذا التعليم يظهر بوضوح أن الكل يشتركون معًا في خطية فساد ذبيحة الكاهن المجدف الظالم[63].

الشهيد كبريانوس

هأَنَذَا أَنْتَهِرُ لَكُمُ الزَّرْع،َ

وَأَمُدُّ الْفَرْثَ عَلَى وُجُوهِكُمْ فَرْثَ أَعْيَادِكُمْ

فَتُنْزَعُونَ مَعَهُ. [3]


غاية العمل الكهنوتي خلق الجو السماوي المفرح وسط الشعب، لكن بسبب فساد قلوبهم ونياتهم تحولت حياتهم إلى علة مرارةٍ وقحطٍ وحزنٍ وسط الشعب.

عندما ينحرف القادة الروحيين عن القداسة، تهرب البركة وتحل اللعنة. فكما لُعنت الأرض بسبب خطية أبوينا آدم وحواء، فصارت تخرج شوكًا وحسكًا، يقول إشعياء النبي: "لأنكِ نسيتِ إله خلاصكِ، ولم تذكري صخرة حصنكِ، لذلك تغرسين أغراسًا نزهة... ولكن يهرب الحصيد في يوم الضربة المهلكة والكآبة العديمة الرجاء" (إش 17: 10-11). ويقول هوشع النبي: "إنهم يزرعون الريح، ويحصدون الزوبعة، زرع ليس له غلة، لا يصنع دقيقًا، وإن صنع فالغرباء تبتلعه" (هو 8: 7). وإرميا النبي "زرعوا حنطة، وحصدوا شوكًا" (إر 12: 13).

*   لا تجني ثمرًا من خدمة الأصنام، فإن حزمهم مثل سنابل قمح بددها الريح، تظهر من الخارج كأنها مملوءة حبوبًا لكنها في الداخل ليس بها غلة[64].

*   يقول: إذ تنسى صانع الخيرات معك، تزرع عدم أمانة وتحصد عقوقًا. حسنًا، ستحصد ثمار غروسك وبذارك[65].

ثيؤدورت أسقف قورش


جاء النص في الطبعة الكاثولكية: "هأنذا أقطع أذرعكم، وأذري الروث على وجوهكم، روث أعيادكم، ويذهب بكم معه". فعوض الكرامة والمجد والبركة، التي يتمتع بها الكهنة كخدام الله العاملين لبنيان شعبه، يصيرون مبتوري الأذرع، يُلقى الروث على وجوههم، ويفقدون بهجة الأعياد.

لعله يقصد بالفرث أو الروث هنا هو ما في أحشاء الذبائح عند غسلها، فإنهم إذ يقدمون ذبائح معيبة وبقلوب فاسدة، بدلاً من نوالهم أجزاء من الذبيحة ليأكلوها ككهنة الله، يلقي الله بروثها على وجوههم علامة الخزي الذي يحل عليهم، وجعلهم محتقرين عند الشعب ودنيئين. هذا هو نصيب الخادم الذي لا يطلب مجد الله بل مجده الشخصي ونفعه المادي الخاص. إذ يصيرون أشبه بمزبلة لا يستحقون إلا إلقاء الروث عليهم.

فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ

لِكَوْنِ عَهْدِي مَعَ لاَوِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. [4]


يؤكد الله أن ما ينطق به ملاخي ليس من عنده، وإنما هو كلمة الله التي أرسلها إليهم لتوبتهم، بعثها إليهم من أجل عهده مع لاوي أن يتقدس لحساب الخدمة الإلهية.

في كل الأجيال يُريد الرب أن يقيم مع أولاده وشعبه عهدًا أبديًا لكي يتمتعوا بالميراث السماوي. وكما يقول المرتل: "ذكر إلى الدهر عهده، كلامًا أوصى به إلى ألف دورٍ" (مز 105: 8).

*   بعد قوله: "ذكر إلى الدهر عهده"، التي يلزم أن نفهمها أنه عهد يبقى إلى الأبد، عهد التبرير والميراث الأبدي، الذي يُعد به الله بالإيمان، فقد أضاف: "والكلمة أوصى به إلى ألف دورٍ". ماذا يعني بكلمة "أوصى"؟ الوصية هنا هي الإيمان حيث يحيا البار بالإيمان (رو 1: 17)، ويوضع الميراث الأبدي مقابل هذا الإيمان[66].

القديس أغسطينوس

*   "لم يحفظوا عهد الله، وأبوا السلوك في شريعته، ونسوا أفعاله وعجائبة التي أراهم" (مز 78: 9-10). لقد ثاروا ضده، هذا الذي جددهم في المعمودية... لقد شق البحر وعبر بهم خلاله، وجعل المياه تقف كما في إناء. وقادهم بسحابة في النهار (مز 78: 12-14)[67].

*   "إلى الدهر أحفظ له رحمتي، وعهدي يثبت له" (مز 89: 28). يحفظ رحمته على الدوام في الكنيسة التي يخلصها بعهد وصاياه[68].

*   الناموس كان مجرد بداية للعهد، والإنجيل هو تكميل له[69].

القديس جيروم


+ إقرأ اصحاح 2 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

 

 

 

 

2. عهد الله للحياة:

حين أقام الله عهده مع بني لاوي، خاصة مع هرون وبنيه، لم يضع عليهم نيرًا ثقيلاً. قدم عهدًا "للحياة والسلام". أفرزهم الله لكي يكونوا علة حياة لشعبه، وسلام لهم، خلال خدمتهم المقدسة.

إن كان الله قد قطع عهدًا مع شعبه، فإنه قطعه على وجه الخصوص مع سبط لاوي. "إذ كلم الرب موسى، قائلاً: أما سبط لاوي فلا تحسبه، ولا تعده بين بني إسرائيل، بل وكل اللاويين على مسكن الشهادة... هم يحملون المسكن وكل أمتعته، وهم يخدمونه، وحول المسكن ينزلون" (عد 3: 12). كما قال له: "وقرِّب إليك هرون أخاك وبنيه معه من بين إسرائيل ليكهن ليّ" (خر 28: 1)، كما قيل: "هرون قدوس الرب" (مز 106: 16).

يفتح الله أبواب السماء ليفيض على النفس التي تتقي الرب وتحمل في داخلها مخافته. إنه يمنحنا الحياة الأبدية والسلام الداخلي إن كنا نتقيه.

كَانَ عَهْدِي مَعَهُ لِلْحَيَاةِ وَالسَّلاَمِ

وَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُمَا لِلتَّقْوَى.

فَاتَّقَانِي وَمِنِ اسْمِي ارْتَاعَ هُوَ. [5]


يؤتمن الكاهن على العهد الإلهي لكي يكون رسول رب الجنود، رسول عهد الحياة والسلام. عندما بارك موسى الأسباط قبل نياحته قال للاوي: "الذي قال عن أبيه وأمه لم أرهما، وبإخوته لم يعترف، وأولاده لم يعرف، بل حفظوا كلامك وصانوا عهدك" (تث 33: 9). هكذا كان يليق بلاوي كخادمٍ للقدوس أن يركز كل طاقاته على الوصية الإلهية والعهد الإلهي فوق كل علاقة، حتى يبدو كمن لا يرى أباه وأمه، ولا يعترف بإخوته، ولا يعرف وأولاده.

ماذا يقصد بقوله: "عهدي معه للحياة والسلام"؟

إن كان الإنسان قد حلّ به الموت الأبدي بسبب الخطية، وفقد سلامه الداخلي وسلامه مع الله ومع إخوته، لأنه أعطى القفا لله واهب السلام، فإن غاية العهد الإلهي هو إقامة الموتى روحيًا للتمتع بالمسيح "القيامة"، فيحيا الإنسان ولا يموت، وأن تتم المصالحة بينه وبين الله، فيمتلئ سلامًا في داخله مع نفسه كما مع إخوته. هذا هو عمل الكاهن الذي ينبغي إلا ينشغل إلا به، ولا ينحرف عنه.

*   لقد خلص البشرية، عمل يديه، وليس من عمل آخر، بمعنى أن ما قد خلقه لنفسه خلصه لنفسه. لقد خلق الإنسان الذي هلك خلال شره. لقد مات (السيد المسيح) لكي يحفظ الإنسان له بيمينه[70].

*   إنه الرب القائل: "قلبي مستعد يا الله، قلبي مستعد". أنا مستعد هنا، وأنا مستعد في الحياة العتيدة. أنا مخلص على الأرض، أنا مخلص في السماء. أنا أهب الحياة الأبدية للملائكة والبشر معًا[71].

القديس جيروم

شَرِيعَةُ الْحَقِّ كَانَتْ فِي فَمِهِ وَإِثْمٌ لَمْ يُوجَدْ فِي شَفَتَيْهِ.

سَلَكَ مَعِي فِي السَّلاَمِ وَالاِسْتِقَامَةِ

وَأَرْجَعَ كَثِيرِينَ عَنِ الإِثْمِ. [6]


يليق بالكاهن أن تكون له معرفة بالسماويات، يعيشها ويشهد لها أمام الشعب، فيُخرج من كنزه جددًا وعتقاء (مت 13: 52).

لأَنَّ شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً،

وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ،

لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْجُنُودِ. [7]


يرى سليمان الحكيم في الكاهن أنه يلزم أن يكون حكيمًا فتفيض شفتاه بكلمات المعرفة والحكمة، يجتذب بها الكثيرين إلى طريق الحق، إذ يقول: "في شفتي العاقل توجد حكمة... شفتا الصديق تهديان كثيرين" (أم 10: 13-21).

ليس ما يشغل قلب الكاهن سوى الشريعة، أو الوصية الإلهية، وشفتاه لا تنطقان إلا بما يتناغم مع الشريعة: "من فمه يطلبون الشريعة" كل ما ينطق به ينسب إلى موكله الذي أرسله، "لأنه رسول رب الجنود" [7].

يليق بالكاهن أن يدرك مركزه كرسول رب الجنود، له رؤية سماوية إلهية صادقة. وكما قال الرب لإشعياء النبي: "اذهب، أقم الحارس ليُخبر بما يرى" (إش 21: 6). يليق بالكاهن أن يصرخ إلى الله قائلاً: "أيها السيد أنا قائم على المرصد دائمًا في النهار، وأنا واقف على المحرس كل الليالي" (إش 21: 8). هكذا يقف الكاهن ليلاً ونهارًا، لا يعرف الراحة لجسده، يتطلع دومًا على شعبه كما بعيني الرب في وسط أفراحهم كما بالنهار وكل الليالي وسط ضيقاتهم. يهتم بهم، وشمس البٌر مُشرق عليهم، كما يهتم بخلاصهم حين تحل بهم ظلمة الليل بسبب انحرافهم عن شمس البّر.

هذا ويليق بالمؤمن من جانبه وهو يطلب مشورة رب الجنود أن يلجأ إلى الصلاة والطلبة، مع سؤال "رسول رب الجنود"، ولا يكف عن طلب المعرفة والمشيئة الإلهية.

*   عمل الرسول هو هذا، أن يبلغ من واحدٍ إلى آخر ما قد أًخبر به. لهذا السبب أيضًا يُدعى الكاهن رسولاً (مل 2: 7)، لأنه لا يتكلم بكلماته، بل بكلمات ذاك الذي يرسله[72].

القديس يوحنا الذهبي الفم


*   يلزمنا أن نخاف لئلا يُوجه إلينا توبيخ النبي العنيف: "كلاب بُكمْ لا تقدر أن تنبح" (إش 56: 10). بواسطة نباح الكلاب وعصا الراعي تُقاوم ضراوة الذئاب. الآن بالتأكيد لا يُسام الكهنة ليكونوا وكلاء حقول أو زارعين للأراضي، وإنما أن يكونوا فلاحي نفوس، الأمر الذي يتحدث عنه الرسول بكل تأكيد عندما قال: "أنا غرست وأبلوس سقى". وأيضا قال: "نحن عاملان مع الله، وأنتم فلاحة الله" (1 كو 3: 9). يلزم أخذ هذه الحقائق بخوفٍ عظيمٍ بواسطة جميع الكهنة الذين لا يستطيعون أن يجهلوا الناموس الإلهي والنظم القانونية، وذلك كقول الرسول: "إن كان أحد ينتمي للرب فليعلم ما أقول، ولكن إن يجهل أحد فليجهل" (راجع 1 كو 14: 37- 38). لهذا السبب لتخشَ تمامًا ما قاله الرب بالنبي: "سُبي شعبي لعدم المعرفة " (إش 5: 13). علاوة على هذا: "من يحوِّل أذنيه عن سماع شريعة الرب فصلاته مكرهة" (أم 28: 9). "لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة" (مل 2: 7). مكتوب عن ثياب الكهنة أنهم عند دخولهم الهيكل يلزم أن توجد أجراس ذهبية على أطراف الثياب. ما هذه سوى أنه عند دخول كل كهنة الرب الكنيسة لا يتوقفوا عن الصراخ، أي عن الكرازة بالأمور الأخروية، أي نهاية العالم والدينونة العتيدة. فبإعلانهم المستمر عن مكافآت الأبرار وعقوبات الأشرار، يحثون الصالحين إلى ما هو أفضل، ويردون الأشرار عن تصرفاتهم الخاطئة خلال الخوف من الدينونة العتيدة[73].

قيصريوس أسقف آرل


*   لم يكن شيء ما مقدس يُقدم أو يُمارس في الهيكل سابقًا بدون الكاهن. لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة، ومن فمه يطلبون الشريعة، "إنه رسول رب الجنود" كما يقول النبي (مل 2: 7)[74].

الدسقولية


*   قيل للخطاة: "أنبياؤك رأوا لك كذبًا وباطلاً، ولم يعلنوا إثمك ليردوا سبيك" (مراثي إرميا 2: 14) ويلاحظ أن المعلمين كانوا يسمون أحيانًا "أنبياء" في الكتاب المقدس، لأنهم كانوا يظهرون طبيعة الحاضر ويعلنون عن المستقبل. وكأن الله يتهمهم بالكذب إذا امتدحوا فاعلي الشر وقاموا بتبرئتهم بدلاً من إدانة أخطائهم، وذلك خوفًا منهم.

إذا تجنب الرعاة استعمال كلمات التوبيخ يفشلون في الكشف عن أخطاء الأشرار. إذ كلمات التوبيخ لهي حقًا المفتاح الذي يظهر الخطية التي لا يحس بها فاعلها في كثير من الأحيان. لهذا يقول بولس الرسول: "ملازمًا للكلمة الصادقة التي بحسب التعليم، لكي يكون قادرًا أن يعظ بالتعليم الصحيح ويوبخ المناقضين" (تي 1: 9) ويقول ملاخي أيضًا: "لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة، ومن فمه يطلبون الشريعة، لأنه رسول رب الجنود." (مل 2: 7) لهذا يحذر الرب على لسان إشعياء قائلاً: "ناد بصوتٍ عالٍ. لا تمسك. ارفع صوتك كبوق". (إش 58: 1) فالذي يدخل الكهنوت يأخذ منصب رسول يصيح بصوت عال، ويسبق مجيء الديان العادل الذي يتبعه بمظهر رهيب[75].

الأب غريغوريوس (الكبير)


+ إقرأ اصحاح 2 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

 

 

 

3. إفسادهم العهد مع الله:

وَأَعْثَرْتُمْ كَثِيرِينَ بِالشَّرِيعَةِ.

أَفْسَدْتُمْ عَهْدَ لاَوِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. [8]


"أعثرتم كثرين بالشريعة" [8]، إما بتفسيرهم الشريعة بطريقة حرفية قاتلة، فصارت ثقلاً على النفس، أو بتطبيقها حسبما يحلو لهم لحساب مصالحهم الشخصية، في مداهنة للأغنياء وقسوة على الفقراء والضعفاء. هؤلاء يحولون حتى إنجيل المسيح الذي هو رائحة حياة لحياة إلى "رائحة موتٍ لموتٍ" (2 كو 2: 16)، ويصير لهم السيد المسيح نفسه "صخرة عثرة" (رو 9: 33).

إنه لأمرٍ معثرٍ للشعب أن ينحرف الكاهن عن الطريق، وأن يخون العهد الذي أقامه الله مع لاوي. ما معنى الانحراف عن الطريق الإلهي سوى انشغال الكاهن بشيءٍ ما غير خلاص نفسه وخلاص أولاده أو الشعب. هذا هو طريق الرب الذي يريد أن الكل يخلصون وإلى معرفة الله يقبلون. بهذا يفسدون العهد مع الله محب البشر.

*   إن الديان العادل ينكرهم ويتجاهلهم، لأن الذين يخفف عنهم التجارب والآلام في هذا العالم إنما هم في الحقيقة مرفوضون منه. لهذا يقول رب المجد لمثل هؤلاء حتى ولو قاموا بصنع المعجزات: "لا أعرفكم من أين أنتم، تباعدوا عني يا جميع فاعلي الظلم." (لو 13: 27؛ مت 7: 23). إن صوت الحق الإلهي يوبخ جهالة مثل هؤلاء الرعاة قائلاً: "وهم رعاة لا يعرفون الفهم." (إش 56: 11) مرة أخرى يؤنبهم الرب قائلاً: "وأهل الشريعة لم يعرفوني". (إر 2: 8) ولذلك يشكو الحق الإلهي من هؤلاء الرعاة لأنهم لم يعرفوه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لأنه لا أحد يفهم سمو خدمة القيادة إلا الذين عرفوه أما الذين يجهلون ما هو للرب يتجاهلهم الرب، كما يقول بولس الرسول: "ولكن إن يجهل أحد فليجهل." (1 كو 14: 38).

*   عدم استحقاق الراعي غالبًا ما يكون متلازمًا مع عدم استحقاق الرعية، فإذا كان الرعاة لا يملكون نور المعرفة نتيجة لخطيئتهم الشخصية فإنه تبعا لذلك تعثر الرعية بسبب جهلها حسب قصاص القضاء. من أجل ذلك قال رب المجد يسوع: "إن كان أعمى يقود أعمي يسقطان كلاهما في حفرة." (مت 15: 14؛ لو 6: 39) وفي هذا قال صاحب المزامير متنبئًا: "لتظلم عيونهم عن البصر وقلقل متونهم دائمًا." (مز 69: 23). إن القادة هم بالحقيقة عيون، إذ أنهم في واجهة أعلى الرتب وقد أخذوا على عاتقهم توضيح الطريق، أما الذين يتبعونهم فقد ارتبطوا بهم وعليه فهم يدعون "بالمتون". وهكذا عندما تظلم العيون، تنحني المتون أيضًا، لأنه عندما يفقد القادة نور المعرفة، ينوء الذين يتبعونهم تحت نير خطاياهم[76].

الأب غريغوريوس (الكبير)


*   هكذا الخدمة الكهنوتية تجارة. لذلك يقول النبي لبني إسرائيل: "أصحاب حاناتكم مزجوا ماء بخمرهم" (راجع إش 1: 22 LXX). لا يتحدث القديس إشعياء عن أصحاب الحانات الذين بدورهم في خدمتهم للحانات يغشون الخمر النقي بماء. من الصعوبة أن يكون هذا الطوباوي يتحدث عن هذا الأمر كما لو كان قاضيًا مدنيًا يهتم بأن أناسًا يخففون المسكر بالماء. بالحري يتحدث عن أصحاب الحانات الذين يقيمون لا في حانات بل في الكنائس. هؤلاء لا يقدمون للعطشى كأسًا للشهوات بل للفضيلة. إنهم لا يخدمون كأس المسكر بل كأس المخلص. إنه ينتهر هؤلاء أصحاب الحانات وينتقدهم، مشتكيًا إنهم يمزجون الخمر بالماء. هذا ما ينتقدهم فيه - فإنهم وقد أقيموا للأعمال الإلهية صاروا مشغولين بالأمور البشرية، كما يقول النبي نفسه: "كل واحدٍ مشغول ببيته". فإن أهمل كاهن ما العمل الكهنوتي وانغمس في الملذات العالمية يمزج الخمر بالماء، أي يمزج الأمور الدافئة بالأمور التافهة الباردة[77].

الأب مكسيموس أسقف تورين


من الخطورة أن يفقد الراعي روح التمييز، فتتحول الكلمة التي للاستنارة إلى عثرة للشعب، وكما قال السيد المسيح: "هم عميان قادة عميان، وإن كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة" (مت 15: 14). ويقول إشعياء النبي: "تتلمس الحائط كعمي، وكالذي بلا أعين تتجسس، قد عثرنا في الظهر كما في العتمة، في الضباب كموتى" (إش 59: 9-10).

*   يقرأون الكتاب المقدس، ولا يرون الحق الذي فيه، ويشبهون العميان الذين يسيرون وهم يتلمسون الحائط دون أن يروا. ويسقطون في الظهيرة كما في نصف الليل. ها أنتم ترون أي بؤس للكل. فمع أن شمس البرّ يشرق على العالم كله، إذا بهم (اليهود) يتعثرون ويسقطون كما في موت الليل. يتنهدون كشخص ميت. يقضون الحياة في حزن عظيم حتى يبدو وجودهم مثل الموت[78].

ثيؤدورت أسقف قورش

*   أنهم قادة عميان لشعب أعمى. من هم هؤلاء القادة العميان؟ الفريسيون الذين أعمى إله هذا الدهر أذهانهم، لأنهم غير مؤمنين، إذ لم يؤمنوا بيسوع المسيح. لقد أعماهم إله هذا الدهر حتى لا يشرق عليهم نور إنجيل مجد الله الذي في وجه المسيح (2 كو 4: 4). يلزمنا أن نتجنب قيادة هؤلاء الأشخاص العميان. يليق بنا ليس فقط أن نفعل هذا، بل وبالتأكيد أن نصغي بحرصٍ إلى الذين يعملون في القيادة في طريق التعليم الصادق، وأن نطبق حكمًا صائبًا ما يقولونه. لنفعل هذا حتى لا نظهر نحن أنفسنا عميانًا، لأننا لا نرى معنى الأسفار المقدسة[79].

العلامة أوريجينوس

فَأَنَا أَيْضاً صَيَّرْتُكُمْ مُحْتَقَرِينَ وَدَنِيئِينَ عِنْدَ كُلِّ الشَّعْبِ،

كَمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَحْفَظُوا طُرُقِي بَلْ حَابَيْتُمْ فِي الشَّرِيعَةِ. [9]


إذ يلمس الشعب في الكهنة أنهم عوض أن يكونوا مصدر بركة إلهية، صاروا يحملون اللعنة [2]، لذلك يقول الرب: "فأنا أيضًا صيرتكم محتقرين ودنيئين عند كل الشعب" [9].

بجانب الانحراف عن الطريق الإلهي وإفساد العهد يحابون في الشريعة. يختارون منها ما يحلو لهم، ويتجاهلون ما لا يتناغم مع إرادتهم الشريرة. يتممون المظاهر الخارجية، ولا يبالون بالنقاوة الداخلية. إنهم لا يحترمون كل وصاياه. يقول المرتل: "لا أخزى إذا نظرت إلى كل وصاياك" (مز 119: 6).

ولعله يقصد بالمحاباة في الشريعة، استخدامهم الوصية في محاباة للأشخاص، يلاطفون البعض، ويقسون على الغير، لا بحكمة لخلاصهم، وإنما لتحقيق مصالح شخصية، بينما "ليس عند الله محاباة" (رو 2: 11). وكما يقول أليهو: "الذي لا يحابي بوجوه الرؤساء، ولا يعتبر موسعًا (من هو في سعة العيش) دون فقير، لأنهم جميعًا عمل يديه" (أي 34: 19).

+ إقرأ اصحاح 2 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +


4. إفساد العهد مع القريب:

أَلَيْسَ أَبٌ وَاحِدٌ لِكُلِّنَا؟

أَلَيْسَ إِلَهٌ وَاحِدٌ خَلَقَنَا؟

فَلِمَاذَا نَغْدُرُ الرَّجُلُ بِأَخِيهِ لِتَدْنِيسِ عَهْدِ آبَائِنَا؟ [10]


لقد تجاهلوا إخوتهم بكونهم أبناء لأب سماوي واحد، ومخلوقات من صنع إله واحد، فصار كل منهم يغدر بأخيه. إذ هم غير محبين لله لا يحبون إخوتهم، وأيضًا إذ يغدرون ببعضهم البعض يهينون أب الجميع وخالق الكل. يقول الرسول بولس: "إله وأب واحد للكل" (أف 4: 6)، ويقول إشعياء النبي: "والآن يا رب أنت أبونا. نحن الطين وأنت جابلنا، وكلنا عمل يديك" (إش 64: 8).

*   هناك (في السماء) لا يوجد حب بتقديرٍ خاصٍ لقريبة، بل سيحب الجميع الواحد الآخر بفيضٍ على نمطٍ واحدٍ. هناك لا يتزوجون نساءً، ولا ينجبون أطفالاً، ولا تمييز بين ذكر وأنثى، بل يكون الكل أبناء أبيهم الذي في السماوات، كما قال النبي: "أليس أب واحد لكلنا؟ أليس إله واحد خلقنا؟" (مل 2: 10)[80].

*   أما بخصوص ما قلته أنه سوف لا تكون زوجات، ولا تمييز بين ذكر وأنثى، فقد علمنا ربنا ورسله هذا. "الذين حُسبوا أهلاً للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يكون لهم نساء ولا يصير للنساء رجالاً، إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضًا، لأنهم مثل الملائكة في السماء، وهم أبناء الله" (راجع لو 20: 35– 36). وقال الرسول: "ليس عبد ولا حر؛ ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع" (غل 3: 28)[81].

 

القديس أفراهاط


*   أما تسمعون موسى عندما يقول: "تركتم الله الذي ولدكم" (تث 32: 15 LXX)؟ أما تسمعون ملاخي يوبخهم ويقول إن "إله واحد خلقكم" ويوجد "أب واحد للكل" (مل 2: 10 LXX)[82].

القديس يوحنا الذهبي الفم


*   هذا هو حنو الله نحو البشرية، إذ هو الخالق صار فيما بعد لهم حسب النعمة أبًا أيضًا. يصير هكذا عندما يتقبله الشعب، خليقته، في قلوبهم، كما يقول الرسول: "روح ابنه يصرخ: يا أبا، الآب". هؤلاء هم أولئك الذين إذ يتقبلون الكلمة ينالون سلطانًا منه أن يصيروا أولاد الله، مع كونهم بالطبيعة هم خلائقة، وذلك بخلاف قبول روح الابن الطبيعي الحقيقي. لذلك، فقد "صار الكلمة جسدًا، حتى يجعل البشريين مؤهلين للاهوت. نفس المعني يًمكن اقتنائه من النبي ملاخى القائل: "أليس لنا إله واحد خلقنا؟ أليس لنا أب واحد" (مل 2: 10). فقد وضع أولاً "خلق" وبعد ذلك "أب"، لكي يظهر كالكتَّاب الآخرين أنه من البدء كنا خلائق بالطبيعة. الله هو خالقنا بالكلمة، لكن بعد ذلك الله الخالق صار أبانا أيضًا[83].

القديس أثناسيوس الرسولي

*   يعلن الكتاب الحق، إذ يقول: “أولاً لتؤمن أنه يوجد إله واحد، خلق كل الأشياء وأكملها، وجاء بكل شيء من العدم إلى الوجود"، هذا الذي يحوي كل الأشياء، وهو نفسه لا يُحوى بواسطة أحدٍ. بحقٍ قال أيضًا ملاخي بين الأنبياء: "أليس إله واحد الذي خلقنا؟" أيضًا يقول الرسول في اتفاق مع هذا: "يوجد إله واحد، الآب فوق الكل، وفي الكل" (أف 4: 6). هكذا أيضا يقول الرب: "قد دُفع كل شيءٍ إليَّ من أبي" (مت 11: 27). واضح بواسطة ذاك الذي خلق كل الأشياء، إذ لم يُدفع إليه أشياء لآخر، بل مما له هو[84].

القديس ايريناؤس

 

+ إقرأ اصحاح 2 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

 


5. الزواج بالوثنيات:

أَمَّا أَنْتُمْ فَحِدْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ،

غَدَرَ يَهُوذَا وَعُمِلَ الرِّجْسُ فِي إِسْرَائِيلَ وَفِي أُورُشَلِيمَ.

لأَنَّ يَهُوذَا قَدْ نَجَّسَ قُدْسَ الرَّبِّ الَّذِي أَحَبَّهُ،

وَتَزَوَّجَ بِنْتَ إِلَهٍ غَرِيبٍ. [11]

يكرر النبي كلمة "غدر" ومشتقاتها خمس مرات في هذا المقطع [10-16]، وكأن الغدر قد صار سمة شائعة في حياتهم وسلوكهم. يقول المرتل: "ليخز الغادرون بلا سبب" (مز 25: 3). كما يقول: "كل غادرٍ أثيم، لا ترحم" (مز 59: 5)، "رأيت الغادرين ومقت، لأنهم لم يحفظوا كلمتك" (مز 119: 158). "أما الأشرار فينقرضون من الأرض، والغادرون يستأصلون منها" (أم 2: 22)، "اعوجاج الغادرين يخربهم" (أم 11: 3). هكذا نرى مدى خطورة الغدر وعدم الأمانة في العهد.

*   هكذا ندب بولس اليهود (لغدرهم)، وحزن الرب على أورشليم، ورثى إرميا الإلهي الشعب لعدم وفائه بالناموس[85].

*   لديّ أساس كاف S للرجاء في الذين يؤمنون بك ويتمتعون بعونك. فقد اعتدت أن تُظهر عنايتك بهم، بينما تدحض الذين يغدرون. من اللائق الآن الإشارة أنه ليس الخطاة بل الذين يكسرون الناموس بلا سبب (في غدرٍ) هؤلاء يُغطيهم الخزي. ليس كل من يخطئ بذات الطريقة، فإن البعض يحزنون بسبب ظروف معينة أو ضعف طبيعي، وآخرون يفتخرون بعصيانهم واستهانتهم[86].

ثيؤدورس أسقف قورش

الغدر هنا يعني الخيانة للعهد، فمن يكسر العهد مع الله يكون غادرًا وغير أمين في عهده. هذا الغدر ينعكس في معاملاته حتى مع من أقرب له وهو الزوج أو الزوجة التي تسلمها من الله كشريكة حياته ومعينة له في حياته بكل جوانبها.

علامة الغدر والرجس أنهم أهانوا إلههم بزواجهم نساء وثنيات [11]، وتطليقهم زوجاتهم المؤمنات. وقد حسب هاتين الجريمتين موجهتين ضده شخصيًا، وغدرًا به. الجريمة الأولى هي الشركة مع غير المؤمنين حيث يدفع غير المؤمن الطرف الآخر لإنكار الإيمان. والجريمة الثانية هي حل الرباط الزيجي المقدس الذي ربطه الله.

*   إن أردتم أن تروا بأكثر وضوح كيف لا يجوز مطلقا لامرأة مسيحية أن تتزوج أمميًا فلتراعوا ما يقوله الرسول نفسه: "المرأة مرتبطة مادام رجلها حيًا. أما إذا مات الرجل فهي حرة تتزوج بمن تريد، فقط في الرب" (1 كو 7: 39)، أي يكون مسيحيًا. ذاك الذي يسمح بالزواج الثاني والثالث في الرب يمنع الزيجات الأولى مع أممي. لهذا فإن إبراهيم أيضًا جعل عبده يقسم على فخذه، أي على المسيح الذي أتي من نسله، ألا يأتي بأجنبية زوجه لابنه إسحق (تك 24: 1-9). وعزرا إذ اكتشف عصيانًا لله من هذا النوع جعل مواطنيه يطردون زوجاتهم (عز 10: 1-17). ويتحدث ملاخي النبي هكذا: "يعمل يهوذا بغدرٍ ويرتكب الدنس في إسرائيل وفي أورشليم، لأن يهوذا نجس قداسة الله الذي يحبه، وتزوج بابنة إله غريب. سيقطع الله هذا الإنسان الذي يفعل هكذا، الذي يعلم والذي يتعلم، من خيام يعقوب، والذي يقدم تقدمة لرب الجنود"[87].

القديس جيروم

يَقْطَعُ الرَّبُّ الرَّجُلَ الَّذِي يَفْعَلُ هَذَا،

السَّاهِرَ وَالْمُجِيبَ مِنْ خِيَامِ يَعْقُوبَ،

وَمَنْ يُقَرِّبُ تَقْدِمَةً لِرَبِّ الْجُنُودِ. [12]

بمثل هذه التصرفات التي بها يُنجس المؤمنون قدس الرب، يقطع المؤمنون أنفسهم ومن لهم من رعوية شعب الله (أف 2: 12). كما يقطع "الساهر والمجيب"، أي المعلمين والمتعلمين، القادة العميان الذين يسقطون هم وتابعوهم في حفرة الضلالة.

يُقطع المؤمن المتزوج بوثنية "من خيام يعقوب"، أي من شعب الله؛ ويسقط الكاهن الذي "يقدم تقدمة الرب" ويمارس ذات الخطأ تحت نفس العقوبة: القطع والحرمان من خدمة هيكل الرب، ومن كهنوته.

بسبب زنا الشعب مع بنات موآب، فدعوْنَ الشعب إلى العبادة الوثنية (عد 25: 1)، تعلق إسرائيل ببعل فغور وغضب الرب على إسرائيل. فقتل موسى جميع رؤوس الشعب الذين ارتكبوا هذا الإثم. كما غار فينحاس رئيس الكهنة غيرة الله وطعن الكاهن الذي في جسارة ارتبط بامرأة مديانية هو والمرأة برمحه. كذلك قام نحميا بطرد حفيد رئيس الكهنة لأنه تزوج بامرأة وثنية (نح 13: 8).

لقد صار فينحاس الكاهن في غيرته هذه رمزًا للسيد المسيح الذي سلم نفسه للموت بالصليب فرفع الغضب الإلهي عن المؤمنين به.

*   إن كان فينحاس بغيرته في قتل فاعل الشر هدَأ غضب الله، أليس يسوع الذي لم يذبح آخر، بل "بذل نفسه فدية لأجل الجميع" (1 تي 2: 6) لا يرفع غضب الله ضد البشرية؟[88]

القديس كيرلس الأورشليمي

*   إن كنا نتشكل حسب موته، بالتأكيد تصير الخطية فينا جثة هامدة وذلك برمح المعمودية، وذلك كذاك الزاني الذي انطرح خلال غيرة فينحاس[89].

القديس غريغوريوس النيسي


وَقَدْ فَعَلْتُمْ هَذَا ثَانِيَةً،

مُغَطِّينَ مَذْبَحَ الرَّبِّ بِالدُّمُوعِ بِالْبُكَاءِ وَالصُّرَاخِ،

فَلاَ تُرَاعَى التَّقْدِمَةُ بَعْدُ،

وَلاَ يُقْبَلُ الْمُرْضِي مِنْ يَدِكُمْ. [13]

لكي يتزوج المؤمنون وثنيات كانوا يطلقون زوجاتهم لإفساح المجال لتحقيق مآربهم، حتى الرجال الذي لم يطلقوا زوجاتهم المؤمنات كانوا يعاملوهن بمرارة بسبب ارتباطهم بالوثنيات. ولم يكن أمامهن غير الشكوى بدموع وصراخ قلبي مرّ، فكان المذبح مُغطى بهذه الدموع المرّة. تحولت العبادة في الهيكل، خاصة في أيام الأعياد إلى حزن ودموع عوض الفرح بالرب.

لم تعد التقدمات والذبائح موضع مسرة الرب، لأنها تصعد سابحة في دموع الزوجات المغلوبات على أمرهن، تخرج منها صرخاتهن، كما صرخ دم هابيل ضد قايين في صمت!

ولعل الزواج بالوثنيات أفسد مفاهيم العبادة فعوض ارتباط الذبيحة بالتسبيح والفرح الروحي ارتبط بالصراخ وتقطيع الإنسان جسمه بالسيوف والرماح حتى يسيل الدم على المذبح (1 مل 18: 28). وكما يقول حزقيال النبي: "هناك نسوة جالسات يبكين على تموز" (حز 8: 14).

عوض العبادة مع الزوجات المؤمنات بفرحٍ وتسابيحٍ فلا تعُاق صلواتهم وتقدماتهم المرفوعة بأيدٍ طاهرة، التجأ الرجال إلى زوجات وثنيات فيتعبدون معهن بروح الكآبة.

ولعل الدموع هنا والنحيب بسبب شعور هؤلاء الغادرين بالخطأ، فيقدمون الدموع دون التخلي عن الارتباط بالوثنيات، فيمارسون عبادة الله لإرضاء ضمائرهم، ويمارسون العبادة الوثنية من أجل تعلقهم بالوثنيات. يخلطون بين النور والظلمة. وكما قال إيليا النبي: "حتى متى تعرّجون بين الفرقتين، إن كان الرب هو الله فاتبعوه، وإن كان البعل فاتبعوه" (1 مل 18: 21). ويقول الرسول بولس: "لأنه أية خلطة للبرّ والإثم؟ وأية شركة للنور مع الظلمة؟ وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟ وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟" (2 كو 6: 14-15)

*   "أية شركة للنور مع الظلمة؟ حيث يوجد تمايز وتضاد لا يمكن مصالحته بين النور والظلمة، فإن من يشترك في كليهما لا يكون له نصيب في أي منهما، وذلك للتضاد الموجود بين القسمين، كل ضد الآخر، وذلك في نفس الوقت في حياته التي بها مزيج من الاثنين. بإيمانه يستعين بالقسم المنير، لكنه بعاداته المظلمة يطفئ سراج العقل. وإذ يستحيل وجود النور والظلمة في شركة معًا، فإن الشخص الذي يحتضن الاثنين هو عدو لنفسه، حيث ينقسم على ذاته، ينقسم بين طريقي الفضيلة والشر. إنه يقيم في داخله معركة بين مضادين. وحيث أنه متى وجد عدوان لا يمكن أن يكون كلاهما منتصرين، فإن نصرة أحدهما تؤدي إلى موت الخصم، هكذا تُسبب هذه الحرب المدنية اضطرابًا في حياته. ولا يمكن للجانب القوي أن يغلب ما لم يتحطم الثاني تمامًا[90].

القديس غريغوريوس النيسي

 

+ إقرأ اصحاح 2 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +


6. إفساد العهد مع الزوجة:

فَقُلْتُمْ: لِمَاذَا؟

مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الشَّاهِدُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ امْرَأَةِ شَبَابِكَ الَّتِي أَنْتَ غَدَرْتَ بِهَا،

وَهِيَ قَرِينَتُكَ وَامْرَأَةُ عَهْدِكَ. [14]

أيضًا سلك الرجال بروح الغدر والخيانة، حيث تزوجوا بوثنيات أو اتخذوهن سراري ليشاركن الزوجات في حقوقهن من نحو قلوب رجالهن، والتمتع أيضًا بحياة لائقة من جهة المعيشة. هذا السلوك الشائن لن يقدم سلامًا وفرحًا، بل كآبة داخلية وضيقًا.

يهتم الله بالأسرة، ففي عقد الزواج يحسب نفسه شاهدًا عليه، فمن يحل هذا الرباط يكون كمن نقض تعهدًا يشهد عليه الله نفسه. وكل غدر بهذا التعهد يكون الرب نفسه شاهدًا عليه. ومن يلتزم بالتعهد في أمانة قلبية وسلوك لائق يُحسب أمينًا فيما لله.

يدعوها "امرأة شبابك"، إذ أحبها في شبابه، فلماذا يتجاهل هذا الحب والتقدير لها عند شيخوخته؟

كما يدعوها "قرينتك"، أي مشاركة له في أفراح زوجها وأحزانه؛ يتشاركان في تدبير كل أمور الأسرة، تشعر بالمسئولية معه، وتسنده كمعينةٍ له.

"امرأة عهدك"، أي ارتبط بها الزوج برباط وثيق، ودخلت معه في عهدٍ ملزم في أدق الأمور، فيليق بالاثنين أن يتمما ما تعهدا به.

أَفَلَمْ يَفْعَلْ وَاحِدٌ وَلَهُ بَقِيَّةُ الرُّوحِ؟

وَلِمَاذَا الْوَاحِدُ؟ طَالِباً زَرْعَ اللَّهِ.

فَاحْذَرُوا لِرُوحِكُمْ،

وَلاَ يَغْدُرْ أَحَدٌ بِامْرَأَةِ شَبَابِهِ. [15]


يقدم لنا المبررات التي تُلزم الزوجين أن يعيشا معًا حتى النهاية في محبةٍ مقدسةٍ وتقديرٍ وسلامٍ. لقد خلق الله حواء واحدة لآدم واحد، حتى لا يفكر الإنسان في زوجة أخرى. وكما جاء في سفر اللاويين: "ولا تأخذ امرأة على أختها للضر لتكشف عورتها معها في حياتها" (لا 18: 18).

كان يمكن لله أن يخلق حواء أخرى، لكنه أراد من آدم أن ينشغل بأن يكون "طالبًا زرع الله"، أي يكون له أولاد مقدسون، لهم صورة الله. ما يشغله ليس شهوات الجسد ليشبعها بهذه وتلك، وإنما إقامة بيت مقدس فيه الاحترام المتبادل في الرب، والإخلاص في الحب دون أن يغدر الواحد بالآخر، فيعطي مشاعره لآخر. هذا هو الناموس الطبيعي والناموس الإلهي أن يكون "لكل واحد امرأته" (1 كو 7: 2)، يعيشان معًا في عفةٍ وطهارةٍ، في أسرة مقدسة، ينجبان ذرية تتعبد لله" (مز 22: 30). بهذا يكون المضجع غير نجسٍ" (عب 13: 4).

*   في إنجيل متى يقول: "من يطلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني" (مت 5: 32). يُحسب أيضًا كمن ارتكب الزنا من يتزوج بمطلقة من رجلها. على أي الأحوال، لا يسمح الخالق بالتباعد بين من جمعهما إلا لعلة الزنا. موسى نفسه في عبارة أخرى يضع قانونًا أن من يتزوج فتاة بعد اغتصابه لها بالقوة ليس من حقه أن يطلق زوجته (تث 22: 28-29). الآن إن كان الزواج الإلزامي الذي يتم بعد استخدام العنف يبقى دائمًا، كم بالأكثر يكون الزواج الاختياري، الذي هو ثمرة الاتفاق! هذا هو قانون النبي: "لا تترك زوجة صباك". هكذا ترى المسيح يتبع طبيعًيا مسلك الخالق في كل موضع، سواء في السماح بالطلاق أو منعه. تراه أيضا يحمى الزواج، في أي طريق تهرب إليه. إنه يمنع الطلاق، إذ يُريد في الزواج ألا تُنتهك حرمته، ويسمح بالطلاق عندما يُلطخ الزواج بعدم الإخلاص. يليق بك أن تستحي عندما ترفض أن توَّحد أولئك الذين يوحدهم مسيحك[91].

*   إني استرعي انتباهكم إلى قانون الزوجة الواحدة. يقرر هذا ذات أصل الجنس البشري في سفر التكوين (1: 27). واضح جدًا أن الله رسم هذا (الزوجة الواحدة) منذ البداية كنموذجٍ للأجيال التالية. فإنه بعدما خلق آدم ورأى ضرورة تقديم معينة له أخذ من ضلوعه ضلعًا واحدًا (تك 2: 21-22). رسم للرجل امرأة واحدة فقط[92].

*   أين نجد لغة يمكنها أن تعَّبر بما يليق بالسعادة التي لذاك الزواج الذي تربطه الكنيسة، ويثبته القربان، وترسمه البركة وتختمه، ويحتفل به الملائكة، ويوافق عليه الآب؟ فإن الشباب في كل الأرض لا يحق لهم أن يتزوجوا بدون رضا والديهم. أي نوع من النير هذا الذي لاثنين مؤمنين يشتركان معًا في رجاءٍ واحدٍ، ورغبةٍ واحدةٍ، وتدبيرٍ واحدٍ، وخدمةٍ واحدةٍ؟ إنهما ينعمان بقرابة في الروح وفي الجسد. إنهما خادمان شريكان معًا دون تعارض في الاهتمامات. بحق هما اثنان في جسدٍ واحدٍ (تك 2: 24؛ مت 19: 5؛ أف 5: 31). حيث يكون الجسد واحدًا تكون الروح أيضًا واحدة. يصليان معًا، ويصومان معًا، ويعلمان في شركة معًا، يتضرعان معًا، ويرفعان أيديهما معًا. في كنيسة الله يحتلان موضعًا متساويًا (رو 12: 15؛ 15: 6؛ غل 3: 28؛ 1 كو 12: 12). يقفان بالتساوي في مائدة الله، وفي المتاعب، وفي مواجهة الاضطهادات، وفي انتعاشهما. لا يخفي احدهما شيئًا عن الآخر، ولا يتجاهل أحدهما الأخر، ولا يسبب أحدهما متاعب للآخر[93].

العلامة ترتليان


*   لا تحسب هذا شرعيًا أن تتركها بعد الزواج هذه التي بلا عيب. إذ يقول: "احذروا لروحكم ولا يغدر أحد بامرأة شبابه، فإنها شريكة حياتك، وبقايا روحك. أنا وليس آخر قد خلقها" (راجع مل 2: 14-15). يقول الرب: "ما جمعه الله لا يفرقه إنسان" (مت 19: 6) [94].

الدسقولية

لأَنَّهُ يَكْرَهُ الطَّلاَقَ قَالَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ،

وَأَنْ يُغَطِّيَ أَحَدٌ الظُّلْمَ بِثَوْبِهِ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ.

فَاحْذَرُوا لِرُوحِكُمْ لِئَلاَّ تَغْدُرُوا. [16]


أما ما هو خطير بحقٍ فهو محاولة إخفاء تصرفاتهم الشريرة وما في قلوبهم من غدرٍ وخيانة بالتظاهر أمام الغير أنهم يحبون زوجاتهم ويعطفون عليهن، ويغطوهن بثيابهم. إنهم يخفون شرورهم وظلمهم كما بثوبٍ.

لقد سمح الله لليهود بالطلاق من أجل قسوة قلوبهم (مت 19: 8)، لكنه يكرهه، خاصة وأنهم كانوا يسمحون "للرجل أن يطلق امرأته لكل سببٍ" (مت 19: 3).

يؤكد النبي أن في تطليق الزوجة لأية علة، وفي الزواج بثانية في حياة الأولى غدر لا بالزوجة الأولى فحسب، وإنما هو جريمة غدر موجهة ضد الله واضع ناموس الزواج المقدس.

جاء السيّد المسيح ليرتفع بالمؤمنين إلى مستوى النضوج الروحي والمسئولية الجادة، فلا يطق الرجل امرأته إلا لعلّة الزنا.

ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على كلمات السيّد بخصوص عدم التطليق قائلاً:

[لم تأمر الشريعة الموسويّة بالتطليق، إنّما أمرت من يقوم بتطليق امرأته أن يعطها كتاب طلاق، لأنه في إعطائها كتاب طلاق (تطليق) ما يهدئ من ثورة غضب الإنسان.

فالرب الذي أمر قساة القلوب بإعطاء كتاب تطليق أشار عن عدم رغبته في التطليق ما أمكن. لذلك عندما سُئل الرب نفسه عن هذا الأمر أجاب قائلاً: "إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم" (مت 19: 8)، لأنه مهما بلغت قسوة قلب الراغب في تطليق زوجته إذ يعرف أنها بواسطة كتاب التطليق تستطيع أن تتزوج بآخر، يهدأ غضبه ولا يُطلقها.

ولكي يؤكّد رب المجد هذا المبدأ - وهو عدم تطليق الزوجة باستهتار - جعل الاستثناء الوحيد هو علّة الزنا. فقد أمر بضرورة احتمال جميع المتاعب الأخرى بثبات من أجل المحبّة الزوجيّة ولأجل العفّة، وقد أكّد رب المجد نفس المبدأ بدعوته من يتزوج بمطلّقة "زانيًا"[95]].

+ إقرأ اصحاح 2 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

7. الاستخفاف ببٌر الله:

لَقَدْ أَتْعَبْتُمُ الرَّبَّ بِكَلاَمِكُمْ.

وَقُلْتُمْ: بِمَ أَتْعَبْنَاهُ؟

بِقَوْلِكُمْ: كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الشَّرَّ فَهُوَ صَالِحٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ،

وَهُوَ يُسَرُّ بِهِمْ.

أَوْ: أَيْنَ إِلَهُ الْعَدْلِ؟ [17


يقول: "لقد أتعبتم الرب بكلامكم". فقد قدموا عللاً وتبريرات لتصرفاتهم الخاطئة، وكأنهم لا يدركون أخطاءهم الفادحة. الله القدوس الذي يود في شعبه أن يكون مقدسًا، كأبناء مقدسين، يحزن عليهم بسبب عدم تمييزهم، فيحسبون الشر عملاً صالحًا، وأنهم مهما فعلوا فهم موضع سرور الله. وإن غضب على تصرفاتهم التي في نظرهم صالحة ينسبون لله الظلم وعدم العدل.

يا للعجب يقف الإنسان في موقف الديان، لا ليدين أخاه فحسب، وإنما يدين حتى الله نفسه، قائلاً: "أين إله العدل؟"

 

+ إقرأ اصحاح 2 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +


من وحي ملاخي 2

أقم من المؤمن قائدًا مقدسًا!

*   خلقت كل شيءٍ من أجل الإنسان،

وأقمت منه رأسًا وملكًا، صاحب سلطان.

تريد من كل إنسانٍ أن يكون قائدًا مقدسًا!

*   من أجل الإنسان أقمت الكثير،

وبسقوطه لعنت الأرض،

فأخرجت شوكًا وحسكًا!

تُريد من كل مؤمن أن يكون سرّ بركة لكثيرين.

بسبب يوسف باركت بيت فوطيفار سيده.

ومن أجل داود عبدك باركت سليمان.

وبسبب يونان الهارب ثارت الطبيعة،

وفقد البحارة مؤنتهم وسلامهم،

وكادوا يفقدون حياتهم ذاتها.

قدسني واجذبني إليك أيها القدوس.

فاجتذب بروحك القدوس كثيرين إليك.

*   هب ليّ ألا أغدر بعهدك،

بل يكون ليّ سّر حياة وسلام.

بعهدك الجديد تهبني القيامة من الموت،

وتنعم عليّ بالسلام على مستوى السماء!

*   لتكن وصيتك هي دستور حياتي،

وكلمتك دومًا على شفتي،

فأنعم بمعرفتك،

واشهد لها بقوة الروح.

*   هب ليّ ألا أغدر بإخوتي،

بل أكون أمينًا لك في علاقتي بإخوتي وأسرتي.

تحل في وسط كنيستك التي في قلبي،

وتتجلى في كنيسة بيتي!

*   لتنزع عني كل غدر بالعهد،

ولتطهرني من كل رجاسة،

ولتقم ملكوتك في داخلي فأصير بكليتي لك،

وأحيا كما يليق بابن لك.

والتزم بالتجاوب مع روحك القدوس.

 

+ إقرأ اصحاح 2 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +
 
تفسير سفر ملاخى أصحاح 3 PDF Print Email

الوعد بمجيء المسيَّا

في الأصحاح الأول كشف عن جراحات الشعب كله، قادة وشعبًا، بكونهم محتقرين لاسم الرب بتقديمهم الذبائح المعيبة والعبادة الحرفية من قلبٍ دنسٍ. وفي الأصحاح الثاني يوبخهم بكونهم كاسري الوصية والعهد الإلهي، فصارت بركاتهم لعنات. غدروا بالرب إلههم كما غدر الرجال بزوجاتهم. وفي الأصحاحين الثالث والرابع يحدثنا ملاخي النبي عن المجيئين الأول والثاني لكلمة الله المتجسد. يأتي ليحل وسط البشرية بكونها هيكله، كما يأتي ليدين ويحرق الشر. الرب نفسه في حبه للبشرية ينزل إليها ليقدسها.

الآن في هذا الأصحاح يقدم الوعد بمجيء المسيا ومن يهيئ له الطريق، الذي وحده يُطهر شعبه كما بنارٍ، فيقدمون تقدماتهم بالبرّ. مجيئه لا يعني سلبيتهم، بل يلزمهم أن يرجعوا إليه فيختبروا رجوعه إليهم. يسألهم الرجوع إليه بخطوات عملية، في عبادة روحية حقيقية، ويقين أن الله يشفق بهم كأبناء له، فيتمتعون بروح الحكمة والتمييز.

1. التهيئة لمجيء المسيَّا                [1].

2. نار إلهية مطهَّرة                     [2– 3].

3. يغيِّرهم ولا يتغير                     [4- 6].

4. الرجوع إلى رب الجنود             [7-12].

5. فساد مفاهيمهم                 [13-15].

6. تعامله معهم كبنين              [16-18].

+ إقرأ اصحاح 3 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

1. التهيئة لمجيء المسيَّا:

في استخفاف كان الأشرار يتساءلون: "أين إله العدل؟" (2: 17). وقد جاء الرد مباشرة إنه سيأتي في ملء الزمان، وقد صار ذلك على الأبواب.

هَأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي.
وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ،
وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ.
هُوَذَا يَأْتِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. [1]


يُشير الرب إلى القديس يوحنا المعمدان الذي يرسله قدامه ليهيئ له الطريق بالمناداة بالتوبة، وتقديم معمودية التوبة، والشهادة للرب بكونه حمل الله الذي يحمل خطية العالم.

يدعو القديس يوحنا ملاكه. هنا يقف كثير من آباء الكنيسة في دهشة أمام محبة الله الفائقة للإنسان، فإنه يود أن يدعو كل إنسانٍ ملاكه الخاص. فهو يعشق الإنسان، يود أن يرفعه إلى أعلى مستوى سماوي.

لقد هيأ الله البشرية لمجيئه منذ سقوط آدم وحواء، حيث قدم لهما الوعد: "أضع عداوة بينكِ وبين المرأة، وبين نسلكِ ونسلها؛ هو يسحق رأسكِ، وأنتِ تسحقين عقبه" (تك 3: 15). وجاء الآباء ثم الأنبياء يقدمون رموزًا ونبوات عن مجيئه، وأخيرًا يرسل الله يوحنا المعمدان كملاكٍ يهيئ الطريق للمسيا الموعود به، وقد دعاه الله ملاكه [1]. إنه قادم ليعلن الرسالة الإلهية التي استلمها من السماء وليس من بشرٍ. لقد خُتم الكتاب المقدس بهذا الوعد، وجاءت افتتاحية إنجيل معلمنا مرقس الرسول بكونه أول الأناجيل التي كُتِبَت تشهد بتحقيق هذا الوعد (مر 1: 12).

جاء القديس يوحنا المعمدان يهييء الطريق أمام السيد المسيح بالمناداة بالتوبة وتقديم معمودية التوبة. جاء يعلن لهم أن خلاصهم لا يكمن في انتسابهم الجسدي لإبراهيم أب الآباء، بل بمجيء ذاك الذي ترجى إبراهيم مجيئه.

جاءت هذه النبوة واضحة تمامًا، وقد تحققت في شخص القديس يوحنا المعمدان الذي شهد ليسوع المسيح أنه "حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يو 1: 29). لهذا حاول اليهود أن يقدموا تفاسير متنوعة لهذا النص فادعى بعضهم أن ملاخي يتحدث عن نفسه كملاك الرب، وادعى آخرون أنه يُشير إلى ملاك الموت الذي يقود الأشرار ليطرحهم في نار جهنم.

يؤكد النبي أن المسيا الرب يأتي بغتة إلى هيكله، الذي يطلبه الأتقياء، خائفو الرب، منذ أيام آدم وحواء. إنهم ينتظرونه بفرحٍ عظيمٍ، وكما يقول الإنجيلي: كانوا "ينتظرون تعزية إسرائيل" (لو 1: 25)، وفداءً في إسرائيل (لو 1: 38)، إذ هو "مُشتهى كل الأمم" (حجي 2: 7). يجد الكل فيه مسرة قلوبهم.

"يأتي بغتة"
. لقد اقترب مجيئه، فلا ننتظره عن بعد كما كان الآباء البطاركة وما بعدهم من أنبياء، إنما صار المسيَّا قادمًا على الأبواب. ولعله يقصد بقوله "بغتة" أنه سيأتي في وقت لم يتوقع كثيرون مجيئه بالرغم من وضوح النبوات وتحديد تاريخ مجيئه كما جاء في سفر دانيال. حقًا عند ميلاده أكد الكهنة أنه يولد في بيت لحم أفراتة، لكنه جاء بالنسبة لهم بغتة، إذ لم يتهيأوا لمجيئه بالرغم من معرفتهم العقلية بذلك.

"إلى هيكله"، فقد جاء إلى الهيكل الذي في أورشليم وطهَّره أكثر من مرة من باعة الحمام والصيارفة. فعل هذا بسلطان، لأنه هيكله وبيته. وفي سن الثانية عشرة وقف في الهيكل وسط المعلمين يسحب قلوبهم بسلطانه، إذ كان يعمل فيما لأبيه (لو 2: 49). وعندما دخل إلى أورشليم في الأسبوع الأخير ذهب إلى الهيكل مباشرة (مت 21: 12). هناك تقدم إليه عمي وعرج يطلبون الشفاء (مت 21: 14). هناك كرز وحاور وصنع آيات ومعجزات.

مع أنه جاء لكي يقيم هيكلاً جديدًا في قلوب مؤمنيه، لكنه كرَّم الهيكل في أورشليم، مطالبًا إيانا باحترام بيت الله.

"هوذا يأتي قال رب الجنود"، فإن المتكلم أمين في مواعيده، قادر على تحقيقها، فقد جاء ولم يبطئ.

*   "كان إنسان مُرسل من الله اسمه يوحنا" (يو 1: 6)... لقد دُعي "رسولاً" (مل 3: 1)، لأن امتياز الرسول هو أنه لا يقول شيئًا من عنده[96].

*   تحدث يسوع عن ثياب يوحنا وسجنه ودوره في النبوة؛ بقوله هذا أظهر أنه أعظم من نبي. ماذا يعني يسوع أيضًا أنه هو أعظم؟ في كونه كان قريبًا جدًا من ذاك القادم. يقول: "هأنذا أرسل ملاكي أمام وجهك", قاصدًا قربه من المسيا. فكما بالنسبة للملوك الذين يركبون بجوار المركبة يكون أكثر شهرة من البقية، هكذا كان يوحنا، إذ يظهر بدوره قريبًا من المجيء ذاته[97].

القديس يوحنا الذهبي الفم


*   يوحنا أعظم من الأنبياء الآخرين للسبب التالي: تنبأ الأنبياء الآخرون عن يوحنا أنه قادم، أما يوحنا فأشار بإصبعه أنه جاء حقًا، قائلاً: "هوذا حمل الله الذي يحمل خطية العالم" (يو 1: 29). لم يبلغ فقط مركز نبي، بل والمعمدان بتعميده ربه، هذا رفع من شأنه. بهذا حقق نبوة ملاخي إذ تنبأ عن ملاك. يوحنا انتمي إلى طغمة الملائكة، ليس حسب الطبيعة، بل بسبب أهمية رسالته. إنها تعني أنه الرسول الذي يعلن عن مجيء الرب[98].

القديس جيروم


*   بكلمة "ملائكة" (غل 3: 19) يعني رسل الله أي موسى وابن نون وأنبياء آخرين حتى يوحنا المعمدان[99].

الأب أمبروسياستر

*   في هذا النص يسبق فيخبرنا عن كلٍ من المجيئين للمسيح، الأول والثاني. الأول حيث يقول: "للتو سيأتي الرب في هيكله بغتةً". هذا يُشير إلى جسد المسيح الذي قال عنه بنفسه في الإنجيل: "اهدموا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أنا أقيمه" (يو 2: 19). ومجيئه الثاني تنبأ عنه بتلك الكلمات: "ومن يقدر أن يفكر في يوم مجيئه؟ ومن يقف ليراه؟"[100].

*   يُدعى البشر ملائكة، فيقول الرسول عن نفسه: "كملاكٍ من الله قبلتموني" (غل 4: 14). ويُقال عن يوحنا المعمدان: "هأنذا أرسل أمام وجهك ملاكي يهيئ طريقك قدامك" (مت 11: 10). لذلك عند مجيئه ومعه كل ملائكته (مت 25: 31) سيكون معه قديسوه أيضًا[101].

القديس أغسطينوس

 

+ إقرأ اصحاح 3 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

2. نار إلهية مطهَّرة:

يأتي الرب القدوس ليقيم من البشرية هيكله المقدس، فمع حبه العجيب للإنسان واعتزازه به، ويحسبهم كالذهب السماوي أو الفضة، لا يقبل أن يكون فيه زغل أو دنس. يود أن يلبسه بٌره الإلهي، فيصير قلبه هيكلاً مقدسًا، ويشتم الله كل عبادة أو تقدمة رائحة رضا، موضع سروره الإلهي.

وَمَنْ يَحْتَمِلُ يَوْمَ مَجِيئِهِ؟

وَمَنْ يَثْبُتُ عِنْدَ ظُهُورِهِ؟

لأَنَّهُ مِثْلُ نَارِ الْمُمَحِّصِ،

وَمِثْلُ أَشْنَانِ الْقَصَّارِ. [2]


مع أنه جاء متجسدًا في تواضعٍ، لكي يلتقي بكل الطبقات حتى العبيد الذين كانوا في ذلك الحين مُحتقرين، لكن "من يحتمل يوم مجيئه؟" "من يثبت عند ظهوره؟" جاء لا ليدين بل ليخلص العالم، ومع هذا فكان صاحب السلطان الذي كانت القيادات اليهودية ترتعب أمامه.

هذا عن مجيئه الأول ليخلص، فماذا يكون في مجيئه الأخير ليدين؟ يراه المؤمنون وعيناه حمامتان، بينما يتطلع إليه الأشرار وعيناه متقدتان نارًا!

جاء السيد المسيح مثل نار الممحص، مثل أشنان (صابون) القصار الذي ينقي الأقمشة وينظفها مما تعلق بها من أقذار. جاء ليلقي نارًا على الأرض (لو 12: 49-50).

*   المسيح نفسه الذي فعل هذا كله سيقف فيما بعد أمامنا كديانٍ لنا. بالتأكيد لم يعبر الأنبياء على هذا، بل تنبأوا عنه. البعض رآه في ذات الشكل الذي يكون عليه حين يقف أمامنا، والبعض تنبأ فقط خلال الكلمات. كان دانيال بين البرابرة والبابليين عندما رأى المسيح آتيًا على السحاب. أنصتوا إلى قوله: "رأيت، هوذا مثل ابن إنسان آتيا على السحاب. وجاء إلى القديم الأيام وقُدم أمامه وأعطي الحكم والمملكة وكل الشعوب والقبائل والألسنة لتتعبد له" (راجع دا 7: 13-14). أشار إلى قضاء الله وحكمه بقوله: العروش أعدت والكتب انفتحت. ونهر من النار جرى أمامه. ألوف ألوف خدمته، وربوات ربوات تنتظره (دا 7: 9-10). لم يعلن دانيال هذا فحسب، وإنما أظهر الكرامة التي ينالها الأبرار حين قال: "أعطي حكما للقديسين الذين للعلي، وملك القديسون" (دا 7: 22). هذا الحكم سيأتي خلال نارٍ. قال ملاخي: "إنه آتٍ (كنار أتون مطهرٍ) مثل طرقات القصارين". عندئذ يتمتع الأبرار بكرامةٍ عظيمةٍ. ويتحدث دانيال عن القيامة حيث يقول: "الراقدون في التراب يقومون" (دا 12: 12)[102].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   عندما سقطنا، قام قرن الخلاص لأجلنا (لو 1: 69)، وحجر الزاوية الرئيسي (إش 28: 16)، ويربطنا به ببعضنا البعض، وُضع في الوقت المناسب، أو قامت النار (مل 3: 2-3) التي تطهر أمورنا المنحطة الشريرة (1 كو 3: 13-15)[103].

القديس غريغوريوس النزينزي

يقول أحد آباء الكنيسة بأنه: [ليس في جسارة يُدعى يوحنا ملاكًا مع أنه إنسان، وذلك بسبب قوته واستحقاقة، فإنه أكثر مجدًا مما لو كان ملاكًا بالاسم أو بالطبيعة. فإن الملاك يُدعى ملاكًا بسبب طبيعته كملاك أكثر منه أنه قد تأهل لذلك. لكنه لأمر معجزي أن إنسانًا وهو في طبيعته البشرية يعبر إلى القداسة الملائكية وينال نعمة الله التي ليست بحسب الطبيعة[104]].

فَيَجْلِسُ مُمَحِّصًا وَمُنَقِّيًا لِلْفِضَّةِ.

فَيُنَقِّي بَنِي لاَوِي وَيُصَفِّيهِمْ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ،

لِيَكُونُوا مُقَرِّبِينَ لِلرَّبِّ تَقْدِمَةً بِالْبِرِّ. [3]


"يجلس ممحصًا"، حيث يطهر البشرية بإنجيله ليقيم منها كنيسة مقدسة بلا عيب. ينزع عنها الزغل، فتصير ذهبًا نقيًا ممحصًا بالنار. يقول الرسول بولس: "كما أحب المسيح أيضًا الكنيسة، وأسلم نفسه لأجلها، لكي يقدّسها، مطهرًا إياها بغسل الماء بالكلمة، لكي يُحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو أي شيء من مثل ذلك، بل تكون مقدسة وبلا عيب" (أف 5: 25-27). وأيضًا "الذي بذل نفسه لأجلنا لكي يفدينا من كل إثم، ويطهر لنفسه شعبًا خاصًا غيورًا في أعمالٍ حسنة..." (تي 2: 14).

"فينقي بني لاوي، ويصفيهم كالذهب والفضة". وكأن السيد المسيح يطهر الذين قبلوا أن يكرسوا حياتهم له، لتسبيحه وخدمته وتقديم قلوبهم ذبائح حية، فيكونوا بني لاوي العهد الجديد الروحيين.

إن كان السيد المسيح قد اختار التلاميذ والرسل ووهبهم عطية الكهنوت، وبالتالي جاء خلفاؤهم يتسلمون ذات الموهبة، إلا أنه يوجد كهنوت عام يناله المؤمن في سرّ المعمودية. خلاله يقدم المؤمن صلواته وأصوامه وعطاياه وخدمته تقدمات روحية مقبولة لدى الله. يقول القديس يوحنا باسم كل الكنيسة: "جعلنا ملوكًا وكهنة لله أبيه" (رؤ 1: 6).

يطهر السيد المسيح مؤمنيه بروحه القدوس الناري "بتجارب متنوعة، لكي تكون تزكية إيمانهم تُوجد للمدح والكرامة والمجد" (1 بط 1: 6-7).

بعمل الروح القدس قي قلوب المؤمنين يصير "قربان الأمم مقبولاً مقدسًا بالروح القدس" (رو 15: 16). فيحققون كلمات المرتل: "اذبحوا ذبائح البرّ" (مز 4: 5). وكلمات الرسول بولس: "فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله، عبادتكم العقلية" (رو 12: 1).

*   انزعوا دنس تجديفهم الذي حلّ بهم، وطهروا بنفخات التطهير المقدس النفوس المطمورة في الوحل الكريه، حتى تتحول مغارات اللصوص إلى بيوت صلاة[105].

*   إن كانوا لا يعرفون شيئًا عن الأسرار والرؤى، إنما شكَّلوا أحكامهم فقط على مصالحهم الذاتية الحاضرة... فإن غباوتهم في فهم النبوة عظيمة وحسدهم عظيم في الأمور البشرية. يلزم أن تُقتلع مثل هذه الغباوة والحسد من عقولنا. يليق بالإنسان أن يكون أكثر التهابًا من النار لكي يقف ضد مثل هذه الجماعة. هذا هو السبب الذي لأجله قال المسيح: "جئت لألقي نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟" (لو 12: 49) ولهذا ظهر الروح في (شكل) نارٍ[106].

القديس يوحنا ذهبي الفم

*   "هو سيعمدكم بالروح القدس ونار" (مت 3: 11)... لقد أضاف الطوباوي المعمدان إلى كلمة "الروح" التعبير الحامل لمعنى العمل: "ونار". هذا لا يعني أننا بالمسيح نتعمد بنارٍ، وإنما لأنه خلال الإشارة إلى النار تُوهب لنا طاقة الروح واهبة الحياة[107].

ا
لقديس كيرلس الكبير

 

+ إقرأ اصحاح 3 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +


3. يغيِّرهم ولا يتغير:

فَتَكُونُ تَقْدِمَةُ يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ مَرْضِيَّةً لِلرَّبِّ كَمَا فِي أَيَّامِ الْقِدَمِ،

وَكَمَا فِي السِّنِينَ الْقَدِيمَةِ. [4]


في الأصحاح الأول تحدث عن قرابينهم النجسة على مذبحه (1: 7)، هنا إذ تحدث عن مجيء المسيّا وتمتع المؤمنين ببرِّه، يقول: "تقدمة يهوذا وأورشليم تكون مرضية للرب" [4].

يتحدث هنا عن التقدمة الجديدة خلال الصليب، وذبيحة الإفخارستيا موضع سرور الآب، وليست مكرهة للرب.

"كما في أيام القدم، وكما في السنين القديمة"؛ حيث يرجع بذاكرتهم إلى تقدمة هابيل التي قبلها الله، وذبيحة نوح بعد الطوفان التي اشتمها الله، رائحة رضا، وذبيحة هرون حيث أنزل نارًا من السماء، وأيضًا ذبيحة إيليا الخ. هكذا خلال الصليب يجعلنا الرب مقبولين فيه ومحبوبين (أف 1: 6)، ويُسر بنا وبما نقدمه له مما أعطانا. يقول الرسول عن خدمته بين الأمم بإنجيل الخلاص: "ليكون قربان الأمم مقبولاً مقدسًا بالروح القدس" (رو 15: 16). كما يسألنا الرسول أن نقدم ذبيحة مرضية عند الله خلال التصاقنا بذبيحة الصليب: "فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله، عبادتكم العقلية" (رو 12: 1).

*   كيف يمكن للشخص الذي يشاكل هذا الدهر، والذي لم يتحول إلى تجديد ذهنه، ولم يُسّرْ في جدة هذه الحياة، بل عوض هذا يتبع الحياة حسب الإنسان العتيق، أن يطيع الرسول، الذي يأمركم أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة ومرضية لله؟ كيف يمكنك وأنت كاهن الله وممسوح لهذا الهدف عينه أن تقدم تقدمة لله، ليست تقدمة غريبة تمامًا عنك أو مخادعة، بكونها مكونة مما هو خارج عنك، بل يطلب بالحق تقدمة هي لك، تحتوي على ما هو في داخلك، الإنسان الداخلي فيك، الذي يعينك أن تكون كاملاً وبلا عيب حسب كلمة الحمل، ليس فيه أي غضب أو عيب (رو 8: 9-11؛ 1 كو 3: 16-17؛ 2 كو 13: 5؛ كو 1: 27)؟ كيف يمكنك أن تضع هذه التقدمات أمام الله إن كنت لا تنصت إلى الشريعة التي تمنع أي إنسان غير مقدس أن يكون كاهنًا[108]؟

القديس غريغوريوس النيسي


*   لقد قُدم الأمم لله ذبيحة مقبولة، عندما آمنوا بالمسيح وتقدسوا بالإنجيل[109].

ا
لقديس أغسطينوس

وَأَقْتَرِبُ إِلَيْكُمْ لِلْحُكْمِ،

وَأَكُونُ شَاهِدًا سَرِيعًا عَلَى السَّحَرَةِ وَعَلَى الْفَاسِقِينَ،

وَعَلَى الْحَالِفِينَ زُورًا وَعَلَى السَّالِبِينَ أُجْرَةَ الأَجِيرِ:

الأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ،

وَمَنْ يَصُدُّ الْغَرِيبَ،

وَلاَ يَخْشَانِي،

قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. [5]


الله الذي يشفق على البشرية كما على أبنائه، ويقبلهم كموضع سروره، ويشتم عطاياهم مما قدمه لهم رائحة سرور خلال الصليب يقترب إليهم للحكم على الذين يرفضون التجاوب مع حبه، ويتحدون العدل الإلهي.

أ. شهادته بصليبه ضد السحرة: إنه يكون بصليبه شاهدًا على السحرة الذين لا يقبلون الحب الإلهي، بل يثقون في قدرة أبيهم إبليس. في ختام الكتاب المقدس يحذر الرب بنفسه من السحر، فيضم "السحرة" ضمن الفئات التي نصيبها البحيرة المتقدة بنار وكبريت، الذي هو الموت الثاني الأبدي (رؤ 21: 8).

ب. شهادته بصليبه ضد الفاسقين الذين يتمرغون في الشهوات. في سفر إشعياء يوبخ الرب الشعب المنحرف: "أما أنتم فتقدموا إلى هنا يا بني الساحرة ونسل الفاسق والزانية" (إش 57: 3). وفي هوشع: "حاكموا أمكم، حاكموا، لأنها ليست امرأتي، وأنا لست رجلها، لكي تعزل زناها عن وجهها وفسقها من بين ثدييها" (هو 2: 2). "كلهم فاسقون كتنورٍ مُحمى من الخباز" (هو 7: 4).

*   في بدء النبوة أعطى المدينة اسم "زانية". "كيف صارت المدينة الأمينة صهيون زانية؟" (راجع إش 1: 21) هكذا يتهمهم بالزنا، ليس فقط بكسرهم لقدسية الزواج، وإنما أيضًا بكسر الوصايا، بينما كانوا يبدو كأنهم قريبون من الله، كانوا عبيدًا في الخفاء للشياطين، وهذا في الواقع هو زنا فاضح[110].

ثيؤدورت أسقف قورش


*   إنها لا تحفظ أمانة الحب نحوي، بل بالحري خانت الألفة، واستخفت بطهارة الإتحاد معي. وليس لديها الرغبة في أن يكون لها ثمار إرادتي[111].

القديس كيرلس الكبير


ج. شهادته بصليبه ضد الحالفين زورًا: الذين يستخفون بقدسية اسم الله، فيشهدون كذبًا. يقول الرب في زكريا النبي: "فتدخل بيت السارق وبيت الحالف باسمي زورًا وتبيت في وسط بيته، وتفنيه مع خشبه وحجارته" (هو 5: 4).

د. شهادته ضد الظالمين لإخوتهم: إنهم يسلبون أجرة العمال، ويسحقون الأرملة واليتيم، ولا يترفقون بالغريب، فيحرمونه من حقوقه لأنه يجهل قانون البلاد. لقد حسب الرب كل تصرف ضد هذه الفئات هو حرمان من مخافة الرب وخشيته. يقول المرتل عن الشرير "ليس خوف الله أمام عينيه" (مز 36: 1). كثيرًا ما يحذرنا الله من ممارسة هذا الظلم، حاسبًا إنه مُوجه ضده شخصيًا، وضد وصيته. "لا تظلموا الأرملة ولا اليتيم ولا الغريب ولا الفقير" (زك 7: 10). "لا تسيء إلى أرملةٍ ما ولا يتيمٍ. إن أسأت إليه، فإني إن صرخ إليَّ أسمع صراخه، فيحمى غضبي، وأقتلكم بالسيف" (خر22: 22-23). "الديانة الطاهرة عند الله الآب هي هذه :افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنسٍ من العالم" (يع 1: 27).

*   الذين هم بلا حماية يتعرضون بالأكثر أن يكونوا ضحية الطغيان. قدر ما كانت الضحية متواضعة قدر ما يحُسب مضطهدًا مقاومًا لله[112].

القديس جيروم


يرى القديس جيروم في الأرملة النفس التي فقدت الله عريسًا سماويًا لها، وفي اليتيم النفس التي حُرمت من أبوة الله، والغريب النفس التي ليس لها موضع تستقر فيه[113]، أي في الأحضان الإلهية، والأجير هو من ينشغل بالماديات لا بالأبديات. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يليق بنا أن نهتم بمثل هذه النفوس، ولا نستخف بخلاصها حتى تتمتع بالشركة مع الله، وتنعم بعذوبة الخلاص، وشركة المجد الأبدي.

لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ،

فَأَنْتُمْ يَا بَنِي يَعْقُوبَ لَمْ تَفْنُوا. [6]

يظهر الله طول أناته عليهم، فإن كان آباؤهم قد تمردوا عليه وعلى خدامه منذ نشأتهم كأمةٍ في مصر حيث قال اليهود لموسى: "من جعلك رئيسًا وقاضيًا علينا؟" (خر 2: 14)؛ وبعد الخروج حيث تذمر الشعب مرارًا وتكرارًا ضد موسى وهرون، وعبدوا العجل الذهبي. وأيضًا حتى بعد دخولهم أرض الموعد حيث طلبوا لأنفسهم ملكًا كسائر الشعوب (1 صم 8: 5)، فقال الرب لصموئيل النبي: "لم يرفضوك أنت، بل إياي رفضوا حتى لا أملك عليهم" (1 صم 8: 7). كثيرًا ما عصوا الوصية، وعبدوا الأوثان، وارتكبوا الرجاسات. يقول: "من أيام آبائكم حدتم عن فرائضي، ولم تحفظوها" ]7[. يكشف لهم إنهم عوض الرجوع إليه كمَّلوا كأس شر آبائهم. وكما يقول عزرا: "منذ أيام آبائنا نحن في إثم عظيم إلى هذا اليوم" (عز 9: 7).

لم يتركهم في حيرة، بل قدم لهم العلاج، بعودتهم إليه، فهو وحده سرّ شفائهم من أمراضهم المستعصية. فالتوبة ليست مجرد تراجع عن الخطية، إنما ما هو إيجابي فيها هو الرجوع إلى الله، وانشغالهم به على الدوام.

في عدم قدرة على إدراكهم لحقيقة أعماقهم قالوا: "بماذا نرجع؟" كانوا يظنون وهم في شرورهم وغدرهم بالله وبإخوتهم الضعفاء أنهم مع الله، وأنه ساكن في وسطهم لمجرد اهتمامهم بأورشليم ووجود الهيكل فيها.

بقولهم "بماذا نرجع؟" يعلنون عما في قلوبهم من تذمر ضد الأنبياء الحقيقيين، إذ يحسبونهم كمن يهوون التوبيخ ويطالبون بأمور ليست من حقهم، ويثيرون ضمائرهم بلا سبب حقيقي. ففي تشامخ يقولون: بماذا نرجع؟ أو ما هي الخطايا التي تنسبونها ضدنا؟

إذ ينذر الذين ليس فيهم مخافة الرب فيسيئون التصرف مع إخوتهم، خاصة الضعفاء والمساكين والغرباء، يؤكد لهم أن إنذاره لا رجعة فيه إلا بتحركهم نحو رحمته خلال الرجوع عما فيه، والتصاقهم بالرب نفسه. بقوله "لأني أنا الرب لا أتغير" يؤكد لهم أنه كلمة واحدة من كلماته لا تسقط. إنه لا يهادن الخطية، ولا يقبل الشركة مع الظلمة. فإن كان في طول أناته احتمل شعبه فلم يفنَ، إنما لأنه ينتظر رجوعهم إليه بالتوبة. إنه أمين في محبته ووعوده الإلهية. إنه "ليس إنسانًا فيكذب" (عد 23: 19).

وكما يقول إرميا النبي: "إنه من إحسانات الرب أننا لم نفنَ، لأن مراحمه لا تزول" (مرا 3: 22-23).

رد العلامة أوريجينوس على صلسس الذي هاجم المسيحية كما اليهودية وادعى أن القول بالتجسد يجعل الله بتنازله قابلاً للتغير من الصلاح إلى الشر، ومن الفضيلة إلى الرذيلة، ومن السعادة إلى البؤس، وما هو أفضل إلى ما هو أسوأ. يقول: [مع استمراره في عدم التغيير في جوهره، نزل إلى الشئون البشرية بتدبير عنايته. نحن نظهر أن الكتاب المقدس يمثل الله غير قابل للتغير بقوله: "أنتم هكذا " (مز 102: 27) و"أنا لا أتغير". بينما آلهة أبيكريوس Epicurus إذ يتكون من ذرات، فهم قابلون للانحلال مادام كيانهم هو هكذا، ويسعون بل يطردون الذرات التي تحوي عناصر دمار. حتى إله الرواقيين بكونه ماديًا، ففي وقت ما كل جوهره يتكون من العنصر الرئيسي القائد، وذلك عندما يحترق العالم. وفي وقت آخر عندما يُعاد تنظيم الأشياء يصير ماديًا جزئيًا. حتى الرواقيون كانوا عاجزين عن إدراك فكرة الله طبيعيًا بطريقة مميزة بكونه كائنًا غير فاسدٍ تمامًا، وبسيط وغير منقسم[114].

*   اسمع الله يقول: "أنا هو، أنا هو، لا أتغير". إنه يبقى دائمًا ثابتًا غير متغير في كيانه، والذين يتشكلون بواسطة الإنجيل، والذين تغيروا بوصاياه قدر استطاعتهم لن ينحرفوا عما يحيون فيه خلال الزمن. لهذا يحذر بولس أيضًا الشعب: "لا تشاكلوا هذا العالم، بل تغيروا بتجديد أذهانكم، حتى تميزوا إرادة الله الصالحة والمقبولة الكاملة[115].

القديس ساويرس الأنطاكي

*   كيف يمكن ان يكون قابلاً للتغير والتحول ذاك الذي يقول: "أنا في الآب، والآب فيَّ" (يو 14: 10)، و"أنا والآب واحد" (يو 10: 30)، وبالنبي: "أنا الرب لا أتغير" (مل 3: 6)؟... عندما صار إنسانًا لم يتغير، وإنما كما يقول الرسول: "يسوع المسيح هو أمسًا واليوم وإلى الأبد" (عب 13: 8)[116].

البابا الكسندروس السكندري

*   يبقى كما هو الله على الدوام، ولا يقف في عوزٍ إلى تقدمٍ، ذاك الذي هو على الدوام كما هو عليه من ذاته وإلى ذاته[117].

القديس هيلاري أسقف بواتيه


*   يتغير المخلوق بواسطة الخالق حسبما يشاء، لأنه قابل للتغير ويطيع إيماءة الذي خلقه. أما الخالق فطبيعته ثابتة غير قابلة للتغير، لهذا يقول النبي عن طبيعة الخالق: "هو صانع كل الأشياء ومغّيرها" (راجع عا 5: 8 LXX). أما عن الكلمة الإلهي فيقول العظيم داود: "أنت هو هو وسنوك لن تفنى" (مز 103: 27). مرة أخرى يقول الله نفسه عن ذاته: "أنا هو الرب، لا أتغير" (مل 3: 6)[118].

*   إن كان بالطبيعة هو أسمىْ من التغير والتحول، فإنه لا يتحول من عدم قبوله للموت إلى مائت، ولا عدم قبوله الألم إلى الشعور بالألم، لأنه لو كان هذا ممكنًا ما كانت هناك حاجة له أن يأخذ طبيعتنا[119].

ثيؤدورت أسقف قورش


*     إننا نحتاج إلى ما يقوله الرسول: "وتتجدَّدوا بروح ذهنكم" (أف 4: 23)، إلي التقدم الروحي ف "أنسى ما هو وراءُ" (في 3: 13). فإن تغاضى الإنسان عن فعل ذلك تكون النتيجة الحتمية هي النكوص والتقهقر من سيئ إلى أسوأ.

لا يمكن للعقل أن يبقى على حالٍ واحدٍ. فكما أن الإنسان الذي يجدف بقوة يحاول أن يقاوم بسفينته ضد العاصفة القوية، مقتحمًا التيار بقوة ذراعيه، وبهذا يمتد إلى ما هو قدام، أما إذا تراخى بيديه، فإن سفينته تدور بسرعة تحت قوة العاصفة، هكذا يصير فشلنا واضحًا إن كنا لا نكسب شيئًا إضافيًا. لأنه بغير شكٍ نتراجع إلى الوراء عندما نكون غير متقدمين إلى الأمام.

وكما قلت لا يستطيع العقل البشري أن يبقى على حاله، إذ لا يستطيع أي قديس أن يصل إلى مرتفعات كل الفضائل مادام باقيًا في الجسد متى بقى بدون تغيير. فإما أن يضيف شيئًا أو يفقد شيئًا. إننا نعترف بأن الله وحده هو غير المتغير، فيصلي إليه النبي الطوباوي قائلاً: "ولكن أنت، أنت، وسنوك لن تفنى" (عب 1: 12). ويقول الله عن نفسه: "أنا الرب لا أتغيَّر" (مل 3: 6). لأنه هو وحده الذي بطبيعته صالح على الدوام وكلي الصلاح ولا يمكن أن يُضاف أو ينقص منه شيء.

لهذا يلزمنا أن نخضع لمطالب الفضيلة بعناية فائقة وشوق، وأن نشغل أنفسنا بعملها، لأنه كما قلنا أن العقل لا يقدر أن يبقى على حالٍ واحدٍ، أي لا يمكن أن يبقى من غير أن يُضاف أو تقل منه صفاته الحسنة. فالفشل في اقتناء صفات جديدة يعني وجود خسارة. وإذ تبطل الرغبة في التقدم يوجد خطر التقهقر إلى الوراء[120].

الأب ثيؤدور

*   يقول المخلص نفسه: "هوذا ها أنا، لا أتغير" (مل 3: 6)، بينما يكتب بولس: "يسوع المسيح هو أمس واليوم وإلى الأبد" (عب 13: 8) ولكن في الجسد اختتن، وحمل، وأكل وشرب، واضطرب وعُلق على خشبة وتألم، وكان فيه كلمة الله الذي لا يقبل الألم غير المادي[121].

*   إن كان (الأريوسيون) يفترون هكذا بنسبتهم التغير للكلمة، فليتعلموا مدى الخطورة الكائنة في فكرهم، لأن "الشجرة تُعرف من ثمرها" (مت 12: 23). ولهذا أيضًا: "فإن من قد رأى الابن فقد رأى الآب" (يو 14: 9). ولهذا أيضًا فإن معرفة الابن هي أيضًا معرفة الآب. ولذلك فإن صورة الله غير المتغيرة ينبغي أن تكون ثابتة غير متغيرة، لأن "يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد" (عب 12: 8). وداود يقول مترنمًا به: "أنت يا رب منذ البدء أسست الأرض، والسماوات هي عمل يديك. هي تتلاشى وأنت ستبقى، وكلها كثوبٍ ستبلى وكرداءٍ تطويها فتتغير، ولكن أنت أنت وسنوك لن تنتهي" (مز 102: 26-28، عب 12: 10-12). والرب نفسه يقول عن نفسه بواسطة النبي: "أنظروا إليٌَ، فترون أنيِ أنا هو" (تث 32: 39)، وأيضًا: "لا أتغير" (مل 3: 6). وربما يقول أحد أن المقصود هنا هو الآب. ولكنه من المناسب أن يُطلق هذا على الابن أيضًا. خاصة لأنه حينما يصير إنسانًا، فإنه يُظهر شخصيته كما هي، ويظهر عدم تغيره، وذلك بالنسبة لأولئك الذين يتصورون أنه بما أنه اتخذ جسدًا، فإنه قد تغير وصار آخر... طبيعة كل المخلوقات وكل الكائنات هي متغيرة ومتحولة، وباستبعاده الابن عنها فعنه يبين (الكتاب) بقوله: "أنت أنت وسنوك لن تنتهي" (عب 1: 12). إنه (الابن) لا يتبدل ولا يتغير. وهذا بحقٍ أمر طبيعي. لأن الأشياء المخلوقة بما أنها نشأت من العدم، ولكونها لم تكن كائنة قبل أن تُخلق، لذلك فإن لها طبيعة متغيرة حيث أنها عمومًا قد خُلقت من العدم. أما الابن فإنه كائن من الآب وهو من ذات جوهر الآب، لذلك ليس من العدل أن يقول أحد أنه من جوهر غير المتغير يُولد كلمة متغير، وحكمة قابلة للتحول[122].

*   كان لهرون خلفاء، وعمومًا فإن رجال الكهنوت بحسب الشريعة يحلون محل سابقيهم بمرور الوقت أو بسبب الموت. أما الرب فله "كهنوت ثابت لا يزول" (انظر عب 7: 24). لقد صار رئيس كهنة أمينًا باقيًا إلى الأبد، وقد صار أمينًا حسب الوعد لكي يستجيب لأولئك الذين يقتربون إليه ولا يخدعهم. وهذا ما يمكن أن تتعلمه "يتألمون بحسب مشيئة الله، فليستودعوا أنفسهم كما لخالقٍ أمينٍ" (1 بط 4: 19)، لأنه هو أمين وغير متغير، بل هو ثابت إلى الأبد، وهو يهب تلك الأشياء التي وعد بها[123].

القديس أثناسيوس الرسولي

 

+ إقرأ اصحاح 3 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +


4. الرجوع إلى رب الجنود:

مِنْ أَيَّامِ آبَائِكُمْ حِدْتُمْ عَنْ فَرَائِضِي وَلَمْ تَحْفَظُوهَا.

ارْجِعُوا إِلَيَّ أَرْجِعْ إِلَيْكُمْ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ.

فَقُلْتُمْ: بِمَاذَا نَرْجِعُ؟  [7]


انشغل اليهود بالتقدمات والذبائح وكثرتها دون المبالاة بنقاوة القلب وممارسة الحب الأخوي، خاصة نحو المحتاجين، لذلك يعلن لهم أن الرجوع إليه بالإيمان الحيّ العملي يلزم أن يتحقق خلال إخوته المساكين "إخوة الرب" وكما يقول القديس يوحنا الحبيب: "لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره، كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره؟" (1 يو 4: 20).

*     بينما يُغضب (الشرير) الله بمعاصيه الكثيرة والمستمرة، فإن الله يُطيل أناته عليه، وبطول أناته ينتظر يوم الدينونة، حتى يعقد الكل العزيمة (على التوبة)... إنه يُفضل أن يطيل أناته عليه إلى فترة طويلة، محتملاً إياه بالرحمة، مؤجلاً (عقوبته)،... منتظرًا رجوعه إليه، وذلك كما ينصحنا الله نفسه، قائلاً: "لأني لا أُسر بموت من يموت، فأرجعوا وأحيوا" (حز 18: 32). مرة أخرى: "ارجعوا إليٌ يقول رب الجنود" (راجع مل 3: 7) [124].

الشهيد كبريانوس


*   اطلبوا الرب أيها الخطاة وتقووا في أفكاركم بسبب الرجاء. اطلبوا وجهه بالتوبة في كل الأوقات (مز 105: 3)، فتقدسون بقداسة حضرته، وتتطهرون من آثامكم (حز 36: 25). أسرعوا إلى الرب أيها الخطاة، فإنه يمحو الإثم ويزيل الخطايا. فقد أقسم: "إني لا أسر بموت الشرير" (حز 33: 11)، بل أن يتوب الخاطي ويحيا. "بسطت يدي طول النهار إلى شعبٍ متمردٍ وعاصٍ" (راجع إش 65: 2). "فلماذا تموتون يا بيت يعقوب؟" (مز 33: 11). "ارجعوا إلي أرجع إليكم" (مل 3: 7)[125].

مار اسحق السرياني

*   صار وجهك وجه زانية، أنت لا تعرف كيف تستحي (إر 3: 3). ارجع أيها البائس إلى الرب، فيرجع هو إليك (مل 7) تُب، فيندم على الشر (التأديب) الذي كان سيوقعه عليك[126].

القديس جيروم


أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ الله؟

فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُونِي.

فَقُلْتُمْ: بِمَ سَلَبْنَاكَ؟

فِي الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَةِ. [8]

يُجيب الرب نفسه على تساؤلهم: "إنكم سلبتموني"] 8[ هذا اتهام جديد موجه من الرب نفسه ضد الشعب على لسان النبي.

الاتهام الأول: احتقار الكهنة لاسم الرب (1: 6).

الاتهام الثاني: يقربون خبزًا نجسًا على مذبح الرب (1: 7).

الاتهام الثالث: أعثروا كثيرين بالشريعة، أفسدوا عهد الله (3: 8).

الاتهام الرابع: الغدر وعمل رجاسة في إسرائيل وفي أورشليم (3: 11).

الاتهام الخامس: اتعبوا الرب بكلامهم (3: 17).

الاتهام السادس: من أيام آبائهم حادوا عن فرائضه ولم يحفظوها (3: 7).

الاتهام السابع: سلبوا الرب (3: 8).

الاتهام الثامن: أقوالهم اشتدت على الرب (3: 13).

هنا يُقدم الاتهام السابع، وهو اتهام بسرقة الرب قهرًا، وسلب حقوقه عليهم. كيف يمكن للمخلوق الضعيف أن يسلب الله العالم بكل شيء والقدير؟ هل يتوهم أنه يسلبه سرًا دون علم منه أو دون قدرة على مقاومته؟ من الحماقة أن يرتكب الإنسان جريمة كهذه في حق الله.

"فقلتم: بِمَ سلبناك؟"
في جسارة يبررون أنفسهم ويطلبون من الله الدليل على ارتكابهم هذه الجريمة.

لقد سلبوه عشور ما وهبهم مجانًا، وما نذروه، وبالتقدمات الواردة في الشريعة. وهم بهذا ارتكبوا جريمة ضد الأمة كلها، إذ لا يجد الفقراء والمساكين والمحتاجين نصيبًا لهم في بيت الرب. هذا ومن جانب آخر، إذ سلكوا بالشح مع بيت الله، حلت اللعنة على الأرض، ففقدت الأمة الكثير من الخيرات والعطايا الإلهية بسبب هذه اللعنة. حلت المجاعات والأوبئة وثارت الطبيعة على الإنسان!

سبق فأدبهم بذات التأديب حين اهتموا ببناء بيوتهم وتجاهلوا بناء بيت الرب (حج 1: 10-11)، والآن يكرر التأديب لعدم تقديم احتياجات الخدمة في الهيكل.

قَدْ لُعِنْتُمْ لَعْنًا وَإِيَّايَ أَنْتُمْ سَالِبُونَ هَذِهِ الأُمَّةُ كُلُّهَا. [9]

هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ إِلَى الْخَزْنَةِ لِيَكُونَ فِي بَيْتِي طَعَامٌ وَجَرِّبُونِي،

بِهَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ

إِنْ كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوى السَّمَاوَاتِ،

وَأُفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ. [10]


يقدم لهم نصيحة مخلصة ليلمسوا عمليًا كيف أن العطاء بسخاء يفتح أمامهم كوى السماوات. يُشير إلى العطايا الإلهية كما من السماء، من حيث لم يكن الإنسان يتوقع، تتدفق عليه فجأة بدون توقع.

الله في حبه وسخائه لا يقف عند المصالحة مع الإنسان الراجع عليه، وإنما يفيض عليه بأكثر مما يتخيل!

وَأَنْتَهِرُ مِنْ أَجْلِكُمْ الآكِلَ،

فَلاَ يُفْسِدُ لَكُمْ ثَمَرَ الأَرْضِ

وَلاَ يُعْقَرُ لَكُمُ الْكَرْمُ فِي الْحَقْلِ،

قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. [11]

يرفع الله عنهم ضربة "الجراد" والحشرات المفسدة للحقول، فلا يجدون في حقولهم كرمة تالفة بعد.

وَيُطَوِّبُكُمْ كُلُّ الأُمَمِ
،

لأَنَّكُمْ تَكُونُونَ أَرْضَ مَسَرَّةٍ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. [12]


ينالون مع العطايا المادية تقديرًا واحترامًا من كل الأمم، إذ تلمس الشعوب مسرة الرب بهم، فيطوبونهم بعد أن صاروا موضع سخرية الشعوب بسبب خطاياهم، تصير حتى أرضهم "أرض مسرة". وكما يقول الرب: "هذه هي راحتي إلى الأبد، ههنا أسكن لأني اشتهيتها" (مز 132: 14).

*   الرب الإله ليس في عوزٍ؛ لا يطلب مكافأة، بل تكريمًا. لا يطلب منكم أن ترد له شيئًا من عندكم. إنه يطلب البكور والعشور، فهل ترفضون؟ هذا حدث فعلاً عندما صار المحصول هزيلاً بسبب جفاف المطر، وعندما ضرب البرد كرومكم وأبادها الصقيع. لماذا حدث هذا إلا لحساباتكم الجشعة؟ أخذ التسعة أعشار منكم، لأنكم رفضتم دفع العشور... ستعطون للجندي الشرير (خلال السبي أو ما يمارسه من عنفٍ) ما ترفض أن تعطيه للكاهن... الله مستعد على الدوام أن يهب الخيرات، لكن شر البشرية يمنع ذلك، لأن الإنسان يرغب أن يأخذ كل شيء من الرب الإله، ولا يرغب في تقديم شيءٍ مما يظن أنه يملكه. الآن تصور أن الله يقول: "بالطبع أنت ليّ يا إنسان، لأني خلقتك. الأرض التي تفلحها والبذور التي تزرعها هي ليّ. الحيوانات التي تستخدمها هي ليّ، وأيضا المطر ونفخات الرياح وحرارة الشمس هي ليّ. ما دامت كل عناصر الحياة هي ليّ، وأنت فقط قد وضعت يديك عليها فإنك تستحق مجرد العشور. الآن مع أن الله القدير بحنوه يقوتنا، ويهب الإنسان مكافأة وافرة لأجل عمله البسيط، فإنه يطالب بالعشور لنفسه ويترك الكل لنا[127].

الأب قيصريوس أسقف آرل

+ إقرأ اصحاح 3 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

5. فساد مفاهيمهم:

أَقْوَالُكُمُ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ قَالَ الرَّبُّ.

وَقُلْتُمْ: مَاذَا قُلْنَا عَلَيْكَ؟  [13]


إذ انشغل الشعب بالغنىٌ المادي، تطلعوا فيما بينهم فرأوا الأشرار أغنياء، والمتكبرين يحتلون مراكز قيادية، فحسبوا ما قدموه في عبادتهم من تقدمات وذبائح لا قيمة له، بل ربما حسبوه خسارة. فقدوا ما قدموه للهيكل ولم ينالوا شيئًا، بل حلٌت بهم التجارب وسادهم الحزن.

هنا يقدم الاتهام الثامن وهو أن أقوالهم اشتدت على الرب، ويترجمها البعض أنها أقوال جريئة على الرب. ففي جسارة بلا وقارٍ تكلموا على الرب، واعترضوا عليه، وحسبوا العبادة له مضيعة للوقت وللمال، ودخول إلى حالة من الحزن والمرارة.

أنكروا ما قالوه، سواء علنًا أو خفية، بأفواههم أو بعقولهم وأفكارهم. "ماذا قلنا عليك؟" طلبوا من النبي إقامة الدليل على هذا الاتهام الموجه ضدهم. ولعلهم هنا لا ينكرون ما قالوه، لكنهم حسبوه أمرًا تافهًا لا يستحق ثورة النبي عليهم. وكأنهم يقولون: ما قلناه يُحسب كلا شيء أمام ما قالته الأمم الوثنية ضد الرب، وما مارسناه من شرور تحسب كلا شيء أمام شرور الأمم، فلماذا كل هذه الثورة؟

لم يحتملوا كلمات التوبيخ، وعوض التطلع إلى أعماقهم، ليطلبوا من الرب تطهيرهم وتقديسهم، قارنوا أنفسهم بغيرهم من الأمم فحسبوا أنفسهم أبرارًا صالحين. لهذا يُطالبنا الرسول بولس أن نقارن الروحيات بالروحيات (1 كو 2: 13).

قُلْتُمْ: عِبَادَةُ الله بَاطِلَةٌ.

وَمَا الْمَنْفَعَةُ مِنْ أَنَّنَا حَفِظْنَا شَعَائِرَهُ،

وَأَنَّنَا سَلَكْنَا بِالْحُزْنِ قُدَّامَ رَبِّ الْجُنُودِ؟  [14]

وَالآنَ نَحْنُ مُطَوِّبُونَ الْمُسْتَكْبِرِينَ،

وَأَيْضًا فَاعِلُو الشَّرِّ يُبْنَوْنَ.

بَلْ جَرَّبُوا الله وَنَجُوا. [15]


إذ قارنوا أنفسهم بالأمم الوثنية حسبوا أن العبادة لله باطلة، إذ دفعت بهم إلى الحزن، بينما يعيش المتكبرون الوثنيون الرافضون للإيمان بالله الحيّ وفاعلو الشر في سعادة فائقة، يبنون وينمون ولا يعوزهم شيء. إنهم يطوبون الأشرار ويندمون على التصاقهم بالرب والعبادة له كما لو كان مصدر حزن وكآبة.

لم يدرك هؤلاء أن علة حزنهم وعدم سعادتهم ليست عبادة الله، وإنما لأنهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس (مت 15: 9)، وأنهم يقتربون إلى الرب بشفاههم وقلوبهم بعيدة عنه (مت 15: 8). لم يدركوا أن سرّ شقاوتهم هو ارتباطهم بالعطايا الأرضية والراحة الزمنية. وكما يقول الرسول بولس: "إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح، فإننا أشقى جميع الناس" (1 كو 15: 19). أما من يتعبد للرب بالروح وبحكمةٍ سماويةٍ، فيدرك أن "طرق الحكمة نِعَم، وكل مسالكها سلام" (أم 3: 17).

*   هذا ما يعلنه النبي عن الدينونة الأخيرة، حيث يكون فيها الأشرار غير سعداء حتى في المظهر، بل سيكونون في منتهىٌ البؤس بوضوح، ولا يكون الصالحون في معاناة من أية ضيقةٍ أو بؤسٍ ولو كان وقتيًا، إنما يتمتعون بسعادة تامة أبدية. فقد سبق فاقتبس عبارات مشابهة عن هؤلاء، إذ قال: "كل من يفعل الشر فهو صالح في عيني الرب، وهو يُسر به" (مل 2: 17). أقول هذا يحدث بسبب فهم الشريعة موسى بطريقة جسدية، لذلك تذمروا ضد الله[128].

*   يضع غير الناضجين روحيًا رصيدهم بالأكثر في الوعود الزمنية، ويخدمون الله متطلعين إلى مثل هذه المكافآت. لأنه إذ يزدهر الأشرار يضطربون جدًا. لهذا فإن ملاخي يكمل - لأجل استنارتهم - مميزًا بين البركات الأبدية التي للعهد الجديد التي ينالها الصالحون وحدهم وبين البركات الزمنية المجردة التي للعهد القديم والتي غالبًا لا ينالها الأشرار. يقول: "أقوالكم قد اشتدت عليّ، يقول الرب وقلتم: ماذا قلنا عليك؟ قلتم: عبادة الله باطلة، وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره، وأننا سلكنا بالحزن قدام رب الجنود؟ والآن ونحن ندعو المستكبرين سعداء، لأن فاعلي الشر يُبنون، وقد جربوا الله وازدهروا" (مل 3: 13-15)[129].

*   ندعو المتكبرين سعداء، لأن العاملين في الشر يبنون (مل 3: 14-15). مثل هذه الشكاوى دفعت النبي أن يسأل التعجل بالدينونة الأخيرة، حيث يكون الأشرار أبعد ما يكون من التظاهر بالسعادة، إذ يكون بؤسهم ظاهرًا للكل. أما الصالحون، إذ لا يرتبكون بعد بالأحزان الزائلة، سيتمتعون بطوباوية واضحة لانهائية. قدم ملاخي توضيحًا مشابهًا للذين بتذمرهم يضايقون الرب: "كل شخص يفعل شرًا (يظن) أنه صالح في نظر الرب، وأن مثل هذا يسره". النقطة الوحيدة التي أود أن أبرزها أن مثل هذه التذمرات ضد الله هي ثمرة التفسير غير الروحي للشريعة[130].

القديس أغسطينوس

*   أرجوكم أن تتأملوا فضيلة البار (ملاخي) وعجرفة اليهود. ذاك الذي يشعر بأنه ليس فيه خطية ينطق بحكم قاسي جدًا على نفسه عندما يقول: "أخطأنا، سلكنا كمتمردين على الناموس، فعلنا شرًا". أما الذين امتلأوا بربوات الشرور ففعلوا العكس حين قالوا: "نحن حفظناه ممجدين" (مل ٣: ١٤-١٥ LXX). يسلك الأبرار عادةً بوداعة بعد ممارستهم للصلاح، والأشرار بوجهٍ عام يمجدون أنفسهم بعدما يخطئون... أقول هذا لكي ما نتجنب الخاطيء ونحاكي البار[131].

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ إقرأ اصحاح 3 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

6. تعامله معهم كبنين:

الرجوع إلى الله لا يقف عند العطاء لإخوة الرب، ولا عند الإدراك الروحي لمفهوم العبادة، وإنما يليق بالمؤمنين أن يدركوا حقيقة الله كأبٍ يترفق بهم بكونهم أبناء له، بهذا يتمتعون بروح التمييز، فيميزون الصديقين الذين يمارسون حياة البنوة لله، والأشرار الذين يعصون الآب السماوي.

حِينَئِذٍ كَلَّمَ مُتَّقُو الرَّبِّ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ،

وَالرَّبُّ أَصْغَى وَسَمِعَ وَكُتِبَ أَمَامَهُ سِفْرُ تَذْكَرَة،ٍ

لِلَّذِينَ اتَّقُوا الرَّبَّ، وَلِلْمُفَكِّرِينَ فِي اسْمِهِ. [16]


إذ قدم نظرة عابدي الرب بطريقة حرفية قاتلة مع فساد سلوكهم فرأوه مصدر حزنٍ، يقدم لنا الآن نظرة متقي الرب وخائفيه والمفكرين في اسمه. هنا يربط بين التقوى أو مخافة الرب والانشغال الدائم بالله. فالذين يحملون مخافة الرب كبنين محبين له، يخشون أن يجرحوا علاقتهم به، فتُمتص كل أفكارهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وعواطفهم في الرب وفي اسمه الحلو في أفواههم الداخلية.

الذين لهم هذه الخبرة الروحية العذبة لن يكفوا عن الشهادة لاسم الرب وعمله الخلاصي. "وكلم كل واحدٍ قريبه"، إذ "من فضلة القلب يتكلم الفم" (مت 12: 34). "والإنسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يخرج الصالحات" (مت 12: 35).

الإنسان الروحي يتكلم، ليس فقط بشفتيه ولسانه، وإنما بسلوكه وأفكاره وملامحه شاهدًا لملكوت الله الحال فيه.

ما أروع قوله: "والرب أصغى وسمع وكتب أمامه سفر تذكرة"، فإنه يشتاق إلى حديث محبيه أتقيائه، يصغي إليهم، ويسمع كلمات قلوبهم، ويُسجل كما في سفر تذكرة، معتزًا بكل كلمة ينطقون بها. يقول العريس السماوي للنفس البشرية المقدسة فيه: "قد سبيت قلبي يا أختي العروس، قد سبيت قلبي بإحدى عينيك" (نش 4: 9) "اسمعيني صوتك، أريني وجهك، فإن صوتك حلو، ووجهك جميل" (نش 2: 14).

"وكتب أمامه سفر تذكرة": هو تعبير بشري يكشف لنا بلغتنا عن اعتزاز الله بكلمات أولاده وأفكارهم المقدسة ودموعهم وتنهدات قلوبهم. وكما يقول المرتل: "اجعل أنت دموعي في زقك، أما هي في سفرك؟" (مز 56: 8).

*   يقول هذا ليس كما لو أنه يوجد كتاب (سفر) في الأعالي، وأناس يكتبون، إنما يقصد بالسفر المعرفة الثمينة الدقيقة، وذلك كما يقول: "الرب سمع وكتب في سفرٍ"، وأيضًا "فَتحت الأسفار" (دا 7: 10) [132].

القديس يوحنا الذهبي الفم

وَيَكُونُونَ لِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ،

فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَنَا صَانِعٌ خَاصَّةً،

وَأُشْفِقُ عَلَيْهِمْ كَمَا يُشْفِقُ الإِنْسَانُ عَلَى ابْنِهِ الَّذِي يَخْدِمُهُ. [17]


لا يعتز الله بكلمات خائفيه وأفكارهم ومشاعرهم فحسب، إنما يعتز بأشخاصهم، فينسبهم إليه بكونهم أولاده "يكونون ليّ قال رب الجنود". يحسبهم كنزه الخاص "أنا صانع خاصته"، فيدعو نفسه: "أنا إله إبراهيم، إله إسحق، إله يعقوب". هو إله كل شخصٍ يحسب الله خاصته، فيكون هو خاصة الله. من يعتز بالله ويمجده، يعتز الله به ويسكب بهاء مجده في أعماقه.

وكما يقول الرب نفسه: "وأنا أكون مجدًا في وسطها" (زك 2: 5). "كفرح العريس بالعروس يفرح بكِ إلهكِ" (إش 62: 5). "وتكونين إكليل جمالٍ بيد الرب، وتاجًا ملكيًا بكف إلهكِ" (إش 62: 3).

فَتَعُودُونَ وَتُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصِّدِّيقِ وَالشِّرِّيرِ

بَيْنَ مَنْ يَعْبُدُ الله وَمَنْ لاَ يَعْبُدُهُ. [18]


إذ يقبل الرب من متقيه أقل الخدمات ويعتز بها لأنها صادرة عن خاصته، عن أبنائه المحبوبين لديه، فإنه يهب أجمل هدية وهي المعرفة النابعة من عنده. يهبهم روح التمييز فيميزون بروحه بين الصديق والشرير، وبين من يعبد الله ومن لا يعبده، الأمر الذي هو من اختصاص الله عارف القلوب.

*   الآن يُدعى المتكبرون سعداء؛ نعم الذين يجربون الله يخلصون. ولكن الرب بعد ذلك يهددهم بيوم الدينونة، ويعلن مقدمًا التمييز الذي سوف يحدث بين الأبرار والأشرار، قائلاً لهم هكذا: "تعودون وتميزون بين الصديق والشرير، بيم من يعبد الله ومن لا يعبده" (مل 3: 18)[133].

القديس جيروم

+ إقرأ اصحاح 3 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

 

من وحي ملاخي 3
لتُطهر أعماقي وتحل فيها أيها القدوس!

*   أرسلت القديس يوحنا المعمدان ملاكًا لك،

يهيئ الطريق قدامك بالمناداة بالتوبة!

وهبتني روحك القدوس يهبني التبني.

في مياه المعمودية رفعتني إلى حضن أبيك،

وقدمتني ابنًا يحمل برّك العجيب!

ماذا أرد لك أمام هذا الحب الفائق؟

*   لتحل يا رب في أعماقي، أيها النار الآكلة،

تحرق كل الأشواك الخانقة لنفسي، وتُقيم مني كائنًا ناريًا،

لا تستطيع كل مياه العالم ان تطفئني.

قدسني، طهرني، فأصير أيقونة لك يا أيها القدوس وحده!

*   أراك نازلاً إلى ضعفي،

أود أن أرجع إليك، يا أيها الحب الحقيقي!

تأتي إليّ خلال المتألمين والمرضىٌ والمحتاجين،

فأنت أب اليتامى، وقاضي الأرامل،

وراعي النفوس التائهة، لتردها إلى مراعيك العجيبة!

*   هب ليّ أيضًا أن أتعبد لك حسبما تريد.

أتعبد لك بالروح والحق،

لكي ما أرتفع فوق الحرف، وأتمتع بالروح!

هب ليّ جناحي الروح، فأطير إليك،

ارتفع فوق كل الأرضيات،

ولا أطلب شيئًا من الزمنيات.

*   أخيرًا هب ليّ روح التمييز، فأعرف أنك أبي.

أرى حتى في تأديبات أبوة وحنوًا ورعاية سماوية.

أميز البرّ عن الشر،

وأتلامس مع أبرارك القديسين،

ولا اشترك مع الأشرار المخادعين

 

+ إقرأ اصحاح 3 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +
 
تفسير سفر ملاخى أصحاح 4 PDF Print Email

إشراق شمس البرّ

في الأصحاحات الثلاثة السابقة مزج الاتهامات الثمانية الموجهة ضد شعبه، خاصة الكهنة، بالرجاء في مجيء المسيا لكي يطَّهر ويقَّدس ويقيم من مؤمنيه خاصةً له. الآن يعلن عن يوم مجيء المسيا بكونه إشراق لشمس البرّ يبدد الظلمة التي سادت على الأمم، وأفسدت الأرض كلها.

في الأصحاح السابق أبرز الرب اهتمامه الشخصي بالبشرية. فيرسل ملاكه ليُعد له الطريق، ويأتي بنفسه ليقيم هيكله المقدس من البشرية. يأتي كنارٍ تحرق الشر والفساد، وتنقي وتطهر. إنه يشتهي أن يرجع إلى قلوب البشر، في إخوته الأصاغر، مع التمتع بمفاهيم سليمة عن العبادة، والسلوك بروح التمييز. الآن يختم السفر، بل ويختم أسفار العهد القديم بالكشف عن مجيء الرب للخلاص، فيشرق بنور برِّه على الجالسين في الظلمة، ويهب الشفاء لمؤمنيه، حتى يذكروا الشريعة بمفهومٍ روحيٍ عميقٍ، روح الحب والسلام كأسرة واحدة مقدسة.

1. يوم ناري                                  [1].

2. إشراق شمس البرّ                    [2].

3. شمس البرّ واهب الغلبة             [3].

4. رؤية جديدة للشريعة                 [4].

5. مجيء إيليا النبي                   [5-6].

+ إقرأ اصحاح 4 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

 


1. يوم ناري:

تحدث في الأصحاح السابق عن روح التمييز الذي به ندرك أن الله أبونا، فهو يشفق علينا كأبناءٍ له، أرسل كلمته متجسدًا ليضمنا إليه برجوعنا بعمل نعمته. لكن يليق أيضًا أن ندرك أنه القدوس الذي لا يُهادن الخطية، بل يحرقها كما في التنور (فرن). جاء ليبسط يديه بالحب لكل البشرية، فإن صمم إنسان على كبرياء قلبه وفعل الشر يلقي بنفسه تحت الدينونة الأبدية فيهلك.

فَهُوَذَا يَأْتِي الْيَوْمُ الْمُتَّقِدُ كَالتَّنُّورِ

وَكُلُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَكُلُّ فَاعِلِي الشَّرِّ يَكُونُونَ قَشًّا،

وَيُحْرِقُهُمُ الْيَوْمُ الآتِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ،

فَلاَ يُبْقِي لَهُمْ أَصْلاً وَلاَ فَرْعًا. [1]


يتنبأ ملاخي النبي عن يوم مجيء الكلمة المتجسد ليحقق الخلاص، فإنه وإن كان يبسط ذراعيه لكل البشرية، إلا أنه جاء ليلقي نارًا. فمن يؤمن به يتمتع بالحياة الأبدية، أما الذي يتشامخ عليه ويرفضه فيحترق كالقش وسط النار. هذا ما تنبأ عنه المرتل عن المسيا: "تجعلهم مثل تنور نارٍ في زمان حضورك؛ الرب بسخطه يبتلعهم، وتأكلهم النار" (مز 21: 9).

الله الذي يعرف القلوب هو وحده يقدر أن يفرز القش عن الذهب، المتكبرين عن المتواضعين. الأولون يُحسبون فاعلي شر يحترقون بالنار، فلا يبقي لهم أصلاً ولا فرعًا، والأخيرون يزدادون بهاءً ونقاءً.

لقد سبق فطوّب البعض المستكبرين لأنهم سعداء في هذا العالم (3: 15)، الآن تظهر حقيقتهم أنهم قش يحترق في التنور، فيصير رمادًا.

لعله يقصد بالمتكبرين هنا من هم على شاكلة جماعة الفريسيين الذين كانوا متشامخين بمعرفتهم وبرِّهم الحرفي، فقاوموا السيد المسيح، وفي مقاومتهم صاروا كالقش الذي لا يحتمل مواجهة لهيب النار. أما فاعلو الشر فيقصد بهم بقية اليهود الرافضين للمخلص.

لم يُبقِ الرب لهم أصلاً ولا فرعًا حيث سمح لتيطس فيما بعد بهدم أورشليم وإبادة الهيكل تمامًا. هذا يتحقق في صورة كاملة يوم مجيء السيد المسيح الأخير لدينونة الأشرار ومكافأة المؤمنين الحقيقيين، خائفي الرب ومتقيه.

*   ولكن متى يأتي يوم الانتقام الإلهي للدم البريء، هذا يعلنه الروح القدس بملاخي النبي: "هوذا يأتي يوم الرب، المتقد كالتنور..." (مل 4: 1)[134].

القديس كبريانوس


*   ستكون الأرض كلها كرصاصٍ ينصهر في النار، عندئذ تُكشف أعمال الناس الخفية والعلنية[135].

المدعو إكليمنضس الروماني

*   المجيئان له: واحد بالحقيقة فيه صار إنسانًا يخضع للجلدات... والثاني فيه سيأتي على السحاب (دا 7: 13)، حيث يأتي باليوم الذي فيه يحرق كنارٍ (مل 4: 1)، ويضرب الأرض بسيف فمه (إش 11: 4)، ويقتل الأشرار بنسمة شفتيه، ومعه نفخة في يديه، وينقي بيدره، ويجمع الحنطة في جرنه بالحق، ويحرق القش بنارٍ لا تُطفأ (مت 3: 12، لو 4: 17)[136].

القديس إيرينيؤس

*   ينبئ الرب أن المخالفين سيحترقون ويهلكون، إذ هم غرباء عن الجنس الإلهي، مُدنِسون للمقدسات، هؤلاء الذين لم يُولدوا من جديد روحيًا ويصيروا أولاد الله. فإن هؤلاء وحدهم يمكنهم أن يهربوا: الذين ولدوا من جديد، وسيموا بعلامة المسيح. يقول الله في موضع آخر عند إرساله ملائكته لهلاك العالم وموت الجنس البشري، مهددًا بأكثر رعبٍ في الزمن الأخير: "اعبروا في المدينة وراءه واضربوا، لا تشفق أعينكم ولا تعفوا، الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء، اقتلوا للهلاك، ولا تقربوا من إنسانٍ عليه السمة" (حز 9: 5). علاوة على هذا: ما هي هذه السمة، وفي أي جزء من الجسم موضعها؟... هذا أوضحه الله في موضع آخر، قائلاً: "أعبر في وسط المدينة في وسط أورشليم، وَسيم سمة على جباه الرجال الذين يئنون ويتنهدون على كل الرجسات المصنوعة في وسطها" (حز 9: 4). أما كون العلامة تخص آلام المسيح ودمه، وأن كل من توجد فيه هذه العلامة يُحفظ في أمانٍ ولا يصيبه ضرر، فتؤكده أيضًا شهادة الله: "ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها، فأرى الدم وأعبر عنكم، فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر" (خر 12: 13). ما قد سبق حدوثه قبلاً في رمزٍ بذبح الحمل تحقق في المسيح، الحق الذي جاء بعد ذلك، وكما أنه عندما ضُربت مصر لم يكن ممكنًا لليهود أن يهربوا إلا بدم الحمل وعلامته، هكذا عندما يبدأ العالم في الدمار ويُضرب، من يوجد فيه دم المسيح وعلامته هو وحده يهرب (حز 9: 4، رؤ 7: 3، 9: 4)[137].

القديس كبريانوس

 

+ إقرأ اصحاح 4 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +


2. إشراق شمس البرّ:


لئلا يسقط أحد في اليأس بسبب خطاياه يعلن الرب عن مجيئه كشمس البرّ، يشرق على النفوس فيبدد ظلمتها، لكن ليس قسرًا بغير إرادتها. إنه الطبيب السماوي الإلهي الذي ينزل إلى مرضاه، فيشفيهم أن قبلوا عمله فيهم.

وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ،

وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا.

فَتَخْرُجُونَ وَتَنْشَأُونَ كَعُجُولِ الصِّيرَةِ. [2]


كما جاء السيد المسيح ليلقي نارًا تنقي المؤمنيين به، وتحرق الجاحدين، المصرين على جحودهم حتى النفس الأخير، فإنه يكون نورًا لكل إنسان يقبله، ويُحسب خائف الرب ومتقيه. أشرق على العالم في مجيئه الأول كما بجناحين ليشفي كل نفسٍ مريضةٍ، ويشرق بنور بهائه في مجيئه الثاني ليهب خائفيه شركة أمجادٍ أبدية. هذا اليوم يكون يوم ظلامٍ وقتامٍ لرافضيه ويوم عرسٍ مبهج ونورٍ لا ينقطع لمن آمن به وتمتع بالحياة الجديدة فيه.

"تخرجون" إذ يتمتع المرضى بشمس البرّ، وينالون الشفاء يخرجون كما إلى أعمالهم. عوض الرقاد الطويل في عجز عن العمل لحساب ملكوت الله، يخرجون للشهادة ولبنيان النفوس في الرب المخلص.

"تنشأون" أو "تنمون"، إذ تعود إليهم الصحة، فيتحركون متقدمين في النعمة والمعرفة والحكمة الإلهية، لعلهم يبلغون إلى قامة ملء المسيح، إلى "إنسانٍ كاملٍ" (أف 4: 13).

يشبههم هنا "بعجول الصيرة" أو عجول المعلف، التي سرعان ما تنمو وتقوى وتصير نافعة لأصحابها. يرى البعض أن الإنسان الذي يتمتع بنور شمس البرّ ينطلق كما إلى الحقل كعجل المعلف الذي يثب في الهواء الطلق في مرحٍ، يقفز فرحًا.

يرى القديس هيبولتيس أن السيد المسيح شمس البٌر لا يترك كنيسته في أيام الشدة العظيمة، في وقت ضد المسيح، إنما يشرق عليها بنوره... [هذا الذي يبسط يديه على الخشبة المقدسة، يفرد جناحيه، اليمين واليسار، ويدعو إليه كل الذين يؤمنون به، ويغطيهم كما تفعل الدجاجة بفراخها. فيقول بفم ملاخي هكذا: "ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البٌر، والشفاء في أجنحتها" (مل 4: 2)[138]].

*   هوذا قد جاء الآن مخلصك ليخلصك، والمسيح شمس البٌر قد قام إليك لكي ينيرك[139].

أعمال فيلبس


*   يُفهم القمر رمزيًا أنه الكنيسة، لأنه ليس لها نور من ذاتها، إنما تستنير بابن الله الوحيد، الذي ذُكر عنه في مواضع كثيرة في الكتاب المقدس رمزيًا أنه الشمس (مل 4: 2 الخ)[140].

*   متى يمجد قرن شعبه؟ عندما يأتي الرب، وتُشرق شمسنا، ليست الشمس التي تُرى بالعين، والتي تشرق على الصالحين والأشرار (مت 5: 45)، وإنما تلك التي قيل عنها: إليكم يا من تسمعون الله "تشرق شمس البٌر والشفاء في أجنحتها" (مل 4: 2). هذه التي يقول عنها المتكبرون والأشرار فيما بعد: "نور البٌر لم تضئ علينا، وشمس البٌر لم يشرق علينا" (الحكمة 5: 6)[141].

القديس أغسطينوس


v    (مريم) هي الباب الشرقي الذي تحدث عنه حزقيال النبي أنه دائمًا مغلق ودائمًا مُشرق، وهو مختوم أو معلن لقدس الأقداس، خلالها دخل وخرج "شمس البٌَر" (مل 4: 2)، رئيس على رتبة ملكي صادق (عب 5: 10)[142].

القديس جيروم

*   إن كان الإنسان الأعمى يعاني من عدم رؤيته الشمس المادية، فإنه يصيب الخاطئ حرمانًا من عدم تمتعه بالنور الحقيقي؟[143]

القديس باسيليوس الكبير


*   يهب خدامه شركة في اسمه، فكما أنه هو النور، يدعو قديسيه نورًا، إذ يقول: "أنتم نور العالم" (مت 5: 14)، ويدعو خدامه بكونه هو "شمس البٌر" (مل 4: 2) "حينئذ يضيء الأبرار كالشمس" (مت 13: 43)[144].

ثيؤدورت أسقف قورش

*   لم تُصنع سفينتنا من ألواح خشبية، بل تكوَّنت وتجمعت سريعًا بالكتاب المقدس. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لا تقودنا النجوم التي في السماء في رحلتنا، بل يقود سفينتنا شمس البرّ في طريقها. فإننا إذ نجلس بجوار ذراع الدفة لا ننتظر نسمات الرياح بل نترقب نسمة الروح الهادئ[145].

القديس يوحنا الذهبي الفم


*   لا تضع ثقتك في الشمس دون اعتبارات، فإنها بالحق هي عين العالم، بهجة النهار، جمال السماوات، فتنة الطبيعة، روعة الخليقة. عندما تتطلع إليها تتأمل موجدها. عندما تعجب بها تمجد خالقها. إن كانت الشمس كمرافقٍ للطبيعة ومساهمة فيها هكذا مُبهجة، فكم يكون الصلاح الذي في شمس البرّ؟ إن كانت الشمس هكذا سريعة وبدورتها السريعة بالنهار والليل قادرة على اجتياز كل الأشياء، كم بالأعظم ذاك الذي يملأ كل الأشياء على الدوام وفي كل مكان؟[146]

القديس أمبروسيوس


*   من الشرق جاءت الكفارة إليكم، فمن هناك جاء إنسان يدعي "الشرق"، صار وسيطًا لله والبشرية، لذلك أنتم مدعوون بهذا أن تتطلعوا دومًا إلى الشرق، حيث يشرق عليكم شمس البرّ، حيث يولد النور لأجلكم، حتى لا تسلكوا بعد في الظلمة، ولكي ما لا تمسك بكم الظلمة في اليوم الأخير. لذلك لا يحل بكم ليل ضباب الجهل، بل تُوجدون دومًا في نور المعرفة، ويكون لكم على الدوام نهار الإيمان، وتحفظون دومًا نور الحب والسلام[147].

*   عندما يتجلى يشرق وجهه كالشمس، حتى يُعْلَنْ لأبناء النور الذين يخلعون أعمال الظلمة ويلبسون سلاح أبناء النور (يو 12: 36؛ رو 13: 12، 13)، ولم يعودوا بعد أبناء ظلمة ولا أبناء ليل، بل أبناء نهار ويسلكون بأمانة كما في النهار (رو 13: 13؛ 1 تس 5: 5). فإذ يكشف عن ذاته، يشرق عليهم ليس كالشمس العادية بل بكونه شمس البرّ[148].

*   لم يكن ليل في بطرس حين اعترف: "أنت هو المسيح ابن الله الحيّ" (مت 16: 16)، عندما أعلن له الآب السماوي ذلك. ولكن كان فيه ليلٍ في لحظة إنكاره (مت 26: 79-74). وفي المثال الحاضر عندما استلم يهوذا اللقمة خرج في الحال (يو 13: 30)، لأن الذي يُدعى "الشروق" لم يكن حاضرًا معه، إذ ترك شمس البرّ خلفه عندما خرج. ويهوذا الذي امتلأ بالظلمة طارد يسوع، لكن الظلمة التي اقتناها لم تدرك النور المُطارد. لهذا أيضًا عندما قال كلمة تبرير: "أخطأت، إذ سلمت دما بريئا" (مت 27: 4) "مضى وشنق نفسه" (مت 27: 5)؛ فإن الشيطان الذي كان فيه قاده إلى الشر وخنقه، إذ لمس الشيطان نفسه في ذلك الحين. إذ لم يكن الرب قادرًا أن يقول للشيطان لصالحه ما قاله لصالح أيوب: "أما نفسه فلا تمسها" (أي 1: 12؛ 2: 6)[149].

العلامة أوريجينوس

*   حينما تعدي الإنسان الوصية ألقى الشيطان على النفس حجابًا مظلمًا. وإذ تأتي النعمة تزيل الحجاب تمامًا، حتى إذ تصير النفس نقية وتستعيد طبيعتها الأصلية، وتُعتبر صافية بلا عيب، تنتظر دائمًا بصفاء – بعينها النقية – مجد النور الحقيقي وشمس البرّ الحقيقية ساطعة بأشعتها داخل القلب نفسه[150].

*   ليس فقط إلى اليوم الذي جاء فيه آدم الأخير بل وحتى إلى اليوم، فإن الذين لم تشرق عليهم "شمس البرّ"، أي المسيح، والذين لم تنفتح عيون نفوسهم وتستنير بالنور الحقيقي لا يزالون تحت نفس ظلمة الخطية، وتحت نفس تأثير الشهوات، وهم تحت العقاب بعينه، إذ ليس لهم إلى الآن عيون لينظروا بها الآب[151].

القديس مقاريوس الكبير

*   هو شمس البٌر، معلن من السماء، مُحاط بطبيعته المنظورة، ويعود إلى ذاته[152].

القديس غريغوريوس النزينزي

*   إذ نعرف أن المسيح هو النور الحقيقي ( يو 1: 9) لا يُقترب إليه من الباطل نتعلم من هذا ضرورة استنارة حياتنا بالنور الحقيقي. لكن الفضائل هي أشعة شمس البرّ تتدفق لاستنارتنا خلالها نطرح أعمال الظلمة (رو 13: 12) لكي نسير كما يليق بالنهار (رو 13: 13) ونجحد خفايا الخزي (2 كو 4: 2). إذ نفعل كل شيء في النور نصير النور ذاته، يشرق على الغير (مت 5: 15-16)، النور الذي له صبغته الخاصة[153].

القديس غريغوريوس النيسي


*   ولكن عندما دعانا ابن الله الوحيد نفسه إلى هذه البنوة، إنما دعانا للتشبه به لذلك قال: فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين. ولكن ما هي هذه الشمس؟! إما أن تكون شمسًا غير منظورة للعين الجسدية، أي تلك الحكمة التي قيل عنها أنها "ضياء النور الأزلي" (حك 7: 26)، كما قيل عنها "شمس البرً تشرق عليَّ" وأيضًا: "لكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البرّ" (مل 4: 2).

وبالمثل يكون المطر غير منظور، قاصدًا به تعاليم الحق وإروائها لنفوسنا، لأن السيد المسيح جاء للصالحين والأشرار، وبُشّر به للأبرار والظالمين.

*   إما أن تكون هي تلك الشمس المنظورة التي تراها جميع المخلوقات، كذلك المطر يكون هو ذلك المطر المنظور الذي عليه تنمو النباتات التي تقّوت الجسد. وهذا التفسير أظنه أكثر احتمالاً، لأن الشمس الروحية لا تشرق سوى على الصالحين والقديسين، إذ نرى في سفر الحكمة الأشرار يبكون قائلين: "لم تشرق علينا الشمس" (حك 5: 6)، كما لا يروي المطر الروحي غير الصالحين، لأنه قصد بالشرير تلك الكرمة التي قيل عنها: "وأوصي الغيم أن لا يمطر عليهِ مطرًا" (إش 5: 6)[154].

*   "لا تغرب الشمس على غيظكم" (إف 4: 26)، ومع هذا فقد غابت الشمس مرارًا كثيرة. اتركوا غيظكم أيضًا، حيث نحتفل الآن بأيام الشمس العظيم، هذه الشمس التي يقول عنها الكتاب المقدس "لكم ... تشرق شمس البرّ، والشفاء في أجنحتها" (مل 4: 2). ماذا يقصد ب "في أجنحتها"؟ أي في حمايته، إذ قيل في المزامير: "وبظل جناحيك استرنيّ" (مز 17: 8). وأما أولئك الذين يندمون في يوم الدينونة، ولكن بعد مضي الوقت، والذين سيحزنون ولكن بلا فائدة، فقد سبق أن تنبأ في سفر الحكمة عن ما سيقولونه عندما يندمون ويتأوهون من عذاب الروح "فماذا أنفعتنا الكبرياء، وماذا أفادنا افتخارنا بالغنى. قد مضى ذلك كالظل، لقد ضللنا عن طريق الحق، ولم يضئ لنا نور البرّ، ولم تشرق علينا الشمس" (حك 5: 6، 8، 9). تلك الشمس تشرق على الأبرار فقط، وأما هذه الشمس التي نراها يوميًا، فإن الله يشرق شمسه على الأشرار والصالحين" (مت 5: 45). يطلب الأبرار رؤية تلك الشمس وهي تقطن في قلوبنا بالإيمان. فإن كنتم تغضبون لا تدعوا هذه الشمس تغرب في قلوبكم على غيظكم "لا تغرب الشمس على غيظكم". لئلا تكونوا غاضبين، فتغرب شمس البرّ عنكم، وتمكثون في الظلام[155].

القديس أغسطينوس

*   هذا ينطبق على المجيء الأول لمخلصنا والمجيء الثاني- أشرق في مجيئه الأول مثل نوع من الشمس بالنسبة لنا نحن الجالسين في الظلمة والظلال، ويحررنا من الخطية، ويهبنا شركة في البرّ، ويغطينا بهبات روحية كأجنحةٍ، ويهبنا شفاء لنفوسنا. وفي مجيئه الثاني فإنه بالنسبة للذين تعبوا في الحياة الحاضرة يظهر لهم إما كما يتفق مع إرادتهم أو ضدها؛ وكديانٍ عادلٍ يقضي بالعدل ويهب الخيرات الموعود بها. كما أن الشمس المادية في إشراق تيقظ من قبض عليهم النوم ليقوموا للعمل، هكذا في مجيئه يقيم الذين في قبضة النوم الطويل للموت.

ثيؤدورت أسقف قورش

*   حيث أن الله هو نور روحي (1 يو 1: 5)، ويُدعى المسيح في الأسفار المقدسة شمس البٌر (مل 4: 2)، وانبلاج الصباح (الفجر)، فإن الشروق هو الاتجاه الذي يلزم تعيينه لعبادته[156].

الأب يوحنا الدمشقي

 

+ إقرأ اصحاح 4 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +


3. شمس البرّ واهب الغلبة:

وَتَدُوسُونَ الأَشْرَارَ،

لأَنَّهُمْ يَكُونُونَ رَمَادًا تَحْتَ بُطُونِ أَقْدَامِكُمْ،

يَوْمَ أَفْعَلُ هَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. [3]

سرّ فرحهم ومرحهم هو تمتعهم بالنصرة على عدو الخير وملائكته الأشرار، الذين يصيرون رمادًا تحت أقدامهم. ينضمون إلى موكب النصرة تحت قيادة المسيح الرأس القائل: "ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33). إنهم يحققون الوعد "تقدموا وضعوا أرجلكم على أعناق هؤلاء الملوك" (يش 10: 4).

*   إننا نثق في ذاك الذي قال: "افرحوا، أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33)، لأننا ننال النصرة على عدونا إبليس، بمعونته وحمايته[157].

*   لماذا يقول لنا: "افرحوا" إلاَّ لأنه قد غلب لأجلنا، وحارب لأجلنا؟

فإنه أين حارب؟ لقد حارب بأن أخذ طبيعتنا له...

لقد غلب من أجلنا نحن الذين أظهر لنا قيامته...

التصق يا إنسان بالله، هذا الذي خلقك إنسانًا. التصق به جدًا، ضع ثقتك فيه.

أدعه، ليكن هو قوتك. قل له: "فيك يا رب قوتي".

عندئذ تتغنى عندما يهددك الناس، وأما ما تتغنى به يخبرك الرب نفسه: "إني أترجى الله، لا أخشى ماذا يفعل بيّ الإنسان" (مز ٥٦: ١١)[158].

القديس أغسطينوس

*   يسمح لنا نحن أيضًا أن نغلب، متطلعين إلى رئيس إيماننا، ونسير في ذات الطريق الذي قطعه من أجلنا... أننا لسنا مائتين بسبب صراعنا مع الموت، بل نحن خالدون بسبب نصرتنا... هل يفسد الموت أجسامنا؟ ما هذا؟ أنها لن تبقى في الفساد، بل تصير إلى حال أفضل...

إذن لنغلب العالم، لنركض نحو الخلود، لنتبع الملك، لنُعِد النصب التذكاري للغلبة، لنستخف بملذات العالم. لسنا نحتاج إلى تعب لإتمام ذلك.

لنحول نفوسنا إلى السماء، فينهزم كل العالم! عندما لا تشتهيه تغلبه؛ إن سخرت به يُقهر.

غرباء نحن ورُحَّل، فليتنا لا نحزن على أي أمورٍ محزنة خاصة به[159].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

+ إقرأ اصحاح 4 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

 


4. رؤية جديدة للشريعة:

ظن اليهود أنهم حافظون للشريعة الموسوية بتقديمهم تقدمات وذبائح كثيرة معيبة. الآن يطالبهم أن يذكروا الشريعة على المستوى الروحي لكي يصيروا هم أنفسهم بلا عيب، فيقبل الله تقدماتهم.

اذْكُرُوا شَرِيعَةَ مُوسَى عَبْدِي

الَّتِي أَمَرْتُهُ بِهَا فِي حُورِيبَ عَلَى كُلِّ إِسْرَائِيلَ.

الْفَرَائِضَ وَالأَحْكَامَ. [4]

العبارات التالية (4-6) هي خاتمة لا لسفر ملاخي وحده بل للعهد القديم كله. فقد جاءت هذه الخاتمة تهييء الشعب لانتظار مجيء السيد المسيح، بفحص الشريعة الشاهدة  للسيد المسيح، أو للناموس الذي يقودنا إليه، وكما يقول القديس بطرس: "وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت، التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منيرٍ في موضع مظلمٍ إلى أن ينفجر النهار، ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم، عالمين هذا أولاً أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسيرٍ خاصٍ، لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسانٍ، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 19-21).

*   غاية النبي أن يتعلم القرّاء أن يعطوا تفسيرًا روحيًا للشريعة، فيجدون فيها المسيح الديان، الذي يميز الصالحين عن الأشرار. فإنه ليس بدون سبب قال المسيح لليهود: "لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عنيّ" (يو 5: 46). بالحقيقة بسبب تفسيرهم الحرفي وحده للشريعة وعجزهم عن إدراك أن وعودها الوقتية ليست إلا رموزًا للمكافآت الأبدية، سقطوا في امتعاضٍ يحمل تمردًا، فقالوا: "عبادة الله باطلة، وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره..." (مل 3: 14-15)[160].

القديس أغسطينوس


*   هذه الشريعة مقدسة جدًا وصالحة، حتى أن مخلصنا في وقت معين إذ شفى أبرص وشفى بعد ذلك تسعة برص قال للأول: أذهب، أرِ نفسك لرئيس الكهنة، وقدم القربان الذي أمر به موسى شهادة لهم" (مت 8: 4؛ مر 1: 44). فإنه لم يبطل الناموس في أي موضع[161].

الدسقولية


*   أول علامة للطاعة تنالونها هي قبول مجيء المسيح الرب، الذي جاء لخلاص كل الشعب. أنه يأتي بالشريعة إلى غايتها ويوضح طريقه للكمال. لذلك فإنه من الصالح لكم أن تؤمنوا به عند ظهوره وتعرفوا أنه هو ذاك الذي تنبأ عنه موسى والأنبياء أنه يتمم غاية الناموس ويعلن عن خلاص الكل عامة[162].

ثيؤدور أسقف المصيصة

 

+ إقرأ اصحاح 4 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +

 

 


5. مجيء إيليا النبي:


أرسل الرب ملاكه - القديس يوحنا المعمدان - قبل مجيئه الأول لتقديم الخلاص. جاء القديس يوحنا المعمدان بروح إيليا الناري، وسيرسل إيليا مع أخنوخ في أيام ضد المسيح ليهيء الطريق لمجيئه الأخير.

هأَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ

قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ [5]

طالبهم بالرجوع إلى الناموس وفحص الشريعة حيث تتوقف إرسالية الأنبياء إلى حين مجيء من له روح إيليا وغيرته ليهييء الطريق لمجيء الرب (لو 1: 17).

انقسم مفسرو اليهود إلى فريقين في تفسيرهم لهذه العبارة، فريق ظن أن إيليا نفسه يأتي إلى العالم ليهيئ الطريق للمسيا. وآخرون حسبوا أن إنسانًا يأتي بروح إيليا.

هل جاء إيليا النبي ثانية؟

عندما سُئل القديس يوحنا المعمدان إن كان هو إيليا أجاب بالنفي (يو 1: 22)، بينما قال السيد المسيح: "إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا، كذلك ابن الإنسان أيضًا سوف يتألم منهم (مت 17: 12)، "حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان" (مت 17: 13). ويعلل القديس أغسطينوس إنه كان يجب أن يأتي قبل المجيء الأول للسيد المسيح وأيضًا الثاني. في المجيء الأول لم يأتِ إيليا بشخصه، وإنما حمل القديس المعمدان فكره وأسلوب حياته، لذلك قال عنه السيد المسيح انه إيليا وقد جاء (مت 11: 14)، ولكن لم يأتِ بشخصه، لذلك قال يوحنا المعمدان إنه ليس بإيليا. أما في مجيء السيد المسيح الثاني والأخير فيسبق إيليا حيث يأتي بشخصه ويشهد على ضد المسيح ويستشهد[163].

*   حيث أن المخلص هو بدء قيامة كل الشعب، كان لائقًا أن الرب وحده يلزم أن يقوم من الأموات، الذي به أيضًا يدخل القضاء العالم كله، حتى يتكل المجاهدون المستحقون بواسطته بالوسيط الشهير، فإنه هو نفسه تمم الطريق وقُبل في السماوات، وجلس عن يمين الله الآب، وسيعلن مرة أخرى في نهاية العالم بكونه الديان. إنه موضوع لدور معين، وأن السابق له يلزم أن يظهر أولاً كما قال بملاخي والملاك: “هاأنذا أرسل إليكم إيليا التشبيتي قبل مجيء الرب العظيم، والمخوف؛ فيرد قلوب الآباء على الأبناء، والعصاة لحكمة الأبرار، لئلا آتي واضرب الأرض تمامًا" (راجع مل 4: 5-6). إذن هذه ستأتي وتعلن عن ظهور المسيح من السماء. وستحدث آيات وعجائب، حتى يخجل الناس ويعودوا إلى التوبة عن شرهم العظيم[164].

القديس هيبوليتس الروماني


*   ما هو مصدر اعتقادكم بأن إيليا القادم سيُعمِد؟ فإنه لم يعمد الخشب الذي على المذبح في أيام آخاب، عندما احتاج إلى حميم مياه حتى يحترق عندما ظهر الرب في النار (1 مل 18: 21-38). لقد أمر الكهنة أن يفعلوا هذا، ليس مرة، بل يقول: "ثنوا فثنوا" وأيضا: "ثلثوا فثلثوا" (1 مل 18: 34). إذن كيف ذاك الذي لم يعمد في ذلك الحين بل أعطى للآخرين ذلك أن يعمد عندما يأتي عند إتمام الأمور التي يتحدث عنها ملاخي؟[165]

العلامة أوريجينوس

*   "ورأيت ملاكًا آخر صاعدًا من الشرق، له ختم الله الحيّ". إنه يتحدث عن إيليا النبي، الذي هو النذير في أيام ضد المسيح، وذلك لإصلاح الكنائس وتثبيتها في مواجهة الاضطهاد العظيم المفرط. نقرأ أن هذه الأمور تُنبئ عنها في فاتحة العهد القديم والعهد الجديد؛ إذ يقول بملاخي: "هاأنذا أرسل إليكم إيليا التشبيثي، ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء، حسب وقت الدعوى، ليرد اليهود إلى إيمان الشعب الذي خلفه[166].

فيكتورينوس أسقف بيتوفيم

*   عند اقتراب نهاية الأزمنة، سيُرسل نبي عظيم ليحول البشر إلى معرفة الله، وسينال قوة لعمل عجائب. وإذ لا يسمع له الناس سيغلق السماء، ويجعلها تمنع مطرها، وسيحول ماءهم إلى دمٍ، ويعذبهم بالعطش والجوع. وإذا سعى أحد لأذيته تخرج نار من فمه وتحرقه[167].

لاكتانتيوس

*   إنه لأمرٍ محتمٍ أن البشيرين (السابقين) لمجيئه يجب أن يظهرا أولاً كما قيل بواسطة ملاخي والملاك (بشارة زكريا الكاهن بميلاد يوحنا السابق)... إنهما (إيليا وأخنوخ) سيأتيان ويعلنان عن ظهور المسيح أنه سيكون من السماء، وسيعملان آيات ويردان الذين غُلبوا بالشر وعدم التقوى إلى التوبة[168].

القديس هيبوليتس

فَيَرُدُّ قَلْبَ الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ،

وَقَلْبَ الأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ.

لِئَلاَّ آتِيَ وَأَضْرِبَ الأَرْضَ بِلَعْنٍ. [6]


يرى الأب فيكتورينوس في هذه العبارة إشارة إلى أن عددًا كبيرًا من اليهود سيقبلون الإيمان بالسيد المسيح خلال شهادة إيليا النبي في الأزمنة الأخيرة عند مجيء ضد المسيح[169].

+ إقرأ اصحاح 4 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +


من وحي ملاخي 4

لتشرق بنورك في أعماقي

*   جئت إلى عالمنا لتبدد كل ظلمةٍ،

تشرق في كل نفس فتقيمها كوكبًا منيرًا.

تحوّل ظلمتنا إلى نورٍ،

وعارنا إلى مجدٍ.

*   من يرفض نورك يفقد بصيرته،

وتخيم ظلمة الجهالة على عقله،

ويصير يوم مجيئك الثاني بالنسبة له رعبًا.

*   لتدخل يا شمس البرَّ في أعماقي،

وتقيم مملكتك في داخلي،

فأصير ذهبًا مصفى بالنار،

ولا يكون للزغل موضع فيّ.

*   تنزع أيها الطبيب السماوي مرضي،

وتهبني شفاءً أبديًا.

تحول حياتي إلى تهليل لا ينقطع.

أثب فرحًا بين السمائيين.

*   أتمتع بنصرتك وغلبتك،

فلا يكون لإبليس موضع في داخلي،

بل بنعمتك ليّ يصير تحت الأقدام.

ليس له سلطان عليّ بعد!

*   إني في انتظارك يا واهب المجد.

لترسل إيليا وأخنوخ ليحطما قوة ضد المسيح،

ولتُعد العالم كله للتمتع بخلاصك.

أعماقي تصرخ إليك:

نعم، تعالْ أيها الرب يسوع!

 

+ إقرأ اصحاح 4 من سفر ملاخى +
+ عودة لتفسير سفر ملاخى +
 



12 هاتور 1734 ش
22 نوفمبر 2017 م

تذكار رئيس الملائكة الجليل ميخائيل
نياحة القديس يوحنا السريانى

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك