إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

النفس القوية لاتقلق ولا تضطرب ولا تخاف ولا تنهار ولا تتردد اما الضعيف فانة يتخيل مخاوف وينزعج بسببها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

إقامة سليمان ملكًا

اختيار خليفة لداود الملك كان بالأمر الذي يحتاج إلى تدخُّل إلهي، إذ لم يكن في ذلك الوقت قد وُجد نظام ثابت. كان النظام الملكي حديثًا بالنسبة لإسرائيل، لم يمارسه سوى ملكان هما شاول من سبط بنيامين، وداود من سبط يهوذا. لم يخلف شاول أحد أبنائه، ولا أحد أفراد أسرته أو عشيرته أو سبطه، بل ورثه داود كرجل الله المعيَّن منه مباشرة. وقد سبق هذا نظام القضاة لفترة تبلغ حوالي ثلاثة قرون، لم يعتمد هذا النظام على الخلافة، بل يتمتَّع كل منهم بالقيادة متى دُعي من الله ونال بركة منه (مع استثناء أحدهم)، هذه الدعوة هي عطيَّة شخصيَّة لا تورّث. لقد وعد داود الملك زوجته بثْشَبع أن ابنهما سليمان يرثه الملك، لكن أدونيَّا ابن حجيت خطَّط لاستلام المُلك.

1. شيخوخة داود[1-4].

2. أدونيَّا يخطِّط لاستلام الحكم[5-10].

3. ناثان النبي وبثْشَبع[11-14].

4. بثْشَبع تدخل إلى داود[15-21].

5. دخول ناثان إلى داود[22-31].

6. إقامة سليمان ملكًا[32-48].

7. أدونيَّا يسجد أمام سليمان[49-53].

1. شيخوخة داود:

مات شاول أول ملك على إسرائيل في معركة في خزيٍ وعارٍ، وانتهت أسرته الملوكيَّة. أمَّا داود الملك البار فقد شاخ وفقد طاقاته الجسديَّة، لكنَّه مات متهلِّل النفس، بعد أن استراح قلبه بإقامة ابنه سليمان ملكًا ليكمِّل ما لم يستطع هو أن يفعله.

"وشاخ الملك داود. تقدَّم في الأيَّام، وكانوا يدثِّرونه بالثياب فلم يدفأ. فقال له عبيده: ليفتِّشوا لسيِّدنا الملك على فتاة عذراء، فلتقف أمام الملك، ولتكن له حاضنة ولتضطجع في حضنك، فيدفأ سيِّدنا الملك. ففتَّشوا على فتاة جميلة في جميع تخوم إسرائيل، فوجدوا أبيشج الشونميَّة فجاءوا بها إلى الملك. وكانت الفتاة جميلة جدًا فكانت حاضنة الملك، وكانت تخدمه ولكن الملك لم يعرفها" [1-4].

شاخ داود الملك ولم تكن ثياب نومه قادرة أن تهبه دفئًا، فتشاور عبيده فيما بينهم للعمل لأجل راحته. يتساءل البعض: لماذا يروي الكتاب المقدَّس هذه القصَّة التي تبدو تافهة؟

1. لتُظهر أن داود الملك صار ضعيفًا جدًا بسبب شيخوخته، غير قادرٍ على تدبير أمور مملكته، فكان لابد من مسح خليفته ليمارس العمل الرعوي الملكي في حياة داود.

2. لكي يروى فيما بعد خطَّة أدونيَّا لاستلام الحكم بطريقة غير مباشرة برغبته في الزواج بأبيشج حاضنة الملك داود.

3. الحياة الشاقة التي لحقت بداود النبي والمتاعب جعلته في شيخوخة مبكِّرة. فقد عانى الأمَرِّين من الملك شاول الذي كرَّس طاقاته وطاقات رجاله للتخلُّص من داود. هذا وقد واجه صعوبات لا حصر لها بعد تولّيه العرش، خاصة مشاكل أسرته، مثل اعتداء ابنه أمنون على أخته ثامار، وتمرُّد ابنه إبشالوم (2 صم 10: 15-19). فإن الوصف المذكور هنا لا يناسب إنسان في السبعين من عمره، بل أكثر بكثير. مع هذا فإن الله لم يسمح لهذا الضعف الشديد غير الطبيعي أن يحطِّم نفسيَّة داود النبي، بل فرَّح قلبه حتى اللحظات الأخيرة من عمره.

4. يرى بعض الدارسين أن ما حلّ بداود من شيخوخة مبكِّرة هو تأديب إلهي من أجل اغتصابه بثْشَبع واغتيال زوجها أوريَّا الحِثِّي. فإنًَّه متى حرَّم الإنسان نفسه من دفء البرّ الإلهي لا تستطيع ثياب العالم، حتى وإن كانت ملكيَّة أن تدفئ قلبه. في حديث أليهو مع أيوب قال له: "أتدرك... كيف تسخِّن ثيابك؟" (أي 37: 17). ويوبِّخ الرب شعبه المنشغل بمصالحه الخاصة لا ببيت الرب قائلاً: "تكتسون ولا تدفأون" (حج 1: 6).

5. لعلَّ الله أراد أن يقدِّم لنا صورة داود صاحب القلب الناري، والذي لم يتوقَّف عن العمل الإيجابي لحساب مملكة الله منذ صبوَّته، إذ نراه في شيخوخة مبكِّرة لكنَّها سعيدة. فنحن لا ندري ما يحلّ بنا في الغد، لذا يليق بنا أن نهتم برصيد حياتنا وشركتنا مع الله قبل أن تحلّ بنا الشيخوخة أو تُطلب نفوسنا.

3. ذُكر أن "داود لم يعرفها"، لا ليعلن عن عجزه عن ممارسة العلاقة الزوجيَّة، أو لكي يوضَّح إنًَّها ليست من سراريه، وإنَّما ليوضَّح لماذا طلبها أدونيَّا زوجة له بعد وفاة داود أبيه (2: 17).

كان داود في الثلاثين من عمره عندما أقيم ملكًا في حبرون (2 صم 5: 4)؛ وملك 7 سنوات وستَّة أشهر هناك (2 صم 11، 1 أي 3: 4)، وملك 33 سنة في أورشليم (2 صم 5: 5)، وكأنَّه كان عمره في ذلك الحين (قبل نياحته بعامٍ) تسعة وستين سنة. لم يعش اليهود في ذلك الوقت لمدَّة طويلة، فلا نجد ملكًا بعد داود عاش أكثر من ستِّين عامًا سوى سليمان ومنسَّى.

جاءت كلمة "عبيده" [2] هنا بالمعنى العام، وقد وردت في سفريّ الملوك الأول والثاني لتعني إحدى أربع فئات:

-     العبيد slaves.

-    الذين ينالون أرضًا كهبة مقابل خدمتهم للشخص كخدَّام في بيته.

-     العاملون في القصر الملكي.

-     المشيرون الخصوصيُّون. فقد قيل عن نعمان السرياني رئيس الجيش إنًَّه عبد للملك (2 مل 5: 6) وعسايا (22: 12)، ونبوزرادان رئيس الشرط الذي حطَّم أورشليم (2 مل 25: 8).

أما العبارة التي بين أيدينا [2] فيقصد بالعبيد الفئة الثالثة، أيّ الذين يعملون في القصر الملكي ويهتمُّون بمخدع الملك[9].

أما عن تفكيرهم في اختيار فتاة عذراء تقف أمام الملك وتكون حاضنة له، فيقول يوسيفوس المؤرخ اليهودي[10] بأن هذا الأمر كان مستخدمًا كعلاج طبِّي للشيوخ، وهو أن تنام بجوار الشيخ ممرِّضة دون الارتباط به كزوجة، وأن هذا كان معروفًا كدواء يوناني مصرَّح به بواسطة جالين Galen.

فتِّشوا عن فتاة عذراء فوجدوا أبيشج الشونميَّة.

أبيشج: اسم عبري معناه "أبي تائه". كلمة "أبيشج" مشتقَّة من šãgã، وتعني "يخطئ" أو "يضل"، لذا يظن البعض أن والدتها قد دعتها هكذا لأن أباها كان قد هجر البيت وضلَّ. ويرى آخرون إنًَّه اسم إله محلِّي متجوِّل كان يتعبَّد له أهل شونيم، لا نعرفه حتى الآن[11].

لقد وردت كلمة "شونميث" في سفر نشيد الأناشيد (6: 13)، سفر العرس بين سليمان وبينها، وهو اسم رمزي للكنيسة ملكة السلام كعريسها، لأن الاسم هو مؤنَّث كلمة "سليمان" في العبريَّة. أمَّا هنا فيرى[12] H.H. Rowley بأنَّها قرية عربيَّة تسمَّى "سولم Sulem" جنوب غربي جبل الدحى، تبعد حوالي سبعة أميال جنوب شرقي الناصرة، وردت في (2 مل 4: 21 الخ)، كموطن المرأة التي أقام إليشع النبي ابنها. تبعد حوالي ثلاثة أميال ونصف شمال يزرعيل، وخمسة أميال شمالي غرب جبل جلبوع، وعلى بعد 16 ميلاً من جبل الكرمل. وهذه القرية محاطة ببساتين وحقول وبها عين ماء. يرى البعض أن الكلمة مشتقة من sãkan وتعني "في الخدمة"، فإنًَّها تمثِّل الإنسان الذي يعمل لخدمة الغير.

قدَّم لنا القدِّيس جيروم في رسالته إلى نيبوتيان Nepotian كاهن Altinum عند خاله الأسقف Heliodorus تفسيرًا رمزيًا لقصَّة أبيشج الشونميَّة اقتطف منها بعض العبارات:

v     إذ يشعر الشيخ بالبرد يلتحف بالبطاطين، لكنَّه يجد دفئه فقط في احتضان فتاة له! كانت بثْشَبع لا تزال حيَّة، وأيضًا أبيجايل، وبقيَّة الزوجات والسراري اللواتي أشار الكتاب المقدَّس إلى أسمائهن. ومع ذلك رُفضت هؤلاء جميعهن بكونهم باردات، لم يجد الشيخ دفئه إلاَّ في حضن فتاة صغيرة.

إبراهيم شاخ وكان أكبر سنًّا من داود، ومع هذا لم يشعر قط بالبرد مع رفقة مع كونها مسنَّة... وموسى قائد الإسرائيليِّين عاش 120 عامًا ولم يطلب تغيير صفُّورة.

من إذن هذه الشونميَّة، الزوجة والحاضنة، التي تشع بالحرارة وتعطي دفئًا لمن هو بارد، وهي مقدَّسة ولا تثير الشهوة فيمن تدفئه؟ لندع سليمان، أحكم الرجال يخبرنا عن أبيه المحبوب. لندع رجل السلام يخبرنا عن أحضان رجل الحرب (داود). لقد كتب: "اقتنِ الحكمة. اقتنِ الفهم. لا تنسَ ولا تعرض عن كلمات فمي. لا تتركها فتحفظك، أحببها فتصونك. الحكمة هي الرأس. فاقتن الحكمة وبكل مقتناك اقتنِ الفهم. ارفعها فتُعلِّيك. تمجِّدك إذا اعتنقتها. تُغطِّي رأسك إكليل نعمة، تاج جمالٍ تمنحك" (أم 4: 5-9).

غالبًا كل الفضائل التي يمارسها الجسد تتغيَّر مع الزمن وتفسد، كالصوم والسهر والعطاء، إذ تصير ممارستها صعبة. أيضًا الرقاد على الأرض والتحرَّك من موضع إلى آخر، واستضافة المسافرين والمثابرة على الصلاة، وافتقاد المرضى، والعمل اليدوي لجلب مال للعطاء. باختصار كل الأعمال التي يمارسها الجسد تنحل... بينما الحكمة وحدها تزداد (مع الزمن).

اسم "أبيشج" نفسه له معنى رمزي يُشير إلى الحكمة العظيمة التي الشيوخ. فإن معناه هو: "أبي فوق وأعلى" أو "زئير أبي". تعبير "فوق وأعلى" غامض، لكنَّه يشير في هذه العبارة إلى السمو، ويعني أن الشيخ له رصيد ضخم من الحكمة يفيض بسبب كثرته...

علاوة على هذا فإن "أبيشج" تعني "زئيرًا"، تستخدم عن الصوت غير الواضح الذي تحدثه الأمواج والضجيج الصادر عن البحر. من هنا يتَّضح أن الرعد الذي للصوت الإلهي يسكن في أذني الشيخ.

مرَّة أخرى فإن كلمة "الشونميَّة" في لغتنا معناها "أرجوان"، توحي بأن محبَّة الحكمة تهب دافئًا وتشع بهاءً. فإن كان اللون (الأرجواني) قد يُشير إلى سرّ دم المسيح، فإنًَّه يصدر إشعاعًا بهيًّا للحكمة[13].

القدِّيس جيروم

بمعنى آخر فإن كل مؤمن يحتاج أن تحتضنه الحكمة العلويَّة النازلة من السماء، تنزع عنه كل برودٍ روحي، وتهبه قلبًا ملتهبًا بنار الحب الإلهي، يتمتَّع بها خلال دم المسيح!

جاء في سفر الحكمة:

"الحكمة خير من القوَّة، والحكيم أفضل من الجبار" (حك 6: 1).

"فإن الحكمة ذات بهاء ونضرة لا تذبل، ومشاهدتها متيسِّرة للذين يحبُّونها، ووجدانها سهل على الذين يلتمسونها" (حك 6: 13).

"فابتغاء الحكمة يبلغ إلى الملكوت" (حك 6: 21).

"هب ليّ الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك" (حك 9: 4).

يكمل القدِّيس جيروم حديثه موضِّحًا أن هذه الحكمة العلويَّة تهب دفئًا عوض البرودة، وهو دفء النار التي جاء السيِّد المسيح ليلقيها (لو 12: 40). ألقاها في تلميذيه اللذين كانا في الطريق إلى عمواس فقالا: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلِّّمنا في الطريق ويوضِّح لنا الكتب؟!" (لو 24: 32). هذا الدفء تمتَّع به القينيُّون الخارجون من دفء بيت أب ركاب.

هكذا من يلتصق بالحكمة يحول الروح القدس الناري واهب الحكمة حياته إلى دفءٍ روحيٍ لا يقدر العالم أن ينتزعه من أعماقه.




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 


27 هاتور 1736 ش
07 ديسمبر 2019 م

استشهاد القديس يعقوب الفارسى المقطع
تذكار تكريس كنيسة مار بقطر

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك