إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لعل إنساناً يسأل بأيهما نبدأ بخشوع الجسد أم خشوع الروح ؟ إبدإ بأيهما ، إن بدأت بخشوع الروح سيخشع الجسد معها وإن بدأت بخشوع الجسد سيخشع الروح معه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 19 جـ2 PDF Print Email

  

-     إذ هرب (إيليَّا النبي) من تهديدات إيزابل، بعد وجبة طعام واحدة وشراب وجدهما عندما أيقظه الملاك بقى لمدَّة أربعين نهارًا وأربعين ليلةٍ ببطنٍ فارغة، وصار فمه جافًا، بلغ إلى جبل حوريب حيث سكن في مغارة كما في فندق. أي لقاء شهير تمَّ بينه وبين الله! ما هو حالك يا إيليَّا هنا؟ هل كنت في صداقة مع هذا الصوت (الإلهي) أكثر من القول: "آدم أين أنت؟" (تك 3: 9)؟ لأن هذه هي قوَّة الطعام بحدودٍ (الصوم) تجعل الله في صداقة مع الإنسان تحت مظلَّة (إذ تمتَّع إيليَّا بصحبة المسيح تحت السحابة التي ظلَّلتهم (مت 17: 4). إنَّها صداقة حقَّة! فإن كان الله الأبدي لن يجوع كما شهد في إشعياء (مز 40: 28) فسيأتي وقت فيه يصير الإنسان متشبِّها بالله عندما يحيا بلا طعام[187].

العلامة ترتليان

جاء في الإنجيل البدائي المنسوب ليعقوب Protoevangelium of James عن يواقيم والد القدِّيسة مريم بأنَّه إذ كان حزينًا لأنَّه لم يكن له نسل، ذهب إلى الجبل وصام أربعين يومًا وأربعين ليلة قائلاً في نفسه: "لن آكل ولا أشرب حتى يتطلَّع الرب إلهي إليّ، وستكون الصلاة هي طعامي وشرابي".

"ثم عاد ملاك الرب ثانية فمسَّه وقال: قم وكل، لأن المسافة كثيرة عليك" [7].

إذ نام ثانية عاد الملاك ولمسه وطلب منه أن يأكل لأن المسافة طويلة عليه. تبلغ المسافة بين بئر سبع وحوريب حوالي 150 ميلاً. لم يخبره الملاك إلى أين هو ذاهب، إنَّما اكتفى بإعلان أن المسافة طويلة جدًا.

"فقام وأكل وشرب، وسار بقوَّة تلك الأكلة أربعين نهارًا وأربعين ليلة، إلى جبل الله حوريب" [8].

قاده الروح للذهاب إلى جبل حوريب، الجبل الذي عليه تسلَّم موسى الشريعة. كانت خطَّة الله عجيبة بالنسبة لإيليَّا النبي، فقد أمر الغربان أن تطعمه مرَّتين يوميًا بالخبز واللحم، ثم بارك في زيت الأرملة ودقيقها ليعيش أكثر من عامين دون أن يذوق اللحم، والآن إذ يقدِّمه الملاك كعكة ويشرب ماء يقضي أربعين نهارًا وأربعين ليلة لا يأكل قط ولا يشرب. صام أربعين يومًا مثل موسى النبي.

-     صام موسى (خر 24: 8) وإيليَّا لمدَّة أربعين يومًا وعاشوا على الله وحده. فإنَّه منذ القِدم قد تقدَّس المبدأ: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل ما يخرج من فمّ الرب يحيا الإنسان" (تث 8: 3؛ مت 4: 4). هنا نرى بصورة باهتة لقوَّتنا في المستقبل (في السماء)[188].

 العلامة ترتليان

إذ تحدَّث العلامة ترتليان[189] عن الصوم الأربعيني لموسى وإيليَّا النبيِّين استعرض خطورة النهم وعدم ضبط البطن فأشار إلى القول: "جلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب" (1 كو 10: 7 ؛ خر 32: 6). أيضًا "فسمن يشرون ورفس. سمنت وغلظت واكتسبت شحمًا. فرفض الإله الذي عمله وغنى عن صخرة خلاصه" (تث 32: 15). "لئلاَّ إذا أكلت وشبعت وبنيت بيوتًا جديدة وسكنت... يرتفع قلبك وتنسى الرب إلهك" (تث 8: 12-14).

كانت المسافة تحتاج إلى حوالي أسبوع، لكن الله سمح لإيليَّا أن يقضي أربعين يومًا وأربعين ليلة، كما جال الشعب قديمًا أربعين سنة مع موسى النبي في البريَّة.

الجبل الذي التقى فيه الله مع موسى دعاه: "جبل الله"، والبيت الذي يلتقي فيه مع شعبه يدعوه: "بيت الله" والمدينة التي تقام فيها هيكله تسمَّى: "مدينة الله".

دخل إيليَّا المغارة، غالبًا التي دخل فيها موسى النبي حين اشتهى أن يرى مجد الله، وقد عبر به ليرى مجده من خلف (خر 33: 22).

اشتهى إيليَّا أن يهرب بل ويموت بسبب ما ضمرته إيزابل من تحطيم للإيمان، لكن الرب وهب إيليَّا ما لم يخطر على قلبه. أتى به إلى جبله المقدَّس، وادخله إلى المغارة ليتحدَّث معه في حوارٍ مفتوحٍ. جاء به الرب إلى هذا الموضع لكي يقول مع نحميا: "أرجل مثلي يهرب؟! " (نح 6: 11).

"مالك ههنا يا إيليَّا؟" إنَّه ليس وقت خلوة بل وقت عمل، فلماذا أنت ههنا؟ الشعب ينتظرك، وأنت مسئول عن الخدمة، فلا تهرب!

3. ظهور الرب له:

"ودخل هناك المغارة وبات فيها، وكان كلام الرب إليه يقول: ما لك ههنا يا إيليَّا" [9].

-     بعد الإعداد بأربعين يومًا من الصوم رأى إيليَّا الرب على جبل حوريب. وسمع منه الكلمات: "مالك ههنا يا إيليَّا؟" هنا القول متقارب جدًا من القول: "آدم، أين أنت؟" في سفر التكوين. هدف الأخير هو إثارة مخاوف من أكلَ وفقدَ، والقول الأول موجَّه إلى عبدٍ صائمٍ بحنو وحب[190].

القدِّيس جيروم

"فقال: قد غِرت غيرة للرب إله الجنود، لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك، ونقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك بالسيف، فبقيتُ أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي ليأخذوها" [10].

أجاب على سؤال الرب بأنَّه مملوء غيرة على مجد الرب، لكن قد حطَّمه اليأس، إذ لم يعد بعد يرى أحدًا يعبد الرب بإخلاص غيره. كل هذه السنوات من خدمته حسبها كلا شيء، إذ لم تثمر بتوبة شخصٍ واحدٍ. لم يشتكِ الملك والملكة وحدهما، بل اشتكى بنى إسرائيل، واتَّهمهم بالآتي:

-     تركوا عهد الرب مع أنَّهم مارسوا العلامة الظاهرة للعهد، وهى الختان.

-     تركوا عبادة الرب وخدمته.

-     اضطهدوا خدامه وأنبياءه.

-     لم يهجروا مذابح الرب فحسب بل هدموها ونقضوها. هذه المذابح أقامها أناس صالحون غير قادرين على الذهاب إلى أورشليم ويرفضون التعبُّد للعجلين أو للبعل. مع أن هذه المذابح تحطِّم وحدة الجماعة المقدَّسة، لكن التزم بها أناس صالحون حتى لا يُحرموا من تقديم الذبائح. بنوها وهم مخلصون في محبَّتهم لله ورغبتهم في إعلان مجده.

أجاب على سؤال الرب لماذا جاء إلى البريَّة وقطن في المغارة، معلِّلاً ذلك بالأسباب التالية:

-     "بقيت أنا وحدي": لم يعد قادرًا على الظهور لتحقيق أي هدف. فمع صراخ كل الشعب "الله هو الرب" لم يقف أحد منهم معه، ولا دافع أحد عنه. نسى إيليَّا أنَّه ليس وحده، لأن الله معه، حتى وإن وقف العالم كلُّه ضدُّه.

-     لم يعد قادرًا على الظهور من أجل سلامه، إذ صارت حياته في خطر "وهم يطلبون نفسي ليأخذوها".

-     لا يقدر مسيحي أن يقول بأنَّه ليس له متاعب، لماذا؟ لأنَّه مادمنا في الجسد فإنَّنا في رحلة نحو الله. مهما كانت الأمور حسنة فإنَّنا لا نزال لسنا في بيتنا. لا يقدر الإنسان أن يحب الرحلة ومدينته في نفس الوقت. فإن من أحب وطنه تبدو رحلته شاقة ومملوءة متاعب. هنا نتعب ونحزن، هناك نجد راحة بلا نهاية وحب بلا قلق[191].

القدِّيس أغسطينوس

"فقال: اخرج وقف على الجبل أمام الرب. وإذا بالرب عابر وريح عظيمة وشديدة قد شقَّت الجبال وكسرت الصخور أمام الرب، ولم يكن الرب في الريح. وبعد الريح زلزلة،ولم يكن الرب في الزلزلة" [11].

الآن يتعامل الله مع إيليَّا تقريبًا بذات الطريقة التي تعامل بها موسى النبي، فقد وقف إيليَّا في نفس الموضع الذي وقف فيه موسى عندما أعلن الله ذاته له عند تسليمه الشريعة (خر 19: 6-9 ).

إذ عبر به الرب كان أشبه بريحٍ عظيمةٍ وشديدةٍ شقَّت الجبال وكسرت الصخور أمام الرب. أعدَّ الله الطريق بالريح العظيمة والزلزال والنار، لكن الله لم يعلن عن ذاته وسط كل هذه الظواهر. لقد هيَّأت لإيليَّا النبي الطريق ليسمع الرب في وسط الهدوء. هذه الظواهر بعينها حدثت في أيَّام موسى أثناء لقائه مع الله.

يريد الله أن يلتقي مع مؤمنيه خلال الجو الهادئ لا العلامات العنيفة للطبيعة.

يرى الكلدانيُّون أن الله تراءى لإيليَّا النبي يسبقه موكب من الملائكة كانوا كالريح العاصف يمزِّقون الجبال ويكسرون الصخور أمام الرب. لم يكن الرب في وسط هذا الموكب الملائكي المخيف. تبعه طغمة من الملائكة في صخبٍ ولم تكن عظمة الله وسط هذه الطغمة. بعد هذه الطغمة ظهرت ملائكة من نار ولم تكن عظمة الرب في هذه الطغمة الناريَّة. بعد هذه الطغمة الناريَّة سمع صوت ترنُّم خفيف في سكون، ولم يوجد صوت آخر يمتزج بهذا الصوت. لعلَّ هذا كلُّه يقدِّم صورة توضيحيَّة رمزيَّة عن دور عناية الله ونعمته.

الريح العاصف والزلازل والنيران كلَّها تحدث بمسرة الله لكنَّها ليست طبيعته. فإن الله روح يريد أن يتجلَّى بالأكثر خلال السكون الهدوء. فإن كان إيليَّا في غيرته صار كريحٍ عاصفٍ أو كزلزالٍ يريد أن يحطِّم الشرّ، أو كنارٍ آكلةٍ يريد أن يحرق كل رجاسة وفساد، فإن الله يدعوه الآن أن يعمل به خلال السكون الهدوء. غيرة إيليَّا مقدَّسة، ونار قلبه نحو مجد الله مباركة، لكن قد حان الوقت ليرى خلال هدوء نفسه عمل الله الخفي في الركب التي لم تنحنِ لبعل بعد. وأنَّه يقوم ليمسح ثلاثة أشخاص للعمل، ملك آرام وملك إسرائيل وتلميذه إليشع النبي، فيكون لكل منهم دوره المكمِّل للآخر في تأديب إسرائيل وخاصة بيت آخاب.

حسنة هي الغيرة المقدَّسة المتَّقدة في داخلنا، لكن يلزمنا ألاَّ نسقط في اليأس حين نرى كأن العالم كلُّه قد رفض الإيمان. يلزمنا أن نلتقي مع الرب في سكون وصمت ونسمع صوته فيرينا أعماله الفائقة الخفيَّة في النفوس، ويدعونا للعمل الإيجابي الخفي ليشترك الآخرون معنا في خدمة الملكوت السماوي، سواء بالعمل الإيجابي أو السلبي. في هذا اللقاء الممتع بين الله وإيليَّا نتلامس مع لقاء الكنيسة عبر الأجيال مع إلهها.

 كان اللقاء في العهد القديم خلال الريح العاصف والزلازل والنيران، خلال أعمال ملموسة في الطبيعة العاديَّة. فالإنسان في طفولته الروحيَّة يحتاج إلى عمل مادي فائق ليهز أعماقه الداخليَّة. هذا ما حدث عندما قدَّم الله شريعته للشعب خلال موسى النبي على جبل سيناء. أمَّا في العهد الجديد الذي هو امتداد للعهد القديم وتكميل له فقد ظهر الرب نفسه، كلمة الله الحيّ، لا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته (مت 12: 19). قدَّم لنا روحه في العنصرة خلال الريح العاصف والزلزلة والألسنة الناريَّة لتأكيد إنَّنا ننال ما كان يشتهيه رجال العهد القديم، هذا الروح هو روح الرب الذي يدخل بنا إلى الحضرة الإلهيَّة، فيرفعنا في هدوء وسكون إلى السماء.

"وبعد الزلزلة نار، ولم يكن الرب في النار. وبعد النار صوت منخفض خفيف" [12].

يرى القدِّيس يوستين[192] أن أفلاطون يعتقد بأن الله موجود في النار، وأنَّه اقتبس هذا بطريقة خاطئة من هاتين العبارتين.

يستخدم القدِّيس إيريناؤس هاتين العبارتين لتأكيد أن الله غير المنظور لنا وجهًا لوجه، إنَّما نراه خلال أعماله معنا. [لم يرَ الأنبياء بالفعل وجه الله علانيَّة، لأنَّهم رأوه خلال تدابيره وأسراره التي من خلالها يرى الإنسان الله. كما قيل لإيليَّا النبي: "اُخرج غدًا وقف في حضرة الرب واُنظر[193]...].

ويرى القدِّيس أغسطينوس إنَّنا نرى الله خلال اخوتنا. فيقول: [لا تقدر أن ترى الله، لكن من حقَّك أن تراه بحبَّك لقريبك. وبتطلُّعك إلى مصدر ذاك الحب ترى الله قدر ما تستطيع[194]].

رؤية الله:

يحدِّثنا العلامة أوريجينوس عن إمكانيَّة رؤية الله وكيف نتمتَّع بها.

-    نُظر الله بواسطة إبراهيم أو بواسطة قدِّيسين آخرين، وذلك خلال النعمة الإلهيَّة. لم تكن عينا إبراهيم هما وحدهما علَّة الرؤية، بل الله قدم نفسه لكي يُرى بواسطة الإنسان البار، الذي تأهَّل لرؤيته.

ربَّما يوجد ملاك بجوارنا الآن ونحن نتكلَّم، لكننا لا نقدر أن نراه بسبب عدم استحقاقنا.

ربَّما تسعى العين (الجسديَّة) أو الداخليَّة لتنال هذه الرؤيا، لكن إن لم يعلن الملاك نفسه لنا نحن الذين لنا هذه الرغبة لن نقدر أن نراه.

هذه الحقيقة لا تخص رؤية الله في هذا العصر الحاضر فحسب بل وعندما نرحل من هذا العالم. لأن الله وملائكته لن يظهروا لكل البشر بعد رحيلهم مباشرة... بل توهِب هذه الرؤيا للقلب الطاهر الذي تأهَّل لرؤية الله.

الإنسان الذي تثقََّّل قلبه بالخطيَّة ليس في نفس الموضع مع ذاك الذي قلبه طاهر، فالآخر يرى الله بينما الأول لا يراه.

أظنّ أن هذا حدث عندما كان المسيح هنا في الجسد على الأرض. فإنَّه ليس كل من نظره نظر الله. بيلاطس وهيرودس الوالي تطلَّعا إليه وفى نفس الوقت لم ينظراه (كإله).

لذلك فإن ثلاثة رجال جاءوا إلى إبراهيم في منتصف النهار بينما جاء اثنان إلى لوط في المساء (تك 19: 1)، إذ لم يكن لوط قادرًا أن يتقبَّل عظمة نور الظهيرة أمَّا إبراهيم فكان قادرًا على قبول كمال بهاء النور[195].

-     رؤية الله عقليَّة وروحيَّة وليست جسديَّة... ولهذا استخدم المخلِّص بحرص الكلمة اللائقة وقال: "لا يعرف أحد الآب إلاَّ الابن" و لم يقل "يرى". مرة أخرى يقوم للذين يهبهم رؤية الله "روح المعرفة" و"روح الحكمة"، حتى أنَّهم خلال الروح نفسه يرون الله (إش 11: 2)[196].

-     العضو الذي به نعرف الله ليس عين الجسد بل عين العقل، إذ يرى بما هو على صورة الخالق، ويتقبَّل فضيلة معرفته بعناية الله[197].

-     الآن وإن كنا نبدو متأهَّلين لرؤية الله بعقلنا وقلبنا، فإنَّنا لا نراه كما هو بل كما يصير بالنسبة لنا حيث يجلب عنايته فتحملنا[198].

العلامة أوريجينوس

بالحب يمكننا أن نتعرَّف على الله:

-     يليق بنا أن ندرك كم من أمور يجب أن تقال عن (هذا) الحب، وكم من أمور يجب أن تقال عن الله، حيث أنَّه هو نفسه "الحب". فإنَّه كما أنَّه لا يقدر أحد أن يعرف الآب إلاَّ الابن ومن يسر الابن أن يعلن له... بنفس الطريقة لأنَّه يدعى "الحب"، فإن الروح القدس المنبثق من الآب، الذي وحده يعرف ما هو في الله، كما أن روح الإنسان يعرف ما هو في الابن (1 كو 2: 11)، هنا فإن الباراقليط روح الحق المنبثق من الآب (يو 26: 15) هو يتجوَّل ويبحث عن النفوس المتأهِّلة والقادرة على قبول عظمة حبُّه، أي عظمة الله، إذ يشتهي أن يعلن ذلك لهم[199].

العلامة أوريجينوس

"فلمَّا سمع إيليَّا لفَ وجهه بردائه،وخرج ووقف في باب المغارة،وإذا بصوت إليه يقول: ما لك ههنا يا إيليَّا" [13].

لفَّ إيليَّا وجهه بردائه كمن هو خائف أن يتطلَّع على مجد الله، إذ لا تحتمل عيناه رؤية بهائه. فإن السمائيِّين يغطُّون وجوههم أمام الله من أجل بهاء مجده (إش 6: 2). ولعلَّ إيليَّا شعر بالخجل أن يتطلَّع إلى الله لأنَّه لمس قدرته وأعماله الفائقة ومع هذا خشي من فشله في الخدمة.

لم يغطِّ إيليَّا وجهه عندما هبّ ريح عاصف شديد، ولا عندما حدثت زلزلة إذ ظهرت نار، لكن وسط الهدوء الشديد إذ سمع صوت منخفض خفيف لم يحتمل رقَّة الله وحبُّه وحنانه، إذ خجل من معاملاته معه.

موسى النبي أيضًا أخفي وجهه ولم يجسر أن يتطلَّع نحو الله (خر 3: 6).

كان تغطيِّة الوجه علامة الوقار والاحترام، كما يرفع الأوربِّي قبَّعته عن رأسه احترامًا لمن يلتقي به.

كرَّر الرب السؤال: مالك ههنا يا إيليَّا؟" وقدَّم إيليَّا ذات الإجابة، مشتكيًا إسرائيل لارتداده عن الله وتحطيمه للإيمان. كان ردّ الفعل الإلهي هو العمل! دعاه أن يرجع ويعمل، حيث يمسح حزائيل ملكًا على آرام، وياهو ملكًا على إسرائيل، وإليشع نبيًا عوضًا عنه. وكأن الله يقول له: لماذا حلَّ بك اليأس؟ هل لأني لم أعاقب الأشرار؟

"فقال: غِرْت غيرة للرب إله الجنود، لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك، ونقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك بالسيف، فبقيْتُ أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي ليأخذوها" [14].

-     يعرف الخادم كلمة الله فقط عندما يعرف أولئك الذين تعمل كلمة الله فيهم. فيكون في منفى من العالم، هاربًا من الجسد، هاربًا من الأهواء، حارمًا نفسه من كل بشرٍ ليبقى وحده. وكما يقول إيليَّا النبي: "بقيْتُ أنا وحدي". لكنَّه لم يكن وحده، لأن المسيح كان معه. بل المسيح نفسه بقيَ وحده إذ يقول: "وأنا لست وحدي، لأن الآب معي" (يو 16: 22)[200].

القدِّيس أمبروسيوس

إن كان إيليَّا قد تمرَّرت نفسه بسبب الشرّ الذي لصق بإسرائيل فإن الله مُرسل من يؤدِّب إسرائيل من الخارج (سوريا) ومن الداخل (ياهو)، ومن يكمِّل رسالة النبي (إليشع النبي).

 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +