إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لكى تحتفظ بتواضعك أحتفظ بأستمرار بتلمذتك وإن شعرت أنك صرت صرت معلماً وأصبحت فوق مستوى التلمذة أعرف جيداً أنك بدأت تسقط فى الكبرياء

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر صموئيل الأول

+ تفسير سفر صموئيل الأول +



تفسير سفر صموئيل الأول اصحاح 1 PDF Print Email

ميلاد صموئيل

وُهب صموئيل لأمه التقية والعاقر حنَّة من قبل الرب، إذ جاء ابنًا لإيمانها وصلواتها، وتربى في هيكل الرب، ليكون سبب بركة للكثيرين.

1. حنة التقية العاقر                  [1-8].

2. ابن الصلاة                        [9-18].

3. ميلاد صموئيل                    [19-23].

4. صموئيل عارية الرب             [34-28].

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

1. حنة التقية العاقر:

كان لألقانة امرأتان: فننة وتعني "مرجانة" أو "لؤلؤة"، وحنّة وتعني "حنان" أو "نعمة".

أ. قيل عن ألقانة إنه أفرايمي [3] لأنه سكن في جبل أفرايم، لكنه كان من سبط لاوي من عشيرة قيهات (1 أي 6: 22-28، 32-38)، لكنه لم يمارس منصب اللاويين. كان رأسًا لعشيرة صوفيم التي تسمى بها قرية "رمتايم صوفيم" أي "رابيتا الصوف" أو "مرتفعتا الصوف"[16]، وقد دعيت هكذا لتمييزها عن المدن الأخرى التي حملت ذات الأسم "رامة". ربما هي "رام الله" الحالية.

ب. اعتاد ألقانة أن يأخذ كل أفراد أسرته إلى شيلوه ليسجد ويذبح للرب، أي يقدم ذبيحة سلامة (لا 7: 11-21). يرى البعض أنه كان يصعد لتقديم ذبيحة خاصة بعائلته، بخلاف التزامه بالصعود في الأعياد الثلاثة: عيد الفطير أو الفصح، عيد الحصاد أو الخمسين، عيد المظال (خر 23: 14)، غير أن بعض الدارسين يرون أن اليهود في ذلك الوقت اكتفوا بالصعود مرة واحدة  سنويًا للاحتفال بعيد الحصاد بفرح عظيم، وهذ ما جعل عالي الكاهن يظن أن حنة سكرى[17].

كانت شيلوه أو شيلو (غالبًا سيلون الحالية) هي مركز العبادة، اختارها يشوع مقرًا للخيمة والتابوت، وفيها قسم البلاد عن الأسباط (يش 18: 1، 8). سكنها عالي الكاهن وصموئيل النبي، كما سكنها أخيّا النبي (1 مل 14: 2)، وهي تبعد حوالي 17 ميلاً شمال أورشليم.

ج. كان ألقانة يحب حنة العاقر، ويعطيها نصيب اثنين الأمر الذي غالبًا ما ألهب قلب ضرتها فننّة ليزداد حسدًا وغيرة. لعل ألقانة -وهو رجل- قد أخطأ في هذا إذ وسّع الهوة بين المرأتين. على أي الأحوال حملت المرأتان رمزًا لكنيستي العهدين القديم والجديد. فإن كانت فننة تعني "لؤلؤة" أو "مرجانة" وأنجبت أولادًا، فإن كنيسة العهد القديم قد تمتعت بكنوز الله إذ تسلمت الشريعة ونالت المواعيد وأنجبت رجال الله الآباء والأنبياء إلخ... لكن هذه الأم الولود صارت عاقرًا عندما رفضت الإيمان بالسيد المسيح، وكما ترنمت حنة، قائلة: "العاقر ولدت سبعة وكثيرة البنين ذبلت" (1 صم 2: 5). أما حنة فاسمها يعني "حنانًا" أو "نعمة"، إذ تمتعت كنيسة العهد الجديد بحنان الله الفائق المعلن خلال ذبيحة الصليب ونعمة الروح القدس واهب البنوة لله والشركة معه. إنها الكنيسة المحبوبة لديه، جمعت من الأمم من كانوا عواقر لينجبوا بنين الله.

لقد سمح الله لحنة التقية أن تشبع نفسها من المرارة لتصرخ من أعماق قلبها فيهبها الابن الذي سبق أن أعده لها، بل ولكل شعبه، والذي صارت حياته وخدمته جزءًا لا يتجزأ من الكتاب المقدس. هكذا يسمح الله لكنيسته في تقواها أن تدخل تحت الآلام لتشاركه ضيقة الصليب وتختبر موته فيها فتثمر بهجة داخلية وسلامًا فائقًا للعقل. "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو 8: 17).

لقد تركها الرب وسط الآلام "سنة بعد سنة" [7]، لكنها إذ انتظرت إلى ملء زمانها قدم لها الرب أكثر مما سألت أو فكرت، فنالت "صموئيل" العظيم بين الأنبياء.

د. تأمل عتاب رجلها الذي يحبها، واهبًا إياها نفسه قبل أن يقدم لها نصيبًا مضاعفًا، إذ يقول لها: "يا حنة، لماذا تبكين؟ ولماذا لا تأكلين؟ ولماذا يكتئب قلبك؟ أمَا أنا خير لكِ من عشرة بنين؟!" [8]. هكذا يعاتبنا رب المجد يسوع عريس نفوسنا: "لماذا تحزن على أمور زمنية؟ أو بسبب ضيقات وقتية؟ أما أستطيع أن أشبعك وأُعزيك؟ أما يكفيك أني عريس نفسك الأبدي؟!".

ليتنا نردد مع الرسول بولس قائلين: "الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟!... من سيفصلنا عن محبة المسيح؟! أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟!... فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا" (رو 8: 32-39).

لنحب الله من أجل شخصيه، لنقبله ساكنًا فينا، فيعلن ملكوته الإلهي في داخلنا ولا يحرمنا حتى من البركات الزمنية مادامت لبنياننا... هكذا تمجد الله في حنة وأعطاها صموئيل ثمرة إيمانها وصلواتها.

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

2. ابن الصلاة:

أ. كانت حنة مُرّة النفس [10]، هذه المرارة لم تمنعها عن أن تشترك في الأكل مما قُدم للرب، إذ لم يكن هذا الأكل للتنعم واللذة إنما علامة شركة المؤمنين معًا في الذبيحة ليكون الكل مصالحًا معًا في الله. مرارة نفسها لم تجلب لها كراهية أو حقدًا ضد ضرتها إنما طلبت العون الإلهي ليحقق لها ما ينزع عنها عارها. اشتهت أن تنجب ليس كرغبة طبيعية في الإنجاب وممارسة الأمومة، وإنما لما هو أقوى؛ فإن كل سيدة يهودية كانت تترقب أن يأتي المسيا من نسلها، كما يظهر من تسبحة حنة نفسها عندما قدمت ابنها عارية للرب كل أيام حياته (1 صم 2: 1-10).

بعد الأكل قامت لتمارس صلاة شخصية سرية أمام هيكل الرب (دعيت الخيمة هيكل الرب لأنها كانت قد استقرت حوالي 300 سنة في شيلوه، وأقيمت حولها أبنية وأمامها باب وقائمة ومكان لجلوس رئيس الكهنة لأجل القضاء).

صارت تُصلي وعالي رئيس الكهنة يُراقبها لكنه لم يقدر أن يدرك سر قوة صلاتها، بل حسب المرأة سكرى [14]، أما الرب فاستجاب لها.

صارت حنة مثلاً حيًا - عبر الأجيال - للصلاة الصامتة النابعة عن إيمان عميق داخلي، وقد امتزجت صلاتها بإيمانها وأيضًا بوداعتها.

فيما يلي تعليقات بعض الآباء على صلاة حنة الصامتة، إذ تحدثت بقلبها كما بدموعها:

*   
بالنسبة لحنّة، ما أن حملت فكرًا حتى وُهب الحبل بالطفل صموئيل. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يقول الكتاب: اسألوا وأنا أعمل، فكروا وأنا أعطي. إننا نسمع عن الله أنه يعرف القلب، ولا يحكم مثلنا نحن البشر من خلال الحركات (الظاهرة) للنفس ولا من الأحداث (الخارجية)؛ فمن السخافة أن تفكر هكذا.

*     الصلاة هي أن تتكلم بعظم دالة، محاورًا لله. إن كنا بالهمس دون فتح الشفتين نتحدث في صمت فإننا نصرخ من الداخل. الله يسمع على الدوام كل حديث داخلي...

الآن إن كان البعض يحدد ساعات معينة للصلاة - مثل الساعات الثلاثة والسادسة والتاسعة - لكن الغنوسي (الإنسان الروحي صاحب المعرفة) يصلي خلال حياته كلها، ساعيًا أن تكون له شركة مع الله بالصلاة.

*     يمكن النطق بالصلاة بدون صوت، وذلك بتركيز الطبيعة الروحية الداخلية كلها على تغيير الذهن، بدون تشتيت له عن التفكير في الله.

القديس أكليمندس الإسكندري[18]

*     حنة - المذكورة في الكتاب الأول من الملوك (1 صم) - رمز الكنيسة تمسكت بالصلاة لله لا بطلبات صاخبة وإنما في صمت ووداعة في أعماق قلبها. نطقت بصلاة خفية بإيمان واضح. لم تتكلم بصوتها إنما بقلبها، إذ عرفت أن الله يسمع مثل هذا نالت - بطريقة فعّالة - ما طلبته، لأنها سألت بإيمان. هذا ما يؤكده الكتاب قائلاً: "كانت تتكلم في قلبها وشفتاها فقط تتحركان، وصوتها لم يُسمع (والله سمع لها)" [13]. نقرأ في المزامير: "تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم واسكتوا" (مز 4: 4).

القديس كبريانوس[19]


*     لم يُسمع صوت حنة؛ لقد حققت كل رغبتها إذ كان قلبها يصرخ! أما هابيل فصلى  ليس فقط وهو صامت وإنما وهو ميت إذ كان دمه يصرخ في وضوح أكثر من أي بوق![20]

*     دموعها سبقت لسانها، بها ترجت أن يذعن الله لقبول طلبتها[21].

*     كانت دموعها تصرخ في أكثر وضوح من أي بوق، لذلك فتح الله رحمها، وجعل الصخرة الصماء حقلاً مثمرًا.

إن بكيتَ تصير هكذا تابعًا لربك، نعم فقد بكى على لعازر وعلى المدينة، كما اضطرب جدًا بخصوص يهوذا. هكذا الأمر (البكاء) كثيرًا ما كان يفعله، لكنه لم يوجد قط ضاحكًا[22].

القديس يوحنا الذهبي الفم


لم يكن ممكنًا لرئيس الكهنة عالي أن يميز بين امرأة منسحقة الروح تستجيب السماء لتنهداتها الداخلية وبين ابنة بليعال (اسم عبري معناه "عديم النفع" أو "شرير"، ينعت به كل شرير لا يخاف الله (2 كو 6: 15)) سكرى... لكن الله فاحص القلوب وحده يقدر أن يميز بين هذه وتلك.

مزجت حنة صلاتها الخفية بوداعتها فعندما اتهمها عالي الكاهن بالسكر أجابته في وداعة: "لا يا سيدي، إني امرأة حزينة الروح ولم أشرب خمرًا ولا مسكرًا بل أسكب نفسي أمام الرب. لا تحسب أمتك ابنة بليعال، لأني من كثرة كربتي وغيظي قد تكلمت إلى الآن" [15-16]. لقد تأثر القديس يوحنا الذهبي الفم بهذه الوداعة فمدحها أكثر من مرة، إذ يقول: [هنا برهان القلب المنسحق، عندما لا نكون في غضب ضد من يسبنا فلا نسخط عليهم، بل نُجيب في حدود الدفاع عن النفس[23]].

لقد تحدثت بأدب ولطف واتضاع، قائلة: "لتجد جاريتك نعمة في عينيك" [18].

يظهر إيمان حنة من قول الكتاب: "مضت المرأة في طريقها ولم يكن وجهها بعد مغيرًا" [18]. هكذا استراح قلبها بعد الصلاة.

ليت الرب يهبنا هذا الإيمان فلا نقلق ولا نضطرب، خاصة بعد الصلاة وتسليم أمورنا بين يدي الله أبينا.

إذ يتحدث العلامة أوريجانوس عن فاعلية الصلاة في حياة حنة العاقر وغيرها، يتطلع إلى النفوس المجدبة التي بلا ثمر لكي تنعم بما نالته حنة قائلاً: [النفوس التي بقيت مجدبة (عاقرًا) إلى زمان طويل، إذ تدرك عقم عقلها وجدب فكرها تحبل بالروح القدس وتلد كلمات خلاصية مملوءة بمفاهيم الحق وذلك بالمثابرة في الصلاة[24]]. بمعنى آخر، نحن في حاجة أن نكتشف عمقنا الداخلي ليتمرر داخلنا وتنسحق نفوسنا أمام الرب، نسأله بإيمان واثقين أنه وحده قادر أن يحول عمقنا إلى خصوبة، مانحًا إيانا من ثمر روحه القدوس في داخلنا.

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

 

 

3. ميلاد صموئيل:

رجوع حنة إلى أسرتها بوجه باش لتُشاركهم الحياة الأسرية بلا تذمر يكشف عن إدراكها أن علاج المشاكل ليس في يد إنسان ولا في الظروف الخارجية إنما في الدخول إلى أعماق النفس واكتشاف إمكانيات الله فينا. هكذا دخلت حنة إلى أعماقها والتقت بإلهها خلال صلاتها السرية، عندئذ شعرت بقوة الله القادرة أن تحل كل المشاكل. لذا عندما كرز الرسول بولس لأهل كورنثوس قدم لهم "قوة الله" (1 كو 2: 4-5) وليس سمو الكلام والحكمة الإنسانية المقنعة.

لقد حان الوقت ليهب الله حنة ابنًا، دعته صوئيل، وبقيت مع طفلها حتى تفطمه لتحقق نذرها بتقديمه عارية للرب، يتراءى أمامه ويقيم في بيته كل أيام حياته [22].

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

 

 

4. صموئيل عارية الرب:

أ. "ثم حين فطمته أصعدته معها" [24]. ربما يتساءل البعض: كيف قدمته لبيت الرب بعد الفطام مباشرة (بعد حوالي 9 شهور)؟ اعتادت الأمهات في منطقة الشرق الأوسط ألا تفطم الولد تمامًا إلا في الثالثة من عمره وفي بعض الحالات يُترك حتى الخامسة[25]، ربما كنوع من التدليل.

ب. ماذا تعني بقولها: "وأنا أيضًا قد أعرته للرب جميع أيام حياته هو عارية للرب" [28] لقد سبق أن وعدت: "إني أعطيه للرب كل أيام حياته" [11]، والآن لا تقول: "أعطيه" بل "أعرته" للرب، فإنها وإن كانت لم تتراجع عن الوعد إذ سلمته للرب ليكون خادمًا له كل أيام حياته، لكنها أرادت تأكيد ارتباطها به كأم لذا حسبته "عارية". لقد وهبها الله إياه، وهي تتمسك به كابن لها وفي نفس الوقت تقدمه للرب كل أيام حياته. إنها صورة حية للحب العائلي في الرب!

*     أيتها النساء اقتدين بهؤلاء النساء العجيبات. هل أنجبت إحداكن طفلاً؟ فلتتمثَّل بحنة [24]، ولتنظر ماذا فعلت. لقد أحضرته إلى الهيكل. من منكن لا تُريد أن يكون أبنها صموئيل فيصير أفضل من ملك على العالم ربوات المرات؟!

*     إنها لم تقل "لمدة عام" أو "عامين" كما نفعل نحن، ولا قالت: "إن أعطيتني طفلاً أقدم لك مالاً"، بل "أرد لك العطية بكاملها، أقدم ابني البكر، ابن صلاتي". بالحق إنها ابنة إبراهيم.

لقد قدم إبراهيم (ابنه) عندما طُلب منه، أما هي فقدمته حتى قبلما يُطلب منها.

القديس يوحنا الذهبي الفم[26]

لقد أعارت حنة ابنها صموئيل للرب كل أيام حياته، فأقامه الرب نبيًا عظيمًا (3: 20)، أدرك اسمه في العهد القديم مع موسى وهرون (مز 99: 6، إر 15: 1)، وأُشير إليه في العهد الجديد كأول الأنبياء (أع 3: 24). ويعتبر صموئيل مؤسس مدارس الأنبياء (19: 20) في الرامة والتي تبعتها مدارس أخرى في بيت إيل (2 مل 2: 3) وأريحا (2 مل 2: 5) والجلجال (2 مل 4: 38). كما يعتبر مؤسس النظام الملكي بالرغم من استيائه أولاً منه، فمسح شاول الذي نجح إلى حين، ثم داود الذي توارث نسله الملوكية. عاش صوئيل ليمسح داود ملكًا لكنه تنيح قبل أن يتوج داود[27].

إذ فُطم صموئيل صعدت به أمه [24]، ولم يذكر الكتاب أن أباه هو الذي أصعده، ليس لأن حنة اغتصبت رئاسة البيت، وإنما لأجل إيمانها السامي سبقت رجلها وارتفعت عليه في عيني الله، فنسب إليها الصعود إلى بيته بصموئيل والتقدمات التي هي:

أ. ثلاثة ثيران، قدم منها ثور محرقة (لا 1: 1-9، 1 صم 1: 25). لأن صموئيل قُدم كمحرقة للرب، يقدم كل حياته وامكانياته ذبيحة حب ملتهبة لحساب الرب وحده؛ أما الثوران الآخران فكانا تقدمة ألقانة السنوية: ذبيحة سلامة وذبيحة خطية (لا 3، 4).

ب. إيفة دقيق، أي نحو عشرة أرطال (رقم 10 يشير إلى إتمام الناموس).

ج. زق خمر، يشير إلى الفرح... إذ قدمت ابنها للرب بفرح، تشعر أنها كرامة عظيمة لها أن يتقبل الرب ابنها تقدمة حب، وليس خسارة وفقدان لابنها

 




+ إقرأ اصحاح 1 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +
 
تفسير سفر صموئيل الأول اصحاح 2 PDF Print Email

نشأة صموئيل


إذ قدمت حنة ابنها صموئيل عارية للرب جميع أيام حياته تطلعت إليه وهو في مسكن الرب فرأت فيه رمزًا للمسيا المنتظر الذي يفتح المقادس الإلهية أمام المؤمنين، عندئذ انطلق لسانها يسبح الله لا على عطيته لها – أي إنجابها صموئيل، وإنما بالأكثر عطيته لكل شعبه بتقديم العمل الخلاصي خلال المسيا.

بينما كسر الكاهنان ابنا عالي الشريعة والناموس وأفسدا شعب الله والمقدسات إذا بصموئيل النبي ابن حنة – امراة إيمان وصلاة وتسبيح – ينشأ في حياة مقدسة في الرب. بمعنى آخر بينما نشأ ابنا كاهن في جو ديني لكنهما لم يتمتعا بالحياة الداخلية القدسية، إذ بصموئيل يتلامس مع أعماق روحانية أسرته ليحمل ثمرًا مباركًا.

1. تسبحة حنة الخلاصية             [1-10].

2. ابن ألقانة وابنا عالي            [11-17].

3. مباركة الرب لألقانة وحنة        [18-21].

4. تهاون عالي الكاهن مع ابنيه     [22-36].



+ إقرأ اصحاح 2 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

1. تسبحة حنة الخلاصية :

حقق الرب طلبة حنة فقامت تشكره وتسبحه؛ كثيرون يلجأون إلى الرب وقت الضيق لكنهم ينسونه عند الفرج، أما حنة فإنها لم تنسه بل ولم تشكره فقط على عطية صموئيل إنما بالأكثر دخلت إلى أعماق جديدة إذ رأت فيه رمزًا لعمل الله الخلاصي. فجاءت تسبحتها تُقارب تسبحة القديسة العذراء مريم (لو 1: 46-55)؛ حنة تسبح من أجل الرمز والقديسة مريم من أجل المسيا نفسه.

يمكننا أن نقول إن انفتاح لسان حنة الداخلي وبصيرتها الروحية وتجاوبها العميق مع عمل الله حمل انعكاسًا على ابنها صموئيل الذي سمع صوت الرب الهادئ في الهيكل دون أن يسمعه عالي رئيس الكهنة. لقد أرضعت ابنها حياة "التجاوب مع عمل الله ومع دعوته وكلماته"... الأمر الذي حُرم منه كثير من أبنائنا بسبب انغلاق قلب الوالدين وعمى بصرتهم الداخلية وثقل لسانهم في الحديث مع الله والتسبيح له.

نعود إلى تسبحة حنة أو قل مزمورها الذي يحسب مزمورًا ملوكيًا[1] إن قورن مع (مز 2: 1؛ 4: 10)، مشيرًا إلى الملك الممسوح. ويلاحظ في هذا المزمور:

أ. بدأت حنة تسبحتها بإعلان فرحها لا لمجرد نوالها "صموئيل" كعطية إنما اتمتعها بواهب العطية نفسه، إذ تقول: "فرح قلبي بالرب" [1]. لقد امتلأت أعماقها الداخلية بالله نفسه مصدر الفرح، وكما يقول الرسول بولس: "وأما ثمر الروح فهو محبةٌ وفرحٌ... " (غلا 5: 22).

هذا الفرح الداخلي يهب للنفس قوة فلا تخور تحت أي ظرف، إذ يقول: "أرتفع قرني بالرب" [1]. استخدام القرن (قرن الثور) ككناية عن "القوة" تعبير شائع في الأدب العبري[2].

نالت "قوة" لا لإغاظة أعدائها أو مقاومتهم بل لكي يتسع فمها لتكرز لهم ببهجة الخلاص، إذ تقول: "اتسع فمي على أعدائي، لأني قد ابتهجت بخلاصك" [1]. فإنه ليس شيء يقدر أن يُحطم عداوة الأعداء مثل البهجة بخلاص الرب، الذي يجتذب الأعداء للتمتع ببشارة الإنجيل المفرحة.

ب. "ليس قدوس مثل الرب، لأنه ليس غيرك، وليس صخرة مثل إلهنا" [2].

إن كان الله وحده هو القدوس (رؤ 15: 4)، فقد جاء كلمة الله المتجسد القدوس (لو 1: 49) ليضمنا إليه فنحمل الحياة القدسية فينا. هذا هو سر خلاصنا، ليس فقط غفر الرب خطايانا، وإنما حملنا فيه لنشاركه حياته القدسية، وتتحق فينا وصيته: "تكونون قديسين لأني أنا قدوس" (لا 11: 44-45).

إنه الصخرة التي قدمت ماء لشعب إسرائيل في وسط القفر ليشربوا ويرتوا (خر 17: 6، عد 20: 11)، إذ يقول الرسول بولس: "لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح" (1 كو 10: 4).

ج. إذ اختبرت حنة نعمة الله الفائقة أدركت أن موازين الله ومقاييسه تختلف عن موازين البشر ومقاييسهم، فقد كانت ضرتها أمًا لأولاد كثيرين بينما كانت هي عاقرًا في مذلة وعار؛ نالت الأخيرة عطية "صموئيل" فصارت كمن ولدت سبهة أولاد [5] بينما صارت ضرتها – كثيرة البنين – كمن هي في ذبول! لهذا أعلنت:

"قسى الجبابرة انحطمت، والضعفاء تمنطقوا بالبأس. الشباعي آجروا أنفسهم بالخبز والجياع كفوا. حتى إن العاقر ولدت سبعة وكثيرة البنين ذبلت. الرب يميت ويحيي، يهبط إلى الهاوية ويصعد، الرب يفقر ويغني، يضع ويرفع. يقيم المسكين من التراب، يرفع الفقير من المزبلة للجلوس مع الشرفاء ويملكهم كرسي المجد" [4-8].

هكذا انكسرت فننة المتشامخة فتحطمت قسيها، صارت كمن يؤجِّر نفسه ليجد خبزًا يأكله، ذبلت بالرغم من إنجابها للبنين، فقدت الحياة وصارت كمن هبط إلى الهاوية؛ افتقرت وانحطت إلى التراب. وعلى العكس بروح الاتضاع تقبلت حنة من يد الله قوة فتمنطقت بالبأس وشبعت بعد الجوع، وانجبت الكثيرين بعد العقر، تمتعت بالحياة بعد أن كانت كميتة، رفعها الله وأغناها ووهبها كرامة لتجلس مع الشرفاء وتنعم بالمجد.

يمكننا أيضًا أن نقول إن فننة تمثل جماعة اليهود الذين عاشوا زمانًا في الإيمان تحت الناموس فصاروا كجبابرة بأس، شبعي، مثمرين، أغنياء، أصحاب كرامة الخ... ولكنهم جحدوا الإيمان فانهاروا وافتقروا روحيًا وذبلت حياتهم وفقدوا كرامتهم، بينما حنة تمثل الأمم الذين عاشوا ضعفاء وجياع عاقرين بل وأمواتًا، لكنهم إذ آمنوا بالرب المخلص تغير حالهم تمامًا.

د. حتى إن العاقر ولدت سبعة وكثيرة البنين ذبلت" [5]. لم تكن حنة قد ولدت سبعة أبناء بل واحدًا فقط وهو صموئيل، بعد ذلك أنجبت ثلاثة بنين وبنتين [21]، فماذا عنت بالسبعة؟ ربما لأنها رأت في صموئيل – كرمز للسيد المسيح – أنه يُحسب كإنسان كامل يُقدر بسبعة بنين، لأن رقم 7 يعني الكمال. ولعلها قصدت أنها وهي رمز لكنيسة العهد الجديد التي جاء أعضاؤها من الأمم قد ولدت للرب كثيرين[3] خلال مياه المعمودية بينما ضرتها فننة التي رمزت لكنيسة العهد القديم قد أنجلت قبلاً أولادًا لله ذبلت بسبب جحدها للإيمان بالمسيا.

-   إذ وُلد صموئيل كان رمزًا للمسيح... السبعة أبناء هم الكنائس السبع، لذا كتب بولس أيضًا لسبع كنائس، وعرض سفر الرؤيا للكنائس السبع لكي يحفظ رقم 7... مثل السبعة ملائكة الواقفين أمام وجه الله والداخلين والخارجين أمامه كقول روفائيل الملاك في سفر طوبيا، والمنارة ذات السبعة سراج في خيمة الاجتماع، والسبعة أعين الله التي تحفظ العالم، والحجر ذي السبعة أعين كما يقول زكريا، والسبع أرواح، والسبع منارات في سفر الرؤيا، والسبعة أعمدة التي بنت عليها الحكمة بيتها كما في سليمان.

القديس كبريانوس[4]


هـ. لأن للرب أعمدة الأرض وقد وضع عليها المسكونة" [8]. حديث مجازي يكشف عن رعاية الله لنا، فمن أجلنا أسس الأرض كمُلك له وأقامنا عليها. إنه ضابط الكل، لا يفلت من رعايته شيء يمس حياتنا. يهتم حتى بخطوات أقدامنا، مبطلاً فخاخ الأشرار التي ينصبونها لنا وسط الظلام: "أرجل أتقيائه يحرس والأشرار في الظلام يصمتون" [9]. وكما يقول المرتل: "لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظونك في كل طرقك" (مز 91: 11)، "لا يدع رجلك تزلّ. لا ينعس حافظك" (مز 121: 3).

مادمنا أتقياء الله تُحرس أرجلنا ولا نفقد سلامنا، يقول القديس جيروم: [مادمنا في حالة نعمة تكون نفسنا في سلام، لكن ما أن نبدأ نلهو مع الخطية حتى تسقط نفسنا في ارتباك لتصير كقارب تخطبه الأمواج[5]].

يقول القديس أغسطينوس: [إن أردت أن تسمع كيف تثبت قدميك على الدرجات بأكثر أمانٍ، فلا تتعب أثناء الصعود ولا تتعثر أو تسقط، صَلِّ بهذه الكلمات: "لا يدع رجلك تزل" (مز 121: 3)... لا شيء يجعل الرِّجل تزل إلا الكبرياء. المحبة تحرك الرِّجل للسير والتقدم والصعود، أما الكبرياء فتدفع الرِّجل إلى السقوط[6]].

"لأنه ليس بالقوة يغلب إنسان. مخاصمو الرب ينكسرون. من السماء يرعد عليهم. الرب يُدين أقاصي الأرض ويعطي عزًا لملكه ويرفع قرن مسيحه" [9].

-   ينبغي علينا أن نعرف أننا لا نستطيع أن نُجاهد بدون معونة الله، ولا يصير لجهادنا أي نفع للحصول على عطية النقاوة العظمى ما لم توهب لنا بواسطة المعونة والرحمة الإلهية، لأن "الفرس معد ليوم الحرب، أما النصرة فمن الرب" (أم 21: 31)، "لأنه ليس بالقوة يلب الإنسان".

الأب بفوتيوس[7]

 

+ إقرأ اصحاح 2 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


2. ابن ألقانة وابنا عالي :

أ. ما أبعد الفارق بين ابن ألقانة وحنة، ابن الصلاة والإيمان، وابني عالي الكاهن. الأول تربى في خوف الله، فكان سبب بركة لنفسه وعائلته وشعبه بل ولنا نحن إذ صار قدوة عبر الأجيال. وأما ابنا عالي الكاهن فقد استغلا مركز أبيهما لصالحهما الذاتي. تركا الرعية بين الذئاب، بل صارا ذئبين يصنعان الشر ويعثران الشعب معهما، وقد تهاون والدهما في تأديبهما. وحين أراد توبيخهما تكلم في رخاوة، فجلبا على نفسيهما وعلى والدهما وعائلتهما والشعب عارًا، وصار عبرة لكل من يتهاون في تربية أولاده.

يُلقب الكتاب المقدس ابني عالي "بني بليعال" وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [دُعِيَ ذات الشخصين "بني عالي" و"بني بليعال"... عندما دُعيا "بني عالي" أعلنت علاقة القرابة الطبيعية لعالي، وإذ دُعيا "بني بليعال" أُعلن الشر الذي اختاراه، إذ لم يعودا يتمثلان بأبيهما في حياتهما بل ركزا غرضهما في أن يخطئا[8]].

ج. قيل عن ابني عالي أنهما لم يعرفا الرب [12]. أنهما ككاهنين عرفا الكثير عن الرب خلال التعليم والمعرفة النظرية، لكنهما لم يعرفاه في حياتهما العملية وسلوكهما. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[9]: [إن الكتاب المقدس يحدثنا عن أنواع كثيرة من المعرفة، من ذلك قول الرسول بولس: "يعترفون بأنهم يعرفون الله ولكنهم بالأعمال ينكرونه" (تي 1: 16)].

د. إذ فسد قلبا ابني عالي استهانا بالطقس [13-16]، كما استخفا بالحياة الطاهرة والقداسة فأفسدا نساء شعب الله [22]، وأهانا الله نفسه. فمن جهة الطقس كان من حق الكاهن أن يأكل الصدر والساق اليمنى بعد حرق الشحم للرب (لا 3: 3-5)، ويقوم بتوزيع الباقي على أسرة مقدم الذبيحة (لا 7: 29-34)، لكن ابني عالي تصرفا حسب هواهما فأفسدا المقدسات [17].

عندما يدب الفساد في أعماق الإنسان يستهين بكل شيء: بالطقس كما بالطهارة وبحقوق الغير حتى بالنسبة لله نفسه الخ...

 

+ إقرأ اصحاح 2 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

 


3. مباركة الرب لألقانة وحنة :

بدأ صموئيل خدمته أمام الرب وهو صبي متمنطقًا بأفود من الكتان [18]، يلبسها كمعطف يُشد من الوسط بمنطقة. هذا ويرى القديس جيروم أن الأفود التي كانت تقدمها حنة لابنها هي لباس اللاويين لا الكهنة. هذه الأفود تختلف عن تلك صنعها جدعون (قض 8: 28) وميخا (قض 17: 5).

يؤكد الكتاب المقدس أن صموئيل بدأ خدمته وهو صبي، بدأها في جو كهنوتي فاسد للغاية، لا يمكن إصلاحه أو مقاومته... لكن الله الذي يخلص بالقليل كما بالكثير استخدم هذا الصبي للإصلاح.

كانت أمه تحضر له جبة صغيرة كل سنة، وهي لباس الملوك والأنبياء والشرفاء. كانت لباسًا داخليًا مصنوعًا من الصوف منسوجًا بدون خياطة يتدلى عن الرجلين (1 أي 15: 27؛ 1 صم 15: 27؛ أي 2: 2). هذه الجبة السنوية تمثل تجديدًا مستمرًا للعلاقات الأسرية المملؤة حبًا، فقد قدمت حنة ابنها للرب، هذه التقدمة لا تخلق جفافًا بينهما بل على العكس تؤكد حبًا في الرب. بتقدمتها للجبة تجدد نذرها للرب وتؤكد صلواتها عن ابنها وتُذَكِّر الابن برسالته كمكرس ونذير للرب. ربما لقاؤها السنوي حفظ ابنها صموئيل من الانحراف والعثرة بسبب ابني عالي الكاهن.

 

+ إقرأ اصحاح 2 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +



4. تهاون عالي الكاهن مع ابنيه :

أ. كان توبيخ عالي الكاهن لبنيه برخاوة في غير حزم. لقد عرف أنهم يفسدون النساء المجتمعات في باب خيمة الاجتماع، فصار مقدس الله مكان نجاسة وفساد، وتحوّل ميناء السلام إلى هلاك للنساء المتجندات لخدمة الخيمة. كل ما فعله عالي أنه كشف لهم عن خطورة تصرفاتهم دون القيام بأي تأديب ضدهم. لقد أعلن لهم: "تجعلون شعب الرب يتعدون. إذا أخطأ إنسان إلى إنسان يدينه الله فإن أخطأ إنسان إلى الرب فمن يصلي من أجله؟!" [24-25].

استخدم نوفتيان Novatian العبارة الأخيرة للغلق على باب التوبة في وجه الساقطين. وقد ردّ عليه القديس أمبروسيوس قائلاً: [لم يُكتب: "لا يُصلي أحد لأجله" بل كُتب "فمن يُصلي من أجله؟" بمعنى أن السؤال هو: من يقدر أن يصلي عن هذه الحالة؟! (مستصعبًا الصلاة من أجله) دون أن يمنع الصلاة عنه[10]].

ب. وسط الفساد وُجد رجل لله (نبي) أُرسل إلى عالي الكاهن قبل أن يجري عليه القصاص [27]، يذكّره بالشرف الذي وهب الله عائلته منذ أيام هرون (خر 4: 14-16)، إذ منحها الصعود على مذبح الله لتقديم صعائد، وايقاد بخور له ولبس أفود (ملابس كهنوتية أو أدوات تُستخدم لإعلان الله عن إرادته لكهنته)، كما وهبهم نصيبًا كبيرًا من التقدمات (لا 10: 12-15). بهذا لا يوجد عذر لعالي الكاهن في تهاونه في تأديب ابنيه المستخفين بالمقدسات الإلهية. كان هذا الإنذار فرصة جديدة أُعطيت لعالي الكاهن من قبل الله ليضع الأمور في نصابها، لكنه خلال ضعف شخصيته لم يكرم الله بردع ابنيه وتأديبهما، بل احتقره بتكريمه لابنيه الشريرين أو بتهاونه في تأديبهما حسب الشريعة (تث 13: 6-9) التي تأمر ألا تشفق عين الإنسان ولا ترق للقريب ولا تتستر عليه على حساب المقدسات الإلهية.

ج. يقول الرب: "حاشا لي. فإني أكرم الذين يكرمونني والذين يحتقرونني يصغرون" [30].

كيف نكرم الرب؟ يُجيب القديس كبريانوس: [إننا نكرمه بقبولنا النبوة لله والامتثال به كأولاد له (مت 5: 43-45). إنه مصدر فرح ومجد للبشر أن يكون لهم أبناء يتشبهون بهم... كم بالأكثر يكون سرور الله عندما يُولد إنسان روحيُّ في أعماله وتسابيحه ويعلن السمو الإلهي في حياته؟![11]]. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لنكرمه بالإيمان كما بالعمال، فننال أيضًا المكافأة بتمجيده. "فإني أمجد (أكرم) الذين يمجدونني". حقًا فإنه إن لم توجد مكافأة فإن مجرد تمجيدنا الله هو تمجيد لنا... لأنه أي مجد لنا أن يتمجد الله بنا؟![12]]. كما يقول: [في تكريمنا لله نكرم أنفسنا. من يفتح عينيه لينظر نور الشمس يتقبل البهجة فيه... من يكرمون الله إنما يفعلون هذا لخلاصهم ولعظم نفعهم؛ كيف؟ لأن من يتبع الفضيلة يمجد الله... لنمجد الله ولنحمله في أجسادنا وأرواحنا (1 كو 6: 20)[13]].

د. يقارن القديس يوحنا الذهبي الفم بين عالي رئيس الكهنة الذي نال كرامات عظيمة فسقط تحت الدينونة القاسية بسبب تهاونه وبين صموئيل النبي الذي رفضه الشعب (8: 7) فكرمّه الله نفسه، فيقول عن الرعاة: [الإهانة مكسب لهم والكرامة ثقل عليهم[14]].

هـ. أعلن رجل الله لعالي رئيس الكهنة تأديبات الرب له ولنسله.

I. انتقال الكهنوت من نسله [30]، إذ عزل أبياثار في أيام سليمان وتعين صادوق من نسل أليعازار وتسلمه نسله حتى أيام السيد المسيح.

II. فقدان القوة من بيته إذ يموت نسله شبابًا [31].

III. يرى ضيق المسكن [32]. حيث يأخذ الفلسطينيون التابوت (4: 11).

IV. يشتهي نسله الموت ولا يجدونه: "ورجل لك لا أقطعه من أمام مذبحي يكون لإكلال عينيك وتذويب نفسك" [33].

قدم له علامة مُرّة للتأديب الإلهي وهي موت ابنيه في يوم واحد (2: 33؛ 4: 11). لكن الرب لم يختم الحديث بهذا إنما فتح كعادته باب الرجاء ألا وهو مجيء الكاهن الحقيقي، المسيا المخلص، إذ يرى القديس هيبوليتس في قول الله على لسان رَجُله: "وأُقيم لنفسي كاهنًا أمينًا يعمل (كل شيء) حسب ما بقلبي ونفسي وأبني له بيتًا أمينا فيسير أمام مسيحيي (مسحائي) كل الأيام، ويكون أن كل من يبقى في بيتك يأتي ليسجد له لأجل قطعة فضة ورغيف خبز، ويقول ضمني إلى إحدى وظائف الكهنوت لآكل كسرة خبز" [35-36]. نبوة عن مجيء السيد المسيح رئيس كهنة العهد الجديد. يقول: [كان كل الملوك والكهنة يدعون مسحاء، إذ مسحوا بالدهن المقدس الذي أعده موسى قديمًا. هؤلاء حملوا اسم الرب في أشخاصهم، مظهرين مقدمًا الرمز، ومقدمين صورة حتى يأتي الملك الكامل والكاهن الذي من السماء، الذي وحده يعمل إرادة الآب[15]].

+ إقرأ اصحاح 2 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +
 
تفسير سفر صموئيل الأول اصحاح 3 PDF Print Email

دعوة صموئيل

في وسط الظلام الخارجي الدامس، "قبل أن ينطفئ سراج الله... في الهيكل" [3] دعا الله صموئيل، ليقيمه سراجًا وسط شعبه، يعلن إرادته الإلهية ويشهد للحق.

1. دعوة صموئيل                              [1-14].

2. حديث صموئيل مع عالي الكاهن           [15-18].

3. الله يسند صموئيل                          [19-21.


+ إقرأ اصحاح 3 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


1. دعوة صموئيل :

أ. يبدو أن الله دعا صموئيل قُبيل الفجر، وسط الظلام الخارجي الحالك، إذ قيل: "وقبل أن ينطفئ سراج الله وصموئيل مضطجع في هيكل الرب الذي فيه تابوت العهد" [3]. جاء في (خر 27: 21، لا 24: 2-3) أن السراج (المنارة) يُشعل من المساء حتى الصباح، وكأن دعوة الرب جاءت قبل الصباح في نهاية الليل.

بجانب الظلام الملموس وُجد ظلام آخر، إذ قيل: "وكانت كلمة الرب عزيزة في تلك الأيام؛ لم تكن رؤيا كثيرة" [1]. عبر المرتل عن هذا الظلام بقوله: "لماذا رفضتنا يا الله إلى الأبد؟‍... آياتنا لا نرى، لا نبي بعد، ولا بيننا من يعرف حتى متى" (مز 74: 1، 9) كما عبّر عنه عاموس النبي: "هوذا أيام تأتي يقول السيد الرب أرسل جوعًا في الأرض، لا جوعًا للخبز، ولا عطشًا للماء، بل لاستماع كلمات الرب" (عا 8: 11).

وسط هذا الظلام الحالك، والمجاعة الروحية، أعد الله صبيًا صغيرًا يخدم الهيكل (خيمة الاجتماع) بأمانة، خلاله ينير الله وسط شعبه. هكذا في كل جيل يقيم الله بقية أمينة تشهد له وتخدمه بالروح والحق. فعندما سقط الشعب في العبودية أرسل لهم موسى، وعندما ثار أريوس ضد لاهوت المسيح أرسل الله أثناسيوس الرسولي وهكذا يبقى الله ساهرًا على كنيسته حتى إن ظن الظلام أنه قد ساد. بمعنى أخر. بقوله: "قبل أن ينطفئ سراج الله" [3] عني أنه وسط الظلام كان صاحب البيت نفسه – يهوه - ساهرًا، قائمًا على بيته، مهتمًا برعاية شعبه[1].

ب. إذ قدم لنا الكتاب المقدس الظروف التي خلالها دعا الله صموئيل، يقول: "كان عالي مضجعًا في مكانه وعيناه ابتدأتا تضعفان، لم يقدر أن يبصر... وصموئيل مضطجع في هيكل الرب الذي فيه تابوت الله" [2، 3]. لم يكن صموئيل مضطجعًا في ذات الخيمة، القدس أو قدس الأقداس، وإنما في أحد الأبنية الملحقة به وكان عالي مضطجعًا في حجرة أخرى في ذات المبنى، ومع هذا قيل عن صموئيل إنه كان مضطجعًا في هيكل الرب الذي فيه تابوت الله بينما قيل عن عالي إنه مضطجع في مكانه؛ لماذا؟ من حيث الجسد كان كلاهما مضطجعين في مبنى واحد، لكن في عيني الله حُسِب صموئيل أنه في هيكل الرب أمام تابوت الله حتى في لحظات نومه، إذ يقول مع العروس: "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش 20: 5). بجسده ينام خارج الخيمة أما قلبه فكان ملاصقًا لها، في داخلها. أما عالي رئيس الكهنة فكان نائمًا في مكانه، أي حيث يوجد جسده تبقى نفسه حبيسة المكان!

كان صموئيل نائمًا لكن بصيرته تعاين القدسات، أما عالِ فلم يقدر أن يبصر! لقد دبت فيه شيخوخة العجز الداخلي وأصيبت بصيرته بالعمى خلال تهاونه بالمقدسات الإلهية بسب ابنيه!

ج. قيل "ولم يعرف صموئيل الرب بعد ولا أُعلن له كلام الرب بعد" [7]. شتان بين عدم معرفة صموئيل وعدم معرفة ابني عالي، صموئيل لم يكن بعد قد تعرف عليه خلال صوته والرؤى لكنه تعرف عليه خلال الإيمان والخبرة اليومية، أما ابنا عالي فلم يعرفاه إذ لم يتمتعا بالطاعة والمحبة وخبرة الشركة معه.

في ملء الزمان لم نسمع الصوت فحسب - كما حدث مع صموئيل النبي - وإنما جاء الكلمة الإلهي ذاته متجسدًا، وحلَّ بيننا لنعاينه ونتعرف ونثبت فيه، فيحملنا إلى حضن أبيه ويكشف لنا أسراره الإلهية. هذه هي المعرفة التي لأجلها تهلل يسوع رب المجد عندما قدمها للمؤمنين خلال البساطة (لو 10: 21). وقد دعا القديس أكليمندس الإسكندري المسيحيَّ الحق "غنوسيًا" أي صاحبَ معرفة روحية، غايته أن يتعرف على الله (الحق) ويراه[2]، أي يعبر إلى كمال المعرفة خلال الإيمان، وذلك بخبرة الحياة النقية والتأمل الدائم. هذه المعرفة هي هبة إلهية نتقبلها خلال الابن، بقبولنا إياه وتشبهنا به، أي خلال نقاوة القلب نُعاين الله وندرك ما يبدو للآخرين غير مُدْرَك[3].

د. نادى الرب صموئيل، وكان الصبي في حوالي الثانية عشرة من عمره كما يقول القديس يوسيفوس: [سمع الصوت لأن أوتار قلبه تحمل حساسية لتسمع صوت الله وإن كان قد ظنه صوت عالي الكاهن].

إذ سمع الصوت ظن عالي يُناديه لذلك "ركض إلى عالي وقال: هأنذا لأنك دعوتني" [4]. بلا شك كان صموئيل يرى بعينيه عثرات ابني عالي وفسادهما، لكنه في روح الحب والاتضاع إذ سمع الصوت "ركض"، أي جرى مسرعًا لئلا يكون عالي في حاجة إلى خدمة أو مساعدة. لقد تدرب على خدمة الغير بفرح بلا تردد دون النظر إلى استحقاقاتهم. والعجيب أن الأمر تكرر ثلاث مرات، وفي كل مرة يسرع إلى الكاهن الشيخ دون تذمر مع أن الوقت كان قبل الفجر. عاش صموئيل الصبي يخدم الكاهن الشيخ ويطلب إرشاده مطيعًا له.

يفتتح القديس يوحنا كليماكوس مقاله عن "الطاعة" بكونها مع الشعور بالغربة يمثلان جناحين ذهبيين يصعدان الإنسان كحمامة إلى السماء (مز 54: 6)، على أن تكون الطاعة "حبًا في المسيح"[4].

-   الطاعة التي هي بنت الاتضاع ليست أن يصنع الإنسان ما يشاء... ولكن هي أن يقطع الإنسان جميع هوى نفسه، ويعمل هوى الذي ائتمنه على نفسه، يعني الأب الروحاني، دفعة واحدة.
مار فيلوكسينوس[5]

-   طريق الطاعة هو أقصر المسالك وإن يكن أكثرها صعوبة.
القديس يوحنا الدرجي[6]

هـ. نادى الرب صموئيل باسمه شخصيًا، ومع هذا لم يكن ممكنًا لهذًا المبارك أن يتعرف عليه ويلتقي به دون إرشاد عالي الكاهن الذي اتسم بالتهاون في حق الله مع أولاده. هكذا يليق بنا ألا نستهين بالكاهن كمرشد وأب، إذ يقودنا للقاء الشخصي مع الله أبينا يسوع مخلصًنا بواسطة روح الله القدوس.

-   الله لم يعلم صموئيل النبي بالحديث المباشر ولا بالحوار الإلهي، بل سمح له بالذهاب مرة أخرى إلى الشيخ (عالي الكاهن). لقد شاء أن يتدرب - ذاك الذي استحق سماع صوت الله - على يدي (عالي) الذب أغضب الله... حتى يختبر ذاك الذي دُعي إلى وظيفة إلهية حياة الاتضاع، ويكون قدوة للشباب في هذا الأمر.
القديس موسى[7]

-   يقول سفر الأمثال: "الذين ليس لهم تدبير يسقطون كالأوراق، أما الأمان ففي كثرة المشورة" (أم 14: 11) (راجع الترجمة السبعينية)... انظروا ماذا يعلمنا الكتاب المقدس. إنه يؤكد لنا أنه يلزمنا ألا نقيم أنفسنا كمركز قيادة، فنحسب أنفسنا ثاقبي الفكر، ونعتقد أننا قادرون على توجيه أنفسنا. نحتاج إلى عون وإرشاد بجانب نعمة الله. ليس من بائس ولا مَن يصطاد بسهولة في غير حذر مثل ذاك الذي لا يقوده أحد في طريق الله...

كيف يمكننا أن نتعرف على إرادة الله أو نطلبها كاملة إن وثقنا فقط في أنفسنا وتشبثنا بإرادتنا الذاتية؟ لذلك اعتاد الأب بومين Poemen أن يقول: [الإرادة (الذاتية) هي حائط نحاسي بين الله والإنسان[8]]...

إن أراد إنسان الأمان لنفسه عليه أن يُعرى كل أفكاره الخفية ويسمع من مرشد مختبر: "افعل هذا، وتجنب ذلك. هذا حق وذاك لا. هذه فضيلة وتلك إرادة ذاتية". أو مرة أخرى يسمع: "إنه ليس وقتًا مناسبًا لعمل هذا" وفي وقت أخر: "الآن وقت لائق لعمل هذا". بهذا لا يجد الشيطان فرصته لأذيته وضربه، إذ يكون على الدوام في حالة ضبط وحذر وفي أمان.
الأب دوروثيؤس من غزة[9]



-   من يعتمد على رأيه الذاتي ولو كان قديسًا فهو مخدوع، وخطر خداعه أخطر من خطر المبتدئ الذي سلم تدبيره بيد غيره.
القديس يوحنا الذهبي الفم[10]

-   من يسمع من آبائه فمن الرب يسمع... ومن لا يسمع منهم فلا يسمع من الرب.
القديس أنبا أنطونيوس[11]

و. "فجاء الرب ووقف ودعا كالمرات الأُوَل: صموئيل صموئيل" [10]. هكذا يصور لقاء الله مع صموئيل كأنما قد ترك الرب عرشه الشاروبيمي ونزع الحجاب ليقف في المسكن المقدس يدعو الصبي. يا له من تنازل إلهي عجيب، ومحبة فائقة له نحو الإنسان! الله يقف ليدعو صبيًا إلى عمل فائق!

ز. جاءت إجابة صموئيل: "فإن عبدك سامع" تعلن أن جوهر النبوة هو الاستماع والطاعة للصوت الإلهي. هكذا تدرب صموئيل النبي منذ طفولته على الطاعة، مدركًا أنها أفضل من ذبائح كثيرة، الأمر الذي لم يختبره شاول الملك (15: 22).

+ إقرأ اصحاح 3 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

 


2. حديث صموئيل مع عالي :

تحدث الرب مع صموئيل عن أمور مستقبلة كأنه تتحقق في الحاضر [11]، معلنًا له أنه يحقق ما سبق أن تكلم به عن بيت عالي من أمور مخفية قائلاً له: "أقسمت لبيت عالي أنه لا يكفر عن شر بيت عالي بذبيحة أو بتقدمة إلى الأبد" [14]. لم يذكر له تفاصيل العقوبة، إذ لا حاجة لتكرارها، إنما كانت كلمات الرب واضحة وصريحة وحازمة، ربما ليعطي لعالي وابنيه فرصة للتوبة... خاصة أن هذا الحديث تم قبل تحقيق الأحداث بحوالي عشر سنوات...

لقد خاف صموئيل أن يخبر عالي بالرؤيا [15]، ليس خوفًا من أن يغضب عليه، وإنما خشية جرح مشاعره وهو شيخ وقور وأب محبوب لديه جدًا، لم يرد أن يكدره. لكن إذ طلب منه عالي تحدث في صراحة ولم يخفِ عنه شيئًا.

كانت إجابة عالي تكشف عن تقواه بالرغم من ضعف شخصيته أمام ابنيه، إذ قال: "هو الرب، ما يحسن في عينيه يعمل" [18].

+ إقرأ اصحاح 3 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


3. الله يسند صموئيل :

إذ دعا الله صموئيل لعمل نبوي قيادي أعطاه امكانيات العمل ألا وهي:

أ. المعية مع الله: "وكبر صموئيل وكان الرب معه" [19]... الله نفسه هو سر قوة أولاده، يُرافقهم ليهبهم نفسه ويقدم إمكانياته الإلهية بين أيديهم فلا يعوزهم شيء. هذه هي عطيته لمحبوبيه، معيته لهم، كما حدث مع إبراهيم (تك 21: 22) ويعقوب (تك 28: 15) ويوسف (تك 39: 2) وموسى (خر 3: 12) ويشوع (يش 1: 5) وجدعون (قض 6: 16) وداود (16: 18).

سر قوة معلمنا بولس الرسول في خدمته هو إدراكه تمتعه بنعمة الله التي هي في جوهرها تجلى الله نفسه في حياته، لذا قال: "لا أنا بل نعمة الله التي معي" (1 كو 15: 10).

-   الله هو الكراّم، ولو تم على أيدي الأنبياء أو الرسل فهو الكراّم. فماذا نكون نحن؟ ربما عمال لدي الكراّم، نعمل بقوته وبنعمته الممنوحة لنا من لدنه.
القديس أغسطينوس[12]

-   "هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام للمسيح ووكلاء سرائر الله" (1 كو 4: 1). فالوكيل يقوم بإدارة أمور موكله حسنًا دون أن ينسب لنفسه ما لموكله... أتريد أن ترى مثالاً لوكلاء أمناء؟ اسمع ما يقوله بطرس: "لماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي" (أع 3: 12).

وعند كرنيليوس أيضًا قال: "قم أنا أيضًا إنسان"... وبولس الرسول لم يَقِلْ عنه أمانة في قوله: "أنا تعبت أكثر من جميعهم؛ ولكن لا أنا بل نعمة الله التي تعمل معي" (1 كو 15: 10).
القديس يوحنا الذهبي الفم[13]



ب. أعطاه نعمة في عيني شعبه إذ "لم يدع شيئًا من جميع كلامه يسقط إلى الأرض؛ وعرف جميع إسرائيل من دان إلى بير سبع أنه قد أؤتمن صموئيل نبيًا للرب" [19-20]. تعبير "من دان إلى بئر سبع" يعني أنه من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، أي في كل أرجاء البلاد (قض 20: 1).

ج. بدأ الله يتراءى في شيلوه معلنًا ذاته لصموئيل بكلمته ليقطع فترة الظلمة حيث كانت كلمة الرب عزيزة [1].

+ إقرأ اصحاح 3 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +
 
تفسير سفر صموئيل الأول اصحاح 4 PDF Print Email

فقدان تابوت العهد

إذ خرج إسرائيل لمحاربة الفلسطينيين، دون تقديس لحياتهم أو استشارة الرب، انهزموا. عوض التوبة والرجوع إلى الله حملوا تابوت العهد إلى المعركة مع الكاهنين حفني وفينحاس. أُخذ تابوت العهد منهم ومات حفني وفينحاس وسقط من إسرائيل ثلاثون ألفًا وانكسرت رقبة عالي الكاهن ومات! ‍

1. أخذ تابوت العهد                  [1-11].

2. موت عالي الكاهن                [12-18].

3. ميلاد ايخابود بن فينحاس         [9-22].

+ إقرأ اصحاح 4 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


1. أخذ تابوت العهد :

في (قض 13: 1) قيل إن الرب دفع إسرائيل ليد الفلسطينيين أربعين سنة، ربما الحوادث المذكورة هنا كانت خلال هذه الفترة. لقد نزل الفلسطينيون إلى أفيق والإسرائيليون إلى حجر المعونة بالقرب منهم في مواجهتهم.

"أفيق"[1] كلمة عبرية ربما تعني "قوة" أو "حصن"، وجُدت خمس مدن تحمل ذات الاسم، من بينها هذه المدينة وهي كنعانية سبق أن استولى عليها يشوع (يش 12: 18). اجتمع فيها الفلسطينيون مرتين لمحاربة إسرائيل، مرة في زمن عالي الكاهن [1] والأخرى في زمن شاول الملك (29: 4). موقعها حاليًا رأس العين على ما يظن. أعيد بناء المدينة في القرن الأول ق.م. بواسطة هيرودس ودعاها أنتيباتريس على اسم والده؛ قضى فيها بولس ليلة خلال رحلته من أورشليم إلى قيصرية (أع 23: 31).

حجر المعونة: أخذت هذا الاسم بعد الحوادث المذكورة بحوالي 20 عامًا (7: 12). تدعى بالعبرية Ebenezer (eben-ha ezer)، إذ وضع صموئيل حجرًا تذكاريًا بين المصفاة والسن، في جنوب شرقي أفيق.

دارت المعركة بين الطرفين فانهزم إسرائيل جزئيًا في الحقل حيث قُتل منهم أربعة آلاف رجل (3: 2)، فرجع الشعب إلى المحلة. هنا نسمع عن الشعب وليس عن رجال حرب أو عن جيش، فقد كان الشعب يحارب بغير استعداد وفي غير نظام، بجانب فظاعة فساده الخلقي.

تساءل الشيوخ إسرائيل: "لماذا كسرنا اليوم الرب أمام الفلسطينيين؟" (3: 3). كان يلزم أن تكون الإجابة: بسبب الفساد والانحراف عن الله، فيرجعوا إليه بالتوبة ويحلّ في وسطهم كسرّ غلبتهم. لكن ما حدث هو تغطية على الفساد بحمل التابوت في وسطهم ليخلصهم من أعدائهم. وبالفعل جاءوا به من شيلوه مع الكاهنين الفاسدين حفني وفينحاس، وقد عبّر المرتل عن ذلك بقوله:

"فجربوا وعصوا الله العليّ، وشهاداته لم يحفظوا... انحرفوا كقوس مخطئة. أغاظوه بمرتفعاتهم وأغاروه بتماثيلهم. سمع الله فغضب ورذل إسرائيل جدًا. ورفض مسكن شيلو الخيمة التي نصبها بين الناس. وسلم للسبي عزَّه وجلاله ليد العدو. ودفع إلى السيف شعبه وغضب على ميراثه. مختاروه أكلتهم النار وعذاراه لم يُحمدن.كهنته سقطوا بالسيف وأرامله لم يبكين" (مز 78: 56-64)


لماذا سمح الله بذلك؟

أ. إحضارهم للتابوت لم يكن يحمل رجوعًا قلبيًا إلى الله بالتوبة وإنما اتكلوا على شكليات العبادة الظاهرة. هذا ما تكرر عبر الأجيال، ففي أيام إرميا النبي ظن القادة والشعب أن الله لن يسلم مدينة أورشليم  –بكونها مدينة الرب – ولا هيكله بالرغم من إنذارات الرب لهم الكثيرة والمتكررة بواسطة الأنبياء، وعوض التوبة صاروا ينشدون: "هيكل الرب هيكل الرب هيكل الرب هو" (إر 7: 5). اتكلوا على "كلام الكذب الذي لا ينفع" (إر 7: 8) فسُبيت أورشليم وهدم الهيكل. هذا أيضًا ما أعلنه حزقيال النبي إذ قال: "وخرج مجد الرب من على عتبة البيت... وصعد مجد الرب من على وسط المدينة" (خر 10: 18؛ 11: 22).

يقول القديس أغسطينوس معلقًا على المزمور السابق:

["رفض مسكن شيلوم الخيمة التي نصبها بين الناس" (مز 78: 60) لقد أوضح بكياسة لماذا رفض خيمته عندما قال: "التي نصبها بين الناس". فإنهم إذ صاروا غير مستحقين أن يسكن هو بينهم فلماذا لا يرفض الخيمة التي بحق أقامها ليس لأجله بل لأجلهم. هؤلاء الذين يُحكم الآن عليهم أنهم غير أهل لسكناه في وسطهم.

"وسلم للسبي عزهم (فضيلتهم) وجمالهم ليد العدو" (مز 78: 61). التابوت ذاته الذي حسبوه أنه لا يُقهر... دعاه "فضلتهم" أو "جمالهم" (هذا سلمه للسبي). أخيرًا، إذ عاشوا في الشر وافتخروا بهيكل الرب - فيما بعد - ارعبهم بنبي قائلاً لهم: "انظروا ما صنعت بشيلو حيث كانت خيمتي" (راجع إر 7: 12).

"ودفع إلى السيف شعبه وغضب على ميراثه" (مز 78: 62).

"شبابهم أكلتهم النار"، أي أكلهم الغضب (الإلهي).

"وعذارهم لم ينحن" (مز 78: 63)، إذ لم يكن ذلك ملائمًا بسبب الخوف من العدو.

"كهنتهم سقطوا بالسيف وأراملهم لم يبكين" (مز 78: 64). لأن ابني عالي سقطا، وصارت زوجة أحدهما أرملة وقد ماتت في الحال وهي تلد [19]؛ هذه لم تقدر أن تبكي بسبب الارتباك ولم تميز الجنازة[2]].

ب. جاء حفني وفينحاس إلى المعركة ومعهما التابوت؛ لقد كانا فاسدين ومفسدين للشعب، وقد ظنا أن الله يلتزم أن يُحارب عن الشعب ليس من أجلهما، إنما من أجل التابوت بكونه يمثل الحضرة الإلهية. حقًا لقد أعلن الله أنه قادر أن يحمي التابوت وأن يدافع عن مجده لكنه بعد تأديب الشعب مع الكهنة بسبب فسادهم.

إذ تحدث المرتل عن تسليم الرب للتابوت والخيمة في أيدي الأعداء وتأديب شعبه وكهنته، أضاف "فاستيقظ الرب كنائم كجبار معيط من الخمر، فضرب أعداءه إلى الوراء؛ جعلهم عارًا أبديًا" (مز 78: 65-66) يعلق القديس أغسطينوس قائلاً: ["فضرب أعداءه في مواضع مخيفة" بمعنى أن الذين تهللوا بأنهم قادرون على أخذ التابوت قد ضُربوا في مواضع من وراء (البواسير)... هم أحبوا الأمور التي من خلف لذلك بعدل تألمت هذه المواضع فيهم[3]].

ج. عند دخول تابوت عهد الرب إلى المحلة هتف جميع إسرائيل هتافًا عظيمًا حتى ارتجت الأرض. أمام هذا الهتاف خاف الفلسطينيون، قائلين: "قد جاء الله إلى المحلة" [7].

لقد هتفوا بألسنتهم وحناجرهم حتى ارتجت الأرض، أما قلوبهم فكانت ساكنة لا تتحرك نحو الله بالتوبة، ولا ارتجت أجسادهم التي تدنست. لهذا حتى وإن خاف الفلسطينيون لكنهم عوض التراجع ازدادوا حماسًا وتشددوا ليستعبدوا إسرائيل، وصارت لهم الغلبة ولكن إلى حين.

هتف الشعب بألسنتهم، ولم يدركوا أن الغلبة لا بهتاف اللسان إنما بنقاوة القلب والطاعة لله، كما جاء في سفر التثنية: "وإن سمعت سمعًا لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه التي أنا أوصيك بها اليوم يجعلك الرب إلهك مستعليًا على جميع قبائل الأرض... يجعل الرب أعداءك القائمين عليك منهزمين أمامك. في طريق واحدة يخرجون عليك وفي سبع طرق يهربوم أمامك" (تث 28: 1، 7)؛ "ولكن إن لم تسمع لصوت الرب إلهك... يجعلك الرب منهزمًا أمام أعدائك. في طريق واحدة تخرج عليهم وفي سبع طرق تهرب أمامهم وتكون قلقًا في جميع ممالك الأرض" (تث 28: 15، 25). لهذا يقول المرتل: "إن راعيت إثمًا في قلبي لا يستمع لي الرب" (مز 66: 18). يعلق القديس أغسطينوس على كلمات المرتل قائلاً: [ارجع إلى نفسك، كن ديانًا لنفسك في الداخل. تطلع إلى مخدعك الخفي، في أعماق قلبك، حيث هناك تكون أنت وذاك الذي تراه (الله) وحدكما، هناك فليكن الإثم مكروهًا لديك، فتكون أنت موضع سرور الله[4]].

+ إقرأ اصحاح 4 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

 


2. موت عالي الكاهن :

إذ حدثت الضربة العظيمة (انكسار الشعب، قتل 30.000 شخص، موت الكاهنين، أخذ تابوت العهد) ركض رجل بنياميني إلى شيلوه ليبلغ الخبر، وكانت على بعد حوالي 20 ميلاً من حجر المعونة. جاء أمام رئيس الكهنة وقد مزق ثيابه ووضع ترابًا على رأسه ليجد عالي يراقب الطريق "لأن قلبه كان مضطربًا لأجل تابوت الله" [13]. واضح أن عالي لم يكن موافقًا على حمل التابوت إلى الميدان، لكنه خضع لإرادة الشعب.

إذ جاء الرجل يخبر بما حدث صرخت المدينة كلها، فاستدعى عالي الكاهن   - المتقدم في السن والفاقد البصر - الرجل ليسمع منه الخبر الذي سمع الأخبار المؤلمة والخاصة بانكسار الشعب وموت الكثيرين وأيضًا موت ابنيه أما خبر أخذ التابوت فلم يحتمله، إذ سقط عن كرسي إلى الوراء إلى جانب الباب فانكسرت رقبته ومات.

لقد قضى لإسرائيل أربعين عامًا [18]، لكن تهاون ابنيه في مقدسات الله أفقده كل ثمر، وأنهى حياته بصورة مؤسفة.

+ إقرأ اصحاح 4 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


3. ميلاد ايخابود بن فينحاس :

لقد دعت امرأة فينحاس طفلها "ايخابود" (= أبن المجد)[5]، قائلة: "زال المجد من إسرائيل لأن تابوت الله قد أُخذ" [22]. لقد أخطأت الفهم، فإن الواقع أن التابوت قد أًخذ لأنه قد زال المجد من إسرائيل. فقد إسرائيل مجده بانحرافه عن الله وزيغانه عنه، لذلك أسلم الله التابوت للأعداء لتأديب الطرفين معًا.

لقد كانت نكبتها في أخذ التابوت أشد وقعًا إلى نفسها من موت حميها ورجلها. لقد أدركت أن خسارتها بموت حميها وموت رجلها وخسارة ابنها بموت أبيه قبل أن يولد أمر لا يُذكر أمام خسارة الشعب بفقدان التابوت، علامة ترك الله شعبه.

 

+ إقرأ اصحاح 4 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +
 
تفسير سفر صموئيل الأول اصحاح 5 PDF Print Email

سقوط داجون أمام التابوت

سمح الله للفلسطينيين أن يأخذوا تابوت العهد لأجل تأديب إسرائيل، ليدركوا أنهم بالانحلال فقدوا حلول الله في وسطهم. وفي نفس الوقت أعلن الله مجده وقدرته إذ سقط داجون معبود الفلسطينيين وتحطم أمام التابوت وحلت بهم الأمراض لذا فكروا في إعادته.

1. سقوط داجون أمام التابوت                 [1-5].

2. ضرب أهل أشدود بالبواسير                [6-8].

3. ضرب أهل جت بالبواسير                   [9].

4. ضرب العقرونيين بالبواسير                [10].

5. قرار جماعي بإعادة التابوت               [11-12].

+ إقرأ اصحاح 5 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


1. سقوط داجون أمام تابوت العهد :


يبقى الله أمينًا بالرغم من عدم أمانتنا (2 تي 2: 13)، فإن كان بسبب انحلال شعبه سلم تابوت عهده للوثنيين لكنه أظهر قوته ومجد بسقوط داجون معبودهم. كان يلزم لأهل أشدود أن يدركوا أنه لا شركة بين الله وداجون في بيت واحد، وأن يقبلوا الواحد دون الآخر. لكنهم تجاهلوا الأمر فجاءوا في الصباح التالي ليجدوه أيضًا ساقطًا ورأسه ويداه مقطوعة على عتبة البيت. لقد أكد لهم أن معبودهم بلا رأس، عاجزًا عن القيادة والتدبير؛ وأيضًا بلا يدين عاجز عن العمل لحسابهم.

إن كنا قد أقمنا في القلب أو الفكر معبودًا كداجون، مثل محبة المال أو شهوة الجسد أو حب انتقام أو محبة مجد الباطل... فإن دخول رب المجد يسوع وقبوله في أعماقنا يحطم داجون، ينزل به إلى الأرض ويقطع رأسه ويديه على العتبة كي نطأها تحت أقدامنا. يقول القديس أغسطينوس: [ليدخل تابوت العهد قلوبكم، وليسقط داجون إن أردتم. لتضعوا الآن ولتتعلموا أن تشتاقوا إلى الله. كونوا مستعدين أن تتعلموا كيف ترون الله[1]].

لقد وجدوا رأس داجون ويديه مقطوعة على العتبة [4]، علامة الانحدار والاحتقار، إذ صارت هذه الأعضاء موضع الدوس بالأقدام. هكذا كل فكر مقاوم لله وكل عمل مضاد لإرادته قد يتشامخ إلى حين لكن نهايته المذلة والمهانة من الجميع.

داجون: يُقال إن اسمه مشتق من الكلمة العبرية "داج" وتعني سمكة[2]. إله فلسطيني له رأس إنسان ويدا إنسان أما بدنه فعلى شكل سمكة. يعتبر إله الخصوبة مثلCeres  ذلك لأن البحر يفيض بسمك كثير. هذا الإله لم يكن في الأصل يمثل العبادة القومية للفلسطينيين بل هو إله سامي تبناه الفلسطينيون بعد الغزو السامي على كنعان. عبادة الإله داجون (داجان) في منطقة ما بين النهرين ترجع إلى الأسرة الثالثة لأور في القرن 25 ق.م. عُرفت عبادته بين الأموريين والأشوريين. هدم يوناثان معبد داجون بأشدود وذلك في عهد المكابيين (1 مك 10: 84)[3].

جاء الفلسطينيون بتابوت العهد إلى بيت داجون بكونه في ذلك الوقت من أعظم آلهتهم؛ جاء هذا التصرف كعلامة على غلبتهم لا على إسرائيل فحسب وإنما على إلههم، حاسبين أن داجون انتصر على إله إسرائيل الذي أنقذهم من مصر، لكن هذا الافتخار لم يدم طويلاً.

في كبرياء وعجرفة وضع الفلسطينيون تابوت العهد - وهم يدركون أنه يمثل الحضرة الإلهية - في بيت داجون، فتحدث معهم الله باللغة التي يفهمونها ألا وهي لغة المرض وحلول الكوارث، إذ ضرب أهل أشدود بالبواسير وبضربه الفيران.

+ إقرأ اصحاح 5 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


2. ضرب أهل أشدود بالبواسير :

"فثقلت يد الرب على الأشدوديين وأخرجهم وضربهم بالبواسير في أشدود وتخومها" [6]. وكأن تابوت العهد الذي هو سبب النصرة وبركة للمؤمنين إن عاشوا في حياة قدسية بالرب، يصير هو نفسه سبب شقاء لغير المؤمنين، وكما يقول القديس الرسول بولس: "فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله" (1 كو 1: 18). "لأن رائحة المسيح الذكية في الذين يخلصون وفي الذين يهلكون، لهؤلاء رائحة موت لموت ولأولئك رائحة حياة لحياة" (2 كو 2: 15-16).

"البواسير" هنا ربما تعني طاعونًا يُصيب الغدد اللمفاوية والفخذ.

جاء في الترجمة السبعينية أن البلاد ضُربت أيضًا بالفيران على غير العادة وأكلت محصولاتهم.

إذ شعر أهل أشدود أن يد الرب قست عليهم وعلى إلههم داجون أرسلوا  إلى أقطاب الفلسطينيين يطلبون مشورتهم بخصوص "تابوت إله إسرائيل". غالبًا ما تشاور أقطاب المدن الخمس الرئيسية: أشدود وغزة وأشقلون وجت وعقرون وقرروا نقل التابوت إلى مدينة جت. جاء قرارهم في الغالب لظنهم أنه متى انتقل التابوت من بيت الصنم يرفع الله غضبه عنهم. لم يدركوا أنه لا يمكن أن يبقى التابوت في وسطهم مادام داجون أو غيره محتلاً قلوبهم الداخلية. ربما أيضًا ظنوا أن ما حدث في بيت داجون كان عرضًا، لذا أرادوا نقل التابوت للتأكد من دور التابوت وقدرته.

"أشدود" ربما تعني "قوة"[4]، اسمها الحالي أشدود تبعد حوالي 19 ميلاً جنوب غرب ليدا، في منتصف الطريق بين غزة ويافا. كانت في القديم تُستخدم كمدينة تابعة لميناء. هي إحدى مدن فلسطين الخمس العظمى، ومركزًا لعبادة الإلهة داجون. هدم عزيا ملك يهوذا أسوارها (2 أي 26: 6). حاصرها ترتان - القائد الأشوري أثناء حكم سرجون - وأخذها (إش 20: 1). هددها عاموس (1: 8) و صفنيا (2: 4) وزكريا (9: 6).

قاوم أهلها إعادة بناء أسوار أورشليم في أيام نحميا (نح 4: 7). كما أخذ بعض اليهود الراجعين من السبي زوجات من أهلها فلقوا قصاصًا صارمًا من نحميا (نح 13: 23-24). استولى عليها المكابيون مرتين في القرن الثاني ق.م؛ في المرة الثانية خربوا هيكل داجون (1 مك 5: 68؛ 10: 84). في أشدود نادى فيلبس الرسول بالإنجيل (أع 8: 4).

+ إقرأ اصحاح 5 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


3. ضرب أهل جت بالبواسير :

"جت" كلمة عبرية تعني "معصرة"[5]، وهي إحدى مدن فلسطين الخمس العظمى: أشدود، جت، عقرون، غزة، أشقلون (6: 17). أغلب الدارسين يرون أن موقعها الحالي "عراك المنشية" تبعد حوالي 7 أميال غرب بيت جبرين. كانت إحدى مدن العناقيين (يش 11: 22)، نشأ فيها العمالقة (2 صم 21: 22، 1 أى 20: 21)، أشهرهم جليات الجبار الذي قتله داود النبي (1 صم 17). كانت أحد حصون الفلسطنيين، أخذها داود منهم (2 صم 15: 18، 1 أي 18: 1) ثم تناقلت بين أيدي الفلسطنيين (1 مل 2: 39) ويهوذا (2 أي 11: 8) وآرام (2 مل 12: 17) ثم يهوذا (2 مل 13: 25) فلسطينيين إلخ...

إذ نُقل تابوت العهد إلى جت كانت الضربة أشد حتى يدرك الفلسطينيون أن ما يحدث ليس اعتباطًا إنما هو تأديب إلهي، إذ قيل: "إن يد الرب كانت على المدينة باضطراب عظيم جدًا، وضرب أهل المدينة من الصغيرة إلى الكبيرة ونفرت لهم البواسير" [9].

+ إقرأ اصحاح 5 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

4. ضرب أهل عقرون بالبواسير :

المدينة الشمالية من مدن الفلسطينيين الخمس العظمى، تسمى الآن "عاقر". وهي قرية صغيرة تقوم على تل، تبعد حوالي 12 ميلاً من يافا. كانت في البداية من نصيب يهوذا، على تخومه الشمالية ثم أُعطيت لدان، وقد استرجعها الفلسطينيون بعد مدة. عبد أهلها بعل زبوب (2 مل 1: 2). هددها عاموس (1: 8) وصفنيا (2: 4) وإرميا (25: 20) وزكريا (9: 5). أعطاها الاسكندر ليوناثان كمكافأة له لنصرته على أبولونيوس (1 مك 10: 89)[6].

إذ نقل إليها تابوت العهد على غير رغبة شعبها كانت يد الله ثقيلة جدًا هناك، فصرخوا "فصعد صراخ المدينة إلى السماء" [12]. لقد طلبوا عودة التابوت إلى مكانه.

+ إقرأ اصحاح 5 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


5. قرار جماعي بإعادة التابوت :

يعتبر هذا القرار شهادة لقداسة الله وقدرته. وكأن الله استخدم حتى شرهم لاستنارتهم؛ منذ البداية كانوا يعلمون أنه إله قوي خلص شعبه من مصر بعجائب (4: 7-8) لكنهم تشددوا لمقاومته، أما الآن فقد أيقنوا أنهم لن يستطيعوا مقاومته. لقد حقق الله ما قيل في إشعياء النبي: "أنا الرب هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر، ولا تسبيحي للمنحوتات" (إش 42: 8).

+ إقرأ اصحاح 5 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +
 
تفسير سفر صموئيل الأول اصحاح 6 PDF Print Email

عودة تابوت العهد

لقد طالت مدة إقامة تابوت العهد في وسط الوثنيين إلى سبعة أشهر، ليتأكد الكل أن ما حل بالوثن (الإله داجون) وما حل بالناس (مرض البواسير) وأيضًا بالأرض (جرذان أو فئران كبيرة تأكل محاصيل الأرض) لم يكن محض صدفة إنما علامة غضب الله على الوثنيين. وأيضًا لكي يقدم المؤمنون توبة صادقة مشتاقين بالحق للتمتع بالحضرة الإلهية المعلنة بوجود التابوت في وسطهم:

1. عمل قربان إثم                     [1-5].

2. رد التابوت على عجلة جديدة     [6-16].

3. حجر شهادة في حقل يهوشع      [17-18].

4. ضرب أهل بيتشمس               [19-21].

+ إقرأ اصحاح 6 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


1. عمل قربان إثم :


"وكان تابوت الله في بلاد الفلسطينيين سبعة أشهر" [1]. لا نعرف ما هي مشاعر إسرائيل نحو الأحداث في ذلك الوقت. لقد دُهشوا أن التابوت أُخذ منهم كما في خزي وضعف والكاهنين قتُلا وكثيرين سقطوا وفقد الشعب كرامته... لقد مرت الأيام والأسابيع وأيضًا الشهور ولم يسمعوا شيئًا عن التابوت، لكن الله كان يعمل مؤكدًا قدرته على الخلاص، وشعر الوثنيون بالرهبة أمام الله، فاستعدوا الكهنة والعرافين قائلين: "ماذا نعمل بتابوت الرب؟ أخبرونا بماذا نرسله إلى مكانه؟" [2].

لقد استخدم الله حتى كهنة الوثنيين والعرافين للشهادة له، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [شهد أعداء الله أنفسهم له؛ نعم قدم معلموهم أصواتهم عنه[1]].

العرافون هم الذين يدعون بأنهم قادرون على معرفة الأمور المستقبلية بواسطة علامات طبيعية كطيران الطيور أو أمعاء حيوان مذبوح أو النظر إلى الكبد أو السهام أو ماء في كأس أو استدعاء أرواح الأموات أو قراءة الكف أو تتبع حركة النجوم الخ... هذه عادات شائعة في الشعوب القديمة خاصة الشرقية، ولا تزال قائمة في بلاد شرقية كثيرة. خلال العرافة يأخذ البعض قرارتهم مثل اختيار شريك الحياة أو القيام بحرب في وقت محدد، وقد نهى عنها الكتاب المقدس (لا 20: 27؛ 18: 9-14، إر 14: 14؛ حز 13: 8-9).

طلب الكهنة والعرافون ألاَّ يرسلوا التابوت فارغًا بل يردوا له قربان إثم اعترافًا منهم أنهم أخطئوا وأن ما حل بهم هو تأديب وثمرة لإثمهم في حق الله، وكنوع من التعويض الأدبي والمادي لما أصاب شعبه. طلبوا أن تشترك كل مدينة من المدن الخمس العظمى في هذا القربان ليكون الاعتراف جماعيًا والقربان عن الشعب كله.

كانت العادة لدى الوثنيين تقديم تمثال الجزء المصاب بمرض للآلهة عند البرء من المرض، ولذا طلب الكهنة والعرافون تقديم خمسة بواسير من ذهب وخمسة فئران من ذهب، غير أن الشعب زادوا هذا العدد وصنعوا فئران الذهب بعدد جميع المدن من المدينة المحصنة إلى قرية الصحراء لأن الضربة كانت عامة [18].

لقد أدرك الوثنيون حقيقتين:

أ. أن الله لا يُرشى بذهب أو فضة إنما ما يقدمونه من قربان إثم هو اعتراف وشهادة لمجده، إذ قالوا: "أعطوا إله إسرائيل مجدًا لعله يخفف عنكم وعن ألهتكم وعن أرضكم" [5].

ب. أن مقاومته لن تُجدي، فقد أغلظ فرعون قلبه فهلك [6]. كأن ما حدث منذ حوالي 350 عامًا في مصر انتشرت معرفته في كل البلدان في منطقة الشرق الأوسط.

+ إقرأ اصحاح 6 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


2. رد التابوت على عجلة جديدة :

لقد عمل الفلسطينيون عجلة جديدة تجرها بقرتان مرضعتان لم يعلهما نير [7]، تحمل تابوت العهد وقربان الإثم. بالفعل استقامت البقرتان في الطريق، وكانتا تسيران في سكة واحدة وتجران، لم تميلا يمينًا ولا يسارًا، وأقطاب الفلسطينيين يسيرون وراء تابوت الرب.

ما أروعه منظرًا يشهد لحب الله لشعبه! فمهما طالت إقامة التابوت في أرض الأعداء، لكن الله يشتاق أن يسكن وسط شعبه ويحل فيهم، لقد ساق البقرتين رغم ميلهما الطبيعي لصغيريهما، واستقامتا في الطريق نحو شعب الله. ما أعظم رحمة الله بنا، فإنه يُريد أن يتناسى أخطاءنا ويسكن فينا ويستريح في أحشائنا.

العجلة الجديدة والبقرتان اللتان لم يعلهما نير تكشف عن إدراك الوثنين أيضًا أن الله لا يقبل التعرج بين الفريقين، يُريد أن يكون القلب الحامل له بالكامل له لا يمزج بين حب الله وحب الخطية أو بين ملكوت الله ومملكة إبليس. وكما يقول القديس بولس: "وأية شركة للنور مع الظلمة، وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟!" (2 كو 6: 14). يقول العلامة أوريجانوس: [لا يقوم ملكوت الله مع مملكة الشر. لذلك إن كانت إرادتنا أن نكون تحت مُلك الله ليته لا تملك أية خطية في جسدنا المائت (رو 6: 12)، ولا نطيع وصاياها، عندما تحث نفوسنا أن تمارس أعمال الجسد (غلا 5: 19) والأمور الغريبة عن الله[2]].

لقد طلب الوثنيون عمل عجلة جديدة وإحضار بقرتين مرضعتين لم يعلهما نير... وقد رأينا في الشريعة البقرة الحمراء تقديم بقرة لم يعلها نير (عد 19: 2)، وعندما دخل السيد المسيح أورشليم ركب جحشًا لم يجلس عليه أحد من الناس (مر 11: 2).

طلب الكهنة والعرافون ترك العجلة بلا قيادة لينظروا إن كانت تسير نحو تخم التابوت، أي تخم أرض إسرائيل التي كان التابوت فيها، متجهة إلى بيتشمس. وهي مدينة للكهنة (يش 21: 16) على تخم يهوذا، على بعد حوالي 12 ميلاً جنوب شرقي عقرون، حاليًا تدعى عين الشمس.

 

+ إقرأ اصحاح 6 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


3. حجر شهادة في حقل يهوشع :

إن كانت العجلة تمثل كنيسة العهد الجديد التي تضم شعبًا من فريقين: من أصل يهودي ومن الأمم، وقد صار الكل بروح الله "جديدًا" في الرب كمن لم يعلُهما نير، فإن العجلة انجذبت إلى حقل يهوشع البيتشمسي [18]، لماذا؟

يُجيب القديس يوستين مقدمًا مقارنة بين دخول الشعب أرض كنعان تحت قيادة يشوع الذي كان قبلاً يهوشع وبين دخول العجلة الجديدة بالتابوت إلى حقل يهوشع قائلاً: [البقرتان اللتان لم يقدهما إنسان لم تذهبا إلى الموضع الذي أُخذ منه التابوت بل إلى حقل رجل معين يدعى "يهوشع"... اسمه مأخوذ عن "يسوع (يشوع)"... لتظهرا لكم أنهما كانتا مقادتين بقوة الاسم، كما حدث قبلاً مع الشعب الذي تبقى من الخارجين من مصر. لقد قادهم إلى الأرض ذاك الذي حمل اسم يسوع (يشوع) والذي كان يُدعى قبلاً يهوشع[3]].

بقى حجر الشهادة الذي وُضع عليه تابوت العهد في حقل يهوشع شاهدًا لعمل الله مع شعبه [18]، تتطلع إليه الأجيال لتذكر رعاية الله واهتمامه بأولاده.

+ إقرأ اصحاح 6 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


4. ضرب أهل بيتشمس :

أ. كنا نتوقع من الشعب أن يسقطوا على وجوههم عند معاينتهم للتابوت، ويقدموا توبة للرب، ويستدعى الكهنة واللاويين لحمله والاحتفال به، لكنهم في تجاهل للشريعة التفوا حول التابوت. ضُرِب من الشعب خمسون ألف رجل وسبعون رجلاً. لقد كرّمه الفلسطينيون بالرغم من جهلهم أكثر من الشعب المعطى له وصايا صريحة بشأنه. نحن أيضًا كم مرة ندوس مقادس الله ونتقدم إلى الأسرار الإلهية في تهاون ونستمع إلى كلمته بغير خشوع؟!

ب. يميز الكتاب بين الخمسين ألفًا والسبعين المضروبين بسبب رؤية التابوت، ربما لأن الخمسين ألفًا من كل بني إسرائيل سمعوا من كل موضع وجاءوا يحتفلون برجوعه بينما السبعون هم وحدهم من بيتشمس. يرى البعض أن النسخ العبرية القديمة لم تذكر سوى رقم 70.

لم يرجع التابوت إلى شيلوه، غالبًا لأنها كانت قد دُمرت بواسطة الفلسطينيين، هذا واضح من الحفريات ومن (إر 7: 12)[4].

أُصعد التابوت من بيتشمس إلى قرية يعاريم (مدينة الغابات أو مدينة المدن)[5]، على تخم يهوذا وبنيامين، كانت تابعة ليهوذا (قض 18: 2). يُرجح أنها قرية العنب التي تسمى أيضًا اباغوش تبعد حوالي 9 أميال غرب أورشليم. بقى بها تابوت العهد حتى نقله داود النبي إلى بيدركيدون وبيت عوبيد أدوم الجتي (1 أي 13: 5-13، 2 أي 1: 4).

+ إقرأ اصحاح 6 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +
 
تفسير سفر صموئيل الأول اصحاح 7 PDF Print Email

التوبة طريق النصرة

كان صموئيل النبي يهيئ الشعب للتوبة قرابة 20 عامًا، وأخيرًا نادى بالتوبة الجماعية من كل القلب، والعودة الكاملة لله، ورفض كل عبادة غريبة، وبعد الصلاة والصوم قدم ذبيحة، وعندئذ إذ تقدم الفلسطينيون لمحاربتهم أرعدهم الرب نفسه وأزعجهم لينكسروا أمام الشعب.

لقد برز صموئيل النبي في هذا الأصحاح كقاضٍ وكممثل للحكم الإلهي مثل موسى (إر 15: 1) ومثل يشوع (يش 24، 1 صم 12)، وكأحد القضاة لكن على مستوى أعلى في الشفاعة[1].

يعتبر هذا الأصحاح مقدمة للأصحاح التالي، فيه أبرز فساد النظام الملكي المُقام من أجل مظاهر بشرية.

1. تابوت الرب في بيت أبيناداب               [1-2].

2. الرجوع القلبي والعمل لله                  [3-4].

3. الصلاة والصوم والذبيحة                   [5-9].

4. الرب واهب النصرة                        [10-14].

5. قضاء صموئيل في مواضع متعددة         [15-17].

+ إقرأ اصحاح 7 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


1. تابوت الرب في بيت أبيناداب :


أثار تابوت العهد رعبًا ليس فقط في مدن فلسطين العظمى وإنما أيضًا في بيتشمس، أما أهل قرية يعاريم فقد أدركوا أنه يمثل حضرة الله، هو نار آكلة بالنسبة للمرتدين عنه والمنحرفين أما بالنسبة لمحبيه فحافظ لهم وسر فرحهم وتعزيتهم. لهذا صعدوا بفرح وأتوا به في احترام ووقار، وجاءوا به إلى بيت أبيناداب ليبقى هناك قرابة مائة عام حتى نقله داود النبي (2 صم 6: 1-4).

كلمة "أبيناداب" تعني "أبا الكرم[2] أو النُبل"، وكأنه لا يمكن التمتع بالحضرة الإلهية ما لم تحمل النفس الداخلية نوعًا من الكرم أو السخاء في العطاء.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس شيء يجعلنا هكذا قريبين من الإله وعلى شبهه مثل هذا العمل الحسن[3]]. ويقول مار إسحق السرياني: [أعطِ للمساكين، وهلم بدالة قدم صلواتك، أي تحدث مع الإله كما يتحدث الابن مع أبيه، فليس شيء يقدر على دنو القلب إلى الباري مثل الرحمة[4]].

وُضِعَ التابوت في بيت في الأكمة أي على مكانٍ عالٍ، وقُدِّسَ أليعازر (تعني الله معين)[5] بن أبيناداب لأجل حراسة التابوت، غالبًا ما كان لاويًا وليس كاهنًا.

كان التابوت في قرية يعاريم بينما أقيمت الخيمة في نوب بلا تابوت مما عطّل العبادة فيها أو جعلها عبادة غير كاملة، وكان هذا إعلانًا عن حالة الخمول الروحي والانحطاط التي بلغ إليها الشعب.

صار صموئيل يجول بين الشعب ليعدهم لحياة التوبة والرجوع إلى الله.

+ إقرأ اصحاح 7 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


2. الرجوع القلبي والعملي إلى الله :

بعد موقعة أفيق التي مات فيها ابنا عالي الكاهن وعالي  نفسه بدأ صموئيل النبي يمارس عمله القيادي الهادئ والبناء. اتخذ إقامته غالبًا في الرامة حيث التف حوله بعض الشباب وصاروا نواة لأول مدرسة الأنبياء. في هذه الفترة تزوج صموئيل وأنجب ابنين دعاهما: يوئيل "يهوه هو الله"، أبيا "الرب هو أبي".

في هذه الفترة عاد تابوت العهد إلى إسرائيل ووضع في قرية يعاريم بينما نُقلت الخيمة إلى نوب، وتعطلت بعض الشعائر الدينية، أما صموئيل فلم يكف عن العمل الهادئ البناء على المستوى الفردي والاهتمام بالشباب، مع ممارسة حياة الصلاة. خلال هذا الإصلاح الهادئ انفتحت القلوب بالحب لله وبالتالي تجمعت القلوب معًا بالحب الأخوي وروح الوحدة. بعد عشرين سنة من وجود تابوت العهد في قرية يعاريم وجد صموئيل الفرصة سانحة للمناداة بالتوبة الجماعية والرجوع إلى الله مع الكشف عن سر فشل الشعب وعن طريق النصرة، إذ تحدث صموئيل مع كل بيت إسرائيل (أي مع الجماعة كلها) قائلاً: "إن كنتم بكل قلوبكم راجعين إلى الرب فانزعوا الآلهة الغريبة والعشتاروت من وسطكم، وأعدوا قلوبكم للرب واعبدوه وحده فينقذكم" [4].

سر ضعف الإنسان التعريج بين الطريقيين وعدم رجوعه بكل قلبه إلى الرب، كأن يتمسك بشكليات العبادة الخارجية بينما يقيم في أعماقه إلهًا خفيًا كالأنا ego أو حياة التدليل أو محبة الزمنيات إلخ... النصرة تستلزم تقديس القلب واستقامة هدفه مع جدية في الحياة وأن يبتر الإنسان بصليب رب المجد كل ما هو غريب داخل القلب، ليقيم الرب ملكوته المفرح السماوي.

انتزع الشعب من وسطهم كل عبادة غريبة، خاصة البعليم (جمع بعل) والعشتاروت.

البعل[6] تعني "السيد" أو "الرب"، بمعنى مالك أو سيد لامرأة أو لعبد أو لشيء ما يمتلكه. لم يكن "البعل" اسمًا لشخص ما إنما هو لقب أستخدم للعبادة تحت أشكال كثيرة وبطرق متعددة. من بينها تماثيل من الخشب أو الحجر أو المعدن عليها صورة للشمس (إش 27: 9) بكونها أعظم ما في الطبيعة وأنه مصدر الحياة. أما العشتاروت (جمع عشتار)، فينظر إليها كقرينة أو زوجة للبعل عبدها الفلسطينيون خلال تماثيل عليها صور للقمر أو كوكب الزهرة. عُبد بواسطة أمم كثيرة وتحت أشكال متعددة وبأسماء مختلفة. تعتبر إحدى ثلاث إلاهات (جمع إلاهه) للخصوبة. احتوت عبادتها على الكثير من روح الخلاعة والرجاسات، فقد تكرست كاهنات لممارسة الدعارة في هياكل العشتاروت.

كثيرًا ما سقط اليهود في عبادة البعليم والعشتاروت، وأقاموا التماثيل في المرتفعات وتحت كل شجرة خضراء بل وأحيانًا داخل الهيكل، وجاء زمان تقدمت فيه النساء المتزوجات والفتيات إلى النجاسة لحساب هذه الآلهه، وقدمت الأمهات أطفالهن ذبائح آدمية بإلقاء الطفل على التمثال النحاسي بعد احمراره من شدة النار وسط الطبول حتى لا يستمع أحد لصراخ الطفل!!!

هذا ما يفعله الإنسان عند انحرافه عن الله مصدر حياته وقدسيته وشعبه!

+ إقرأ اصحاح 7 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


3. الصلاة والصوم والذبيحة :

التوبة بما يُلازمها من تغيير القلب الداخلي وعبادة هي أمر شخصي يمس حياة المؤمن وعلاقته الخفية مع الله، لكنها في نفس الوقت هي ممارسة جماعية، إذ يقول صموئيل النبي: "اجمعوا كل إسرائيل إلى المصفاة" [5]. يقول الرسول بولس: "فإن كل عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه. وإن كان عضو واحد يُكرم فجميع الأعضاء تفرح معه" (1 كو 12: 26). توبة خاطئ واحد تُفرح ملائكة السماء (لو 15: 10)، وتسند الكثيرين على الأرض وتدفعهم للتوبة معه؛ ومع كل سقوط واستهتار خفي نُسيء إلى الجماعة كلها.

جاءت التوبة القلبية تحمل أعمالاً ظاهرة أيضًا:

أ. نزع الآلهة الغريبة [4]

ب. التقاء جماعي في المصفاة للعبادة بوح واحد [4].

ج. صموئيل النبي يصلي إلى الرب لأجلهم [5].

د. استقاء ماء وسكبه أمام الرب [6].

هـ. صوم جماعي [6].

و. الاعتراف بالخطايا للرب أمام صموئيل النبي [6].

ز. الحاجة إلى ذبيحة للمصالحة مع الله [9].

"طلب صموئيل النبي من الشعب أن يجتمع في المصفاة" (تعني "برج المراقبة"[7]). وهي مدينة في بنيامين (يش 18: 26)، يُقال إنها "تل النصبة"، اكتشفها Badé عام 1926-1935، تبعد ثمانية أميال شمال أورشليم على طريق الرامة. ويرى البعض أنها قرية "النبي صموئيل"، ارتفاعها 2935 قدمًا فوق البحر وهي أعلى القمم بقرب أورشليم، تبعد خمسة أميال شمال غرب أورشليم.

فيها تم انتحاب شاول ملكًا (10: 17-21)، وحصنها آسا (1 مل 15: 22)، وفيها قُتل جدليا (2 مل 25: 23، 25؛ إر 40: 6-15)، وفيها اجتمع الشعب في أيام يهوذا المكابي (1 مك 3: 46).

يُبرز صموئيل النبي دور الله في حياة شعبه، فإنهم إذ يجتمعون للتوبة يحتاجون إلى يد الله الخفية تعمل فيهم لذلك يقول: "فأُصلي لأجلكم إلى الرب" [5]. هنا يَبرز أيضًا صموئيل النبي كراعٍ روحي، يعرف أنه لن يقدر أن يقود شعب الله بدون صلاة، أو بمعنى آخر دوره القيادي يرتكز أولاً على الصلاة لكي يكون الله هو القائد الخفي والمرشد والعامل في شعبه لحساب ملكوته بلا انحراف. لذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن الكاهن: [من دعته الضرورة أن يكون سفيرًا عن مدينة بأسرها - ولا أقول عن مدينة فحسب بل عن العالم أجمع - يضرع إلى الله كي يصفح عن خطايا الجميع، ليس فقط الأحياء منهم بل والراقدين أيضًا... فالكاهن، لأنه أؤتمن على العالم كله وصار أبًا لجميع الناس، يتقدم إلى الله متوسلاً في الصلوات الخاصة والعامة من أجل رفع الحروب في كل مكان وإخماد الاضطرابات، ملتمسًا السلام والهدوء لكل نفس والشفاء للمرضى[8]...]. 

"فاجتمعوا إلى المصفاة واستقوا ماءً وسكبوه أمام الرب" [6].

ما هو هذا الماء الذي استقوا منه وسكبوه أمام الرب؟ يرى البعض أنه إشارة إلى سكب قلوبهم بالتوبة أمام الرب، كقول داود النبي "يا قوم اسكبوا قدامه قلوبكم" (مز 62: 8). أو علامة الاعتراف بالضعف إذ صاروا كالماء المنسكب على الأرض لا يمكن جمعه إلا بيد إلهية. يرى آخرون أنه تأكيد للقسم، فإنهم لا يرجعون عما تعهدوا به في توبتهم كما لا يجمع الماء المسكوب على الأرض. آخرون رأوا في هذا التصرف إشارة إلى يوم الكفارة العظيم (لا 16) وسكب روح الله على المؤمنين وحلوله فيهم.

إذ صلى صموئيل النبي عنهم قرنوا صلاته بتوبتهم التي أعلنوها بسكب الماء مع الصوم والاعتراف. لقد صاموا في ذلك الوقت واعترفوا قائلين: "قد أخطأنا إلى الرب" [6].

في ذلك الوقت كان صموئيل النبي يقضي بينهم كقاضٍ، لا خلال السلطة وإنما بعد تقديم صلوات طويلة مستمرة وإصلاح دائم بينهم وعمل روحي هادئ ثم توبة جماعية ورجوع إلى الله. لقد وضع أساسات روحية سليمة ليعمل كقاضٍ بضمير مستريح بهدف روحي واضح لحساب ملكوت الله.

+ إقرأ اصحاح 7 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


4. الرب واهب النصرة :

مع كل جهاد روحي هادف يثور عدو الخير لا لخطأ ارتكبه الإنسان أو ارتكبته الجماعة، وإنما هي علامة رفض الظلمة للنور، ومقاومة عدو الخير لمملكة الله.

لقد اجتمع أقطاب الفلسطينيين أيضًا وصعدوا إلى إسرائيل [7]، فخافوا أن يتكرر ما حدث في موقعة أفيق (1 صم 4)، لكنهم إذ كانوا تحت قيادة روحية سليمة يمارسون التوبة طلبوا من صموئيل النبي ألا يكف عن الصراخ من أجلهم إلى الرب ليخلصهم... قدم صموئيل محرقة للرب علامة تسليم نفوس الشعب ليد الرب تمامًا، واستجاب الرب خلال الطبيعة بواسطة رعد أو زلزال، واهبًا إياهم الغلبة والنصرة، إذ ضربوا العدو إلى ما تحت بيت كار (تعني بيت الخرفان) غرب المصفاة، يظن أنها بيت كارم الحالية، أو عين الكروم.  

مع كل نمو روحي نواجه حربًا جديدة، تؤول إلى تزكيتنا وتكليلنا مادمنا في يد الله. يقول القديس بطرس الرسول: "الذي به تبتهجون مع أنكم الآن إن كان يجب تحزنون بتجارب متنوعة، لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني مع أنه يُمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد عند استعلان يسوع المسيح" (1 بط 1: 6-7).

تحققت النصرة في ذات الموقع الذي حدثت فيه الهزيمة قبلاً وأخذ التابوت (4: 1)، لذلك أخذ صموئيل حجرًا ونصبه، ودعاه "حجر المعونة"، لكي يكون شاهدًا على عمل الله في حياة شعبه الراجعين إليه. هذا التذكار يجدد روح الشعب باستمرار حتى لا ينحرفوا عن الله. خلاله يذكر كل مؤمن سر الهزيمة وسر النصرة، ففي ذات الموقع فقد إسرائيل تابوت العهد وسقط في مذلة وعار، وأيضًا فيه نال غلبة ونصرة بيد الله القوية.

يقول رب المجد يسوع: "إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ" (لو 19: 40)... إذ أقام صموئيل هذا الحجر لكي يبعث حياة الشركة في كل من يتطلع إليه.

بعد أن كان الفلسطينيين قد استبعدوا إسرائيل تمامًا، انكسروا بهزيمتهم فلم يدخلوا إلى تخوم إسرائيل للاستيلاء عليه وإن كانوا قد اقتحموا أحيانًا بعض المناطق، واستعبد البعض منهم إسرائيليين، لكن كسرتهم في المصفاة كانت بداية لهزيمتهم المتلاحقة. كما استرد الإسرائيليون المدن التي كانت على التخوم ما بين عقرون وجت.

لعل هذه النصرة أعطت مجالاً للمصالحة بين إسرائيل والأموريين [14] ليعيش الشعب إلى حد ما في جو من السلام والطمأنينة.

+ إقرأ اصحاح 7 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


5. قضاء صموئيل في مواضع متعددة :

يعتبر صموئيل النبي هو المصلح الروحي الحقيقي في تلك الآونة حتى كادت عبادة البعل تحتفي تمامًا في الفترة ما بين بدء النظام الملكي حتى أوائل عصر سليمان الحكيم... ويلاحظ أن صموئيل لم يُعِدْ مجدَ "شيلوه" ولا أقام مركزًا واحدًا للعبادة إنما كان يقضي للشعب في مواضع متعددة مثل بيت إيل والجلجال والمصفاة. لعل السبب في هذا أن الشعب قد ركز على موضع العبادة الواحد كسرّ قوة الشعب متجاهلاً التجديد الداخلي للنفس. لقد أراد صموئيل أن يؤكد أن سر القوة هو في العلاقة الخفية في القلب مع الله، دون تجاهل العبادة الجماعية بروح الوحدة والحب.

لقد بقى الأمر كذلك حتى جاء سليمان الحكيم وأقيم هيكل الرب الواحد في أورشليم بأمر إلهي، ليجمع الكل معًا بالروح الواحد حول هيكل واحد للرب.

+ إقرأ اصحاح 7 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +
 
تفسير سفر صموئيل الأول اصحاح 8 PDF Print Email

طلب ملكك

انشغل الشعب بمظاهر العظمة والأبُهة التي لملوك الأمم المحيطين بهم، وحسبوا ذلك مجدًا وكرامة حُرموا هم منهما، لذا استغلوا شيخوخة صموئيل النبي وعدم سلوك ابنيه في طريق أبيهما ليطلبوا من صموئيل إقامة ملك يقضي لهم كسائر الأمم [5].

1. طلب ملك                          [1-5].

2. صموئيل يحسب ذلك إهانة له      [6].

3. الله يقبل الطلبة مع تحذيرهم       [7-9].

4. صموئيل يحذر الشعب             [10-22].

+ إقرأ اصحاح 8 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +


1. طلب ملك :

ربما يتساءل البعض: لو لم يطلب الشعب ملكًا، هل كان الله قد أعد لهم إقامة مملكة؟

أ. لا نجد للنظام الملكي موضعًا حقيقيًا في الشريعة الموسوية إلا ما جاء في (تث 17: 14-20). ربما كان هذا نبوة عن إقامة نظام ملكي في أرض الموعد، وربما كانت نصائح تقدم للشعب إن اختار له ملكًا وقواعد يلتزم بها الملك ليعيش كما يليق كعضو في الجماعة المقدسة.

ب. كان الخطأ لا في طلب إقامة ملك إنما في تعجل الأحداث وفي إساءة فهم النظام الملكي. فمن جهة الزمن كان الله يدبر لهم إقامة ملك قلبه مثل قلب الله، فقد سمح بمجيء راعوث من بين الأمم، تلك التي من نسلها يخرج داود النبي والملك. لو انتظروا قليلاً لنالوا أفضل مما طلبوا، ولَمَا أُقيم شاول الجميل الصورة الذي سبب لهم شقاءً  عظيمًا.

أما من جهة فهم النظام الملكي، فقد أرادوا ملكًا يقود الجيش عوض صموئيل النبي رجل الصلاة، وقد حطمهم الملك الذي نالوه حسب قلبهم عوض بنيانهم ونصرتهم. لقد أرادوا أيضًا ملكًا يحكمهم هو ونسله من بعده بينما في ظل نظام القضاة كان يمكنهم اختيار قائد للحرب دون الارتباط بالنظام الملكي وتسليم القيادة في أيدي نسله بالوراثة.

لقد شاخ صموئيل النبي والقاضي، وأقام ابنيه يوئيل وأبيا قاضيين في بئر سبع، اللذين لم يسلكا في طريق أبيهما إذ مالا وراء المكسب المادي والرشوة وعوَّجا القضاء [1]. كان يليق بصموئيل النبي أن يقيم قضاة مستقيمين عوض ابنيه.

لماذا لم يوبخ الله صموئيل على انحراف ابنيه كما فعل مع عالي؟ ربما لأن عالي كان رئيس كهنة وقد ارتكب ابناه الكاهنان خطايا بشعة ورجاسات تستوجب لا العزل بل القتل حسب الشريعة. وكان الابنان يعملان مع أبيهما وتحت مسئوليته كرئيس كهنة. أما بالنسبة لابني صموئيل، فيحتمل أن يكون انحرافهما – قبول الرشوة - جاء مؤخرًا بعدما تسلما العمل بفترة، فابتدأ الاثنان بالاستقامة لكن محبة المال أغوتهما، هذا وكان الاثنان يعملان في بئر سبع وليس مع أبيهما في الرامة، وربما جاء اختيارهما بناء على رغبة الشعب لأنهما لا يرثان المركز (القاضي) بالخلافة.

يتساءل البعض لماذا دُعيَ البكر هنا "يوئيل" بينما في (1 أي 6: 28) قيل (البكر "وشني")؟ كلمة وشني في العبرية تعني "والثاني"، ولذا يرى الدارسون أن كلمة "يوئيل" حذفت سهوًا في النساخة وأن كلمة وشني قُصد بها (والابن الثاني) وليست اسمًا للبكر.

اعتراض شيوخ إسرائيل على انحراف ابني صموئيل يكشف عن وجود ضمير حيّ فيهم، على خلاف فترة حكم عالي الكاهن إذ لا نجد أحدًا يعترض على تصرفات ابنيه البشعة. هذا وتنصيب الابنين للقضاء في بئر سبع في الجنوب بينما كان صموئيل يقضي في الشمال يكشف أن حكم صموئيل شمل البلاد كلها من الرامة إلى بئر سبع، وأن استقرارًا داخليًا قد حل بالبلاد، وأنهم كانوا مستريحين من حكم الفلسطينيين.

يليق بكل قائد أن يحذر من محبة المال والرشوة فقد أفسد المال قلبي القاضيين وسبب متاعب لهما ولأبيهما كما للشعب.

+ إقرأ اصحاح 8 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

 


2. صموئيل النبي يحسب ذلك إهانة له :

لقد حسب صموئيل النبي ذلك الطلب رفضًا لعمله القضائي، وحسب الرب ذلك رفضًا له هو شخصيًا كملك على شعبه، إذ قال لصموئيل نبيه: "إسمع لصوت الشعب في كل ما يقولون لك؛ لأنهم لم يرفضوك أنت بل إياي رفضوا حتى لا أملك عليهم" [7].

ما أعظم حكمة صموئيل، فإنه كرجل صلاة لم يثر عليهم ولا وبخهم بل طلب أولاً مشورة الله وإرشاده، وقد وهبه الله راحة أن الشعب لم يرفض صموئيل بل رفض الرب نفسه. والعجيب أن الله يطلب من صموئيل: "اسمع لصوت الشعب في كل ما يقولون لك". إنه يقدس الحرية الإنسانية، ويستجيب للطلبات الجماعية وإن كان يكشف لهم الحق منذرًا إياهم بسبب سوء رغبتهم. إنه لا يلزمهم ولا يقهرهم على نظام معين بل يطلب منهم أن يتفهموا الحق بكامل حريتهم.

 

+ إقرأ اصحاح 8 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

 


3. الله يقبل طلبتهم مع تحذيرهم :

استجاب الله لطلبتهم، هذا لا يعني رضاه عن ذلك، إنما كما يقول المزمور: "يعطيك سؤل قلبك" (مز 37: 4). فإن كان سؤل قلبنا سماويًا ننعم بالسماويات كبركة لنا، وإن كان سؤل قلبنا لغير صالحنا أو بنياننا يسمح بتحقيقه لأجل التأديب. وكما يقول المرتل: "فأعطاهم سؤلهم وأرسل هزالاً في أنفسهم" (مز 106: 15).

إن كان الرب قد استجاب طلبتهم، إلا أنه أوضح لهم حقيقتين:

الحقيقة الأولى أن كل رفض لرجاله هو رفض له، إذ يقول: "لأنهم لم يرفضوك أنت بل إياي رفضوا" [7]. يقول رب المجد لتلاميذه: "الذي يسمع منكم يسمع مني، والذي يرذلكم يرذلني، والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني" (لو 19: 16، مت 8: 4).

-   لكوني كنت جاهلاً بهذه الأمور، فقد هزأت بأبنائك وخدامك القديسين، ولكن لم أربح من وراء هذا سوى ازدرائك بي.
القديس أغسطينوس[1]

-   يليق بكم أن تطيعوا أسقفكم بدون رياء تكريمًا لله الذي يُريد منا ذلك. فمن لا يفعل هذا فهو في الواقع لا يخدع الأسقف المنظور بل يسخر من الله غير المنظور. فهذا العمل لا يخص إنسانًا بل الله العالِم بكل الأسرار.
القديس أغناطيوس الثيؤفورس[2]

الحقيقة الثانية أن اختيارهم للنظام الملكي لم يكن لصالحهم، موضحًا لهم ما سيصيبهم من ظلم الملوك واستغلالهم لكل إمكانياتهم.

 

+ إقرأ اصحاح 8 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

 


4. صموئيل يحذر الشعب :

تحدث صموئيل النبي مع الشعب في صراحة ووضوح بجميع كلام الرب، ليكشف لهم عن مساوئ طلبتهم لإقامة ملك، والتي تتلخص في الآتي:

أ. تسخير بنيهم للخدمة العسكرية لا لصالح الشعب إنما بالأكثر لصالحه الشخصي كعبيد له.

ب. يستغل بناتهم كعطارات وطباخات وخبازات لتَرَفِه هو وعائلته ورجاله.

ج. يغتصب أجود حقولهم لحساب خصيانه (كبار موظفيه) وعبيده.

د. استغلال طاقاتهم في زراعة أرضه الخاصة والعمل لحسابه.

هـ. إذ يحل بهم الظالم لا يجدون من يصرخون إليه، فإن الله نفسه لا يسمع لهم لأنهم اختاروا ملكهم حسب هواهم الشخصي.

لم يسمع الشعب لنصيحته بل أصروا على إقامة ملك [19]، عندئذ فض صموئيل الاجتماع ليذهب كل واحد إلى مدينته [22]، وقد تأكد الجميع أن صموئيل يدبر لهم الأمر.

 

+ إقرأ اصحاح 8 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +
 
تفسير سفر صموئيل الأول اصحاح 9 PDF Print Email

لقاء شاول مع صموئيل

إذ أصر الشعب على الطلبة أقام لهم شاول بن قيس البنياميني؛ كان شابًا حسنًا لم يكن في بني إسرائيل أحسن منه، من كتفه فما فوق كان أطول من كل الشعب [12]. يقول الرب لنبيَّه صموئيل: "امسحه رئيسًا لشعبي إسرائيل، فيُخلص شعبي من يد الفلسطينيين لأني نظرت إلى شعبي، لأن صراخهم قد جاء إليّ" [16].

1. شاول وأتن أبيه الضالة                     [1-5].

2. الغلام يشير عليه باللقاء مع الرائي        [7-14].

3. صموئيل يكشف لشاول رسالته             [15-27].

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

 

 

1. شاول وأتن أبيه الضالة:

إذ سأل الشعب صموئيل النبي أن يقيم لهم ملكًا أُختير "شاول الذي يعني "سؤال" ملكًا. لقد أعطاهم ملكًا حسب سؤل قلبهم، إنسانًا حسن الصورة طويل القامة، أما قلبه فلم يكن مستقيمًا. وكما يقول القديس أغسطينوس: [قيل إن "شاول" تعني "سؤلاً". من المعروف جيدًا أن الشعب سأل عن ملكٍ لهم، فتسلموه ملكًا لا حسب إرادة الله بل حسب إرادتهم الذاتية[82]].

لم يتجاهل الكتاب المقدس الجوانب الطيبة التي اتسم بها شاول بل على العكس أبرزها، لكن لم يحتمل شاول الغنى والكرامة إذ كشفا انعوجاج قلبه الداخلي واهتمامه بحب الكرامة الزمنية والمظاهر الخارجية لذا انتهت حياته برفض الله له وحرمان نسله من تولي الملك.

بدأ هذا الأصحاح بإبراز نسب شاول الذي يقدمه الله للشعب لاختياره ملكًا حسب هوى قلبهم . كشف الكتاب أنه من سبط بنيامين، من نسل الستمائة الذين نجوا من الحرب وأقاموا في الصخرة رمون (قض 20: 47). وهو سبط صغير العدد جدًا بسبب حرب الأسباط الأخرى ضده (قض 20)، لكنه كان سبطًا مقتدرًا له كرامته. أما شاول نفسه فكان شابًا حسن الصورة "ولم يكن رجل في بني إسرائيل أحسن منه، من كتفه فما فوق كان أطول من كل الشعب" [2].

يروي لنا هذا الأصحاح الأحداث التي انتهت بمسح شاول ملكًا، أحداث قد يراها البعض عارضة، أو محض صدفة، تبدو أحداثًا تافهة بلا قيمة، لكن الوحي الإلهي يكشف لنا كيف أن الله ضابط الكل، يُحّوَّل الأحداث جميعها - مهما بدت تافهة - لتحقيق خطة إلهية من جهتنا، وليس شيء ما يتم مصادفة. هنا نجد أتن قيس تضل فيخرج شاول يبحث عنها لا ليجد الأتن وإنما لكي يُدعى للمُلك، خروج الغلام معه، الذي يشير عليه أن يلتقيا بالرائي، أيضًا وجود نصف شاقل فضة لدي الغلام، لقاء شاول والغلام مع الفتيات الخارجات ليستقين، لقاؤهما مع الرائي... هذه جميعها بدت في الظاهر كأنها أمور تمت بلا تدبير مسبق، لكن الواقع أن الله كان وراء كل هذه الأمور يستخدمها لتحقيق خطته. ليتنا نؤمن أن كل ما يمر بحياتنا -مهما بدا تافهًا - يسير بتدبير الله العارف حتى بعدد شعور رؤوسنا (مت 10-30) والمعتني بالعصافير.

لقد ضاعت أتن قيس وخرج شاول والغلام يبحثان عنها، وكما يقول القديس باسيليوس: [إن الله يستخدم كل فرصة لكي يدعونا للعمل ضاعت الأتن لكي يوجد ملك لإسرائيل[83]].

"الأتن" من الجانب الرمزي تشير إلى "الجهل"، فإن شاول دُعي للمُلك حين ضاعت الأتن، وهكذا لكي نملك مع السيد المسيح يلزم انتزاع الجهل من نفوسنا والتمتع بنور المعرفة. لتخرج الأتن من بيتنا الداخلي وليحل نور المعرفة في أعماقنا فنملك مع مسيحنا النور الحقيقي. عندئذ نقول مع الملك داود: "بنورك يارب نعاين النور". يقول القديس أكليمندس الإسكندري: [إن الغنوسي أو صاحب المعرفة الروحية بحق لا يضطرب من شيء ما... لا يخشى الموت، إذ له الضمير الصالح واستعداد لمعاينة القوات (السماوية)[84]].

مع أن الأتن أمر زهيد لكن شاول بذل جهدًا في البحث عليها إذ عبر في جبل أفرايم ثم في أرض شليشه ثم أرض شعليم فأرض بنيامين وأخيرًا أرض صوف... وإذ مرت ثلاثة أيام في البحث عنها دون جدوى خشى شاول أن يقلق أبوه عليه، فقال للغلام: "تعال نرجع لئلا يترك أبي الأتن ويهتم بنا" [5]. هذه جوانب طيبة في شاول: بحثه الجاد عن الأتن، اهتمامه بمشاعر أقرب الناس إليه، ثم تشاوره مع الغير (الغلام)... هذه سمات تجعل الإنسان جديرًا باستلام دور قيادي وإن كان كبرياء قلبه قد أفسد هذا كله فيما بعد.

"شليشه" تعني "ثلاثي"[85]، وهي مقاطعة في جبل أفرايم، جنوب غربي شكيم.

"أرض شعليم" تعني "أرض الثعالب"[86]، مقاطعة في أفرايم.
بحسب التقليد اليهودي الغلام المرافق لشاول هو دواغ الأدومي الذي صار فيما بعد مشيرًا له، بسببه قُتل كهنة نوب ونساؤهم وأولادهم حتى ماشيتهم أهلكها (22: 7-23).

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

 

 

2. الغلام يشير عليه باللقاء مع الرائي:

إذ أراد شاول العودة حتى لا ينشغل أبوه بأمره هو والغلام، سأله الغلام أن يستشير رجل الله ليخبرهما عن طريقهما التي يسلكان فيها [6].

اعتاد اليهود أن يدعو النبي "رجل الله" (يش 14: 6، 1 مل 12: 22؛ أي 11: 2)، لأنه يعمل على التقدم بالشعب إلى الله خلال الصلاة والوصية الإلهية والإرشاد والنبوة؛ كما يدعى "إنسان الروح" (هو 9: 7)، بكونه مهتمًا بالروحيات، يعمل بقيادة روح الله؛ وأيضًا يدعى "الرائي" إذ ينظر إلى بعض أمور المستقبل كما ببصيرة روحية مفتوحة.

ادعى بعض النقاد أن هذا السفر يحوي مصدرين مختلفين في الفكر، كما رأينا في المقدمة، قائلين إننا نرى في الحوار بين شاول وغلامه أن الأول يجهل اسم الرائي وموضوعه بينما يسكن قريبًا منه، وكأن صموئيل رٍاء مجهول حتى ممن هم قاطنون بالقرب منه، بينما نجد في ذات السفر صموئيل كنبي عظيم وقاضٍ يحكم الشعب كله ويوجهه... كيف يكون ذلك؟

أ. يُجاب على هذا بأن شاول عاش في قريته لا يُبالي بالأمور السياسية والدينية الجارية في عصره، فلم تكن الشخصيات البارزة معروفة لديه كما يحدث مع كثيرين من سكان القرى، خاصة مع عدم وجود وسائل إعلام قوية كالعصر الحديث. أذكر أنه في عام 1953 بعد قيام الثورة المصرية كتب أحد المدرسين المنقولين إلى الصعيد إلى عائلته في القاهرة يقول: هنا يوجد أناس لازالوا يظنون أن الملك فؤاد هو حاكم مصر؛ وكأنهم على غير علم بموته وجلوس الملك فاروق ثم عزله وقيام الثورة في يوليو 1952. ربما حمل الحديث نوعًا من المبالغة لكنه يوضح كيف لا ينشغل بعض سكان القرى بالرئاسات الدينية أو المدنية العليا.

يقدم لنا واضع تفسير صموئيل الأول (مركز المطبوعات المسيحية) مثلاً واقعًيا حدث في إسكتلنده، حيث دُعي رئيس كنيسة إسكتلنده ليلقي خطابًا في حفل عام، وكان زعيمًا بارزًا في جيله، كتبت عنه الصحف عدة شهور ونشرت له صورًا مرارًا كثيرة. فلما قدمه رئيس المؤتمر إلى رئيس مجلس المدينة وهو عضو في تلك الكنيسة، سأل: "من هو هذا الرجل؟"... على ذات القياس، في كل عصر نجد الكثيرين ممن لا يهتمون حتى بمعرفة اسم الرئيس الديني.

هذا ونلاحظ أن الغلام الذي يخدم شاول كانت لديه معلومات أكثر عن الرائي وكرامته وموضع سكناه، إذ قال: "هوذا رجل الله في هذه المدينة، والرجل مكرم، كل ما يقوله يصير" [6].

هذا ولا ننسى أيضًا أن صموئيل مثل عالي الكاهن اختلف الاثنان عن بقية القضاة السابقين لهما وربما البعض كانوا معاصرين لهما، إذ التزما بالعمل القيادي الروحي والتوجيه في المسائل الزمنية دون قيادة الجيوش بنفسيهما، إذ لم يكونا رجلي حرب، الأمر الذي لم يكسبهما شهرة بين الشباب، لأن الشباب غالبًا ما تستهويه أخبار الحروب والانتصارات والأعمال البطولية.

تساءل شاول: "ماذا نقدم للرجل، لأن الخبز قد نفذ من أوعيتنا وليس من هدية نقدمها لرجل الله، ماذا معنا؟" [7].

إن كان شاول قد جهل اسم الرائي وموضع سكناه لكنه تربى منذ الطفولة ألاَّ يدخل بيت الله بيد فارغة، ولا يلتقي برجل الله بيد فارغة. وكانت العادة السائدة أن يقدم الإنسان من طعامه أو محصولاته كما من أمواله. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هذه العادة عاشتها الكنيسة الأولى، فقيل عن والد القديس تكلا هيمانوت الأثيوبي، وهو كاهن، أنه لم يكن يدخل الكنيسة بيد فارغة. الكاهن الروحي محب للعطاء أكثر من الأخذ... أينما وجد يشتاق أن يُعطي. أقول إن كل نفس تلتقي بالله المحبة يحمل طبيعة العطاء في أعماقه، يفرح ويشبع داخليًا مع كل عطاء للغير.

كان مع الغلام ربع شاقل فضة، وهو مبلغ زهيد للغاية، لم يخجل هو وشاول من تقديمه، فإن العبرة لا في الكمية بل في طبيعة العطاء ذاتها أو اتساع القلب بالحب.

كانت الرامة - مدينة صموئيل- قائمة على أكمتين (رامتايم 1: 1)، لذا قيل "وفيما هما صاعدان في مطلع المدينة" أي متجهان نحو باب المدينة، التقيا بفتيات خارجات لاستقاء الماء، قلن لهما: "هوذا هو أمامكما، أسرعا الآن، لأنه جاء اليوم إلى المدينة لأنه اليوم ذبيحة للشعب على المرتفعة" [12].

إن كانت الرامة القائمة على أكمتين تمثل كنيسة المسيح القائمة على العهدين، القديم والجديد، فإنه يليق بكل قلب أن يترك ما هو عند السفح ويصعد بروح الله خلال كلمة الله – العهدين - ليعيش في الرامة كرٍاء ينعم بالبصيرة المفتوحة المطَّلِعة على أسرار الله وأمجاده السماوية، ما هؤلاء الفتيات الخارجات لاستقاء الماء إلا رجال العهدين القديم والجديد الذين خلال النبوات والكرازة الإنجيلية يشيرون إلى المسيح السائر أمامنا يرعانا، يفتح طريق الحق ويعبر بنا إلى الجلجثه لننعم بأسرار ذبيحته المخلِّصة.

ماذا قالت الفتيات لهما؟

"عند دخولكما المدينة للوقت تجدانه قبل صعوده إلى المرتفعة ليأكل، لأن الشعب لا يأكل حتى يأتي لأنه يبارك الذبيحة، بعد ذلك يأكل المدعوون" [13].

إذ ننعم بالصعود إلى كنيسة المسيح، ماذا نرى؟ نرى مسيحنا الذي تقدم ليأكل، مقدمًا جسده المبذول ذبيحة حب مشبعة لشعبه. يبارك الذبيحة بيديه الطاهرتين ليُعطي مدعويه ليأكلوا ويشبعوا ويثبتوا فيه.

لما دخل الرجلان إلى وسط المدينة "إذ بصموئيل خارج للقائهما ليصعد إلى المرتفعة" [14]. هكذا إذ ننعم بالعضوية الكنسية، ندخل إلى كنيسته فيحملنا إلى جبل الجلجثة (المرتفعة) لنتمتع بسر الذبيحة واهبة المصالحة والمشبعة لاحتياجات النفس.

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +

 

3. صموئيل يكشف لشاول رسالته:

لقد كشف الله لصموئيل النبي بخصوص مسح شاول ملكًا أو رئيسًا لشعبه، وذلك قبل اللقاء معه بيوم [15]. ويلاحظ أن كلمة "رئيس" جاءت هنا في العبرية nagid تعني "رئيسًا" أو "أميرًا" غير أن الحديث عنه هنا كملك، كما أنه المسحة ذاتها تعني نواله الملوكية[87].

استضاف صموئيل النبي شاول، وكشف له كل شيء، إذ قال له: "وأما الأتن الضالة لك منذ ثلاثة أيام فلا تضع قلبك عليها، لأنها قد وُجدت، ولمن كل شهيِّ إسرائيل؟ أليس لك ولكل بيت أبيك؟!" [20].

في اتضاع أجاب شاول: "أمَا أنا بنياميني من أصغر أسباط إسرائيل، وعشيرتي أصغر كل عشائر أسباط بنيامين؟! فلماذا تكلمني بمثل هذا الكلام؟!" [21].

هنا يليق بنا أن نقف قليلاً لندرك عطايا الله للإنسان المرتفع إلى مدينة الرامة، أي إلى الكنيسة، والملتقى مع صموئيل رمز السيد المسيح.

أ. طلب صموئيل النبي من شاول ألا ينشغل بالأتن الضالة، فإنها أمر تافه للغاية أمام ما سيناله من عطايا، مقابل هذا أعلن له أنها قد وجدت، وأنه ينال كل شهي إسرائيل. ألم يسألنا السيد المسيح ألا نهتم بشيء إلا بملكوت الله وهذه كلها تزاد لنا؟. فإن الله في محبته يهبنا في هذا العالم مئة ضعف (مت 19: 29) بجانب تمتعنا بملكوت الله.

لنترك عنا الارتباك بالأتن الضالة، فيردها الرب إلينا ويعطينا مركبات وخيل، أما ما هو أعظم فإنه يهبنا ملكوته السماوي، كما بقيادة مركبته السماوية، لنترك الأتن الوضيعة الأرضية فنتقبل مركبة الله السماوية!

ب. أخذه صموئيل هو وغلامه إلى المنسك، أي إلى الغرفة بالمرتفعة عند المذبح المعدة للولائم الخاصة بالذبائح، وجعلهما على رأس المدعوين وهم نحو ثلاثين رجلاً [22]، ثم أوصى الطباخ أن يقدم له الساق وما عليها [24]. على أي الأحوال من يترك الانشغال بالزمنيات يرتفع كما إلى الوليمة السماوية وينعم بالطعام السماوي وينال كرامة مضاعفة وشبعًا.

ج. تمتع شاول بحديث سري مع صموئيل عند طلوع الفجر على السطح [25-26]. هكذا إذ ننعم بالطعام السماوي ندخل إلى علاقة سرية مع مسيحنا، نلتقي به مبكرًا، حيث نوجد كما على السطح، مرتفعين نحو السماء لننظر أسراره الإلهية وننصت إلى كلماته الخاصة، محدثًا إيانا عن إقامتنا ملوكًا روحيين (رؤ 1: 6؛ 5: 10).

+ إقرأ اصحاح 1 من سفر صموئيل الأول +
+ عودة لتفسير سفر صموئيل الأول +
 



17 بؤونه 1733 ش
24 يونيو 2017 م

نياحة القديس لاتصون البهنساوى
عودة رفات القديس مارمرقس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك