إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

دائماً الرب يرحم الضعفاء أما الشخص الجبار العنيف القاسي الشديد ، يكون بعيداً عن رحمة اللَّـه . الهنا هو إله الضعفاء اختار اللَّـه ضعفاء العالم ، ليخزي بهم الأقوياء . القوي يعتمد على قوته أما الضعيف فهو الذي يقف اللَّـه إلى جواره

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 18 جـ1 PDF Print Email

نار من السماء


في الأصحاح السابق التزم إيليَّا بالهروب والعمل الخفي. عند نهر كريث عالته الغربان، وعند صِرْفِة صيْدا عاش في العُلِّيَّة ولم يسمع أحد عن وجوده ولا عن بركة الزيت والدقيق ولا عن إقامة ابن الأرملة. الآن حلَّ الموعد ليشهد لله بنارٍ سماويَّة علانيَّة، فصدر له الأمر الإلهي أن يتراءى لآخاب الملك.

1. دعوة إلهيَّة للظهور أمام آخاب[1-2].

2. لقاء إيليَّا مع عوبديا[ 3-16].

3. لقاء إيليَّا مع آخاب[17-18].

4. لقاء إيليَّا مع الشعب [19-24].

5. لقاء إيليَّا مع كهنة البعل[25-26].

6. لقاء مع الله الناري [30-39].

7. قتل كهنة البعل [40].

8. طلبة إيليَّا الخاصَّة بالمطر[41-46].

1. دعوة إلهيَّة للظهور أمام آخاب:

أعطى الله آخاب فرصة للرجوع بحلول الجفاف لمدَّة ثلاث سنوات ونصف، ومع هذا لم يرجع إلى نفسه ولا فكَّر في التوبة، بل ازداد عنفًا واتَّهم إيليَّا أنَّه مُكدِّر إسرائيل. لم يكن أمام هذا القلب الحجري المتصلِّف إلاَّ المواجهة بحكمٍ إلهيٍ صارم،ٍ حيث يعلن الله حضرته أمام كل الشعب بنارٍ تلتهم الذبيحة، فيرجع الشعب إلى الله، ويُقتل كهنة البعل، كظلّ للهلاك الأبدي الذي يحلّ بالنفوس المرتدَّة عن الإيمان والمتصلِّفة. لهذا أمر الرب إيليَّا النبي أن يتراءى أمام آخاب.

"وبعد أيَّام كثيرة كان كلام الرب إلى إيليَّا في السنة الثالثة قائلاً: اذهب وتراءَ لآخاب، فأعطي مطرًا على وجه الأرض" [1].

"في السنة الثالثة": لا تعني منذ بدء انقطاع المطر، وإنَّما منذ لقائه مع أرملة صِرْفِة صيْدا. وقد جاء في (لو 4: 25، يع 5: 17) أن المطر قد انقطع في أيَّام إيليَّا لمدَّة ثلاث سنوات ونصف. هذا معناه أن قضى سنتين في بيت الأرملة، وتراءى لآخاب في بدء السنة الثالثة. قضى إيليَّا النبي سنة عند نهر كريث وسنتين ونصف في صِرْفِة صيْدا.

جاءت الدعوى بالظهور لكي يقدِّم الله لآخاب فرصة أخرى للتوبة ليس خلال الكلمات بل خلال التأديب المُرّ، بهياج الشعب ضدّ عبادة البعل وقتل كهنة البعل، مع تقديم لمسة رجاء قويَّة حيث يعطي الرب مطرًا على وجه الأرض.

"فذهب إيليَّا ليتراءى لآخاب، وكان الجوع شديدًا في السامرة" [2].

إذ صدر لإيليَّا النبي الأمر ترك الموقع في الحال وذهب ليلتقي بآخاب، دون أن يناقش الله ليطمئن على سلامته من هذا الملك المرتدّ وزوجته سافكة دماء الأنبياء. ذهب فشاهد النبي بعينيه مدى المجاعة التي حلَّت بإسرائيل، حيث لم ينزل مطر طوال الثلاث سنوات ونصف التي غاب فيها عن الشعب.

2. لقاء إيليَّا مع عوبديا:

"فدعا آخاب عوبديا الذي على البيت، وكان عوبديا يخشى الرب جدًا" [3].

لاحظ إيليَّا ما حلّ بالشعب من مجاعة ماديَّة بسبب الجفاف [2] وهي تكشف عن مجاعة أخطر لحقت بقلوبهم ونفوسهم حيث تركوا عبادة الله وعبدوا البعل، أمَّا خلال إغراء الخطيَّة والرجاسات أو بخداعهم بأنَّه إله المطر والخصوبة، أو خشية قتلهم مع أنبياء الله.

بينما كان الشعب في جوعٍ شديدٍ، غالبًا ما استورد الملك الغلال من مصر له وللقصر الملكي، فصار ما يشغله لا حياة شعبه بل حياة حيواناته من خيلٍ وبغالٍ. طلب من المسئول عنها عوبديا أن يشترك معه في البحث عن ماء في عيون الماء أو الأوديَّة. كانت حيواناته في عينيه أهم من شعبه، يطلب ما لذَّاته لا ما لاخوته المسئول عنهم.

هذا عن موقف الملك، أمَّا الملكة فكان كل ما يشغلها حتى في فترة المجاعة أن تبيد أنبياء الرب [13].

أما الكهنة واللآويُّون فهربوا (2 أي 11: 13-14) إلى يهوذا ليخدموا الهيكل هناك. وربَّما انحرف البعض فأغوتهم إيزابل أن يخدموا البعل وينالوا أجرة عظيمة.

أما أنبياء الرب فغالبًا ما كانوا يشهدون للحق على المستوى الفردي أو بين العائلات، يطلبون الرجوع إلى الله. لم يكن يوجد لهم موضع لاجتماعات عامة ولا لتقديم ذبائح، وإنَّما كانوا يكتفون بالعمل الخفي. شعرت بهم الملكة فسلَّطت سيفها عليهم لتقتلهم [13].

 وسط هذا الجو الكئيب: طبيعة غاضبة، ملك أناني، ملكة شرِّيرة عابدة أوثان وسافكة دماء الأنبياء، وشعب مرتدّ، وكهنة ولآويُّون هاربون، وأنبياء لا حول لهم ولا قوَّة للعمل العلني، وُجدت قلَّة قليلة جدًا حتى في القصر الملكي أمينة للرب. من بين هذه القلَّة وُجد عوبديا الذي اخفي مائة نبي للرب وكان يعولهم بخبز وماء [13]. كان عوبديا وكيلاً للملك على بيته [3] يخاف الرب.

لا نعجب من أن يقيم آخاب الشرِّير هذا التقي وكيلاً له، يثق فيه ويأتمنه على قصره ومملكته. ففي كل جيل يوجد أناس أمناء خائفو الرب يستخدمهم الله حتى في وسط الجو الحالك الظلمة. لم يجد بعض ملوك بابل من يقيمونه وكيلاً على كل الإمبراطوريَّة مثل دانيال المسبي، ولا وجد فرعون من يأتمنه على قصره مثل يوسف، ولا آخاب وجد من هو مثل عوبديا.

 بلا شك كانت نفس عوبديا تتمرَّر كل يوم وهو يرى ما تفعله إيزابل بأنبياء الرب، وما تخطِّطه لجذب كل الشعب نحو العبادة الوثنيَّة. لم ينسحب عوبديا من القصر، ولا هرب من مركزه كوكيل على القصر الملكي، لكنَّه بقي فيه مؤمنًا بأن له رسالة إلهيَّة يلتزم بها.

لم يطلب الرب منَّا أن ننسحب من العالم الشرِّير. ففي صلاته الوداعيَّة يتحدَّث السيِّد المسيح مع أبيه قائلاً: "لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرِّير" (يو 15: 17).

-     لا تزال توجد ضرورة أن يكونوا في العالم وإن كانوا لم  يعودوا بعد منتمين إليه. فإنَّه يكرِّر العبارة قائلاً: "لأنَّهم ليسوا من العالم، كما إنِّي أنا لست من العالم" (يو 17: 14)[172].

القدِّيس أغسطينوس

لم يتحدَّث عوبديا مع الملك والملكة عن مخافة الرب، لكنَّه تحدَّث معهم بأمانته وسلوكه الروحي الحيّ. لم يغيِّر قلب الملك ولا فكَّر الملكة، لكنَّه قام برسالة هامة بحفظه وإعالته مائة نبي للرب، وأن يكون وسيطًا للقاء إيليَّا مع الملك.

اسم "عوبديا" معناه "عبد يهوه" أو "عبد الرب" وبالعربيَّة "عبد الله". لم يغيِّر الملك اسمه لكي ينسبه للبعل عوض انتسابه ليهوه، كما غيَّر ملك بابل أسماء دانيال وزملائه الثلاثة فتية. يبدو أن آخاب وهو خاضع لمشورة زوجته ويسلك في طريقها كان يشعر في داخله بالخطأ، فلم يلزم وكيله أن يشاركه في عبادة البعل، ولم يتحدَّث مع إيزابل في هذا الأمر حتى لا يعرِّض وكيله للقتل. ولعلََّ الملك شعر بحاجته إلى مشيرٍ أمينٍ يسنده، إذ لم يكن مستريحًا تمامًا لتصرُّفات زوجته المتسلِّطة عليه وعلى المملكة.

"وكان حينما قطعت إيزابل أنبياء الرب أن عوبديا أخذ مائة نبي، وخبَّأهم خمسين رجلاً في مغارة، وعالهم بخبز وماء" [4].

لماذا قطعت إيزابل أنبياء الرب وقتلتهم؟

أولاً: لأنَّها أرادت أن تسدّ كل فم ينطق بالحق الإلهي.

ثانيًا: شعرت بعجز آلهتها عن إرسال مطر للأرض، بينما حمل إيليَّا نبيّ الرب سلطانًا على المطر، فأرادت أن تغطِّي هذا الضعف بالسلطان والعنف، تقتل الأنبياء كصاحبة سلطان.

ثالثًا: أرادت التشهير بهم بأنَّهم هم سبب الجفاف، فيلزم قتلهم حتى ترضي الآلهة على الأرض وتنزل المطر.

وأخيرًا فلت إيليَّا من يدها فانتقمت منه في هؤلاء الأنبياء.

غالبًا ما كان هؤلاء الأنبياء يتتلمذون في مدرسة الأنبياء، هؤلاء دُفنوا أحياء في مغارتين، لا يستطيعون الحديث مع أحد عن الله، فاستبقاهم الرب في المغارتين يصلُّون عن الشعب. ربَّما لم يجد كثير من الشعب خبزًا يأكلونه وماءً يشربونه بسبب المجاعة، لكن الله عال خائفيه هؤلاء خلال وكيل الملك نفسه عوبديا. وكما يقول المرتِّل: "ما أعظم جودك الذي ذخَّرته لخائفيك وفعلته للمتَّكلين عليك تجاه بني البشر" (مز 31: 19)؛ "هوذا عين الرب على خائفيه الراجين رحمته" (مز 33: 18)؛ "أعطى خائفيه طعامًا يذكر إلى الأبد عهده (مز 111: 5).

*     بماذا ينتفع الخائفون؟ إلاَّ أن الرب الحنون والرحيم يعطي "خائفيه طعامًا"؟ يعطيهم طعامًا لا يفسد "الخبز النازل من السماء" (يو 6: 27، 51)، الذي أعطاه ليس من أجل استحقاقنا. فإن المسيح مات لأجل الفُجّار (رو 5: 6). أنَّه لا يعطي أحد طعامًا كهذا إلاَّ الرب الحنَّان والرحوم[173].

القدِّيس أغسطينوس

"وقال آخاب لعوبديا:اذهب في الأرض، إلى جميع عيون الماء والى جميع الأودية، لعلَّنا نجد عشبًا، فنحيي الخيل والبغال، ولا نعدم البهائم كلَّها. فقسَّما بينهما الأرض ليعبرا بها، فذهب آخاب في طريق واحد وحده، وذهب عوبديا في طريق آخر وحده. وفيما كان عوبديا في الطريق إذا بإيليَّا قد لقيه فعرفه وخرَّ على وجهه،  وقال: أأنت هو سيِّدي إيليَّا؟. فقال له: أنا هو. اذهب وقل لسيِّدك هوذا إيليَّا" [5-8].

لم يحدث هذه اللقاء مصادفة بل بتدبيرٍ إلهيٍ. الله الذي أمر إيليَّا أن يذهب ويتراءى لآخاب، هو الذي بعث بعوبديا إلى إيليَّا ليتلقي معه. وقد كشف عن عينيه فعرفه وخرَّ على وجهه أمامه.

عوبديا الذي أظهر أبوَّة حانية لأنبياء الرب واهتمَّ بهم، الآن بروح البنوَّة الخاضعة يخرّ في تواضع أمام أبيه الروحي إيليَّا النبي.

دعاه عوبديا "سيِّدي إيليَّا" لكن إيليَّا لا يطلب ألقابًا وكرامة. قال له: "قل لسيِّدك هوذا إيليَّا" [8]. وكأنَّه يقول له: "لست اشتهي كرامة العالم فأُحسب سيِّدًا، لكن يوجد من يطلب هذه الكرامة "سيِّدك الملك".

"فقال: ما هي خطيَّتي حتى أنَّك تدفع عبدك ليد آخاب ليميتني؟" [9]

أراد عوبديا إعفاءه من هذه المهمَّة، فإنَّها تكلِّفه حياته كلَّها [12]، خاصة وأنَّه يعلم بأن روح الرب كان يخطف إيليَّا لينقله من موضع إلى آخر. كان عوبديا يدرك أن قلب الملك لم يتغيَّر وأنَّه غير مستعد للعودة لله الحيّ، لهذا حسب أنَّه غير أهلٍ للقاء مع إيليَّا النبي، وأن روح الرب يحمل الأخير لكي لا يلتقي مع هذا الملك الشرِّير، فينقله إلى دولة أخرى بعيدة.

ظنّ عوبديا أن الملك سيقتله لأنَّه لم يلقِ القبض على إيليَّا ويحضره إليه، خاصة وأنَّه يعلم مدى الجهود التي بذلها حتى مع الملوك المجاورين ليلتقي به.

"حيٌّ هو الرب إلهك، إنَّه لا توجد أمَّة ولا مملكة لم يرسل سيِّدي إليها ليفتِّش عليك، وكانوا يقولون أنَّه لا يوجد، وكان يستحلف المملكة والأمة أنَّهم لم يجدوك" [10].

كان آخاب جادًا في البحث عن إيليَّا النبي ليس فقط داخل المملكة بل وفي الممالك المجاورة. كان يسأل الملوك ويستحلفهم أنَّهم لم يجدوه. كان كمن له سلطان على الأمم المجاورة. كان يطلبه لا ليقدِّم توبة ويرجع إلى الرب، وإنَّما ليضغط عليه حتى يسأل عن المطر فينزل وينتهي الجفاف.

"والآن أنت تقول اذهب قل لسيِّدك هوذا إيليَّا. ويكون إذا انطلقت من عندك أن روح الرب يحملك إلى حيث لا اعلم، فإذا أتيت وأخبرت آخاب ولم يجدك فإنَّه يقتلني، وأنا عبدك أخشى الرب منذ صباي. ألم يخبر سيِّدي بما فعلت حين قتلت إيزابل أنبياء الرب، إذ خبَّأت من أنبياء الرب مائة رجل خمسين خمسين رجلاً في مغارة، وعلتهم بخبز وماء؟. وأنت الآن تقول اذهب قل لسيِّدك هوذا إيليَّا، فيقتلني. فقال إيليَّا: حيٌّ هو رب الجنود الذي أنا واقف أمامه إنِّي اليوم أتراءى له. فذهب عوبديا للقاء آخاب وأخبره، فسار آخاب للقاء إيليَّا" [11-16].

أرسل آخاب عوبديا ليبحث له عن ماء، والآن قد عاد إليه ليخبره بأنَّه قد وجد إيليَّا، الذي بصلاته يحمل مفاتيح السماء فيحجب المطر أو ينزله.

جاهد آخاب كثيرًا ليجد إيليَّا، والآن دون أن يطلبه وجده فذهب إليه وهو في حاجة شديدة إليه.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 18 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 


3 مسرى 1736 ش
09 أغسطس 2020 م

نقل جسد القديس سمعان العمودى
نياحة القديس البابا ابريموس البطريرك الخامس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك