إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أسمع يا ولدى وكن أديباً وأقبل التعليم ، أحب الذى يؤدبك بخوف الله

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 19 جـ3 PDF Print Email

4. مسح حزائيل وياهو ملكين:

"فقال له الرب: اذهب راجعًا في طريقك إلى بريَّة دمشق. وادخل وامسح حزائيل ملكًا على آرام" [15].

طلب منه أن يذهب إلى بريَّة دمشق، فلا يأخذ طريقًا يسير فيه الكثير من الناس حتى لا يلتقي بإيزابل أو أحد أعوانها المقاومين له.

برِّيَّة دمشق: ربَّما شمال مدينة النبي، بين باشان ودمشق، عُرفت قديمًا باسم Iturea  أو Gaulanitius.

مسح حزائيل ملكًا على آرام: كأنَّه يقول له: إن كان الشعب لم يتعلَّم من التأديب بالمجاعة والقحط خلال الثلاث سنوات ونصف، فإنِّي أمسح حزائيل على سوريا ليؤدِّب بسفك الدماء (2 مل 8: 12، 18) لعلَّهم يتركون عبادة الأوثان.

"وامسح ياهو بن نمشي ملكًا على إسرائيل. وامسح إليشع بن شافاط من آبل محولة نبيًا عوض عنك" [16].

مسح ياهو ملكا على إسرائيل (2 مل 9) هذا الذي قتل يورام عند كرم نابوت اليزرعيلي، وإيزابل الملكة الشرِّيرة حيث أكلت الكلاب جثَّتها.

مسح إليشع نبيًا يكمل رسالة أبيه إيليَّا. لم نسمع قبل ذلك عن مسح النبي (قارن 1 أي 16: 22 بمزمور 105: 15). بلا شك استراح قلب إيليَّا حين دعاه الرب ليمسح إليشع نبيًا عوضًا عنه. فالخادم الحيّ يفرح ويسرّ بامتداد الخدمة بعد خروجه من العالم.

إليشع بن شافاط في الواقع هو حفيد شافاط، لكنَّه يبدو أنَّه كان معروفًا بابن شافاط (2 مل 9: 20، 2 أي 22: 7)، ربَّما لأن والده مات وهو صغير، وقام جدُّه بتربيته.

آبل محولة معناه "مرج الرقص"، وهي في الجزء الشمالي من وادي الأردن.

لم يحدِّد الله له موعد مسح الأشخاص الثلاثة، بل تركه يتمَّم ذلك في الوقت المناسب.

"فالذي ينجو من سيف حزائيل يقتله ياهو، والذي ينجو من سيف ياهو يقتله إليشع" [17].

"الذي ينجو من سيف ياهو يقتله إليشع" وذلك بسيف كلمة الرب الذي هو أحدْ من سيف ذي حدين (إر 1: 10؛ 18: 7).

كان يليق بإيليَّا النبي صاحب القلب الناري ألاَّ يتعجَّل الثمر، ولا يطلب سرعة معاقبة المرتدِّين، فإنَّه في الوقت المناسب وبأشخاص مناسبين يقتل الرب بنسمة فمه الأشرار (إش 11: 4؛ 2 تس 2: 8؛ هو 6: 5).

"وقد أبقيت في إسرائيل سبعة آلاف كل الركب التي لم تجْثُ للبعل، وكل فم لم يقبله" [18].

الإجابة العمليَّة أيضًا، مع مسح الثلاثة أشخاص السابق ذكرهم كشف له الرب عن نجاح إيليَّا غير المنظور، إذ أعلن له عن وجود سبعة آلاف ركبة لم تجثُ للبعل، ولم يقبلوا بالفم.

كان تقبيل الأوثان بالفم عادة منتشرة (أي 31: 27؛ هو 13: 2). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ذكر القدِّيس إكليمنضس الإسكندري في كتابه السابع من المتفرِّقات Stromata وصفًا مطوَّلاً عن الطرق التي كانت تمارس بها القُبلة للأوثان.

في حوار القدِّيس يوستين مع اليهودي تريفو يستخدم هذه العبارة قائلاً: [كما إن الله لم ينفث غضبه من أجل هؤلاء السبعة آلاف رجل، هكذا لا يصدر حكمًا ولا يحقِّقه، إذ يعلم أنَّه في كل يوم يصير البعض (منكم) تلاميذ لاسم المسيح، تاركين طريق الخطأ، متقبِّلين المواهب كلٌ حسب استحقاقه، مستنيرين باسم المسيح. يتقبَّل واحد روح الفهم، وآخر روح المشورة، وآخر روح القوَّة، وآخر روح الشفاء، وآخر روح النبوَّة، وآخر روح التعليم، وآخر مخافة الرب[201]].

استخدم الرسول بولس هذه العبارة لتأكيد وجود بقيَّة مقدَّسة للرب وسط اليهود حين رفض اليهود السيِّد المسيح وإنجيله (رو 11: 4). في كل جيل توجد بقيَّة باقية مقدَّسة للرب مثل هؤلاء السبعة آلاف الذين لم يحنوا ركبة لبعل ولا قبَّلوه بفمهم:

أ. يقول "أبقيتُ"، فهذه البقيَّة هي من عمل يدي الله الذي يبقي لنفسه قلَّة مقدَّسة مختارة، تكرِّس كل حياتها وطاقاتها لحساب ملكوته.

ب. ليس هناك وجه مقارنة بين 7000 شخصًا وألوف ألوف من الشعب سقطوا في عبادة الأوثان، لكن الله يعرفهم بأسمائهم ويعتز بهم، ويختمهم بختمه المقدَّس (رؤ 4: 7).

ج. هذه البقيَّة المؤمنة والأمينة مخفيَّة لا يعرفها سوى الله (مز 83: 3). الكنيسة المنظورة كالجُرن يرى الناس التِبن بينما تختفي الحنطة بين التبن، وسيأتي اليوم الذي فيه يُظهِر الله مؤمنيه. ليس في قدرتنا أن نميِّز الآن بين الأحياء من هم بالحق مقدَّسون للرب من بين المؤمنين.

-    عندما كان 7000 إنسانَّا مقدَّسًا فقط في إسرائيل لم يحنوا ركبة لبعلٍ، إيليَّا وحده من بينهم وتلميذه إليشع كان يصنعان عجائب. لكن أحدًا منهما لم يحتقر عوبديا الذي كان يخاف الله لأنَّه لم يصنع آية واحدة[202].

الدسقوليَّة

5. تلمذة إليشع له:

"فذهب من هناك، ووجد إليشع بن شافاط يحرث واثنا عشر فدَّان بقر قدَّامه وهو مع الثاني عشر، فمرَّ إيليَّا به وطرح رداءه عليه" [19].

كانت الأرض الزراعية تقاس قديمًا بعدد المحاريث التي تستخدم لحرثها. كان إليشع غنيًا لأنَّه كان يملك اثني عشر محراث، وكان هو يحرث بالمحراث الثاني عشر في أرضه. الحرث بزوج من البقر لكل محراث عادة كانت قائمة في مصر وأشور وفلسطين، ولا تزال تستخدم إلى وقت قريب في قرى مصر، وفي غرب آسيا. فبقبوله الفوري للعمل النبوي يعلن إليشع تركه لغناه وممتلكاته.

فمرَّ إيليَّا به، تعني أنَّه عبر نهر الأردن وجاء إليه. لم يشعر إيليَّا بالغيرة من إليشع أنَّه يحتل مركزه، بل بفرحٍ ذهب ليمسحه. ربَّما كانت له معرفة سابقة به، ويعلم أين يجده، لذلك ذهب للحال لكي يلتقي به.

لم يدخل معه في حوار، ولا قدَّم له برنامج أو خطَّة للخدمة، لكنَّه إذ أعطاه الله سؤل قلبه وتأكَّد أن إليشع مختار من الله دعاه للخدمة الفوريَّة.

طرحْ الرداء عليه يحمل معنى الصداقة القويَّة، فقد حسبه واحدًا معه كجسدٍ واحدٍ يرتدي ذات الرداء. كما أن إلقاء الرداء على الآخر يحمل مفهوم التكريم له كما فعل موسى النبي مع يشوع بن نون (عد 27: 20). إلقاء رداء النبي عليه يشير إلى استلام روح النبوَّة، إذ صار له ثوب النبي، وقوَّته وسلطانه.

طرحْ الرداء عليه يعني أيضًا تقديم الروح الأبوي له، فالأب يقوم عادة بمساعدة أطفاله في ارتداء ملابسهم، وكأن إيليَّا النبي يعلن أبوته الحانيَّة لابنه إليشع.

إلى يومنا هذا يقوم الأسقف القبطي والكهنة القدامى بمساعدة المسام شماسًا أو كاهنًا في ارتداء ملابسه الكهنوتية بعد سيامته مباشرة، ليحمل ذلك معنى قبول الحياة الكهنوتية وأبوَّة الأسقف للكاهن أو الشماس.

يمارس بعض الكهنة الأقباط ذات العمل بعد عماد الطفل ومسحه بالميرون ليعلن عن أبوَّته له، وعن قبول المُعمَّد حديثًا الميلاد الجديد والكهنوت العام والحُلة الملوكيَّة.

"فترك البقر وركض وراء إيليَّا وقال: دعني أُقبِّل أبي وأمِّي وأسير وراءك. فقال له: اذهب راجعًا، لأنِّي ماذا فعلت لك" [20].

انسحب إليشع من عمله اليومي (البقر) كما انسحب حتى من تقبيل والديه ليسير وراء النبي.

كان توديع الوالدين في الشرق يستغرق أحيانًا أيَّامًا وأسابيع. لهذا لم يرد إيليَّا هذا التأجيل إذ قال له: "اذهب راجعًا، ماذا فعلت لك؟" كأنَّه يقول له: [لم أدعك للعمل النبوي، بل الله هو الذي دعاك فلماذا تؤجِّل البدء في العمل؟ لترجع إن أردت لا لتودع والديك فحسب بل وتبقى مع أصدقائك أرضك].

ولعلَّه قال هذا لكي يؤكِّد أن الدعوة ليست إلزاميَّة، فالله لا يُكرِه أحدًا على خدمته. ليرجع ويختار بكامل حرِّيَّة إرادته الطريق الذي يبتغيه.

تركه إيليَّا في الحال لكي يختار إليشع طريقه دون أن يعطِّل عمل أبيه، فإنَّه ليس هناك وقت للحوار.

-     ربَّما يشعر البعض بالدفء الآن وتتحرَّك فيهم الرغبة نحو هذه الحياة الصالحة. ولكن ما المنفعة إن كنتم وأنتم هنا فقط تكون لكم هذه النار، ولكن إذ تتركون الموضع تنطفئ النار وتخمد هذه الرغبة. فكيف لا يحدث هذا؟ إذ تلتهب فيكم هذه الرغبة انطلقوا في طريقكم إلى الملائكة يلهبونها بالأكثر. فإن ما نقدِّمه لكم ليس كافيًا ليلهب النار فيكم مثلما ترون بأنفسكم الأمور. لا تقل سأتحدَّث مع زوجتي وأدبِّر أموري أولاً. فإن هذا التأخير هو بداية التهاون. اسمع كيف اِشتهي شخص أن يودِّع بيته فلم يسمح له النبي. ولماذا أقول "يودِّع"؟ لقد طلب التلميذ أن يدفن أباه (مت 6: 21-22) ولم يسمح له المسيح حتى بهذا. أي شيء يبدو لك أكثر أهميَّة من دفن الأب؟ ولكنَّه لم يسمح حتى بهذا. لماذا يحدث هذا؟ لأن الشيطان يقترب بعنفٍ شديدٍ، مشتاقًا أن يجد مدخلاً سرِّيًا. وإن كان هذا الأمر هو عائق بسيط للتأجيل فإنَّه يستخدمه لبثّ إهمال عظيم. لهذا ينصحنا أحدهم: "لا تؤجِّل من يوم إلى يوم" (ابن سيراخ 5: 7).

-     هكذا تتطلَّب منَّا الطاعة للمسيح، ألاَّ نؤجِّل لحظة من الزمن، حتى وإن بدا الأمر غاية في الضرورة يضغط علينا بكل قوَّة[203].

القدِّيس يوحنا ذهبي الفم

"فرجع من ورائه وأخذ فدَّان بقر وذبحهما وسلق اللحم بأدوات البقر، وأعطى الشعب فأكلوا، ثم قام ومضى وراء إيليَّا، وكان يخدمه" [21].

رجع إليشع ورائه لا ليفكِّر في قبول الدعوة أو رفضها ولا في اختيار الوقت للبدء في العمل، بل للحال ذبح كل الثيران التي للمحاريث الخشبية واستخدم المحاريث حطبًا وقدَّم طعامًا للشعب.

لنقف هنا عند والدي إليشع الغنيِّين، فإنَّهما لم يقفا عائقًا أمام ابنهما في ترك كل ما لديه ليخدم الرب. لقد ذبح أفضل الثيران وحرق المحاريث، وقدَّم طعامًا للشعب، ولم يحسبا ذلك خسارة.

-     لا يريد الرب منَّا أن نترك كل مصالحنا دفعة واحدة بل نسلِّمها قليلاً قليلاً ما لم يكن أمرنا كإليشع الذي ذبح ثوره وأطعم الشعب بما لديه، حتى لا يعود ينشغل بشيءٍ ممَّا لديه، بل يترك كل شيء ويكرِّس نفسه للتعليم النبوي[204].

القدِّيس أمبروسيوس

يتحدَّث القدِّيس أمبروسيوس عن العمل المشترك بين الخدام الشيوخ والشبان، لكل منهم دوره المكمَِّل للآخر.

v     ما أجمل الوحدة بين الشيخ والشاب. واحد يشهد والآخر يعطي راحة، واحد يقود والآخر يعطي سرورًا... ماذا عن إيليَّا وإليشع؟ مع أن الكتاب لم يتكلَّم كثيرًا عن إليشع أنَّه كان شابًا، ألا يمكن أن نفهم منه أنَّه كان الأصغر. في أعمال الرسل أخذ برنابا مرقس معه، وبولس سيلا (أع 15: 39-40) وتيموثاوس (أع 16: 3) وتيطس (تى 1: 5).

نرى أيضًا تقسيم الواجبات بينهم... فالشيوخ يقودون مقدَّمين المشورة، والشبَّان يظهرون حيويَّة عملٍ. غالبًا كلهم متشابهون في الفضيلة، ولكنَّهم ليسوا في السنوات. يبتهجون في وحدتهم، كما كان بطرس ويوحنا. نقرأ في الإنجيل أن يوحنا كان شابًا، بشهادة كلماته نفسها، ومع هذا لم ينقص عن الشيوخ في الاستحقاقات والحكمة. يحمل سمات ناضجة وقورة وتعقُّلاً في ذهنه[205].

القدِّيس أمبروسيوس

تمَّت هنا ثلاثة لقاءات لإيليَّا مع السمائيِّين.

اللقاء الأول مع ملاك مسَّه وطلب منه أن يقوم ويأكل.

اللقاء الثاني عاد الملاك فمسَّه وطلب منه أن يقوم ويأكل ليسير بقوَّة هذه الأكلة أربعين نهارًا وأربعين ليلة، حتى يبلغ جبل سيناء (حوريب) ويدخل المغارة، ربَّما التي دخل فيها موسى النبي.

اللقاء الثالث مع إله الملائكة نفسه حيث تمَّ الحوار بينهما في وسط صوت خفيف هادئ. يرى العلامة ترتليان أنَّه في هذا اللقاء رأى إيليَّا أن الله هو طول الأناة، جالسًا على العرش. يقول: [لأن طول الأناة يجلس على عرش الروح الهاديء اللطيف هذا الذي لم يُوجد في وسط أصوات الريح العاصف، ولا في ألوان السحاب الغامقة، وإنَّما في الهدوء الشديد الواضح والبسيط، هذا الذي رآه إيليَّا في اللقاء الثالث... عندما ينزل روح الله يصاحبه الصبر (طول الأناة) بطريقة غير منظورة[206]]

من وحي 1 ملوك 19

لأراك على جبل حوريب!

-     عند سفح الجبل عسكر الشعب،

فرأوا الجبل يحترق والدخَّان يملأ السماء.

الصخور تزلزلت، والريح العاصف مملوء رهبة ورعبًا.

أما موسى فكان على الجبل يتسلَّم من يديك شريعتك.

كانت قلوب الشعب تهتزّ مضطربة جدًا،

وكان قلب موسى يهتزّ طربًا، إذ التقى بخالقه المحبوب.

-     على ذات الجبل التقى بك إيليَّا النبي.

حدث ريح عاصف وزلزلة ونار،

لكن وسط الصوت الهادئ الخفيف تمتَّع بالحوار معك.

نسى إيليَّا مقاومة إيزابل له،

زال اليأس من قلبه، وأدرك القلَّة القليلة المقدَّسة لك.

لقاؤه معك ملأ قلبه رجاءً.

فتح أبواب السماء أمام عينيه.

-     نزلتَ يا إلهي إلى أرضي.

وُلدت في مزود حتى أتمتَّع برؤياك.

لا أعود اسمع صوت ريح عاصف.

ولا ارتبك من زلزلة،

ولا أخشى نارًا،

فإن إله الطبيعة جاء إليَّ لا يصيح ولا يسمع أحد صوته.

لأراك في داخلي وأتمتَّع برؤياك.

أدخل معك في حوار حبٍ لا ينقطع.

أنسى وادي الدموع،

 ولا أخشى الأحداث.

أتمتَّع بك يا شهوة قلبي.

 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +