إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصلاة هى تسليم الحياة لله ليدبرها بنفسه " لتكن مشيئتك "

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email

ظهر الرب لسليمان في حلم... وكما يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص عن أنواع الأحلام المختلفة: [إن أعضاءنا والمخ أشبه بآلة موسيقيَّة وتَرِيَّة. أثناء ساعات النهار يلعب العقل على هذه الأوتار فتقدِّم لنا سيمفونيَّة متناسقة رائعة. وإذ ننام لا تعود هذه الآلة قادرة على إصدار صوتٍ ما، اللهم إلاَّ إذا عادت ذكريات اليوم وقدَّمت ذاتها للعقل ونحن نيام، فتخرج حلمًا. وذلك كما تصدر الأوتار أصواتًا هادئة بعد أن تتوقَّف يد الموسيقار عن لمس الأوتار مباشرة[26]].

"قال الله: اسأل ماذا أُعطيك" [5]. إن كان سليمان قد انشغل طوال يومه بالصلاة مع تقديم الذبائح، وكان يطلب من الله الحكمة، فلماذا يسأله الله: "اسأل، ماذا أُعطيك؟" كان سليمان طوال يومه يقدِّم أوانيه الفارغة لكي يملأها الله من زيت السماء، وها هو يسأله قبل العطاء مباشرة ليؤكِّد له حريَّة إرادته، ينعم بما يطلبه قلبه، وليس قهرًا من قِبل الرب. لهذا يقول السيِّد المسيح: "إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي، اطلبوا تأخذوا، ليكون فرحكم كاملاً" (يو 16: 24). ويقول يوحنا الرسول: "وهذه هي الثقة التي لنا عنده إن طلبنا شيئًا حسب مشيئته يسمع لنا" (1 يو 5: 14).

ليس من موضوع يشغل ذهن أولاد الله الذين التهبت قلوبهم بالحب الإلهي مثل التمتُّع برؤية الله. فقد بدأ موسى في العهد القديم خدمته برؤية الله خلال العلِّيقة الملتهبة نارًا، كما كان يرى الله عمليًا خلال معاملاته معه كل يوم في حياته الشخصيَّة وفي خدمته وسط الشعب. تمتَّع بالمجد الإلهي الذي أشرق على وجهه فصار مضيئًا ولم يحتمل الشعب أن ينظر إليه، فطلب منه أن يضع برقعًا على وجهه حين يتحدَّث معهم، وينزعه حين يدخل الخيمة ويلتقي مع الله. تمتَّع موسى باللقاء مع الله على جبل سيناء، ومع هذا كانت طلبته الأخيرة: "أرني وجهك". هذه الطلبة التي تحقَّقت له بصورة رائعة بعد حوالي ألفين عامًا حين ظهر إيليا مع موسى ليُعاينا السيِّد المسيح المتجلِّي على جبل تابور ويتحدَّثان معه.

تمتَّع أيضًا سليمان الحكيم برؤية الله مرَّتين: بعد تجليسه ملكًا وعند تدشين الهيكل.

هكذا لن ييوقَّف عطش المؤمن الحقيقي عن رؤية الله بكل وسيلة ليتمتَّع باللقاء مع محبوبه السماوي وجهًا لوجه. هذه الرؤية وهذا اللقاء لن يحدث في الحياة العتيدة فحسب، بل هي امتداد لحياة مُعاشة يختبرها المؤمن كل يوم.

يميِّز القدِّيس إيريناؤس بين ثلاثة أنواع من الرؤى، وإن كانت كل منها مشتملة في الأخريَّتين.

1. الرؤية النبويَّة خلال الروح القدس. كالرؤية التي تقبَّلها موسى النبي على الصخرة إشارة إلى رؤيته خلال التجسُّد (صخرة مجيئه البشري). وهي رؤيا رمزيَّة، لا يرى وجه الله الحقيقي بل يظهر لهم بطريقة سرائريَّة حيث يبدأ الإنسان يرى الله. لقد طلب موسى النبي رؤية أوضح، تحقَّقت له حين ظهر مع إيليا على جبل تابور[27]. التي تحقَّق كمال الرؤية التي على جبل سيناء على جبل تابور.

2. رؤية التبنِّي خلال الابن المتجسِّد.

3. رؤية الآب في ملكوت السموات، في الحياة الأخرى، أو الرؤية الإسخاتولوجيَّة.

"فقال سليمان: أنك قد فعلت مع عبدك داود أبي رحمة عظيمة، حسبما سار أمامك بأمانة وبرّ واستقامة قلب معك، فحفظت له هذه الرحمة العظيمة، وأعطيته ابنًا يجلس على كرسيه كهذا اليوم" [6].

إذ طلب منه الرب أن يسأل فيعطيه بدأ بتقديم الشكر لله على عطاياه لأبيه، حاسبًا ما قدَّمه الله لسليمان إنَّما هو عطيَّة إلهيَّة مقدَّمة لداود أبيه صاحب القلب المستقيم. لقد ورث سليمان عن أبيه الفم المبارك لله على عطاياه. فنسمع داود النبي يقول: "مبارك الرب إله إسرائيل الذي أعطاني اليوم من يجلس على كرسي، وعيناي تبصران" (1 مل 1: 48). صارت تجري في عروقه مباركة الرب على عطاياه. فيباركه ليس فقط في ساعات النهار، وإنَّما ينبض قلبه بالبركة وهو في أحلامه ليلاً. يقول مع أبيه داود: "أبارك الرب الذي نصحني، وأيضًا بالليل تنذرني كليتاي" (مز 16: 7).

في وقارٍ شديدٍ تحدَّث سليمان مع الله عن أبيه، ساترًا على أخطائه مثل سيِّده، قائلاً: "سار أمامك بأمانةٍ وبرٍ واستقامة قلبٍ معك". وتحدَّث بقلب يفيض شكرًا وحمدًا لله الذي أظهر رحمته العظيمة مع عبده داود. هكذا يليق بنا أن نشكره ونسبِّحه من أجل معاملاته مع آبائنا وأمَّهاتنا وكل الأجيال السابقة.

"والآن أيُّها الرب الهي، أنت ملكت عبدك مكان داود أبي، وأنا فتى صغير لا أعلم الخروج والدخول" [7].

بعد أن بارك الله على عطاياه لأبيه بأن أقام ابنه ملكًا في تواضعٍ شديدٍ أعلن أنًَّه كطفلٍ صغيرٍ لا يقدر أن يخرج أو يدخل دون معونة. إنًَّه كمن يتدرَّب على المشي يحتاج إلى يدٍ تمسك بيده وتقوده. حسب نفسه طفلاً بلا فهمٍ ولا خبرةٍ هذا الذي دعاه والده حكيمًا (1 مل 2: 9).

3. اختيار سليمان للحكمة:

"وعبدك في وسط شعبك الذي اخترته، شعب كثير لا يُحصى ولا يَّعد من الكثرة. فأعطِ عبدك قلبًا فهيمًا لأحكم على شعبك،  وأُميِّز بين الخير والشرّ، لأنَّه من يقدر أن يحكم على شعبك العظيم هذا؟" [8-9].

لم يقل سليمان "شعبي" بل "شعبك"، فهو ليس بالملك الحقيقي، وإنَّما ممثِّل له. إنًَّه سفير لملك الملوك يعمل وسط شعب الله، لا شعبه هو. إن كان هذا الشعب قد اختاره الرب، والملك اختاره الرب، إذن فالعامل هو الرب نفسه المهتم بشعبه كما بعبده الذي أقامه لخدمتهم. إنًَّه عبد الرب المحتاج إلى فهم وحكمة لخدمة شعب سيِّده. لقد أدرك أن "الرب يُعطي حكمة، من فمه المعرفة والفهم" (أم 2: 6). وكما يقول الرسول: "إن كان أحدكم تُعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يُعطي الجميع بسخاء ولا يُعيّر فسيُعطى له" (يع 1: 5).

الله هو ينبوع كل حكمة ومعرفة وفهم. والحكماء والفهماء الحقيقيُّون هم قنوات يفيض خلالها الله بالحكمة على كثيرين كما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم[28]: [الحكمة الإلهيَّة هي مجن لأُناس الله الذين يسلكون باستقامة، أو معِين لهم لنوال النصرة. فإنَّنا إذ نتمسَّك بالحكمة ونحفظها، تتمسَّك هي بنا وتحفظنا]. ويقول القدِّيس إكليمنضس السكندري: [بالنسبة للذين يتبرَّرون بالفلسفة، تقودهم المعرفة إلى التقوى كمُعين لهم[29]].

لم يطلب الحكمة بوجه عام لكي يفتخر بها أو يفوق الآخرين، وإنَّما لخدمة شعب سيِّده بروح التقوى، ويقضي بينهم بروح العدالة. كان الملك في القديم قاضيًا للشعب، خاصة في الأمور الكبيرة.

-    الإيمان الحقيقي والتعليم الصادق يُعلنان أن كلاً من النعمتين هي من الله. يقول الكتاب المقدَّس: "من وجهه المعرفة والفهم"، وفي سفر آخر يقول: "المحبَّة هي من الله" (1 يو 4: 7)[30].

-     "الرب يُعطي حكمة، من فمه المعرفة والفهم" (أم 3: 6). منه ينالون الرغبة ذاتها نحو المعرفة، إذا ما تلاحمت (تزوَّجت) بالتقوى[31].

القدِّيس أغسطينوس

"فحسُن الكلام في عينيّ الرب، لأن سليمان سأل هذا الأمر" [10].

جاءت طلبة سليمان من الله في حلم، كشفت عمَّا في أعماق قلبه من روح الشكر لله، والوقار لوالده، والتواضع، وشهوة خدمة شعب الله بأمانة وحكمة. لهذا سُرّ الله به، وبما يحمله من إرادة مقدَّسة. وجد الله مسرَّته في قلب سليمان وفكره وإرادته. سُرّ بتقدماته الصادرة عن نقاوة قلبه، وصلواته نهارًا، وطلباته ليلاً حتى في أحلامه.

نال سليمان عطيَّة القلب الحكيم، وتجلَّت حكمته في الآتي:

-     سأل الله ليعطيه فهم قلب يحكم به الشعب (3: 9).

-     حمل بصيرة داخليَّة بروح التمييز (3: 16-28).

-     فاق غيره من الحكماء (4: 29-31).

-     نطق بأمثال وحِكم، وضع 3000 مثلاً (4: 32)، و1005 نشيدًا (4: 32) من بينها المزموران (72، 127). جاء إليه البعض من أنحاء العالم ليسمعوا حكمته، من بينهم ملكة سبأ (10: 1-9). كثير من الأمثال القديمة في إسرائيل وإثيوبيا والعربيَّة يرجع أصلها إلى سليمان الحكيم.

-     بحكمة وقف أمام الهيكل (5-6).

-     بحكمة قدَّم صلاة التدشين (8: 22-53).

-     وضع بإعلان الروح القدس أسفار الأمثال والجامعة ونشيد الأناشيد.

-     أوضّح أنًَّه صاحب معرفة في أمور علميَّة كثيرة، مثل علم النباتات والحيوان والأسماك (4: 33؛ أم 30: 24-31؛ جا 2: 4-6).

-     في القضاء حكم في قضيَّة السيِّدتين اللتين ادعتا أنًَّهما والدتان لطفلٍ ما (3: 16-28).

لكن ما أفسد حكمته هو:

1. الحياة المدلَّلة المبالغ فيها (4: 22، 32؛ 10: 21).

2. تزوُّجه الوثنيَّات (11: 1-2؛ نح 13: 23-26).

3. حساسيَّته المبالغ فيها (11: 3).

4. انحرافه إلى الوثنيَّة (11: 4-10).

5. كان يصنع ما يحسن في عينه (11: 33).

6. ظلمه للشعب (12: 4).

"فقال له الله: من أجل أنَّك قد سألت هذا الأمر ولم تسأل لنفسك أيَّاما كثيرة، ولا سألت لنفسك غِنى، ولا سألت أنفس أعدائك،  بل سألت لنفسك تمييزًا لتفهم الحكم. هوذا قد فعلت حسب كلامك، هوذا أعطيتك قلبًا حكيمًا ومميِّزًا حتى أنًَّه لم يكن مثلك قبلك، ولا يقوم بعدك نظيرك [11-12]. 

سأل سليمان لنفسه الحكمة أو التمييز ليفهم الحكم، أي طلب الحكمة العمليَّة التي خلالها يمارس الحياة اللآئقة بالمؤمن. وهبه الله الحكمة العقليَّة والعمليَّة، حتى لم يكن من هو مثل سليمان، ولا من يأتي بعده مثله، حتى يأتي من هو أعظم من سليمان (مت 12: 42؛ لو 11: 31).

v     الآن إذ كان الابن الحكيم لأب حكيم، لهذا أضيف اسم داود الذي ولد منه سليمان وهو طفل تعلَّم في الكتب المقدَّسة، ونال سلطانه لا بالقرعة ولا بالقوَّة بل بحكم الروح وقانون الله.

لمعرفة حكمة وأدب (أم 1: 2) من يعرف حكمة الله يتقبَّل منه أيضًا الأدب. ويتعلَّم بها أسرار الكلمة. ومن يعرفون الحكمة السماويَّة الحقَّة بسهولة يفهمون كلمات هذه الأسرار. لذلك يقول: "لإدراك صعوبة الكلمات" (أم 1: 2). فإن الأمور التي ينطق بها بلغة غريبة بالروح القدس تصير مدركة للذين لهم قلوب مستقيمة بالرب[32].

القدِّيس هيبوليتس

 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 


9 أمشير 1736 ش
17 فبراير 2020 م

نياحة القديس برسوما أب رهبان السريان
استشهاد القديس بولس السريانى
استشهاد القديس سمعان

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك