إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email

"وأمَّا ناثان النبي وبناياهو والجبابرة وسليمان أخوه فلم يدعهم" [10].

دعوة أدونيَّا لكل اخوته ورجال يهوذا فيما عدا أخوه سليمان وناثان النبي وصادوق الكاهن وباناياهو تكشف عن معرفة أدونيَّا باختيار الله لسليمان ملكًا، وإدراكه موقف ناثان الداخلي كرجل الله يحقِّق الإرادة الإلهيَّة. هذا ما يؤكِّده عدم تشاوره مع والده في استلام الحكم. فلو أن أدونيَّا يعرف بأنَّه الوارث الحقيقي للعرش لطلب من والده أن يسنده في قيامه بهذا العمل. تجاهله لوالده فيه تأكيد إنًَّه كان يدرك إنًَّه يمارس عملاً ضد إرادة والده.

شتَّان ما بين داود الملك وابنه أدونيَّا، فإن الابن لم يرث روح أبيه الوديع الخادم للكثيرين، الذي يطلب مجد الله وبنيان الشعب لا مجد نفسه، والذي لم يركب قط المركبات والخيل بل جاء إلى جليات يهاجمه باسم رب الجنود، ولا خطَّط بطرق بشريَّة لاستلام الحكم، بل طلب تحقيق الإرادة الإلهيَّة.

عدم دعوة ناثان النبي وبناياهو والعاملين معه وسليمان للاشتراك في الطعام الذي هيَّأه أدونيَّا يشير إلى إنًَّه لم يكن مستعدًا للسلام، بل كان يتهيَّأ للدخول في صراع عنيف معهم. لم يحدث هذا عن بُخل ولا عن مجرَّد تجاهل متعمِّد، بل عن وجود فريقين متعارضين في أورشليم يمثِّلان خطرًا لوجود انقسام!

يقدِّم لنا أدونيَّا صورة مؤلمة للنفس التي تستخف بالله الملك الحقيقي وخدَّامه العاملين لحسابه، سواء كانوا الوالدين أو الكهنة أو المرشدين. لم يبالِ أدونيَّا بالأمر الإلهي الخاص بإقامة سليمان ملكًا، ولم يسأل والده إذ في نظره هو شيخ عاجز عن تدبير الأمور، كما حسب أخاه سليمان صبيًّا صغيرًا لا يصلح كملكٍ. يرى في نفسه إنًَّه وحده القادر أن يحكم ويدبِّر حسب حكمته البشريَّة وقدراته وإمكانيَّاته البشريَّة. هكذا إذ تتسلَّل الخطيَّة إلى القلب تعميه عن رؤية الحق، فلا يقبل الإرادة الإلهيَّة، ولا يطلب مشورة حكيمة بناءة! في عجرفة يظن إنًَّه ملك قادر أن يدبِّر ويحكم وينقذ، يتَّكل على حكمته الذاتيَّة وخبراته وإمكانيَّاته.

3. ناثان النبي وبثْشَبع:

كان ناثان النبي الرجل المتحدِّث باسم الله لدى داود الملك، خاصة في الأمور التي تخص خلاص نفسه وخلاص شعبه، مثل الوعد الإلهي لداود بدوام أسرته الملوكيَّة (2 صم 7)، وحثِّه على التوبة عندما أخطأ مع بثْشَبع (2 صم 12)، وهنا يتدخَّل في إقامة سليمان ملكًا. مع كون داود نبيًّا وملكًا وله خبراته المباشرة مع الله، إلاَّ إنًَّه كان بروح التواضع يتقبَّل كلمات الرب على لسان ناثان النبي بجديَّة.

تدخَّل ناثان في الأمر من واقع شعوره بالالتزام بتحقيق إرادة الله. لقد سبق فأعلن عن أقامه سليمان ملكًا، فأراد مساعدة داود على تحقيق القسَم الذي حلف به لبثْشَبع. وتعاطف مع بثْشَبع التي وُضعت في موقف مؤلم بعد اغتصابها وقتل أوريا الحثي زوجها، فكان لابد من تعويضها، وأيضًا لإنقاذ حياتها وحياة سليمان ابنها من يد أدونيَّا الذي ما كان يمكنه أن يبقيهما حيِّين حتى يضمن بقاءه على العرش (4: 2).

"فكلَّم ناثان بثْشَبع أم سليمان قائلاً: أما سمعتِ أن أدونيَّا ابن حجيث قد ملك، وسيِّدنا داود لا يعلم" [11].

كنَّا نتوقَّع من ناثان النبي الذي لعب دورًا خطيرًا في تبكيت داود النبي على ما ارتكبه مع بثْشَبع وقتله زوجها أوريا (2 صم 11: 1-7) أن يأخذ صف جماعة المحافظين، فما الذي دفعه إلى ذلك؟

أ. كرجل الله يعرف إرادة الله، فقد وعد الله داود النبي إنًَّه سيقيم سليمان ملكًا على كرسيه.

ب. ربَّما رأى إنًَّه يجب تعويض بثْشَبع على ما فعله معها داود بتكريم ابنها.

ج. لأنَّه كان معلمًا للصبي سليمان (2 صم 12: 25) شعر بأنَّه يصلح للمملكة أكثر من أدونيَّا أو غيره من اخوته الأكبر منه.

بثْشَبع: ابنة اليعام (2 صم 1: 3) ويدعى أيضًا عميئيل (1 أي 3: 5)، ربَّما حفيده أخيتوفل أحد المشيرين المقرَّبين جدًا لداود النبي (2 صم 23: 34)؛ وزوجة أوريا الحثِّي (2 صم 11: 3). شغف بها داود الملك وأخطأ معها واحتال على زوجها فقُتل (2 صم 11). تزوَّجها داود الملك وانجب منها شمعي وشوباب وناثان وسليمان.

"فالآن تعالي أشير عليك مشورة، فتنجِّي نفسك ونفس ابنك سليمان" [12].

واضح أيضًا من كلمات ناثان النبي مع بثْشَبع والدة سليمان أن أدونيَّا كان يعلم بأن أباه يودّ أن يُسلم المُلك لسليمان، وأنه قد وضع في قلبه أن يقتل سليمان وأمُّه بعد استيلائه على العرش [12].

الفعل "malleti" هنا يعني "فيه أمان"، وقد دعيت "مالطة" لتعني إنًَّها ميناء أمان للأسطول البحري الفينيقي في البحر الكبير، ويُفضل أن ترسو فيه السفن في آمان[17]. هكذا يقدَّم النبي مشورة آمنة لسليمان ووالدته حتى لا يقتلهما أدونيَّا.

"اذهبي وادخلي إلى الملك داود وقولي له: أما حلفت أنت يا سيِّدي الملك لأَمَتَك قائلاً أن سليمان ابنك يملك بعدي وهو يجلس على كرسيي، فلماذا ملك أدونيَّا؟". "وفيما أنت متكلِّمة هناك مع الملك أدخل أنا وراءك وأُكمل كلامك" [13-14].

يتحدَّث ناثان النبي بأدب شديد مع بثْشَبع، فهو يعلم أن ابنها سيصير ملكًا حسب وعد الله.

4. بثْشَبع تدخل إلى داود:

"فدخلت بثْشَبع إلى الملك إلى المخدع، وكان الملك قد شاخ جدًا، وكانت أبيشج الشونميَّة تخدم الملك" [15].


ذهبت بثْشَبع إلى داود في حجرته إذ لم يكن قادرًا على الخروج بسبب شيخوخته وضعفه. كان لبثْشَبع مكانة خاصة لدى الملك داود، لعلَّه كان يشعر بالذنب ويريد دومًا تعويضها. هذا وللاسم ذاته معنى رمزي هام، إذ يعني "بيت السبت"، وكأنَّها تمثِّل البيت الذي فيه يجد الله والإنسان راحتهما، لأن "السبت" تعني الراحة لله والإنسان، يستريح الله في قلب المؤمن الأمين، ويستريح الإنسان بالتصاقه وتكريس قلبه لله.

"فخرَّت بثْشَبع وسجدت للملك، فقال الملك: ما لك. فقالت له: أنت يا سيِّدي حلفتَ بالرب إلهك لأمَتَك قائلاً إن سليمان ابنك يملك بعدي وهو يجلس على كرسيي. والآن هوذا أدونيَّا قد ملك، والآن أنت يا سيِّدي الملك لا تعلم ذلك، وقد ذبح ثيرانًا ومعلوفات وغنمًا بكثرة، ودعا جميع بني الملك وأبياثار الكاهن ويوآب رئيس الجيش، ولم يدعُ سليمان عبدك. وأنت يا سيِّدي الملك أعيُن جميع إسرائيل نحوك، لكي تخبرهم من يجلس على كرسي سيِّدي الملك بعده. فيكون إذا اضطجع سيِّدي الملك مع آبائه إنِّي أنا وابني سليمان نُحسب مذنبين" [16-21].

كلمة hattâim [21] تعني "خاطئين"، أو "الذين تعدُّوا الحدود" (قض 20: 16)؛ فباعتلاء أدونيَّا العرش يقدِّم بثْشَبع وابنها سليمان كمتعدِّيين حدودهما فيحاكمهما ويحكم عليهما ظلمًا.

5. دخول ناثان إلى داود:

"وبينما هي متكلَّمة مع الملك إذا ناثان النبي داخل. فاخبروا الملك قائلين: هوذا ناثان النبي. فدخل إلى أمام الملك، وسجد للملك على وجهه إلى الأرض. وقال ناثان: يا سيِّدي الملك أنت قلت أن أدونيَّا يملك بعدي، وهو يجلس على كرسيَّ. لأنَّه نزل اليوم وذبح ثيرانًا ومعلوفات وغنمًا بكثرة، ودعا جميع بني الملك ورؤساء الجيش وأبياثار الكاهن، وها هم يأكلون ويشربون أمامه، ويقولون ليحي الملك أدونيَّا" [22-25].

"ليحيا الملك" [25] لم يكن يقصد بها طول العمر، أو تمتُّع الإنسان بالحياة الزمنيَّة، لكنَّه كان ينظر إلى الملك كوكيل الله واهب الحيويَّة الفائقة، وكأنَّها تقول له "ليت الحيويَّة الإلهيَّة تكون على وجه الخصوص في الملك، وبالتالي في نسلك إلى الأبد"[18].

"وأمَّا أنا عبدك وصادوق الكاهن وبناياهو بن يهوياداع وسليمان عبدك فلم يدعنا. هل من قبل سيِّدي الملك كان هذا الأمر ولم تُعلِم عبدك من يجلس على كرسي سيِّدي الملك بعده؟ فأجاب الملك داود وقال: ادع لي بثْشَبع. فدخلت إلى أمام الملك ووقفت بين يديّ الملك" [26-28].

كانت العادة لدى الملوك أنًَّه إذا التقى بزوجته أو بأحد مشيريه لا يسمح لثالثٍ أن يكون حاضرًا إلاَّ بأذن من الملك، لهذا لم يكن ممكنًا لبثْشَبع وناثان أن يدخلا معًا ويكونا في حضرة الملك. دخلت بثْشَبع أولاً ثم أخبر الملك بوجود ناثان فاستدعاه الملك فتركته بثْشَبع.

"فحلف الملك وقال: حيٌّ هو الرب الذي فدى نفسي من كل ضيقة. أنه كما حلفتُ لكِ بالرب إله إسرائيل قائلاً إن سليمان ابنك يملك بعدي وهو يجلس على كرسيَّ عوضًا عنِّي كذلك افعل هذا اليوم. فخرَّت بثْشَبع على وجهها إلى الأرض وسجدت للملك وقالت: ليحي سيِّدي الملك داود إلى الأبد" [29-31].




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 


9 أمشير 1736 ش
17 فبراير 2020 م

نياحة القديس برسوما أب رهبان السريان
استشهاد القديس بولس السريانى
استشهاد القديس سمعان

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك