إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

التوبة الحقيقية هى التوبة الصادرة من القلب وهى التى تستمر

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

وصيَّة داود الملك لابنه


كشفت اللحظات الأخيرة من حياة داود عمَّا يحمله في قلبه. فإنًَّه كان يهتم أن يتمِّم مشيئة الرب من جهة إقامة سليمان ملكًا، وأيضًا في تحقيق العدالة الإلهيَّة سواء بالنسبة لمن أساءوا إلى الناموس أو الذين قدَّموا عمل محبَّة.

من عادة الآباء أن يقدِّموا النصائح الوداعيَّة حينما يشعرون بقرب رحيلهم من العالم، يقدِّمونها مع البركة، خاصة للابن البكر. والسيِّد المسيح نفسه قبيل صلبه قدَّم لنا حديثه الوداعي الرائع، كما قدَّم صلاة وداعيَّة.

جاءت تدابير داود لابنه لتولِّى العرش في (1 أي 28-29)، تتلخَّص في الآتي:

1. عرَّف رجال القصر بابنه كملكٍ خلَفُه على العرش، مختار من قبل الله.

2. أوصاهم بالطاعة للوصايا الإلهيَّة.

3. حثَّ سليمان والشعب على بناء الهيكل مقدِّمًا له نموذجًا للمبنى مع المواد التي جمعها لتحقيق هذا الهدف.

4. حث العظماء على المساهمة في هذا العمل.

5. قدَّم تسبيحًا وشكرًا لله، كما أقام احتفالاً دينيًا.

6. مسحه في حضرة الرب أمام الشعب (1 أي 29: 22) للمرَّة الثانية، كما حدث مع شاول (1 صم 11)، وداود (2 صم 2: 4، 5: 3)، غايتها هو الاطمئنان ألاَّ يحدث تمرُّد على سليمان بعد موته.

تكشف وصيَّته الوداعيَّة عن شوق داود النبي أن يلتزم خلفاؤه أن يخافوا الرب ويكونوا مخلصين للعهد حتى يتحقَّق الوعد الإلهي بأن تستمر عائلة داود الملوكيَّة على العرش. هذا هو الضمان الوحيد لنجاحهم في كل عملٍ تمتدّ إليه أيديهم.

1. وصايا روحيَّة [1-4].

2. وصيَّة خاصة بيوآب [5-6].

3. وصيَّة تخص بني برزلاي [7].

4. وصيَّة تخص شمعي [8-9].

5. ثبوت مُلك سليمان [10-12].

6. أدونيَّا يحطِّم نفسه [13-25].

7. استبعاد أبياثار [26-27].

8. قتل يوآب [28-35].

9. معاقبة شمعي [36-46].

1. وصايا روحيَّة:

في وقارٍ شديد وجِديَّة قدَّم داود الملك وهو على فراش الموت وصيَّته لابنه سليمان. وقد جاءت وصيَّة داود الوداعيَّة نموذجًا حيًّا لما يليق بالآباء أن يقدِّموه لأبنائهم:

أ. نظرته نحو الموت كانطلاق للنفس في موكب جماعي وخروجها مع نفوس آبائه إلى مسكنها الأخير:

"ولما قربت أيَّام وفاة داود أوصى سليمان ابنه قائلاً:أنا ذاهب في طريق الأرض كلها، فتشدَّد وكن رجلاً" [1-2].

إنه لم يخشَ أن يسمع عن الموت أو يتحدَّث عنه، بل عبَّر عنه بأسلوب رائع. حسبه طريق الأرض كلها. البشريَّة التي خرجت من الأرض تلتزم بالعودة إليها. الموت هو انطلاق من وادي الدموع (مز 23: 4)، كما في موكب يضم الجميع حتى الأنبياء العظماء والمؤمنين الأبرار، والملوك، لكن بروح الرجاء حيث يعبرون إلى ما وراء الزمن.

-     الموت بالنسبة للذين يفهمونه خلود، أمَّا بالنسبة للبُلهاء الذين لا يفهمونه فهو موت. يجب علينا ألاَّ نخاف هذا الموت، بل نخاف هلاك النفس الذي هو عدم معرفة الله. هذا هو ما يرعب النفس بحق!

-    يستحيل علينا أن نهرب من الموت بأيَّة وسيلة.

إذ يعرف العقلاء هذا بحق يمارسون الفضائل ويفكِّرون في حب الله، ويواجهون الموت بلا تنهُّدات أو خوف أو دموع، مفكِّرين في أن الموت أمرٌ محتم من جهة، ومن جهة أخرى إنًَّه يحرِّرنا من الأمراض التي نخضع لها في هذه الحياة.

القدِّيس أنطونيوس الكبير

ب. حثّ الجيل الجديد على العمل بروح القوَّة والالتزام والشعور بالمسئوليَّة:

"تشدَّد وكن رجلاً" [2].

تحمل هذه الوصيَّة الأبويَّة انعكاسًا للوصيَّة الإلهيَّة لكل قائدٍ، بل ولكل مؤمنٍ، إذ يود الله أن يرى في كل أولاده قادة واثقين من الحضرة الإلهيَّة والتمتُّع بالوعود الإلهيَّة وبالقوَّة السماويَّة. فمهما بلغ عمرنا نشعر أنَّنا أطفال، لكن بالرب نصير ناضجين، نحمل روح القوَّة.

"تشدَّدوا وتشجَّعوا، لا تخافوا ولا ترهبوا وجوههم، لأن الرب إلهك سائر معك، لا يهملك ولا يتركك" (تث 31: 6).

"تشدَّد وتشجَّع، لأنَّك أنت تقسم لهذا الشعب الأرض التي حلفت لآبائهم أن أعطيهم" (يش 1: 6).

"إنَّما كن متشدِّدا وتشجَّع جدًا لكي تتحفَّظ للعمل حسب كل الشريعة التي أمرك بها موسى عبدي، لا تمل عنها يمينًا ولا شمالاً لكي تفلح حيثما تذهب" (يش 1: 7).

"أما أمرتك تشدَّد وتشجَّع؟! لا ترهب ولا ترتعب، لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب" (يش 1: 9).

"انتظر الرب ليتشدَّد وليتشجَّع قلبك وانتظر الرب" (مز 27: 14).

لتتشدَّد ولتتشجَّع قلوبكم يا جميع المنتظرين الرب" (مز 31: 24).

"اسهروا اثبتوا في الإيمان، كونوا رجالاً تقووا" (1 كو 16: 13).

-    تحمَّل برجولة النيران التي تُطهِّر شهواتك، وفي شجاعة تلك التي تُطهِّر قلبك. لا تظن أن ما لم تنله بعد لا تحصل عليه. ولا تخور يائسًا مادمت تتأمَّل الكلمات: "انتظر الرب".

القدِّيس أغسطينوس

ج. الالتزام بالإخلاص للعهد الإلهي والطاعة لوصاياه.

"احفظ شعائر الرب إلهك إذ تسير في طرقه وتحفظ فرائضه وصاياه وأحكامه وشهاداته كما هو مكتوب في شريعة موسى، لكي تفلح في كل ما تفعل وحيثما توجَّهت لكي يقيم الرب كلامه الذي تكلَّم به عنِّي قائلاً: إذا حفظ بنوك طريقهم وسلكوا أمامي بالأمانة من كل قلوبهم وكل أنفسهم قال لا يعدم لك رجل عن كرسي إسرائيل" [3-4].

ما هو السير في طريق الرب إلاَّ التمتُّع بالحضرة الإلهيَّة والاتِّكاء على الذراع الإلهي وحفظ الوصيَّة عِوض السير حسب الفكر البشري والاتِّكاء على القوَّة العسكريَّة والذهب والفضة والمظاهر الخارجيَّة.

إن أراد المؤمن أن يكون ملكًا حقيقيًا، صاحب سلطان على أفكاره ومشاعره وكلماته وتصرُّفاته، قادر أن يطأ كل قوَّات الظلمة يلتزم أن يحفظ فرائض الرب ووصاياه وأحكامه وشهاداته. فإنًَّه إذ يحفظها تحفظه هي، وتهبه من سماتها القداسة والحكمة مع القوَّة والفرح.

في تفسيرنا لسفر المزامير سبق أن عرضنا التمييز بين الفرائض والوصايا والأحكام والشهادات.

إذ يقدِّم الله لنا الفرائض المقدَّسة يودّ منَّا أن نسلك بروح التدبير والنظام لنحمل حياته المقدَّسة فينا، فلا يكون للتشويش موضع فينا. وبوصاياه يشتهي أن نحمل روح الطاعة، فنشارك مسيحنا المطيع للآب سماته الفائقة. وبحفظنا لأحكامه نُعلن ثقتنا في أبوَّته الحكيمة الحانية وقبولنا لإرادته الإلهيَّة حتى في لحظات تأديبنا المُرَّة. وبتمسُّكنا بشهاداته نشهد أمام أنفسنا كما أمام اخوتنا يقيننا بالحق الإلهي، وترقُّبنا لما وعدنا به في الحياة العتيدة.

هكذا يدعو داود النبي ابنه سليمان أن يلتزم كملكٍ بالآتي:

إن كان كملكٍ يطلب خضوع الكل للنظام الذي يضعه من أجل سلام البلد، يلتزم هو بالخضوع للتدبير الإلهي فلا يسلك حسب هواه الشخصي. فإن في داخله مملكة الله التي تشغل السماء كلَّها!

يلتزم الملك بالطاعة لله ولوصيَّته، فيطيعه شعبه ويقبل قوانينه.

يقبل أحكام الله العادلة، فيحمل روح العدالة في أحكامه الخاصة بالدولة.

يشهد لله الأمين في مواعيده، فيصير هو نفسه موضع ثقة شعبه.

هكذا يقدِّم لنا داود النبي مفهومًا حيًّا عمليًّا للنجاح، وهو أن ما نمارسه في علاقتنا بالله أبينا يرتدّ علينا حتى في علاقات اخوتنا بنا. وكما قيل: "كما فعلت يُفعل بك؛ عملك يرتدّ على رأسك" (عو 15). إن صرنا موضع سرور الله، ننال نعمة حتى أمام أعدائنا إن وُجدوا.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 


2 كيهك 1736 ش
12 ديسمبر 2019 م

نياحة القديس اباهور الراهب
نياحة القديس هرمينا السائح

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك