إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان القوى ليس هو الذى ينتصر على غيره بل القوى هو الذى ينتصر على نفسه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى

+ تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +



تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

شخص المُعلن


مادام هذا السفر هو "سفر السماء" لهذا لا تعجب إن كنت تراه بين الحين والآخر يكشف لك عن "شخص الرب السماوي" في صورٍ متعددةٍ، حتى يلتهب قلبك شوقًا إليه فتناجيه مع كل الكنيسة قائلاً: "تعال أيها الرب يسوع".

1. مقدمة 1 - 3.

2. السلام الرسولي للكنائس 4 - 6.

3. مجيء المعلن 7 - 8.

4. شخص المعلن 9 - 20 .

1. المقدمة

"إعلان يسوع المسيح، الذي أعطاه إياه الله، ليُرى عبيده ما لابد أن يكون عن قريب، وبينه مرسلاً بيد ملاكه لعبده يوحنا" [1].


لقد دعاه "إعلان"، أو في اليونانية "أبو كلابسيس"، أيّ كشف الأسرار الإلهيّة للبشر. فإن كان الله لم يشأ أن يصنع شيئًا بسدوم وعمورة إلا بعدما يعلن ذلك لخليله إبراهيم، كما لم يرد إلاّ أن يعلن لدانيال الرجل المحبوب لديه ما سيحدث، لهذا يليق بالأولى أن يتقدم إلى كنيسته، العروس التي دفع مهرها على الصليب، بهذا "الإعلان"، ليكشف لها "ما لا بد أن يكون عن قريب".

كلما أحب العريس عروسه فتح قلبه لها لترى فيه أسراره خاصة ما يتعلق بحبه تجاهها، وما يعده لأجلها في يوم زفافها.

كان يمكن للرب أن يرسل "إعلانه" ليوحنا مباشرة، لكنه "بيَّنه مرسلاً بيد ملاكه" حتى يعطى للملائكة هذه البركة أن تشترك مع ربها في لذته بكشف أسراره لعروسه. إنه يقدم لهم على الدوام كل فرصة لخدمة العتيدين أن يرثوا الخلاص (عب 10: 14) ليعلن أيضًا حبهم تجاه عروسه.

وقد اشترك أيضًا يوحنا الحبيب في الخدمة إذ أُرسل الملاك إليه وهو بدوره قد سجل الرؤيا للكنيسة.

ولكن من هو يوحنا هذا؟

"الذي شهد بكلمة الله، وبشهادة يسوع المسيح بكل ما رآه!" [2].

مجرد شاهد ينقل ما يراه أو يسمعه، كأنه يقول إنني مجرد "صوت صارخ في البرية" (مر 1: 3). ليس لي فضل في ذاتي، بل وهبني الرب هذه النعمة أن أشهد له!

فائدة الإعلان

"طوبى للذي يقرأ، وللذين يسمعون أقوال النبوة، ويحفظون ما هو مكتوب فيها، لأن الوقت قريب" [3].

مبارك هو ذاك الذي يقرأ هذه النبوة في مخدعه، وللذي يقرأها في الكنيسة أو يسمعها مع إخوته. لأنه إذ يحفظها في قلبه يلتهب قلبه نحو تحقيق "ما هو مكتوب فيها، لأن الوقت قريب" أو كما جاء في النص اليوناني "لأن الفرصة سانحة وقريبة".

يقول الأسقف فيكتورينوس: [يبدأ السفر بالوعد بتطويب من يقرأه ويسمعه ويحفظه، حتى أن من يثابر على القراءة يتعلم تنفيذ الأعمال وحفظ الوصايا.]

2. السلام الرسولي للكنائس

"يوحنا إلى السبع الكنائس التي في آسيا. نعمة لكم وسلام من الكائن والذي كان والذي يأتي".

يهدي الرسول السلام الإلهي إلى الكنائس السبع التي سيرِد الحديث عنها، ويتضمن سلامة "النعمة" التي هي أساس السلام الحقيقي، وهي موضوع كرازتنا وفرحنا.

وكشف لنا العلامة ترتليان سرّ منح النعمة الرسولية قبل السلام بقوله إنه كانت العادة القديمة بين الشعب أن يفتتحوا ملاقاتهم بالسلام، وقد استخدم السيد المسيح نفس الأمر مع تلاميذه، لكن بعد صعوده أضافوا عليها "النعمة" وقدموها عن "السلام" إذ هي موضوع كرازتهم التي ينالونها بالسيد المسيح.

ويهتم الرسول بوصف الرب ب "الكائن والذي كان والذي يأتي" في أكثر من موضوع في هذا السفر ليؤكد أن واهب النعمة وينبوعها هو الرب الحال في الكنيسة التي رعاها ويرعاها ويبقى راعيًا لها، عمل ويعمل وسيعمل من أجلها.

يقول الأسقف فيكتورينوس: [هو "كائن" لأنه يحتمل لأجلنا على الدوام، و"الذي كان" أيّ أنه مع الآب خلق كل شيء، كما أخذ له بداية (بالجسد) من العذراء. و"الذي يأتي" لأنه سيأتي حتمًا للدينونة.]

"ومن السبعة الأرواح التي أمام عرشه" [4].

اختلفت الآراء في تفسير حقيقة السبعة أرواح التي أمام عرشه:

الرأي الأول: أنهم السبعة الملائكة المخصصون لخدمة الكنائس السبع المذكورين في سفر الرؤيا، إذ هم أرواح خادمة للعتيدين أن يرثوا الخلاص. ويشهد الكتاب المقدس وكتابات الآباء عن إرسال الله ملائكته لكل إنسان ليقوموا بخدمته وحراسته. ويرى ابن العسال أن "السبعة الأرواح" هم السبع طغمات الملائكية، أيّ الرؤساء والسلاطين والربوبيات والقوات ورؤساء الملائكة والملائكة.

ويرى القديسان إكليمنضس الإسكندري والشهيد كبريانوس أنهم السبعة رؤساء الملائكة كما يظهر من قول رافائيل عن نفسه إنه أحد الملائكة السبعة الواقفين أمام الله (طو 12: 15).

أما عن سبب تقديمهم على شخص الرب يسوع الشاهد الأمين فذلك لاستطالة الحديث عنه بعد ذلك.

الرأي الثاني: أنه وصف الروح القدس الذي يعمل في الكنيسة خلال مواهبه الكاملة في الأسرار السبعة.

"ومن يسوع المسيح الشاهد الأمين" [5].

في هذه الافتتاحية يلقب الرسول شخص ربنا يسوع بألقاب تهييء روح القارئ للتلامس مع غاية هذا السفر، فيلقبه:

1. الشاهد الأمين: يدور السفر كله حول شهادتنا لربنا على الأرض ليشهد لنا الرب أمام أبيه وملائكته. وكيف نكون شهودًا أمناء؟ بالرب يسوع "الشاهد الأمين"، إذ يقول عن نفسه "لهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق" (يو 18: 37). هذه الشهادة لم تقف عند حد الكلام بل قدم شهادة عملية باذلة أوضحها بالتجسد، ونقشها على الصليب، وأكدها بموته وأعلنها بقيامته!

يقول الأسقف فيكتوريينوس: [لقد قدم شهادة في العالم بأخذه ناسوتًا حتى تألم فيه أيضًا، محررًا إيانا من الخطية بدمه، منتصرًا على الهاوية، قائمًا من الموت بكرًا، لا يسود عليه الموت بعد (رو 6: 9) بل بملكه هدم مملكة العالم.]

2. البكر من الأموات: ما يؤكده لنا هذا السفر هو أن الرب بكرنا، وكما قام الرأس هكذا تقوم معه وبه كل الأعضاء، "المسيح باكورة ثم الذين في المسيح" (1 كو 15: 23).

يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [لم يُدعَ هكذا لأنه مات قبلنا بل لأنه كابد عنا الموت وأبطله... فإذ هو قد قام نستمد قيامتنا منه، وبسببه نقوم حتمًا من الأموات.]

وكما يقول ذهبيّ الفم إن الرب بكرنا لأنه قدم ذاته ذبيحة مقبولة بلا عيب، تسلمها الآب برضا، فصارت البشرية مقبولة فيه ومقدسة فيه.

فخلال البكر نرث في "كنيسة الأبكار"، ونتمتع بالمجد السماوي الموصوف في الرؤيا.

3. "الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه. وجعلنا ملوكًا وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" [5-6].

وهنا نستطيع بكل جرأة أن نقول إننا إذ لبسنا "ربنا يسوع" صرنا منتسبين لملك الملوك ورب الأرباب رئيس الكهنة الأعظم، وبهذا "جعلنا ملوكًا وكهنة". فنحن ضعفاء بذواتنا جدًا لكننا به أقوياء للغاية. نحن كلا شيء نخور أمام أقل الخطايا، وبه ندوس على الحيات والعقارب وكل قوات العدو.لا مطروحين في ضعف أمامه، لكننا بسلطان روحي نترجى ونفرح. ليس لنا ما نقدمه، لكننا به نرفع تقدمات روحية مقبولة أمام الله.

لقد صرنا "ملوكًا وكهنة" بمعنى روحي فلا نخلط بين السلطان العام الموهوب للمسيحي، وبين الذين عينوا من قبل الله أو بسماح منه ملوكًا ورؤساء. نخضع لهم ونقدم لهم الكرامة التي تليق بهم كما أوصانا الكتاب. ويجدر بنا ألاّ نخلط بين الذين تقدسوا وتكرسوا مفروزين للخدمة والكرازة بسرّ الكهنوت وبين الكهنوت العام الذي يسميه القديس إيرونيموس (الكهنوت العلماني Laic Priesthood) الذي يناله المؤمن بسر المعموديّة.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email
3. مجيء المعلن عنه

"هوذا يأتي مع السحاب، وستنظره كل عين، والذين طعنوه، وينوح عليه جميع قبائل الأرض. نعم آمين" [7].

كأن الرسول يبوق للكنيسة قائلاً "لقد اقترب مجيء العريس! إنه حتمًا آتٍ فتأملي!"

"يأتي مع السحاب" والسحاب يشير إلى بهاء مجده كما في التجلي. ويشير السحاب إلى غضبه ضد الشر وفاعليه، كقول المرنم: "السحاب والضباب حوله... قدامه تذهب نار وتحرق أعداءه حوله" (مز 97: 2، 3).

ويرى البابا ديوناسيوس الإسكندري أن السحاب يشير إلى الملائكة المحيطين به في مجيئه.

ويرى القديسون كيرلس وأغسطينوس وجيروم أن السحاب رمز لناسوته الذي يخفي اللاهوت. ويعلل القديس أغسطينوس ذلك بأن الرب يخفي عن الأشرار مجد لاهوته فلا يرونه، أما الأبرار فيتمتعون بأمجاد الإله المتأنس ويتكشف لهم بهاءه وينعمون به وحدهم.

يراه الأشرار فينوحون، ويراه الأبرار فيبتهجون. يرى الأشرار جراحاته فييأسون. ويراها الأبرار - كما يقول القديسين أغناطيوس النوراني وذهبيّ الفم وكبريانوس - ظاهرة ومنيرة! لهذا لا يكفّون عن القول "نعم آمين!" أيّ ليكن يا رب، فإننا منتظرون مجيئك للتمتع بك!

ومن هو الذي يأتي ليدين! أنه يقول عن نفسه:

"أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء" [8].

وقد سبق لنا فهم قوله "الكائن والذي كان والذي يأتي"[4].

وهو "الرب" أيّ الإله الديان الذي له أن يحكم.

وهو "القادر على كل شيء" فلا يليق بنا أن نشك في مجيئه أو إمكانياته!

وهو "الألف والياء" وكما يقول العلامة أوريجينوس: [إنه لو وجدت لغة إلهية لقراءة السمائيات فإننا نجد الابن هو أول حروفها وآخرها... فبدونه لا ندرك شيئًا عن السماء، وبغيره لا يقدر الفم أن ينطق بالتسابيح السماوية.]

وهو "البداية والنهاية" وكما يقول القديس أغسطينوس: [الابن هو البداية الذي فيه خلقت السماء والأرض، إذ قيل "في البدء (البداية) خلق الله السماوات والأرض"، إذ "به كان كل شيء"، ويقول المرتل: "كلها بحكمة (أيّ في المسيح الحكمة) صُنعت" (مز 104: 24).]

ويقول العلامة أوريجينوس [أنه البداية إذ كان منذ البداية حالاً مع آدم في الفردوس وقد صار النهاية أيّ "آدم الأخير"، محتضنًا بهذا كل البشرية منذ البداية إلى نهاية الدهور، مهتمًا بالجميع إلى انقضاء الدهر.]

ويقول القديس أمبروسيوس: [ليس لابن الله أية بداية، ناظرين إلى أنه هو فعلاً البداية، وليس له نهاية ذاك الذي هو "النهاية".]

فبكونه البداية كيف يمكن أن يتقبل أو يأخذ له ما هو عليه (بداية وجود مادام هو فعلاً موجود، إذ هو البداية). وكيف تكون له نهاية ذاك الذي هو نهاية كل الأمور حتى أننا في هذا "النهاية" نجد لنا مسكنًا نستقر فيه بلا نهاية.

ويقول القديس جيروم والعلامة ترتليان أن هذا يطابق قول الرسول "ليجمع كل شيء في المسيح" (أف 1: 10)، أيّ نجد فيه كل احتياجاتنا، يجمع فيه كنيسته ويحفظها ويصونها ويقدم لها كل مطالبها.

4. شخص المعلن

يشرق الله على الإنسان بالصورة التي تناسب ظروفه واحتياجاته ليعطيه شبعًا خاصًا، لهذا قبل أن يصف الرب نفسه أظهر الرسول ظروفه وأحوال الكنيسة فقال:

"أنا يوحنا أخوكم وشريككم في الضيقة وفي ملكوت يسوع المسيح وصبره. كنت في الجزيرة التي تدعى بطمس، من أجل كلمة الله، ومن أجل شهادة يسوع المسيح" [9].

إذ اعتقل الإمبراطور دومتيانوس الرسول وهو في سن الشيخوخة ليحرمه من أولاده وخدمته ويوقف لسانه عن الكرازة حدث ما هو على العكس:

1. لم ينقطع رباط الأخوة والأبوة بينه وبين شعبه، لأن هذا الرباط لا يقوم على أسس جسدية بل على الشركة في الرب. وهاهو يعلن لهم أنه مرتبط معهم بالشركة معًا في الضيقة "آلام المسيح"، والتي من خلالها تكون لهم شركة "في ملكوت يسوع المسيح"، الذي ينالون عربونه، منتظرين معًا في شركة "صبره" حتى يبلغوه في الأبدية.

2. وجوده في بطمس لم يطمس ذهنه بالأحزان، بل كان فرصة ليكون منطلقًا في الروح. وفي الوقت الذي فيه توقف لسانه عن الكرازة أعلن له الرب نبوة يعلنها للكنيسة كاشفًا له حقائق خفية تخص نهاية الدهور وأسرار فرح العرس السماوي.

وفي وسط الآلام تعزيات الله تلذذ نفس المؤمن، ففي وسط حفرة الرجم رأى استفانوس السموات مفتوحة وابن الإنسان قائمًا لإعانته، وفي وسط التجربة المرة رأى أيوب الرب، وفي وسط الضيق أعلن ليعقوب الهارب السلم السمائي، وفي السبيّ نظر حزقيال النبي الله الجالس على المركبة الشاروبيميّة.

نعود لنرى أن الرسول الذي نفي "من أجل كلمة الله، ومن أجل شهادة يسوع المسيح" لم تتوقف رسالته، بل آلت إلى تقدم أكثر إذ يقول: "كنتُ في الروح في يوم الرب. وسمعتُ ورائي صوتًا عظيمًا كصوت بوقٍ" [10].

بلا شك لم يدرِ الرسول بالزمن أثناء تمتعه بالرؤيا، فقال: "يوم الرب" لأنها فترة ابتهاج ومسرة لِما رآه خاصًا بيوم الرب أو يوم الدينونة المجيد.

وقد سمع الرسول صوتًا عظيمًا "خلفه" مع أنه يعلن عن أمور مستقبلة وحاضرة وماضية، ولعل السبب في ذلك أن الإنسان لا يقدر على معاينة أمجاد السموات أمامه إلا بعدما يلبس هذا الفاسد (الجسد) عدم فساد. لهذا طلب الله من موسى ألا يعاينه إلا من وراء لأنه لا يقدر أن يرى الله ويعيش.

وسماعه صوتًا عظيمًا من وراء يُعلن أنه سيتحدث عن أمور محجوبة عن الأعين البشرية.

كما يظهر أيضًا أنها تحمل إنذارًا، ليتوقف الإنسان عن اندفاعه تجاه الأرضيات منصتًا للصوت الإلهي.

والصوت "كصوت البوق" لأنه صوت إلهي عظيم في طبعه وسلطانه ومجده وموضوعه!

شخص المعلن:

1. الألف والياء:

"قائلاً أنا هو الألف والياء، الأول والآخر، والذي تراه أُكتب في كتاب، وأرسل إلى السبع كنائس التي في آسيا، إلى أفسس وإلى سميرنا وإلى برغامس وإلى ثياتيرا وإلى ساردس وإلى فيلادلفيا وإلى لادوكية" [11].

سبق أن قدم لنا الرب نفسه أنه "الألف والياء"، وهنا أيضًا يعلن لكنائسه أنه هو "الأول والآخر". وكما يقول العلامة أوريجينوس أن الابن الكلمة هو أول الخليقة أي رأسها ومدبرها، وإذ تنازل لم يصر الثاني أو الثالث أو الرابع بل احتل "الآخر"، إذ صار إنسانًا ولم يصر واحدًا من الطغمات السمائية. وبهذا احتضن الخليقة كلها من أولها إلى آخرها.

هذا هو الوصف الجميل الذي تراه فيه الكنائس، فتتعلق به، لأنها في حضنه، لا يتركها، وهي لا تريد مفارقته.

أما عن الكنائس السبع فهي كنائس كانت قائمة فعلاً، وكما يقول الأسقف فيكتورينوس إنه مع وجودها فعلاً ومع توجيه الرسائل إليها لكنها أيضًا تمثل حال الكنيسة كلها.

وقد اختار رقم "7" لأنه يشير إلى الكمال، ويعلل الأسقف السابق الذكر هذا بأن الرسول بولس أيضًا كتب إلى سبع كنائس، أما بقية رسائله فوجهها بأسماء أشخاص. وقد تنبأ إشعياء النبي عن ذلك بقوله "فتَمْسك سبع نساء برجلٍ واحدٍ في ذلك اليوم، قائلات: نأكل خبزنا ونلبس ثيابنا. ليُدع فقط اسمك علينا. انزع عارنا" (إش 4: 1). هكذا تمسِك الكنيسة "السبع النساء" بالرب يسوع وتتعلق به ولا تريد أن تفارقه ليدع اسمه عليها وينزع عارها منها، لهذا يقول الرسول: "فالتفتُّ لأنظر الصوت الذي تكلم معي، ولما التفت رأيت سبع مناير من ذهب" [12].

حيث يوجد الرجل تلتف حوله "النساء السبع" (إش 4: 1) كمنائر تستنير منه وتُنير العالم، يضيئها زيت الروح القدس، روح عريسها النور الحقيقي. لقد رآها زكريا النبي "منارة كلها ذهب .. وسبعة سرج عليها" (زك 4: 2)، وخاطبها النبي قائلاً: "قومي استنيري، لأنه قد جاء نورك ومجد الرب أشرق عليك... فتسير الأمم في نورك والملوك في ضياء إشراقك" )إش 60: 1، 3).

وهي "سبع" علامة التنوع في المواهب مع وحدة العمل والغاية، وعلامة الميثاق بين الله والإنسان كما فعل إبراهيم مع أبيمالك عندما قطعا عهدًا عند "بئر سبع" (تك 21 : 27-31)، ولأن رقم 7 يشير إلى الكمال لهذا يتكرر في هذا السفر 54 مرة.

وهي "ذهبية" لأنها سماويّة، ومن أجل نقاوتها ومجدها وعظمتها في عينيّ عريسها القائل لها: "ها أنت جميلة يا حبيبتي ها أنت جميلة. عيناك حمامتان" (نش 1: 15).


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email
2. "وفي وسط السبع المناير شبه ابن إنسان، متسربلاً بثوب إلى الرجلين، ومتمنطقًا عند ثدييه بمنطقة من ذهب" [13].

تكمن عظمة الكنائس ووحدتها في حلول عريسها في وسطها. إنه وهو في السماء مهتم بكنيسته، متسربلاً بثوبٍ إلى الرجلين، حتى تلتحف عروسه بثوبٍ (19: 8)إلى الرجلين، فيُزفَّان في عرس أبدي لا ينتهي... والجميل أن القسوس حوله (4: 3) أيضًا لابسين ثيابًا بيضاء، وكل ما في السماء مُعد ليوم العرس.

والثوب إلى الرجلين هو ثوب الكهنوت، إذ لا يتوقف الرب عن عمله الكهنوتي حتى تكميل خلاصنا. إنه قائم على الدوام لمعاونة البشرية وانتشال الجميع (مز 110: 4، عب 5: 5-10).

يقول القديس إيريناوس في هذه الكلمات يعرض لنا شيئًا من المجد الذي يتقبله من أبيه الذي أشار إليه بالرأس (1: 14).

كما أشار إلى وظيفته الكهنوتية أيضًا بالثوب الطويل البالغ إلى القدمين. وهذا هو السبب الذي لأجله ألبس موسى رئيس الكهنة على هذا الطقس.

وأما المنطقة الذهبية التي عند الثديين فتشير إلى التفاف الشعب حول صدر الله، يرضعون من العهدين ويقتاتون بهما. يقول الأسقف فيكتورينوس ثدياه هما العهدان، والمنطقة الذهبية هي جماعة القديسين الذين كالذهب يجربون....

أو أن المنطقة الذهبيّة تشير إلى الضمير النيِّر والفهم الروحي النقي للموهوبين للكنائس. وتشير المنطقة الذهبيّة أيضًا إلى الحب الخالص النابع من صدر الله تجاه أولاده. كما تظهره معلمًا للشريعة، إذ كان الحَبر الأعظم يلبس منطقة عند تقديمه الذبيحة.

ويرى الذهبيّ الفم أنه متمنطق على حقويه إشارة إلى شريعة العهد القديم، وعند الثديين حيث الحب والعدل إشارة إلى العهد الجديد.

3. "وأما رأسه وشعره أبيضان كالصوف الأبيض كالثلج".

قيل عنه أيضًا "لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي" (دا 7: 9). ويرى القديس أغسطينوس أن الشعر الأبيض يشير إلى جماعة القديسين الذين هم بمثابة شعر الرب لا تسقط منه شعرة بدون إذنه. وهم أنقياء وطاهرون، متَّحدون معًا في جمال وتناسق.

ويقول الأسقف فيكتورينوس: [في الشعر الأبيض تظهر جماعات الآباء كالصوف إذ هم غنمه البسيطة، وهم كالثلج من حيث كونهم أعدادًا بلا حصر متعلمين من السماء.]

تشير الشيبة أيضًا إلى الحكمة الفائقة والجمال البارع، كما تشير إلى الأزليّة (دا 7: 9).

4. "وعيناه كلهيب نار"[14].

نرى فيه العريس الساهر "الذي لا ينعس ولا ينام"، لا يقدر أحد أن يخطفنا من يده. ونرى فيه الديان فاحص الخفيات والظاهرات، قائلين مع النبي: "عيناكَ مفتوحتان على كل طرق بني آدم، لتعطي كل واحد حسب طرقه وحسب ثمر أعماله" (إر 32: 19).

تشير عيناه المتقدتان إلى قوة الكلمة الإلهية، إذ تنيران الطريق وتبددان الظلمة من القلب، أو كقول الأسقف فيكتورينوس: [وصايا الله تنير المؤمنين وتحرق الجاحدين.]

5. "ورجلاه شبه النحاس النقي كأنهما محميتان".

رجلا الرب هما الرحمة والعدل، بهما يسير الرب بين شعبه لتحقيق خلاصهم وإبادة قُوى الشر. وتشيران إلى العهدين اللذين يسير بهما وسط شعبه، إذ هما كلمة الله النقيّة المصفاة. ويقدم الرب رجليه شبه النحاس حتى يلبسهما المؤمن، فيسير في طريق الآلام غير مبالٍ بما يلاقيه من عثرات، لأن رجليه تدكَّان كل ما يقف في طريقه.

ويرى القديس غريغوريوس النزنيزي أنهما يشيران إلى ناسوت الرب المتقد باللاهوت الذي به حلّ بيننا وصار كواحد منا فتلاقت معه البشرية.

6. "وصوته كصوت مياه كثيرة" [15].

أ. بهذا يكشف لنا الرب عن مجده كما في (حز 43: 2). وكما يقول القديس إيريناؤس: [روح الله يشبه مياهًا كثيرة، إذ أن الله غني وعظيم، والكلمة "صوته" يعبر خلال هؤلاء الناس مقدمًا عطايا مجانيّة لتابعيه، مقدمًا الوصيّة حسبما تتناسب وتفيد كل فئة.] هكذا يقدم الآب ابنه كمياه كثيرة تروي الأراضي القاحلة لكيّ تأتي بثمر كثير.

ب. ويكشف لنا عن رهبته وقوته وفاعليته (عب 4: 12) وعن ديمومته، لأن صوت المياه (البحار) مرهب، وهو لا ينقطع ليلاً ونهارًا.

ج. يقول الأسقف فيكتوريبنوس: [تفهم المياه الكثيرة على أنها شعوب متعددة جاءت خلال العماد، إذ أرسل تلاميذه قائلاً: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم...]

7. "ومعه في يده اليمنى سبعة كواكب".

يرى ابن العسال أنهم السبعة ملائكة أو أساقفة للكنائس، وهم في يده رمز على أنهم في طاعته وتحت أمره كشيء في قبضته.

جميل أن يتشبه الأساقفة بالكواكب، يستنيرون بشمس البرّ، ويعكسون نوره على بقية الكواكب، يسيرون في مداراتهم بدقة وإلا هلكوا، يظهرون صغارًا لمن يراهم، لكنهم في نظر الله عظماء، محفوظين في يده اليمنى إذ يحبهم ولا يفرط فيهم.

8. "وسيف ماضٍ ذو حدين يخرج من فمه".

يظهر الرب لكنيسته كمحارب يحمل سيفًا ماضيًا خارجًا من فمه، أيّ كلمته القويّة:

أ. بها يؤدب وبها يعزي، بها ينمو الإنسان الداخلي وتتبدد الظلمة.

ب. وهو ذو حدين يقطع بعنف في داخل المتكلم والسامع أيضًا..

ج. بها يحصن المؤمن ويذكيه وبها يقطع الشر ويدين الأشرار كقوله "من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه. الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير" (يو 12: 48).

ويقول العلامة ترتليان: [هذا التفسير الذي لنا وليس للهراطقة يهبنا ثباتًا، إذ يظهر السيد المسيح محاربًا.]

يقول داود "تقلد سيفك على فخذك" (مز 45: 3). ولكن ماذا نقرأ قبل ذلك عن السيد المسيح؟ "أنت أبرع جمالاً من بني البشر، انسكبت النعمة على شفتيك" (مز 45: 2).

فكيف تنسب رقة الجمال البارع والنعمة المنسكبة على الشفتين لمن تقلد سيفه للحرب!

كذلك يضيف قوله: "انجح وأملك... في عدلك"، وذلك "من أجل الحق والدعة والبرّ"، فكيف يبلغ هذه النتائج باستخدام السيف الذي يعرف عنه أنه يستخدم في الخداع والتهور والضرر!

إذن يمكننا أن نفهمه أنه "الكلمة الإلهية" الذي له حدان هما الشريعة والإنجيل، به يمزق الشيطان إربًا، وبه يحصننا من الأعداء الروحيين كلي الشر والخبث، وبه يقطعنا عن الأمور العزيزة لدينا من أجل اسم الله القدوس. هذا السيف جاء الرب يلقيه على الأرض وليس ليلقي سلامًا (مت 10: 34).

إذن براعة الجمال ونعمة الشفتين تتناسبان مع هذا السيف الذي يتقلده الرب كقول داود.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 1 جـ4 PDF Print Email
9. "ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها" [16].

لم يجد الرسول ما يعبر به عن بهاء مجد الرب سوى أن يشبه وجهه بالشمس، إذ هو كالأب "ساكن في النور الذي لا يقدر أحد على الدنو منه" (1 تي 6: 16)، يشرق على قديسيه "فيضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم".

خاتمة

نستطيع أن نلخص كل الرؤيا في أن الكنيسة تجد في الرب عريسًا وكاهنًا وأبًا وقائدًا، فيه تجد كل احتياجاتها، يحتضنها ويطهِّرها ويحفظها ويقودها ليقدمها لأبيه طاهرة عفيفة.

ويرى البعض في الأوصاف السابقة أننا نجد فيه الكنيسة - جسد المسيح - بتمامها متحدة فيه، ولا تكون إلا فيه، فهو الأول والآخر، أيّ يجتمع فيه كل الأبرار.

أ. متسربل بثوبٍ إلى القدمين إشارة إلى الأبرار من آدم حتى الطوفان.

ب. المنطقة عند الثديين إشارة إلى الأبرار من الطوفان حتى موسى.

ج. شيبة الرأس والشعر إشارة إلى الأبرار في ظل شريعة العهد القديم.

د. العينان المتقدتان إشارة إلى الأنبياء الذين يرون بروح النبوة.

ه. الرجلان النحاسيتان إشارة إلى الرسل والتلاميذ الذين جالوا كارزين بالحق.

و. صوت المياه الكثيرة إشارة إلى الأمم التي قبلت الإيمان.

ز. السيف الحاد الخارج من فمه إشارة إلى الذين يخلصون بالكاد في أيام ضد المسيح.

ح. الوجه المضيء كالشمس إشارة إلى القديسين في الفردوس.

أثر المنظر على يوحنا

"فلما رأيته سقطتُ عند رجليه كميت، فوضع يده اليمنى عليّ قائلاً لي: لا تخف أنا هو الأول والآخر. والحي وكنت ميتًا، وها أنا حي إلى أبد الآبدين آمين. ولي مفاتيح الجحيم والموت" [17-18].

ما أن رأى الرسول الرب في مجده حتى سقط عند رجليه، كما سقط التلاميذ عند تجليه (مت 17: 6)، ودانيال عند دجلة (دا 10: 5). لكن الرب في حنانه وضع عليه يده اليمنى وأقامه.

لننحني مع الزانية عند قدميه حتى يضع يده علينا، فنقوم بعدما ندفن موت الخطية تحت قدميه، إذ هو "الحي" الذي بسبب خطايانا "كان ميتًا" وها هو حي نقوم فيه ويشفع فينا أمام الآب شفاعة كفارية.

وحده الذي "له مفاتيح الجحيم والموت" يقيمنا، مغلقًا في وجوهنا أبوابهما، فلا يكون للموت الأبدي ولا للجحيم سلطان علينا.

لقد نزل الرب إلى الجحيم "من قبل الصليب. أنه دواء الحياة الذي اختفى في الجحيم فكسر أبوابه وأخرجنا منتصرين.

والجميل أن المتحدث هو الإله المتجسد، فيقول: "أنا هو الأول والأخر"، كما يقول: "كنت ميتًا" دون أن يقول: "أنا بالطبيعة اللاهوتية الأول والآخر" أو "أنا بالطبيعة الناسوتية كنتُ ميتًا"، لأنه شخص واحد له طبيعة واحدة من طبيعتين لا نفصلهما عن بعضهما قط.

"فاكتب ما رأيت وما هو كائن وما هو عتيد أن يكون بعد هذا. سرّ السبعة كواكب التي رأيت على يميني، والسبع المناير الذهبية. السبعة الكواكب هي ملائكة السبع كنائس، والمناير السبع التي رأيتها هي السبع الكنائس" [19-20].

لقد أمره أن يكتب ما رآه: المنظر السابق ذكره "الرب وسط كنيسته".

وما يراه: "أحوال الكنائس السبع" (ص 2، 3).

وما سيراه: "أحوال الكنيسة إلى مجيء يوم الرب ومجدها السمائي".

وقد دعي هذا كله "سرًا"، لا يقدر الإنسان أن يتفهمه ويتلامس معه إلاّ بعمل الروح القدس الذي يعلم ويكشف أسرار الله لعبيده.

1 اعلان يسوع المسيح الذي اعطاه اياه الله ليري عبيده ما لا بد ان يكون عن قريب و بينه مرسلا بيد ملاكه لعبده يوحنا
2 الذي شهد بكلمة الله و بشهادة يسوع المسيح بكل ما راه
3 طوبى للذي يقرا و للذين يسمعون اقوال النبوة و يحفظون ما هو مكتوب فيها لان الوقت قريب
4 يوحنا الى السبع الكنائس التي في اسيا نعمة لكم و سلام من الكائن و الذي كان و الذي ياتي و من السبعة الارواح التي امام عرشه
5 و من يسوع المسيح الشاهد الامين البكر من الاموات و رئيس ملوك الارض الذي احبنا و قد غسلنا من خطايانا بدمه
6 و جعلنا ملوكا و كهنة لله ابيه له المجد و السلطان الى ابد الابدين امين
7 هوذا ياتي مع السحاب و ستنظره كل عين و الذين طعنوه و ينوح عليه جميع قبائل الارض نعم امين
8 انا هو الالف و الياء البداية و النهاية يقول الرب الكائن و الذي كان و الذي ياتي القادر على كل شيء
9 انا يوحنا اخوكم و شريككم في الضيقة و في ملكوت يسوع المسيح و صبره كنت في الجزيرة التي تدعى بطمس من اجل كلمة الله و من اجل شهادة يسوع المسيح
10 كنت في الروح في يوم الرب و سمعت ورائي صوتا عظيما كصوت بوق
11 قائلا انا هو الالف و الياء الاول و الاخر و الذي تراه اكتب في كتاب و ارسل الى السبع الكنائس التي في اسيا الى افسس و الى سميرنا و الى برغامس و الى ثياتيرا و الى ساردس و الى فيلادلفيا و الى لاودكية
12 فالتفت لانظر الصوت الذي تكلم معي و لما التفت رايت سبع مناير من ذهب
13 و في وسط السبع المناير شبه ابن انسان متسربلا بثوب الى الرجلين و متمنطقا عند ثدييه بمنطقة من ذهب
14 و اما راسه و شعره فابيضان كالصوف الابيض كالثلج و عيناه كلهيب نار
15 و رجلاه شبه النحاس النقي كانهما محميتان في اتون و صوته كصوت مياه كثيرة
16 و معه في يده اليمنى سبعة كواكب و سيف ماض ذو حدين يخرج من فمه و وجهه كالشمس و هي تضيء في قوتها
17 فلما رايته سقطت عند رجليه كميت فوضع يده اليمنى علي قائلا لي لا تخف انا هو الاول و الاخر
18 و الحي و كنت ميتا و ها انا حي الى ابد الابدين امين و لي مفاتيح الهاوية و الموت
19 فاكتب ما رايت و ما هو كائن و ما هو عتيد ان يكون بعد هذا
20 سر السبعة الكواكب التي رايت على يميني و السبع المناير الذهبية السبعة الكواكب هي ملائكة السبع الكنائس و المناير السبع التي رايتها هي السبع الكنائس


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

رسائل إلى أربع كنائس


في هذا الأصحاح يوجه الرب رسائل خاصة إلى أربع كنائس:

1. إلى ملاك كنيسة أفسس 1 - 7 .

2. إلى ملاك كنيسة سميرنا 8 - 11.

3. إلى ملاك كنيسة برغامس 12 - 17.

4. إلى ملاك كنيسة ثياتيرا 18 - 29.

مقدمة عن رسائل الكنائس السبع

يليق بنا أن نعرف:

أولاً: كانت هذه الكنائس قائمة فعلاً والحديث موجه إليها. غير أنه كما يقول الأسقف فيكتوريينوس والقديس أغسطينوس وغيرهما أن ما ورد بهذه الرسائل يخص حالة الكنيسة في كل عصر ويخص حالة المؤمن من حين إلى حين، فهي رسائل موجهة إلى كل مؤمن.

ثانيًا: يخاطب الرب الكنائس في شخص ملائكتها أي أساقفتها، محملاً إياهم مسئولية الرعاية، ملزمًا إياهم أن يحملوا ضعفات شعبهم كما يتكفلون بنمو أولادهم. وفي نفس الوقت يوحي إلى الشعب أن يتقبل توجيهات الله ووصاياه خلال أساقفته وكهنته.

ثالثًا: فيما يلي ضعف كل كنيسة والعلاج المقدم لها:

1. أفسس : الفتور في الحب : التأمل في شجرة الحياة (الأبدية).

2. سميرنا : معاناة الألم : انتظار إكليل الحياة.

3. برغامس : العثرة في الكنيسة : ممارسة الأسرار المقدسة.

4. ثياتيرا : الشهوات الشريرة : بتر الشر.

5. ساردس : الرياء : الاهتمام بالمجد السماوي (الداخلي).

6. فيلادلفيا : التراخي في العمل : إدراك حقيقة مركزنا السماوي.

7. لاودكية : الفتور الروحي : المثابرة برجاء.

1. إلى ملاك كنيسة أفسس

1. من هو؟

"اكتب إلى ملاك كنيسة أفسس" يقال إن ملاك الكنيسة كان تيموثاوس تلميذ الرسول بولس. وقد أسسها الرسول بولس وخدم فيها ثلاث سنوات (أع 20: 31) وكتب إليها رسالة، كما خدم فيها تيموثاوس (1تى 1: 3)، وذهب إليها يوحنا الرسول بعد الإفراج عنه.

2. وصف الرب

"هذا يقوله الممسك السبعة الكواكب بيمينه، الماشي في وسط المناير الذهبيّة" [1].

يتجلى الرب لكل كنيسة حسب ما يناسبها، حسب احتياجاتها، لترى فيه شبعها وشفاءها من كل ضعف. وإذ تعاني هذه الكنيسة من "الفتور في الحب"، لهذا يعلن لها أنه الممسك السبعة الكواكب (الأساقفة) في يمينه، أي حافظهم والمعتني بهم والمحيط بهم.

كما يعلن لها أنه "الماشي في وسط المناير الذهبيّة"، أي يجول في كنيسته، لا يهدأ عن العمل من أجل خلاص كل نفس. وكأنه يقول: إنني أحبك فكيف تفترين في محبتك لي!

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الكواكب في ذاتها مظلمة، نورها مستمد من الممسك بها "شمس البر"، مؤكدًا لنا أننا لا نستطيع أن نقتني الحب من ذواتنا بل من الله الممسك بنا في يمينه.

3. حال الكنيسة

"أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك، أنك لا تقدر أن تحتمل الأشرار، وقد جرَّبت القائلين أنهم رسل وليسوا رسلاً، فوجدتهم كاذبين" [2].

قبل أن يحدثها عن ضعفها يطمئنها الرب قائلاً: "أنا عارف أعمالك..." لا أنسى أعمال محبتك القديمة ولا أتجاهل تعبك حتى الذي لا تذكرينه.

لقد نسي زكريا الكاهن صلواته التي قدمها ليهبه الرب ابنًا، لكن الرب كافأه عنها في الوقت المعين (لو 1: 13)، ونحن في وقت فتورنا نظن أن الله قد نسى الأعمال القديمة والأتعاب والصبر الذي احتملناه من أجله، لكن اللًّه يُطمئن كل إنسان أنه لا ينسى حتى كأس ماء بارد قدمه باسمه. إنه لا ينسى أتعاب هذه الكنيسة خاصة ما احتملته من الذين ادّعوا أنهم خدام وقد ملأوا الأرض كلامًا، وهم كاذبون، بعيدون عن روحها ورسالتها ووداعتها وحبها. لهذا يخاطب الرب أسقف أفسس قائلاً: "وقد احتملت، ولك صبر وتعب من أجل اسمي ولم تكل" [3.]

بعد هذا التشجيع عاد ليعاتب الكنيسة في رقة بالغة دون أن يجرح مشاعرها قائلاً: "عندي عليكِ أنكِ تركتِ محبتك الأولى" [4].

في عذوبة يسند الرب القصبة المرضوضة ويلهب الفتيلة المدخنة (مت 12: 20)، وفي حزمٍ بلا خداع أو مواربة يعلن الضعف لكي تتوب وتعود إلى كمال صحتها.

4. العلاج

"فأذكر من أين سقطت وتب، واعمل الأعمال الأولى، وإلا فإني أتيك عن قريب وأزحزح منارتك من مكانها إن لم تتب" [5].

هذا هو طريق العلاج: تب واعمل...

وكما يقول القديس إيرونيموس: [أننا جميعنا معرضون للسقوط. ولا يكون السقوط علامة أننا لم نكن يومًا ما قائمين أو معتمدين بالروح كما يدّعى البعض، كما أن السقوط لا يستدعى إعادة المعمودية بل أن نتوب ونعمل.]

وبدون التوبة تنهار منارتنا لهذا يسرع الرب فينذر معنفًا بشدة إذ لا يحتمل أن يرى منارة أولاده تتزحزح من مكانها.

وينتقل الرب من التوبيخ إلى الملاطفة بإظهار أعمال صالحة للكنيسة قائلاً:

"ولكن عندك هذا أنك تبغض أعمال النيقولاويين، التي أبغضها أنا أيضًا" [6].

إنه يفرح برؤية عروسه تبغض ما يبغضه هو، وتحب ما يحبه، تشاركه تصرفاته ومشاعره وفكره، مقتفية آثار خطواته.

أما بدعة النيقولاويين فهي:

أ. يقول القديس إيريناؤس: [النقولاويون هم أتباع نيقولا أحد الشمامسة السبع (أع 6: 5)، وهؤلاء يسلكون في الملذات بلا ضابط ويعلِّمون بأمور مختلفة كإباحة الزنا وأكل المذبوح للأوثان.]

ب. يبرئ القديسان إكليمنضس السكندري وأغسطينوس نيقولاوس من البدعة وينسبانها لأتباعه.

ج. يرى العلامة ترتليان وايرونيموس أنه لما أُختير للشموسية امتنع عن الاتصال بزوجته، وبسبب جمالها عاد إليها. ولما وبَّخوه على ذلك انحرف في البدعة إذ أباح الزنا.

د. يرى آخرون أنه كان يغير على زوجته جدًا بسبب جمالها، فلما ذمَّه البعض بسبب شدة تعلقه بها أراد أن يظهر العكس، فأباح لمن يريد أن يأخذها، فسقط في هذه البدعة.

5. نصيحة للاستماع إلى قول الروح

"من له إذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس"، أي من يريد الإنصات لصوت الله فليسمع للروح القدس المتحدث للكنائس جميعًا، لأن ما يقوله لكنيسة ما يحدث به الكل. وماذا يقول؟ يجيب العلامة ترتليان: [الله يقول دوما توبوا.]

6. المكافأة

"من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله" [7].

القلب الفاتر في حبه قلب جائع، لذلك يحتاج إلى الشبع من الرب "شجرة الحياة"، فهو المشبع للقلب والشافي له (رؤ 22: 2) وهو المكافأة المقدمة للغالبين.

كلما اختلى القلب بالرب وتأمل في الأبديّة الخالدة التهب القلب حبًا وشوقًا للعريس السماوي زاهدًا كل ما هو أرضي وزمني!

 

السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email
2. إلى ملاك كنيسة سميرنا

1. من هو؟

"واكتب إلى ملاك كنيسة سميرنا". وقد قيل إنه الأسقف بوليكربس. ويرى ابن العسال أنه الأسقف فليغاريوس تلميذ الرسول يوحنا.

2. وصف الرب

"هذا يقوله الأول والآخر، الذي كان ميتًا فعاش" [8].

إذ يكتب إلى كنيسة سميرنا المتألمة والتي كانت على أهُبًّة اضطهاد مرّ للغاية، أراد الرب أن يطمئنها أنه هو الأول والآخر الذي يضم خليقته فيه فلا يصيبها شيء بغير سماح منه، ولا يسمح لهم بشيء إلاّ ما هو لخيرهم. كما يذكرها أنه "كان ميتًا فعاش"، فإن كان قد مات من أجلها، كيف لا تحتمل الموت من أجله؟ إنه قَبِل الموت ليدوس الموت، واهبًا الحياة لمن يموت معه!

3. حال الكنيسة

إذ اتسمت الكنيسة بشدة الضيق الذي حلّ بها، لهذا يصفها قائلاً:

أ. "أنا أعرف أعمالك"، إن عيني لا تفارقانك وذلك كالفخاري الذي لا يُحوِّل عينيه عن الآنية التي في داخل الفرن حتى لا تحترق، وكالأب الذي يترك كل عمله لكي يلازم ابنه المتألم ساعة آلامه. فكلما اشتدّ الألم أعلن لنا الرب فيض اهتمامه بنا.

ب. "وضيقتك": إنني أعرف درجة الحرارة التي تناسبك، فلا أسمح بالضيقة إلاّ بالقدر الذي يناسبك لأجل خلاصك وبنيانك.

ج. "وفقرك": وربما كان الفقر بسبب مصادرة الدولة الرومانيّة ممتلكات المسيحيين. فالرب يعلم ما يحدث لأولاده حتى ولو صاروا في أشد حالات الفقر.

د. "مع أنك غني. وتجديف القائلين أنهم يهود وليسوا يهودًا، بل هم مجمع شيطان" [9]. وكما يقول ابن العسال: [أنه يعرف غناه بسبب ثروته بالفضائل وثباته في الشدائد.] ويقول القديس إيرونيموس: [من يفتقر مع المسيح يصير غنيًا.] ويرى الأسقف فيكتورينوس أن الغِنى هنا يكمن في وجود أولاد للأسقف يرفضون "تجديف القائلين إنهم يهود"... فغِنى الأسقف هو استقامة إيمان أولاده واستقامة حياتهم، هذا الغِنى يريد الشيطان أن يسلبه عن طريق جماعة اليهود الأشرار الذين هم "مجمع الشيطان".

4. النصائح والإرشادات

"لا تخف مما أنت عتيد أن تتألم به. هوذا إبليس مزمع أن يلقي بعضًا منكم في السجن لكي تجربوا، ويكون لكم ضيق عشرة أيام" [10].

إذ غلبوا في حرب إبليس التي آثارها خلال اليهود الأشرار، يشجعهم الرب لقبول الضيق الذي تجتازه الكنيسة "عشرة أيام" أي العشرة اضطهادات الرومانيّة التي سجلها لنا التاريخ. كما أن رقم 10 يشير إلى الكثرة وعدم التحديد، كقول أيوب البار: "وهذه عشر مرات أخزيتموني" (أي 19: 3).

بماذا يشجعهم؟ "كن أمينًا إلى الموت، فسأعطيك إكليل الحياة" [10]. من أجل إكليل الحياة يقبل المؤمن كل ألم وضيق محتملاً أن يموت كل النهار ليبلغ "الحياة الأبدية" حيث لا يكون هناك موت!

"من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني" [11].

هذه هي وصية الروح أن يقبل الإنسان موت الجسد لكي لا يغلبه الموت الثاني، لأن موت الجسد فيه حياة الروح التي ستأخذ جسدها ممجدًا إلى الأبد.

يقول الأب أفراحات: [إنه يحق لنا أن نخشى الموت الثاني (رؤ 20: 14) المملوء بكاء وصرير الأسنان وتنهدات وبؤسًا، الأمور التي تخص الظلمة الخارجية.]

لكن طوبى للمؤمنين والأبرار في تلك القيامة إذ هم يتوقعون أن يستيقظوا ويتقبلوا المواعيد الصالحة التي جعلت لهم.

3. إلى ملاك كنيسة برغامس

1. من هو؟

"واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في برغامس". قيل أنه كريوس الذي ذكره يوسابيوس المؤرخ، وقد كان قويًا في الإيمان، وختم حياته بالاستشهاد.

2. صفات الرب

"هذا يقوله الذي له السيف الماضي ذو الحدين" [12].

إذ تركت الكنيسة بابها للغرباء وامتلأت بالعثرات في داخلها، يظهر الرب كديّان غيور يعزل بسيف حاد من هم له ومن هم غرباء حتى وإن دعوا أنفسهم مسيحيين.

إنه رب الكنيسة يبعث بكلمته كسيف ماض يعزل ما هو حق مما هو باطل، يبتر ما هو من الشيطان ويقطعه، وهذه هي فاعلية كلمة الله دائمًا!

3. حال الكنيسة

"أنا عارف أعمالك وأين تسكن حيث كرسي الشيطان، وأنت متمسك باسمي ولم تنكر إيماني حتى في الأيام التي فيها كان أنتيباس شهيدي الأمين، الذي قٌتل عندكم، حيث كرسي الشيطان يسكن" [13.]

يعرف الرب الظروف القاسية التي تجتازها هذه الكنيسة،إذ توجد حيث يقيم "الروح الشيطاني"، لهذا فإن الرعاية فيها صعبة ومؤلمة.

لكن أذكروا أن عندكم "أنتيباس الشهيد الأمين"،شاهدًا أنه يمكن للمؤمن أن يثبت إلى الموت من أجل الإيمان مهما تكن الظروف. قد حدثنا المؤرخ أندريا عن هذا الشهيد كشخصٍ معروف لديه وأنه استشهد حرقًا، وقد عرض عليه أن ينقذوه فأبى.

إذن في وسط الظروف القاسية يوجد من بينكم شهداء أشهد لهم عن أمانتهم.

"لكن عندي عليك قليل. أن عندك هناك قومًا متمسكين بتعليم بلعام الذي كان يعلم بالاق أن يلقي معثرة أمام بني إسرائيل أن يأكلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا. هكذا عندك أنت أيضًا قوم متمسكون بتعاليم النيقولاويين الذي أبغضه" [14-15].

كعادته يوبخ بحزم، لكن في لطف "عندي عليك قليل". أما تعليم النيقولاويين فقد سبق التعرض له. غير أنه في هذه الكنيسة بدأت جماعة تتقبل هذه التعاليم الغريبة دون أن تبلغ إلى تنفيذ المبادئ، وهؤلاء يعثرون الكنيسة كما أعثر بالاق الشعب قديمًا (عد 25: 1، 2، 3؛ 31: 16).

وهنا نلاحظ الآتي:

أ. يبدأ بالتوبيخ على أكل ما ذبح للأوثان قبل الزنا [14]. لأنه كما يقول لنا الآباء أن خطية النهم يتبعها حتمًا سقوط في الزنا.

ب. عندما يؤدب كنيسته على تعاليم النيقولاويين يكفيه أن يقول لها إن القوم متمسكون بما يبغضه. وهذا يكفي دون حاجة إلى مجادلة أو مباحثة لأنه يلزم ألا يتمسك بما يبغضه ولا تتراخى عما يحبه.

ج. يوبِّخ الرب الراعي بسبب القلة المنّحرفة، وكما يقول القديس أغسطينوس: [إننا (كأساقفة) نوبَّخ بسبب جرائم الأشرار، وليس بسبب جرائمنا، بالرغم من أن بعضًا منهم لا يعرفوننا.]

4. العلاج والمكافأة

"فتب وإلاّ فإني آتيك سريعًا وأحاربهم بسيف فمي. من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فسأعطيه أن يأكل من المنّ المخفي، وأعطيه حصاة بيضاء، وعلى الحصاة اسم جديد مكتوب لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ" [16-17].

يلتزم الأسقف أن يتوب سريعًا من أجل خطايا هؤلاء القلة وانحرافهم، لأنهم أولاده وهو مسئول عنهم أمام الله. أما مكافأة الغلبة على هذه العثرات فهي أكل المنّ المخفي!

يا للعجب أن الله يقدم لنا جسده ودمه الأقدسين، المنّ السماوي (يو 6: 49-51)، لنتناوله عربونًا. إنه يمتعنا ونحن على الأرض بغذاء الغالبين السماوي.

يا لها من مكافأة عظيمة ينالها الكاهن والشعب عندما يتقدمون بعد جهاد طويل وأتعاب في الحياة ومثابرة في العبادة لينعموا بجسد الرب السرائري، وكأس الخلاص، في وحدة الحب للشركة والثبوت في الله!

وفي نفس الوقت بتناول هذا المنّ تبتهج النفس فتعوف كل تعليم غريب يقدم لذات أرضيّة وإباحيات كتعليم النيقولاويين. لهذا تحرص الكنيسة أن تغذي أولادها منذ طفولتهم بالمنّ المخفي كمكافأة لهم وكدواء.

هذا عن المنّ المخفي. أما الحصاة البيضاء فكما يقول القديس إيرونيموس إنها جوهرة تضيء ليلاً كضياء النهار، وهو بهذا يشير إلى الكلمة المتجسد. هذا هو مكافأتنا لا نقبل عنها بديلاً.

ويرى ابن العسال أن الحصاة أو الفص الأبيض يشير إلى الملكوت المكتوب عليه بلغة روحيّة جديدة لا يعرفها إلا أبناء الملكوت. ويرى البعض أنها الحصاة البيضاء التي كان يستخدمها القضاة الرومان واليونان لإعلان براءة المتهم. وظن البعض أنها أحد الحجارة الكريمة الموضوعة على صدر الحبر الأعظم (خر 28؛ لا 8).

أما الاسم الجديد فلا يعرفه إلا الذي يأخذ، لأن الفرح الداخلي السماوي "لا يشاركه غريب" (أم 14: 10)، ولا يدركه إلاّ من يحيا فيه ويتذوقه.

إذن المنّ المخفي والحصاة البيضاء والاسم الجديد هي إعلانات عن تمتع الغالب بالرب يسوع خبزنا السري وغنانا وفرحنا الذي فيه يستريح قلبنا.

ويرى الأسقف فيكتوريانوس أن: [المنّ المخفي هو الخلود، والحصاة البيضاء هي التبني لله، والاسم الجديد المكتوب على الحصاة هو "مسيحي".]


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 2 جـ3 PDF Print Email
4. إلى ملاك كنيسة ثياتيرا

1. من هو؟

"واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ثياتيرا"، وهو القديس إيريناؤس تلميذ القديس بوليكاربوس وثاني من فسر السفر. كان حارًا بالروح وقد أساءت إليه إيزابل كما سنرى.

2. وصف الرب

"هذا يقوله ابن الله الذي له عينان كلهيب نار، ورجلاه مثل النحاس النقي" [18.]

إذ تسللت إيزابل بين الشعب تبث سمومها، لهذا يقدم الرب نفسه عينين ملتهبتين حتى يتفطن الراعي لكل صغيرة وكبيرة تمس حياة أولاده، وكرجلين من نحاسٍ حتى يحطم بكل حزم كل شر.

يقول ذهبي الفم: [يلزم أن يكون الأسقف حذرًا، له ألف من الأعين حوله، سريع النظر، أعين فكره غير مظلمة.] يلزمه أن يكون متيقظًا جدًا، حارًا في الروح، كما لو كان يستنشق نارًا. يلزمه أن يكون حريصًا على الكل ومهتمًا بالجميع.

أما عن الحزم فيقول القديس الدرجي: [من يرعى الخراف يلزمه ألاّ يكون أسدًا ولا نعجة.]

3. حال الكنيسة

"أنا عارف أعمالك ومحبتك وخدمتك وإيمانك وصبرك وأن أعمالك الأخيرة أكثر من الأولى" [19].

هنا أيضًا يعرض محاسن الكنيسة الكثيرة وفضائلها ويكشف أنه لا ينسى أعمالها ومحبتها وخدمتها وإيمانها وصبرها ونموها المستمر. والعجيب أنه يضع الأعمال والمحبة والخدمة قبل الإيمان، لأن الله لا يقبل الإيمان النظري الجاف، ولا يميز الإيمان عن الأعمال أو العكس.

يعود الرب كعادته فيكشف الضعف قائلاً: "لكن عندي عليك قليل" وما هو هذا القليل؟ "أنك تسيب المرأة إيزابل التي تقول إنها نبيّة، حتى تعلم وتغوي عبيدي، أن يزنوا ويأكلوا ما ذبح للأوثان" [20]. ومن هي إيزابل هذه؟

أ. قيل إنها زوجة الأسقف كما جاء في النص اليوناني والسرياني "تسيب امرأتك إيزابل"، إذ اقتفت آثار إيزابل (1 مل 18: 19) مدعية أنها خادمة وهي تبث فكر النيقولاويين.

ب. أنها سيدة وثنية ادعت المسيحية، وأظهرت غيرة في العبادة، مما جعل الأسقف يستأمنها على بعض الخدمات في الكنيسة فصارت تفسد وتضلل.

ج. إنها سيدة مسيحية غنية، استخدمت غناها ونفوذها في التضليل.

د. يرى القديس أبيفانيوس أنها إشارة إلى تلميذات للمبتدع فنتانيوس وأسماؤهن: بريسكلا ومكسيملا وكنتيلا.

ه. إنها إشارة إلى جماعة من المبتدعين وقد دُعيَت إيزابل لمشابهتهم لها في الآتي:

أولاً: كما أفسدت إيزابل حكم آخاب، يفسد هؤلاء الأعمال الرعوية ببث الأفكار الغريبة.

ثانيًا: أنها كافرة ووثنية في فكرها الداخلي تدفع الآخرين تجاه الشر.

ثالثًا: أنها قاتلة للأنبياء وباغضة لهم.

رابعًا: تبث روح الزنا، إذ تفسد أذهان البسطاء وتدفعهم للزنا الروحي.

4. العلاج

أ. بالنسبة لإيزابل وعشاقها: "وأعطيتها زمانًا لكي تتوب عن زناها ولم تتب" [21].

يا لطول أناة الله! رغم ما صنعته من شرور في داخل الكنيسة مفسدة أذهان الكثيرين، لكنه كأب يهبها فرصًا للتوبة، وربما أطال في عمرها لعلها في شيخوختها تتفطن للحق لكنها كانت مصرة على الشر.

لهذا يؤدبها بالمرض قائلاً: "ها أنا ألقيها في فراش، والذين يزنون معها في ضيقة عظيمة، إن كانوا لا يتوبون عن أعمالهم". ليس لأجلها هي وأولادها بل ولأجل الباقين حتى لا ينحرفوا معها إذ يقول: "وأولادها اقتلهم بالموت، فستعرف جميع الكنائس إني أنا هو الفاحص الكلى والقلوب، وسأعطي كل واحد حسب أعماله" [22-23].

وهذا عربون ما ينالونه في يوم الدينونة كقول الرسول: "أم تستهين بغنى لطفه وطول أناته غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة. ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة. الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله" (رو 2: 4-6).

ب. بالنسبة للباقين: "ولكنني أقول لكم وللباقين في ثياتيرا".

"الواو" قبل "للباقين" ليست للعطف بل للاختصاص، فكأنه يقول "أقول لكم أنتم الباقين في ثياتيرا الذين ليس لهم هذا التعليم" أي لم يسيروا وراء إيزابل.

أما قوله "والذين لم يعرفوا أعماق الشيطان كما يقولون" فسببه أن الغنوسيين المبتدعين ادعوا معرفة الأمور الإلهية أكثر من غيرهم، كما نادوا بضرورة اختبار حياة الشر والخير حتى يتعرف الإنسان على أعماق الشيطان.

هؤلاء الباقون يحدثهم قائلاً: "إني لا ألقي عليكم ثقلاً آخر. وإنما الذي عندكم تمسكوا به إلى أن أجيء" [24-25]. وكما يقول الأسقف فيكتورينوس إنه لا يقدم لهم شرائع أخرى وواجبات كحمل أثقل. يكفيهم أن يتمسكوا بها عندهم حتى يجيء الرب. إنه بهذا يعلن لهم حبه أنه لا يريد الإثقال عليهم، كما يحثهم على المثابرة إلى النهاية.

5. المكافأة

إن مقاومة الأسقف لإيزابل وأتباعها قد يسبب إزعاجًا في الكنيسة، وربما يظن البعض أن مركز الأسقف يهتز، لكن الرب يؤكد العكس قائلاً: "ومن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية، فسأعطيه سلطانًا على الأمم، فيرعاهم بقضيبٍ من حديدٍ كما تكسر آنية من خزف، كما أخذت أنا أيضًا من عند أبي" [26-27].

هذا السلطان يوهب للأسقف بالرب يسوع الذي خاطبه الآب قائلاً: "اسألني، فأعطيك الأمم ميراثك لترعاهم بقضيب من حديد/ ومثل آنية الفخار تسحقهم" (مز 2).

وإذ يقاوم أعمال إيزابل إلى النهاية بغير كلل ولا خوف، يتمتع بالرب يسوع نفسه كوعد الرب "وأعطيه كوكب الصبح" [28] الذي يبدد أعمال إيزابل المظلمة.

وكما يقول الأسقف فيكتورينوس: [لقد وعد بكوكب الصبح الذي ينزع الليل ويعلن النور، أي بداية النهار.]

يكفي لمن يبتر الشر أن يتمتع بربنا يسوع الكوكب المنير (رؤ 22: 16).

1 اكتب الى ملاك كنيسة افسس هذا يقوله الممسك السبعة الكواكب في يمينه الماشي في وسط السبع المناير الذهبية
2 انا عارف اعمالك و تعبك و صبرك و انك لا تقدر ان تحتمل الاشرار و قد جربت القائلين انهم رسل و ليسوا رسلا فوجدتهم كاذبين
3 و قد احتملت و لك صبر و تعبت من اجل اسمي و لم تكل
4 لكن عندي عليك انك تركت محبتك الاولى
5 فاذكر من اين سقطت و تب و اعمل الاعمال الاولى و الا فاني اتيك عن قريب و ازحزح منارتك من مكانها ان لم تتب
6 و لكن عندك هذا انك تبغض اعمال النقولاويين التي ابغضها انا ايضا
7 من له اذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس من يغلب فساعطيه ان ياكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله
8 و اكتب الى ملاك كنيسة سميرنا هذا يقوله الاول و الاخر الذي كان ميتا فعاش
9 انا اعرف اعمالك و ضيقتك و فقرك مع انك غني و تجديف القائلين انهم يهود و ليسوا يهودا بل هم مجمع الشيطان
10 لا تخف البتة مما انت عتيد ان تتالم به هوذا ابليس مزمع ان يلقي بعضا منكم في السجن لكي تجربوا و يكون لكم ضيق عشرة ايام كن امينا الى الموت فساعطيك اكليل الحياة
11 من له اذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني
12 و اكتب الى ملاك الكنيسة التي في برغامس هذا يقوله الذي له السيف الماضي ذو الحدين
13 انا عارف اعمالك و اين تسكن حيث كرسي الشيطان و انت متمسك باسمي و لم تنكر ايماني حتى في الايام التي فيها كان انتيباس شهيدي الامين الذي قتل عندكم حيث الشيطان يسكن
14 و لكن عندي عليك قليل ان عندك هناك قوما متمسكين بتعليم بلعام الذي كان يعلم بالاق ان يلقي معثرة امام بني اسرائيل ان ياكلوا ما ذبح للاوثان و يزنوا
15 هكذا عندك انت ايضا قوم متمسكون بتعاليم النقولاويين الذي ابغضه
16 فتب و الا فاني اتيك سريعا و احاربهم بسيف فمي
17 من له اذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس من يغلب فساعطيه ان ياكل من المن المخفى و اعطيه حصاة بيضاء و على الحصاة اسم جديد مكتوب لا يعرفه احد غير الذي ياخذ
18 و اكتب الى ملاك الكنيسة التي في ثياتيرا هذا يقوله ابن الله الذي له عينان كلهيب نار و رجلاه مثل النحاس النقي
19 انا عارف اعمالك و محبتك و خدمتك و ايمانك و صبرك و ان اعمالك الاخيرة اكثر من الاولى
20 لكن عندي عليك قليل انك تسيب المراة ايزابل التي تقول انها نبية حتى تعلم و تغوي عبيدي ان يزنوا و ياكلوا ما ذبح للاوثان
21 و اعطيتها زمانا لكي تتوب عن زناها و لم تتب
22 ها انا القيها في فراش و الذين يزنون معها في ضيقة عظيمة ان كانوا لا يتوبون عن اعمالهم
23 و اولادها اقتلهم بالموت فستعرف جميع الكنائس اني انا هو الفاحص الكلى و القلوب و ساعطي كل واحد منكم بحسب اعماله
24 و لكنني اقول لكم و للباقين في ثياتيرا كل الذين ليس لهم هذا التعليم و الذين لم يعرفوا اعماق الشيطان كما يقولون اني لا القي عليكم ثقلا اخر
25 و انما الذي عندكم تمسكوا به الى ان اجيء
26 و من يغلب و يحفظ اعمالي الى النهاية فساعطيه سلطانا على الامم
27 فيرعاهم بقضيب من حديد كما تكسر انية من خزف كما اخذت انا ايضا من عند ابي
28 و اعطيه كوكب الصبح
29 من له اذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

رسائل إلى ثلاث كنائس


في هذا الأصحاح يوجه رسائل:

5. إلى ملاك كنيسة ساردس 1 - 6.

6. إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا 7 - 12.

7. إلى ملاك كنيسة لاودكية 14 - 22.

5. إلى ملاك كنيسة ساردس

1. من هو؟

"واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ساردس" [1]،
يقال إنه القديس ميليتون.

2. وصف الرب

"وهذا يقوله الرب الذي له سبعة أرواح الله والسبعة الكواكب" [1].

لما كان الرب يعالج في هذه الكنيسة خطية "الرياء" لهذا يقدم لها نفسه "له سبعة أرواح الله"، أي الروح القدس الكامل في أعماله هو روحه، كما يقدم نفسه أن "له... السبعة الكواكب".

أ. هذا الروح يمسك بالإنسان فيبكته ويقدسه ويهيئه بإمكانيات إلهية للبلوغ به نحو العرس السماوي. به ننال التبني، وبه ننال الغفران. وبه نتمتع بالشركة مع الرب، وبه نتطعم في جسد الرب السري. وبه نوهب بركات تقوية من محبة وفرح وسلام ووداعة وتعفف (غل 5: 22). هذا كله يفسد الرياء، بجذب النفس لاختلاس المجد الخفي والعشرة السرية مع الله وحده.

ب. "له السبعة الكواكب"، أي "له كل الأساقفة" وكأنه يحرك في الأسقف هذا الشعور بملكية الله له ليقول هو أيضًا "الأساقفة كلهم لك. وأنت لنا يا الله"... "أنا لحبيبي وحبيبي لي"!

3. حال الكنيسة

"أنا عارف أعمالك أن لك اسمًا أنك حي وأنت ميت" [1].

يا للخطورة! عندما يشهد الناس لكنيسة ما أنها حية ذات اسم وصيت لكنها في الحقيقة ميتة، لأنها تهتم بأمور كثيرة بعيدة كل البعد عن رسالتها، ألا وهي "تمتع أولادها بربنا يسوع".

4. العلاج

"كن ساهرًا وشدد ما بق]، الذي هو عتيد أن يموت، لأني لم أجد أعمالك كاملة أمام الله" [2].

يقول الأسقف فيكتورينوس: [إن الفئة الخامسة تمثل أناسًا مهملين يقومون بأعمال غير ما ينبغي القيام به. إنهم مسيحيون بالاسم، لهذا يحثهم بكل وسيلة أن يرتدوا عن أعمالهم لكي يخلصوا.] وكيف يتركون الإهمال؟

أ. بالسهر: فإذ ينتظر مجيء الرب لا يبالي بمديح الناس بل يسهر لملاقاته.

ب. "شدد ما بقى، الذي هو عتيد أن يموت". فالرياء هو العدو المهلك للحياة الروحية، متى سرى في إنسان أفسد كل عبادته. لهذا يليق بالشخص أن يسرع لينقذ نفسه المحتضرة العتيدة أن تموت بأعمال البرّ الذاتي.. الأعمال الكاملة في نظر الناس لا الله.

ج. تذكر احسانات الله علينا: "وأذكر كيف أخذت وسمعت وأحفظ وتب"، حافظين له حقه، عالمين أن كل صلاح فينا ليس لنا فضل فيه، بل هو منه، تائبين عن حبنا لتكريم الناس لنا.

د. تذكر يوم الدينونة: فمن لا ينجذب بتذكر بركات الرب الموهوبة له يرتدع بالتهديد "فإني إن لم تسهر أُقدم عليك كلصٍ، ولا تعلم أي ساعة أقدم عليك" [3].

وفي الوقت الذي فيه يقدم يوم الرب على المرائين كلصٍ، يكون بالنسبة لمن لم ينجسوا عواطفهم ومشاعرهم وحواسهم وغاياتهم بالرياء كيوم زفاف، إذ يقول له: "عندك أسماء في ساردس لم ينجسوا ثيابهم فسيمشون معي في ثياب بيض، لأنهم مستحقون. من يتب فذلك سيلبس ثيابًا بيضًا، ولن أمحو اسمه من سفر الحياة، وسأعترف باسمه أمام أبى وأمام ملائكته. من له أذن، فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" [4-6].

إنه يعرفهم بأسمائهم، محفوظين في سفر الحياة.. يعترف بهم الرب أمام ملائكته. يلبسون ثيابًا بيضًا. أما يكفينا هذا كله لكي نرفض كل مجدٍ باطلٍ في هذا العالم!

6. إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا

1. من هو؟

"واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في فيلادلفيا"، قيل إنه الأسقف كوذرانوس، غير أن القديس إيرونيموس يقول بأن هذا الأب كان أسقفًا على أثينا وليس على فيلادلفيا.

2. وصف الرب
أ. إذ اتسمت هذه الكنيسة بالتراخي في العمل، لهذا يقدم الرب نفسه لها قائلاً: "هذا يقوله القدوس" [7]. وأنه يكفي للمخلوقات الحية الأربعة (رؤ 4) أن تدرك في الرب أنه قدوس لتسجد له على الدوام ليلاً ونهارًا بلا ملل. وما أن يسمع الأربعة والعشرون قسيسًا السمائيون الأربعة مخلوقات الحية يقولون "قدوس، قدوس، قدوس" حتى يقوموا من على كراسيهم ويخلعوا أكاليلهم، ويلقونها عند رجليه ساجدين. وهم يصنعون هذا منذ خلقتهم إلى يومنا هذا ويبقون هكذا إلى الأبد في شوق وهيام نحو هذا القدوس لا يعرفون ماذا يقدمون له.

هكذا عندما يدرك الإنسان حقيقة قداسة الله يلتهب بنيران الحب المتأججة نحو عبادة الرب والسجود له وخدمته بلا ملل!

ب. يقدم نفسه على أنه "الحق"، حتى تترك هذه الكنيسة تراخيها لتسلك طريق الحق.

ج. يقدم لها نفسه "الذي له مفتاح داود، الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح". هذا الوصف الذي سبق أن أعلنه إشعياء في ألياقيم رمز المسيح (22: 21). وكأن الرب يشجع كنيسته قائلاً: لماذا تتراخين في العمل وأنا وحدي أفتح لكِ أبواب السماء، وأغلق عليكِ، فلا يقترب منك إبليس. أما المفتاح الذي به يفتح فهو:

أ. يرى القديسان كيرلس الكبير وإيرونيموس أنه سلطان الحل والربط الذي وهبه الرب لعروسه خلال تلاميذه (مت 16: 19).

ب. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه الصليب الذي به يفتح لنا الرب باب الفردوس، ويدخلنا الملكوت كما يغلق به في وجوهنا الجحيم وجهنم.

ج. يرى القديس غريغوريوس صانع العجائب أن هذا المفتاح هو فهم الكتاب المقدس وخاصة النبوات، لأن روح المسيح الذي كتب النبوات هو وحده القادر أن يوضحها ويكشفها.

3. حال الكنيسة

"أنا عارف أعمالك، وهأنذا قد جعلت أمامك بابًا مفتوحًا، ولا يستطيع أحد أن يغلقه، لأن لك قوة يسيرة، وقد حفظت كلمتي ولم تنكر اسمي" [8].

بالرغم مما اتسمت به هذه الكنيسة من تراخٍ في العمل، لكنه يعرف أعمالها القليلة ولا ينساها. إن كل صلاة مهما بدت فاترة، وكل صدقة، وكل مثابرة مهما بدت هينة لا يتجاهلها الله، جاعلاً باب الخلاص مفتوحًا أمامنا. من أجل القليل يقدم الله الكثير.

ولعل الباب المفتوح هنا هو باب الخدمة الفعال (1 كو 16: 9)، فإذ كانت له قوة يسيرة في الكرازة والرعاية يهبه الله قوة للخدمة غير ناسٍ أنه حفظ كلمته ولم ينكر اسمه، من أجل هذا يقول له:

"هنذا أجعل الذين من مجمع الشيطان، من القائلين أنهم يهود وليسوا يهودًا، بل يكذبون. هانذا أصيرهم يأتون ويسجدون أمام رجليكِ، ويعرفون أني أنا أحببتك. لأنك حفظت كلمة صبري، أنا أيضًا سأحفظك من ساعة التجربة العتيدة أن تأتى على العالم كله لتجرب الساكنين على الأرض [9-10].



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email
بالرغم من ضعف الجهاد لكن الله لا ينسى هذا التعب. من أجل هذا يعطيه الرب نعمة فيحطم قوة الشيطان التي لبست مجمع اليهود كآلة في يده. وهنا يقدم لنا الرب مبدأين:

أ. المبدأ الأول أننا لسنا كفاة من أنفسنا للعبادة أو للخدمة لكن كفايتنا من الله (2 كو 3: 5). إننا بنعمة الله أكفاء وقادرون على تحطيم قوة الشر بكل شجاعة وثقة. نحن في ذواتنا "كأن لنا في أنفسنا حكم الموت لكي لا نكون متكلين على أنفسنا بل على الله الذي يقيم الأموات، لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفيةٍ ليكون فضل القوة لله لا منا" (2 كو 1: 9؛ 4: 7).

ب. المبدأ الروحي الثاني أننا نكون أمناء فيما بين أيدينا يهبنا الله الأمانة فيما يفوق طبيعتنا. نتحفظ من الشر قدر استطاعتنا، فيحفظنا الرب مما هو ليس بإرادتنا. نعمل بأمانة الآن، فيهبنا الله الأمانة في أشد لحظات الظلمة المقبلة.

4. العلاج والمكافأة

يتركز علاج التراخي في العمل في إدراك حقيقة مركز الإنسان وما أعده الله له في الحياة الأبدية بهذا يمتلئ رجاءً، فيعمل بفرح وثقة في غير يأس. لهذا يقول له الرب:

"ها أنا آتى سريعًا، تمسك بما عندك، لئلا يأخذ أحد إكليلك. من يغلب فسأجعله عمودًا في هيكل إلهي، ولا يعود يخرج إلى خارج، وأكتب عليه اسم إلهي، واسم مدينة إلهي، أورشليم الجديدة، النازلة من السماء من عند إلهي، واسمي الجديد. من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" [11-13].

بهذا الرجاء يحمس الرسول أولاده قائلاً "هكذا اركضوا لكي تنالوا، وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء. أما أولئك فلكي يأخذوا إكليلاً يفنى، وأما نحن فإكليلاً لا يفنى" (1 كو 9: 24-25).

إنه يعين رجاءنا بقوله: "ها أنا آتى سريعًا". فيليق بنا أن نتمسك بما عندنا من البركات التي نلناها، سالكين كما يليق كأبناء الله بالمعمودية وكهياكل مقدسة للروح القدس.

كما يحذرنا "لئلا يأخذ أحد إكليلك"، كما أخذ البشر إكليل الملائكة الساقطين، وأخذ يعقوب بركة عيسو (تك 25)، وأخذ يهوذا بركة رأوبين (تك 49)، وأخذ داود إكليل شاول، وأخذ متياس إكليل يهوذا، وأخذت الأمم البركة برفض اليهود.

وما هو إكليلنا أو رجاؤنا؟

أ. يصير الغالب "عمودًا في هيكل الآب". والعجيب أنه يدعو الآب "إلهي" مكررًا ذلك أربع مرات، مبينًا علاقة المسيح بالمؤمن الغالب في أبهي صورها، مظهرًا وحدة الحب اللانهائي حتى يدعو أباه معنا قائلاً عنه "إلهي". وهذا يكفي أن يكون إكليلنا. هذه الوحدة التي لا نستحقها ولا يقدر الفكر أن يتصورها!

ب. يقيمنا أعمدة حية في السماء، والأعمدة تشير إلى النصرة كما أقام المكابيون أعمدة على قبورهم وهم ينقشون عليها أسماءهم (1 مك 13: 29). ويرى الأسقف فيكتورينوس أن الأعمدة هي زينة البناء، لهذا يكون الرعاة الغالبون هم زينة المؤمنين في السماء في يوم الرب العظيم. وقد دعا الرسول بولس يعقوب ويوحنا وبطرس أعمدة الكنيسة (غلا 2: 9) ودعا "كنيسة الله الحي عمود الحق وقاعدته" (1 تي 3: 15).

ج. لا يعود يخرج إلى خارج. كالعمود الذي يرتكز عليه البناء، وكابن يبقى إلى الأبد (يو 8: 35)، هكذا يكون حال الغالبين في الأبدية.

وكما يقول القديس أغسطينوس: [من لا يشتاق إلى المدينة التي لا يخرج منها صديق ولا يدخلها عدو!]

د. ينقش على العمود ثلاثة أسماء هم المنتصرون المخفيون:

أولاً: اسم الآب، فإن كل نصرة تسندها محبة الله وتدبيره الخفي.

ثانيًا:
اسم مدينة الله، أورشليم الجديدة النازلة من السماء. المدينة المنتصرة على كل قوى الشر، وهي تبقى منتصرة إلى الأبد لا تصيبها عوامل زمنية ولا يهاجمنا عدو بعد.

ثالثا:
اسم السيد المسيح الجديد، وربما يكون الاسم "الحمل" إذ يتكرر في سفر الرؤيا حوالي 28 مرة، لكن على أي الأوضاع سيسجل على كل مؤمن اسم الرب، ليس بلغة بشرية، بل بالوحدة الخفية والرباط الأبدي بيننا وبينه كأعضاء في جسده.

ويبقى اسم الرب جديدًا في تذوقنا له في الأبدية، لا يشيخ ولا يمل المؤمن من التلذذ بنطقه والاستمتاع بحلاوة عذوبته.

7. إلى ملاك كنيسة لاودكية

1. من هو؟

"اكتب إلى ملاك كنيسة اللاودكيين" [14]، وهو أوريليوس أو الشهيد سفاريوس الذي امتدحه يوسابيوس.

2. وصف الرب

"هذا يقوله الأمين الشاهد الأمين، الصادق، بداءة خليقة الله" [14]. يقدم الرب نفسه للكنيسة التي اتسمت بـ "الفتور الروحي" بهذه الصفات ليسندها:

أ. الآمين:
وهي غير "الأمين"، وتعنى "الحق"، وقد وُصف الله بذلك كما في (إش 65: 16) إن في الرب يسوع "النعم، وفيه الآمين، لمجد الله بواسطتنا" (2 كو 1: 20)، لهذا فإن الكنيسة المتحدة بمسيحها تعمل به، فيكون فيها أيضًا النعم وفيها الآمين، أي متسمة بالحق، شاهدة له بلا فتور، لمجد الله.

ب. الشاهد الأمين الصادق: وفي اليونانية تعنى "الشهيد". وكما شهد الرب للآب شهادة صادقة أمينة عملية فشهد بالكلام إذ هو "المعلم الحقيقي"، وبالسلوك إذ هو "أبرع جمالاً من بنى البشر"، وبالحب إذ "بذل نفسه على الصليب"، هكذا أرسل تلاميذه قائلاً: "وتكونون لي شهودًا" (أع 1: 8). بنفس الشهادة الصادقة التي له.

والشاهد الأمين لا يدخر جهدًا في إبراز الحق وإعلان ما رآه وسمعه مهما كلفته شهادته.

ج. بداءة خليقة الله: والترجمة للكلمة اليونانية تعنى "رأس"، أي لها حق الإدارة والتدبير والعمل، فلا يكف عن الاهتمام بخليقته. إنها رئاسة حب عامل، إذ قيل عنه: "وإياه جعل رأسًا فوق كل شيء للكنيسة التي هي جسده، ملء الذي يملأ الكل في الكل" (أف 1: 22-23) يهَب لجسده نموًا في كل شيء. فكيف يعمل الرأس هذا كله ويبقى الجسد أو أحد أعضائه خاملاً! إذن كل فتور روحي هو إهانة موجهة للرأس مباشرة!

3. حال الكنيسة

"أنا عارف أعمالك، أنك لست باردًا ولا حارًا. ليتك كنت باردًا أو حارٌا. هكذا لأنك فاتر ولست باردًا ولا حارًا أنا مزمع أن أتقيأك من فمي" [15-16].

وماذا يعنى بالبارد والحار والفاتر؟

الرأي الأول: البارد هو غير المؤمن الغارق في الشر، والحار هو المؤمن الملتهب بنيران محبة الله، وأما الفاتر فكما يقول الأسقف فيكتورينوس: [إنه ليس بغير مؤمن ولا مؤمن، بل هو كل شيء لكل أحد.] يحيا بلا مبدأ بارد مع الباردين، وحار مع الحارين.

الرأي الثاني: البارد هو من يمتنع عن الخطية بدافع الخوف من العقاب، والحار هو من يمتنع عنها من أجل محبته للرب، وأما الفاتر فهو خالٍ من الخوف ومن الحب.

الرأي الثالث: يرى كاسيان أن الفاتر هو المتردد بين الفضيلة والرذيلة، يريد الفضيلة لكن يجبن عن الجهاد، ويكره التعب من أجلها.

الرأي الرابع: أن البارد هو من يدرك في أعماق نفسه ضعفه وسقطاته كالمرأة الزانية والعشار واللص وأنبا موسى الأسود ومريم المصرية. هذا سرعان ما يلتهب بالله "النار الآكلة"، ويصير إنسانًا حارًا بالروح. أما الفاتر فيغط في نوم عميق يظن في نفسه أنه بار وتلميذ للرب ومخلص ولا حاجة له بعد إلاّ أن يكرز ويبشر للآخرين دون أن ينحني ليسمع ويتعظ ويوبخ. يا له من مسكين لأنه مخدوع!

يقول يوحنا كاسيان: [رأينا كثيرين من الباردين رهبانًا وعلمانيين تحولوا إلى حرارة روحية، لكننا لم نرى فاترين صاروا حارين.]

ويقول أغسطينوس: [أنني أتجاسر فأقول أنه خير للمتكبرين أن يسقطوا في عصيان واضح مشهور حتى يحزنوا في نفوسهم لأن سقوطهم هو بسبب فرحهم بذواتهم. فبطرس كان في حال أفضل حين بكى وهو غير مكتفٍ بذاته عما كان عليه حين كان متجاسرًا معتدًا بذاته. هذا ما أكده المرتل الطوباوي بقوله: "املأ وجوههم خزيًا فيطلبون اسمك يا رب" (مز 83: 16).]

ويرى أغسطينوس أن الله سمح بفضيحة العذارى المؤمنات حين اقتحم البربر مدينة روما لأن هؤلاء كن قد أُصبن بالكبرياء فنزع الرب عنهن مديح الناس وسمح لهن بفقدان بتوليتهن لينحنين ويبكين فينزع عنهن فتورهن ويغتصبن المديح السماوي غير المنظور.

الرأي الخامس: وهو للأب دانيال وقد كتب مناظرته يوحنا كاسيان معالجًا موضوع "الفتور الروحي" من جميع نواحيه، موضحًا كيف أن الفتور يمكن أن يكون بسماح من الله لخيرنا، أو بسبب حرب شيطانية، أو بسبب إهمالنا التدريجي. كما عالج كل نوع على حدة، ومنعًا للتكرار أرجو الرجوع إليه.

أما عن خطورة الفتور فيظهر من قول الرب "أنا مزمع أن أتقيأك من فمي"
. الإنسان الفاتر لا يستريح في فم الله، ولا يطيق أن يسمع كلمته، كما لا يطيق الله أن يرى أحدًا فاترًا.

لهذا يقول القديس إيرونيموس أن المخلِّص لا يحب شيئًا بين بين (half and half).

كما يقول [بينما لا يشاء الله موت الخاطئ بل أن يتوب ويحيا فإنه يبغض الفاترين ويسببون له قيئًا سريعًا.]

ولماذا يتقيأ الله الفاترين؟ "لأنك تقول أني أنا غني وقد استغنيت، ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنك أنت الشقي والبائس وفقير وأعمى وعريان" [17].

1. الشعور بالغنى وبالتالي الاستغناء عن الله. إذ لا يدرك الفاتر ضعفه فلا يشعر بحاجته إلى برّ الله ونعمته فيصير كالفريسي المتكبر لا يدرى ماذا يحتاج من الله!

2. يظن أنه سعيد مع أنه خالٍ من الشركة السرية مع الله، وبالتالي فهو بائس إذ تزول يومًا ما كل عبادته المظهرية ويتكشف عريه وعماه وفقره وشقاؤه.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 3 جـ3 PDF Print Email
4. العلاج والمكافأة

أولا: "أشير عليك أن تشتري مني ذهبًا مصفي بالنار لكي تستغني" [18].

لا علاج للفتور إلا بالعودة إلى الرب للشراء منه... أي ينتزع الإنسان من ذاته التي يدور حولها، ليركز نظراته وقلبه تجاه الله ليشترب منه احتياجاته. وصعوبة هذا العلاج أن يتخلى الإنسان عن ذاته ليتقدم كمحتاج إلى الرب. والصعوبة الثانية أن الشراء "بلا فضة وبلا ثمن" (أش 55: 1) "متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح" (رو 3: 24).

وماذا يشتري؟

أ. يشتري الذهب المصفى بالنار، أي يقتني الإله المتجسد، ذاك الذي افتقر وهو غني لكي نستغني نحن به (2 كو 8: 9)، ذاك الذي احتمل نار الألم على الصليب ليغنينا بكل الفضائل الخفية.

ويرى ابن العسال أن الذهب هو الصبر المُقتنى بالآلام، كما أنه الحب الحقيقي الباذل الذي نناله بربنا يسوع.

ب. "وثيابًا بيضًا لكي تلبس، فلا يظهر خزي عريتك" [18]، ونحن في المعمودية لبسنا الرب يسوع. وهو وحده الذي ينزع عارنا ويسترنا ببره، إذ يهب الكنيسة "أن تلبس بزًا نقيًا لأن البز هو تبررات القديسين" التي هي من عمل نعمته.

ج. "وكحل عينيك بكحل لكي تبصر" [18].
وماذا يكون الكحل الذي يفتح العينين لترى أعماق كلمة الله وحكمته إلاّ الروح القدس الذي فتح أذهان التلاميذ ليفهموا الكتب! ويرى الأب غريغوريوس (الكبير) أنه هو التأمل في الوصايا الإلهية التي تنير العينين.

ثانيا: "إني كل من أحبه أوبخه وأؤدبه، فكن غيورًا وتب" [19]. فالفاتر متى تقبل تأديبات الله وتوبيخاته ينسحق قلبه بالتوبة، وينفتح أمام الله الذي يرجو الدخول فيه، إذ يقول "هانذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي، وفتح الباب، أدخل وأتعشى معه وهو معي [20]. وكأن الفاتر في ليل مظلم يريد الله أن يدخل لينير قلبه ويجعله مثمرًا فيجد فيه ثمرًا نفيسًا (نش 4: 16).

إنه يقترب من القلب كما اقترب من تلميذي عمواس، فكان يحدثهما، وإذ ألزماه أن يمكث معهما لأن النهار قد مال اتكأ معهما وانفتحت أعينهما وعرفاه (لو 24).

يا لحب الله فإنه يختفي وراء باب وصيته حتى كل من يفتح قلبه للوصية يتجلى الرب فيه. وكما يقول القديس مرقس الناسك: [يختفي الرب في وصاياه فمن يطلبه يجده فيها.]

وكما يقول القديس أمبروسيوس: [السيد المسيح واقف على باب نفسك، اسمعه يتحدث مع الكنيسة.]

إنه يقول "افتحي لي يا أختي يا حبيبتي، يا كاملتي، لأن رأسي امتلأ من الطل، وقصصي من ندى الليل" (نش 5: 2). وهو لا يقف وحده بل تسبقه الملائكة تقول "ارفعوا الأبواب أيها الملوك" وأية أبواب؟ يقول في موضع آخر: "افتح لي أبواب البرّ" (مز 118: 19). لنفتح له أبواب البرّ، أبواب الطهارة، أبواب الشجاعة والحكمة.

وما هي مكافأة فتح الباب للرب؟

"من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي، كما غلبت أنا أيضًا وجلست مع أبي في عرشه. من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" [21-22].

وجلوس الابن في العرش الإلهي هو أمر طبيعي، أما جلوسنا نحن فمن أجل وحدتنا بالرب وارتباطنا به، إذ نلنا به كل ما يشتهي الآب أن يقدمه لنا.

نحن لا نقدر أن نحتمل هذا المجد، لكن الابن له هذا المجد. تخلى عنه ثم عاد فأخذه لكي ننال نحن به غاية المجد الذي لا تحتمله البشرية.

شكرًا للابن الذي ترك كل شيء وصار كواحدٍ منا، حارب إبليس وانتصر وتكلَّل وتَمجَّد لكي به يصير لنا هذا كله فيه.

1 و اكتب الى ملاك الكنيسة التي في ساردس هذا يقوله الذي له سبعة ارواح الله و السبعة الكواكب انا عارف اعمالك ان لك اسما انك حي و انت ميت
2 كن ساهرا و شدد ما بقي الذي هو عتيد ان يموت لاني لم اجد اعمالك كاملة امام الله
3 فاذكر كيف اخذت و سمعت و احفظ و تب فاني ان لم تسهر اقدم عليك كلص و لا تعلم اية ساعة اقدم عليك
4 عندك اسماء قليلة في ساردس لم ينجسوا ثيابهم فسيمشون معي في ثياب بيض لانهم مستحقون
5 من يغلب فذلك سيلبس ثيابا بيضا و لن امحو اسمه من سفر الحياة و ساعترف باسمه امام ابي و امام ملائكته
6 من له اذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس
7 و اكتب الى ملاك الكنيسة التي في فيلادلفيا هذا يقوله القدوس الحق الذي له مفتاح داود الذي يفتح و لا احد يغلق و يغلق و لا احد يفتح
8 انا عارف اعمالك هنذا قد جعلت امامك بابا مفتوحا و لا يستطيع احد ان يغلقه لان لك قوة يسيرة و قد حفظت كلمتي و لم تنكر اسمي
9 هنذا اجعل الذين من مجمع الشيطان من القائلين انهم يهود و ليسوا يهودا بل يكذبون هنذا اصيرهم ياتون و يسجدون امام رجليك و يعرفون اني انا احببتك
10 لانك حفظت كلمة صبري انا ايضا ساحفظك من ساعة التجربة العتيدة ان تاتي على العالم كله لتجرب الساكنين على الارض
11 ها انا اتي سريعا تمسك بما عندك لئلا ياخذ احد اكليلك
12 من يغلب فساجعله عمودا في هيكل الهي و لا يعود يخرج الى خارج و اكتب عليه اسم الهي و اسم مدينة الهي اورشليم الجديدة النازلة من السماء من عند الهي و اسمي الجديد
13 من له اذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس
14 و اكتب الى ملاك كنيسة اللاودكيين هذا يقوله الامين الشاهد الامين الصادق بداءة خليقة الله
15 انا عارف اعمالك انك لست باردا و لا حارا ليتك كنت باردا او حارا
16 هكذا لانك فاتر و لست باردا و لا حارا انا مزمع ان اتقياك من فمي
17 لانك تقول اني انا غني و قد استغنيت و لا حاجة لي الى شيء و لست تعلم انك انت الشقي و البئس و فقير و اعمى و عريان
18 اشير عليك ان تشتري مني ذهبا مصفى بالنار لكي تستغني و ثيابا بيضا لكي تلبس فلا يظهر خزي عريتك و كحل عينيك بكحل لكي تبصر
19 اني كل من احبه اوبخه و اؤدبه فكن غيورا و تب
20 هنذا واقف على الباب و اقرع ان سمع احد صوتي و فتح الباب ادخل اليه و اتعشى معه و هو معي
21 من يغلب فساعطيه ان يجلس معي في عرشي كما غلبت انا ايضا و جلست مع ابي في عرشه
22 من له اذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

المشهد السماوي


هذا الأصحاح بمثابة "مشهد سماوي" يلهب قلب الكنيسة. فبالرغم مما تعانيه من أتعاب، أو تشعر به من ضعف وهوان، إلاّ أن نصيبها هو الثالوث القدوس الممجد من السمائيين، لهذا رأى الرسول:

1. السماء المفتوحة 1.

2. العرش الإلهي 2 - 3.

3. ما هو حول العرش الإلهي 4 - 11.

1. السماء المفتوحة

"بعد هذا نظرت وإذا باب مفتوح في السماء، والصوت الأول سمعته يتكلم معي قائلاً: اصعد إلى هنا، فأريك ما لا بد أن يصير بعد هذا!" [1]

كثيرًا ما يكرر "بعد هذا"، وهي لا تعنى تعاقبًا في الزمن، وإنما تعنى أنه قد انتقل إلى رؤية جديدة. وإننا نجد بعض الرؤى المتعاقبة تتحدث عن فترة زمنية واحدة في رؤى متعددة للتأكيد أو التوضيح أو الكشف عن جانب مغاير للجانب الأول.

فإذ ختم وصف حال الكنائس بالباب المغلق في وجه الرب، والرب مصمم على عدم مفارقته يسأل مُلحًا ويقرع متوسلاً أن تفتح له النفس قلبها ليدخل ويتعشى معها. تجد الرب يكشف لنا أن باب السماء "مفتوح" على الدوام في وجوهنا. كل من يصعد إليه، يدخل منه، ليعرف أسرار حب الله للبشر، ويدرك مقدار المجد المُعَد له، فتتوق نفسه أن يخلى ذاته عن كل ما هو أرضى، ليبقى على الدوام في السماويات.

ولكن من الذي يرى السماوات مفتوحة؟

يوحنا المنفي في بطمس، ويعقوب الهارب من وجه عيسو (تك 28: 12-13)، وحزقيال المسبي (حز 1: 1) وإسطفانوس المطروح للرجم (أع 7). في وسط الضيقات والمتاعب يكشف الله للنفس تعزياته لتتلذذ نفسه مبتهجة!

وما هي السماوات المفتوحة؟ يقول الأسقف فيكتورينوس: [إنها العهد الجديد الذي هو الباب المفتوح في السماء... إنه مفتوح بما فيه الكفاية، لأن السيد المسيح صعد بناسوته إلى الآب في السماء.]

لقد صعد الرب إلى السماء كغالب ومنتصر، وكما يقول القديس أمبروسيوس صعد متزينًا بغنائم مدهشة، لأن الداخل فيها ليس إنسانًا واحدًا بل دخل المؤمنون جميعًا في شخص المخلص.

لهذا لا يكف الرب عن التبويق بصوتٍ عالٍ قائلاً: "اصعد"...

2. العرش الإلهي

"للوقت صرت في الروح، وإذا عرش موضوع في السماء، وعلى العرش جالس" [2.]

ما أن نطق الرب بكلمة "اصعد" حتى صار الرسول "في الروح". وهكذا كل نفس تستمع للرب وهو يناديها تصعد في الحال مهما تكن رباطاتها وثقل جسدها.

وماذا رأى الرسول؟ رأى عرشًا وعليه يجلس "العظمة الإلهيّة"، ومن بهاء جلاله لم يعرف ماذا يلقب الله فدعاه "الجالس"، وهكذا فعل ما فعله إشعياء (6: 1) ودانيال (7: 3). إذ لم يقدر أحد أن يلقب الله باسم ما لأنه مبهر للغاية.

وقبل أن ندخل في تفاصيل ما رآه الرسول يجدر بنا أن نتوقف قليلاً لنتأمل وندهش من صنيع الرب العجيب. فإن ما رآه نجد له ظلالاً ورموزًا وأشباهًا في العهد القديم في خيمة الاجتماع وهيكل سليمان. ونجد له ما يطابقه في كنيسة العهد الجديد بكونها عربون السماء!

1. رأى الرسول عرشًا في السماء، وعلى العرش جالس، وكان لهذا رسم في القديم حيث كان تابوت العهد الذي في قدس الأقداس يشير إلى حلول الله.. أما اليوم فإننا نتمتع بالعربون، لأنه قائم وسطنا مذبح يتربع عليه الرب المصلوب هنا، نأكل جسده ونشرب دمه!

2. رأى 7 منائر ذهبيّة تقابل السبع سرج للمنارة في القديم، واليوم نستخدم السرج (القناديل) أمام هيكل الرب، لأنه حال في وسطنا فعلاً!

3. في السماء رأى بحرًا زجاجيًا [6] يقابله بحر النحاس (1 مل 7: 23)، واليوم نجد المعمودية التي بدونها لا يقدر إنسان أن ينال التبني ويرث الملكوت أو يعاينه!

4. في السماء نرى 24 قسيسًا من فئة كهنوتية سماوية. واليوم يفرز الله له كهنة يقدمون له بخورًا وصلوات باسمه!

5. يحمل العرش أربعة مخلوقات حية، يقابلها الكاروبين المظللين للتابوت، واليوم تحمل الأناجيل الأربعة الكنيسة وتصعد بها إلى حيث عرشه، تقدمها له عروسًا مقدسة.

6. في السماء سمع الرسول تسبحة الحمل والثلاث تقديسات وتسابيح متعددة، والكنيسة لا تكف عن الترنم بهذه التسابيح جميعها في كل يوم، بل منها تسابيح تترنم بها كل ساعة من ساعات صلواتها كتسبحة الثلاث تقديسات، لأنها لا تكف عن الاشتراك مع السمائيين في التسبيح!

7. وماذا نقول عن المجامر الذهبيّة والثياب البيض والهيكل والمذبح الخ. أقول بحق من يحيا في الكنيسة الحقيقية، كنيسة المسيح الرسولية، كما عاش فيها الآباء لن تكون السماء ولا تسابيحها ولا من بها ولا ما فيها غريبًا عنهم، لأنهم ذاقوا هنا واختبروا ورأوا وسمعوا وتمتعوا بعربون ما سيكون وقتئذ.

نعود مرة أخرى إلى الجالس على العرش لنرى:

"وكان الجالس في المنظر شبه اليشب والعقيق وقوس قزح حول العرش في المنظر شبه زمرد" [3].

إذ بُهر الرائي لم يعرف بماذا يصف أو يعبر، لهذا أكثر من قوله "شبه" أو "كما" أو "مثل". إنها تشبيهات لتعبر عما يختلج في نفس الرائي ما استطاع.

أ. رأى الرب في المنظر شبه اليشب والعقيق، وهما الحجران الكريمان (آخر وأول حجرين) اللذان يرصعان صدرة رئيس الكهنة (خر 28: 20، 17) وهذه الحجارة كانت تشير إلى الأسباط. وكأن الله يضع على صدره أصغر إنسان وأكبر إنسان، كل البشرية محفوظة في قلبه، لأنها عمل يديه.

ب. حجر اليشب غاية الشفافية يرمز لمجد الله (رؤ 21: 11)، ويشير إلى بهاء قداسته، وبساطة محبته للبشر فلن يحمل ضغينة ضد إنسان ولا يود الانتقام.

وحجر العقيق أحمر اللون كالنار يشير إلى رهبته وعدله.

وقوس القزح يحيط بالعرش من كل جانب. أينما تقابلنا مع الله رأينا العهد الذي ارتبط به مع الإنسان (تك 9)، إذ يود على الدوام أن يتصالح الكل معه. لهذا يقول الرسول: "كأن الرب يعظ بنا: تصالحوا مع الله".

هذا القوس له ألوان كثيرة تعلن عن إحسان الله ومواهبه المتعددة التي يمنحها لأولاده. وهو كقوس يشير إلى القوس الذي يستخدم في الحرب مدافعًا عنا، لكن بغير سهم لأنه لا يحب سفك الدم، به نغلب الخطية وندوس على الشيطان.

وهذا القوس شبه الزمرد. وهي في صدرية الحبر الأعظم تشير إلى سبط لاوي، أي يشير هذا القوس المحيط بالرب إلى عمله الكهنوتي يشفع فينا بالدم الكريم.

والزمرد يميل إلى الخضرة لا يتأثر بالشمس أو الظل، وخضرته تبعث في النفس هدوءًا وسرورًا حتى أن نيرون كان يضعه قدامه عند تعذيبه للمسيحيين حتى لا تتأثر مشاعره، وهكذا كلما ارتفعت أنظارنا إلى العرش هدأت نفوسنا وامتلأت سلامًا وأدركنا دوام خضرته في عمله معنا.

3. ما هو حول العرش الإلهي

"وحول العرش أربعة وعشرون عرشًا، ورأيت على العروش أربعة وعشرون قسيسًا (شيخًا)، جالسين متسربلين بثياب بيض، وعلى رؤوسهم أكاليل من ذهب. ومن العرش يخرج بروق ورعود وأصوات. وأمام العرش سبعة مصابيح نار متقدة هي سبعة أرواح الله. وقدام العرش بحر زجاج شبه البلور" [4-5].

رأى الرسول يوحنا:

أ. الأربعة وعشرين قسيسًا:

كلمة "قسيس" أو "شيخ" في النص اليوناني تحمل معنى العمل الكهنوتي. لهذا منذ القرون الأولى لم تختلف الكنيسة في أمر هؤلاء بل أدركت سمو مركزهم كطغمة سمائية كهنوتية، لهذا رتبت لهم عيدًا تذكاريًا ورتبت لهم ذكصولوجية خاصة بهم، وتضعهم في مقدمة السمائيين بعد الأربعة مخلوقات الحية.

ولكن في وقت متأخر جدًا لما بدأت تظهر فكرة اختطاف الكنيسة قبل وقت الارتداد وظهور ضد المسيح، بدأ البعض يحاول تثبيت هذا الفكر بتأكيد أن الأربعة وعشرين شيخًا هم الكنيسة المختطفة وأن ما يصنعونه في السماء إنما هو عمل الكنيسة وقت اختطافها إلى حين عودتها مع الرب لتملك معه الألف سنة على الأرض.

لكننا نجد أن إخوتنا البروتستانت أنفسهم لا يهضمون هذا الفكر كقول القس إبراهيم سعيد إن البعض يراهم ملائكة من طغمة ممتازة يقودون العبادة في الأقداس السماوية، خاصة وأن يوحنا الرسول يخاطب أحدهم قائلاً: "يا سيد" (رؤ 7: 14)، وقد دُعي الملائكة شيوخًا كما في (إش 24: 23).


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email

ويمكننا أن نلمس مكانتهم في الكنيسة الأولى مما قاله عنهم القديس كيرلس الأورشليمي: [لقد أمرنا الآباء أن يهتم كل المسيحيين بتذكارهم لما شاهدوه من كرامتهم وعلو مجدهم، هؤلاء غير المتجسدين، لأنهم قريبون من الله ضابط الكل، وهم أمامه في كل حين يشفعون في الخليقة جميعها، صارخين مع الأربعة مخلوقات الحية قائلين: قدوس، قدوس، قدوس.

عظيم هو مجدهم أمام الرب أكثر من الآباء والأنبياء والرسل والشهداء والقديسين، لأن أولئك جميعهم مولودون من زرع بشري، أما هؤلاء الكهنة الروحانيين فسمائيون، ليس لهم أجساد يمكن أن تتدنس بالخطايا كالبشر.

ما أشرف هذه المكانة التي استحقوها! لأن الملائكة وكل بقية الطغمات السمائيّة واقفون أمام الديان العادل، وهؤلاء جلوس على كراسي نورانيّة لابسون حللاً ملوكيّة، وعلى رؤوسهم أكاليل مكرَّمة، وفي أيديهم مجامر ذهبيّة مملوءة صلوات القديسين، وفي أحضانهم جامات ذهبيّة، ويسجدون أمام الحمل الحقيقي، يسألونه غفران ذنوب البشر!

إنهم لا يفترون عن التسبيح والتهليل أمام رب الصباؤوت (الجنود) مع الأربعة المخلوقات الحية.

غير أنه يلزمنا كقول القديس أمبروسيوس ألاّ نتخيل العروش أو الجلوس عليها بصورة مادية، لأن هذه مجرد تعبيرات عن مقدار سموّ الكرامة والسعادة!

أما الثياب البيض فكما يقول ابن العسال تشير إلى بهائهم ومجدهم وبرّهم وقداستهم.

ويرى الأسقف فيكتورينوس أن هؤلاء القسوس هم كائنات سماوية، وفي نفس الوقت يرمزون لأنبياء العهد القديم الذين يحيطون بالرب معلنين بروح النبوة عن تجسده وآلامه وقيامته وصعوده.

والآن نترك الحديث عنهم إلى أن نعود إليهم أكثر من مرة خلال هذا السفر.

2. البروق والرعود والأصوات الخارجة من العرش:

إذ تخرج من العرش الإلهي لا نفهمها بصورة مادية، بل يبرق الله علينا بمواعيده السماويّة التي هي غاية كلمته بل وجوهرها. المواعيد العظمى التي يعلنها بالروح القدس في داخل النفس طولاً وعرضًا، فيتبعها دموع التوبة ورعد انسحاق القلب.

ومواعيد الله أو كلمته كالبرق الذي يراه الناس في حياة الكارز قبل أن يرعد به لسانه.

أمّا الرعود فهي تشير إلى عمل الروح في قلب المؤمن، إذ يبكته فيتزلزل جحوده وينكسر كبرياؤه.

أمّا وقد رعد القلب صارخًا نحو الرب إذا "بأصوات" خارجة من العرش، هي أصوات حنان الله ومحبته المعلنة على فم كاهنه: "الرب قد نقل عنك خطيتك!"

وهذا كله يتم في الكنيسة بالروح القدس، لهذا رأى الرسول وأمام العرش سبعة مصابيح نار متقدة هي سبعة أرواح الله" [5]. إنه روح الله الذي ينير الكنيسة ويعمل فيها خلال الأسرار السبعة من أجل مصالحتهم مع الله ونوالهم المجد الأبدي. هذا كله لن يتحقق إلاّ بالمعمودية، لذلك قال:

 
3. "وقدام العرش بحر زجاج شبه البلور"

لقد انتهي الرمز وزالت الظلال، فلم يعد "للمرحضة النحاسية والبحر النحاسي" (خر 30: 18-20؛ 1 مل 7: 39) وجود، وصار لنا "المعموديّة" التي بها ننال التبنّي، وبدونها لا نعبر إلى العرش الإلهي لأنها قدامه كبحر زجاجي شبه البلور، وبغيرها لا يعاين أحد ملكوت الله (يو 3: 5).

يقول الأسقف فيكتورينوس إن هذا البحر يشير إلى المعموديّة، إذ يلزم لكل من يرغب في الالتقاء بالجالس على العرش أن يخوضه، فتخترق نعمة الله داخل نفسه، ويتهيأ للملكوت. أما كونه شبه البلور فلأنه يليق بالمعتمدين أن يكونوا صارمين ثابتين.

إنها كبحر زجاجي لأن من يدخلها تنعكس عليه إشعاعات الجالس على العرش المضيء كالشمس، فيستنير بالرب ويلبس المسيح.

وهي كالبلور التي متى سقطت عليه أشعة شمس البرّ، أعطى ألوان الطيف، واهبًا للمعتمدين ألوانًا متعددة من المواهب والفضائل. تتجمع معًا لتكون لونًا شفافًا هو لون أشعة الشمس. هكذا يجتمع المؤمنون المعتمدون معًا مع اختلاف مواهبهم وفضائلهم، معطين صورة جميلة لمسيح واحد قدوس نقي!

وأكثر الألوان ظهورًا في ألوان الطيف التي تظهر بسبب البلور هي:

أ. اللون الأحمر، إذ بالمعمودية نتطهر بدم المسيح من كل خطايانا.

ب. اللون الأخضر، إذ بها نأتي بثمار خضراء كثيرة وبركات متعددة.

ج. اللون الأزرق، لأننا بها نصير سماويّين كقول القديس مقاريوس الكبير: [يرسل الرب إلى هنا روحه الخفيف النشيط الصالح السماوي وبواسطته يخرج النفس التي غطست في مياه الإثم ويصيرها خفيفة ويرفعها على جناحه تجاه أعالي السماء.]

4. المخلوقات الحية الأربعة:

"وحول العرش أربعة مخلوقات حية".

والحديث عن هذه الطغمة السمائيّة حلو ولذيذ للنفس، لأنه حديث عن المركبة الإلهيّة، الحاملة للعرش الإلهي. وهم طغمتا الشاروبيم والسيرافيم اللتان تطلب الكنيسة شفاعتهما على الدوام وتعيد لهما في 8 هاتور كعيد تذكاري، وتدعوهما "الغير متجسدين حاملي مركبة الله".

أ. كرامتهم: يقول عنهم القديس يوحنا الذهبي الفم: [أقول لكم يا أولادي الأحباء إنه ليس من يشبههم في كرامتهم لا في السماء ولا على الأرض، لأنهم حاملون عرش الله، ولا يستطيعون النظر إلى وجه الحي الأزلي: مخلوقون من نور ونار، أقوياء، أشداء جدًا يسألون الله أن يغفر خطايا البشر ويتحنن عليهم... إشعياء النبي رأى مجدهم ونطق بكرامتهم (6: 1-3). وحزقيال النبي نظر مجدهم ونطق بكرامتهم (1: 4-28). وداود العظيم في الأنبياء، أب الأنبياء، أب المسيح بالجسد، رأى كرامة هؤلاء الروحانيّين ونطق بمجدهم قائلاً في المزمور "طأطأ السموات ونزل وضباب تحت رجليه، ركب على كروب وطار وهف على أجنحة الرياح" (مز 18: 9-10).]

ب. بلا عروش ولا أكاليل مثل القسوس، لأن الرب إكليلهم وهم مركبته!

ج. "مملوءة عيونًا من قدام ومن وراء" [6]، وكما يقول ابن العسال إنها تشير إلى إدراكهم الأسرار الحاضرة والمقبلة التي يكشفها الرب.

د. "لكل واحدٍ منها ستة أجنحة"، وكما نسبح الرب قائلين له: [أنت هو القيام حولك الشاروبيم والسيرافيم، ستة أجنحة للواحد وستة أجنحة للآخر. فبجناحين يغطون وجوههم وباثنين يغطون أرجلهم، ويطيرون باثنين. ويصرخون واحد قبالة واحد منهم. يرسلون تسبحة الغلبة والخلاص الذي لنا بصوت ممتلئ مجدًا.]

هكذا يليق بالكاهن أن يتشبه بهم فيغطى وجهه بالحياء والرعدة، ويستر رجليه بالرجاء والثقة، ويطير قلبه بالحب والترنم أمام الرب المذبوح عنا!

وينصحنا القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [أنا أبوكم يوحنا المسكين. أسألكم يا أولادي الأحباء القسوس والشمامسة ألاّ تتقدموا إلى المذبح وأنتم غير أطهار، بل احفظوا أجسادكم ونفوسكم أنقياء إذا أردتم التقدم إلى الخدمة الطاهرة، فإنكم مثال السيرافيم السمائيّين، لأنهم لا يجسرون التطلع إلى وجه الله الحي، بل هم قيام ووجوههم إلى أسفل مغطاة بأجنحتهم! أيها الخدام إنكم تنظرون جسد ابن الله ودمه الزكي الموضوعين أمامكم على المذبح الطاهر وتلمسونه وتأكلونه وأنتم عارفون بعظم الكرامة اللائقة بهما، فينبغي عليكم أن تقفوا بوجوه فرحة وقلوب خائفة وأعين مطرقة إلى الأرض ورؤوس منكسة لأنكم مثال الشاروبيم والساروفيم الحاملين كرسي العظمة.]

ويقول أيضًا: [عندما تسمع عن السيرافيم أنهم يطيرون حول العرش في سموه ورفعته، ويُغطّون وجوههم بجناحين، ويسترون أرجلهم باثنين، ويصيحون بصوت مملوء رعدة، لا تظن أن لهم ريشًا وأرجل وأجنحة، فهي قوات غير منظورة... حقًا إن الله حتى بالنسبة لهذه الطغمات غير مدرك، ولا يقدرون على الدنو منه، لهذا يتنازل بالطريقة التي جاءت في الرؤيا، لأن الله لا يحده مكان ولا يجلس على عرش... وإنما جلوسه على العرش واحاطته بالقوات السمائيّة إنما هو من قبيل حبه لهم... وإذا ظهر جالسًا على العرش وقد أحاطت به هذه القوات لم تتمكن من رؤيته ولا احتملت التطلع إلى نوره الباهر، فغطّت أعينها بجناحين ولم يكن لها إلا أن تسبح وتترنم بتسابيح مملوءة رعدة مقدسة، وأناشيد عجيبة تشهد لقداسة الجالس على العرش. فحري بذلك الذي يتجاسر ليفحص عناية له التي لا تقدر القوات السمائيّة على لمسها أو التعبير عنها أن يختبئ مختفيًا تحت الآكام!]




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 4 جـ3 PDF Print Email


ه. شكلهم: إنهم قوات غير جسدانيّة ولا منظورة، لكنها ظهرت ليوحنا الحبيب كما لحزقيال النبي هكذا: "المخلوق الحي الأول شبه أسد، والمخلوق الحي الثاني شبه عجل، والمخلوق الحي الثالث له وجه مثل وجه إنسان، والمخلوق الحي الرابع شبه نسر طائر" [7].

أولاً: ترى الكنيسة أن الأول يشفع في حيوانات البرية، والثاني في حيوانات الحقل، والثالث في البشر والرابع في الطيور. أما الزواحف فليس لها ما يشبهها، لأن منها الحية التي لعنها الرب، ولا الحيوانات البحرية لأن البحر يشير إلى القلاقل، والسماء كلها هدوء وسلام!

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنهم روحانيّون، خلقهم الله وأقامهم وتوجهم بالبهاء والنور ثم جعلهم يطلبون في جنس البشر وسائر الخليقة من وحوش وبهائم وطيور السماء، لأنهم قريبون منه له المجد أكثر من سائر الروحانيّين السمائيّين.]


ثانيًا:
يرى القديس غريغوريوس النزينزى والعلامة أوريجينوس أن هذه الخليقة الحاملة للعرش تحمل معنى قوى النفس الأربعة التي تتقدس بحمل الله فيها وهي:

أ. القوى الغضبية ويشار إليها بشبه الأسد.

ب. الشهوانية ويشار إليها بشبه العجل.

ج. النطقية ويشار إليها بمن له كوجه إنسان.

د. الروحية ويشار إليها بشبه نسر طائر.

ثالثًا: ويرى القديس إيرونيموس أنها تحمل أيضًا إشارة إلى العمل الفدائي للرب.

أ. فمن له كوجه إنسان يشير إلى التجسد.

ب. ومن مثل العجل يشير إلى الذبح على الصليب.

ج. ومن مثل الأسد يشير إلى القيامة.

د. ومن مثل نسر طائر يشير إلى الصعود.

رابعًا: ويرى القديس إيريناؤس أنها تحمل أيضًا رمزًا إلى العمل الفدائي من جهة:

أ. من له كوجه إنسان يشير إلى التجسد.

ب. من مثل العجل يشير إلى طقس الذبيحة والكهنوت، إذ هو يشفع فينا.

ج. من مثل الأسد يشير إلى قوة عمله وسلطانه الملوكي وقيادته.

د. من مثل نسر طائر يشير إلى إرساله الروح القدس ليرفرف على كنيسته.

خامسًا: ويرى القديس إيريناؤس أنها تشير إلى الأناجيل الأربعة. كذلك الأسقف فيكتورينوس إذ يقول: [المخلوق الحي الذي يشبه الأسد يشير إلى مرقس الذي نسمع فيه صوت الأسد يصرخ في البرية (مر 1: 3). والذي في شكل إنسان هو متى الذي يجتهد في إعلان نسب العذراء مريم التي أخذ منها السيد المسيح جسدًا. ولوقا يروى كهنوت زكريا مقدمًا ذبيحة عن الشعب.. يحمل العجل. ويوحنا الإنجيلي كمثل نسر طائر يرفرف بجناحيه مرتفعين إلى الأعالي العظمى متحدثًا عن كلمة الله.]

وتمتاز هذه المخلوقات بالأجنحة. هكذا تحمل الأناجيل الأربعة أجنحة كثيرة إذ تحمل البشرية وتطير بها أمام العرش الإلهي مقدمة إياها كعروس مرتفعة نحو السماويّات.

إن القسوس حول العرش، أما المخلوقات الحية فحاملة العرش، هكذا كُتب الأنبياء حولنا تخبرنا عن الفداء، لكن الأناجيل ترتفع بنا، وتنقلنا إلى جو السماويات إلى العرش الإلهي. ولا غنى لنا عن هؤلاء أو أولئك.

و. تسبيحهم الدائم "ولا تزال نهارًا وليلاً قائلة: قدوس، قدوس، قدوس، الرب الإله القادر على كل شيءٍ الذي كان والكائن والذي يأتي. وحينما تعطى المخلوقات الحية مجدًا وكرامة وشكرًا للجالس على العرش الحي إلى أبد الآبدين. يخر الأربعة وعشرون قسيسًا قدام الجالس على العرش، ويسجدون للحى إلى أبد الآبدين، ويطرحون أكاليلهم أمام العرش قائلين: أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة، لأنك أنت خلقت كل الأشياء، وهي بإرادتك كائنة وخُلقت" [8-11].

يا له من منظر مبدع متى يا رب ننعم به ونراه!

المخلوقات الحية كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [يصرخون الليل والنهار بلا فتور يسبحون الحي الدائم قائلين قدوس قدوس قدوس.] ويمجدونه من أجل قدرته ومن أجل صنيعه معهم، ومع كل خليقته، خاصة البشر.

ولا يحتمل الأربعة وعشرون قسيسًا هذا المنظر حتى يقوموا من على كراسيهم، وينزعوا أكاليلهم ويطرحونها عند أقدام الرب، ويخروا قدامه من أجل عظمة استحقاقه وقداسته ومحبته وعنايته!

ويتكرر المنظر لا مرة ولا مرتين، ولا ألف ولا ألفين، ولا عشرات الربوات، بل يبقى هكذا إلى الأبد تهيم كل الخليقة في حب الله ولا تعلم ماذا تقدم له من أجل عظم بهائه ومن أجل كثرة صنيعه وحبه لنا.

والعجيب أن موضوع تسبيح السمائيّين هو "الغلبة والخلاص الذي لنا". يا للعجب! لقد كشف لنا سفر الرؤيا مقدار حب السمائيّين لنا، لأنهم يسبحونه عنا، أو يسبحونه لأجل عمله معنا!

كما فتح سفر الرؤيا للكنيسة بابًا جديدًا أخفي كل أعمالها في هذا الباب وهو تعليم أولادها "حياة التسبيح"، لأن هذه هي نغمة سفر الرؤيا، لغة السماء كلها.

لقد ذكر سفر الرؤيا حوالي 20 تسبحة، وكأنه يبوق لنا: "تعلموا لغة السماء... تهيأوا للشركة مع السمائيّين في عملهم".

وإنني لا أكون مبالغًا إن قلت أن ما في الكنيسة هو حمد وشكر وتسبيح:

أ. فلا تسمح بعمل القداس الإلهي الذي هو مكافأة الله لنا ونحن على الأرض، إلاّ بعد تقديم تسابيح طويلة بالليل وفي رفع بخور باكر كمدخل للشركة والثبوت في الرب بالتناول من جسده المحيى وشرب كأس الخلاص.

ب. يقام القداس الإلهي تسبحة شكر إذ هو "سرّ الشكر" نقبل فيه نعمة إلهيّة، بل واهب النعمة، لنثبت فيه وهو فينا. وكل القداس تسابيح متنوعة. لهذا يصرخ الكاهن في نهاية القداس قائلاً: "يا ملاك هذه الذبيحة الصاعد إلى العلو بهذه التسبحة أذكرنا أمام الرب".

ج. يختتم الشعب القداس بالترنم بمزمور التسبيح: "سبحوا الله يا جميع قديسيه".

د. بعد التناول يقول الشعب مترنمًا سرًا: "فمنا امتلأ فرحًا، ولساننا تهليلاً من جهة تناولنا من أسرارك المقدسة".

ه. بعدما يصرف الكاهن الشعب يدخل الكاهن إلى الهيكل، ويّقبل المذبح في قرونه الأربعه قائلاً: "صفقوا للرب يا جميع الأمم، لتباركه كافة الشعوب". وكأنه يدخل مصفقًا بيديه مسبحًا بقلبه، من أجل صنيع الرب مع كل البشرية.

و. في كل ساعة نصلي فيها إنما نقدم تسبحة تهليل للرب وحمد وشكر له، إذ نرنم قائلين مثلاً "تسبحة الساعة... من النهار المبارك، أقدمها للمسيح ملكي وإلهي وأرجوه أن يغفر لي خطاياي"... وماذا نجد في مزامير الأجبية أو السواعي إلا تهاليل وفرح وتصفيق وحمد وترنم!

ز. حتى في طقوس المناسبات الحزينة كأسبوع الآلام والصلاة على المنتقلين، تقدم الكنيسة ألحانًا غاية في الروعة، وتسابيح تبهج النفس الداخلية، وتملأها عزاء وسلامًا رغم حزن نغمتها!

س. وماذا تقدم الكنيسة المنتصرة في الفردوس إلا صلوات وتسابيح الحمد والشكر لله مع طلبات من أجلنا ومن أجل الأجيال القادمة!

إذن لنسلك بروح كنيستنا ولنرفع كل حين تسابيح الحمد التي علمتنا إياها الكنيسة والتي استقتها من الكتاب المقدس بعهديه أو من سفر التهليل والترنيم "المزامير" أو من تسابيح السماء الواردة في سفر الرؤيا أو من وضع الآباء بإرشاد روح الرب الخ. بهذا لا تكون السماء وتسابيحها غريبة عنا بل نكون قد تدربنا على لغتها ولمسنا روحها وعشنا في جوها.

1 بعد هذا نظرت و اذا باب مفتوح في السماء و الصوت الاول الذي سمعته كبوق يتكلم معي قائلا اصعد الى هنا فاريك ما لا بد ان يصير بعد هذا
2 و للوقت صرت في الروح و اذا عرش موضوع في السماء و على العرش جالس
3 و كان الجالس في المنظر شبه حجر اليشب و العقيق و قوس قزح حول العرش في المنظر شبه الزمرد
4 و حول العرش اربعة و عشرون عرشا و رايت على العروش اربعة و عشرين شيخا جالسين متسربلين بثياب بيض و على رؤوسهم اكاليل من ذهب
5 و من العرش يخرج بروق و رعود و اصوات و امام العرش سبعة مصابيح نار متقدة هي سبعة ارواح الله
6 و قدام العرش بحر زجاج شبه البلور و في وسط العرش و حول العرش اربعة حيوانات مملوة عيونا من قدام و من وراء
7 و الحيوان الاول شبه اسد و الحيوان الثاني شبه عجل و الحيوان الثالث له وجه مثل وجه انسان و الحيوان الرابع شبه نسر طائر
8 و الاربعة الحيوانات لكل واحد منها ستة اجنحة حولها و من داخل مملوة عيونا و لا تزال نهارا و ليلا قائلة قدوس قدوس قدوس الرب الاله القادر على كل شيء الذي كان و الكائن و الذي ياتي
9 و حينما تعطي الحيوانات مجدا و كرامة و شكرا للجالس على العرش الحي الى ابد الابدين
10 يخر الاربعة و العشرون شيخا قدام الجالس على العرش و يسجدون للحي الى ابد الابدين و يطرحون اكاليلهم امام العرش قائلين
11 انت مستحق ايها الرب ان تاخذ المجد و الكرامة و القدرة لانك انت خلقت كل الاشياء و هي بارادتك كائنة و خلقت



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 5 جـ1 PDF Print Email

السفر المختوم


بعدما كشف لنا عن المشهد السماوي يوضح لنا اهتمام السماء "بالسفر المختوم":

1. السفر المختوم 1 - 4.

2. فاتح السفر 5 - 14.

1. السفر المختوم

"ورأيت على يمين الجالس على العرش سفرًا مكتوبًا من داخل ومن وراء، مختومًا بسبعة ختوم" [1].

رآه الرسول عن يمين العظمة الإلهيّة، أي في مكان مُكرم لا يقدر مخلوق ما مهما بلغ سموه أن يفتحه أو حتى يلمسه. فماذا يكون هذا السفر؟

1. يقول ابن العسال: [إنه الدرج... والرمز بالسفر على احاطة العلم الإلهي بما في مضمونه، وثباته على ما سيأتي.]

2. ويقول الأسقف فيكتورينوس: [هذا السفر يعني العهد القديم الذي تسلمته أيدي ربنا يسوع المسيح الذي أخذ الحكم من الآب]، أي ليحقق النبوات الواردة فيه منذ تجسده إلى يوم مجيئه على السحاب للدينونة ومكافأته للأبرار وإدانته للأشرار.

3. ويرى العلامة أوريجينوس والقديس جيروم وطيخون الإفريقي أن السفر المختوم هو الكتاب المقدس بعهديه، إذ هو سفر واحد يعلن مقاصد الله ومحبته للبشر وتأديباته لهم.

وهو مكتوب من داخل ومن وراء، لأن معانيه الظاهرة تحمل في طياتها معانٍ عميقة.

والكتابة من داخل تشير إلى العهد الجديد الذي يدخل بالنفس إلى أعماق الشركة مع الله، والكتابة من وراء تشير إلى العهد القديم الذي هو بمثابة غشاء للعهد الجديد، إذ يحوى رموزًا وظلالاً ونبوات لا يفسرها إلاّ العهد الجديد.

أما سرّ ختمه بسبعة ختوم، فهو بسبب احتجاب معانيه ومفاهيمه عن فهم البشر بسبب اعتمادهم على حكمتهم البشرية، وكما يقول النبي: "توانوا وابهتوا، تلذذوا واعموا... وصارت لكم رؤيا الكل مثل كلام السفر المختوم الذي يدفعونه لعارف الكتابة، قائلين: اقرأ هذا، فيقول لا أستطيع لأنه مختوم" (إش 29: 9-11).

وقد فسّر القديس جيروم هذه الختوم في رسالته إلى الأسقف Paulinus بقوله: [ظهر في سفر الرؤيا كتاب مختوم بسبعة ختوم، هذا الذي متى سلمته لواحدٍ متعلمٍ قائلاً له: "اقرأ هذا"، يجيبك: "لا أستطيع لأنه مختوم!"

كم من كثيرين اليوم يظنون في أنفسهم أنهم متعلمون، لكن الكتاب المقدس بالنسبة لهم مختوم ولا يستطيع أحد أن يفتحه إلاّ بواسطة ذاك الذي له مفتاح داود، "الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح" (رؤ 3: 7).

هذا السفر هو الموضوع الشاغل للسماء كلها، إذ يقول الرسول: "ورأيت ملاكًا قويًا ينادي بصوت عظيم: من هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه؟" [2].

لقد أخذ ملاك من طغمة سماوية عالية بالمناداة لعله يجد من يفتح السفر ويفك ختومه، أي يكشف أسراره معلنًا مقاصده. إنه بلا شك يعلم أن هذا السفر يخص البشرية وخلاصهم وميراثهم مع تأديبهم، فمع أنه ملاك لا يطمع في مجد أعظم مما هو فيه، ولا يخاف أحداثًا تتم في السماء أو على الأرض لكن بروح سيده، روح الحب، يصرخ مشغولاً بنا مهتمًا بما يحدث لنا!

عجبًا من أولئك الذين يجعلون من الملائكة أرواحًا جامدة بلا مشاعر ولا محبة، وكأنهم قطع حجرية تخدم الله بلا حب، لكنهم بالحق محبون، عاملون بروح الرب.

ولعلنا ندرك محبة الملائكة لنا إذ نحس في نبرات هذا الملاك الألم، لأنه يتوق إلى أمر خلاصهم إذ "تشتهي الملائكة أن تتطَّلع عليها" (1 بط 1: 12)، كما يدرك أن في فتح السفر ابادة لموت البشر وبالتالي خلودهم في عدم فساد كقول الأسقف فيكتورينوس.

نادى الملاك من أجلنا، مشتاقًا أن نبلغ ما يكنّه قلب الله من حب إلهي، لكنه للأسف لم يجد من السمائيّين أو البشريين أو المنتقلين من هو مستحق أن يقرأ السفر أو حتى يطلع عليه. وهنا غُلب يوحنا الحبيب على أمره، فأخذ يبكي بكاء مرًا، مظهرًا ضعف الطبيعة البشرية.

2. فاتح السفر

"فقال لي واحد من القسوس (الشيوخ) لا تبكِ. هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ليفتح السفر، ويفك ختومه السبعة. ورأيت فإذا في وسط العرش والمخلوقات الحية الأربعة في وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح، له سبعة قرون، وسبعة أعين هي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض. فأتى وأخذ السفر عن يمين الجالس على العرش" [5-7].

قدم أحد السمائيّين المحبين تعزية لنفوسنا الخائرة التي لا تعرف سوى العجز والبكاء الكثير، بل وجهنا إلى"المعزي الحقيقي" قائلاً: "هوذا قد غلب الأسد". هنا ينبوع تعزية كل نفس مرهفة ومحطمة من اليأس والبكاء. إنه الأسد الغالب الذي وحده يفتح لنا السفر! إنه الغالب بحبه الأبدي، المعلن في تقديم نفسه حملاً ليُذبح عنا.

يقول الأسقف فيكتورينوس: [لم يوجد من هو مستحق أن يفعل هذا بين ملائكة السماء أو البشريّين على الأرض أو أرواح القديسين في الراحة، سوى السيد المسيح ابن الله وحده، ذاك الذي قال عنه إنه رآه حملاً قائمًا كأنه مذبوح له سبعة قرون.]

أما صفات فاتح السفر فهي:

1. أسد: وسرّ دعوته أسدًا ما يقوله القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد أشار البطريرك يعقوب إلى الصليب، قائلاً "جثا وربض كأسد، وكلبوة من ينهضه!" (تك 49: 9) فكما أن الأسد مرعِب لا في يقظته فحسب بل وفي نومه، هكذا السيد المسيح مخوف لا قبل الصليب فقط بل وعلى الصليب أيضًا. في لحظة الموت عينها كان مهوبًا... إذ صار الموت كلا شيء مبيدًا سلطانه.]

ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [يُدعى أسدًا لا لكونه مفترسًا للبشر بل علامة ملكه وثباته والثقة فيه. لقد دُعي أسدًا مقابل الأسد خصمنا الذي يزأر مفترسًا المنخدعين منه... فبكونه الأسد القوي الخارج من سبط يهوذا ينقذ المؤمنين محطمًا العدو.]

2. من سبط يهوذا أصل داود. إنه ذاك "الذي كتب عنه موسى والأنبياء" أنه من سبط يهوذا (تك 49: 9) وأصل داود. وقد دعا نفسه: "أنا أصل وذرية داود" (رؤ 22: 16)، لأنه خالق داود وصار له ابنًا بالجسد.

3. حمل قائم كأنه مذبوح، وقد دُعي بالحَمَل 29 مرة في هذا السفر، لأنه سفر الأبدية، فيه نهيم في حبه كفادٍ مندهشين من قوة الدم الذي رفعنا لا إلى مصاف السمائيّين فحسب، بل إلى أحضان الله نفسه! وكلمة "حمل" الواردة هنا جاءت في اليونانيّة تحمل معنى "حمل صغير حولي"، أي حمل الذبيحة الكفارية (خر 12: 7)، الذي حمل خطايانا في جسده على الصليب.

وهو "قائم" لا يكف عن العمل لتتميم خلاص كل أولاده، كالأب الذي لا ينام ولا يكف عن الحركة المستمرة عاملاً كل ما في وسعه لإنقاذ ابنه الوحيد المريض!

"قائم" كشفيعٍ كفاريٍ أمام الآب، يقدم دمه كفّارة لخطايانا حتى لا نموت بعد فيها. "قائم" أيضًا يستعد للقاء عروسه المجيدة يوم الدينونة، ويرسل ملائكته لحصاد الأشرار، وإلقاء إبليس وجنوده في مسكنهم الأبدي!

أما قوله ":كأنه مذبوح"، فذلك لأنه حي قائم وليس بمطروحٍ وفي نفس الوقت مذبوح يفيض بدمه لتطهير مؤمنيه.

4. له سبعة قرون: يشير القرن إلى القوة، والسبعة علامة كمال القوة في ذاته وكمال القوة فينا كأعضاء جسده.

5. له سبعة أعين، وهي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض، له الروح القدس روحه الذي أرسله للكنيسة ليقودها، فيعمل بكمال قوته لتنقيتها وتقديسها وتزيينها بالفضائل الإلهيّة، واستنارتها بفيض نور إلهي في طريق الخلاص حتى تعبر هذا العالم من غير أن تتدنس بالفساد.

هذه الأوصاف جميعها التي للرب، ليس من أجل نفسه بل من أجلنا، إذ نصير به كأسود حاملين سمات محبته فينا، وأقوياء بعمل روحه فينا.

تقدم وأخذ السفر، وكلمة: "أخذ" بالتعبير اليوناني تحمل معنى الأخذ بصفة مطلقة مع عدم رده مرة أخرى.

وما أن أخذ السفر حتى تقدم الكل شاكرًا الرب بالفرح والتسبيح، معبرين عن تسبيحهم بصورٍ متعددة من تقديم سجود "مطانيات" وصلوات وعزف على القيثارات وتقديم بخور وترنم بتسابيح جديدة الخ.

أ. المخلوقات الأربعة تسبحه بالسجود

"ولما أخذ السفر خرَّت الأربعة مخلوقات الحية والأربعة وعشرون قسيسًا أمام الخروف".

ها هم السمائيّون يشكرون الله من أجل عظم صنيعه معنا معبرين عن شكرهم وتسبيحهم له بالسجود.

ما أجمل روحانيّة الكنيسة التي تدرب أولادها على السجود بالمطانيات، حتى يخضع الجسد وتخضع معه النفس بكل طاقاتها ورغباتها في استسلام وحب لله مع ابتهال وشكر لذلك الذي أحبنا وأسلم نفسه لأجلنا.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email
ب. الأربعة والعشرون قسيسًا يترنمون.

ولا يقف تسبيح الأربعة والعشرون قسيسًا عند السجود أمام الحمل، بل "ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخورًا هي صلوات القديسين. وهم يترنمون ترنيمة جديدة، قائلين: مستحق أنت أن تأخذ السفر، وتفتح ختومه، لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك، من كل قبيلة ولسان وشعب وأُمة. وجعلتنا ملوكًا وكهنة، فسنملك على الأرض" [8-10].

ما أكثر وسائل التعبد عن طريق التسبيح! القيثارات تشير إلى الألحان الكنسيّة، وجامات الذهب مملوءة بخورًا، والترنيم بتسابيح جديدة. والكنيسة تستخدم هذه الوسائل وغيرها مما ورد في سفر الرؤيا وسفر التهليل (المزامير) وغيرهما من أسفار الكتاب المقدس للتسبيح للرب مثل:

- رفع اليدين في الصلاة كقول المرتل "ليكن رفع يدي كذبيحة مسائيّة" (مز 141: 2).

- قرع الصدر كما فعل العشار (لو 18: 13).

- الوقوف بخشوع ورعدة (مز 55: 5).

- إيقاد الشموع كقول الأب صاروفيم صاروفسكي: [ليت قلبنا يضطرم بنار، وحياتنا تضيء كنور أمام الرب الإله كشمعة موقدة أمام أيقونته المقدسة.

- الانطراح عند عتبة بيت الرب وأمام هيكله (مز 84: 10).

نعود إلى القسوس لنراهم يسبحون للرب على ألسنتنا لأنهم ككهنة الله العلي، يصلون عنا، ويقدمون صلواتنا أمام العرش الإلهي.

يا له من منظر سماوي مفرح حينما تنطق بكلمة تسبيح، أو تترنم بلحن سماوي، أو تسجد بانسحاق قلب، أو تقرع صدرك في تواضع. هذا كله بما يحمله من تسبيح روحي في داخل القلب تحمله الملائكة لتضعه في جامات الذهب السماوية، ويقدمها الأربعة والعشرون قسيسًا، فيمتلئ العرش الإلهي بتسابيح البشرية كلها من مجاهدين ومنتقلين، ممتزجة مع تسابيح الطغمات السمائية في وحدة الحب الحقيقي.

لهذا نترنم جميعًا ويسبح معنا المنتقلون قائلين ككنيسة واحدة أو كشخص واحد: "لتستقم صلاتي كالبخور قدامك" (مز 141: 2).

أما من جهة القيثارات فيبدو أن لكل قسيس قيثارات روحية كثيرة. إن كل ما فيهم هو بمثابة آلة موسيقية تخرج لحنًا عذبًا يسبح الله!

أما الترنيمة الجديدة فيقول البعض إن النص الأصلي لها هو: "لأنك ذبحت واشتريت الناس لله بدمك ... وجعلتهم ملوكًا ...".

على أي الأوضاع فإن من يتذوق الحياة مع الرب يسوع يدرك هذه الحقيقة الخالدة، أنه "لا أنانيّة في السماء"، فالقسوس غير المتجسدين بحبهم لنا لا يميزون بين أنفسهم وبيننا، فينطقون بالتسبيح عنا بلساننا ويفرحون لفرحنا، ويشعرون أننا إخوتهم وشركاءهم في الحياة السماوية. وهكذا وحَّد الحمل بين السماء والأرض، فصارتا واحدًا.

وفكرة "الترنيمة الجديدة" عرفناها من العهد القديم.

ونسبح نحن أيضًا في كل يوم بترنيمة جديدة ومزامير جديدة، لا من جهة الألفاظ والحروف ولا بتجديد العبارات، لكن في كل يوم نقدمها بتذوقٍ جديدٍ وحلاوةٍ جديدةٍ، كأنه لأول مرة نتنعم بها، شاكرين إياه.

إن الأم العاشقة لطفلها الوحيد ترى في ملاغاته ونبراته كأنها جديدة في كل لحظة. وذلك من فرط حبها له. هكذا كلما التهب القلب حبًا يرى أنه يقدم للرب شيئًا جديدًا.

يقول القديس أغسطينوس: [الإنسان العتيق تسبحته قديمة، والإنسان الجديد تسبحته جديدة. من يحب الأرض تسبحته عتيقة، ومن يحب السماويات يسبح ترنيمة جديدة. إن المحبة أبدية، إذ لا تشيخ فتبقى دومًا جديدة.]

هي تسبحة شكر كقول العلامة ترتليان، موضوعها تجسد الرب وآلامه وقيامته وإحساناته الجديدة علينا في كل لحظة. لأن هذه الأمور كلها فوق حدود الزمن نرتبط بها ونعيش فيها وندركها إلى الأبد.

نسبحه لأنه ربطنا به كأعضاء في جسده وأعطانا كل ما له، فكملك الملوك صرنا به ملوكًا، كأسقف نفوسنا صرنا كهنة، نملك معه وارثين أرض الأحياء الجديدة التي هي السموات بعينها.

ج. تسبيح الملائكة

"ونظرت وسمعت صوت ملائكة كثيرين حول العرش والمخلوقات الحية والقسوس، وكان عددهم ربوات ربوات وألوف ألوف. قائلين بصوت عظيم: مستحق هو الخروف المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة" [11-12].

اشتركت الملائكة بتسابيحهم يوم ميلاده، وجاءت ليلة صلبه تقدم له المجد في بستان جثسيماني، وظهرت في القبر الفارغ والصعود. وها هي في السماء تسبح الخروف القائم كأنه مذبوح من أجل خلاص البشر!

أنهم يرونه "الخروف المذبوح" معنا لأن ما نناله كأنهم ينالونه هم بسبب حبهم، وعندئذ ينطلقون قائلين بصوت عظيم: "مستحق هو الخروف المذبوح أن يأخذ":

1. القدرة... إذ هو وحده الغالب الذي يغلب، وواهب الغلبة.

2. الغنى... لأنه افتقر لكي نغتني نحن أولاده بفقره.

3. الحكمة... سار كجاهلٍ بين البشر لكي يفدي بجهالة الصليب البسطاء والودعاء.

4. القوة... صار كضعيفٍ ليسند ضعفنا.

5. الكرامة... أخلى ذاته عن الكرامة، ليشرك الترابيّين في كرامته السماوية.

6. المجد... حمل خزينا حاملاً خطايانا في جسده، لكي نتمجد به ومنه.

7. البركة... انحني ليحمل لعنتنا، لكي نكون به مباركين.

هذه هي تسبحة الملائكة السباعيّة، جوهرها عمل الله معنا لنصير سمائيّين.

هذه التسبحة تدربنا عليها الكنيسة في صلواتنا فنترنم بها في ختام الصلاة الربانية قائلين "لأن لك الملك والقوة والمجد، وفي ختام تسبحة الشكر "الذي من قِبله المجد والكرامة والعز والسجود". وفي أغلب الصلوات والتسابيح الموضوعة بإرشاد الروح القدس في كل المناسبات. هكذا يتدرب اللسان ومعه القلب والروح على تسبيح الملائكة السماوي.

د. كل الخليقة تمجده

"وكل خليقة مما في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر، كل ما فيها سمعتها قائلة للجالس على العرش وللخروف: البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الأبدين. وكانت المخلوقات الحية الأربعة تقول: آمين. والقسوس الأربعة والعشرون خروا وسجدوا للحي إلى أبد الآبدين" [13-14].

كل الخليقة تشهد للرب الفادي وتمجده في كل عمل.

وكما يقول مار أفرآم: [هوذا كل الخليقة صارت أفواهًا تنطق عنه: المجوس بتقدماتهم، والعاقر بطفلها، والنجم المنير في الهواء! هوذا ابن الملك.. السماوات له انفتحت، والمياه هدأت، والحمامة مجدته... الملائكة أعلنت عنه، والأطفال صرخوا إليه "أوصنا". هذه الأصوات جميعها من الأعالي ومن أسفل، الكل يصرخ شاهدًا له!]

وكما سبق أن أشهد الأرض الجامدة والسماوات على غلاظة قلب اليهود (إش 1: 2) هكذا تبقى شاهدة لأعمال محبته مع البشرية.

1 و رايت على يمين الجالس على العرش سفرا مكتوبا من داخل و من وراء مختوما بسبعة ختوم
2 و رايت ملاكا قويا ينادي بصوت عظيم من هو مستحق ان يفتح السفر و يفك ختومه
3 فلم يستطع احد في السماء و لا على الارض و لا تحت الارض ان يفتح السفر و لا ان ينظر اليه
4 فصرت انا ابكي كثيرا لانه لم يوجد احد مستحقا ان يفتح السفر و يقراه و لا ان ينظر اليه
5 فقال لي واحد من الشيوخ لا تبك هوذا قد غلب الاسد الذي من سبط يهوذا اصل داود ليفتح السفر و يفك ختومه السبعة
6 و رايت فاذا في وسط العرش و الحيوانات الاربعة و في وسط الشيوخ خروف قائم كانه مذبوح له سبعة قرون و سبع اعين هي سبعة ارواح الله المرسلة الى كل الارض
7 فاتى و اخذ السفر من يمين الجالس على العرش
8 و لما اخذ السفر خرت الاربعة الحيوانات و الاربعة و العشرون شيخا امام الخروف و لهم كل واحد قيثارات و جامات من ذهب مملوة بخورا هي صلوات القديسين
9 و هم يترنمون ترنيمة جديدة قائلين مستحق انت ان تاخذ السفر و تفتح ختومه لانك ذبحت و اشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة و لسان و شعب و امة
10 و جعلتنا لالهنا ملوكا و كهنة فسنملك على الارض
11 و نظرت و سمعت صوت ملائكة كثيرين حول العرش و الحيوانات و الشيوخ و كان عددهم ربوات ربوات و الوف الوف
12 قائلين بصوت عظيم مستحق هو الخروف المذبوح ان ياخذ القدرة و الغنى و الحكمة و القوة و الكرامة و المجد و البركة
13 و كل خليقة مما في السماء و على الارض و تحت الارض و ما على البحر كل ما فيها سمعتها قائلة للجالس على العرش و للخروف البركة و الكرامة و المجد و السلطان الى ابد الابدين
14 و كانت الحيوانات الاربعة تقول امين و الشيوخ الاربعة و العشرون خروا و سجدوا للحي الى ابد الابدين


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 6 جـ1 PDF Print Email

عمل الله في كنيسته المتألمة


1. الكنيسة المتألمة (تحت رعاية الفارس) الختوم الأربعة.

2. الكنيسة في الفردوس (تحت المذبح) الختم الخامس.

3. مجيء عريس الكنيسة كديّان للأشرار الختم السادس.

1. الكنيسة المتألمة

"ونظرت لما فتح الخروف واحدًا من الختوم السبعة، وسمعت واحدًا من الأربعة المخلوقات الحية قائلاً كصوت رعد: هلم وانظر. "فنظرت وإذا فرس أبيض، والجالس عليه معه قوس، وقد أعطي إكليلاً، وخرج غالبًا ولكي يغلب" [1-2].

رأى الرب، عريس الكنيسة، أن فرسانًا ثلاثة خارجون لمقاومة عروسه، لهذا ظهر ذلك الحمل الوديع والأسد الغالب فارسًا غالبًا ولكي يغلب. عندما يراه كأسدٍ يخرج إليه كأسد، وإذ يراه كفارسٍ يخرج إليه كفارس يقاتله.

فتح العريس الختم الأول، وسمع الرسول المخلوق الحي الأول الذي على شبه أسد يزأر بصوت رعد قائلاً: "هلم وأنظر". وخرج الحمل نفسه فارسًا يجلس على فرس أبيض، وقد خرج "غالبًا" بطبعه، إذ ليس فيه هزيمة قط. "ولكي يغلب"، أي يغلب بنفسه في كنيسته، في أولاده، لأننا به نغلب إبليس، وهو يغلب فينا. فكل نُصرة لنا تُنسب لمسيحنا لأنها تتحقق به ولحسابه.

خرج الرب جالسًا على فرس أبيض، وقد أجمع الشهيدان أغناطيوس وبوليكربوس والبابا ديونيسيوس وإيريناؤس بأن الفرس الأبيض هو جماعة الرسل والمبشرين بكلمة الإنجيل، حاملين شخص الرب، منتصرين به على قوات الظلمة.

يشبهون الفرَس بشجاعتهم وعدم مهابتهم الموت (زك 10: 3)، وبسرعة حركتهم تخرج أصواتهم إلى كل الأرض (مز 18: 6)، وطاعتهم بكل كيانهم لفارسهم.

يشبهون بفرس أبيض لأنه مُبهج للنظر. هكذا هم مبهجون للنظر، لأنهم مملوءون فرحًا وسرورًا. يُدعون للفرح بالمخلِّص في أشد لحظات ضعفهم، ويرافقهم بسرورٍ حتى مع دموع توبتهم، يملأهم السلام الداخلي في فترات المحن. وسرّ هذا كله وعد الرب لنا: "ثقوا أنا قد غلبت العالم". والأصل اليوناني ترجمته "افرحوا أنا قد غلبت العالم".

هذا الغالب معه "قوس" الذي هو كلمة الكرازة التي يصوبها الكارز في قلب السامعين، فتحطم قوى الشر وتبتر منه كل ما هو من إبليس.

"وقد أعطي إكليلاً"، إذ هو ملك الملوك لا يكف عن أن يملك في كل قلب، ويهب أكاليل للبشرية المنتصرة به.

الفرسان الثلاثة

"ولما فتح الختم الثاني سمعت المخلوق الحي الثاني قائلاً: هلم وأنظر. فخرج فرس آخر أحمر، والجالس عليه أُعطي أن ينزع السلام من الأرض، وأن يقتل بعضهم بعضًا، وأعطي سيفًا عظيمًا. ولما فتح الختم الثالث سمعت المخلوق الحي الثالث قائلاً: هلم وأنظر. فنظرت وإذا فرس أسود، والجالس عليه معه ميزان. وسمعت صوتًا من وسط الأربعة المخلوقات الحية، قائلاً: ثُمنية قمح بدينار وثلث، وثماني شعير بدينار، وأما الزيت والخمر فلا تضرَّهما. ولما فتح الختم الرابع سمعت صوت المخلوق الحي الرابع، قائلاً: هلم وأنظر. فنظرت، وإذا فرس أخضر، والجالس عليه اسمه الموت، والجحيم يتبعه، وأُعطيا سلطانًا على ربع الأرض أن يقتلا بالسيف والجوع والموت وبوحوش الأرض" [3-8].

هذه هي الآلام التي يسمح الله بها لكنيسته وسط العالم. إنها كالعاصفة التي تهز الكرمة حتى تبدو كأنها كادت تجف، لكن الحقيقة أنه تتساقط منها الأوراق الصفراء غير المرتبطة بها فقط، بينما يزداد الساق صلابة والجذور عمقًا.

وترتيب الفرسان الثلاثة يتفق بما أنبأنا به الرب عن حدوثه في (مت 24؛ مر 13).

وفيما يلي ملخص لتفسير بعض الآباء لهذه الفرسان الثلاثة.

الفرس الأحمر: الحروب (مت 24: 7؛ لو 21: 9-14)، كما يشير إلى سفك الدم (اضطهاد اليهود والوثنيين للكنيسة).

الفرس الأسود: المجاعات (مر 13: 8)، كما يشير إلى ظهور المبتدعين، وحدوث مجاعة في المعرفة.

الفرس الأخضر: الموت (مت 24: 5) كما يشير إلى ظهور ضد المسيح، وما يسببه من موت للأرواح.

1. الفرس الأحمر:

يقول الأسقف فيكتورينوس إنه يشير إلى حدوث قلاقل وحروب يسبقها إهانات وطرد الكارزين بالحق (لو 21: 9-14). وقد احتملت الكنيسة الأمرين من اليهود ومن الدولة الرومانيّة. وفي هذا كله لم تفقد سلامها الداخلي ولا خسرت بهجتها ورجاءها، بل أُعطى للشيطان أن ينزع السلام الخارجي فقط وأن يقتل كثيرين من أولادها عن طريق إخوتهم في الإنسانيّة، وكان بحق سيفًا عظيمًا!

2. الفرس الأسود:

وهو المجاعات التي يسمح بها الله وتشير إلى فترة البدع والهرطقات التي تسبب مجاعة في معرفة الحق وتذوقه. ويرى الأسقف فيكتورينوس أن هذه المجاعة هي حقيقة واقعة تحدث في أيام "ضد المسيح" لأجل التأديب.

ونلاحظ أن الفارس يمسك بميزان، وهذا يشير إلى شدة القحط كقول الكتاب: "هأنذا أكسر قوام الخبز في أورشليم، فيأكلون الخبز بالوزن وبالغم، ويشربون الماء بالكيل والحيرة" (حز 4: 16).

وثمنية القمح وهي أقل من كيلو (وحدة يونانية) لا تكفي الإنسان خبز يومه، ثمنها دينار وهو كل أجرته طوال اليوم (مت 20: 2)، فكيف يأكل ويعول زوجته وأولاده!

أما "الزيت والخمر" فلا يضرهما، وهما يشيران إلى البهجة التي تعم في أيام الأعياد (مز 23: 5). وهذا إشارة إلى حفظ السلام الداخلي للكنيسة وبهجتها بالرغم مما تعانيه من مرارة من الهراطقة أو ما تعانيه من مجاعة لأمور عادية وقحط حتى في قوت يومها.

ويشير "الزيت" إلى الروح القدس، و"الخمر" إلى الحب. وكأن أولاد الله الذين يعمل فيهم روح الرب المملوءين حبًا لا يؤذيهم ضيق أو جوع مهما اشتد!

3. الفرس الأخضر:

وكما يقول ابن العسال إنه ملاك دولة ضد المسيح، وهو ملاك الموت، وراكبه الموت والجحيم الذي يُوهب سلطانًا للقتل بالسيف وبالجوع وبالموت وبوحوش الأرض. فهو لا يكف عن استخدام كل وسيلة لإماتة كل نفس باستقصائها عن الله مصدر حياتها. وستهرب الكنيسة إلى الجبال والبراري، وهناك تلتقي بوحوش البرية، إذ يتعقبها أتباع ضد المسيح حتى في الجبال والبراري. وكأني بها ترتمي منبطحة على الأرض معاتبة عريسها مع إيليا القائل: "قد تركوا عهدك، ونقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك بالسيف، فبقيت أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي ليأخذوها" (1 مل 19: 10).

ويقول الرب نفسه: "لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، ويعطون آيات عظيمة وعجائب، حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضًا" (مت 24: 24).

وسيعود سفر الرؤيا ليكرس أصحاحات كثيرة تكشف عن خطورة ضد المسيح وعمله وخداعه وحربه ضد الكنيسة الخ


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 6 جـ2 PDF Print Email

2. الكنيسة في الفردوس

"ولما فتح الختم الخامس، رأيت تحت المذبح نفوس الذين قُتِلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم. وصرخوا بصوت عظيم قائلين: حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض؟ فأُعطوا كل واحد ثيابًا بيضًا، وقيل لهم أن يستريحوا زمانًا يسيرًا أيضًا، حتى يكمل العبيد رفقاؤهم وإخوتهم أيضا العتيدون أن يُقتَلوا مثلهم" [9-11].

بعد ما كشف الرب لكنيسته خلال الأختام الأربعة ما يسمح لها به من مرارة من اليهود والوثنيين والهراطقة وضد المسيح، كان لا بد أن يكشف لها حال المنتقلين طوال فترة غربتنا على الأرض.

1. من هم؟

"الذين قُتِلوا من أجل كلمة الله، ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم". يكفيهم أن يُحسبوا شهودًا لكلمة الله.. حملوا آلامه وقبلوا سماته في حياتهم شاهدين له. وإن كنا لا نعرفهم بأسمائهم، لكنهم هم يعرفون بعضهم بعضًا في الفردوس، وكما يقول العلامة ترتليان إذ كان يوحنا في الروح رأى بوضوح أرواح الشهداء، مؤكدا أنها تتعرف على بعضها البعض في الفردوس.

2. أين هم؟ "تحت المذبح"!

هم في الفردوس لم يذهبوا بعد إلى الأمجاد الأبديّة في كمالها وتمامها، لكنهم نالوا نصيبًا مباركًا إذ "أُعطوا ثيابًا بيضًا، وقيل لهم أن يستريحوا زمانًا يسيرًا". إنهم تحت المذبح يستريحون. وكأن المذبح لا يفارق القديسين وهم لا يفارقونه.

يرون الذبيحة الحقيقية خلال الفردوس، إذ يتمتعون بالمسيح المصلوب، ويقدمون له ذبائح حمد وتسبيح كقول المرتل: "أذبح لك حمدًا" (مز 50: 14)، "لك أذبح ذبيحة التسبيح" (مز 116: 17).

لن تنقطع الذبائح لا بانتقالنا إلى الفردوس، ولا بدخولنا العرس الأبدي، مقدمين له تسبيحا أبديًا وكما يقول الشهيد يوستينوس: [إني أعتبر الصلوات وتقديم الحمد حينما يقدمها أشخاص معتبرون تكون هي وحدها الذبائح الكاملة والمقبولة لدى الله.]

3. ما حالهم؟

يطلبون الانتقام لدمائهم وذلك كما صرخ دم هابيل قدام الرب، ليس حقدًا وغيظًا بل تسليمًا للدينونة العادلة في يد الله، وشوقًا لمجئ الرب. إنهم كالأرملة التي طلبت من القاضي أن ينتقم منصفًا إياها (لو 18: 3). وإذ طلب منهم أن يستريحوا قليلاً إلى يوم الدينونة لذلك يقول الشهيد كبريانوس إنه يليق بالمجاهدين على الأرض أيضًا أن يصبروا على الأشرار حتى يوم الدينونة.

3. مجيء عريس الكنيسة كديان للأشرار

بعدما طمأننا الرب من جهة المتألمين الراقدين أنهم لابسون ثياب بيضًا مستريحون تحت المذبح إلى يوم الدينونة للتمتع بالأكاليل الأبدية، عاد ليطمئن الذين على الأرض وخاصة في أيام ضد المسيح أنه آتٍ لا محالة ليدين الأشرار. وتظهر شدة غضبه من ثورة الطبيعة ذاتها قبيل مجيئه إذ قال الرسول:

"ونظرت لما فتح الختم السادس، وإذا زلزلة عظيمة حدثت، والشمس صارت سوداء كمسحٍ من شعر، والقمر صار كالدم. ونجوم السماء سقطت إلى الأرض كما تطرح شجرة التين سقاطها إذا هزتها ريح عظيمة. والسماء انفلقت كدرج ملتف، وكل جبل وجزيرة تزحزحا من موضعهما. وملوك الأرض والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء وكل عبد وكل حر، أخفوا أنفسهم في المغاير وفي صخور الجبال. وهم يقولون للجبال والصخور اسقطي علينا وأخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف. لأنه قد جاء يوم غضبه العظيم ومن يستطيع الوقوف؟" [12-17]

ويمكننا بدراسة الأصحاح 24 من إنجيل متى أن نجد هذه الأحداث مطابقة للعلامات التي أوضحها الرب عن مجيئه للدينونة وانقضاء الدهر.

وكما يقول ابن العسال ويشاركه في ذلك كثير من الآباء الأولين مثل القديس أغسطينوس إن هذه الأحداث تتم في فترة ما قبل ضد المسيح وأثناء تضليله (5ر3 سنة) وبعده مباشرة. وهذا كله لأجل التأديب حتى لا ينحرف المؤمنون.

فهي أحداث حقيقية واقعيّة تنبأ عنها الكتاب المقدس في أكثر من موضع وهي:

1. "تكون... زلازل في أماكن" (مت 24: 7)، وكما يقول النبي: "هوذا يوم الرب قادم قاسيًا بسخط وحمو غضب... لذلك أزلزل السماوات وتتزعزع الأرض من مكانها في سخط رب الجنود وفي يوم غضبه" (إش 13: 9-13).

2. الشمس تسود والقمر يصير كالدم والنجوم تتساقط، إذ يقول الرب: "تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء، وقوات السماوات تتزعزع" (مت 24: 29).

وقد أوضح الرب بجلاء في مت 24 أن هذه الأحداث تتم قبيل مجيئه للدينونة مباشرةً إذ يكمل قائلاً: "وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض، ويبصرون ابن الإنسان آتيًا على السحاب بقوة ومجد كثير، فيرسل ملائكته ببوقٍ عظيمٍ فيجمعون مختاريه..." وكان الحديث كله إجابة بخصوص علامات مجيئه وانقضاء الدهر.

3. انغلاق السماء كدرج ملتف، ويفسر ذلك العلامة ترتليان قائلاً: [إنها تصير كلا شيء مع الأرض نفسها التي خلقت معها في البدء إذ قيل: "السماء والأرض تزولان" (مت 24: 35) "لأن السماء والأرض الأولى مضتا" (رؤ 21: 1)، "ولم يوجد لهما موضع (رؤ 20: 11) إذ هما ينتهيان.]


تفسير للأسقف فيكتورينوس

يرى هذا الأسقف ويشاركه القديس أغسطينوس وغيرهما تفسيرًا آخر، هو ليس آخر، بل مكمل للأول دون أن يحل محله. وهو أن هذه الأحداث ستتم فعلاً في فترة ما قبل مجئ الرب لكنها ستتم بصورة رمزية أيضًا في فترة الدجّّّّّّّّّال قبل مجيء الرب مثال ذلك:

قول الأسقف فيكتورينوس: [تسود الشمس كمسحٍ، أي يصير بهاء التعليم غامضًا بسبب غير المؤمنين. والنجوم تتساقط أي ينفصل البعض عن الكنيسة من شدة الضيق.]

وقول القديس أغسطينوس بأن القمر أي الكنيسة تصير كالدم من كثرة سفك الدماء الذي يحل بأولادها على يدي ضد المسيح وأتباعه.

والنجوم تتساقط على الأرض إشارة إلى كثرة الارتداد عن الإيمان وسقوط مؤمنين كانوا ككواكب في الكنيسة.

تفسير للقديس أغسطينوس

يرى القديس أغسطينوس تفسيرًا ثالثًا ليس بثالث، لكنه مرافق للتفسيرين السابقين إذ أخذ هذا القديس بالثلاثة معًا. هذا التفسير ينادي بأن هذه الأحداث واقعية فعلاً لكنها أيضًا تحمل في طياتها ما سيحل بدولة ضد المسيح من خراب قبيل مجيء الرب لأجل حث الناس على التوبة، فمثلاً يقابل الزلزلة تزعزع مملكة إبليس وانهيار دولة ضد المسيح ورعب في قلوب أتباعه، وذلك كقول الرب: "إني أزلزل السماوات والأرض، وأقلب كرسي الممالك، وأبيد قوة ممالك الأمم" (حجي 2: 21).

ويقابل تزحزح كل جبل وجزيرة من موضعها إلى سقوط الجبابرة والعظماء وفقدانهم سلطانهم وجاههم وغناهم. أنهم سيهربون، ولكن أين يهربون من وجه الحمل؟ ينوحون أمام هيبته و"يقولون للجبال غطينا، وللتلال اسقطي علينا" (هو 10: 8). لكن "من يحتمل مجيئه؟ ومن يثبت عند ظهوره؟" (ملا 3: 2). "من يقف أمام سخطه؟ ومن يقوم في حمو غضبه؟ غيظه ينسكب كالنار والصخور تتهدم منه" (نا 1: 6).

1 و نظرت لما فتح الخروف واحدا من الختوم السبعة و سمعت واحدا من الاربعة الحيوانات قائلا كصوت رعد هلم و انظر
2 فنظرت و اذا فرس ابيض و الجالس عليه معه قوس و قد اعطي اكليلا و خرج غالبا و لكي يغلب
3 و لما فتح الختم الثاني سمعت الحيوان الثاني قائلا هلم و انظر
4 فخرج فرس اخر احمر و للجالس عليه اعطي ان ينزع السلام من الارض و ان يقتل بعضهم بعضا و اعطي سيفا عظيما
5 و لما فتح الختم الثالث سمعت الحيوان الثالث قائلا هلم و انظر فنظرت و اذا فرس اسود و الجالس عليه معه ميزان في يده
6 و سمعت صوتا في وسط الاربعة الحيوانات قائلا ثمنية قمح بدينار و ثلاث ثماني شعير بدينار و اما الزيت و الخمر فلا تضرهما
7 و لما فتح الختم الرابع سمعت صوت الحيوان الرابع قائلا هلم و انظر
8 فنظرت و اذا فرس اخضر و الجالس عليه اسمه الموت و الهاوية تتبعه و اعطيا سلطانا على ربع الارض ان يقتلا بالسيف و الجوع و الموت و بوحوش الارض
9 و لما فتح الختم الخامس رايت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من اجل كلمة الله و من اجل الشهادة التي كانت عندهم
10 و صرخوا بصوت عظيم قائلين حتى متى ايها السيد القدوس و الحق لا تقضي و تنتقم لدمائنا من الساكنين على الارض
11 فاعطوا كل واحد ثيابا بيضا و قيل لهم ان يستريحوا زمانا يسيرا ايضا حتى يكمل العبيد رفقاؤهم و اخوتهم ايضا العتيدون ان يقتلوا مثلهم
12 و نظرت لما فتح الختم السادس و اذا زلزلة عظيمة حدثت و الشمس صارت سوداء كمسح من شعر و القمر صار كالدم
13 و نجوم السماء سقطت الى الارض كما تطرح شجرة التين سقاطها اذا هزتها ريح عظيمة
14 و السماء انفلقت كدرج ملتف و كل جبل و جزيرة تزحزحا من موضعهما
15 و ملوك الارض و العظماء و الاغنياء و الامراء و الاقوياء و كل عبد و كل حر اخفوا انفسهم في المغاير و في صخور الجبال
16 و هم يقولون للجبال و الصخور اسقطي علينا و اخفينا عن وجه الجالس على العرش و عن غضب الخروف
17 لانه قد جاء يوم غضبه العظيم و من يستطيع الوقوف




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 7 جـ1 PDF Print Email

اهتمام الحمل بالكنيسة المتألمة


إذ تعلن الختوم الستة الأولى عن أتعاب الكنيسة وآلامها إلى يوم مجيء الرب للدينونة لهذا رأى الرب أن يشجعها بالكشف عن جانبين:

1. اهتمامه بالكنيسة في جهادها 1 - 8.

2. اهتمامه بالكنيسة في راحتها 9 - 17.

1. اهتمامه بالكنيسة في جهادها

في الجزء الأول من الأصحاح لا يتعرض لفترة زمنية معينة، بل يكشف عن حفظه لكنيسته واهتمامه بها ككنيسة أو كأعضاء فيها كل واحدٍ باسمه خلال جهادهم على الأرض. إنه لا يكف عن أن يحفظ مؤمنيه غير متزعزعين (عب 12: 27)، إذ هم "بقوة الله محروسون بإيمان لخلاص مستعد أن يعلن في الزمان الأخير" (1 بط 1: 5). ومن أجلهم طلب الابن قائلاً: "لست أسأل أن تأخذهم من العالم، بل أن تحفظهم من الشرير" (يو 17: 15).

هذه هي لغة سفر الرؤيا بل لهجة كلمة الله كلها "لأنك حفظت كلمة صبري أنا أيضًا سأحفظك من ساعة التجربة العتيدة أن تأتى على العالم كله لتجرب الساكنين على الأرض" (رؤ 3: 10).

أما المنظر الذي رآه الرسول فهو:

"بعد هذا رأيت أربعة ملائكة واقفين على أربع زوايا الأرض، ممسكين أربع رياح الأرض، لكي لا يهب ريح على الأرض ولا على البحر ولا على شجرةٍ ما" [1].

رأى أربعة ملائكة يحفظون الأرض من مشارق الشمس إلى مغاربها ومن الشمال إلى الجنوب، هكذا يهتم الله بالبشرية فيحفظهم من كل جانب حتى لا تهب رياح تطفئ سراجهم المنير. ولعل الله قد أرسل ملائكته لتهدئ الطبيعة الثائرة على الإنسان لأنه كما يقول ذهبي الفم أنه قد صار أكثر غباء من الحيوانات غير العاقلة (مز 49: 20)، وأقل تعقلاً من الطيور (إر 8: 7)، وأكثر جمودًا من الحجارة، متشبهًا بالأفاعي (مز 58: 5) حتى صار يدعى ابنًا لإبليس (يو 8: 44).

"ورأيت ملاكًا آخر طالعًا من مشرق الشمس، معه ختم الله الحي، فنادى بصوت عظيم إلى الملائكة الأربعة الذين أُعطوا أن يضروا الأرض والبحر. قائلاً: لا تضروا الأرض ولا البحر ولا الأشجار، حتى نختم عبيد إلهنا على جباههم" [2-3].

في العهد القديم كان الله يهتم بأولاده ويرسل من يختمهم في لحظة التجربة لكي يبقوا محفوظين له (حز 9: 4). وفي كنيسة العهد الجديد يقدم لنا ختم روحي سماوي أبدي، إذ نُختم على جباهنا بسرّ الميرون، فيسكن روح الرب فينا، حافظًا ومقدسًا إيانا لنقول: "قد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح في قلوبنا" (2 كو 1: 21-22).

إن الملاك الذي طلع من مشرق الشمس هو السيد المسيح الذي أشرق علينا ويهبنا في سرّ الميرون هذه العلامة الفعّالة التي تحفظنا كوارثين للرب، لهذا يوصينا الرسول "لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء" (أف 4: 30).

وقد سبق لنا الحديث عن هذا الختم وأننا به صرنا في ملكية الروح القدس، أعداء إبليس.

يقول القديس أغسطينوس: [إن اسم المسيح من المسحة. فكل مسيحي يقبَل المسحة ليس فقط صار شريكًا في الملكوت بل ومحاربًا للشيطان أيضًا.]

ويقول القديس أمبروسيوس: [تذكروا أنكم قبلتم ختم الروح: "روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب" (إش 11: 2).]

الله الآب ختمكم. المسيح الرب قواكم، وأعطى عربون الروح في قلوبكم (2كو 5: 5) كما تلقنتم من تعليم الرسول.

هذا الختم ليس مجرد علامة للتمييز، لكنه يحمل فيه حبًا وتكريسًا، حتى نقول للرب: "اجعلني كخاتمٍ على قلبك، كخاتم على ساعدك" (نش 8: 6).

وهو يحفظ الأرض والبحر والأشجار، أي لا يصيب أي ضرر الذين استقرت نفوسهم (الأرض) والذين لا زالوا مضطربين (البحر) والمثمرين (الأشجار).

أما عن المختومين فقال:

"وسمعت عدد المختومين مئة أربعة وأربعين ألفًا مختومين من كل سبط من بنى إسرائيل. من سبط يهوذا اثنا عشر ألف مختوم. من سبط رأوبين الخ." [4].

والأسئلة التي تدور في ذهن القارئ هي:

أولاً: ماذا يعنى بقوله "بنى إسرائيل"؟

نجيب بما أوضحه كل الآباء الأولين أن "إسرائيل الحقيقي" ليس هو الشعب اليهودي كما يدعون إلى يومنا هذا، إنما هي صفة تنسب للكنيسة وحدها. فيوم كان اليهود مؤمنين وعاملين في الكرم كان الرب يدعوهم "إسرائيل". أمّا وقد نزعوا أنفسهم بأنفسهم عن الكرم قائلين: "دمه علينا وعلى أولادنا"، لهذا نقول إن اليهود بعدما ترك السيد بيتهم خرابًا وحملوا اللعنة ليس لهم أن يدعوا أنفسهم إسرائيل حتى وإن كانوا حسب الجسد أولادًا للشعب القديم، لأن كنيسة العهد الجديد هي امتداد كنيسة العهد القديم ولها كل المواعيد والبركات.

حقًا إن القديس إيريناؤس يرى في هذا إشارة إلى أن بعض اليهود في آخر الأيام سيقبلون الإيمان بالمسيح، ولكن كما أوضح قداسة البابا شنودة أن بقبولهم الإيمان يلزمهم عدم البقاء في تعصبهم وتكتلهم، وأن يتخلوا عن فكرهم القديم، ولا يتكتلوا معًا كشعبٍ مختارٍ متميز (كما يدعون اليوم)... وهنا لا يعود لهم كيان مستقل متمايز وتنتفي عصبيتهم المُرّة، ويزول الفكر الصهيوني المادي المملوء سمومًا القائم على الكبرياء، بل ينسحقوا باكين من أجل رفضهم الإيمان، دون أن يفكروا في أن تكون لهم دولة مستقلة بها أغراض دنيوية. بهذا يرفض الفكر المسيحي الروحي السليم فكرة وجود "إسرائيل" كدولة تدعى أنها شعب مختار.

نعود فنؤكد أن ما جاء في هذا الأصحاح تحت كلمة "إسرائيل" يشير لا إلى دولة إسرائيل بل إلى إسرائيل الروحي، أي إلى الكنيسة بغض النظر عن الجنسية أو اللغة. وهذا ما نادت به الكنائس الرسولية وغيرها أيضًا.

ثانيًا: وماذا يقصد بالأسباط؟

بلا شك أنه لا يقصد بالأسباط أسباط بنى إسرائيل فعلاً، بل يوجد مدلول روحي، خاصة ونحن نعلم أن الشعب اليهودي قد رُفض كشعب، وأنه حتى اليهود الذين يقبلون المسيحيّة بإيمان غالبًا ما يتزاوجون من أجناس أخرى، بل واليهود أنفسهم اختلطت بينهم وامتزجت الأنساب والأسباط ولم يعودوا بعد محافظين على ترابط كل سبط على حدة، بل كانوا هكذا قبلاً إلى أن جاء الرب يسوع متجسدًا من سبط يهوذا وتأكد بذلك أنه المسيا المنتظر، وعندئذ لم يعد لوجود الأسباط أي لزوم.

أما المدلول الروحي فهو:

1. أن عدد المختومين 144 ألفًا، أي رجال العهد الجديد (12 تلميذًا) × رجال العهد القديم (12 سبطًا) مضروبًا في ألف أي صار الكل بالمسيح سماويًا، لأن رقم 1000 يشير إلى السماء.

2. أن رقم 12000 رمزي يشير إلى أن أولاد الله محصيون ومعروفون بأسمائهم (يو 10)، خاصة وأن رقم 12 في الكتاب المقدس يشير إلى ملكية الله للشيء أو للشخص، لهذا اختار في القديم 12 سبطًا وفي العهد الجديد 12 تلميذًا.

3. بدأ بسبط يهوذا مع أنه ليس أكبرهم، لكن لأنه خرج منه ربنا يسوع، هكذا يتقدم في الملكوت من ارتبط بشخص الرب والتصق به.

4. لم يذكر سبط دان، لأنه باع نفسه لعبادة الأوثان (قض 18: 1-31) وقد حذر الرب أي إنسان أو عشيرة أو سبط من عبادتها وإلا يمحو الرب اسمه من تحت السماء (تث 29: 18-25). هكذا يُحرم من سفر الحياة المقيمون في قلوبهم تماثيل بأي صنف يتعبدون لها.

5. ذُكر سبط يوسف عوض أفرايم، لأن سبط أفرايم كان مشهورًا بمقاومته ليهوذا الأمين (مز 80: 2، إش 7: 17، إر 7: 15)، وكان في مقدمة عابدي الأوثان (1 مل 12: 25-30).

6. جاءت الأسباط بترتيب خاص، ليس حسب أعمارهم ولا حسب ما ورد في نبوات حزقيال (48: 1-27، 31-34) لكن جاءت تحمل مدلول روحي تكشف عن السمات التي يلزم أن يختم بها المتسمون بالروح القدس.

أ. يهوذا أي الاعتراف، فلا نفع من الحياة بغير الإيمان والاعتراف بالرب.

ب. رأوبين أي ابن الرؤيا، ويلزم أن يُرى إيمانه واعترافه بالعمل والجهاد.

ج. جاد أي متشدد، ومن يعمل يلزمه أن يتشدد مثابرًا حتى النهاية.

د. أشير أي سعيد، وفي مثابرتنا لا نيأس بل نفرح متهللين بالرب.

ه. نفتالي أي متسع، والقلب الفرح السعيد يتسع ليحب بلا حدود.

و. منسي أي ينسى، ومن يحب ينسى ذاته وكل ما هو زمني.

ز. شمعون أي مستمع، ومن ينسى ذاته يسمع ويفهم الصوت السماوي.

ح. لاوي أي مستعار، ومن يسمع للسماء يدرك أنه مُستعار هنا أي غريب.

ط. يساكر أي الجزاء، والغريب لا يطلب جزاء أرضيًا بل سماويًا.

ى. زبولون أي مسكن، ومن يطلب السماويات يسكن فيها متحررًا قلبه من كل شئ.

ك. يوسف أي يزيد، ومن يتحرر قلبه ساكنًا في السماويات ينمو في كل عمل صالح.

ل. بنيامين أي ابن اليمين، ومن ينمو يبلغ نصيبه عن يمين الله.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 7 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 7 جـ2 PDF Print Email
2. اهتمامه بالكنيسة في راحتها

هذا عن حفظه للكنيسة في الأرض، أما في السماء فماذا يفعل الله بعروسه؟ ستجتمع حوله كنيسة الآباء من آدم إلى آخر الدهور. يجتمع الكل فوق كل حدود الزمن وكل حدود الجنسية. سيكون الكل واحدًا في الرب.

إنهم نفس الـ 144 ألفًا السابق ذكرهم في منظر سماوي مجيد، لكنهم هنا غير محصيّين. لأنه على الأرض يلزم أن نطمئن أن الله يهتم بكل فردٍ، أما المنظر السماوي هذا فكما يقول القديس أغسطينوس لم يذكر عدده لتمتلئ النفوس رجاء أن السماء ستكون عامرة فلا نرتجف ولا نيأس من كثرة الأشرار على الأرض.

"بعد هذا نظرت وإذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة، واقفون أمام العرش وأمام الخروف، متسربلين بثياب بيض وفي أيديهم سعف النخل. وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين: الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف" [9-10].

والثياب البيض هي ثوب القداسة الذي يناله رجال العهد القديم بسبب رجائهم في دم حمل الله الذي يطهر من كل خطية (1 يو 1: 7). أما بالنسبة للعهد الجديد فيقول الأسقف فيكتورينوس إنهم: [تطهروا بالمعمودية في دم الحمل، فصارت ثيابهم بيضاء، حافظين النعمة التي تقبلوها.]

وبياضها هو انعكاس إشراقات المجد الإلهي عليها، إذ في تجليه "صارت ثيابه بيضاء كالنور" (مت 17: 2)، فنكون كالملائكة السمائيين، إذ رأت مريم "ملاكين بثياب بيض جالسين" (يو 20: 12).

وهذا اللون كما يقول القديس إكليمنضس السكندري هو لون الحق الطبيعي، [فإن كان يلزم أن يطلبوا لونًا آخر فإن اللون الطبيعي للحق يكفيهم] إذ يلبسون الحق ويكون مجدهم!

وتحمل الثياب البيض علامة الطهارة والنقاوة كما تحمل سمة الغلبة (رؤ 3: 5). لهذا تزين الكنيسة أولادها بالثياب البيض بعد عمادهم مباشرةً.

أمّا سعف النخل فيحمل علامة الغلبة والنصرة، إذ لا يدخل السماء غير المنتصرين، ولا يقدر أن يجد المتراخون لهم فيها موضعًا. كما يشير إلى حياة الابتهاج، إذ كانوا يحملونه في عيد المظال الذي كانوا يحفظونه تذكارًا للدخول إلى الأرض المقدسة. كما استخدم سعف النخل عندما اهتزت قلوب الشعب بالفرحة عند دخول الرب أورشليم.

وتظهر فرحتهم من التسبيح المستمر قائلين بصوت عظيم، أي في غيرة مقدسة متقدة: "الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف".

إن الخلاص الذي لنا هو لإلهنا، لأن لا فضل لنا فيه بل يرجع الفضل لمحبة الآب ونعمة الابن وشركة الروح القدس.

ولا يقف الملائكة جامدي العواطف تجاه خلاصنا بل يشاركوننا بهجتنا إذ يقول:

"وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش والقسوس والمخلوقات الحية الأربعة، وخروا أمام العرش على وجوههم وسجدوا لله. قائلين أمين. البركة والمجد والحكمة والشكر والكرامة والقدرة والقوة لإلهنا إلى أبد الآبدين. آمين" [11-12].

في وسط هذا الحب السماوي يختلط علينا الأمر، هل يشاركنا السمائيون سرورنا بالخلاص فيترنمون معنا بهذه التسبحة، مقدمين معنا ذبيحة الشكر، أم نحن الذين نشاركهم عملهم، فنشترك معهم في تسابيحهم السماوية؟ على أي حال فالكل في شركة حب وشركة عمل واحد هو "التسبيح لله".

إن الوجود مع الله يحرر اللسان لكي ينطلق بالتسبيح، ويفتح القلب لتخرج التشكرات، ويحول كل مخلوق إلى قيثارة تتغنى وتترنم بتسابيحٍ وحمدٍ وشكرٍ لا نهائي.

يقول القديس أغسطينوس: [كما أن عظمته غير متناهية هكذا تسبحته غير متناهية. فإن شئت تسبيح الله دائمًا فَغِر من سيرة الملائكة وتسبيحهم.]

وإننا نجسر فنقول إن كل عبادة مهما كبرت أو صغرت إن خلت من عنصر التسبيح تفقد حياتها وكيانها ووجودها، وما عمل الكنيسة إلا التسبيح الدائم.

ففي كنيسة العهد القديم يقول المرتل "سبع مرات في النهار سبحتك" (مز 119: 164). وكان دانيال يجثو ثلاث مرات في النهار مصليًا وحامدًا الله (دا 6: 10).

وفي كنيسة العهد الجديد لم نرَ شيئًا سوى تسابيح يومية في كل صنوف العبادة وفي كل المناسبات، وذلك لإيمانها أن الإنجيل هو "بشارة مفرحة"، وأن عملها هو عمل ملائكي سماوي، لهذا تدرب أولادها على التسبيح.

فكما يقول القديس باسيليوس: [إن التسبيح لله هو عمل خاص بالملائكة.] ولهذا يرى غريغوريوس النيسي أننا بالتسابيح نصير متساوين مع الملائكة من جهة الكرامة. ويقول البابا أثناسيوس الرسولي: [الروح المستقرة تنسى آلامها، وبترتيل الكلمات المقدسة تتطلّع بفرح إلى المسيح وحده.]

نعود مرة أخرى إلى ما رآه الرسول وسمعه:

"فأجاب واحد من القسوس قائلاً لي: هؤلاء المتسربلون بالثياب البيض من هم؟ ومن أين أتوا؟ فقلت له: يا سيد أنت تعلم" [13].

هذا السؤال الذي أثاره أحد القسوس لا بقصد طلب إجابة، وإنما لإثارة البحث والسؤال عنهم وتفهم أحوالهم.

وإذ يعلم الرسول يوحنا مكانة هؤلاء الكهنة غير المتجسدين أجابه "يا سيد" طالبًا منه أن يخبره عنهم بطريقة مملوءة لطفًا "يا سيد أنت تعلم!"

"فقال لي: هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة، وقد غسلوا ثيابهم وبيضوا ثيابهم في دم الخروف. من أجل ذلك هم أمام عرش الله ويخدمونه نهارًا وليلاً في هيكله، والجالس على العرش يحل فوقهم. لن يجوعوا بعد، ولن يعطشوا بعد، ولا تقع عليهم الشمس ولا شيء من الحرّ. لأن الخروف الذي في وسطهم يرعاهم، ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم" [14-17].

إنهم أتوا من الضيقة العظيمة واغتسلوا بدم المسيح. إنهم الكنيسة المنتصرة، الذين صبروا للنهاية فخلصوا (مت 10: 22). وسبب قبولهم كقول ابن العسال هو هرق دم الحمل عنهم وعن غيرهم. بهذا صار لهم شرف عظيم، وصاروا كذبائح زكية طاهرة مقبولة لدى الآب، إذ ابيضت ثيابهم، وتلألأت بدم الحمل. فقد قيل عن كل واحد منهم وهم الذين ارتبطوا بالأسد الخارج من سبط يهوذا: "غسل بالخمر لباسه، وبدم العنب ثوبه" (تك 49: 11).

هذا ما يناله المجاهدون، يكفيهم أنهم يصيروا أمام العرش الإلهي يخدمونه ليلاً ونهارًا في هيكله. وما هيكل الله إلاّ الله نفسه، إذ يقول الرسول عن السماوات: "لم أر فيها هيكلاً، لأن الرب الله القادر على كل شيء هو والخروف هيكلها" (رؤ 21: 22).

وما هي خدمتهم وعملهم إلاّ التسبيح الدائم، قائلين مع المرتل: "أمام الملائكة أرتل لك" (مز 138).

يا للمجد! يحل الجالس على العرش فوقهم، أو كما جاء في اليونانيّة "يظللهم". إنه يسترهم ويحفظهم ويخفيهم فيه!

وإذ هم فيه "لا يجوعون، ولا يعطشون، ولا يضربهم حر، ولا شمس، لأن الذي يرحمهم يهديهم وإلى ينابيع مياه يوردهم" (إش 49: 10).

يرون "الخروف الذي في وسط العرش"، فلا يحتاجون إلى شيء بعد، إذ هو العريس المبهج المفرح، يقدم ذاته خبزًا وشرابًا وراحة وسلامًا. فنقول بحق: "الرب راعى فلا يعوزني شيء، في مراعٍ خضرٍ يربضني، وعلى مياه الراحة يوردني" (مز 23: 1).

عجيب هو الحمل الوديع الذي قام برعايتنا منذ خلقنا وقبل الناموس، وامتدت رعايته خلال الناموس وفي عهد النعمة، ويبقى راعيًا يدللنا في الفردوس وفي الأبدية أيضًا. يا لها من قوة حب وروعة في الرعاية واهتمام يفوق كل زمان ليبقى أبديًا!

1 و بعد هذا رايت اربعة ملائكة واقفين على اربع زوايا الارض ممسكين اربع رياح الارض لكي لا تهب ريح على الارض و لا على البحر و لا على شجرة ما
2 و رايت ملاكا اخر طالعا من مشرق الشمس معه ختم الله الحي فنادى بصوت عظيم الى الملائكة الاربعة الذين اعطوا ان يضروا الارض و البحر
3 قائلا لا تضروا الارض و لا البحر و لا الاشجار حتى نختم عبيد الهنا على جباههم
4 و سمعت عدد المختومين مئة و اربعة و اربعين الفا مختومين من كل سبط من بني اسرائيل
5 من سبط يهوذا اثنا عشر الف مختوم من سبط راوبين اثنا عشر الف مختوم من سبط جاد اثنا عشر الف مختوم
6 من سبط اشير اثنا عشر الف مختوم من سبط نفتالي اثنا عشر الف مختوم من سبط منسى اثنا عشر الف مختوم
7 من سبط شمعون اثنا عشر الف مختوم من سبط لاوي اثنا عشر الف مختوم من سبط يساكر اثنا عشر الف مختوم
8 من سبط زبولون اثنا عشر الف مختوم من سبط يوسف اثنا عشر الف مختوم من سبط بنيامين اثنا عشر الف مختوم
9 بعد هذا نظرت و اذا جمع كثير لم يستطع احد ان يعده من كل الامم و القبائل و الشعوب و الالسنة واقفون امام العرش و امام الخروف متسربلين بثياب بيض و في ايديهم سعف النخل
10 و هم يصرخون بصوت عظيم قائلين الخلاص لالهنا الجالس على العرش و للخروف
11 و جميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش و الشيوخ و الحيوانات الاربعة و خروا امام العرش على وجوههم و سجدوا لله
12 قائلين امين البركة و المجد و الحكمة و الشكر و الكرامة و القدرة و القوة لالهنا الى ابد الابدين امين
13 و اجاب واحد من الشيوخ قائلا لي هؤلاء المتسربلون بالثياب البيض من هم و من اين اتوا
14 فقلت له يا سيد انت تعلم فقال لي هؤلاء هم الذين اتوا من الضيقة العظيمة و قد غسلوا ثيابهم و بيضوا ثيابهم في دم الخروف
15 من اجل ذلك هم امام عرش الله و يخدمونه نهارا و ليلا في هيكله و الجالس على العرش يحل فوقهم
16 لن يجوعوا بعد و لن يعطشوا بعد و لا تقع عليهم الشمس و لا شيء من الحر
17 لان الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم و يقتادهم الى ينابيع ماء حية و يمسح الله كل دمعة من عيونهم


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 7 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 8 جـ1 PDF Print Email

الأبواق الأربعة:

إنذارات طبيعية للبشرية


يتحدث هذا الأصحاح عن إنذارات الله للبشر بعدما تحدث عن شفاعة الحمل الكفارية من أجل البشرية وإرسال الروح القدس لتبكيتهم، ومن لا يتقبل محبة الله المعلنة على الصليب باللطف والرقة يجتذبه بالتجارب والتأديبات.

1. سكوت في السماء "الراحة الأبديّة" 1- 2.

2. شفاعة الحمل الكفارية 3 - 5.

3. الأبواق الأربعة 6 - 13.

البوق الأول: إلقاء برد ونار مخلوطين بدم.

البوق الثاني: إلقاء جبل عظيم متقد.

البوق الثالث: سقوط كوكب عظيم.

البوق الرابع: ظلمة ثلث الكواكب المنيرة.

1. سكوت في السماء "الراحة الأبدية"

"ولما فتح الختم السابع حدث سكوت في السماء نحو نصف ساعة" [1].

يرى الأسقف فيكتورينوس أن فترة السكوت هذه [تشير إلى بداية الراحة الأبديّة... لكنه عاد فأخل بالصمت إذ لا يهتم بترتيب الحوادث زمنيًا.]

ففي الختم السادس أعلن الله حوادث الدينونة وما سيكون عليه الأشرار من انزعاج، طالبين من الجبال والصخور أن تسقط عليهم وتخفيهم من وجه الجالس على العرش، دون أن يتحدث عن موقف أولاد الله الذي أعلن في الختم السابع لكن "حدث سكوت في السماء" بفعل الدهشة التي انتابت الخليقة السمائية من المجد الذي ناله الإنسان!

هكذا يتركنا سفر الرؤيا نحو "نصف ساعة"، إلى زمن قليل ندهش معجبين مما أعده لنا إلى الأبد، لكنه عاد فنزل بنا لنتتبع السلسلة الثانية.

"ورأيت السبعة الملائكة الذين يقفون أمام الله وقد أعطوا سبعة أبواق" [2].

والسبعة الملائكة هم السبعة رؤساء الملائكة الذين قال رافائيل إنه أحدهم.

يرى ابن العسال أن الأبواق هنا تشير إلى أوامر صادرة من قبل الله، والتبويق يشير إلى تنفيذها. وتستخدم الأبواق في الآتي:

1. إعطاء الشريعة (خر 19: 16، 19)، وإنذارات الله المعلنة هي وصية من الله وإنذار للتوبة والرجوع لكي يحيوا ويرتبطوا بالرب ولا يهلكوا.

2. الدعوة للحرب (قض 3: 27)، وتبويق الملائكة هو إعلان عن حالة حرب روحية قائمة بين الله وإبليس!

3. في الاحتفال بالأعياد واليوبيل (لا 23: 24، 25: 9)، وتنتهي الأبواق بمجيء السيد المسيح (1 تس 4: 16)، وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي إنه هو عيدنا الأبدي الذي لا ينقطع.

4. في المناداة بالملوك (2 مل 9: 13)، وتنتهي الأبواق بمجيء "ملك الملوك" تصحبه الملائكة بأصوات أبواق سمائيّة تهتف بملكوت سماوي أبدى!

2. شفاعة الحمل الكفاريّة

"وجاء ملاك آخر ووقف عند المذبح، ومعه مبخرة من ذهب، وأعطى بخورًا كثيرًا، لكي يقدمه مع صلوات القديسين جميعهم على مذبح الذهب الذي أمام العرش. فصعد دخان البخور مع صلوات القديسين من يد الملاك أمام الله" [3-4].

هذا الملاك الآخر غير السبعة يشير إلى الآتي:

1. الكنيسة التي لا تكف عن تقديم البخور سواء من أعضائها المنتصرين في الفردوس أو المجاهدين على الأرض، الكل يود رجوع الخطاة إليه.

2. يرى ابن العسال أنه ملاك حقيقي من طغمة الكاروبيم، إذ هم يهتمون بالذبائح التي نقدمها لله (قض 6: 21، تك 22: 11).

وفى نهاية القداس يطلب الكاهن من ملاك الذبيحة الصاعد إلى العلو بهذه التسبحة (القداس الإلهي) أن يذكرنا أمام الله...

والرأي الأرجح أنه هو "الرب يسوع" الذي رمز له في سفر الرؤيا بالملاك كما في (رؤ 10: 1؛ 18: 1) ودُعي ملاك العهد في ملا 3: 1-2. إنه الشفيع الكفاري الذي هو "حي في كل حين يشفع في كثيرين". إنه أسقف نفوسنا ورئيس الكهنة الأعظم، يقف عند المذبح الذي هو صليبه حيث قدم ذاته ذبيحة عنا، ومعه مبخرة من ذهب، أي مبخرة روحية هي شفاعته الكفارية التي "تعطى بخورًا كثيرًا"، مدافعًا ومحاميًا عن أولاده. وفى محبته يتقبل "صلوات القديسين" المنتقلين والمجاهدين ليقدمها فيه للآب كذبيحة طاهرة مرضية ومقبولة كوعده "إن ثبتم في وثبت كلامي فيكم، تطلبون ما تريدون فيكون لكم" (يو 15: 7).

"ثم أخذ الملاك المبخرة، وملأها من نار المذبح وألقاها إلى الأرض، فحدثت أصوات ورعود وبروق وزلزلة" [5].

إن كان المذبح هو الصليب، فإن نار المذبح هي الروح القدس الذي يبكت ويتوب ويهب شركة مع الثالوث باستحقاق دم المسيح المبذول عنا على الصليب.

لقد أرسل الابن الروح القدس، إذ يقول "متى جاء المعزى الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق" (يو 15: 26) "إن ذهبت أرسله إليكم. ومتى جاء ذلك يبكت العالم على خطية وعلى برّ وعلى دينونة. أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي. وأما على برّ فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضًا. وأمّا على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين" (يو 16: 7-11).

وهذا هو عمل الروح القدس:

1. حدثت أصوات: إذ انطلقت ألسنة الرسل والمبشرين بالروح القدس تكرز بلا خوف.

2. ورعود: ويرعد الكارزون بالروح القدس كأسود يزأرون بسلطان إلهي. وكما يقول الكتاب المقدس عن فيلكس الوالي وهو يحاكم بولس الأسير "وبينما كان يتكلم عن البرّ والتعفف والدينونة العتيدة أن تكون ارتعب فيلكس" (أع 24: 25)، ولم يستطع أن يحتمل كلماته قائلاً له "أما الآن فاذهب، ومتى حصلت على وقت أستدعيك".

3. وبروق: إذ لا يزال روح الرب يشرق بأعمال مجيدة وعجيبة أمام الناس، مزينًا كنيسته بمواهب إلهية لكي خلالها تبرق بنور عريسها على كل أحد.

4. وزلزلة: وهذه هي غاية الروح القدس أن يبكت القلب فيتزلزل ويتحطم كبرياؤه خالعًا عن نفسه كبرياءه ويتقبل الرب يسوع عريسًا له، وبقبوله الرب يقبل البشرية كلها كإخوة له.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 8 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 8 جـ2 PDF Print Email
3. الأبواق الأربعة

"ثم أن السبعة الملائكة الذين معهم السبعة الأبواق تهيأوا لكي يبوقوا" [6].

تنقلنا هذه الرؤية إلى مشهد قديم حين كان الكهنة السبعة يحملون أبواق الهتاف السبعة أمام التابوت، ويدورون حول مدينة أريحا، ويضربون بالأبواق فينهدم السور (يش 6).

هكذا بعدما كشف لنا الرب عن اهتمام الحمل بالعالم كله، وإرساله الروح القدس للتبكيت عاد لينقلنا إلى عمل الله خلال التاريخ كله، إذ وهب للآباء والأنبياء والتلاميذ والرسل أن يحملوا كملائكة الله أبواق الإنذار المستمر للإنسان حتى يتفطن أنه بكلمة الله (التبويق) تنهدم قوىَ إبليس ويتحطم ويسكن الإنسان مع الله في السمَاويّات.

وإننا نجد الله في إنذاره يستخدم كل ما أمكن من اللطف والحنو لكن بحزمٍ لأجل خلاص الإنسان، لهذا لا يتسرع في الإنذار، بل يترك الملائكة يتهيأون للتبويق، معطيًا فرصة للذين يقبلون الرب المحب بلطفه، ومن لا يقبل يسمع الإنذارات التي تشتد حتى يلين القلب أمام الله.

اتجاهان في التفسير:

يوجد اتجاهان في تفسير الأبواق، وهما اتجاهان غير متضاربين بل متلازمان معًا:

1. يرى القديس إيريناؤس أن الإنذارات التالية تحل بالعالم بصورة حرفية قبل مجيء ضد المسيح وأثناء وجوده وذلك بقصد إرهاب المؤمنين لكي لا يقبلوه ولتأديب الذين قبلوه لكي يتوبوا.

2. الاتجاه الثاني، هو أن الأبواق الأربعة تشير إلى إنذارات الله للإنسان في أي عصر من العصور، خاصة في فترة ما قبل وأثناء ضد المسيح في لغة استعاريّة تصوريّة فمثلاً:

أ. البوق الأول "فبوق الملاك الأول فحدث برد ونار مخلوطان بدم، وأُلقيا إلى الأرض، فاحترق ثلث الأشجار، واحترق كل عشب أخضر" [7].

يشير البرد إلى قوة التأديب (إش 28: 2، 17)، كما تعلن النار عن شدة غضب الله. هكذا يستخدم الله الضدان معًا إشارة إلى شدة الإنذار كالقول: "فارتجت الأرض وارتعشت أسس الجبال، ارتعدت وارتجت لأنه غضب... برد وجمر نار".

يشير احتراق ثلث الأشجار وكل عشب أخضر إلى أنه بهذا التأديب يذل الله بعض المتعجرفين المتكبرين (تث 32: 22؛ ملا 4: 1؛ إش 2: 12-13) ويسحق زهو الحياة الزمنيّة. وبهذا، إذ يرى البعض كيف سقط جبابرة وكيف ضاق العالم بالمشاكل والمتاعب والآلام، يعودون إلى الله بقلب تائب منكسر.

ب. البوق الثاني: "ثم بوق الملاك الثاني، فكان جبلاً عظيمًا متقدًا بالنار، ألقى إلى البحر، فصار ثلث البحر دمًا. ومات ثلث الخلائق التي في البحر، التي لها حياة، وأهلك ثلث السفن" [8-9].

كما يذكِّرنا البوق الأول بالضربة الواردة في خر 9: 23، 25، هكذا يذكِّرنا البوق الثاني بما ورد في حز 7: 20-21. ولعله يشير بهذا إلى أن الله يسمح بالتأديب للنفوس المضطربة كالبحر التي لم تستقر في حضن الله ملك السلام بأن يسمح لهم بجبل عظيم متقد بالنار يلقى في وسطهم، ليصير ثلثهم مقتولين ومذبوحين. هذا الجبل المتقد يختلف من عصر إلى عصر، ومن إنسان إلى آخر. كأن يسمح الله بإقامة إنسان في مركز قيادي ديني أو أدبي أو زمني، يتسم هذا الإنسان بالعنف والشدة بلا رحمة لأجل تأديب شعب عنيف متمرد، وقد سجل لنا التاريخ أمثلة بلا حصر من هذا القبيل.

وقد يحدث ذلك بصور مبسطة متكررة ويوميّة كأن يسمح الله لإنسان متعجرف أن يقيم عليه رئيسًا في عمله أو صديقًا أو أخًا أو ابنًا عاقًا يتسم بالعنف. وبسبب هذا الرئيس في العمل أو الصديق أو الأخ أو الابن العاق يفقد الإنسان الأول الكثير من الأمور الزمنيّة أو الكرامات، فيتحطم كبرياؤه، وتنسحق نفسه أمام الله.

والجميل في حب الله أنه لا يسمح إلاّ بإهلاك الثلث لكي يترك للأكثريّة فرصًا للتوبة. أو يسمح في الحالات الفرديّة بأن يفقد الإنسان أمورًا زمنيّة لكي يربح أمورًا سماويّة. لا يكف الله عن أن يستخدم كل وسيلة ووسيلة لا لإذلال الناس بل رغبة في توبتهم ورجوعهم إليه.

ج . البوق الثالث: "ثم بوق الملاك الثالث، فسقط من السماء كوكب عظيم متقد كمصباح، ووقع على ثلث الأنهار وعلى ينابيع المياه. واسم الكوكب يدعى الأفسنتين، فصارت ثلث المياه أفسنتينًا، ومات كثيرون من الناس من المياه، لأنها صارت مُرّة" [10-11].

إذ يسقط هذا الكوكب العظيم المتقد كالمصباح من السماء، فإن في هذا إشارة إلى صنف ثالث من التأديب المُرّ، كأن يسمح الله بانحراف شخصيات ذات مركز ديني وروحي عظيم فيسقطوا من سماء العبادة الروحيّة السماويّة ببدع أو هرطقات على مياه الأنهار الحية فيسمموها ويمرروها وخلالها تموت نفوس كثيرة.

وقد سجل لنا التاريخ كواكب عظام سقطوا ومرّروا حياة أولاد الله، وأفسدوا التعاليم الروحية، وأهلكوا كثيرين، نذكر منهم أريوس ونسطور ومقدونيوس وبيلاجيوس وكثيرين غيرهم.

هذا النوع من الإنذار مؤلم للغاية، لكن الله يسمح به لكي يبحث المؤمنون في الكتاب المقدس ويفلحوا فيه ويشبعوا منه للرد على الهراطقة، وفى نفس الوقت خلال مرارة الهراطقة لا تتوقف الكنيسة عن رسالتها الكرازية، إذ بدونهم قد تستكين للراحة، وتدخل محبة العالم إلى أولادها، ويغطون في نوم عميق.

د. البوق الرابع: ثم بوّق الملاك الرابع، فضرب ثلث الشمس وثلث القمر وثلث النجوم، حتى يظلم ثلثهن، والنهار لا يضيء ثلثه" والليل كذلك" [12].

تحمل معنى شكل الضيق في أشد صوره للإنذار، لأننا كما نعلم أن الظلمة تشل حركة الإنسان، خاصة إن تزايد وقتها، وتفقده حيويته، وتحرِمه من نمو النباتات، وهكذا يستخدم الله وسائل مختلفة حتى يشتهي الإنسان الموت ولا يجده، وذلك ليس بقصد تعذيب البشر، لكن لأجل رجوعهم إلى الحق، وبحثهم عن النور الحقيقي. ونحن نعلم اليوم عن تساقط بعض النجوم وعن حدوث انفجارات شمسية، هذا يتزايد بشدة في فترة ما قبل ضد المسيح للإنذار.

إنذار آخر:

"ثم نظرت وسمعت ملاكًا (نسرًا) طائرًا في وسط السماء، قائلاً بصوت عظيم: ويل، ويل، للساكنين على الأرض من أجل بقية أصوات أبواق الثلاثة الملائكة المزمعين أن يبقوا" [13].

يرى الأسقف فيكتورينوس أن النسر الطائر [يرمز للروح القدس الذي يحمل الشهادة في النبيين بأن غضبًا وعذابات شديدة قد صارت على الأبواب، لهذا فإن أراد إنسان - حتى وإن كان في أواخر الدهور - أن يتوب فسيخلص.]

نخلص من هذا أن الأبواق الأربعة السابقة هي إنذارات الله بكل الطرق للبشر قبل فترة ضد المسيح، وهذه مهما بدت صعبة وقاسية فهي هيّنة وخفيفة أمام الويلات التي ستحل في فترة ضد المسيح الذي يأتي ليملك وينصِّب نفسه إلهًا.

1 و لما فتح الختم السابع حدث سكوت في السماء نحو نصف ساعة
2 و رايت السبعة الملائكة الذين يقفون امام الله و قد اعطوا سبعة ابواق
3 و جاء ملاك اخر و وقف عند المذبح و معه مبخرة من ذهب و اعطي بخورا كثيرا لكي يقدمه مع صلوات القديسين جميعهم على مذبح الذهب الذي امام العرش
4 فصعد دخان البخور مع صلوات القديسين من يد الملاك امام الله
5 ثم اخذ الملاك المبخرة و ملاها من نار المذبح و القاها الى الارض فحدثت اصوات و رعود و بروق و زلزلة
6 ثم ان السبعة الملائكة الذين معهم السبعة الابواق تهياوا لكي يبوقوا
7 فبوق الملاك الاول فحدث برد و نار مخلوطان بدم و القيا الى الارض فاحترق ثلث الاشجار و احترق كل عشب اخضر
8 ثم بوق الملاك الثاني فكان جبلا عظيما متقدا بالنار القي الى البحر فصار ثلث البحر دما
9 و مات ثلث الخلائق التي في البحر التي لها حياة و اهلك ثلث السفن
10 ثم بوق الملاك الثالث فسقط من السماء كوكب عظيم متقد كمصباح و وقع على ثلث الانهار و على ينابيع المياه
11 و اسم الكوكب يدعى الافسنتين فصار ثلث المياه افسنتينا و مات كثيرون من الناس من المياه لانها صارت مرة
12 ثم بوق الملاك الرابع فضرب ثلث الشمس و ثلث القمر و ثلث النجوم حتى يظلم ثلثهن و النهار لا يضيء ثلثه و الليل كذلك
13 ثم نظرت و سمعت ملاكا طائرا في وسط السماء قائلا بصوت عظيم ويل ويل ويل للساكنين على الارض من اجل بقية اصوات ابواق الثلاثة الملائكة المزمعين ان يبوقوا

السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 8 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 9 جـ1 PDF Print Email

البوقان الخامس والسادس التهيئة لضد المسيح وظهوره


في الأصحاح السابق رأينا الله ينذر البشريّة بطرق متنوعة عبر الأجيال وفى حياة كل إنسان لأجل توبته:

ففي البوق 1 كان الإنذار يمس موارد معيشته.

وفي البوق 2 كان الإنذار يخص أناسًا يذلونه.

وفي البوق 3 كان الإنذار عن طريق ظهور مبتدعين.

وفي البوق 4 كان الإنذار في غاية الشدة والضيق إذ تظلم الحياة في نظره.

وفى هذا الأصحاح يحدثنا عن البوقين الخامس والسادس:

1. البوق الخامس: التأديب خلال أفكار شيطانية 1 - 12.

2. البوق السادس: التأديب خلال حروب بشرية 13 - 21.

1. البوق الخامس: التأديب خلال أفكار شيطانية


الأبواق الأربعة السابقة تتحدث عن إنذارات عامة يوجهها الله للبشر في كل عصر، خاصة في فترة ما قبل ضد المسيح، لكن هذا البوق الخامس أو الويل الأول هو إنذار يخص فترة ما قبل ضد المسيح. فقبل أن يلبس إبليس كل سلطانه وطاقاته لإنسان يُنَصِّب نفسه إلهًا، ويدعو للتعبد للأصنام، ويجرف العالم نحو الدنس يطلب إبليس سماحًا لكي يبث أفكاره وميوله في البعض ليهيئهم لمعاونة ضد المسيح عند قيامه.

وهذا العمل الشيطاني الذي يسمح به الله هو نفسه سيكون فيه تعذيب وتأنيب وضيق ومرارة لمعتنقيه والمنادين به. وهكذا يحوِّل الله الشر إلى خير، إذ يخرج من الآكل أُكلاً، تاركًا للظلمة أن تشهد بنفسها عن ظلمتها.

يقول الرسول:

"ثم بوق الملاك الخامس، فرأيت كوكبًا قد سقط من السماء إلى الأرض، وأُعطى مفاتيح بئر الجحيم. ففتح بئر الجحيم، فصعد دخان من البئر كدخان أتون عظيم. فاظلمَّت الشمس والجو من دخان البئر" [1-2].

يرى البعض أن سقوط كوكب من السماء إلى الأرض يكني عن حالة انتكاس تصيب إنساناً ذا مركز ديني كبير، على أثرها يعمل الشيطان في قلوب الكثيرين.

ويرى البعض أن إحدى الرئاسات المظلمة الشريرة التي تشتكي ضدنا أمام الله تأخذ سلطانًا لتفتح أبواب الجحيم وتملأ جو العالم بدخان الشياطين، أي أفكارهم. على أي حال فهي لغة استعارية تصَوريّة للكشف عن سيادة فكر مادي وإلحادي يملأ العالم شرقه وغربه، حتى ينحجب عن قلوب الكثيرين نور المعرفة السماوية، ويسود الجو ظلامًا وحيرة وقلقًا وشكوكًا مع جفاف روحي.

إنه يقصد التنين (إبليس) الذي يهيئ الجو لضد المسيح الآتي: لكن الله استخدم هذا العمل ذاته ليفضح إبليس نفسه بنفسه.

وفيما يلي مدى سلطان هذا العمل وآثاره.

1. ليس له سلطان على المؤمنين:

"ومن الدخان خرج جراد على الأرض، فأعطى سلطانا كما لعقارب الأرض سلطان. وقيل له أن لا يضر عشب الأرض، ولا شيئاً أخضر، ولا شجرة ما، إلاّ الناس الذين ليس لهم ختم الله على جباههم" [3-4].

يذكِّرنا هذا بالجراد الوارد في سفر يوئيل، عمله التخريب الكامل لكل شيء أخضر إلى المنتهى. هذا المهلك أو المخرب ليس له سلطان أن يضر عشب الأرض ولا شيئًا أخضر ولا شجرة ما.

يا لعذوبة حنان الله الذي يترفق بالعشب الضعيف قبل الشيء الأخضر، وهذا قبل الشجر. إنه يحفظ الأطفال في الإيمان، ويهتم بالصغار، ويعتني بالنفوس الضعيفة، لأن هؤلاء أكثر احتياجًا للترفق والحنو.

لتطمئن كل نفس تمتعت بمياه الروح القدس، وتحيا نامية فيه، سواء كانت لا تزال عشبًا أخضر أو صارت نباتًا صغيرًا أو شجرة عالية، فقد وهبنا سلطانًا أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو. ولا يقدر ضد المسيح، ولا الأفكار المهينة له كالإلحاد والبدع التي بدأت تظهر في داخل الكنيسة الغربية تحت ستار المسيحية أن يسيطروا عليها.

هذا بالنسبة للذين لهم ختم الله الممسوحين بروح الرب على جباههم، أما بالنسبة للآخرين فيقول:

2. يعذبوا دون أن يقتلوا:

"وأعطى أن لا يقتلهم، بل أن يتعذبوا خمسة أشهر، وعذابه كعذاب عقرب إذا لدغ إنسانًا. وفى تلك الأيام سيطلب الناس الموت ولا يجدونه، ويرغبون أن يموتوا، فيهرب الموت منهم" [5-6].

يتعذب الذين قبلوا هذا الفكر، لأن ما ليس هو من الحق لا يمكن أن يهب سلامًا ولا سعادة. فيتعذب الأشرار بشرهم رغم انغماسهم فيه ومناداتهم به وإغوائهم الغير لارتكابه معهم، ولا يكون العذاب نابعًا من الخارج بل من داخل فكر الإنسان وتصرفاته. ومن فرط المرارة يشتهى الإنسان الموت، لكن الله لا يسمح لهم به حتى لا يموتوا في انحرافهم، بل يتركهم هكذا في ضجرهم وحيرتهم لعلهم يرجعون إلى الله، طالبين منه عونًا.

3. يُقاتلون ويُخادعون:

"وشكل الجراد شبه خيل مهيأة للحرب، وعلى رؤوسها كأكاليل شبه ذهب ووجوهها كوجوه الناس. وكان لها شعر كشعر النساء، وكانت أسنانها كأسنان الأسود. وكان لها دروع كدروع من حديد، وصوت أجنحتها كصوت مركبات خيل كثيرة تجري إلى قتال. ولها أذناب شِبه العقارب، وكانت في أذنابها حمات، وسلطانها تؤذى الناس خمسة أشهر. ولها ملاك الجحيم ملكًا عليها اسمه بالعبرانيّة أبدون، وله باليونانية اسم أبوليون [7-11].

أ. لا تكف عن القتال: إذ هي "شبه خيل مهيأة للحرب" عملها التخريب المستمر في القلب والعقل، وكما يقول النبي "قدامه نار تأكل، وخلفه لهيب يحرق. الأرض قدامه كجنة عدن، وخلفه قفر خرب... كمنظر الخيل منظره، ومثل الأفراس يركضون" (يؤ 2: 3-4).

فمتى هدأ الإنسان لنفسه وانحنت نفسه فيه أمام الله أدرك الإنسان المنخدع شدة الحرب التي فيه ومدى الدمار الذي حدث داخله.

ب. مخادعة: إذ تبدو لناظريها كملوك، لها "كأكاليل شبه الذهب"، لكنها ليست في حقيقتها أكاليل ولا هي ذهبيّة، بل تصنع لذاتها هالة من العظمة لتسيطر على القلب وتملك عليه، ويصير الإنسان عبدًا لها.

ج. لها مظهر التعقل والوداعة: إذ "وجوهها كوجوه الناس" لكن قلبها مفترس.

د. جميلة المنظر: "لها شعر كشعر النساء" لكنها تخفى أسنانًا كأسنان الأسود، تجذب بنعومتها ودلالها لكي تسفك وتفترس!

ه. لها دروع قوية: وصوت أجنحتها مفزع، يكنى عن عنف عملها وسرعة انتشارها.

و. مهلكة: كالعقارب تعذب ولكن إلى حين "خمسة أشهر!" وملكها اسمه "أبدون" أو "أبوليون" أي المخرب أو المهلك.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 9 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 9 جـ2 PDF Print Email
ويرى البعض أن هذه الأوصاف وتلك الآثار تنطبق على البدع والفلسفات الحديثة التي بدأت تنتشر في العالم تحت اسم "المسيحية أو الدين" بمقتضاها يتحول الدين إلى مجموعة من السلوك الخلقي والآداب الاجتماعيّة خارج الإيمان بالله والعمل الفدائي وانتظار الأبديّة. فينادون بعدم الحاجة إلى ذكر المعجزات في الكتاب المقدس أو التحدث عن الأبديّة أو الصليب والقيامة.

وقد صار لهذا الفكر الذي يأخذ أكثر من اسم مدافعون يلقبون أنفسهم مسيحيين وأيضًا غير مسيحيين. وهم يقدمون فلسفات منمقة وعبارات ناعمة وأسلوبًا عذبًا، هذا كله في حقيقته مؤذٍ للنفس. من عينات هؤلاء نسمع عن بعض القادة الدينيين (للأسف) يحاولون الرد على الملحدين بأن يثبتوا أن الله لا علاقة له بالإنسان وأن الإنسان إنما يعبد الله دون أن يتدخل الله في شئونه. وهكذا بعزل الله المحب عن الإنسان المحبوب فيسقط في إلحاد مستتر مرير.

"الويل الواحد مضى، هوذا يأتي ويلان أيضًا بعد هذا" [12].

البوق السادس: التأديب خلال حروب بشريّة

"ثم بوَّق الملاك السادس، فسمعت صوتًا واحدًا من أربعة قرون مذبح الذهب الذي أمام الله. قائلاً للملاك السادس الذي معه البوق: فك الأربعة الملائكة المقيدين عند النهر العظيم الفرات. فأنفك الأربعة الملائكة المُعَدون للساعة واليوم والشهر والسنة لكي يقتلوا ثلث الناس. وعدد جيوش الفرسان مئتا ألف ألف، وأنا سمعت عددهم" [13-16].

من قرون المذبح الذي قدم فيه "الملاك البخور الكثير" خرج الأمر بالسماح لقيام حرب عنيفة تحدث في أيام ضد المسيح. في ساعة محددة ويوم وشهر وسنة معينة. كل شيء بسماح من الله ضابط الكل يسمح بالحرب، ويسمح بعدد معين من المحاربين. وذلك كله لأجل تأديب الناس لعلهم يرجعون ويتوبون.

ستكون عند نهر الفرات حيث نذكر "الفردوس الضائع"، الذي فقده الإنسان بحسد إبليس، ونذكر بابل المتشامخة التي تشير دومًا إلى الكبرياء على الله والتشامخ عليه. هناك يكون مركز ضد المسيح حيث - كما يقول البعض- سيجدد بابل القديمة مرة أخرى على أن مركزه الروحي "الشيطاني" للأسف سيكون في مدينة أورشليم المقدسة كما سنرى.

وحينما يتكلم سفر الرؤيا عن هذه الحرب يتحدث لا عن منظرها الخارجي بل الدافع الخفي، فيقول "وهكذا رأيت الخيل في الرؤيا، والجالسين عليها لهم دروع ناريّة وأسمانجونيّة وكبريتيّة، ورؤوس الخيل كرؤوس الأسود، ومن أفواهها يخرج نار ودخان وكبريت. من هذه الثلاثة قتل ثلث الناس من النار والدخان والكبريت الخارجة من أفواهها. فإن سلطانها هو في أفواهها وفى أذنابها، لأن أذنابها شبه الحيات ولها رؤوس وبها تضر" [17-19].

يظهر من هذا الوصف التصوري الاستعاري أن الحرب تخفي أعمال شيطانية، فالمحاربون:

أ. لهم دروع نارية مرهبة يفترسون بقوة إبليسيّة.

ب. وأسمانجونيّة أي دروع تبدو كأنها سماويّة، وهى بسماح من الله.

ج. وكبريتيّة أي للانتقام والإهلاك.

وأما الخيل نفسها فهي:

1. لها رؤوس كرؤوس الأسد، لا تكف عن الافتراس.

2. من أفواهها يخرج نار ودخان وكبريت، غايتها الحرق والتبديد.

3. أذنابها شبه الحيات التي أفقدت الإنسان الأول كل ما له.

هذه الحروب يسمح بها الله ليقتل البعض لعل البقية تتوب لكن يقول الوحي:

"وأما بقية الناس الذين لم يُقتَلوا بهذه الضربات فلم يتوبوا عن أعمال أيديهم حتى لا يسجدوا للشياطين وأصنام الذهب والفضة والنحاس والحجر والخشب التي لا تستطيع أن تبصر ولا تسمع ولا تمشى. ولا تابوا عن قتلهم ولا عن سحرهم ولا عن زناهم ولا عن سرقتهم" [20-21].

هذه البقيّة من أتباع ضد المسيح الباقية بعد هلاك البعض في الحرب لم تتب عن:

1. عبادتهم للأصنام، إذ يقيم ضد المسيح لنفسه تمثالاً ويطلب العبادة له.

2. مناهضتهم للكنيسة بالقتل المستمر، ويتعقبونها حتى في البراري.

3. سحرهم:
في صنع الأعاجيب للخداع، وهذا يكشف مدى انتزاع خوف الله من القلب وفقدانهم روح التوبة والانسحاق، فيستخدمون السحر في تحقيق مأربهم، منهمكين في الزنا وكل دنس سالبين الناس حياتهم.

1 ثم بوق الملاك الخامس فرايت كوكبا قد سقط من السماء الى الارض و اعطي مفتاح بئر الهاوية
2 ففتح بئر الهاوية فصعد دخان من البئر كدخان اتون عظيم فاظلمت الشمس و الجو من دخان البئر
3 و من الدخان خرج جراد على الارض فاعطي سلطانا كما لعقارب الارض سلطان
4 و قيل له ان لا يضر عشب الارض و لا شيئا اخضر و لا شجرة ما الا الناس فقط الذين ليس لهم ختم الله على جباههم
5 و اعطي ان لا يقتلهم بل ان يتعذبوا خمسة اشهر و عذابه كعذاب عقرب اذا لدغ انسانا
6 و في تلك الايام سيطلب الناس الموت و لا يجدونه و يرغبون ان يموتوا فيهرب الموت منهم
7 و شكل الجراد شبه خيل مهياة للحرب و على رؤوسها كاكاليل شبه الذهب و وجوهها كوجوه الناس
8 و كان لها شعر كشعر النساء و كانت اسنانها كاسنان الاسود
9 و كان لها دروع كدروع من حديد و صوت اجنحتها كصوت مركبات خيل كثيرة تجري الى قتال
10 و لها اذناب شبه العقارب و كانت في اذنابها حمات و سلطانها ان تؤذي الناس خمسة اشهر
11 و لها ملاك الهاوية ملكا عليها اسمه بالعبرانية ابدون و له باليونانية اسم ابوليون
12 الويل الواحد مضى هوذا ياتي ويلان ايضا بعد هذا
13 ثم بوق الملاك السادس فسمعت صوتا واحدا من اربعة قرون مذبح الذهب الذي امام الله
14 قائلا للملاك السادس الذي معه البوق فك الاربعة الملائكة المقيدين عند النهر العظيم الفرات
15 فانفك الاربعة الملائكة المعدون للساعة و اليوم و الشهر و السنة لكي يقتلوا ثلث الناس
16 و عدد جيوش الفرسان مئتا الف الف و انا سمعت عددهم
17 و هكذا رايت الخيل في الرؤيا و الجالسين عليها لهم دروع نارية و اسمانجونية و كبريتية و رؤوس الخيل كرؤوس الاسود و من افواهها يخرج نار و دخان و كبريت
18 من هذه الثلاثة قتل ثلث الناس من النار و الدخان و الكبريت الخارجة من افواهها
19 فان سلطانها هو في افواهها و في اذنابها لان اذنابها شبه الحيات و لها رؤوس و بها تضر
20 و اما بقية الناس الذين لم يقتلوا بهذه الضربات فلم يتوبوا عن اعمال ايديهم حتى لا يسجدوا للشياطين و اصنام الذهب و الفضة و النحاس و الحجر و الخشب التي لا تستطيع ان تبصر و لا تسمع و لا تمشي
21 و لا تابوا عن قتلهم و لا عن سحرهم و لا عن زناهم و لا عن سرقتهم


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 9 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 10 جـ1 PDF Print Email

ظهور السفر المختوم


إذ جاء بنا إنذار الله المعلن في فترة ضد المسيح خلال قيام حروب للتأديب، فإننا نتساءل وما هو موقف الحمل منه وخاصة من أجل عروسه؟

في الأصحاح العاشر الذي بين أيدينا يوضح لنا شخص الرب كملاك متسربل بالسحاب ممسكًا في يده سفرًا صغيرًا مفتوحًا يعلن مقاصده تجاه البشريّة، خاصة في فترات الضيق، وعلى وجه أكثر تخصصًا في فترة ضد المسيح الشديدة الظلمة.

وفي الأصحاح الحادي عشر يوضح إرساله نبيين - إيليا وأخنوخ - كشاهدين يعينان الكنيسة على الهروب إلى البراري ما أمكن ويقفان أمام ضد المسيح لمقاومته.

نعود إلى الملاك الممسك بالسفر لنجد في هذا الأصحاح:
 
1. الملاك المتسربل بالسحاب 1 - 4.

2. قسم الملاك 5 - 7.

3. ابتلاع السفر 8 - 11.

1. الملاك المتسربل بالسحاب

"ثم رأيت ملاكًا أخرًا قويًا نازلاً من السماء، متسربلاً بسحابة، وعلى رأسه قوس قزح، ووجهه كالشمس، ورجلاه كعمودي نار. ومعه في يده سفر صغير مفتوح، فوضع رجله اليمنى على البحر واليسرى على الأرض.وصرخ بصوت عظيم كما يُزمجر الأسد، وبعدما صرخ، تكلمت الرعود السبعة بأصواتها" [1-3].

إنه "ملاك العهد" الذي يتجلى في القلوب، يطمئن اضطرابها، قائلاً لمؤمنيه :"أنا هو لا تخافوا". ويؤكد الأسقف فيكتورينوس أنه ربنا يسوع المسيح وهو:

1. نازل من السماء: سماوي يهتم لا برفع الضيق أو الأتعاب عن مؤمنيه بل ببلوغهم السماء.

2. قوي: يتجلى أمام عروسه قويًا ليشددها حتى لا يخور من يرتبط به. حقًا إن المؤمنين يدركون أنهم ليسوا كفاة من أنفسهم أن يحتملوا الضيق لكنهم بالرب القوي كفاة (2 كو 3: 5). فالمؤمن بذاته ضعيف وبالرب قوي. بنفسه يخور، لكنه يلبس الرب الغالب والذي يغلب.

3. متسربل بسحابة: تشير السحابة إلى حلول الله وحضوره، كما ترمز إلى مجده وجلاله.

فإذا اقترب وقت مجيئه الثاني ليملك إلى الأبد يتجلى للمؤمنين بمجده حتى لا يفترون في انتظارهم له بل يسمعونه، قائلاً: "نعم. أنا آتي سريعًا". فلا يكفوا عن مناداته: "آمين، تعال أيها الرب يسوع" (رؤ 22: 20)، ولا يهدأون عن ترجِّيه قائلين: "ليأت ملكوتك".

وللسحابة قصة قديمة، فعندما قاد الله الشعب القديم في البرية كان يظلل عليهم بسحابة، وكانت سحابة المجد تحل بين الكروبين في خيمة الاجتماع وفي هيكل سليمان. لكنه إذ تنبأ حزقيال النبي عن رفض اليهود بسبب شرِّهم، رأى السحابة تغادر قدس الأقداس إلى الدار الخارجية، ثم تزحزحت إلى سور المدينة، وأخيرًا صعدت إلى السماء. وبمجيء الرب يسوع عند تجليه رأى التلاميذ "سحابة نيرة" تظللهم. وها هي الكنيسة الآن تعيش تحت السحابة في مجد سماوي، لكن في عربون، منتظرة كل المجد إذ يأتي عريسها "على سحاب السماء بقوة ومجد عظيم" (مت 24: 30).

4. على رأسه قوس قزح: مجده الذي يتوج به رأسه هو المصالحة التي وهبنا إياها مع الله الآب. هذه المصالحة هي موضوع تسبيح السمائيّين والبشريّين، إذ يقفوا إلى الأبد مندهشين أمام هذا الحب العظيم!

5. وجهه كالشمس: ويرى الأسقف فيكتورينوس أن هذا الوصف الاستعاري يشير إلى بهجة القيامة، والقيامة هي الغلبة على الموت. هكذا ينير الرب لأولاده الطريق، مبددًا الظلمة أمام وجوههم واهبًا لهم حياة الغلبة والنصرة حتى الموت.

6. ورجلاه كعمودي نار: إذ نلبس الرب يسوع فإننا به ندك العثرات، كما بعمودي نار، فلا نتعثر في الطريق مهما اشتدت الضيقة.

7. وفي يده سفر صغير مفتوح: هذا هو كلمة الله الحية المفتوحة لكل من يريد الدخول فيها والاستمتاع بها باللهج فيها. هو سفر يعلن مقاصد الله تجاه البشر، به تطمئن النفوس وتستريح متأكدة من سلطان الله وإمكانياته في حفظ أولاده في أشد الضيقات. وهو سفر صغير لأن الدينونة صارت على الأبواب وبقيت نبوات قليلة لم تتحقق بعد، وصار ما يحتمله المؤمنون هو إلى زمن يسير.

8. وضع رجليه اليمنى على البحر، واليسرى على الأرض: يقول الأسقف فيكتورينوس إن رجليه هما تلاميذه الذين يملأون البر والبحر شاهدين له وكارزين. ففي فترة ضد المسيح يظن كثيرون أن الكل قد انحرف ولم يعد بعد يوجد مؤمنون بالرب. هذا الشعور كفيل ببث روح اليأس لتحطيم المؤمنين أو الذين يريدون الرجوع عن انحرافهم. لهذا يؤكد لهم الملك الحقيقي أن له "الأرض وملؤها. المسكونة وكل الساكنين فيها" فلا يعدم شهودًا له في البر أو البحر. إنه حاضر على الأرض لحفظ كنيسته، وعامل بأولاده الغيورين من أجل الضعفاء.

9. صرخ مزمجرًا كالأسد: يا للعجب! في الوقت الذي فيه تمتلئ الأرض بتجديفات ضد المسيح وأتباعه على الرب، ويظن الكثيرون أنه لم يعد للرب بقية من أعضائه ككنيسة مجاهدة اللهم إلا حفنة خائرة هاربة ضعيفة، إذا بالله يصرخ على فم أولاده مزمجرًا كالأسد، إذ به "كالجبار يسرع في طريقه" (مز 19: 5) "يرعد بصوته عجبًا. يصنع عظائم لا ندركها" (أي 37: 5).

"وبعدما صرخ تكلمت الرعود السبعة بأصواتها. وبعدما تكلمت الرعود السبعة بأصواتها كان مزمعًا أن أكتب فسمعت صوتًا من السماء قائلاً لي: اختم على ما تكلمت به الرعود السبعة، ولا تكتبه" [4].

إذ صرخ استجابت الرعود السبعة، أيّ رعدت الطبيعة مستجيبة لندائه حتى ننتبه لندائه، إذ يقول الكتاب: "اسمعوا سماعًا رعد صوته... يرعد بصوت جلاله" (أي 37: 2) "أرعد الرب من السماوات والعليّ أعطى صوته" (مز 18: 13). أما ماذا قالت الرعود، فيكفينا قول الرب: "اختم على ما تكلمت به" ليوقف فينا كل تساؤل.

إننا متأكدون أنه لأجل خلاصنا وخيرنا طلب الرب هذا، فربما عن طريق هذه الأصوات عرف الرسول من هو ضد المسيح واسمه بالكامل ومولده وانكشاف هذا الأمر بوضوح له خطورته. وربما تكلمت الرعود بتوسع عن أمور محزنة مُرّة تحدُث في أيام ضد المسيح. ذكرها بالتفصيل يدفع بالمعاصرين له إلى اليأس... إذن لنصمت مادام الرب يريد هذا!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 10 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 10 جـ2 PDF Print Email
2. قَسَمْ الملاك

"والملاك الذي رأيته واقفًا على البحر وعلى الأرض رفع يده إلى السماء. وأقسم بالحي إلى أبد الآبدين، الذي خلق السماء وما فيها، والأرض وما فيها، والبحر وما فيه أن لا يكون زمان بعد. بل في أيام صوت الملاك السابع متى أزمع أن يبوق يتم أيضًا سرّ الله، كما بشر عبيده الأنبياء" [5-7].

رفع يده إلى السماء، ورفْعْ اليد هو تأكيد للمؤمنين عن خطورة ما يعلنه، موجهًا أنظارهم إلى السماء مصدر التعزية.

وماذا أعلن؟ إنه يعلن بقسم "أن لا يكون زمان بعد"، أيّ قد انتهي وقت الضيقة العظمى، وقت ضد المسيح.

هذا القسم يكشف لنا مدى المرارة التي يعانيها المؤمنون، وكما يقول الرب: "ولو لم تقصر تلك الأيام لم يخلص جسد. ولكن لأجل المختارين تقصر تلك الأيام" (مت 24: 22).

إنه يوجه الأنظار إلى البوق السابع الذي يعلن سرّ الله الذي بشر به عبيده الأنبياء. وما هذا السر ّإلا انقضاء الدهر ومجيء الرب للدينونة، كما سبق أن أنبأ به الأنبياء.

3. ابتلاع السفر

"والصوت الذي كنت قد سمعته من السماء كلمني أيضًا، وقال: اذهب، خذ السفر الصغير المفتوح في يد الملاك الواقف على البحر وعلى الأرض. فذهبت إلى الملاك، قائلاً له: اعطني السفر الصغير. فقال لي خذه وكله، فسيجعل جوفك مُرًا، ولكنه في فمك يكون حلوًا كالعسل. فأخذت السفر الصغير من يد الملاك وأكلته، فكان في فمي حلوًا كالعسل، وبعدما أكلته صار جوفي مُرًا. فقال لي: يجب أنك تتنبأ أيضًا على شعوب وأمم وألسنة وملوك كثيرين" [8-11].

يحمل هذا السفر الذي يعلن مقاصد الله تجاه كنيسته في طياته الآلام المرة التي ستعانيها خاصة في فترة ضد المسيح. هذا السفر الصغير رآه مفتوحًا، ولم يطلب منه أن يختم على ما يقرأه فيه كما طلب منه بخصوص ما تكلمت به الرعود السبعة [4] حيث أمر أن يأخذه ويأكله، أيّ يدركه ويعلنه للبشر.

وكان السفر حلوًا في فمه، لأنه يتحدث عن الشاهدين الآتيين في فترة ضد المسيح كما سنرى في الأصحاح التالي. وفي جوفه مُرًا لأنه يحمل فترة شديدة المرارة. ويعلل الأسقف فيكتورينوس حلاوته بسبب مكافأته التي ينالها لكرازته به. أما مرارته في جوفه فبسبب ما احتواه من آلام مُرّة.

لقد طلب من إرميا أن يأكل "كلمة الله" فقال: "وجدت كلامك فأكلته فكان كلامك لي للفرح ولبهجة قلب" (15: 16). وحزقيال أيضًا لما أكل السفر كان في فمه حلوًا كالعسل لكن في داخله مرارة ونحيب وويل (حز 2: 8-9؛ 3: 1-10).

حلو من أجل إدراكنا قصد الله أولاده، وتزكية الكثيرين في شدة الضيقة، وهو مُرّ من أجل ما يعانوه من ضيقات، ومن أجل حزنهم على المنحرفين، إذ يقولون كما قال المرتل: "الكآبة ملكتني من أجل الخطاة الذين حادوا عن ناموسك".

1 ثم رايت ملاكا اخر قويا نازلا من السماء متسربلا بسحابة و على راسه قوس قزح و وجهه كالشمس و رجلاه كعمودي نار
2 و معه في يده سفر صغير مفتوح فوضع رجله اليمنى على البحر و اليسرى على الارض
3 و صرخ بصوت عظيم كما يزمجر الاسد و بعدما صرخ تكلمت الرعود السبعة باصواتها
4 و بعدما تكلمت الرعود السبعة باصواتها كنت مزمعا ان اكتب فسمعت صوتا من السماء قائلا لي اختم على ما تكلمت به الرعود السبعة و لا تكتبه
5 و الملاك الذي رايته واقفا على البحر و على الارض رفع يده الى السماء
6 و اقسم بالحي الى ابد الابدين الذي خلق السماء و ما فيها و الارض و ما فيها و البحر و ما فيه ان لا يكون زمان بعد
7 بل في ايام صوت الملاك السابع متى ازمع ان يبوق يتم ايضا سر الله كما بشر عبيده الانبياء
8 و الصوت الذي كنت قد سمعته من السماء كلمني ايضا و قال اذهب خذ السفر الصغير المفتوح في يد الملاك الواقف على البحر و على الارض
9 فذهبت الى الملاك قائلا له اعطني السفر الصغير فقال لي خذه و كله فسيجعل جوفك مرا و لكنه في فمك يكون حلوا كالعسل
10 فاخذت السفر الصغير من يد الملاك و اكلته فكان في فمي حلوا كالعسل و بعدما اكلته صار جوفي مرا
11 فقال لي يجب انك تتنبا ايضا على شعوب و امم و السنة و ملوك كثيرين
 


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 10 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 11 جـ1 PDF Print Email

إرسال النبيين


برز في هذا الأصحاح اهتمام الله بإرسال الشاهدين لمقاومة ضد المسيح

1. إحصاء المؤمنين 1 - 2 .

2. إرسال النبيين 3 - 14 .

3. البوق السابع 15 - 19.

1. إحصاء المؤمنين

ثم أُعطيت قصبة شبه عصا، ووقف الملاك قائلاً لي: قم وقس هيكل الله والمذبح والساجدين فيه. وأما الدار التي هي خارج الهيكل فاطرحها خارجًا ولا تقسها، لأنها قد أعطيت للأمم، وسيدوسون المدينة المقدسة اثنين وأربعين شهرًا" [1-2].

سينادي ضد المسيح بنفسه إلهًا "حتى أنه يجلس في هيكل الله كإله، مظهرًا نفسه أنه إله" (2 تس 2: 4)، وسيأخذ مدينة أورشليم "المدينة المقدسة" مركزًا لبث أفكاره الشيطانية. ويرى القديس كيرلس الأورشليمي أن اليهود الأشرار يتقبلونه مسيحًا لهم، ويتعبدون له، ظانين أنه يقدر أن يبني لهم هيكل سليمان ويعيد إليهم مجدهم القديم، منخدعين وراءه بسبب الآيات والعجائب التي يصنعها.

وسينخدع وراءه أيضًا بعض المسيحيين الذين ينتظرون ملكوتًا أرضيًا، فيحسبونه السيد المسيح جاء ليملك على الأرض الماديّة. لهذا يحذرنا الرب قائلاً: "حينئذ إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدقوا" (مت 24: 23).

وهنا يطمئنا الرب يسوع أن أولاد الله الحقيقيين الذين تعلقت نفوسهم بالرب منتظرين ملكوتًا أبديًا سماويًا، هؤلاء محفوظون ومعروفون لديه.

لقد سبق أن أعطى لحزقيال قصبة قياس (حز 40: 5)، وهنا أخذ الرائي قصبة شبه عصا، أيّ قصبة قويّة وثابتة ليقيس أولاد الله "هيكل الله"، هؤلاء الذين يسجدون بالروح والحق ليس ابتغاء مجد زمني مادي، بل حياة أبديّة خالدة مع ربنا يسوع. أما الذين هم خارج الهيكل، أيّ غير المؤمنين، فلا يقسهم، لأن برفضهم السكنى مع الله لا يعرفهم الرب كأبناء أخصاء.

ويرى الأسقف فيكتورينوس أن الهيكل يشير إلى المؤمنين الثابتين في الكنيسة، والدار الخارجية هم الخارجون عن الكنيسة. أما مدة الاثنين والأربعين شهرًا فهي المدة التي يضلل فيها المُخادع "ضد المسيح".

2. إرسال النبيين

"وسأعطي لشاهديَ فيتنبآن ألفًا ومائتين وستين يومًا لابسين مسوحًا" [3].

في الوقت الذي فيه يظلم العالم بسبب مجيء ضد المسيح وانتشار أضاليله، يرسل الله شاهديه "إيليا وأخنوخ" اللابسين مسوحًا، الزاهدين في أمور هذا الزمان، ليُقاوما ذاك الذي يُنَصِّب نفسه ملكًا وهو مترفه مع أتباعه. وقد نادى الآباء الأولون بأن الشاهدين هما إيليا وأخنوخ وفي مقدمتهم يوستينوس الشهيد وهيبوليتس وأغناطيوس النوراني والعلامة" ترتليان وأغسطينوس ومار أفرام السرياني والأب يوحنا الدمشقى.

يقول الأسقف هيبوليتس: [إنه لأمر طبيعي أن يظهر أولاً (قبل الدينونة) سابقاه كما قال على لسان ملاخي: "أٌرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن" (4: 5-6)].

يقول العلامة ترتليان "لقد انتقل أخنوخ (تك 5: 24، عب 11: 5) وأيضًا إيليا (2 مل 2: 11) دون أن يذوقا الموت. لقد أُرجئ موتهما إذ هما محفوظان ليحتملا الموت حتى أنه بدمهما يسحقا ضد المسيح" (رؤ 11: 13).

هكذا يهب لهما الرب روح النبوة "فيتنبآن" وتكون لهما القدرة على صنع المعجزات والوعظ ومحاورة ضد المسيح وشيعته. أما فترة شهادتهما فهي 1260 يومًا إلى يوم إستشهادهما. أما فترة ضد المسيح فهي 42 شهرًا أو ثلاث سنين ونصف أيّ 1278 أو 1279 يومًا، فيبقى 18 أو 19 يومًا بين إستشهادهما وموت ضد المسيح وانتهاء مملكته.

أما النبيان فيصفهما الوحيّ هكذا:

1. صانعا السلام: "هذان هما الزيتونتان" [4]،
إذ يشير الزيتون إلى السلام والبناء، لا إلى التخريب والهدم. فكما جاءت حمامة نوح معلنة بغصن الزيتون نهاية الطوفان هكذا يعلن الروح القدس خلال الشاهدين عن حفظه للكنيسة وفرحها الداخلي وسلامها الذي لن يُنزع من قلبها. وكما حمل الشعب أغصان الزيتون متهللين بالرب داخل أورشليم ليُذبح عن عروسه، هكذا يتقدم إيليا وأخنوخ كغُصني زيتون تتهلل بهما الكنيسة المنتصرة التي تُذبح من أجل عريسها.

2. شاهدان للنور الحقيقي: "المنارتان القائمتان أمام رب الأرض" [4]. في شهادتهما له لا يفارقهما الرب بل يكونان على الدوام قائمين أمامه. وهذا يعطيهما الشجاعة والحكمة في خدمتيهما. يكونان كمنارتين، ونحن نعلم أن المنارة كانت في الهيكل تُضاء بالزيت الذي يشير إلى الروح القدس. هكذا لا يشهد إيليا وأخنوخ من ذاتهما، بل ينير فيهما الروح القدس روح أبيهم الذي يتكلم فيهما (مت 10: 20). أنهما بروح الرب يُعينان الكنيسة في عملها الإلهي، أيّ الشهادة للرب. فنتأكد من وعد الرب أنه ليس بالقدرة ولا بالقوة لكن بروحه (زك 4: 6) تشهد له.

3. غيوران: "وإن كان أحد يريد أن يؤذيهما، تخرج نار من فمهما، وتأكل أعداءهما، وإن كان أحد يريد أن يؤذيهما فهكذا لابد أنه يُقتل" [5].

هذا يذكرنا بما صنعه إيليا مع قائديّ الخمسين وجنودهما حين طلب نارًا من السماء فأحرقتهم (2مل 1: 10-12). سيتكلم الشاهدان بكلمة الله النارية التي تحرق قش البدع والهرطقات التي يبثها ضد المسيح وأتباعه، وذلك كوعد الرب لإرميا النبي: "أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقة تحطم الصخرة؟" (إر 23: 29)، "هأنذا أجعل كلامي في فمك نارا وهذا الشعب حطبًا فتأكلهم" (إر 5: 14). هكذا تتسلح الكنيسة دومًا بكلمة الله الناريّة التي تحرق في داخلنا قش الخطيّة وتبدد أيضًا كل قوات إبليس وتلاشي كل ظلمة.

4. يصنعان معجزات: "هذان لهما السلطان أن يغلقا السماء، حتى لا تمطر مطرًا في أيام نبوتهما. ولهما سلطان على المياه، أن يُحوِّلاها إلى دم، وأن يضربا الأرض ضربة كلما أرادا" [6].

يهبهما الله سلطانًا واسعًا لا كإبراز قوة أو سلطان، لكن لأجل رد النفوس وخلاص الذين انحرفوا وراء ضد المسيح. إنهما يصنعان ما فعله إيليا مع الشعب المرتد إلى عبادة الأصنام (1 مل 17-18) وما صنعه موسى بسبب قسوة فرعون.

شهادتهما

"ومتى تمما شهادتهما، فالوحش الصاعد من الجحيم سيصنع معهما حربًا، ويعذبهما ويقتلهما" [7].

الحرب قائمة طوال مدة شهادتهما، والرب حافظهما. وفي الوقت المحدد الذي يرى فيه أنهما قد تمما رسالتهما، وبقي أن يثبتاها بالاستشهاد، يسمح لضد المسيح الصاعد من الجحيم إذ يسكنه إبليس أن يغلبهما ويقتلهما. وفى قتلهما لا تموت شهادتهما بل تتأكد أكثر فأكثر، لأنهما شهدا للحق حتى الموت. وفى قتلهما تستكين نفوس المجدِّفين ظانين أنه قد مات اللذان كانا يعذبان ضمائرهم وقلوبهم بكلمة الحق.

"وتكون جثتاهما على شارع المدينة العظيمة، التي تدعى روحيًا سدوم ومصر حيث صلب ربنا أيضًا" [8].

يستخدم ضد المسيح حيلاً شيطانيّة للتنكيل بهما فيترك جثتهما في الشارع لمدة ثلاثة أيام ونصف. وجاء النص اليوناني "جثتاهما" بصيغة المفرد، إشارة إلى أن ما يحدث بجثتيهما ليس عن عداء شخصي بل هو عداء ضد الكنيسة الواحدة، فإذ عملا بروح واحد نالا نصيبًا واحدًا، هو نصيب الشاهد الأمين للحق أن يُهان ويُرذل من الأشرار. لكن الله يحوِّل الشر إلى خير، فيجعل من هذا التصرف الصبياني فرصة لإعلان شهادتهما حتى يتمجد فيهما بعد قليل.

والعجيب أن شهادتيهما تكونان في أورشليم التي تمتعت بوجود الرب بالجسد، فإنها:

1. تُدعى عظيمة لا في قداستها، لكن في الشر الذي يبثه ضد المسيح هناك.

2. تُدعى روحيًا سدوم، إشارة إلى شدة انحطاطها وفسادها (إش 1: 10)، ومصر بسبب القسوة التي أظهرها فرعون.

3. وهي التي صلب فيها ربنا، فإذ سبق أن احتقرت الرب، ها هي تحتقر أولاده.

"وينظر أناس من الشعب والقبائل والألسنة والأمم جثتيهما ثلاثة أيام ونصف، لا يدعون جثتيهما توضعان في قبور. ويشمت بهما الساكنون على الأرض، ويتهللون ويرسلون هدايا بعضهم لبعض، لأن هذين النبيين كانا قد عذَّبا الساكنين على الأرض" [9-10].

إنهم يهينون جثتيهما بتركهما منظرًا للشماتة. وإذ يكون في مملكة ضد المسيح مندوبون من كل الشعوب والقبائل والألسنة والأمم في مدينة أورشليم مركز بث أفكاره الشيطانية، يسرعون بالتطلع إليهما في شماتة، ويمتلئ قلب الأشرار تهليلاً وتشفيًا لأنه كان معذبًا بتوبيخهما. ستستكين قلوبهم ويتبادلون الهدايا والتهاني، ولكن إلى حين!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 11 جـ2 PDF Print Email
إقامتهما وصعودهما

"ثم بعد الثلاثة أيام والنصف دخل فيهما روح حياة من الله، فوقفا على أرجلهما، وقع خوف عظيم على الذين ينظرونهما" [11].

لا يقوما بسلطانهما الشخصي، لأنهما مخلوقان عاديان، وليس كالإله المتجسد الذي له سلطان أن يضع نفسه وأن يقيمها، بل ذاك الذي سمح باستشهادهما وترك الناس يشمتون فيهما حوَّل هذا لتأكيد رسالتيهما، إذ وهب لهما "روح حياة".

هذا العمل أعاد الرجاء في النفوس التي خارت وانحرفت، لأن رجاء الكنيسة المفرح يتركز في القيامة (1تس 4: 16-18) إذ تختم دستور إيمانها بالقول: "وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي".

بهذا العمل تترنم الكنيسة قائلة "عند المساء يبيت البكاء وفي الصباح الترنم" (مز 30: 5).

لكن لكي لا يجترئ أحد فيظن أنهما يقومان بفعل شيطاني، سمع الواقفون "صوتًا عظيمًا من السماء قائلاً لهما: اصعدا إلى ههنا. فصعدا إلى السماء في السحاب،ة ونظرهما أعداؤهما" [12].

وزاد التأكيد بأنه "في تلك الساعة حدثت زلزلة عظيمة، فسقط عُشر المدينة، وقٌتل بالزلزلة أسماء من الناس سبعة آلاف، وصار الباقون في رعبةٍ وأعطوا مجدًا لإله السماء" [13]. تؤكد الزلزلة سمائيّة رسالتهما، ويشهد بذلك بقية الناس الذين لم يُقتَلوا بالزلزلة، لكنهم للأسف لا يتوبون، بل يرهبون ويعطون مجدًا "لإله السماء" دون أن يقبلوه "إلهًا لهم". سيشهدون له، لكنهم لا يريدون الانتساب إليه، يعرفون قوته، لكنهم لا يختبرونها، يرهبونه لكنهم لا يحبونه.

بهذا يختتم الشاهدان رسالتيهما، وقد بقي لنا أن نعرف عنهما:

أولاً:
أنهما اثنان لأنه "على فم شاهدين تقوم كل حجة".

ثانيًا: جاءا بروح السيد المسيح فاديهما، متمثلين به في أمور كثيرة:

1. أن مدة خدمتهما حوالي ثلاث سنين ونصف، وهي مدة خدمة السيد المسيح العلنية.

2. صلب الرب من أجل الحق، ووهب لهما أن يستشهدا في نفس المدينة.

3. قام الرب بسلطانه ووهب لهما "روح حياة" لتأكيد رسالتهما.

4. صعد الرب أمام الكنيسة ليعلق قلبها بالسماء، لأنه حيث يكون الرأس تكون الأعضاء أيضًا، أما النبيان فيصعدهما الرب والكنيسة كلها مشتتة في البراري، لكنه يصعدهما أمام أتباع ضد المسيح والمنحرفين لكي يبكتهم.

5. عند صلب الرب حدثت زلزلة، فقام قديسون في المدينة فرحين متهللين بالخلاص. وعند إصعاد الشاهدين تحدث زلزلة يموت فيها عُشر الناس المعروفين بغلاظتهم لتقديم فرصة لتوبة البقية.

وهكذا يكون "الويل الثاني مضى، وهوذا الويل الثالث يأتي سريعًا" [14].

3. البوق السابع: مجيء الرب للدينونة

يُعلن البوق الأخير عن الأحداث الأخيرة الخاصة بمجيء ربنا يسوع على السحاب، أيّ بعد ضد المسيح مباشرة.

"ثم بوق الملاك السابع، فحدثت أصوات عظيمة في السماء، قائلة، قد صارت ممالك العالم لربنا ومسيحه، فسيملك إلى أبد الآبدين. والأربعة والعشرون قسيسًا الجالسون أمام الله على عروشهم خروا على وجوههم وسجدوا له، قائلين: نشكرك أيها الرب الإله القادر على كل شيء، الكائن والذي كان والذي يأتي، لأنك أخذت قدرتك العظيمة وملكت. وغضبت الأمم، فأتى غضبك وزمان الأموات ليدانوا، ولتعطى الأجرة لعبيدك الأنبياء والقديسين والخائفين اسمك، الصغار والكبار، وليهلك الذين كانوا يُهلكون الأرض" [15-18].

ما أن ارتفع إيليا وأخنوخ حتى سادت السماء أناشيد النصرة التي لا يكف الأربعة وعشرون قسيسًا وكل السمائيّين عن التسبيح بها. لقد بلغت مقاصد الله غايتها، وكل شيء قد تم لكي يظهر الرب منتصرًا بعد ما تزول السماء والأرض الماديتان، لهذا نطق الأربعة والعشرون قسيسًا بتسبحة الشكر، كما ينطق الأربعة المخلوقات الحية بالشكر أيضًا (رؤ 4: 9).

لهذا لا تكف الكنيسة عن أن تعلمنا "تسبحة الشكر" في كل وقت وفى كل مناسبة، فنصلي بصلاة الشكر في صلواتنا الفردية والعائلية والكَنََسيّة، في القداسات، وفى الأفراح وفى الأحزان، وبهذا نتدرب على لغة السماء "التسبيح والشكر"!

والعجيب في التسبحة المذكورة أنها تنسب للرب على ما يهبنا إياه، فإذ ننال نحن القدرة العظيمة ونملك معه إلى الأبد، تسبحه الملائكة: "لأنك أخذت قدرتك العظيمة وملكت".

والجميل أيضًا أن الله يجازي خائفيه "الصغار والكبار"، مبتدئًا بالصغار (مز 115: 13)، إذ هو لا ينسى أحدًا!

أما غضبه على الأشرار وإهلاكه لهم فليس إلاّ ثمرة طبيعية لفعلهم الذي يرتد عليهم إذ "كانوا يهلكون الأرض". ليس في الله بغضة ولا حب انتقام بانفعالات بشريّة، لكنه في عدله يترك الأشرار فيهلكهم شرهم الذي اختاروه وأحبوه وارتبطوا به.

منظر آخر

"وانفتح هيكل الله في السماء وظهر تابوت عهده في هيكله"

كلمة "هيكل" في اليونانية تعني هنا "قدس الأقداس"، الموضع الذي لا يدخله إلاّ رئيس الكهنة مرة واحدة في السنة.

لأول مرة ينفتح بيت العرس ويدخل الإنسان ليرى الله وجهًا لوجه في كمال أمجاده وعظمته، ويرى تابوت عهد الرب، أيّ يدرك وجود الله في أروع صورة. ويبقى هناك متأملاً هائمًا من لحظة إلى لحظة - إن صح التعبير - كأنه لأول مرة يراه ويبقى هكذا إلى الأبد.

ليقف القلم وليبكم اللسان ولتنتهِ التعبيرات، ولنتأمل وعد الله الأمين، أن ندخل إلى فرح سيدنا ويكون لنا الله إلهًا، ونحن نكون له أبناء.

هذا هو الجانب المُفرح للدينونة، أما بالنسبة لدينونة الأشرار فيقول: "وحدثت بروق وأصوات ورعود وزلزلة وبرد عظيم" [19]. إنها ثورة عارمة يراها الأشرار ويلمسونها بسبب شرِّهم وإثمهم فلا يطيقونها.

1 ثم اعطيت قصبة شبه عصا و وقف الملاك قائلا لي قم و قس هيكل الله و المذبح و الساجدين فيه
2 و اما الدار التي هي خارج الهيكل فاطرحها خارجا و لا تقسها لانها قد اعطيت للامم و سيدوسون المدينة المقدسة اثنين و اربعين شهرا
3 و ساعطي لشاهدي فيتنبان الفا و مئتين و ستين يوما لابسين مسوحا
4 هذان هما الزيتونتان و المنارتان القائمتان امام رب الارض
5 و ان كان احد يريد ان يؤذيهما تخرج نار من فمهما و تاكل اعداءهما و ان كان احد يريد ان يؤذيهما فهكذا لا بد انه يقتل
6 هذان لهما السلطان ان يغلقا السماء حتى لا تمطر مطرا في ايام نبوتهما و لهما سلطان على المياه ان يحولاها الى دم و ان يضربا الارض بكل ضربة كلما ارادا
7 و متى تمما شهادتهما فالوحش الصاعد من الهاوية سيصنع معهما حربا و يغلبهما و يقتلهما
8 و تكون جثتاهما على شارع المدينة العظيمة التي تدعى روحيا سدوم و مصر حيث صلب ربنا ايضا
9 و ينظر اناس من الشعوب و القبائل و الالسنة و الامم جثتيهما ثلاثة ايام و نصفا و لا يدعون جثتيهما توضعان في قبور
10 و يشمت بهما الساكنون على الارض و يتهللون و يرسلون هدايا بعضهم لبعض لان هذين النبيين كانا قد عذبا الساكنين على الارض
11 ثم بعد الثلاثة الايام و النصف دخل فيهما روح حياة من الله فوقفا على ارجلهما و وقع خوف عظيم على الذين كانوا ينظرونهما
12 و سمعوا صوتا عظيما من السماء قائلا لهما اصعدا الى ههنا فصعدا الى السماء في السحابة و نظرهما اعداؤهما
13 و في تلك الساعة حدثت زلزلة عظيمة فسقط عشر المدينة و قتل بالزلزلة اسماء من الناس سبعة الاف و صار الباقون في رعبة و اعطوا مجدا لاله السماء
14 الويل الثاني مضى و هوذا الويل الثالث ياتي سريعا
15 ثم بوق الملاك السابع فحدثت اصوات عظيمة في السماء قائلة قد صارت ممالك العالم لربنا و مسيحه فسيملك الى ابد الابدين
16 و الاربعة و العشرون شيخا الجالسون امام الله على عروشهم خروا على وجوههم و سجدوا لله
17 قائلين نشكرك ايها الرب الاله القادر على كل شيء الكائن و الذي كان و الذي ياتي لانك اخذت قدرتك العظيمة و ملكت
18 و غضبت الامم فاتى غضبك و زمان الاموات ليدانوا و لتعطى الاجرة لعبيدك الانبياء و القديسين و الخائفين اسمك الصغار و الكبار و ليهلك الذين كانوا يهلكون الارض
19 و انفتح هيكل الله في السماء و ظهر تابوت عهده في هيكله و حدثت بروق و اصوات و رعود و زلزلة و برد عظيم
 


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 12 جـ1 PDF Print Email

مقاومة التنين للكنيسة


في هذا الأصحاح تظهر الكنيسة المجاهدة:

1. مقاومة إبليس للكنيسة 1 - 6.

2. مساندة السماء للكنيسة 7 - 12.

3. اشتداد المقاومة 13 - 17.

1. مقاومة إبليس للكنيسة

"وظهرت آية عظيمة في السماء، امرأة متسربلة بالشمس، والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا. وهى حُبلى تصرخ متمخضة ومتوجعة لتلد" [1-2].

من هي هذه المرأة التي لها هذا الوصف؟ والتي ولدت الابن؟ والتي قاومها إبليس وقد هربت منه؟ والتي لا يزال يقاومها ويقاوم نسلها إلى أن يُطرح في البحيرة المتقدة بالنار؟ أقرَّ آباء الكنيسة الأولى أن هذه المرأة التي ولدت لنا الرب يسوع هي الكنيسة التي هي جماعة المؤمنين منذ عهد الآباء، أي منذ آدم إلى نهاية الدهور.

يقول الأسقف فيكتورينوس: [إنها كنيسة الآباء والأنبياء والقديسين والرسل التي كانت تتسم بالتنهدات والآلام حتى رؤية السيد المسيح، ثمرة شعبها بالجسد الذي وعدوا به زمنًا طويلاً، آخذًا الجسد من نفس الشعب. والتحافها بالشمس يشير إلى رجاء القيامة في ظلمتهم. والقمر (تحت رجليها) يشير إلى سقوط أجساد القديسين تحت إلزاميّة الموت غير المنتهي... وهم منيرون كالقمر في ظلمتهم. والأكاليل من الإثنى عشر كوكبًا هو جوقة الآباء الذين منهم أخذ السيد المسيح جسدًا.]

لكن للأسف أخذ بعض المحدثين الغربيين ونقل عنهم بعض الشرقيين مثل هذا التفسير بصورة مشوهة فنادوا بأن هذه المرأة هي الشعب اليهودي وأن ما يتبع هذا خلال الإصحاحات (12-14) إنما يخص الشعب اليهودي. لكن يليق بنا أن نفهم "الكنيسة" في المفهوم الآبائي السليم من نفس التفسير السابق أنها كنيسة الآباء والأنبياء والقديسين والرسل.

بدأت الكنيسة بآدم ودخل في عضويتها الآباء مثل إبراهيم واسحق ويعقوب وأخنوخ... وفي وقت الناموس انضم إلى عضويتها الشعب اليهودي ومعه بعض الأممين الداخلين الإيمان. في هذه الفترة جاء ربنا يسوع متجسدًا من الكنيسة، كنيسة العهد القديم، من اليهود، لكن خرج اليهود كيهودٍ من العضوية في الكنيسة، إذ انحرفوا عن الإيمان رافضين الخلاص، وبهذا لم يعودوا شعبًا مؤمنًا أو كنيسة أو إسرائيل، بل صاروا غير مؤمنين، وهم بهذا لم يغلقوا باب الكنيسة ولا ماتت بموتهم ولا انحرفت، لكن دخل الأمم كامتداد للكنيسة. وبهذا فإن الحديث عن المرأة يخص الكنيسة الواحدة التي فوق حدود الزمن والجنس. فالحديث في هذا الأصحاح يخص الكنيسة منذ نشأتها إلى نهاية الأجيال.

وحينما نقول "الكنيسة" لا نستطيع أن نفصلها عن العذراء مريم التي ارتبطنا بها في شخص السيد المسيح كأم جميع الأحياء. فهي أيضًا كما يقول الآباء الأولون هي المرأة الملتحفة بالشمس والقمر تحت رجليها، إذ سكنها ربنا يسوع شمس البرّ، ونالت مجدًا سماويًا... التي ولدت الابن البكر.

وبنفس الروح وبغير أي تعريج نقول إن ما رآه الرسول في هذا الإصحاح يخص كنيسة العهد الجديد، لأنها غير منفصلة عن كنيسة العهد القديم، ولا مستقلة عنها، بل ينسب لها آباء العهد القديم والأنبياء والناموس والمواعيد. فإذ جاء ربنا يسوع متجسدًا من العذراء مريم أو من اليهود، إلا أنه يمكننا أن نقول أنه جاء متجسدًا من الكنيسة التي تعتز بعضوية العذراء مريم، والتي امتدت إلى الوراء حتى حملت في عضويتها جميع الذين جاء الرب منهم متجسدًا.

ويقول الأب هيبوليتس: [واضح جدًا أنه قصد بالمرأة المتسربلة بالشمس الكنيسة التي أمدها بكلمة الآب إذ بهاؤها يفوق الشمس.]

ويشير بقوله "القمر تحت رجليها" إلى كونها قد تجلت بمجد سماوي يفوق القمر. كما تشير العبارة "وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا" إلى الإثنى عشر رسولاً الذين أقاموا الكنيسة. وأما القول بأنه من أجل ابنها "تصرخ متمخضة ومتوجعة لتلد" فيعني أن الكنيسة لن تكف عن أن تحمل في قلبها "الكلمة" الذي يضطهده غير المؤمنين في العالم. هذه هي الكنيسة التي وصفها ربنا قائلاً: "من هي المشرقة مثل الصباح جميلة كالقمر. طاهرة كالشمس. مرهبة كجيش بألوية" (نش 6: 10).

هذه الكنيسة يقاومها إبليس، إذ يقول: "وظهرت آية أخرى في السماء، هوذا تنين عظيم أحمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى رؤوسه سبعة تيجان" [3].

إنه منذ خلقة الإنسان ولا يكف إبليس "التنين" عن حسده له. هذا التنين العظيم "أحمر" وكما يقول الأسقف فيكتورينوس إن هذا اللون بسبب عمله، لأنه "كان قتَّالاً للناس من البدء" (يو 8: 44)، فهو لا يكف عن التخريب والتدمير بين البشرية محاولاً إهلاك أولاد الله. وله سبعة رؤوس، أي دائم التفكير في هذا القتال. وله عشرة قرون، أي يستخدم كل شدة قوته وسلطانه الممتد على الأرض لإفساد الإيمان. وعلى رؤوسه سبعة تيجان، إذ ينصب نفسه ملكًا في قلوب الأشرار مسيطرًا على أفكارهم ونيَّاتهم وحواسهم وتصرفاتهم ...

ويرى الأسقف فيكتورينوس أنه عندما يأتي ضد المسيح في أواخر الأزمنة سيخدع 10 ملوك (10 قرون) يستخدمهم في تحطيم الإيمان.

"وذنبه يجر ثُلث نجوم السماء، فطرحها إلى الأرض، والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد، حتى يبتلع ولدها متى ولدت" [4].

يري البعض أن في هذا إشارة إلى أن ضد المسيح يخدع ثلث المؤمنين ويضللهم، لكن الأسقف فيكتورينوس يُرجح أن التفسير الأصوب هو أن الشيطان في سقوطه جذب إليه عددًا كبيرًا من الملائكة فسقطوا معه من السماء (يه 6). وفي هذا ينكشف لنا خطورته وتحفزه للإهلاك والإفساد.

ولم يقف عند إسقاطه لبعض الملائكة وتضليله للبشر، بل ظن أنه يُميت الرب يسوع، لكنه إذ هو ليس من زرع البشر لم يغلبه الموت، بل قام الرب من الأموات في اليوم الثالث، مقيمًا إيانا من قبر الخطية، مُصعدًا مؤمنيه إلى حيث هو قائم. لهذا يقول الرائي:

فولدت ابنًا ذكرًا عتيدًا أن يرعى جميع الأمم بعصا من حديد، واختطف ولدها إلى الله وإلى عرشه" [5].

هذا الذي أراد إبليس افتراسه، هو راع يضم في حظيرته جميع الأمم، يسحق قوى الشر بعصا من حديد. وها هو في العرش الإلهي يرفع فيه البشرية الساقطة إلى الأعالي. هذا بالنسبة للسيد المسيح أما عن حال الكنيسة في غربتها فيقول الرائي:

"والمرأة هربت إلى البرية، حيث لها موضع معد من الله، لكي يعولها هناك ألفًا ومئتين وستين يومًا" [6].

إنها الكنيسة الهاربة دومًا من وجه إبليس لتعيش متقشفة في برية هذا العالم، تنتظر مسكنها الجديد، أورشليم السمائية، المعد لها من الله. ومدة الألف ومائتين وستين يومًا أي حوالي ثلاث سنين ونصف ترمز إلى كل أيام الغربة التي يقضيها المؤمنون على الأرض.

في كنيسة العهد القديم نجد إيليا هاربًا من وجه ايزابل ثلاث سنين ونصف. وفي كنيسة العهد الجديد نجد العذراء مريم مع ربنا يسوع يرافقهما يوسف النجار هاربين من وجه هيرودس الذي أثاره إبليس (وقد قيل أنهم بقوا ثلاث سنين ونصف). وفي فترة ضد المسيح أيضًا تعاني الكنيسة منه حوالي ثلاث سنين ونصف هاربة في البراري والجبال من شدة الضيق.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 12 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 12 جـ2 PDF Print Email
2. مساندة السماء للكنيسة

"وحدثت حرب في السماء: ميخائيل وملائكته حاربوا التنين، وحارب التنين وملائكته. ولم يقووا، فلم يوجد مكانهم بعد ذلك في السماء" [7-8].

يرى الأسقف فيكتورينوس أن هذه هي بداية فترة "ضد المسيح" إذ يحارب رئيس الملائكة ميخائيل إبليس، فيقوى عليه ويُسقطه من السماء حتى لا يشتكي ضد المؤمنين. وهنا يجدر بالمؤمنين أن يقفوا قليلاً يتأملون في محبة "رئيس جند الرب" الملاك الجليل الذي يحامي عن أولاد الله (دا 12: 1؛ 1 تس 4: 16؛ يه 9). إذ هو كملاك نوراني يشتهي أن نصير نورانيين، مقاتلاً عنا ملائكة الظلمة!

على أثر هذه الحرب يسقط إبليس محتضرًا لهذا يبث كل سمومه، باذلاً كل طاقاته للانتقام فيما تبقى له من وقت يسير لكي يُطرح في جهنم إلى الأبد. وبهذا تبدأ فترة ضد المسيح ويأتي الشاهدان.

"فطرح التنين العظيم الحيَّة القديمة المدعو إبليس، والشيطان الذي يضل العالم كله طُرح إلى الأرض، وطُرحت معه ملائكته" [9].

يا لها من نصرة عظيمة أن يسقط إبليس من السماء لكي لا يشتكي علينا، لكنه في اللحظات الأخيرة له لا يكف عن التضليل وهو يُدعى:

1. التنين العظيم،
أي ضخمًا قاسيًا مرعبًا.

2. الحية القديمة، له خبرة طويلة في الخداع، وعداوته لنا منذ وجدت البشرية (تك 3: 2، 15).

3. إبليس أي "المفتري ظلمًا"، إذ يفتري على الكنيسة دومًا.

4. الشيطان، أي المُعاند.

5. "الذي يضل العالم كله"... وهذه هي طبيعة عمله.

إذ سقط العدو في أنفاسه الأخيرة يقول الرسول:

"وسمعت صوتًا عظيمًا ً في السماء: الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه، لأنه قد طُرح المشتكي على إخوتنا، الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهارًا وليلاٌ. وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم، ولم يحبوا حياتهم حتى الموت. من أجل ذلك افرحي أيتها السماوات والساكنون فيها. ويل لساكني الأرض والبحر، لأن إبليس نزل إليكم، وبه غضب عظيم، عالمًا أن له زمانًا قليلاً" [10-12].

لقد تكشف للسمائيون ضعف إبليس وظهرت هزيمته عندما أُلقيَ من السماء. لقد ابتهجوا باقتراب إعلان نصرة الإنسان في يوم الدينونة المجيد، وذلك بالدم الثمين. وفي بهجتهم وحبهم للبشر دعوا الكنيسة التي لا تزال في الأرض مجاهدة "إخوتهم"، إذ سيصيرون مثلهم تقريبًا كملائكة الله.

لقد امتزجت مشاعر الترنيم والفرح بالإشفاق من أجل ما ستعانيه الكنيسة من إبليس بنزوله إليها لمحاربتها في شخص ضد المسيح وأتباعه. لكن لتترنم السماء، وليفرح أيضًا الذين في الفردوس، ولتستعد الأبدية للعرس الأبدي، لأنه قد اقتربت الساعة للغاية وبقي زمان قليل!

3. اشتداد المقاومة

"ولما رأي التنين أنه طرح إلى الأرض، اضطهد المرأة التي ولدت الابن الذكر. فأُعطيت المرأة جناحي النسر العظيم، لكي تطير إلى البرية إلى موضعها، حيث تُعال زمانًا وزمانين ونصف زمان من وجه الحيَّة" [13-14].

إذ يشن التنين هجومًا شيطانيًا ضد الكنيسة، يهب الله لها "جناحيّ نسر"، فتكون كالنسر هاربة من ضد المسيح لا في خزي وعار بل بقوة هائمة في البرية بعيدًا عن أدناسه. وكما يقول النبي: "وأما منتظرو الرب فيجددون قوة. يرفعون أجنحة كالنسور. يركضون ولا يتعبون، يمشون ولا يعيون" (إش 40: 31).

ويرى الأسقف فيكتورينوس أن جناحي النسر هما النبيان اللذان ينذران المؤمنين بالذهاب إلى البراري. ويرى الأب هيبوليتس أنهما الإيمان بالسيد المسيح، الذي يشبه نفسه بالدجاجة التي تجمع أولادها تحت جناحيها.

ويتأمل كثيرون في هذين الجناحين ليروهما لازمين في كل عصر، وفي حياة كل مؤمن، لكي يطير هائمًا في السماويات بعيدًا عن شهوات العالم. فمنهم من نادى أنهما الإيمان والأعمال، أو محبة السماويات والاستهانة بالأرضيات، أو محبة الله ومحبة القريب، أو الرغبة في مجد الله والرغبة في خلاص الناس.

على أي الأحوال لننتفع بهذين الجناحين ولنصعد بربنا يسوع لنجلس معه في السماويات. لكن الحيَّة القديمة لن تتوقف عن الزحف وراءنا ومقاومتنا:

"فألقت الحيَّة من فمها وراء المرأة كنهر، لتجعلها تُحمل بالنهر" [15].

يرى الأسقف فيكتوريانوس أن هذا الماء [يشير إلى الجموع التي يسيطر عليها ضد المسيح وتضطهد الكنيسة.]

ويبدو أن المقاومة ستكون في منتهى الشدة، فإذا طبقنا ما جاء في دانيال النبي (11: 31-35) على هذه الفترة، فإننا نعلم أن ضد المسيح يدخل إلى الكنائس ويُدنس الهياكل ويفسد ويُخرب ولا تُقدم الذبيحة، ويستخدم كل وسائل التملق لإغواء المؤمنين، حتى أن بعض الفاهمين يتعثرون. لكن الله لا يترك أولاده هكذا يهلكون، بل "أما الشعب الذين يعرفون إلههم فيقْوون ويعملون والفاهمون من الشعب يعلمون كثيرين" (دا 11: 32- 33).

يقول الرائي: "فأعانت الأرض المرأة، وفتحت الأرض فمها، وابتلعت النهر الذي ألقاه التنين من فمه. فغضب التنين على المرأة، وذهب ليصنع حربًا مع باقي نسلها، الذين يحفظون وصايا الله، وعندهم شهادة يسوع المسيح" [16-17].

ولعل الإعانة تكون بإثارة الحرب بين بعض الممالك مما يفسد قوة ضد المسيح ويهز كيانه (راجع تفسير رؤ 9).

1 و ظهرت اية عظيمة في السماء امراة متسربلة بالشمس و القمر تحت رجليها و على راسها اكليل من اثني عشر كوكبا
2 و هي حبلى تصرخ متمخضة و متوجعة لتلد
3 و ظهرت اية اخرى في السماء هوذا تنين عظيم احمر له سبعة رؤوس و عشرة قرون و على رؤوسه سبعة تيجان
4 و ذنبه يجر ثلث نجوم السماء فطرحها الى الارض و التنين وقف امام المراة العتيدة ان تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت
5 فولدت ابنا ذكرا عتيدا ان يرعى جميع الامم بعصا من حديد و اختطف ولدها الى الله و الى عرشه
6 و المراة هربت الى البرية حيث لها موضع معد من الله لكي يعولوها هناك الفا و مئتين و ستين يوما
7 و حدثت حرب في السماء ميخائيل و ملائكته حاربوا التنين و حارب التنين و ملائكته
8 و لم يقووا فلم يوجد مكانهم بعد ذلك في السماء
9 فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو ابليس و الشيطان الذي يضل العالم كله طرح الى الارض و طرحت معه ملائكته
10 و سمعت صوتا عظيما قائلا في السماء الان صار خلاص الهنا و قدرته و ملكه و سلطان مسيحه لانه قد طرح المشتكي على اخوتنا الذي كان يشتكي عليهم امام الهنا نهارا و ليلا
11 و هم غلبوه بدم الخروف و بكلمة شهادتهم و لم يحبوا حياتهم حتى الموت
12 من اجل هذا افرحي ايتها السماوات و الساكنون فيها ويل لساكني الارض و البحر لان ابليس نزل اليكم و به غضب عظيم عالما ان له زمانا قليلا
13 و لما راى التنين انه طرح الى الارض اضطهد المراة التي ولدت الابن الذكر
14 فاعطيت المراة جناحي النسر العظيم لكي تطير الى البرية الى موضعها حيث تعال زمانا و زمانين و نصف زمان من وجه الحية
15 فالقت الحية من فمها وراء المراة ماء كنهر لتجعلها تحمل بالنهر
16 فاعانت الارض المراة و فتحت الارض فمها و ابتلعت النهر الذي القاه التنين من فمه
17 فغضب التنين على المراة و ذهب ليصنع حربا مع باقي نسلها الذين يحفظون وصايا الله و عندهم شهادة يسوع المسيح


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 12 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 13 جـ1 PDF Print Email

مقاومة ضد المسيح للكنيسة


في هذا الإصحاح يرى الرسول كيف يحارب التنين الكنيسة خلال الوحشين.

1. الوحش الأول 1 - 10.

2. الوحش الثانى 11 - 18.

1. الوحش الأول

"ثم وقفت على رمل البحر، فرأيت وحشًا طالعًا من البحر، له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى قرونه عشرة تيجان، وعلى رؤوسه اسم تجدي" [1].

وقف الرسول على الرمل ليرى منظرًا محزنًا، وحشًا طالعًا من البحر، أي من بين شعوب مضطربة، له نفس أوصاف التنين (12: 3) هذا الوحش الذي هو ضد المسيح في حقيقته يلبسه الشيطان ويعمل به. رسالة هذا ضد المسيح وإكليله هما "التجديف على الله"، وأما أوصافه فهي عبارة عن صورة استعارية تعلن شدة عدائه للحق والكنيسة إذ هو:

1. "الوحش الذي رأيته كان شبه نمر". إنه أرقط اللون مشوه بالرذائل، سريع الحركة في اضطهاد الكنيسة، غادِر ليس في قلبه حنان أو رحمة!

2."وقوائمه كقوائم دب"، أي قوائمه قوية وعنيفة، لا يلين في حربه ضد الكنيسة.

3. "وفمه كفم أسد". وكما يقول الأسقف فيكتورينوس: [قد تسلح فمه، يقطن فيه سفك الدم، ولا يخرج لسانه شيئًا سوى الافتراس.]

4. "وأعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطانه عظيمًا" [2].

فكما أعطى الآب كل سلطان للابن، هكذا يتمثل التنين به ليقدم كل قدرته الشيطانية وعرشه الشرير وسلطانه ضد المسيح حتى يأسر الناس ويخدعهم، فيتعبدون له تاركين عبادة الله الحي.

5. "ورأيت واحدًا من رؤوسه، كأنه مذبوح للموت، وجرحه المميت قد شفي، وتعجبت كل الأرض وراء الوحش" [3].

لا يلبث الشيطان أن يستخدم كل وسيلة للخداع. فإذ يرى جراحات الحمل موضوع تسبيح الملائكة والقديسين المنتقلين والمجاهدين. السماء والفردوس والأرض تهتز مترنمة له. لهذا يظهر ضد المسيح كأنه مجروح ليشفيه حتى يتعبد له الناس. وفعلاً انخدع به الكثيرون، إذ سجدوا للتنين خلال ضد المسيح كقول الرائي:

"وسجدوا للتنين الذي أعطى السلطان للوحش، وسجدوا للوحش قائلين من هو مثل الوحش؟ من يستطيع أن يحاربه؟"

ويتحقق ذلك من خلال ما يهبه الشيطان من قدرة للحديث بالتجاديف في كبرياء وعجرفة، ومن سلطان طول مدة عمله، أي ثلاث سنين ونصف. "وأعطى فمًا يتكلم بعظائم وتجاديف، وأعطى سلطانًا أن يفعل إثنين وأربعين شهرًا. ففتح بالتجديف على الله، ليجدف على إسمه وعلى مسكنه" [5-6]، أي يُجدف على الكنيسة بيت الله، إذ يدخل الكنائس ويدنسها.

"وعلى الساكنين في السماء" [6]، أي يجدف على ملائكة الله.

6. "وأعطى أن يصنع حربًا مع القديسين، ويغلبهم، وأعطى سلطانًا على كل قبيلة ولسان وأمة" [7]. أي يصارع المؤمنين ويتعقبهم في كل بلد، وفي كل أمة، وهو يغلبهم من جهة الضيق الجسدي الذي يسقطهم فيه. لكنهم يغلبونه بإيمانهم وثباتهم، عالمين أن أسماءهم مكتوبة في سفر حياة الخروف الذي ذُبح. "فسيسجد له جميع الساكنين على الأرض، الذين ليست أسماؤهم مكتوبة منذ تأسيس العالم في سفر حياة الخروف الذي ذُبح" [ 8].

وينطبق عليه قول النبي: "ويفعل... كإرادته ويرتفع ويتعاظم على كل إله، ويتكلم بأمور عجيبة على إله الآلهة، وينجح إلى إتمام الغضب لأن المقضي به يجري... وبكل إله لا يبالى، لأنه يتعظم على الكل" (دا 11: 36-37). وإذ هي أخبار مؤلمة للغاية يكاد لا يصدقها إنسان من هول ما سيحدث، لهذا يقول: "من له أذنان للسمع فليسمع" [9]، موجهًا النداء لكل البشرية حتى لا تنجرف وراءه.

كما يشجع الكنيسة المتألمة ألا تخاف مما يفعله ضد المسيح، إذ يرتد عمله إليه. لأنه "إن كان أحد يجمع سبيًا فإلى السبى يذهب، وإن كان أحد يقتل بالسيف، فينبغي أن يُقتل بالسيف. هنا صبر القديسين وإيمانهم" [10].

سيكون جزاء الشخص من نفس عمله كقول الرب (مت 7: 2) وإرميا النبي (15: 2). وهي فرصة ممتعة للصابرين المجاهدين أن يتكلَّلوا مظهرين صدق إيمانهم وثباتهم فيه.

2. الوحش الثاني

"ثم رأيت وحشًا آخر طالعًا من الأرض، وكان له قرنان شبه خروف، وكان يتكلم كتنين. ويعمل بكل سلطان الوحش الأول أمامه، ويجعل الأرض والساكنين فيها يسجدون للوحش الأول الذي شفي جرحه المميت" [11-12].

ويرى القديس إيريناؤس والعلامة ترتليان وابن العسال وغيرهم أنه النبي الكذاب (مت 24: 24) الذي يتقدم ضد المسيح أو يرافقه، لهذا يسميه القديس إيريناؤس: "حامل سلاح ضد المسيح".

وهو وضد المسيح واحد يعمل لحسابه وتحت اسمه وبسلطانه. في هذا يقلد الروح القدس فيشهد لضد المسيح. ويفسر الأب هيبوليتس: ]لقد عني بالوحش الطالع من الأرض مملكة الضد للمسيح، والقرنان يرمزان إلى ضد المسيح ومن معه أي النبي الكذاب[. أما قوله: "كان يتكلم كتنين" فيعني أنه مخادع، لا يقول الحق.

ويتسم هذا الكذاب بالآتي:

1. يتظاهر بالوداعة (شبه خروف)، إذ يحاول أن يتشبه بالحمل الحقيقي في لطفه ومحبته، لكن لغته تظهره، إذ يتكلم بلغة شيطانية مخادعة ومفترسة.

2. يحث الناس على عبادة ضد المسيح ويؤكد هذا بالآيات والغرائب الشيطانية إذ "يصنع آيات عظيمة حتى أنه يجعل نارًا تنزل من السماء على الأرض قدام الناس. ويضل الساكنين على الأرض بالآيات التي أعطى أن يصنعها أمام الوحش، قائلاً للساكنين على الأرض أن يصنعوا صورة للوحش الذي كان به جرح السيف وعاش. وأعطى أن يعطى روحًا لصورة الوحش حتى تتكلم صورة الوحش، ويجعل جميع الذين لا يسجدون لصورة الوحش يقتلون" [13-15].


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 13 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
<< Start < Prev 1 2 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


18 بؤونه 1733 ش
25 يونيو 2017 م

نياحة البابا داميانوس ال 35
افتتاح الكاتدرائية المرقسية الجديدة بدير الأنبا رويس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك