إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إذا ضعفت عن أن تكون غنيا لله فإلتصق بمن يكون غنيا به لتسعد بسعادته

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email

2. أدونيَّا يخطِّط لاستلام الحكم:

كان أدونيَّا الابن الرابع لداود (2 صم 3: 4؛ 1 أي 3: 2) لكن بعد موت إبشالوم وأمنون وكيلاب صار أدونيَّا هو أكبر أبناء داود الأحياء في ذلك الحين، فحسب نفسه الوارث للعرش (2: 15)، وقد أراد أن يطمئن لذلك قبل موت والده. لكن الله، الملك غير المنظور، احتفظ بحقِّه في اختيار الملك الأرضي (تث 17: 15) الذي يمثِّله في إسرائيل.

لم يشتهِ داود النبي المُلك قط، ولم يجرِ وراء العرش. وحين اختاره الرب ومسحه صموئيل النبي لم يسعَ ليحقِّق ذلك، ولا حسب ذلك سماحًا إلهيًا ليقاتل شاول ويحتلّ مركزه. على العكس كان شاول يطلب نفسه، مكرِّسًا طاقته لهذا العمل، وحين سقط شاول بين يديه أكثر من مرَّة لم يمسه بأذى. وحين قُتل شاول بكاه داود ورثاه بحب قلبي صادق. لكن جاء بعض أولاده يتكالبون على العرش، كما فعل قبلاً إبشالوم الذي لم يطلب العرش وحده بل وطلب رقبة أبيه. وها هو أدونيَّا الآن يندفع ليغتصب العرش. لقد أعد المركبات والخيول، لا ليحارب عن بلده، وإنَّما لكي يغتصب المركز بالمظهر. ويلقي الكتاب باللوم على والده الذي لم يكن حازمًا في تربيته.

في كبرياء قلبه لم يشته المُلك لكي يخدم الآخرين، ويعمل لصالح شعبه، ولمجد الله، وإنَّما لكي يحقِّق الأنا، في تشامخ وأنانيَّة وحب السلطة والسيطرة.

"ثم أن أدونيَّا ابن حجيث ترفَّع قائلا ً: أنا أملك، وعدَّ لنفسه عجلات وفرسانًا وخمسين رجلاً يجرون أمامه" [5].

-    لا شيء يجعل الرِجل تزل إلاَّ الكبرياء!

المحبَّة تحرَّك الرِجل للسير والتقدُّم والصعود، أمَّا الكبرياء فتدفع الرِجل إلى السقوط[14].

القدِّيس أغسطينوس

وُلد أدونيَّا في حبرون حين كان داود ملكًا على يهوذا. حسب في نفسه إنًَّه الوارث الشرعي لكرسي أبيه، تسانده العناصر المحافظة مثل يوآب رئيس جيش إسرائيل وأحد أقرباء الملك (1 أي 2: 16)، وأبياثار الكاهن الذي نجا من المذبحة التي ارتكبها شاول الملك لكهنة نوب، وكان مرافقًا لداود حين كان هاربًا من وجه شاول في بريَّة يهوذا (1 صم 22: 20). كما سانده "رجال يهوذا" الذين كانوا في أورشليم.

اعتمد أدونيَّا على القوَّة الشعبيَّة مثل أخيه إبشالوم، وفشل الاثنان في تحقيق شهوة قلبيهما، مع أن أدونيَّا كانت تسنده القوَّة العسكريَّة (يوآب) ورجال الدين (أبياثار الكاهن).

بلا شك كان أدونيَّا يعلم بالقسم الذي نطق به والده أمام بثْشَبع بأن ابنها سليمان يكون وارثًا له على كرسيه، لهذا عندما خطَّط للمُلك لم يدْعُ سليمان ولا ناثان النبي وبناياهو والجبابرة الذين سمعوا بالقسم وكانوا متحالفين مع داود على إقامة سليمان ملكًا.

لكي يقيم أدونيَّا نفسه ملكًا استخدم وسائل بشريَّة. لقد خطَّط وتحرَّك لاستلام المُلك. اتَّكل على المركبات والخيل: "وعدَّ لنفسه عجلات وفرسانًا وخمسين رجلاً يجرون أمامه" [5]. لم يتجاوب مع تسبحة موسى النبي القائل: "الفرس وراكبه طرحهما في البحر. الرب قوَّتي ونشيدي، وقد صار لي خلاصًا" (تك 15: 1-2).

"ولم يغضبه أبوه قط قائلاً: لماذا فعلت هكذا. وهو أيضًا جميل الصورة جدًا، وقد ولدته أمُّه بعد إبشالوم" [6].

ولعلَّ من الأخطاء الخطيرة التي سقط فيها داود العظيم في الأنبياء تهاونه في تربية أولاده؛ وتغاضيه عن أخطائهم، فلم يكن ينتهرهم ويؤدِّبهم على أخطائهم الجسيمة. لقد تحقَّق في داود الملك العظيم القول: "من لا يؤدِّب أولاده يؤدِّبه أولاده". حقًا كان داود النبي رقيقًا حتى مع شاول مضطهده، لكنَّه كان يليق به أن يكون حازمًا في تربية أولاده.

"ولم يغضبه أبوه قط قائلاً لماذا فعلت هكذا؟" [6]. فابنه أمنون اغتصب أخته ثامار. لقد اغتاظ داود جدًا (2 صم 3: 21) لكنَّه لم يكن حازمًا في معاقبته. وإبشالوم ابنه تمرَّد عليه (2 صم 15)، ولم يكتفِ باغتصاب كرسيه بل طلب رأسه، وحين قُتل إبشالوم المتمرِّد تأسَّف على ابنه فوبَّخه يوآب (2 صم 19: 5-8).

الأطفال الذين يتسلَّمهم الآباء هم وديعة ثمينة، أثمن من العالم كلُّه، يعهد بهم الله إليهم لا لكي يمتلكوهم أو يشكِّلوهم حسب أهوائهم، ولا للسيطرة عليهم أو للافتخار بهم، إنَّما أولاً وقبل كل شيء كأشخاص مات المسيح لأجلهم، لكي ينشأوا أعضاء حيَّة في جسد المسيح، هياكل مقدَّسة للروح القدس، أبناء الله، ورثة الله ووارثون مع المسيح، صورة الله التي تمجِّده.

بمعنى آخر يتطلَّع الوالدان إلى طفلهما لا كقنية ثمينة، وإنَّما ككائن حي له ذات قيمتهما لدى الله، يشاركهما ذات النصيب. يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم:

[إن كان البعض من أجل صنعهم التماثيل وطلاء صور الملوك ينالون كرامة عظيمة، فكم بالأكثر نتقبَّل نحن الذين نزيِّن صورة ملك الملوك، إذ الإنسان صورة الله، ربوات البركات، إذ نقيم مثالاً حقيقيًا؟‍‍‍‍‍‌‌‍‍‍‍ لأن المثال الحقيقي هو في فضيلة الروح، عندما ندرِّب أولادنا أن يكونوا صالحين وودعاء ومسامحين ومحسنين ورفقاء، وعندما نربِّيهم أن ينظروا إلى العالم الحاضر كلا شيء[15]].

هكذا يرى القدِّيس ذهبي الفم أن الوالدين لا يقدِّمان تمثالاً لله بل صورة حيَّة له في ابنهما، يقدِّمانه حاملاً مثال الرب في شركة سماته للسيِّد المسيح، وأيقونة للسماء باستخفافه بارتباكات العالم واغراءاته. وكأن الوالدين اللذين يحملان صورة الله ويتمتَّعان بشركة الطبيعة الإلهيَّة، ويتهلَّلان بالحياة السماويَّة في أعماقهما وفى بيتهما، إنَّما يقدِّمان جيلاً مقدَّسًا في الرب، لا يقل في الشهادة للرب عن الجيل السابق له، إنَّما يكمِّل عمله!

لا يقف الأمر عند استلامنا أطفالنا من يد الله كوديعة حيَّة، يقومون بتكملة مسيرتنا كما نكمِّل نحن مسيرة الأجيال السابقة، لتلتحم الأجيال معًا كجسد واحد يكمِّل عمل السيِّد المسيح رأس الكل، وإنَّما يلزمنا أن ندرك إنَّنا مطالبون بتقديمهم للرب تقدمة حب، بأن نبعث فيهم روح الجهاد كجنود صالحين روحيِّين يحملون الصليب معنا بفرح.

اتَّكل أدونيَّا على المظهر الخارجي: "وهو أيضًا جميل الصورة جدًا" [6]. كان كأخيه إبشالوم ليس فقط في جمال صورته، وإنَّما في إساءة استخدام هذا الجمال، حيث ربط جمال الجسد بقُبح النفس التي تتمرَّد حتى على الوالدين.

"وكان كلامه مع يوآب ابن صرَوِيَّة ومع أبياثار الكاهن، فأعانا أدونيَّا" [7].

اتَّكل على ذراع بشري وتخطيط بشري، إذ جذب إليه رئيس الجيش يوآب والكاهن أبياثار، ليكونا له سندًا عسكريًا ودينيًّا، متجاهلاً الإرادة الإلهيَّة والعون السماوي. ممَّا يجدر ملاحظته أن الذين أخذوا موقفًا مساندًا لأدونيَّا لم يكن ذلك إيمانًا منهم بأنَّه صاحب الحق في استلام العرش كابن بكر، ولا دفاعًا عن مبدأ في حياتهم وإنَّما لمصالح شخصيَّة ومنافع.

يوآب بكر أولاد صرويَّة أخت داود الملك، وأخ أبيشاي وعسائيل. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يبدو إنًَّه كان مقيمًا في بيت لحم. وكرئيس جيش داود أثبت بجدارة قدرته العسكريَّة وشجاعته في المعارك، وإن كان قد سقط في الغدر والعنف مرَّتين، فقد سفك دم أبنير (2 صم 3: 27) وعماسا (2 صم 20: 10) بلا سبب. ظن يوآب إنَّه بمساندته لأدونيَّا في تمرُّده يضمن بقاءه كرئيس للجيش لديه.

أبياثار الكاهن: كان هو الكاهن الوحيد الذي نجا من وحشيِّة شاول في قتله للكهنة في نوب لمساندتهم لداود (1 صم 22: 20-23). وإذ التجأ إلى داود صار المشير الروحي والصديق الحميم لذلك المحارب الطريد. كان مخلصًا لداود بصفة شخصيَّة حتى انضم إلى أدونيَّا المتمرِّد والمغتصب للعرش، متجاهلاً إرادة الله ووعده لداود بأن يخلفه سليمان على العرش. لقد تركه الله يعمل هو ويوآب معًا في هذا العمل الشرِّير وسلَّمهما لأنفسهما، حتى يمتلئ كأس كل منهما فينالا تأديبًا على ما فعلاه قبلاً. أراد أبياثار الكاهن أن يطمئن أن يكون له دوره الفعَّال في حياة الملك الجديد. وربَّما أخذ هذا الموقف بسبب غيرته من صادوق، كما خشي أن يتجاهله سليمان إن استلم الحكم أكثر من والده. فمع أن صادوق كان رئيس كهنة في خيمة الاجتماع بجبعون لكن يبدو إنًَّه كان هو القائد كما يظهر ذلك من الإشارة إليه قبل أبياثار (2 صم 15: 24؛ 20: 25؛ 15: 24 الخ).

يرى البعض أن الكلمة العبريَّة المقابلة ل "أعانا" تحمل أيضًا معنى "ارتعبا أمامه"، ولعلَّه يعني هنا إنًَّهما أعاناه مرتعبين منه.

"وأمَّا صادوق الكاهن وبناياهو بن يهوياداع وناثان النبي وشمعي وريعي والجبابرة الذين لداود فلم يكونوا مع أدونيَّا" [8].

بينما كان أدونيَّا يتحرَّك من واقع كبرياء قلبه، معتمدًا على جمال مظهره وقدرته وفرسانه وقدرته على التخطيط البشري واجتذاب رئيس الجيش وأحد الكهنة إلى صفِّه، كان الله يعمل ليُقيم سليمان ملكًا كما سبق فوعد داود بذلك. كان صادوق الكاهن وبناياهو وناثان النبي وشمعي وريعي وجبابرة داود في الجانب الآخر، إذ لم يستريحوا لتصرُّفات أدونيَّا.

صادوق الكاهن: غالبًا ما يُذكر مرتبطًا بخيمة الاجتماع في جبعون في أيَّام شاول (1 أي 16: 39)، ممَّا يشير إلى إنًَّه من سبط لاوي. رافق داود الملك في حبرون بعد موت شاول مباشرة (1 أي 12: 28)، كما رافقه في هروبه من أورشليم أثناء تمرُّد إبشالوم وعمل كجاسوس للملك (2 صم 15: 24-29؛ 17: 15). بعد استلام داود الملك صار مع أبياثار يمارسان رئاسة الكهنوت (2 صم 8: 17؛ 15: 24؛ 29: 35). هذا ربَّما أثار شيئًا من الغيرة بينهما، فكان كل منهما يأخذ اتَّجاهًا مضادًا للآخر.

من الصعب أن نفهم وجود رئيسين كهنة في وقت واحد، وندرك علاقتهما ببعضهما البعض. ربَّما كان أبياثار هو رئيس الكهنة الحقيقي وكان المسئول عن المقدَّس الذي فيه تابوت العهد في صهيون، أمَّا صادوق فكان يمارس أعمال رئيس الكهنة في خيمة الشهادة في جبعون (1 أي 16: 39).

بناياهو: أقامه داود الملك قائدًا جديدًا مدبِّرًا للجلاَّدين والسعاة (2 صم 8: 18) عُرف بشجاعته (1 صم 23: 20)، وكان يعتبره يوآب منافسًا له.

ناثان النبي: كان مرافقًا للملك (2 صم 7: 2). ربَّما كان عمله هو الكشف عن الإرادة الإلهيَّة للملك، لكي لا يعمل حسب فكره البشري بل حسب إرادة الله، فيرى الملك في نفسه إنًَّه ليس إلاَّ وكيلاً للملك الحقيقي، الله نفسه. حينما أخطأ داود مع بثْشَبع قام ناثان بتبكيته، وإذ أعلن الملك توبته سمع من النبي: "الرب نقل عنك خطيَّتك" (2 صم 12). كان له تقديره الخاص لدى داود الملك، وله علاقة حميمة بالعائلة المالكة (2 صم 12: 25).

شمعي: هو صديق الملك الذي أدرجه سليمان بين عظماء رجاله (14: 18).

ريعي: اسم عبري معناه "ودود". ربَّما هو نفسه عيرا اليائيري المذكور في (2 صم 20: 26).

الجبابرة: في العبريَّة لا تعني مجرَّد جبابرة في القامة، وإنَّما الذين لهم كيان قوي، لذا فهنا تعني أصحاب السلاطين العاملين تحت قيادة داود الملك، أي رجال الدولة العظماء. ربَّما كانوا الستمائة رجل الذين رافقوا داود الملك في تحرُّكاته الأولى (1 صم 25: 13؛ 27: 2)، والذين صاروا النواة لجيشه.

"فذبح أدونيَّا غنمًا وبقرًا ومعلوفات عند حجر الزاحفة الذي بجانب عين روجل، ودعا جميع اخوته بني الملك، وجميع رجال يهوذا عبيد الملك" [9].

بدأ أدونيَّا اغتصابه للعرش بتقديم ذبيحة كما فعل إبشالوم من قبله (2 صم 15: 7). كان ذبح حيوانات واشتراك الجماعة في الأكل معًا يُمارس كطقسٍ يمثِّل نوعًا من العهد الجماعي للعمل معًا بروح الإخلاص كما في قدسيَّة خاصة. أراد أن يمسح عمله بصبغة دينيَّة، متظاهرًا بأنَّه قد استلم السلطة من الله نفسه، وأن رئيس الكهنة يشهد بذلك ويقدِّم ذبائح لله. وكأنَّه يمارس شرَّه تحت اسم "الله"، مستخدمًا العبادة لحساب مصالحه الشخصيَّة. أقام مؤامراته خارج أورشليم عند حجر الزاحفة الذي بجانب عين روُجل [9].

حجر الزاحفة: أي حجر إحدى الزواحف أو "حجر الحيَّة" (الزاحفة) أو "حجر الدودة" الزاحفة، وتعرف باسم وادي الرباب. وهو اسم حجر قري عين روجل جنوب غربي أورشليم. ولعلَّه حجر قدسه الكنعانيُّون لوجوده قرب عين ماء. إذ كانوا يرون في عيُّون الماء مصادر الحياة، قدسوها كأن إلهًا حالاً فيها.

عين روجل: وتعني "عين القصار" أو "ينبوع الكمال Fuller" أو "عين الجاسوس"، أو "عين جدول المياه". وهي على حدود تخوم بنيامين ويهوذا (يش 5: 7؛ 18: 16). غالبًا ما تعني "عين التنِّين" التي وردت في سفر نحميا (2: 13)[16]. كان يُظن أن موقعها هو بير أيُّوب، جنوب القدس في وادي قدرون. يرى البعض أن عين روجل الآن احتلتها صخرة نتيجة أحد الزلازل.




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 


9 توت 1737 ش
19 سبتمبر 2020 م

استشهاد القديس بسورة الأسقف
استشهاد الأسقفين بيليوس ونيلوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك