إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

عامل الناس بإتضاع ووداعة ، برقة ولطف

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 21 جـ1 PDF Print Email

وصف أورشليم السماوية


يحدثنا في هذا الأصحاح عن "الوطن السماوي"، أو كما يقول القديس أغسطينوس: [الكنيسة السماوية.]

1. كنيسة واحدة 1 - 8.

2. كنيسة مقدسة 9 - 11.

3. كنيسة جامعة رسولية 12 - 14.

4. مقاييسها 15 - 17.

5. بناؤها 18 - 27.

1. كنيسة واحدة

كثيرون من الفلاسفة والأدباء والشعراء أمثال أفلاطون أخذوا يرسمون لنا مدنًا مثالية حسبما تتصورها أذهانهم، يسنّون لها قوانين ونظمًا ومبادئ حسبما تمليه عليهم فلسفتهم وفكرهم. لكن سرعان ما تندس في وسط تخيلاتهم مبادئ خاطئة أو خيالية فتخرج المدينة ناقصة مملوءة ضعفات. أما الرسول يوحنا فلم يحذو حذوهم، بل صعد بالروح فرأى كنيسة حقيقية مثالية خالدة، هي في حقيقتها "لقاء الله مع المؤمنين" أو قل هي "وحدة سماوية". ولما كان هذا الأمر يصعب رسمه أو التعبير عنه، لهذا سجل لنا ما رآه فعلاً لكن في رموز بسيطة تاركًا لنا أن نتعمق فيها لندرك ونتذوق ما عليه هذه المدينة السماوية على قدر ما تستطيع قامتنا الروحية أن تدرك بإرشاد الروح.

"ثم رأيت سماء جديدة وأرضًا جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا".

لقد أوضح لنا الرب يسوع أن الخمر الجديدة لا توضع في زقاق قديمة، بل في زقاق جديد، هكذا نحن خمر ملكوته إذ نخلع هذا الجسد الفاسد لنلبسه في عدم فساد، وهذا المائت في عدم موت. نقوم في مجد وقوة، لنا أجسام روحانية (1 كو 15: 42-44) لهذا يضعنا الرب في سماء جديدة.

يليق بنا كأبناء ملكوت جديد ألا نعود بعد إلى هذه الأرض، لأنه كما أكد لنا ربنا يسوع: "السماء والأرض تزولان". وقد طمأننا الرسول بطرس أنه بمجيء يوم الرب "تنحل السموات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب، ولكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة وأرضًا جديدة يسكن فيها البرّ" (2 بط 3: 12-13). نسكن في "أرض الأحياء" مع كافة القديسين الأحياء بالروح.

ولعل قوله "سماء جديدة وأرض جديدة" يحمل معنى آخر أيضًا، هو أنه مع زوال كل ما هو قائم حاليًا سنعود إلى سماء جديدة، أي نلتقي مع "الرب إله السماء"، ومع السمائيين في شركة مبدعة جديدة في كمالها وتمامها.

ونلتقي أيضًا مع إخوتنا الذين كانوا معنا على الأرض في "أرض جديدة"، أي في لقاء حب من صنف جديد، في وحدة تامة وكاملة في شخص الرب يسوع. إنه لقاء كنيسة واحدة تذوق الوحدة الأبدية في صورة ليس لها مثيل، لهذا يقول "والبحر لا يوجد فيما بعد" [1]. ليس للبحر موضع هناك، إذ يشير البحر إلى الانقسام والانشقاق حيث يفصل البلدان أو الدول أو القارات، أما في السماء فالكنيسة ليس فيها ما يفصل أعضاءها عن بعضهم البعض. والبحر يشير إلى الاضطراب والقلق، إذ يقول الكتاب: "أما الأشرار فكالبحر المضطرب لأنه لا يستطيع أن يهدأ ويقذف حمأة وطينًا" (إش 57: 20). فالكنيسة السماوية لا يختفي فيها شرير واحد، بل مع كمال وحدتها يسودها سلام داخلي وخارجي.

اسم الكنيسة

"أنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة، نازلة من السماء من عند الله، مهيأة كعروس مزينة لرجلها" [2].

رأى يوحنا الرسول ما أعده الله لنا أو رآنا بروح النبوة ونحن في المجد، وإذ عاد ليخبرنا بما رأى لم تسعفه اللغة البشرية، إذ يعلم مدى اشتياقاتنا للمعرفة، وفي نفس الوقت يريد الروح القدس أن نعرف، لهذا سجل لنا ما رآه خلال رموز بسيطة فقال إنه رأى "المدينة". إنني أظنه كطفل بالكاد يعرف اللغة، لم يرَ طائرات من قبل، دخل مطارًا ضخمًا فرأى مئات الطائرات، فعاد ليقول "رأيت حمامًا كبيرًا على الأرض". هكذا يقول الرسول عن الأبديّة إنها "المدينة". هي في حقيقتها مسكن الله مع الناس، لهذا سماها "المدينة".

وإذ أدرك أحضان قدوس القديسين المفتوحة للقاء قديسيه، دعا ذلك اللقاء "المدينة المقدسة". إنها امتداد للكنيسة المقدسة، إذ أنه حال فيها قدوس القديسين.

وحينما أراد أن يعطيها اسمًا دعاها "أورشليم الجديدة"، أي مدينة الله الجديدة، وتبقى جديدة لأن ما هو أخروي جديد ويبقى جديدًا لا يصيبه القِدَم، لأنه لا يكون زمان ولا عوامل فناء ولا فيها ما يفقدها جمالها وضياءها المتقد بنور الرب.

أما سرّ قداستها وجدتها فهو إنها "نازلة من السماء من عند الله". ومع إنها هي السموات بعينها لكنها "نازلة من السماء" كالأم الحنون التي تفتح أحضانها وتركض لتحتضن طفلتها التي طالما اشتاقت إليها. هكذا تتوق الأبدية إلينا لأننا لسنا غرباء عنها بل أعضاء فيها. بنزولها من السماء من عند الله، تقدم لنا رجاء في أننا أبناء لها وأعضاء أحياء فيها، فلا يراودنا اليأس بحجة ضعفنا أننا لا نصلح لها.

في نزولها من عند الله تعلن حب الله للبشر واشتياقه إلى اللقاء معهم، فهو دائمًا المبادر بالحب. وهو الذي يهتم بهم، إذ "أن الله لا يستحي أن يُدعى إلههم، لأنه أعد لهم مدينة" (عب 11: 16). وقد لمس إبراهيم أب الآباء في الأبديّة عمل الله تجاهه، فقيل عنه أنه كان "ينتظر المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله" (عب 11: 10).

وأخيرًا إذ رأى الرسول أن كل ما في المدينة يتلألأ جمالاً لم يعرف بماذا يصفها فقال: "مهيأة كعروسٍ مزينة لرجُلِها". إنها عروس واحدة مزينة بزينة عريسها التي أهداها لها.

هكذا عبر الرسول عن اللقاء الأبدي حين رآه، فبماذا عبر الصوت السمائي عنه؟

"وسمعت صوتًا عظيمًا من السماء قائلاً: هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعبًا، والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم" [3].

لم تجد السماء اسمًا لهذه المدينة الجديدة والأرض الجديدة والسماء الجديدة يليق بها سوى أن تدعوها "مسكن الله مع الناس". لم تقل "مسكن الناس مع الله" بل "مسكن اللّه مع الناس"، لأن اشتياق الناس للسكنى معه لا يقاس ولا يقارن باشتياق الله للسكنى معنا. يا لعظم محبة اللّه الفائقة! كأن الله ينتظر الأبديّة ليستريح بالسكنى معنا، مع أننا نعلم أنه ليس محتاجًا إلى عبوديتنا بل نحن المحتاجون إلى ربوبيته.

لهذا يبدأ بالقول "وهم يكونون له شعبًا"، أي أنهم هم المحتاجون إليه، وهو يسكب حبه عليهم، إذ "الله نفسه يكون معهم إلهًا لهم". إنه إله كل البشر، وإله المؤمنين. لكن في الأبدية ينعم أبناء الملكوت بمفاهيم أعمق وعذوبة أكثر في ربوبية الله لهم.

وأخيرًا يمكننا من خلال قراءتنا للأصحاحين 21 و22 أن نفهم ماذا تعنيه الكنيسة السماوية الواحدة وهو:

1. أنها المسكن الأبدي الذي يقول عنه الرب: "أنا أمضي لأعد لكم مكانًا"، وقد قدمه لنا الرسول واصفًا لنا أبعاده ومواد بنائه في أسلوب رمزي بسيط.

2. إنها الوجود في حضرة العريس السماوي واللقاء الدائم معه، إذ هي "مسكن الله مع الناس" لهذا حدثنا عن شخص العريس وعمله مع شعبه.

3. إنها جماعة المؤمنين الغالبين "الذين يحسبون سماء"، ليس في الحياة الأبدية فحسب، بل وهم على الأرض. إذ يقول القديس أغسطينوس [الإنسان الروحاني في الكنيسة هو السماء... الكنيسة هي السماء... والسماء هي الكنيسة.]

حال الكنيسة الواحدة

1. "وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم":
وكما يقول العلامة ترتليان أن الله يمسح كل دمعة سكبتها العيون قبلاً، إذ ما كان لها أن تجف ما لم تمسحها الرأفات الإلهية. طوبى لأصحاب العيون الباكية، لأن الله بنفسه يمسحها ويطيِّبها!

2. "والموت لا يكون فيما بعد": وكما يقول النبي "يبلغ الموت إلى الأبد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه" (إش 25: 8).

3. "ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد. لأن الأمور الأولى قد مضت" [4]. لقد مضى العالم القديم بما يحمله معه من سمة للنقصان وقابلية للفناء، وصار كل ما في الأبدية جديدًا مفرحًا ومبهجًا للكل.

4. "وقال الجالس على العرش ها أنا أصنع كل شيء جديدًا". في العالم الآخر لا نجد ما تسأمه النفس، ولا ما تملّ منه، إذ ليس فيها شيء يعتق ويشيخ بل لحظة فلحظة - إن صح هذا التعبير - نجد كل شيء جديدًا. إذ نحن ماثلون أمام الله الذي لا تشبع النفس من اشتهائه. وكما يقول القديس غريغوريوس النيسي: [أن رؤية الله بالضبط لا تَشبع النفس من اشتهائه. وهذا يتم إلى الأبد والنفس ذاهبة من بدء إلى بدء ببداءات لا تنتهي.] كلما تأمل الإنسان الله رآه كأنه لأول مرة يراه جديدًا في نظره، فيزداد شوقًا إلى السجود له والنظر إليه، ويستمر هكذا بلا نهاية.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 


27 هاتور 1736 ش
07 ديسمبر 2019 م

استشهاد القديس يعقوب الفارسى المقطع
تذكار تكريس كنيسة مار بقطر

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك