إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إذا اقتربت إليناالأرواح الشريرة ووجدتنا فرحين في الرب ، مفكرين فيه مسلَّمين كل شيء في يده واثقين أنه لا قوة لها علينا ، فإنها تتراجع إلى الوراء

الأنبا انطونيوس

تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 17 جـ1 PDF Print Email

إعالة إيليَّا التشبِّي


بدأت مملكة إسرائيل المنشقَّة على يدي يربعام الذي أقام مركزين للعبادة في دان وبيت إيل، وصنع عجلين من ذهب ليعبد الشعب الله خلالها. بذل كل الجهد لمنع شعبه من الذهاب إلى أورشليم والعبادة في الهيكل. وجاءت سلسلة الملوك الأشرار متوالية، ولم يوجد قط بينهم ملك صالح. وقد بلغت القمَّة عندما ملك آخاب وتزوَّج إيزابل الشرِّيرة ابنة ملك صور كاهن البعل. وضعت في قلبها إزالة كل أثر لعبادة الله الحيّ، وإقامة عبادة البعل بالقوَّة الجبريَّة.

في وسط هذا الجو الحالك الظلمة بعث الله بنبي عجيب ليشهد له ويعمل لخلاص اخوته وهو إيليَّا التشبِّي. بينما أعد عدوّ الخير آخاب وإيزابل لبث روح الفساد، أعدَّ الله إيليَّا النبي ليشهد له ويعمل لحساب ملكوته. لم يكن أحد جريئًا بين ملوك إسرائيل في ارتكاب الخطيَّة مثل آخاب، ولم يوجد نبي جريء وناري مثل إيليَّا. لقد بدأت سيرته في هذا الأصحاح مؤيَّدًا من الله بعجائب فائقة. جاءت سيرته مشرقة بروح البهاء والقوَّة. وهو الوحيد من بين الأنبياء نال كرامة الاشتراك مع أخنوخ بانتقاله حيًّا من العالم، كما نال مع موسى النبي كرامة اللقاء مع السيِّد المسيح في تجلِّيه على جبل تابور.

تنبَّأ الأنبياء وسجَّلوا نبوَّاتهم بالكتابة، أمَّا إيليَّا فتنبَّأ ولم يكتب بل عمل، وبقيت أعماله شهادة حيَّة للحق الإلهي.

1. نبوَّته عن الجفاف [1].

2. إعالة الغربان له [2-7].

3. إعالة أرملة صرْفَة صيْدا له [8-16].

4. إقامة ابن الأرملة [17-24].

1. نبوَّته عن الجفاف:

لماذا بدأ إيليَّا النبي عمله النبوي بنبوَّته عن الجفاف والقحط الذي يحلّ لإسرائيل؟

إذ انحدر الملك وشعبه في الفساد إلى المنتهى احتاجوا لا إلى تحذير شفوي بل عملٍ يهز وجودهم وحياتهم. فالنبوَّة عن القحط وتحقيقها غايتها مراجعتهم لأنفسهم ليُدركوا القحط الداخلي الذي حلّ بهم، بحرمانهم من مياه النعمة الإلهيَّة. أمَّا إعالة إيليَّا النبي بالغربان ففيه تأكيد لتسخير الله للطبيعة للعمل لحساب مؤمنيه، حتى وإن كان فيه كسر لنواميسها. فالغربان التي تخطف، خاصَّة في وقت القحط، تخدم وتعول النبي. أمَّا إعالته بواسطة أرملة صرْفَة صيْدا ففيه كشف عن اهتمام الله بمؤمنيه العملي حتى وإن كانوا من جنس آخر. وأخيرًا بإقامة ابن الأرملة يفتح أبواب الرجاء أمامهم فلن ييأسوا بسبب الموت الذي لحق نفوسهم بالخطيَّة والفساد. الله مشتاق أن يقيم كل نفس لتتمتَّع بالحياة.

على خلاف كثير من الأنبياء لم يذكر هنا اسم والد النبي أو والدته أو عشيرته أو السبط الذي ينتمي إليه. كأن الكتاب المقدَّس يريد تأكيد أن إيليَّا النبي كان عطيَّة الله المقدَّمة لشعبه لأجل توبتهم، يحمل قوَّة سماويَّة من قبل الرب غير معتمد على أيّ نسب بشري. لقد ظنَّه بعض اليهود ملاكًا نازلاً من السماء، لهذا يؤكِّد يعقوب الرسول أنَّه إنسان حتى الآلام مثلنا (يع 5: 17).

-     إنَّه يمنح الذين يصنعون إرادته ما لا يمكن أن يوهب إلاَّ لأصدقائه[138].

القديس إكليمنضس الروماني

"وقال إيليَّا التشبِّي من مستوطني جلعاد لآخاب: حيٌّ هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه، أنه لا يكون طلّ ولا مطر في هذه السنين إلاَّ عند قولي" [1].

"إيليَّا" كلمة عبريَّة معناها "إلهي هو يهوه". كأنَّه يشهد باسمه أنَّه لن يعبد آخر سوى الله إلهه الذي أرسله ليرد النفوس إليه، ويعمل به.

"التشبِّي" معناه "الغريب"، فبالقول "التشبِّي من مستوطني جلعاد" معناها "من المتغرِّبين المقيمين في جلعاد". ظنَّ البعض أن "تشبِّي" هي نفتالي، وقد رفض كثير من الدارسين ذلك. ربَّما هي في جلعاد، وأن إيليَّا كان غريبًا استوطن هناك.

يرى يوسيفوس[139] أن إيليَّا كان مواطنًا من Thesbon وهي منطقة في جلعاد. بالغَ البعض فنادوا بأنَّه كان أمميًا سكن في جلعاد ليشهد لله الحيّ.

تبقى سيرة إيليَّا النبي تؤكِّد عبر الأجيال ألاَّ نبحث عن أسرة الإنسان وأسلافه، بل عن شخصه وحياته وأفكاره وتصرُّفاته.

أ. لم يتحدَّث إيليَّا إلى الملك في الأذن بل علانيَّة لأن الشرّ قد بلغ إلى كل الشعب، وصارت الحاجة إلى صرخة قويَّة لكي يرجع الكل إلى إلهه. لذا يقول: "حيٌّ هو الرب إله إسرائيل" الذي يقاومه الملك ورجاله، ونسيه الشعب وتجاهله.

ب. إنَّه ليس جماد بلا حياة كالبعل والعشتاروت بل "حيٌّ هو الرب".

ج. إنَّه خادم لله الحيّ يقف دائمًا أمامه لكي يخدمه.

د. إن كان الملك يظنّ أن ما يتمتَّع به من خيرات وبركات هي عطايا من البعل وعشتروت إلهيّ الخصوبة، فإنَّه يليق به أن يدرك عجز الأوثان عن تقديم المطر (إر 14: 22).

ه. يؤكِّد إيليَّا النبي هنا إمكانيَّة الصلاة، فإنَّه يغلق أبواب السماء ثلاثة سنين ونصف، ولن تستطيع الآلهة الوثنيَّة أن تفتحها، بل يسمح الله بذلك: "عند قولي".

و. لقد سبق فهدَّد الله بالجفاف كتأديب لمن يتجاهل الرب ويحيد عنه ويعصى وصيَّته (تث 11: 17؛ 28: 23؛ لا 26: 19). جاء في كثير من الكتابات اليهوديَّة القديمة كالتلمود أنَّه حدث حوار وتحدِّي بين الملك وإيليَّا. تحدَّى الملك إيليَّا بأن اللعنة التي أعلنها موسى عن الجفاف لن تتحقَّق، معتمدًا على آلهته. لذلك أكَّد إيليَّا إمكانيَّة تحقيقها.

2. إعالة الغربان له:

"وكان كلام الرب له قائلاً: انطلق من هنا واتَّجه نحو المشرق واختبئ عند نهر كريث الذي هو مقابل الأردن" [2-3].

يوجد تقليد قديم بأن كريت على جانب نهر الأردن هو نبع Phasaelis أو Fasael، يقوم عند انحدار الجبال نحو وادي الأردن فوق مدينة Phasaelis، يصبّ في الأردن ولعلَّه هو وادي Wady Kelt يبعد قليلاً عن وادي فاسيليس من جهة الجنوب. بينما يرى يوسيفوس أنَّه على الجانب الآخر من النهر. ويرى Thenius أنَّه وادي رجب Wady Rajib أو Ajlun. والبعض يرى أنَّه وادي الياس Wady Alias.

بأمر إلهي كان لابد لإيليَّا النبي أن يختفي حتى تنتهي فترة التأديب. لم يكن ذلك حماية لإيليَّا من آخاب وإيزابل فإن الله قادر أن يحفظه منهما، لكنَّه بالأكثر لكي يعطي فرصة لهما ولكل الشعب أن يفكِّروا في التوبة بكل جدِّيَّة. اختفى حتى لا يضغط الشعب عليه، بل يطلبوا رحمة الرب.

اتَّجه من السامرة حيث هناك تحدَّث إيليَّا النبي مع الملك وذهب نحو الشرق، نحو الأردن ليختبئ عند نهر كريت الذي هو مقابل الأردن. لم يُعرف بعد إن كان هذا المجرى عن الجانب الشرقي أم الغربي للأردن.

طلب الرب منه أن ينسحب من السامرة ومن وسط الشعب ليختفي ثلاث سنوات ونصف، حيث أمره بالظهور والالتقاء مع الملك. لم تكن هذه السنوات فترة خمول للنبي ليحيا بلا عمل، لكنَّها كانت فترة مع الله صلاة وتأمُّل، تهبانه قوَّة متزايدة تسنده في رسالته المقبلة.

في وسط الجفاف، في البريَّة القاحلة قدَّم له الله ماء من نبع أو مجرى كريث، وأرسل له طعامًا بواسطة الغربان الخاطفة. إنَّه لن ينسى كنيسته، ولا يتجاهل إنسانًا جائعًا. ففي الرؤيا (12: 6، 14) نرى الرب نفسه يعول الكنيسة (المرأة) التي تهرب إلى البريَّة. إنَّه لا يودّ أن يصرف نفسًا واحدة جائعة.

كان يعوله ليأكل خبزًا طازجًا ولحمًا مرَّتين كل يوم. كان أنبياء البعل والسواري يأكلون على مائدة إيزابل (1 مل 18: 19) فجاعوا بسبب الجفاف، أمَّا إيليَّا فكان يعوله الله الحيّ ليكرِّس كل شيء لإشباع مؤمنيه. كان الله يعوله في الصباح كما في المساء، ولم يكن إيليَّا النبي يقلق على الغد. أمَّا كيف كان الخبز واللحم يُعَدَّان، فإنَّنا نجيب مع يعقوب: "إن الرب إلهك قد يسَّر لي" (تك 27: 20).

لماذا اختار الله الغربان لتعوله؟

أ. قيل: "العين المستهزئة بأبيها والمحتقرة إطاعة أمَّها تقوِّرها غربان الوادي" (أم 20: 17). أمَّا من يكرم الله أباه ويطيع الكنيسة أمُّه فتعوله الغربان بطعام يومي طازج. في حبُّه يُخرج من الآكل أُكْلاً ومن الجافي حلاوة (قض 14:14).

ب. كانت هذه الطيور نجسة (لا 11: 13-15)، وفي نظر اليهود لا يمكن أن يأكلوا طعامًا مقدَّم منها. لكن إيليَّا يتعدَّى الحرف ليأكل منها بكونه طعامًا مُقدَّما من الله الحيّ نفسه.

ج. الغربان التي قدَّمت خبزًا لإيليَّا تعيش على الحشرات. إنَّها تمثِّل كثير من المتديِّنين الذين يقدِّمون كلمة الله، الخبز السماوي، أمَّا هم فيعيشون على الحشرات.

د. لا تقدر الغربان أن تحمل الكثير بل القليل جدًا من الخبز واللحم. وكان إيليَّا شاكرًا الله على هذه العطيَّة.

ه. تتجاهل الغربان أحيانًا صغارها، لكنَّها لا تقدر أن تنسى رجل الله. "فإن الأشبال وصغار الغربان جاعت، وأمَّا طالبوا الرب فلا يعوزهم شيء من الخير" (مز 34: 10).

و. تأكل الغربان خلال العناية الإلهيَّة (أي 38: 14؛ مز 47: 9)، وها هي العناية ذاتها تستخدمها لتعول النبي. تبقى هذه الغربان شاهدة لمن يتجاهل اخوته، فمن تمتَّع بالنعمة يليق به أن يقدِّمها لاخوته، فنقدِّم لهم طعامًا روحيًا وسط البريَّة.

ز. بأمر إلهي اعتزل إيليَّا عن شعب الله المنحرف لكي يتعامل مع الغربان التي تخدمه. هكذا بالخطيَّة يفقد الإنسان علاقته بالله ورجاله، بينما الحيوانات والطيور غير العاقلة تمجِّد الله وتخدم أولاده.

ح. الله خالق الطبيعة يستخدم حتى الحيَّات والجراد والأسماك وسُحب السماء لخدمته (2 أي 7: 13؛ مز 78: 23؛ إش 14: 12؛ يون 2: 10؛ عا 9: 3).

ط. تقديم الطعام بواسطة الغربان يحمل ثلاث معجزات: من أين جاءت الغربان بالطعام صباحًا ومساءً وبطريقة منتظمة؟ كيف غلبت الغربان طبيعتها وعِوض أن تخطف صارت تقدِّم طعامًا شهيًا لغيرها؟ وأخيرًا كيف كانت تتجاسر وتقدِّم الطعام لإنسان ولم تخفْ منه؟

يرى البعض أن الكلمة المترجمة غربان Orebim تشير إلى العرب الساكنين في عربة Orbo وهم تجَّار رُحَّل ينتسبون إلى قوافل قادمة من العربيَّة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لكن يرفض كثير من الدارسين ذلك، لأنَّه لم يكن هذا الموقع طريقًا لهذه القوافل. ومن جانب آخر طلب منه الرب أن يختفي فلا يلتقي بأحد حتى لا يعرف الملك مكانه. أخيرًا فإن هذه الكلمة لم تستخدم قط في الكتاب المقدَّس لتعني التجَّار.

تشير هذه الغربان إلى المؤمنين الذين يدركون أنَّهم بأنفسهم خطاة ودنسين، لكن نعمة الله الغنيَّة تحوِّل دنسهم إلى طهارة. نعمة الله تجدِّد طبيعتهم فعِوض الأنانيَّة وحب الذات يشتهون العطاء للغير. يعرفون أن يقدِّموا مائدة روحيَّة مستمرَّة للغير، ليست من صنع أيديهم، ولا بإمكانيَّاتهم البشريَّة، إنَّما هي عطيَّة إلهيَّة لهم. أخيرًا لا يخافوا ولا يخشوا تقديم كلمة الله الحيَّة كطعامٍ شهيٍ طازجٍ للنفوس.

يرى القدِّيس أمبروسيوس[140] أن كلمة "كريث" معناها "فهم"، و"حوريب" معناها "قلب" أو "كقلب".

"فتشرب من النهر وقد أمرْتْ الغربان أن تعولك هناك" [4].

-     لا يوجد موضع يقتات فيه إيليَّا إلاَّ "هناك" (1 مل 17: 4) في صرْفَة صيْدا، حيث أمره الله أن يذهب لتعوله...

بالنسبة ليعقوب أمره الله أن يذهب هناك (بيت ايل) (تك 35: 1).

والسيِّد المسيح سأل تلاميذه أن يرجعوا إلى أورشليم ويقيموا هناك حتى يلبسوا قوَّة من الأعالي لينالوا موعد من الآب (لو 24: 49؛ عب 1: 4، 12؛ 2: 4).

نحن مدعوِّين إلى "هناك" حيث نسكن أو نثبت في المسيح وهو فينا (يو 15: 4-7؛ أف 1: 3)...

في وقت الجفاف حيث يمكن للباطل الجسداني أن يجف فيه، يدخل إلى معرفة الله بالأكثر. لقد ذهب إلى نهر كريث (1 مل 17: 3)، التي تعني "معرفة"، حيث يقدر أن يشرب من فيض معرفة الله.

لقد هرب من العالم بطريقة بها لم يطلب حتى الطعام لهذا الجسد، إلاَّ ما تقدِّمه له الطيور الخادمة (1 مل 17: 6)، مع أن طعامه غالبًا لم يكن من الأرض (1 مل 17: 5-7). بالحقيقة سار أربعين يومًا في قوَّة الطعام الذي تقبله (1 مل 17: 5).

للتأكيد لم يهرب مثل هذا النبي العظيم من امرأة، بل من هذا العالم. ولم يخف الموت، بل تقدَّم لمن يطلب نفسه وقال للرب: "خذ نفسي". لقد عانى من متاعب هذه الحياة، لكنَّه هرب من إغراءات العالم، من عدوى السلوك الدنس والأعمال الشرِّيرة التي للجيل الخاطئ الشرِّير[141].

القدِّيس أمبروسيوس

"فانطلق وعمل حسب كلام الرب، وذهب فأقام عند نهر كريث الذي هو مقابل الأردن. وكانت الغربان تأتي إليه بخبزٍ ولحم صباحًا، وبخبز ولحم مساء وكان يشرب من النهر" [5-6].

-     لم يكن لدى إيليَّا رجل الله خبز للطعام... لكن يبدو أنَّه لم يفشل إذ لم يبحث عن الخبز... لقد طُوب بالأكثر إذ كان غنيًا بالله. من الأفضل أن يكون الإنسان غنيًا للآخرين عنه لنفسه...

إذًا لا يُعين الغِنى الحياة لكي تكون مطوَّبة، هذه الحقيقة يظهرها الرب بوضوح في الإنجيل قائلاً: "طوباكم أيها المساكين لأن لكم ملكوت الله. طوباكم أيها الجياع الآن لأنَّكم تشبعون. طوباكم أيها الباكون الآن لأنَّكم ستضحكون" (لو 6: 20-21). هكذا يقرِّر بوضوح قدر الإمكان أن الفقر والجوع والألم التي تعتبر كشرورٍ، إنَّها ليس فقط لا تعوق عن بلوغ الحياة المطوَّبة بل تُعين بالفعل على نوالها[142].

القدِّيس أمبروسيوس

"وكان بعد مدَّة من الزمان أن النهر يبس، لأنَّه لم يكن مطر في الأرض" [7].

يأتي زمان تجف فيه أنهار هذا العالم، فللطبيعة مع كل إمكانيَّاتها حدود تقف عندها. لقد جفَّ نهر إيليَّا إذ لم يكن مطر إلى زمان، أمَّا من يرتفع قلبه إلى السماء، مدينة الله فلا يجد مجاري مياه تجف في الصيف (أي 6: 15)، بل يجد نهرًا يفرِّح مدينة الله لن يجف قط (مز 46: 4)، وينبوع مياه حيَّة لن يتوقَّف قط!

الله الذي أمر إيليَّا أن ينطلق إلى نهر كريث يقدِّم له حلاً عندما يجف النهر. وكما يقول المرتِّل: "أدم رحمتك للذين يعرفونك" (مز 36: 10). أنهار العالم قد تجف أمَّا مراحم الله فلن تتوقَّف قط، ولا تفشل في أن تروي النفوس وتشبعها.

3. إعالة أرملة صرْفَة صيْدا له:

"وكان له كلام الرب قائلاً: قم اذهب إلى صرفة التي لصيدون، وأقم هناك، هوذا قد أمرت هناك امرأة أرملة أن تعولك" [8-9].

أُرسل إيليَّا النبي إلى هذه الأرملة الأمميَّة ليس فقط علامة اهتمام الله بنبيه، وإنَّما اهتمامه بالأمميَّة أن تستقبل إيليَّا في بيتها ويبارك فيما لديها. يقول السيِّد المسيح "وبالحق أقول لكم إن أرامل كثيرة كن في إسرائيل في أيَّام إيليَّا حين أُغلقت السماء مدَّة ثلاث سنين وستَّة أشهر لما كان جوع عظيم في الأرض كلها، ولم يُرسل إيليَّا إلى واحدة منها، إلاَّ إلى امرأة أرملة في صرْفَة صيْدا" (لو 4: 25-26). كان إيليَّا أول نبي يُرسل لخدمة الأمم. أبغضه شعبه فالتجأ إلى الأمم، كما شهد بذلك الرسل (أع 18: 6). لقد حمل بذلك شهادة عن السيِّد المسيح الذي جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله. جاء إلى خراف إسرائيل الضالة وإذ رفضته فتح الباب للأمم كي تقبل عمله الخلاصي ومحبَّته الفائقة.

صرفة: قرية صغيرة تقع على شاطئ البحر الأبيض بين صور وصيْدا.

-     "قد أمرت هناك امرأة أرملة أن تعولك" [9].

كيف أمر الله إلاَّ بإعلان ما هو صالح بنعمته في النفس؟ هكذا يتحدَّث الله في كل إنسان يتمِّم عملاً صالحًا، ولهذا لا يتمجَّد أحد بذاته بل في الرب. ألم توجد أرملة يهوديَّة واحدة تستحق أن تقدِّم طعامًا للطوباوي إيليَّا، فأُرسل إلى أرملة أمميَّة تعوله؟ ترمز تلك الأرملة التي أُرسل إليها النبي إلى الكنيسة، وذلك كما ترمز الغربان التي خدمت إيليَّا إلى الأمم. هكذا جاء إيليَّا إلى الأرملة لأن المسيح يأتي إلى الكنيسة[143].

القدِّيس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 17 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 


27 هاتور 1736 ش
07 ديسمبر 2019 م

استشهاد القديس يعقوب الفارسى المقطع
تذكار تكريس كنيسة مار بقطر

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك