إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان المتضع يشعر أنه لا يستحق شيئاً لذلك فهو يشكر اللَّـه على كل شيء مهما كان قليلاً، ويفرح به، شاعراً فى عمق أعماقه أنه لا يستحقه … أما المتكبر، فإنه على عكس ذلك، يظن فى نفسه أنه يستحق أشياء كثيرة أكثر مما عنده فيتذمر على ما هو فيه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 19 جـ1 PDF Print Email

ظهور الله لإيليَّا


كان الله يسمح لإيليَّا النبي أحيانًا بالضيق من أجل بنيان نفسه، حتى لا يدفع به نجاحه المستمر ونصرته إلى الكبرياء. ففي الأصحاح السابق وهبه الله نصرة على كهنة البعل، وشهد الشعب لإلهه ورفضوا البعل. يبدو أنَّه حتى الملك نفسه كان راضيًا بقتل كهنة البعل. الآن في هذا الأصحاح تضيق نفس إيليَّا بسبب مقاومة الملكة إيزابل له. لكن الله يسنده، فيرسل له ملاكه ويترآى له، ويفرح قلبه باختيار نبي يتتلمذ على يديه ويكمل رسالته.

1. هروب إيليَّا إلى بئر سبع [1-3].

2. مساندة الملاك له [4-8].

3. ظهور الرب له [9-14].

4. مسح حزائيل وياهو ملكين [15-18].

5. تلمذة إليشع له [19-21].

1. هروب إيليَّا إلى بئر سبع:

اخبر آخاب زوجته إيزابل بما فعله إيليَّا، وكيف قتل كهنة البعل، فثارت جدًا وقرَّرت قتله. اضطر أن يهرب إيليَّا إلى بيت سبع التي ليهوذا، حيث عاله ملاك هناك.

"وأخبر آخاب إيزابل بكل ما عمل إيليَّا، وكيف أنَّه قتل جميع الأنبياء بالسيف" [1].

كانت إيزابل ككاهنة للبعل تعتبر نفسها حصنًا لكهنة البعل. أمَّا وقد ثار الشعب كلُّه وذبح إيليَّا كهنة البعل، صار موقفها حرجًا جدًا. لم يجرؤ آخاب أن يشير إلى اسم الله في حديثه مع زوجته إيزابل، فإنَّه لم يخبرها بما عمله الله بل "بكل ما عمل إيليَّا". هل أراد الملك أن يهدِّئ من إيزابل بسرده ما حدث ليكشف لها عن ما فعله إيليَّا النبي بإنزاله نارٍ من السماء وهبوط الأمطار، أم أنَّه شعر بعجزه عن مواجهة إيليَّا والشعب وترك لامرأته الشرِّيرة أن تتصرَّف؟ لا يستطيع أحد أن يعطي جوابًا قاطعًا في هذا الأمر.

"فأرسلت إيزابل رسولاً إلى إيليَّا تقول: هكذا تفعل الإلهة وهكذا تزيد إن لم اجعل نفسك كنفس واحدٍ منهم في نحو هذا الوقت غدًا" [2].

بعثت برسول إلى إيليَّا تحدِّد له موعد قتله، أنَّه في اليوم التالي تفعل به ما فعله بكهنتها. لعلَّها شعرت بعجزها عن قتله بعد أن تعبَّأ الشعور العام كلُّه ضد البعل، وربَّما شعرت أن لهجة زوجها أيضًا قد تغيَّرت، فصار متعاطفًا مع النبي، فأرسلت إليه تهدِّده لكي يهرب فتتخلَّص منه.

ربَّما خشت الملكة من ثورة الشعب فيطلبون إيليَّا أن يكون القائد الروحي لمملكة، وأن يكون المشرِّع لهم، وذلك بعد أن رأوا النار النازلة من السماء والمطر الذي سقط بكلمته.

"فلما رأى ذلك، قام ومضى لأجل نفسه، وأتى إلى بئر سبع التي ليهوذا، وترك غلامه هناك" [3].

هرب إيليَّا من شرّ إيزابل، ومن بعده اشتاق إرميا أن يهرب من شعبه إن وجد ملجأ له في البرِّيَّة (إر 9: 2).

يرى البعض أن إيليَّا النبي لم يهرب خوفًا من إيزابل وشرَّها، وإنَّما لأجل نفسه، أو لأجل حياته مع الرب، فإنَّه سار في البرِّيَّة مسيرة يوم واشتهى الموت، فقد شعر بالحاجة إلى عون إلهي، لأن مقاومة عبادة الله كانت عنيفة للغاية.

في بئر سبع ترك غلامه إذ أراد أن يدخل في البرِّيَّة وحده ليختلي مع الرب، ويتمتَّع بالتأمل فيه واللقاء معه والحوار معه. وقد أعطاه الرب سؤل قلبه. ترك غلامه كما ترك إبراهيم غلامه مع الحمار وانطلق مع ابنه اسحق إلى الجبل ليعبد الرب ويقدِّم الذبيحة. وعندما دخل السيِّد المسيح مع تلاميذه جثسيماني تركهم وبقى وحده يتحدَّث مع الآب، ليشرب الكأس نيابة عن كل البشريَّة.

هرب إيليَّا من مملكة الشمال إلى مملكة الجنوب حيث الملك يهوشافاط الصالح، وانطلق إلى أقصى الجنوب عند بئر سبع. أنَّه موقف عجيب، فإن إيليَّا الذي لم يخف من مواجهة 850 كاهنًا للبعل ومعهم الملك وأيضًا كل الشعب، واثقًا في عناية الله به، الآن يخشى ثورة سيِّدة متعجرفة. أنَّها لحظات ضعف يعيشها النبي الناري الجريء.

هرب إيليَّا من المرأة إيزابل [2]، التي تعني "فيض من الباطل"[180]، هرب إلى جبل حوريب [8].

2. مساندة الملاك له:

"ثم سار في البريَّة مسيرة يوم حتى أتى وجلس تحت رتمة،وطلب الموت لنفسه، وقال: قد كفى الآن يا رب، خذ نفسي، لأنَّني لست خيرًا من آبائي" [4].

شعر أنَّه لا يعود يقدر أن يقدِّم شيئًا صالحًا بعد لشعبه، فقد قدَّم كل ما لديه. مرَّت عليه فترة من المرارة، لأن الأمور تسير على خلاف ما يشتهي. كان يودّ عودة الملك وشعبه لله. وإذ شعر بعجزه في تحقيق ذلك حسب أنَّه لا قيمة لوجوده بعد، فإنَّه ليس أفضل من آبائه الذين فشلوا أحيانًا في جذب الشعب إلى الله.

كان يتوقَّع بعد نزول النار من السماء علانيَّة وشهادة الشعب للإيمان الحق أن الأمور تسير إلى الأفضل، لكنَّه وجد الملك خضع للملكة، وبالتالي سيعود الشعب إلى عبادة البعل تحت الإغراء والضغط الملكي.

سار في البريَّة غالبًا تجاه حوريب. سلك مسيرة يوم كاملٍ في البريَّة في نجب جنوب يهوذا. ذهب إلى بئر سبع التي تبعد حوالي 95 ميلاً من يزرعيل على حافة صحراء التيه. لم يكن ممكنًا لإيليَّا أن يصل إليها إلاَّ في نهاية اليوم التالي حيث كان يسير الليل والنهار ولم يسترح في الطريق. وهي مدينة تابعة لسبط شمعون (يش 19: 2) وكان جزء من سبط شمعون قد انضم إلى يهوذا.

اشتهى إيليَّا النبي أن يموت، مع أنَّه هرب إلى بئر سبع من وجه إيزابل الشرِّيرة التي تطلب نفسه. كان يشتهى يموت بيد الرب لا بيد هذه السيِّدة، فإن الوقوع في يديّ الله الرحيم أفضل من الوقوع في يد الإنسان الشرِّير.

اشتهى أن يموت في البريَّة في أرض مقدَّسة ولا يموت في أرض تدنَّست بعبادة البعل.

جلس تحت شجرة يدعوها العرب رتمة، وهي شجرة ضخمة تحمي المسافرين من حرارة الشمس ومن العواصف.

عندما يشعر حتى الأنبياء بنوعٍ من الفشل كانوا يشتهون الموت، الأمر الذي سقط فيه كثيرون مثل موسى النبي ويُّونان النبي.

-     بالحق أجاهد هنا كما لو كنت قد نسيتني، مع إنَّني أعرف تمامًا أنَّك مجرَّد تمتحني، فإنَّك وإن كنت كمن يتركني لكنَّك لن تفشل في أن تهبني ما وعدت به. ومع هذا لا احتمل فأقول: "لماذا نسيتني؟"[181]

القدِّيس أغسطينوس

-     إنَّنا لا نقتنع بما نحن عليه الآن. فإنَّه حتى الأشياء التي نشتهيها تسبب لنا متاعب، وما نشتاق أن نناله لا نعود نشتهيه عندما نناله. لهذا ليس بدون سبب غالبًا ما بكى القدِّيسون طول بقائهم هنا. داود انتحب (مز 120: 5)، وإرميا رثاها (إر 1: 18)، وإيليَّا بكاها.

إن كنَّا نصدِّق الحكماء، والذين سكنهم الروح الإلهي، فإنَّهم كانوا يسرعون نحو الأفضل (الانطلاق نحو الحياة الأبديَّة والقيامة)[182].

القدِّيس أمبروسيوس

يرى القدِّيس أمبروسيوس أن البريَّة التي نهرب إليها هي التوبة أو نعمة الله حيث يجد الشريد فيها ملجأ وخلاصًا.

-     التوبة هي هروب صالح؛

نعمة الله هي هروب صالح، فيها يجد الشريد خلاصه.

البريَّة هي هروب صالح، هرب إليها إيليَّا (1 مل 19: 4) وإليشع ويوحنا المعمدان (مت 3: 1، لو 13: 2).

هرب إيليَّا من المرأة إيزابل التي تعني "فيض من الباطل"، هرب إلى جبل حوريب. (1 مل 19: 8) التي تعني جفافًا، حيث يجف تدفُّق مياه الجسديَّات الباطلة، حينئذ يأتي إلى معرفة الله بأكثر كمال، لأنَّه كان بجانب نهر كريث الذي يعني "المعرفة" هناك استطاع أن يشرب من فيض معرفة الله المتدفِّق (1 مل 17: 5). هرب إيليَّا من العالم حتى أنَّه لم يطلب طعامًا يحتاج إليه جسده غير ما قدَّمته له تلك الطيور الخادمة (1 مل 17: 6)، مع أن طعامه غالبًا ما كان ليس من هذا العالم (1 مل 19: 5-7). حقًا لقد صار أربعين يومًا بالقوَّة التي صارت له بالوجبة التي نالها (1 مل 19: 8).

بالتأكيد لم يهرب من مجرَّد امرأة بل من هذا العالم. لم يخف الموت، لأنَّه تقدَّم بنفسه لذاك الذي كان يطلب نفسه وقال للرب: "خذ نفسي" (1 مل 19: 4).

احتمل أتعاب هذه الحياة ليس مشتهيًا إيَّاها، لكنَّه كان يهرب من إغراءات العالم وسموم السلوك الشرِّير والتصرُّفات الدنيئة للجيل الخاطي غير المقدَّس[183].

القدِّيس أمبروسيوس

"واضطجع ونام تحت الرتمة، وإذا بملاك قد مسَّه وقال:قمْ وكلْ" [5].

مع سيره المستمر بلا توقُّف من جبل الكرمل إلى بئر سبع ثم سار يومًا في البريَّة تجاه حوريب تعب جدًا فنام. كان محتاجًا إلى عونٍ إلهيٍ يسند نفسه المتعبة بسبب شعوره بالفشل ويسند جسده المرهق والجائع. أرسل إليه الله ملاكًا يقدِّم له الضروريَّات.

كان إيليَّا يشتهى أن ينام ولا يقوم، فقد حطَّمت إيزابل إشتياقاته. قام من نومه بناء على لمسة من الملاك، ليدرك أنَّه موضع رعاية الرب إله الملائكة وعنايته، فلا يضطرب. كان إيليَّا النبي فريدًا في اهتمام الله حتى بطعامه، فحين كان في ظروف عاديَّة أو شبه عاديَّة في المدن أو القرى تركه يعد لنفسه الطعام كسائر اخوته، لكن تحت ظروف خاصة أرسل إليه تارة غرابًا وأخرى أرملة وثالثة ملاكًا يعدُّون له الطعام. حين كان منفردًا في كريث عالته الغربان، وإذ كان في صيدا عالته أرملة صِرْفِة صيْدا، والآن إذ لا توجد غربان ولا إنسان أرسل إليه ملاكًا يعوله.

"فتطلع وإذا كعكة رضْفٍ وكوز ماء عند رأسه، فأكل وشرب،ثم رجع فاضطجع" [6].

وجد الطعام والماء عند رأسه، أيّ في متناول يده. وجد كعكة مخبوزة على الفحم، ربَّما وجد خشبًا أو فحمًا متقدًا بالنار والكعكة عليه، وهى من الطعام المحبوب لدى العرب في هذه المنطقة.

كان إيليَّا كناسكٍ يقضي الكثير من وقته في البراري يأكل بتقشُّف، وكان ملتزمًا أن يعد لنفسه الطعام. وعندما التزم بالهروب والاختفاء عند نهر كريث مقابل الأردن حيث طلب ألاَّ يكون مطر إلاَّ عند قوله أرسل الله إليه غرابًا يأتيه كل صباح ومساء بخبزٍ ولحمٍ. وإذ جفَّ نهر الأردن ويبس أرسله الرب إلى أرملة صِرْفة صيْدون لكي تعوله بالخبز فقط. وأخيرًا إذ بعث به إلى جبل حوريب ليتحدَّث معه وجهًا لوجه (1 مل 19) قدَّم له ملاك كعكة واحدة وكوز زيت ليأكل ويشرب ثم يصوم أربعين نهارًا وأربعين ليلة بطريقة تفوق الطبيعة.

-     يروي الكتاب المقدَّس عن إيليَّا الهارب من وجه المرأة إيزابيل، وقد جلس أولاً تحت رتمة وهناك سمع له وتقبَّل قوَّة وطعامًا. هذا يعني أن من يهرب من إغراءات الشهوة، ومن امرأة (شرِّيرة)، أيّ من اللذَّة، يجد ملجأ وظلاً في شجرة العفَّة، حيث يتمتَّع بمجيء المسيح ورئيس البتوليِّين البشر[184].

الأب ميثوديوس

-    لو أراد الله أمَّا كان يمكنه أن يرسل لنبيِّه خمورًا ممتازة وأطباق شهيَّة ولحومًا مطهيَّة؟ عندما دعي إليشع أبناء الأنبياء ليأكلوا قدم لهم أعشابًا فقط ليأكلوا، وعندما صرخ الكل بصوت واحد: "في القدر موت" (2 مل 4: 40) لم يثر رجل الله على الطبخ بل أحضر الطعام وألقى فيه ما جعل مرارة الطعام تصير عذبة بقوَّة روحيَّة، وذلك كما فعل موسى الذي جعل مياه مارَّة عذبة.

مرة أخرى عندما أرسل رجالاً للقبض على النبي وُضربوا بعمى جسماني وعقلي، كي يحضرهم إلى السامرة وهم لا يدرون لاحظ الطعام الذي أمر إليشع أن يقدِّم لهم لكي ينعشهم "صنع خبزًا وماء أمامهم فيأكلوا ويشربوا ثم ينطلقوا إلى سيِّدهم" (2 مل 6: 22). ودانيال الذي كان يمكنه أن يأكل طعامًا فاخرًا من مائدة الملك فضَّل القطاني[185].

القدِّيس جيروم

-     إيليَّا الذي كان الرب يدرِّبه على كمال الفضيلة وجد عند رأسه كعكة وكوز ماء، عندئذ صام بقوَّة هذا الطعام 40 يومًا وأربعين ليلة. عندما عبر آباؤنا البحر بأقدامهم (خر 17: 6) شربوا ماءً لا خمرًا. دانيال والفتيان العبرانيُّون كانوا يأكلون طعامًا خاصًا (دا 1: 8) ويشربون ماءً، الأول غلب ثورة الأسود (دا 6: 22) والآخرون رأوا في النار المحرقة ملعبًا دون أن تصاب أطرافهم بأدنى أذيَّة (دا 3: 27).

ولماذا أتحدَّث عن الرجال، فإن يهوديت لم تشتهِ مائدة هولوفرنيس الشهيَّة فنالت بعفَّتها وحدها نصرة. الأمر الذي فشل فيه الرجال وخلصت مدينتها من الحصار وقتلت القائد بيديها (يهوديت 8: 16)... إستير بصومها حرَّكت الملك المتكبِّر (إس 4: 16). وحنَّة التي خدمت الله في ترمُّلها لمدَّة 84 سنة بأصوام وصلوات نهارًا وليلاً في الهيكل عرفت المسيح (لو 2: 37). ويوحنَّا سيِّد النسك ظهر كملاكٍ يسير على الأرض[186].

القدِّيس أمبروسيوس

 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 


28 هاتور 1736 ش
08 ديسمبر 2019 م

استشهاد القديس صرابامون أسقف نقيوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك