إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أقوال الأنبا باخوميوس اب الشركة

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير سفر الملوك الأول

+ تفسير سفر الملوك الأول +



تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

إقامة سليمان ملكًا

اختيار خليفة لداود الملك كان بالأمر الذي يحتاج إلى تدخُّل إلهي، إذ لم يكن في ذلك الوقت قد وُجد نظام ثابت. كان النظام الملكي حديثًا بالنسبة لإسرائيل، لم يمارسه سوى ملكان هما شاول من سبط بنيامين، وداود من سبط يهوذا. لم يخلف شاول أحد أبنائه، ولا أحد أفراد أسرته أو عشيرته أو سبطه، بل ورثه داود كرجل الله المعيَّن منه مباشرة. وقد سبق هذا نظام القضاة لفترة تبلغ حوالي ثلاثة قرون، لم يعتمد هذا النظام على الخلافة، بل يتمتَّع كل منهم بالقيادة متى دُعي من الله ونال بركة منه (مع استثناء أحدهم)، هذه الدعوة هي عطيَّة شخصيَّة لا تورّث. لقد وعد داود الملك زوجته بثْشَبع أن ابنهما سليمان يرثه الملك، لكن أدونيَّا ابن حجيت خطَّط لاستلام المُلك.

1. شيخوخة داود[1-4].

2. أدونيَّا يخطِّط لاستلام الحكم[5-10].

3. ناثان النبي وبثْشَبع[11-14].

4. بثْشَبع تدخل إلى داود[15-21].

5. دخول ناثان إلى داود[22-31].

6. إقامة سليمان ملكًا[32-48].

7. أدونيَّا يسجد أمام سليمان[49-53].

1. شيخوخة داود:

مات شاول أول ملك على إسرائيل في معركة في خزيٍ وعارٍ، وانتهت أسرته الملوكيَّة. أمَّا داود الملك البار فقد شاخ وفقد طاقاته الجسديَّة، لكنَّه مات متهلِّل النفس، بعد أن استراح قلبه بإقامة ابنه سليمان ملكًا ليكمِّل ما لم يستطع هو أن يفعله.

"وشاخ الملك داود. تقدَّم في الأيَّام، وكانوا يدثِّرونه بالثياب فلم يدفأ. فقال له عبيده: ليفتِّشوا لسيِّدنا الملك على فتاة عذراء، فلتقف أمام الملك، ولتكن له حاضنة ولتضطجع في حضنك، فيدفأ سيِّدنا الملك. ففتَّشوا على فتاة جميلة في جميع تخوم إسرائيل، فوجدوا أبيشج الشونميَّة فجاءوا بها إلى الملك. وكانت الفتاة جميلة جدًا فكانت حاضنة الملك، وكانت تخدمه ولكن الملك لم يعرفها" [1-4].

شاخ داود الملك ولم تكن ثياب نومه قادرة أن تهبه دفئًا، فتشاور عبيده فيما بينهم للعمل لأجل راحته. يتساءل البعض: لماذا يروي الكتاب المقدَّس هذه القصَّة التي تبدو تافهة؟

1. لتُظهر أن داود الملك صار ضعيفًا جدًا بسبب شيخوخته، غير قادرٍ على تدبير أمور مملكته، فكان لابد من مسح خليفته ليمارس العمل الرعوي الملكي في حياة داود.

2. لكي يروى فيما بعد خطَّة أدونيَّا لاستلام الحكم بطريقة غير مباشرة برغبته في الزواج بأبيشج حاضنة الملك داود.

3. الحياة الشاقة التي لحقت بداود النبي والمتاعب جعلته في شيخوخة مبكِّرة. فقد عانى الأمَرِّين من الملك شاول الذي كرَّس طاقاته وطاقات رجاله للتخلُّص من داود. هذا وقد واجه صعوبات لا حصر لها بعد تولّيه العرش، خاصة مشاكل أسرته، مثل اعتداء ابنه أمنون على أخته ثامار، وتمرُّد ابنه إبشالوم (2 صم 10: 15-19). فإن الوصف المذكور هنا لا يناسب إنسان في السبعين من عمره، بل أكثر بكثير. مع هذا فإن الله لم يسمح لهذا الضعف الشديد غير الطبيعي أن يحطِّم نفسيَّة داود النبي، بل فرَّح قلبه حتى اللحظات الأخيرة من عمره.

4. يرى بعض الدارسين أن ما حلّ بداود من شيخوخة مبكِّرة هو تأديب إلهي من أجل اغتصابه بثْشَبع واغتيال زوجها أوريَّا الحِثِّي. فإنًَّه متى حرَّم الإنسان نفسه من دفء البرّ الإلهي لا تستطيع ثياب العالم، حتى وإن كانت ملكيَّة أن تدفئ قلبه. في حديث أليهو مع أيوب قال له: "أتدرك... كيف تسخِّن ثيابك؟" (أي 37: 17). ويوبِّخ الرب شعبه المنشغل بمصالحه الخاصة لا ببيت الرب قائلاً: "تكتسون ولا تدفأون" (حج 1: 6).

5. لعلَّ الله أراد أن يقدِّم لنا صورة داود صاحب القلب الناري، والذي لم يتوقَّف عن العمل الإيجابي لحساب مملكة الله منذ صبوَّته، إذ نراه في شيخوخة مبكِّرة لكنَّها سعيدة. فنحن لا ندري ما يحلّ بنا في الغد، لذا يليق بنا أن نهتم برصيد حياتنا وشركتنا مع الله قبل أن تحلّ بنا الشيخوخة أو تُطلب نفوسنا.

3. ذُكر أن "داود لم يعرفها"، لا ليعلن عن عجزه عن ممارسة العلاقة الزوجيَّة، أو لكي يوضَّح إنًَّها ليست من سراريه، وإنَّما ليوضَّح لماذا طلبها أدونيَّا زوجة له بعد وفاة داود أبيه (2: 17).

كان داود في الثلاثين من عمره عندما أقيم ملكًا في حبرون (2 صم 5: 4)؛ وملك 7 سنوات وستَّة أشهر هناك (2 صم 11، 1 أي 3: 4)، وملك 33 سنة في أورشليم (2 صم 5: 5)، وكأنَّه كان عمره في ذلك الحين (قبل نياحته بعامٍ) تسعة وستين سنة. لم يعش اليهود في ذلك الوقت لمدَّة طويلة، فلا نجد ملكًا بعد داود عاش أكثر من ستِّين عامًا سوى سليمان ومنسَّى.

جاءت كلمة "عبيده" [2] هنا بالمعنى العام، وقد وردت في سفريّ الملوك الأول والثاني لتعني إحدى أربع فئات:

-     العبيد slaves.

-    الذين ينالون أرضًا كهبة مقابل خدمتهم للشخص كخدَّام في بيته.

-     العاملون في القصر الملكي.

-     المشيرون الخصوصيُّون. فقد قيل عن نعمان السرياني رئيس الجيش إنًَّه عبد للملك (2 مل 5: 6) وعسايا (22: 12)، ونبوزرادان رئيس الشرط الذي حطَّم أورشليم (2 مل 25: 8).

أما العبارة التي بين أيدينا [2] فيقصد بالعبيد الفئة الثالثة، أيّ الذين يعملون في القصر الملكي ويهتمُّون بمخدع الملك[9].

أما عن تفكيرهم في اختيار فتاة عذراء تقف أمام الملك وتكون حاضنة له، فيقول يوسيفوس المؤرخ اليهودي[10] بأن هذا الأمر كان مستخدمًا كعلاج طبِّي للشيوخ، وهو أن تنام بجوار الشيخ ممرِّضة دون الارتباط به كزوجة، وأن هذا كان معروفًا كدواء يوناني مصرَّح به بواسطة جالين Galen.

فتِّشوا عن فتاة عذراء فوجدوا أبيشج الشونميَّة.

أبيشج: اسم عبري معناه "أبي تائه". كلمة "أبيشج" مشتقَّة من šãgã، وتعني "يخطئ" أو "يضل"، لذا يظن البعض أن والدتها قد دعتها هكذا لأن أباها كان قد هجر البيت وضلَّ. ويرى آخرون إنًَّه اسم إله محلِّي متجوِّل كان يتعبَّد له أهل شونيم، لا نعرفه حتى الآن[11].

لقد وردت كلمة "شونميث" في سفر نشيد الأناشيد (6: 13)، سفر العرس بين سليمان وبينها، وهو اسم رمزي للكنيسة ملكة السلام كعريسها، لأن الاسم هو مؤنَّث كلمة "سليمان" في العبريَّة. أمَّا هنا فيرى[12] H.H. Rowley بأنَّها قرية عربيَّة تسمَّى "سولم Sulem" جنوب غربي جبل الدحى، تبعد حوالي سبعة أميال جنوب شرقي الناصرة، وردت في (2 مل 4: 21 الخ)، كموطن المرأة التي أقام إليشع النبي ابنها. تبعد حوالي ثلاثة أميال ونصف شمال يزرعيل، وخمسة أميال شمالي غرب جبل جلبوع، وعلى بعد 16 ميلاً من جبل الكرمل. وهذه القرية محاطة ببساتين وحقول وبها عين ماء. يرى البعض أن الكلمة مشتقة من sãkan وتعني "في الخدمة"، فإنًَّها تمثِّل الإنسان الذي يعمل لخدمة الغير.

قدَّم لنا القدِّيس جيروم في رسالته إلى نيبوتيان Nepotian كاهن Altinum عند خاله الأسقف Heliodorus تفسيرًا رمزيًا لقصَّة أبيشج الشونميَّة اقتطف منها بعض العبارات:

v     إذ يشعر الشيخ بالبرد يلتحف بالبطاطين، لكنَّه يجد دفئه فقط في احتضان فتاة له! كانت بثْشَبع لا تزال حيَّة، وأيضًا أبيجايل، وبقيَّة الزوجات والسراري اللواتي أشار الكتاب المقدَّس إلى أسمائهن. ومع ذلك رُفضت هؤلاء جميعهن بكونهم باردات، لم يجد الشيخ دفئه إلاَّ في حضن فتاة صغيرة.

إبراهيم شاخ وكان أكبر سنًّا من داود، ومع هذا لم يشعر قط بالبرد مع رفقة مع كونها مسنَّة... وموسى قائد الإسرائيليِّين عاش 120 عامًا ولم يطلب تغيير صفُّورة.

من إذن هذه الشونميَّة، الزوجة والحاضنة، التي تشع بالحرارة وتعطي دفئًا لمن هو بارد، وهي مقدَّسة ولا تثير الشهوة فيمن تدفئه؟ لندع سليمان، أحكم الرجال يخبرنا عن أبيه المحبوب. لندع رجل السلام يخبرنا عن أحضان رجل الحرب (داود). لقد كتب: "اقتنِ الحكمة. اقتنِ الفهم. لا تنسَ ولا تعرض عن كلمات فمي. لا تتركها فتحفظك، أحببها فتصونك. الحكمة هي الرأس. فاقتن الحكمة وبكل مقتناك اقتنِ الفهم. ارفعها فتُعلِّيك. تمجِّدك إذا اعتنقتها. تُغطِّي رأسك إكليل نعمة، تاج جمالٍ تمنحك" (أم 4: 5-9).

غالبًا كل الفضائل التي يمارسها الجسد تتغيَّر مع الزمن وتفسد، كالصوم والسهر والعطاء، إذ تصير ممارستها صعبة. أيضًا الرقاد على الأرض والتحرَّك من موضع إلى آخر، واستضافة المسافرين والمثابرة على الصلاة، وافتقاد المرضى، والعمل اليدوي لجلب مال للعطاء. باختصار كل الأعمال التي يمارسها الجسد تنحل... بينما الحكمة وحدها تزداد (مع الزمن).

اسم "أبيشج" نفسه له معنى رمزي يُشير إلى الحكمة العظيمة التي الشيوخ. فإن معناه هو: "أبي فوق وأعلى" أو "زئير أبي". تعبير "فوق وأعلى" غامض، لكنَّه يشير في هذه العبارة إلى السمو، ويعني أن الشيخ له رصيد ضخم من الحكمة يفيض بسبب كثرته...

علاوة على هذا فإن "أبيشج" تعني "زئيرًا"، تستخدم عن الصوت غير الواضح الذي تحدثه الأمواج والضجيج الصادر عن البحر. من هنا يتَّضح أن الرعد الذي للصوت الإلهي يسكن في أذني الشيخ.

مرَّة أخرى فإن كلمة "الشونميَّة" في لغتنا معناها "أرجوان"، توحي بأن محبَّة الحكمة تهب دافئًا وتشع بهاءً. فإن كان اللون (الأرجواني) قد يُشير إلى سرّ دم المسيح، فإنًَّه يصدر إشعاعًا بهيًّا للحكمة[13].

القدِّيس جيروم

بمعنى آخر فإن كل مؤمن يحتاج أن تحتضنه الحكمة العلويَّة النازلة من السماء، تنزع عنه كل برودٍ روحي، وتهبه قلبًا ملتهبًا بنار الحب الإلهي، يتمتَّع بها خلال دم المسيح!

جاء في سفر الحكمة:

"الحكمة خير من القوَّة، والحكيم أفضل من الجبار" (حك 6: 1).

"فإن الحكمة ذات بهاء ونضرة لا تذبل، ومشاهدتها متيسِّرة للذين يحبُّونها، ووجدانها سهل على الذين يلتمسونها" (حك 6: 13).

"فابتغاء الحكمة يبلغ إلى الملكوت" (حك 6: 21).

"هب ليّ الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك" (حك 9: 4).

يكمل القدِّيس جيروم حديثه موضِّحًا أن هذه الحكمة العلويَّة تهب دفئًا عوض البرودة، وهو دفء النار التي جاء السيِّد المسيح ليلقيها (لو 12: 40). ألقاها في تلميذيه اللذين كانا في الطريق إلى عمواس فقالا: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلِّّمنا في الطريق ويوضِّح لنا الكتب؟!" (لو 24: 32). هذا الدفء تمتَّع به القينيُّون الخارجون من دفء بيت أب ركاب.

هكذا من يلتصق بالحكمة يحول الروح القدس الناري واهب الحكمة حياته إلى دفءٍ روحيٍ لا يقدر العالم أن ينتزعه من أعماقه.




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email

2. أدونيَّا يخطِّط لاستلام الحكم:

كان أدونيَّا الابن الرابع لداود (2 صم 3: 4؛ 1 أي 3: 2) لكن بعد موت إبشالوم وأمنون وكيلاب صار أدونيَّا هو أكبر أبناء داود الأحياء في ذلك الحين، فحسب نفسه الوارث للعرش (2: 15)، وقد أراد أن يطمئن لذلك قبل موت والده. لكن الله، الملك غير المنظور، احتفظ بحقِّه في اختيار الملك الأرضي (تث 17: 15) الذي يمثِّله في إسرائيل.

لم يشتهِ داود النبي المُلك قط، ولم يجرِ وراء العرش. وحين اختاره الرب ومسحه صموئيل النبي لم يسعَ ليحقِّق ذلك، ولا حسب ذلك سماحًا إلهيًا ليقاتل شاول ويحتلّ مركزه. على العكس كان شاول يطلب نفسه، مكرِّسًا طاقته لهذا العمل، وحين سقط شاول بين يديه أكثر من مرَّة لم يمسه بأذى. وحين قُتل شاول بكاه داود ورثاه بحب قلبي صادق. لكن جاء بعض أولاده يتكالبون على العرش، كما فعل قبلاً إبشالوم الذي لم يطلب العرش وحده بل وطلب رقبة أبيه. وها هو أدونيَّا الآن يندفع ليغتصب العرش. لقد أعد المركبات والخيول، لا ليحارب عن بلده، وإنَّما لكي يغتصب المركز بالمظهر. ويلقي الكتاب باللوم على والده الذي لم يكن حازمًا في تربيته.

في كبرياء قلبه لم يشته المُلك لكي يخدم الآخرين، ويعمل لصالح شعبه، ولمجد الله، وإنَّما لكي يحقِّق الأنا، في تشامخ وأنانيَّة وحب السلطة والسيطرة.

"ثم أن أدونيَّا ابن حجيث ترفَّع قائلا ً: أنا أملك، وعدَّ لنفسه عجلات وفرسانًا وخمسين رجلاً يجرون أمامه" [5].

-    لا شيء يجعل الرِجل تزل إلاَّ الكبرياء!

المحبَّة تحرَّك الرِجل للسير والتقدُّم والصعود، أمَّا الكبرياء فتدفع الرِجل إلى السقوط[14].

القدِّيس أغسطينوس

وُلد أدونيَّا في حبرون حين كان داود ملكًا على يهوذا. حسب في نفسه إنًَّه الوارث الشرعي لكرسي أبيه، تسانده العناصر المحافظة مثل يوآب رئيس جيش إسرائيل وأحد أقرباء الملك (1 أي 2: 16)، وأبياثار الكاهن الذي نجا من المذبحة التي ارتكبها شاول الملك لكهنة نوب، وكان مرافقًا لداود حين كان هاربًا من وجه شاول في بريَّة يهوذا (1 صم 22: 20). كما سانده "رجال يهوذا" الذين كانوا في أورشليم.

اعتمد أدونيَّا على القوَّة الشعبيَّة مثل أخيه إبشالوم، وفشل الاثنان في تحقيق شهوة قلبيهما، مع أن أدونيَّا كانت تسنده القوَّة العسكريَّة (يوآب) ورجال الدين (أبياثار الكاهن).

بلا شك كان أدونيَّا يعلم بالقسم الذي نطق به والده أمام بثْشَبع بأن ابنها سليمان يكون وارثًا له على كرسيه، لهذا عندما خطَّط للمُلك لم يدْعُ سليمان ولا ناثان النبي وبناياهو والجبابرة الذين سمعوا بالقسم وكانوا متحالفين مع داود على إقامة سليمان ملكًا.

لكي يقيم أدونيَّا نفسه ملكًا استخدم وسائل بشريَّة. لقد خطَّط وتحرَّك لاستلام المُلك. اتَّكل على المركبات والخيل: "وعدَّ لنفسه عجلات وفرسانًا وخمسين رجلاً يجرون أمامه" [5]. لم يتجاوب مع تسبحة موسى النبي القائل: "الفرس وراكبه طرحهما في البحر. الرب قوَّتي ونشيدي، وقد صار لي خلاصًا" (تك 15: 1-2).

"ولم يغضبه أبوه قط قائلاً: لماذا فعلت هكذا. وهو أيضًا جميل الصورة جدًا، وقد ولدته أمُّه بعد إبشالوم" [6].

ولعلَّ من الأخطاء الخطيرة التي سقط فيها داود العظيم في الأنبياء تهاونه في تربية أولاده؛ وتغاضيه عن أخطائهم، فلم يكن ينتهرهم ويؤدِّبهم على أخطائهم الجسيمة. لقد تحقَّق في داود الملك العظيم القول: "من لا يؤدِّب أولاده يؤدِّبه أولاده". حقًا كان داود النبي رقيقًا حتى مع شاول مضطهده، لكنَّه كان يليق به أن يكون حازمًا في تربية أولاده.

"ولم يغضبه أبوه قط قائلاً لماذا فعلت هكذا؟" [6]. فابنه أمنون اغتصب أخته ثامار. لقد اغتاظ داود جدًا (2 صم 3: 21) لكنَّه لم يكن حازمًا في معاقبته. وإبشالوم ابنه تمرَّد عليه (2 صم 15)، ولم يكتفِ باغتصاب كرسيه بل طلب رأسه، وحين قُتل إبشالوم المتمرِّد تأسَّف على ابنه فوبَّخه يوآب (2 صم 19: 5-8).

الأطفال الذين يتسلَّمهم الآباء هم وديعة ثمينة، أثمن من العالم كلُّه، يعهد بهم الله إليهم لا لكي يمتلكوهم أو يشكِّلوهم حسب أهوائهم، ولا للسيطرة عليهم أو للافتخار بهم، إنَّما أولاً وقبل كل شيء كأشخاص مات المسيح لأجلهم، لكي ينشأوا أعضاء حيَّة في جسد المسيح، هياكل مقدَّسة للروح القدس، أبناء الله، ورثة الله ووارثون مع المسيح، صورة الله التي تمجِّده.

بمعنى آخر يتطلَّع الوالدان إلى طفلهما لا كقنية ثمينة، وإنَّما ككائن حي له ذات قيمتهما لدى الله، يشاركهما ذات النصيب. يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم:

[إن كان البعض من أجل صنعهم التماثيل وطلاء صور الملوك ينالون كرامة عظيمة، فكم بالأكثر نتقبَّل نحن الذين نزيِّن صورة ملك الملوك، إذ الإنسان صورة الله، ربوات البركات، إذ نقيم مثالاً حقيقيًا؟‍‍‍‍‍‌‌‍‍‍‍ لأن المثال الحقيقي هو في فضيلة الروح، عندما ندرِّب أولادنا أن يكونوا صالحين وودعاء ومسامحين ومحسنين ورفقاء، وعندما نربِّيهم أن ينظروا إلى العالم الحاضر كلا شيء[15]].

هكذا يرى القدِّيس ذهبي الفم أن الوالدين لا يقدِّمان تمثالاً لله بل صورة حيَّة له في ابنهما، يقدِّمانه حاملاً مثال الرب في شركة سماته للسيِّد المسيح، وأيقونة للسماء باستخفافه بارتباكات العالم واغراءاته. وكأن الوالدين اللذين يحملان صورة الله ويتمتَّعان بشركة الطبيعة الإلهيَّة، ويتهلَّلان بالحياة السماويَّة في أعماقهما وفى بيتهما، إنَّما يقدِّمان جيلاً مقدَّسًا في الرب، لا يقل في الشهادة للرب عن الجيل السابق له، إنَّما يكمِّل عمله!

لا يقف الأمر عند استلامنا أطفالنا من يد الله كوديعة حيَّة، يقومون بتكملة مسيرتنا كما نكمِّل نحن مسيرة الأجيال السابقة، لتلتحم الأجيال معًا كجسد واحد يكمِّل عمل السيِّد المسيح رأس الكل، وإنَّما يلزمنا أن ندرك إنَّنا مطالبون بتقديمهم للرب تقدمة حب، بأن نبعث فيهم روح الجهاد كجنود صالحين روحيِّين يحملون الصليب معنا بفرح.

اتَّكل أدونيَّا على المظهر الخارجي: "وهو أيضًا جميل الصورة جدًا" [6]. كان كأخيه إبشالوم ليس فقط في جمال صورته، وإنَّما في إساءة استخدام هذا الجمال، حيث ربط جمال الجسد بقُبح النفس التي تتمرَّد حتى على الوالدين.

"وكان كلامه مع يوآب ابن صرَوِيَّة ومع أبياثار الكاهن، فأعانا أدونيَّا" [7].

اتَّكل على ذراع بشري وتخطيط بشري، إذ جذب إليه رئيس الجيش يوآب والكاهن أبياثار، ليكونا له سندًا عسكريًا ودينيًّا، متجاهلاً الإرادة الإلهيَّة والعون السماوي. ممَّا يجدر ملاحظته أن الذين أخذوا موقفًا مساندًا لأدونيَّا لم يكن ذلك إيمانًا منهم بأنَّه صاحب الحق في استلام العرش كابن بكر، ولا دفاعًا عن مبدأ في حياتهم وإنَّما لمصالح شخصيَّة ومنافع.

يوآب بكر أولاد صرويَّة أخت داود الملك، وأخ أبيشاي وعسائيل. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يبدو إنًَّه كان مقيمًا في بيت لحم. وكرئيس جيش داود أثبت بجدارة قدرته العسكريَّة وشجاعته في المعارك، وإن كان قد سقط في الغدر والعنف مرَّتين، فقد سفك دم أبنير (2 صم 3: 27) وعماسا (2 صم 20: 10) بلا سبب. ظن يوآب إنَّه بمساندته لأدونيَّا في تمرُّده يضمن بقاءه كرئيس للجيش لديه.

أبياثار الكاهن: كان هو الكاهن الوحيد الذي نجا من وحشيِّة شاول في قتله للكهنة في نوب لمساندتهم لداود (1 صم 22: 20-23). وإذ التجأ إلى داود صار المشير الروحي والصديق الحميم لذلك المحارب الطريد. كان مخلصًا لداود بصفة شخصيَّة حتى انضم إلى أدونيَّا المتمرِّد والمغتصب للعرش، متجاهلاً إرادة الله ووعده لداود بأن يخلفه سليمان على العرش. لقد تركه الله يعمل هو ويوآب معًا في هذا العمل الشرِّير وسلَّمهما لأنفسهما، حتى يمتلئ كأس كل منهما فينالا تأديبًا على ما فعلاه قبلاً. أراد أبياثار الكاهن أن يطمئن أن يكون له دوره الفعَّال في حياة الملك الجديد. وربَّما أخذ هذا الموقف بسبب غيرته من صادوق، كما خشي أن يتجاهله سليمان إن استلم الحكم أكثر من والده. فمع أن صادوق كان رئيس كهنة في خيمة الاجتماع بجبعون لكن يبدو إنًَّه كان هو القائد كما يظهر ذلك من الإشارة إليه قبل أبياثار (2 صم 15: 24؛ 20: 25؛ 15: 24 الخ).

يرى البعض أن الكلمة العبريَّة المقابلة ل "أعانا" تحمل أيضًا معنى "ارتعبا أمامه"، ولعلَّه يعني هنا إنًَّهما أعاناه مرتعبين منه.

"وأمَّا صادوق الكاهن وبناياهو بن يهوياداع وناثان النبي وشمعي وريعي والجبابرة الذين لداود فلم يكونوا مع أدونيَّا" [8].

بينما كان أدونيَّا يتحرَّك من واقع كبرياء قلبه، معتمدًا على جمال مظهره وقدرته وفرسانه وقدرته على التخطيط البشري واجتذاب رئيس الجيش وأحد الكهنة إلى صفِّه، كان الله يعمل ليُقيم سليمان ملكًا كما سبق فوعد داود بذلك. كان صادوق الكاهن وبناياهو وناثان النبي وشمعي وريعي وجبابرة داود في الجانب الآخر، إذ لم يستريحوا لتصرُّفات أدونيَّا.

صادوق الكاهن: غالبًا ما يُذكر مرتبطًا بخيمة الاجتماع في جبعون في أيَّام شاول (1 أي 16: 39)، ممَّا يشير إلى إنًَّه من سبط لاوي. رافق داود الملك في حبرون بعد موت شاول مباشرة (1 أي 12: 28)، كما رافقه في هروبه من أورشليم أثناء تمرُّد إبشالوم وعمل كجاسوس للملك (2 صم 15: 24-29؛ 17: 15). بعد استلام داود الملك صار مع أبياثار يمارسان رئاسة الكهنوت (2 صم 8: 17؛ 15: 24؛ 29: 35). هذا ربَّما أثار شيئًا من الغيرة بينهما، فكان كل منهما يأخذ اتَّجاهًا مضادًا للآخر.

من الصعب أن نفهم وجود رئيسين كهنة في وقت واحد، وندرك علاقتهما ببعضهما البعض. ربَّما كان أبياثار هو رئيس الكهنة الحقيقي وكان المسئول عن المقدَّس الذي فيه تابوت العهد في صهيون، أمَّا صادوق فكان يمارس أعمال رئيس الكهنة في خيمة الشهادة في جبعون (1 أي 16: 39).

بناياهو: أقامه داود الملك قائدًا جديدًا مدبِّرًا للجلاَّدين والسعاة (2 صم 8: 18) عُرف بشجاعته (1 صم 23: 20)، وكان يعتبره يوآب منافسًا له.

ناثان النبي: كان مرافقًا للملك (2 صم 7: 2). ربَّما كان عمله هو الكشف عن الإرادة الإلهيَّة للملك، لكي لا يعمل حسب فكره البشري بل حسب إرادة الله، فيرى الملك في نفسه إنًَّه ليس إلاَّ وكيلاً للملك الحقيقي، الله نفسه. حينما أخطأ داود مع بثْشَبع قام ناثان بتبكيته، وإذ أعلن الملك توبته سمع من النبي: "الرب نقل عنك خطيَّتك" (2 صم 12). كان له تقديره الخاص لدى داود الملك، وله علاقة حميمة بالعائلة المالكة (2 صم 12: 25).

شمعي: هو صديق الملك الذي أدرجه سليمان بين عظماء رجاله (14: 18).

ريعي: اسم عبري معناه "ودود". ربَّما هو نفسه عيرا اليائيري المذكور في (2 صم 20: 26).

الجبابرة: في العبريَّة لا تعني مجرَّد جبابرة في القامة، وإنَّما الذين لهم كيان قوي، لذا فهنا تعني أصحاب السلاطين العاملين تحت قيادة داود الملك، أي رجال الدولة العظماء. ربَّما كانوا الستمائة رجل الذين رافقوا داود الملك في تحرُّكاته الأولى (1 صم 25: 13؛ 27: 2)، والذين صاروا النواة لجيشه.

"فذبح أدونيَّا غنمًا وبقرًا ومعلوفات عند حجر الزاحفة الذي بجانب عين روجل، ودعا جميع اخوته بني الملك، وجميع رجال يهوذا عبيد الملك" [9].

بدأ أدونيَّا اغتصابه للعرش بتقديم ذبيحة كما فعل إبشالوم من قبله (2 صم 15: 7). كان ذبح حيوانات واشتراك الجماعة في الأكل معًا يُمارس كطقسٍ يمثِّل نوعًا من العهد الجماعي للعمل معًا بروح الإخلاص كما في قدسيَّة خاصة. أراد أن يمسح عمله بصبغة دينيَّة، متظاهرًا بأنَّه قد استلم السلطة من الله نفسه، وأن رئيس الكهنة يشهد بذلك ويقدِّم ذبائح لله. وكأنَّه يمارس شرَّه تحت اسم "الله"، مستخدمًا العبادة لحساب مصالحه الشخصيَّة. أقام مؤامراته خارج أورشليم عند حجر الزاحفة الذي بجانب عين روُجل [9].

حجر الزاحفة: أي حجر إحدى الزواحف أو "حجر الحيَّة" (الزاحفة) أو "حجر الدودة" الزاحفة، وتعرف باسم وادي الرباب. وهو اسم حجر قري عين روجل جنوب غربي أورشليم. ولعلَّه حجر قدسه الكنعانيُّون لوجوده قرب عين ماء. إذ كانوا يرون في عيُّون الماء مصادر الحياة، قدسوها كأن إلهًا حالاً فيها.

عين روجل: وتعني "عين القصار" أو "ينبوع الكمال Fuller" أو "عين الجاسوس"، أو "عين جدول المياه". وهي على حدود تخوم بنيامين ويهوذا (يش 5: 7؛ 18: 16). غالبًا ما تعني "عين التنِّين" التي وردت في سفر نحميا (2: 13)[16]. كان يُظن أن موقعها هو بير أيُّوب، جنوب القدس في وادي قدرون. يرى البعض أن عين روجل الآن احتلتها صخرة نتيجة أحد الزلازل.




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email

"وأمَّا ناثان النبي وبناياهو والجبابرة وسليمان أخوه فلم يدعهم" [10].

دعوة أدونيَّا لكل اخوته ورجال يهوذا فيما عدا أخوه سليمان وناثان النبي وصادوق الكاهن وباناياهو تكشف عن معرفة أدونيَّا باختيار الله لسليمان ملكًا، وإدراكه موقف ناثان الداخلي كرجل الله يحقِّق الإرادة الإلهيَّة. هذا ما يؤكِّده عدم تشاوره مع والده في استلام الحكم. فلو أن أدونيَّا يعرف بأنَّه الوارث الحقيقي للعرش لطلب من والده أن يسنده في قيامه بهذا العمل. تجاهله لوالده فيه تأكيد إنًَّه كان يدرك إنًَّه يمارس عملاً ضد إرادة والده.

شتَّان ما بين داود الملك وابنه أدونيَّا، فإن الابن لم يرث روح أبيه الوديع الخادم للكثيرين، الذي يطلب مجد الله وبنيان الشعب لا مجد نفسه، والذي لم يركب قط المركبات والخيل بل جاء إلى جليات يهاجمه باسم رب الجنود، ولا خطَّط بطرق بشريَّة لاستلام الحكم، بل طلب تحقيق الإرادة الإلهيَّة.

عدم دعوة ناثان النبي وبناياهو والعاملين معه وسليمان للاشتراك في الطعام الذي هيَّأه أدونيَّا يشير إلى إنًَّه لم يكن مستعدًا للسلام، بل كان يتهيَّأ للدخول في صراع عنيف معهم. لم يحدث هذا عن بُخل ولا عن مجرَّد تجاهل متعمِّد، بل عن وجود فريقين متعارضين في أورشليم يمثِّلان خطرًا لوجود انقسام!

يقدِّم لنا أدونيَّا صورة مؤلمة للنفس التي تستخف بالله الملك الحقيقي وخدَّامه العاملين لحسابه، سواء كانوا الوالدين أو الكهنة أو المرشدين. لم يبالِ أدونيَّا بالأمر الإلهي الخاص بإقامة سليمان ملكًا، ولم يسأل والده إذ في نظره هو شيخ عاجز عن تدبير الأمور، كما حسب أخاه سليمان صبيًّا صغيرًا لا يصلح كملكٍ. يرى في نفسه إنًَّه وحده القادر أن يحكم ويدبِّر حسب حكمته البشريَّة وقدراته وإمكانيَّاته البشريَّة. هكذا إذ تتسلَّل الخطيَّة إلى القلب تعميه عن رؤية الحق، فلا يقبل الإرادة الإلهيَّة، ولا يطلب مشورة حكيمة بناءة! في عجرفة يظن إنًَّه ملك قادر أن يدبِّر ويحكم وينقذ، يتَّكل على حكمته الذاتيَّة وخبراته وإمكانيَّاته.

3. ناثان النبي وبثْشَبع:

كان ناثان النبي الرجل المتحدِّث باسم الله لدى داود الملك، خاصة في الأمور التي تخص خلاص نفسه وخلاص شعبه، مثل الوعد الإلهي لداود بدوام أسرته الملوكيَّة (2 صم 7)، وحثِّه على التوبة عندما أخطأ مع بثْشَبع (2 صم 12)، وهنا يتدخَّل في إقامة سليمان ملكًا. مع كون داود نبيًّا وملكًا وله خبراته المباشرة مع الله، إلاَّ إنًَّه كان بروح التواضع يتقبَّل كلمات الرب على لسان ناثان النبي بجديَّة.

تدخَّل ناثان في الأمر من واقع شعوره بالالتزام بتحقيق إرادة الله. لقد سبق فأعلن عن أقامه سليمان ملكًا، فأراد مساعدة داود على تحقيق القسَم الذي حلف به لبثْشَبع. وتعاطف مع بثْشَبع التي وُضعت في موقف مؤلم بعد اغتصابها وقتل أوريا الحثي زوجها، فكان لابد من تعويضها، وأيضًا لإنقاذ حياتها وحياة سليمان ابنها من يد أدونيَّا الذي ما كان يمكنه أن يبقيهما حيِّين حتى يضمن بقاءه على العرش (4: 2).

"فكلَّم ناثان بثْشَبع أم سليمان قائلاً: أما سمعتِ أن أدونيَّا ابن حجيث قد ملك، وسيِّدنا داود لا يعلم" [11].

كنَّا نتوقَّع من ناثان النبي الذي لعب دورًا خطيرًا في تبكيت داود النبي على ما ارتكبه مع بثْشَبع وقتله زوجها أوريا (2 صم 11: 1-7) أن يأخذ صف جماعة المحافظين، فما الذي دفعه إلى ذلك؟

أ. كرجل الله يعرف إرادة الله، فقد وعد الله داود النبي إنًَّه سيقيم سليمان ملكًا على كرسيه.

ب. ربَّما رأى إنًَّه يجب تعويض بثْشَبع على ما فعله معها داود بتكريم ابنها.

ج. لأنَّه كان معلمًا للصبي سليمان (2 صم 12: 25) شعر بأنَّه يصلح للمملكة أكثر من أدونيَّا أو غيره من اخوته الأكبر منه.

بثْشَبع: ابنة اليعام (2 صم 1: 3) ويدعى أيضًا عميئيل (1 أي 3: 5)، ربَّما حفيده أخيتوفل أحد المشيرين المقرَّبين جدًا لداود النبي (2 صم 23: 34)؛ وزوجة أوريا الحثِّي (2 صم 11: 3). شغف بها داود الملك وأخطأ معها واحتال على زوجها فقُتل (2 صم 11). تزوَّجها داود الملك وانجب منها شمعي وشوباب وناثان وسليمان.

"فالآن تعالي أشير عليك مشورة، فتنجِّي نفسك ونفس ابنك سليمان" [12].

واضح أيضًا من كلمات ناثان النبي مع بثْشَبع والدة سليمان أن أدونيَّا كان يعلم بأن أباه يودّ أن يُسلم المُلك لسليمان، وأنه قد وضع في قلبه أن يقتل سليمان وأمُّه بعد استيلائه على العرش [12].

الفعل "malleti" هنا يعني "فيه أمان"، وقد دعيت "مالطة" لتعني إنًَّها ميناء أمان للأسطول البحري الفينيقي في البحر الكبير، ويُفضل أن ترسو فيه السفن في آمان[17]. هكذا يقدَّم النبي مشورة آمنة لسليمان ووالدته حتى لا يقتلهما أدونيَّا.

"اذهبي وادخلي إلى الملك داود وقولي له: أما حلفت أنت يا سيِّدي الملك لأَمَتَك قائلاً أن سليمان ابنك يملك بعدي وهو يجلس على كرسيي، فلماذا ملك أدونيَّا؟". "وفيما أنت متكلِّمة هناك مع الملك أدخل أنا وراءك وأُكمل كلامك" [13-14].

يتحدَّث ناثان النبي بأدب شديد مع بثْشَبع، فهو يعلم أن ابنها سيصير ملكًا حسب وعد الله.

4. بثْشَبع تدخل إلى داود:

"فدخلت بثْشَبع إلى الملك إلى المخدع، وكان الملك قد شاخ جدًا، وكانت أبيشج الشونميَّة تخدم الملك" [15].


ذهبت بثْشَبع إلى داود في حجرته إذ لم يكن قادرًا على الخروج بسبب شيخوخته وضعفه. كان لبثْشَبع مكانة خاصة لدى الملك داود، لعلَّه كان يشعر بالذنب ويريد دومًا تعويضها. هذا وللاسم ذاته معنى رمزي هام، إذ يعني "بيت السبت"، وكأنَّها تمثِّل البيت الذي فيه يجد الله والإنسان راحتهما، لأن "السبت" تعني الراحة لله والإنسان، يستريح الله في قلب المؤمن الأمين، ويستريح الإنسان بالتصاقه وتكريس قلبه لله.

"فخرَّت بثْشَبع وسجدت للملك، فقال الملك: ما لك. فقالت له: أنت يا سيِّدي حلفتَ بالرب إلهك لأمَتَك قائلاً إن سليمان ابنك يملك بعدي وهو يجلس على كرسيي. والآن هوذا أدونيَّا قد ملك، والآن أنت يا سيِّدي الملك لا تعلم ذلك، وقد ذبح ثيرانًا ومعلوفات وغنمًا بكثرة، ودعا جميع بني الملك وأبياثار الكاهن ويوآب رئيس الجيش، ولم يدعُ سليمان عبدك. وأنت يا سيِّدي الملك أعيُن جميع إسرائيل نحوك، لكي تخبرهم من يجلس على كرسي سيِّدي الملك بعده. فيكون إذا اضطجع سيِّدي الملك مع آبائه إنِّي أنا وابني سليمان نُحسب مذنبين" [16-21].

كلمة hattâim [21] تعني "خاطئين"، أو "الذين تعدُّوا الحدود" (قض 20: 16)؛ فباعتلاء أدونيَّا العرش يقدِّم بثْشَبع وابنها سليمان كمتعدِّيين حدودهما فيحاكمهما ويحكم عليهما ظلمًا.

5. دخول ناثان إلى داود:

"وبينما هي متكلَّمة مع الملك إذا ناثان النبي داخل. فاخبروا الملك قائلين: هوذا ناثان النبي. فدخل إلى أمام الملك، وسجد للملك على وجهه إلى الأرض. وقال ناثان: يا سيِّدي الملك أنت قلت أن أدونيَّا يملك بعدي، وهو يجلس على كرسيَّ. لأنَّه نزل اليوم وذبح ثيرانًا ومعلوفات وغنمًا بكثرة، ودعا جميع بني الملك ورؤساء الجيش وأبياثار الكاهن، وها هم يأكلون ويشربون أمامه، ويقولون ليحي الملك أدونيَّا" [22-25].

"ليحيا الملك" [25] لم يكن يقصد بها طول العمر، أو تمتُّع الإنسان بالحياة الزمنيَّة، لكنَّه كان ينظر إلى الملك كوكيل الله واهب الحيويَّة الفائقة، وكأنَّها تقول له "ليت الحيويَّة الإلهيَّة تكون على وجه الخصوص في الملك، وبالتالي في نسلك إلى الأبد"[18].

"وأمَّا أنا عبدك وصادوق الكاهن وبناياهو بن يهوياداع وسليمان عبدك فلم يدعنا. هل من قبل سيِّدي الملك كان هذا الأمر ولم تُعلِم عبدك من يجلس على كرسي سيِّدي الملك بعده؟ فأجاب الملك داود وقال: ادع لي بثْشَبع. فدخلت إلى أمام الملك ووقفت بين يديّ الملك" [26-28].

كانت العادة لدى الملوك أنًَّه إذا التقى بزوجته أو بأحد مشيريه لا يسمح لثالثٍ أن يكون حاضرًا إلاَّ بأذن من الملك، لهذا لم يكن ممكنًا لبثْشَبع وناثان أن يدخلا معًا ويكونا في حضرة الملك. دخلت بثْشَبع أولاً ثم أخبر الملك بوجود ناثان فاستدعاه الملك فتركته بثْشَبع.

"فحلف الملك وقال: حيٌّ هو الرب الذي فدى نفسي من كل ضيقة. أنه كما حلفتُ لكِ بالرب إله إسرائيل قائلاً إن سليمان ابنك يملك بعدي وهو يجلس على كرسيَّ عوضًا عنِّي كذلك افعل هذا اليوم. فخرَّت بثْشَبع على وجهها إلى الأرض وسجدت للملك وقالت: ليحي سيِّدي الملك داود إلى الأبد" [29-31].




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 1 جـ4 PDF Print Email

6. إقامة سليمان ملكًا:

"وقال الملك داود: ادع لي صادوق الكاهن وناثان النبي وبناياهو بن يهوياداع. فدخلوا إلى أمام الملك. فقال الملك لهم: خذوا معكم عبيد سيِّدكم واركبوا سليمان ابني على البغلة التي لي، وانزلوا به إلى جيحون" [32-33].

يرى Mowinckel أن في هذا إشارة إلى ركوب المسيا على أتان كما جاء في (زك 9: 9، مت 21: 5) عند دخوله أورشليم كملك.

تم ذلك في جيحون، وهو اسم عبري معناه "نبع متدفِّق". حاليًا عين أم الدرج في الجزء العلوي من وادي قدرون تحت الجانب الشمالي من المنطقة المحصَّنة بأورشليم التي كان يشغلها داود في جنوب شرقي التل. هذه العين تُشير إلى القناة التي تحمل مياها إلى حوائط بركة سلوام. غالبًا قام اليبوسيُّون بحفر هذا الينبوع عام 2000 ق.م.، طمَهُ حزقيا وجرَّ مياهه بأقنية تحت الأرض إلى أورشليم خوفًا من الأعداء لئلاَّ يجدوا مياهًا غزيرة (2 أي 32: 3، 4، 30).

"وليمسحه هناك صادوق الكاهن وناثان النبي ملكًا على إسرائيل، واضربوا بالبوق وقولوا: ليحيا الملك سليمان" [34].

كان الملوك يُمسحون بزيت مقدَّس يُحفظ في الهيكل، بهذا العمل يشعر الملك أنًَّه قد كرّس كل حياته لله بخدمته لشعبه. هذه المسحة تبدو إنًَّها قديمة، يرجع أصلها إلى تقليد قديم أخذت عنه الشعوب بطرق مختلفة. نحن نعرف أن يعقوب مسح حجرًا بالزيت لتدشين الموضع في بيت إيل كبيتٍ للرب. عرفت مصر المسحة، فكان سلطان فرعون يقدِّم لمندوبيه خلال المسحة، وأيضًا للملوك الغزاة في سوريا في القرن الخامس عشر ق.م، وكان ذلك يحمل رمزًا أن الممسوح ينال إمكانيَّة خاصة بالمسحة.

كانت المسحة تستخدم في الخطبة والزواج عند المصريِّين وبني حثِّي، وفي القرن الثامن عشر استخدمها الأموريُّون في ماري Mari في المعاملات التجاريَّة، ونقل الملكيَّات.

كانت المسحة تستخدم في الخطبة والزواج عند المصريِّين وبني حثِّي، وفي القرن الثامن عشر استخدمها الأموريُّون في ماري Mari في المعاملات التجاريَّة، ونقل الملكيَّات.

وكانت تستخدم في طقس تحرير العبيد.

استخدمت أيضًا في مسح الكاهن الذي يترك كل شيء ويتفرَّغ لخدمة الله. وصارت المسحة تعادل "التقديس" (خر 28: 41؛ 30: 30؛ 40: 13)، أي نقل الإنسان أو الشيء من العمل العالمي إلى العمل الإلهي الخاص بالله القدُّوس.

هكذا مسح الملك معناه تركه كل ما هو عالمي ليعمل لحساب الله وسط شعبه. يصير معيَّنًا من قبل الله للخدمة.

"وتصعدون وراءه، فيأتي ويجلس على كرسيَّ، وهو يملك عوضًا عنِّي، وإيّاه قد أوصيت أن يكون رئيسًا على إسرائيل ويهوذا. فأجاب بناياهو بن يهوياداع الملك وقال: آمين. هكذا يقول الرب إله سيِّدي الملك. كما كان الرب مع سيِّدي الملك كذلك ليكن مع سليمان. ويجعل كرسيه أعظم من كرسي سيِّدي الملك داود. فنزل صادوق الكاهن وناثان النبي وبناياهو بن يهوياداع والجلاَّدون والسعاة. واركبوا سليمان على بغلة الملك داود، وذهبوا به إلى جيحون. فأخذ صادوق الكاهن قرن الدهن من الخيمة ومسح سليمان، وضربوا بالبوق، وقال جميع الشعب: ليحيي الملك سليمان" [35-39].

الخيمة هنا ليست خيمة الاجتماع في جبعون، وإنَّما الخيمة التي أقامها داود لتابوت العهد على جبل صهيُّون (2 صم 6: 17). كان صادوق معيَّنًا رئيس كهنة على خيمة الاجتماع في جبعون بينما أبياثار على تابوت العهد، ولم تكن هناك عداوة بين رئيسي الكهنة لذا استطاع صادوق أن يأخذ المسحة من تابوت العهد في غياب أبياثار.

"وصعد جميع الشعب وراءه. وكان الشعب يضربون بالناي، ويفرحون فرحًا عظيمًا حتى انشقَّت الأرض من أصواتهم" [40].

جاء تعبير "يرقصون" في العبريَّة بمعنى "يضربون بالمزمار"، وهو تعبير يكشف عن الفرح وليس بالضرورة أن يزمِّرون بالمزمار. فلا يعني هذا أن كل الشعب يجيدون الضرب على المزمار، ولا أن جميعهم كان يزمِّرون، إنَّما كان الكل فرحين متهلِّلين. وذلك كما حدث عندما دخل داود بتابوت العهد إلى أورشليم (2 صم 6: 14).

إلى يومنا هذا نجد في قرى مصر يعبِّرون عن فرحهم باستخدام المزمار أو التصفيق، وكأنَّهم يرقصون وهم يفعلون ذلك، لكنَّه ليس بالضرورة يمارسون الرقص كما نفهمه سواء في الشرق أو الغرب.

"فسمع أدونيَّا وجميع المدعوِّين الذين عنده بعدما انتهوا من الأكل. وسمع يوآب صوت البوق فقال: لماذا صوت القرية مضطرب؟" [41]

كانت أُذنا يوآب مرهفتين لسماع البوق فهو قائد حرب.

الكلمة العبريَّة هنا ربَّما لا تعني قرية أو مدينة بل حصنًا أو قلعة.

"وفيما هو يتكلَّم إذا بيوناثان بن أبياثار الكاهن قد جاء. فقال أدونيَّا: تعال لأنَّك ذو بأس وتبشِّر بالخير" [42].

لقد برهن يوناثان بن أبياثار عن إخلاصه لداود النبي حينما تحرَّك بسرعة عند تمرَّد إبشالوم (2 صم 15-17)، والذي أشار إليه دون شك أدوناوي بدعوته حامل الأخبار الطيِّبة.

حُسب يوناثان إنًَّه "رجل موثوق فيه"، بسبب مركزه الاجتماعي لدى الملك، كما كان له استقلاله الفكري.

"فأجاب يوناثان وقال لأدونيَّا: بل سيِّدنا الملك داود قد ملك سليمان. وأرسل الملك معه صادوق الكاهن وناثان النبي وبناياهو بن يهوياداع والجلاَّدين والسعاة وقد اركبوه على بغلة الملك. ومسحه صادوق الكاهن وناثان النبي ملكًا في جيحون. وصعدوا من هناك فرحين حتى اضطربت القرية. هذا هو الصوت الذي سمعتموه" [43-45].

مسح سليمان ملكًا وتجليسه في حياة أبيه داود كان أمرًا لازمًا بعد محاولة أدونيَّا اغتصاب العرش، حتى لا يرتبك أحد ويتشكَّك.

وصفه المدينة أو القرية إنًَّها في صخب يُشير إلى صوت شعب معبَّأ بالمشاعر المثيرة، أو حشد مندفع كالنحل.

"وأيضًا قد جلس سليمان على كرسي المملكة. وأيضًا جاء عبيد الملك ليباركوا سيِّدنا الملك داود قائلين: يجعل إلهك اسم سليمان أحسن من اسمك. وكرسيه أعظم من كرسيك. فسجد الملك على سريره" [46-47].

جاءوا يهنِّئونه أو يباركون له، وهنا تعني العبارة إنًَّهم يطلبون بركة الله المعلنة في داود أن تحل على ابنه سليمان.

"وأيضًا هكذا قال الملك: مبارك الرب إله إسرائيل الذي أعطاني اليوم من يجلس على كرسييَّ، وعيناي تبصران" [48].

مع شيخوخة داود وشعوره بأن أيَّامه قد اقتربت، ومع ترك الكرسي لابنه سليمان ما كان يشغل ذهنه هو تسبيح الله وتقديم الشكر له، هذا الذي يحقِّق وعده الإلهي له بأن يقيم من نسله ملكًا (2 صم 23: 5، مز 89: 3 الخ؛ 123: 11 الخ، إش 55: 3).

كثيرًا ما يكرِّر القدِّيس أغسطينوس "لتُغنِّ وكمِّل رحلتك!"، "لتغنِّ وتسير"، "لتغنِّ وجاهد كجندي!"

-     لنسبِّح الآن يا اخوتي لا لكي نفرح بالراحة بل بتعبنا.

وذلك كالمسافرين الذين يغنُّون ويسبِّحون وهم سائرون في رحلتهم...

إن كنت تحقِّق تقدُّمًا، فأنت تسير إلى الأمام، ليكن لك تقدُّم في الصلاح، تقدُّم في الإيمان الحق، تقدُّم في الحياة المستقيمة... غنِّ وأكمل رحلتك.

القدِّيس أغسطينوس

7. أدونيَّا يسجد أمام سليمان:

"فارتعد وقام جميع مدعوِّي أدونيَّا، وذهبوا كل واحد في طريقه. وخاف أدونيَّا من قِبل سليمان، وقام وانطلق وتمسَّك بقرون المذبح" [49-50].

كان المذبح عند كل الأمم موضع لحماية للمجرمين المستحقِّين الموت، أمَّا في إسرائيل فبحسب الشريعة يحمي الذين سبَّبوا قتلاً عن غير عمدٍ (خر 21: 14)، وقد حملت مدن الملجأ نفس الفكرة (عد 35). لا يعرف على وجه التحديد هل التجأ أدونيَّا إلى المذبح الذي في تابوت العهد في صهيون، أم في الخيمة في جبعون، أم المذبح الذي بناه داود بأرونة أو أرونان Araunah  (2 صم 24: 18-25). غالبًا الأول، لأنَّه لم يُذكر أنًَّه هرب بعيدًا إلى جبعون كما أن المذبح الثالث بلا قرون.

كان يُنظر إلى موضع العبادة كموضع لتحقيق العدالة. لهذا إذ يمسك أحد بقرون المذبح لا يعني هذا عدم محاكمته، وإنَّما عدم قتله حتى تتم محاكمة عادلة، يستطيع خلالها أن يدافع الإنسان عن نفسه ليكشف عن تبرئته من الجريمة. لنفس الغرض أقام الله مدن الملجأ في الضفَّتين الشرقيَّة والغربيَّة حتى يهرب إليها كل قاتل غير متعمِّد للقتلِ (عد 35).

ما فعله أدونيَّا يكشف عما في قلبه، خوفه الشديد من سليمان. وتمسُّكه بقرون المذبح إنَّما هو ردّ فعل لما في أعماقه، وما كان يود أن يفعله بسليمان وأمه لو أن خطَّته قد نجحت واستلم العرش.

فأُخبر سليمان وقيل له: هوذا أدونيَّا خائف من الملك سليمان. وهوذا قد تمسَّك بقرون المذبح قائلاً ليحلف لي اليوم الملك سليمان إنًَّه لا يقتل عبده بالسيف. فقال سليمان: إن كان ذا فضيلة لا يسقط من شعره إلى الأرض. ولكن إن وُجد به شرّ فإنًَّه يموت" [51-52].

لم يرِد سليمان أن يبدأ حكمه بفرض عقوبة قتل لذلك وهب الغادر عفوًا مشروطًا.

"فأرسل الملك سليمان فأنزلوه عن المذبح. فأتى وسجد للملك سليمان، فقال له سليمان: اذهب إلى بيتك" [53].

من وحي 1 ملوك 1

لأرث أبي داود مع سليمان،

ولتبطل خطة أدونيَّا المغتصب!

-   مالي أرى داود الشيخ في حضن أبيشج الجميلة.

هب لي الحكمة تحتضنِّي فتهبني دفئًا روحيًا.

تبقى يا رب حكمتك كفتاة لا تشيخ ترافقني حتى شيخوختي.

-  هوذا أدونيَّا يظن أنًَّه صاحب حق ليملك.

يقاومني بحكمته البشريَّة، وقوَّته العسكريَّة، وصداقاته.

يخدع الكثيرين ليغتصب منِّي حقِّي أن ارث داود أبي.

يحرمني من العرش، ويخطِّط لقتلي.

-  أنت تعمل في قلوب رجالك كما عملت في قلب ناثان.

أنت تعطيني نعمة، فتبدِّد خطَّة المقاومين لي.

تحطِّم المغتصب، وتحقِّق وعدك لي.

فأرث مع سليمان عرش أبي داود!

بك أصير ملكًا يا ملك الملوك.

بك أتمتَّع بالعرش، عرش الحب والبذل والخدمة!

-  ليفرح قلب داود في الفردوس،

وليردِّد ما قاله حين جلس سليمان على عرشه:

مبارك الرب إله إسرائيل،

الذي أعطاني اليوم من يجلس على كرسيَّ وعيناي تبصران.

لك المجد يا من أقمتني من المزبلة،

لأجلس مع أشراف أشراف شعبك.




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

وصيَّة داود الملك لابنه


كشفت اللحظات الأخيرة من حياة داود عمَّا يحمله في قلبه. فإنًَّه كان يهتم أن يتمِّم مشيئة الرب من جهة إقامة سليمان ملكًا، وأيضًا في تحقيق العدالة الإلهيَّة سواء بالنسبة لمن أساءوا إلى الناموس أو الذين قدَّموا عمل محبَّة.

من عادة الآباء أن يقدِّموا النصائح الوداعيَّة حينما يشعرون بقرب رحيلهم من العالم، يقدِّمونها مع البركة، خاصة للابن البكر. والسيِّد المسيح نفسه قبيل صلبه قدَّم لنا حديثه الوداعي الرائع، كما قدَّم صلاة وداعيَّة.

جاءت تدابير داود لابنه لتولِّى العرش في (1 أي 28-29)، تتلخَّص في الآتي:

1. عرَّف رجال القصر بابنه كملكٍ خلَفُه على العرش، مختار من قبل الله.

2. أوصاهم بالطاعة للوصايا الإلهيَّة.

3. حثَّ سليمان والشعب على بناء الهيكل مقدِّمًا له نموذجًا للمبنى مع المواد التي جمعها لتحقيق هذا الهدف.

4. حث العظماء على المساهمة في هذا العمل.

5. قدَّم تسبيحًا وشكرًا لله، كما أقام احتفالاً دينيًا.

6. مسحه في حضرة الرب أمام الشعب (1 أي 29: 22) للمرَّة الثانية، كما حدث مع شاول (1 صم 11)، وداود (2 صم 2: 4، 5: 3)، غايتها هو الاطمئنان ألاَّ يحدث تمرُّد على سليمان بعد موته.

تكشف وصيَّته الوداعيَّة عن شوق داود النبي أن يلتزم خلفاؤه أن يخافوا الرب ويكونوا مخلصين للعهد حتى يتحقَّق الوعد الإلهي بأن تستمر عائلة داود الملوكيَّة على العرش. هذا هو الضمان الوحيد لنجاحهم في كل عملٍ تمتدّ إليه أيديهم.

1. وصايا روحيَّة [1-4].

2. وصيَّة خاصة بيوآب [5-6].

3. وصيَّة تخص بني برزلاي [7].

4. وصيَّة تخص شمعي [8-9].

5. ثبوت مُلك سليمان [10-12].

6. أدونيَّا يحطِّم نفسه [13-25].

7. استبعاد أبياثار [26-27].

8. قتل يوآب [28-35].

9. معاقبة شمعي [36-46].

1. وصايا روحيَّة:

في وقارٍ شديد وجِديَّة قدَّم داود الملك وهو على فراش الموت وصيَّته لابنه سليمان. وقد جاءت وصيَّة داود الوداعيَّة نموذجًا حيًّا لما يليق بالآباء أن يقدِّموه لأبنائهم:

أ. نظرته نحو الموت كانطلاق للنفس في موكب جماعي وخروجها مع نفوس آبائه إلى مسكنها الأخير:

"ولما قربت أيَّام وفاة داود أوصى سليمان ابنه قائلاً:أنا ذاهب في طريق الأرض كلها، فتشدَّد وكن رجلاً" [1-2].

إنه لم يخشَ أن يسمع عن الموت أو يتحدَّث عنه، بل عبَّر عنه بأسلوب رائع. حسبه طريق الأرض كلها. البشريَّة التي خرجت من الأرض تلتزم بالعودة إليها. الموت هو انطلاق من وادي الدموع (مز 23: 4)، كما في موكب يضم الجميع حتى الأنبياء العظماء والمؤمنين الأبرار، والملوك، لكن بروح الرجاء حيث يعبرون إلى ما وراء الزمن.

-     الموت بالنسبة للذين يفهمونه خلود، أمَّا بالنسبة للبُلهاء الذين لا يفهمونه فهو موت. يجب علينا ألاَّ نخاف هذا الموت، بل نخاف هلاك النفس الذي هو عدم معرفة الله. هذا هو ما يرعب النفس بحق!

-    يستحيل علينا أن نهرب من الموت بأيَّة وسيلة.

إذ يعرف العقلاء هذا بحق يمارسون الفضائل ويفكِّرون في حب الله، ويواجهون الموت بلا تنهُّدات أو خوف أو دموع، مفكِّرين في أن الموت أمرٌ محتم من جهة، ومن جهة أخرى إنًَّه يحرِّرنا من الأمراض التي نخضع لها في هذه الحياة.

القدِّيس أنطونيوس الكبير

ب. حثّ الجيل الجديد على العمل بروح القوَّة والالتزام والشعور بالمسئوليَّة:

"تشدَّد وكن رجلاً" [2].

تحمل هذه الوصيَّة الأبويَّة انعكاسًا للوصيَّة الإلهيَّة لكل قائدٍ، بل ولكل مؤمنٍ، إذ يود الله أن يرى في كل أولاده قادة واثقين من الحضرة الإلهيَّة والتمتُّع بالوعود الإلهيَّة وبالقوَّة السماويَّة. فمهما بلغ عمرنا نشعر أنَّنا أطفال، لكن بالرب نصير ناضجين، نحمل روح القوَّة.

"تشدَّدوا وتشجَّعوا، لا تخافوا ولا ترهبوا وجوههم، لأن الرب إلهك سائر معك، لا يهملك ولا يتركك" (تث 31: 6).

"تشدَّد وتشجَّع، لأنَّك أنت تقسم لهذا الشعب الأرض التي حلفت لآبائهم أن أعطيهم" (يش 1: 6).

"إنَّما كن متشدِّدا وتشجَّع جدًا لكي تتحفَّظ للعمل حسب كل الشريعة التي أمرك بها موسى عبدي، لا تمل عنها يمينًا ولا شمالاً لكي تفلح حيثما تذهب" (يش 1: 7).

"أما أمرتك تشدَّد وتشجَّع؟! لا ترهب ولا ترتعب، لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب" (يش 1: 9).

"انتظر الرب ليتشدَّد وليتشجَّع قلبك وانتظر الرب" (مز 27: 14).

لتتشدَّد ولتتشجَّع قلوبكم يا جميع المنتظرين الرب" (مز 31: 24).

"اسهروا اثبتوا في الإيمان، كونوا رجالاً تقووا" (1 كو 16: 13).

-    تحمَّل برجولة النيران التي تُطهِّر شهواتك، وفي شجاعة تلك التي تُطهِّر قلبك. لا تظن أن ما لم تنله بعد لا تحصل عليه. ولا تخور يائسًا مادمت تتأمَّل الكلمات: "انتظر الرب".

القدِّيس أغسطينوس

ج. الالتزام بالإخلاص للعهد الإلهي والطاعة لوصاياه.

"احفظ شعائر الرب إلهك إذ تسير في طرقه وتحفظ فرائضه وصاياه وأحكامه وشهاداته كما هو مكتوب في شريعة موسى، لكي تفلح في كل ما تفعل وحيثما توجَّهت لكي يقيم الرب كلامه الذي تكلَّم به عنِّي قائلاً: إذا حفظ بنوك طريقهم وسلكوا أمامي بالأمانة من كل قلوبهم وكل أنفسهم قال لا يعدم لك رجل عن كرسي إسرائيل" [3-4].

ما هو السير في طريق الرب إلاَّ التمتُّع بالحضرة الإلهيَّة والاتِّكاء على الذراع الإلهي وحفظ الوصيَّة عِوض السير حسب الفكر البشري والاتِّكاء على القوَّة العسكريَّة والذهب والفضة والمظاهر الخارجيَّة.

إن أراد المؤمن أن يكون ملكًا حقيقيًا، صاحب سلطان على أفكاره ومشاعره وكلماته وتصرُّفاته، قادر أن يطأ كل قوَّات الظلمة يلتزم أن يحفظ فرائض الرب ووصاياه وأحكامه وشهاداته. فإنًَّه إذ يحفظها تحفظه هي، وتهبه من سماتها القداسة والحكمة مع القوَّة والفرح.

في تفسيرنا لسفر المزامير سبق أن عرضنا التمييز بين الفرائض والوصايا والأحكام والشهادات.

إذ يقدِّم الله لنا الفرائض المقدَّسة يودّ منَّا أن نسلك بروح التدبير والنظام لنحمل حياته المقدَّسة فينا، فلا يكون للتشويش موضع فينا. وبوصاياه يشتهي أن نحمل روح الطاعة، فنشارك مسيحنا المطيع للآب سماته الفائقة. وبحفظنا لأحكامه نُعلن ثقتنا في أبوَّته الحكيمة الحانية وقبولنا لإرادته الإلهيَّة حتى في لحظات تأديبنا المُرَّة. وبتمسُّكنا بشهاداته نشهد أمام أنفسنا كما أمام اخوتنا يقيننا بالحق الإلهي، وترقُّبنا لما وعدنا به في الحياة العتيدة.

هكذا يدعو داود النبي ابنه سليمان أن يلتزم كملكٍ بالآتي:

إن كان كملكٍ يطلب خضوع الكل للنظام الذي يضعه من أجل سلام البلد، يلتزم هو بالخضوع للتدبير الإلهي فلا يسلك حسب هواه الشخصي. فإن في داخله مملكة الله التي تشغل السماء كلَّها!

يلتزم الملك بالطاعة لله ولوصيَّته، فيطيعه شعبه ويقبل قوانينه.

يقبل أحكام الله العادلة، فيحمل روح العدالة في أحكامه الخاصة بالدولة.

يشهد لله الأمين في مواعيده، فيصير هو نفسه موضع ثقة شعبه.

هكذا يقدِّم لنا داود النبي مفهومًا حيًّا عمليًّا للنجاح، وهو أن ما نمارسه في علاقتنا بالله أبينا يرتدّ علينا حتى في علاقات اخوتنا بنا. وكما قيل: "كما فعلت يُفعل بك؛ عملك يرتدّ على رأسك" (عو 15). إن صرنا موضع سرور الله، ننال نعمة حتى أمام أعدائنا إن وُجدوا.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email

أما بخصوص الوعد الإلهي لداود أن لا يُعدم له رجل على كرسي إسرائيل، فقد قدَّمه له الرب في (2 صم 7: 11-16)، وثبَّته لابنه سليمان بعد ذلك (1 مل 9: 5). وكان هذا الوعد مشروطًا، وللأسف لم يوفِ أبناء داود بالشروط، فنُزعت المملكة منهم تدريجيًّا خلال السبيّ الآشوري ثم البابلي. أمَّا الوعد الإلهي بمجيء المسيّا من نسله فلم يكن مشروطًا وقد جاء ربنا يسوع المسيح ابن داود. بمجيئه تثبَّت الوعد الأوَّل بمفهوم روحي جديد تحدَّث عنه إرميا النبي (33: 14-18). فقد جاء المسيّا "الرب برِّنا"، ووهبنا ذاته برًّا أمام الآب، وصرنا ملوكًا روحيِّين، نجلس على كرسي بيت إسرائيل، نُحسب أبناء لداود الملك، أو بالأحرى لابن داود ملك الملوك.

لعلَّه يشير هنا إلى الشرائع الخاصة بالملك كما قدَّمها موسى النبي: "لا يكثر له الخيل ولا يرد الشعب إلى مصر لكي يكثر الخيل والرب قال لكم لا تعودوا ترجعون في هذه الطريق أيضًا، ولا يكثر له نساء لئلاَّ يزيغ قلبه، وفضَّة وذهبًا لا يكثر له كثيرًا. وعندما يجلس على كرسي مملكته يكتب لنفسه نسخة من هذه الشريعة في كتاب من عند الكهنة اللآويِّين. فتكون معه ويقرأ فيها كل أيَّام حياته، لكي يتعلَّم أن يتَّقي الرب إلهه ويحفظ جميع كلمات هذه الشريعة وهذه الفرائض ليعمل بها، لئلاَّ يرتفع قلبه على اخوته ولئلاَّ يحيد عن الوصيَّة يمينًا أو شمالاً، لكي يطيل الأيَّام على مملكته هو وبنوه في وسط إسرائيل" (تث 17: 16-20).

لم يُمنع الملك من أن يركب خيلاً، وإن كان ملك الملوك في تواضعه دخل أورشليم راكبًا على أتان وجحش ابن أتان. لقد مُنع من المبالغة في استخدام الخيول كنوعٍ من المجد الباطل، أو لأنَّه مع كثرة الخيل يعطي أناسًا غير مستحقِّين للكرامة أن يستغلُّوا موقعهم في القصر الملكي. قيل: "قد رأيت عبيدًا على الخيل، ورؤساء ماشين على الأرض كالعبيد" (جا 7: 10).

يري العلامة أوريجينوس أن الخيل تُشير إلي الشيَّاطين التي سقطت من السماء بسبب كبريائها، هؤلاء الذين تبعوا القائل:" أصعد فوق مرتفعات الرب وأصير مثل العليّ" (إش 14: 14).

-     كُتب في سفر المزامير: "باطل هو الفرس لأجل الخلاص" (مز 33: 17)؛ وجاء في موضع آخر في الكتاب المقدَّس: "الفرس والمركبة طرحهما في البحر" (خر 15: 1). كانت الوصيَّة الصادرة لملك إسرائيل ألاَّ يمتطي خيلاً (تث 17: 16)...

أظن أن الخيول هي البشر الخطاة، وراكبيها هم الشيَّاطين التي تمتطي الأشرار... الذي تحوَّل إلي مُضطهد هو فرس، والشيطان هو قائده الذي يرشقنا برمحٍ. الخيل يجري والشيطان يرشق بالرماح. الخيل مسُوق في حالة هياج بمن يثيره ويهيِّجه بجنون بغير إرادته[19].

القدِّيس جيروم

يمكننا أن نأخذ الفرس رمزًا لأيَّة ممتلكات في هذا العالم، أو لأي نوع من الكرامة نتَّكل عليها في كبرياء، حاسبين خطأ أنَّكم كلَّما ارتفعتم يزداد أماتكم وعلوكم. ألا تدركون بأي عنفٍ سوف تلقون؟! كلَّما ارتفعتم إلي أعلى يكون سقوطكم بأكثر ثقل... فكيف إذن يتحقَّق الأمان؟ فإنًَّه لا يتحقَّق بالقوَّة ولا بالسلطة ولا بالكرامة ولا بالمجد ولا بالفرس[20].

القدِّيس أغسطينوس

2. وصيَّة خاصة بيوآب:

"وأنت أيضًا تعلم ما فعل بي يوآب ابن صرويَّة. ما فعل لرئيسي جيوش إسرائيل إبنَيَر بن نير وعماسا بن يثر، إذ قتلهما وسفك دم الحرب في الصلح، وجعل دم الحرب في منطقته التي على حقويه وفي نعليه اللتين برجليه. فافعل حسب حكمتك، ولا تدع شيبته تنحدر بسلام إلى الهاوية" [5-6].

السلوك بروح العدالة

استحق يوآب الموت مرَّتين بقتله القائدين العظيمين إبنيَر (2 صم 3: 27) وعماسا (2 صم 20: 10) حسدًا، بغدرٍ وخداعٍ. هذا الأمر لم يحزن داود فحسب، وإنَّما تشكَّك البعض ظانِّين أن داود هو الذي قتل إبنير (2 صم 3: 28، 37). لقد سفك دمًا في وقت السلم، الأمر الذي ما كان يجب أن يحدث، فإنًَّهما لم يكونا عدوِّين له يحاربانه.

بقوله "جعل دم الحرب في منطقته التي على حقويه وفي نعليه اللتين برجليه" يكشف عن روح الغدر والخداع. ففي المعارك يتقابل المحاربون من أجل سلامة دولتهم، فيسيل دم كل قتيلٍ على جسده وثيابه، أمَّا يوآب فقد تظاهر باحتضان أبنير وعماسا، وإذ هما في حضنه قتلهما، فسال الدم على منطقته ونزل إلى نعليه. وكأن هذا الدم البريء قد التصق به.

لقد حسب داود قتل القائدين العظيمين خسارة كبيرة لحقت به هو شخصيًّا، وكأن ما فعله يوآب بهما إنَّما فعله بداود نفسه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فما يلحق بمحبوبيه كأنَّه يلحق به، وما أصاب شعبه بفقدانه القائدين كإنَّما أصابه هو‍. إنَّه كملك ومسئول عن أمَّة دخلت في عهد مع الله لا يليق به أن يترك جريمتين كهاتين دون معاقبة المجرم. لقد أجّل العقاب إلى الوقت المناسب، بعد الانتهاء من الحروب في أيَّامه لتتحقَّق العدالة في أيَّام ابنه سليمان. معاقبة قائد حرب مثل يوآب تطلَّبت الحكمة واختيار الوقت المناسب، حتى لا يحدث تذمُّر في الجيش الذي كان البعض، دون شك، معجبين بالقائد.

3. وصيَّة تخص بني برزلاي:

"وافعل معروفًا لبني برزلاي الجلعادي فيكونوا بين الآكلين على مائدتك، لأنَّهم هكذا تقدَّموا إليَّ عند هربي من وجه إبشالوم أخيك" [7].

في (2 صم 17: 27) ذُكر برزلاي الجلعادي وحده، هذا الذي أظهر لطفًا لداود عندما هرب من وجه ابنه إبشالوم وقدَّم له طعامًا. وإذ كان قد بلغ الثمانين من عمره، فبلاشك قام أولاده بمساعدته في تحقيق ذلك. غالبًا ما كان برزلاي قد مات، لذا لم يُشر داود الملك إليه بل إلى أبنائه. بنفس الروح صلى الرسول بولس إلى بيت أنسيفورس: "ليٌعط الرب رحمة لبيت أنسيفورس، لأنَّه مرارًا كثيرة أراحني ولم يخجل بسلسلتي..." (1 تي 1: 16-18).

4. وصيَّة تخص شمعي:

"وهوذا معك شمعي بن جيرا البنياميني من بحوريم، وهو لعنني لعنة شديدة يوم انطلقت إلى محنايم،وقد نزل للقائي إلى الأردن، فحلفت له بالرب قائلاً: إنِِّّي لا أميتك بالسيف. والآن فلا تبرِّره، لأنَّك أنت رجل حكيم، فاعلم ما تفعل به، وأحدر شيبته بالدم إلى الهاوية" [8-9].

أظهر شمعي البنياميني نوعًا من الكراهيَّة لداود (2 صم 16: 5-8)، إذ لعنه لعنة مرَّة. وعندما عاد داود إلى أورشليم سقط شمعي عند قدميه ووعده الملك بأنَّه لن يقتله، إذ لم يرد أن يمزج فرح الشعب بعودته إلى عرشه بممارسة أيَّة عقوبة (2 صم 19: 19-24). لقد غفر له فيما يخصُّه شخصيًّا كداود، أمَّا كونه قد أخطأ في حق مسيح الرب والملك ممثِّل الله، فليس من حق داود التهاون في هذا الحق. لقد جاءت وصيَّة داود الملك لابنه: "لا تبرِّره"، بمعنى ألاَّ تعاقبه عن رغبة شخصيَّة في الانتقام لي ولك، وإنَّما تحكم عليه كقاضٍ عادلٍ لا يبرِّر المذنب. لقد أكَّد داود اتِّساع قلبه بالحب لمقاوميه، فلم يمس شمعي بأذى كل أيَّام حياته، وأكَّد أيضًا خطورة التسيُّب في معاقبة المجرمين لذا طلب من ابنه ممارسة الحق الإلهي.

بقوله "لا تبرِّره" يعني لا تحسبه بارًا لأنِّي حلفت له إنِّي لا أقتله بالسيف، بكونك حكيمًا تصرَّف معه لأنَّه يمثِّل خطورة على المملكة، فهو رجل مخادع وليس بريئًا. إنًَّه قد يستغل حداثة سنَّك فيخطِّط ضدَّك.

5. ثبوت مُلك سليمان:

"واضطجع داود مع آبائه، ودُفن في مدينة داود" [10].

لم يكن يُسمح بإقامة مقابر داخل المدن؛ كانت أورشليم مستثناة من أجل العائلة الملكيَّة. دُفن داود في مدينة داود، أي على جبل صهيون، وكان قبره هناك ولا يزال قائمًا حتى أيَّام السيِّد المسيح (أع 2: 29).

يقول يوسيفوس المؤرِّخ بأن سليمان أودع كنوزًا كثيرة مع جثمان أبيه في القبر، وقد بقيت محفوظة 13 قرنًا حتى فتح رئيس الكهنة هيراقانوس Hyracanus المقبرة وأخرج 3000 وزنة قدَّمها لأنطيخوس لكي يرفع الحصار عن أورشليم. كما يقول إنًَّه فيما بعد اعتدى هيرودس الكبير على المقبرة واستولى على كنوزٍ كثيرةٍ.

تحدَّث القدِّيس جيروم عن مقبرة داود بكونها كانت لا تزال قائمة في أيَّامه.

"وكان الزمان الذي ملك فيه داود على إسرائيل أربعين سنة في حبرون، ملك سبع سنين، وفي أورشليم ملك ثلاثًا وثلاثين سنة". "وجلس سليمان على كرسي داود أبيه، وتثبَّت ملكه جدًا" [11-12].

كانت حياة داود النبي سلسلة لا تنقطع من الآلام، خاصة أثناء الأربعين عامًا من الحكم، فقد جاهد لتثبيت المملكة، لا لمجد ذاتي، وإنَّما لأجل الله. وقد امتزجت آلامه بروح البهجة والتسبيح غير المنقطع. الآن يتسلَّم ابنه سليمان الحكم، فيجد مملكة مستقرَّة إلى حدٍ كبيرٍ. إنًَّها ثمرة تعب والده، فما انتهى إليه والده من جهاد حسن تسلَّمه الابن الصغير ليتحقَّق الاستقرار في فترة وجيزة.

6. أدونيَّا يُحطِّم نفسه:

"ثم جاء أدونيَّا بن حجيث إلى بثْشَبع أم سليمان فقالت أللسلام جئت؟ فقال: للسلام" [13].

سؤال بثْشَبع لأدونيَّا إن كان قد جاء للسلام يكشف عن توقُّعها إنًَّه جاء إليها بنيَّة شريرة.

"ثم قال: لي معك كلمة.

فقالت: تكلَّم.

فقال: أنت تعلمين أن المُلك كان لي وقد جعل جميع إسرائيل وجوههم نحوي لأملك،

فدار المُلك وصار لأخي، لأنَّه من قبل الرب صار له".

في حديث أدونيَّا لبثْشَبع كشف إنًَّه من حقِّه أن يستلم المُلك بكونه أكبر أبناء داود الأحياء، وأن كل الشعب كان مترقِّبًا تحقيق ذلك، ورئيس الكهنة أيضًا كان يتَّجه إلى ذلك، لكن بقي الرب وحده الذي من حقِّه أن يُقيم من يشاء فاختار سليمان [15].

ما نطق به مع أم الملك كان بلا شكٍ امتدادًا لما كان يبثُّه في وسط القصر وبين العظماء، مُعلنًا حقُّه في استلام المملكة. ربَّما لم يكن يُشير إليهم بأن الرب اختار أخاه سليمان.

"والآن أسألك سؤالاً واحدًا، فلا تردِّيني فيه فقالت له: تكلَّم. فقال: قولي لسليمان الملك لأنَّه لا يردُّك أن يعطيني أبيشج الشونميَّة امرأة. قالت ْشَبع: حسنًا أنا اتكلَّم عنك إلى الملك. فدخلت بثْشَبع إلى الملك سليمان لتكلِّمه عن أدونيَّا، فقام الملك للقائها، وسجد لها، وجلس على كرسيه، ووضع كرسيًا لأم الملك، فجلست عن يمينه" [14-19].

اتَّسم سليمان بروح التواضع، فعند دخول والدته قام من على كرسيه وذهب إليها ولم ينتظر حتى تصل إليه، وانحنى أمامها، وسألها أن تجلس عن يمينه، علامة تكريمه لها. الجلوس عن يمين الملك كان علامة التكريم كما جاء في المزمور (110: 1)، وكما كانت العادة لدى ملوك العرب[21] واليونان والرومان[22].

بعمله هذا تمَّم الوصيَّة الخامسة التي تسلَّمها موسى النبي، والخاصة بإكرام الوالدين. وإذ كان والده قد توفَّى لذا كانت الوالدة تجلس عن يمين ابنها تكريمًا لها كأم له، وكمن تمثِّل الوالدين معًا. مع تكريمه العظيم لها أخذ موقفًا حازمًا من أخيه ومعاونيه الذين كانوا لا يزالون يخطِّطون لاستيلاء أدونيَّا الحكم.

"وقالت إنَّما أسألك سؤالاً واحدًا صغيرًا، لا تردُّني.

فقال لها الملك: اسألي يا أمي لأنِّي لا أردُّك.

فقالت: لتعطِ أبيشج الشونميَّة لأدونيَّا أخيك امرأة".

مع أن أبيشج كانت ممرِّضة لكنَّها في نظر الشعب كانت كإحدى السراري. وكان لدى الإسرائيليِّين كما لدى الفارسيِّين[23] أن من يقتني نساء الملك الميِّت يكون كمن تولَّى عرشه (2 صم 12: 8؛ 3: 7-8).

طلبت بثْشَبع ذلك ليس جهلاً منها أنَّ من يقتني نساء الملك يُحسب مستحقًا لنوال العرش، وإنَّما ربَّما لأن أدونيَّا استطاع بكلماته المعسولة أن يقنعها إنًَّه لا يعني هذا، أو ربَّما لأنَّها حسبت أبيشج مجرَّد ممرِّضة وليست واحدة من السراري. كانت شفتا أدونيَّا أنعم من الدُهن، أمَّا قلبه فكان يستعد لحرب داخليَّة مُرَّة. ولعلَّها حسبت أن استجابة هذه الطلبة لأدونيَّا تهدِّئ من نفسه نحو أخيه الأصغر الذي استلم الحكم، فيخضع له. حسبت ذلك ترويضًا له حتى لا يمارس العنف.

"فأجاب الملك سليمان وقال لأمِّه: ولماذا أنت تسألين أبيشج الشونميَّة لأدونيَّا، فاسألي له المُلك، لأنَّه أخي الأكبر منِّي، له ولأبياثار كاهن وليوآب ابن صرويَّة. وحلف سليمان الملك بالرب قائلاً: هكذا يفعل لي الله وهكذا يزيد إنًَّه قد تكلَّم أدونيَّا بهذا الكلام ضدّ نفسه. والآن حيٌّ هو الرب الذي ثبَّتني، وأجلسني على كرسي داود أبي، والذي صنع لي بيتًا كما تكلَّم، إنًَّه اليوم يُقتل أدونيَّا. فأرسل الملك سليمان بيد بناياهو بن يهوياداع فبطش به فمات" [13-25].

أشار سليمان إلى أبياثار الكاهن ويوآب مع أدونيَّا لأنَّهما كانا المحرِّضين له لاستلام العرش لكي يحكما من خلاله.

لست أظن أن سليمان يُحسب كاسرًا للوعد الذي قدَّمه لأمِّه إنًَّه يهبها طلبتها. فاهتمام سليمان بسلام المملكة والحفاظ عليها أهم من إيفاء الوعد الخاطئ الذي قدَّمه لأمِّه. يرى البعض لو أن هيرودس لم يقتل القدِّيس يوحنا المعمدان ليقدِّم رأسه لهيروديّا لما حُسب كاسرًا للعهد. فإن التراجع مع الحق أفضل من تحقيق وعد فيه دمار له أو لغيره.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 2 جـ3 PDF Print Email

7. استبعاد أبياثار:

يبدو أن سليمان قد عَرف بأن أبياثار الكاهن ويوآب وراء طلب أبيشج زوجة لأدونيَّا، وأنَّهما لا يزالان يخطِّطان لحركة تمرُّد جديدة يقوم بها أدونيَّا [22]. هذا العمل فيه تمرُّد، خاصة وأن الاثنين في مركزين خطيرين ويمثِّلان نموذجين للقادة كما للشعب. إنًَّهما يمارسان خيانة خطيرة متخفِّية!

"وقال الملك لأبياثار الكاهن: اذهب إلى عناثوث إلى حقولك، لأنَّك مستوجب الموت ولست أقتلك في هذا اليوم، لأنَّك حملت تابوت سيِّدي الرب أمام داود أبي، لأنَّك تذلَّلت بكل ما تذلَّل به أبي. وطرَد سليمان أبياثار عن أن يكون كاهنًا للرب، لإتمام كلام الرب الذي تكلَّم به على بيت عالي في شيلوه" [26-27].

موقف سليمان الحكيم من أبياثار يكشف عن تحرُّره من كل رغبة للانتقام الشخصي ومن استخدام العنف. اشتراكه في مؤامرة أدونيَّا لاغتصاب العرش يستوجب الموت. لكنَّه اكتفى باستبعاده إلى عناثوث، حيث توجد حقوله. هكذا أعاده في خزي إلى قريته. لم يحكم عليه بالموت من أجل كرامته كرئيس كهنة، ولأنَّه حمل تابوت العهد، واشترك مع والده في آلامه أثناء اضطهاد شاول لداود أبيه (1 صم 22: 20؛ 23: 8)، وثورة إبشالوم (2 صم 15: 24 الخ).

ما فعله كان تحقيقًا لقول الرب عن بيت عالي الكاهن (1 صم 2: 30-33). بهذا انتقلت رئاسة الكهنوت من بيت عالي إلى صادوق. كان صادوق من عائلة اليعازار، بهذا التغيير عاد الكهنوت إلى قناته الأولى.

8. قتل يوآب:

"فأتى الخبر إلى يوآب، لأن يوآب مال وراء أدونيَّا ولم يمل وراء إبشالوم، فهرب يوآب إلى خيمة الرب، وتمسَّك بقرون المذبح. فأُخبر الملك سليمان بأن يوآب قد هرب إلى خيمة الرب،وها هو بجانب المذبح. فأرسل سليمان بناياهو بن يهوياداع قائلاً: اذهب ابطش به. فدخل بناياهو إلى خيمة الرب، وقال له: هكذا يقول الملك: اُخرج. فقال: كلا، ولكنَّني هنا أموت. فردّ بناياهو الجواب على الملك قائلاً: هكذا تكلَّم يوآب وهكذا جاوبني. فقال له الملك: افعل كما تكلَّم وابطش به وادفنه، وأزل عنِّي وعن بيت أبي الدم الذكي الذي سفكه يوآب. فيردّ الرب دمه على رأسه، لأنَّه بطش برجلين بريئين وخير منه وقتلهما بالسيف، وأبي داود لا يعلم. وهما أبنير بن نير رئيس جيش إسرائيل، وعماسا بن يثر رئيس جيش يهوذا. فيرتد دمهما على رأس يوآب، ورأس نسله إلى الأبد، ويكون لداود ونسله وبيته وكرسيه سلام إلى لأبد من عند الرب. فصعد بناياهو بن يهويادع وبطش به وقتله، فدُفن في بيته في البريَّة. وجعل الملك بناياهو بن يهوياداع مكانه على الجيش، وجعل الملك صادوق الكاهن مكان أبياثار" [28-35].

هرب يوآب إلى خيمة الرب لا إلى خيمة الشهادة، إنَّما الخيمة المقدَّسة في صهيُّون لكي يحتمي بالمذبح. لماذا هرب إلى المذبح؟

-     ربَّما لأنَّه قد علم بأن سليمان قد عرف إنًَّه هو وأبياثار وراء فكرة طلب أبيشج زوجة لأدونيَّا.

-     لعلَّه سمع من رجال الدولة المحيطين بالملك بوصيَّة داود الملك لابنه سليمان، فأدرك أن الوقت قد حان لكي يصدر الحكم.

-     أدرك خطورة الموقف بعد قتل أدونيَّا وطرد أبياثار الكاهن إلى قريته.

-     ربَّما أراد أن يضع سليمان في موقف حرج، فإنًَّه إذ يصرّ على قتله يحسبه البعض إنًَّه قد دنَّس الهيكل بالدم.

-     لعلَّه شعر بالذنب وأدرك أنًَّه يستحق القتل، فلجأ إلى المذبح لكي يموت في بيت الرب، كمن يستظل تحت جناحيّ الله لكي يجد رحمة.

لم يذكر الكتاب أن يوآب أشار على أدونيَّا أن يأخذ أبيشج زوجة، لكن سليمان أصدر حكمه من أجل جريمتي الغدر والقتل للقائدين أبنير وعماسا.

ظنَّ يوآب أن جريمتيه قد نُسيتا مع الزمن وأن ثورة سليمان ضدُّه هي من أجل طلب أدونيَّا أبيشج زوجة له، لذلك التجأ إلى المذبح، واثقًا أنًَّه يدافع عن نفسه بأنَّه لم يُحرِّض أدونيَّا على ذلك. حسب ما ورد في (خر 21: 13-14) لا يحمي المذبح قاتلاً متعمِّدًا وبغدرٍ.

لقد نزع سليمان عن أبيه وبيته سفك الدم البريء، حتى ينزع عن الأرض الدنس كما قيل: "لا تدنِّسوا الأرض التي أنتم فيها، لأن الدم يُدنِّس الأرض؛ وعن الأرض لا يُكفِّر لأجل الدم الذي سُفك فيها إلاَّ بدم سافكه" (عد 35: 33)، "وإذا بغى إنسان على صاحبه ليقتله بغدرٍ فمن عند مذبحي تأخذه للموت" (خر 21: 14).

لم يرد بناياهو أن يتحمَّل مسئوليَّة قتل إنسان في موضع مقدَّس، فلجأ إلى الملك الذي أشار بتطبيق الشريعة: "لا تشفق عينك عليه، فتنزع دم البريء من إثمه فيكون لك خير" (تث 19: 13). ما كان يمكن لبيت داود أن يثبت ما لم يمارس نسله البرّ والعدل كأمر الرب.

لقد أمر سليمان بقتل يوآب ودفنه، فلا يترك جثمانه في عارٍ وخزيٍ، لأنَّه حارب مع والده. دُفن يوآب في بيته شرق بيت لحم في بريَّة اليهوديَّة. كان دفن الإنسان في أرضه أو بيته يحمل نوعًا من التكريم كما حدث مع صموئيل النبي (1 صم 25: 1) وغيره.

هكذا لم ينتقم سليمان لنفسه بل أمر بالقتل طاعة للوصيَّة ولأبيه. وتحقَّق بذلك القول: "أزل الشرِّير من قدام الملك فيثبت كرسيه بالعدل" (أم 25: 5).

9. معاقبة شمعي:

"ثم أرسل الملك ودعا شمعي، وقال له: ابنِ لنفسك بيتًا في أورشليم، وأقم هناك، ولا تخرج من هناك إلى هنا أو هنالك. فيوم تخرج وتعبر وادي قدرون أعلمن بأنَّك موتًا تموت، ويكون دمك على رأسك. فقال شمعي للملك: حسن الأمر كما تكلَّم سيِّدي الملك، كذلك يصنع عبدك فأقام شمعي في أورشليم أيَّاما كثيرة" [36-38].

استدعى شمعي ربَّما من بحوريم Bahurim حيث كان منزله (2 صم 16: 5) وأُمر أن يبني لنفسه بيتًا في أورشليم يسكن فيه، ولا يُفارق المدينة تحت أي ظرف وإلاَّ تعرَّض للموت، وأقسم بالرب أنًَّه يطيع. عندما استدعى الملك سليمان شمعي من مدينته وقد عرف ما حلّ بأدونيَّا ويوآب وأبياثار ربَّما ظنَّ أنًَّه قد دُعي لكي يُقتل، خاصة إن كان قد سمع ما أوصى به داود ابنه سليمان. لكن سليمان عرف كيف يميِّز بين الجرائم، فما حكم به على يوآب القاتل غير ما حكم به على شمعي.

استدعاه وحكم عليه بتحديد إقامته لا في منزل بل في المدينة كلَّها، ليست أيَّة مدينة، بل أورشليم التي امتازت بجمال موقعها، مصدر فرح العالم كلُّه في ذلك الحين، المدينة الملوكيَّة، المدينة المقدَّسة. كأنَّه قد سمح له بتحديد إقامته في فردوس أرضي! لقد أراد أن يستبعده عن سبطه حتى لا يخطِّط شيئًا ضدّ المَلك. حقًا لقد أعطاه شيئًا من الحريَّة مع وضعه تحت عينيه، إذ يعلم مدى خطورته. لقد كان الحكم عادلاً يحمل اختبارًا لمدى طاعة شمعي له وأمانته في وعوده.

"وفي نهاية ثلاث سنين هرب عبدان لشمعي إلى أخيش بن معكة ملك جتّ، فأخبروا شمعي قائلين: هوذا عبداك في جتّ. فقام شمعي وشدّ على حماره، وذهب إلى جتّ إلى أخيش، ليفتِّش على عبديه، فانطلق شمعي وأتى بعبديه من جتّ. فأُخبر سليمان بأن شمعي قد انطلق من أورشليم إلى جتّ ورجع. فأرسل الملك ودعا شمعي وقال له: أمَا استحلَفتك بالرب وأشهدْت عليك قائلاً أنَّك يوم تخرج وتذهب إلى هنا وهنالك اِعلمن بأنَّك موتًا تموت؟ فقلت لي حسن الأمر قد سمعت. فلماذا لم تحفظ يمين الرب والوصيَّة التي أوصيتك بها؟ ثم قال الملك لشمعي: أنت عرفت كل الشرّ الذي عمله قلبك الذي فعلته لداود أبي فليرد الرب شرَّك على رأسك. والملك سليمان يبارك وكرسي داود يكون ثابتًا أمام الرب إلى الأبد. وأمر الملك بناياهو بن يهوياداع، فخرج وبطش به، فمات وتثبَّت الملك بيد سليمان" [36-46].

عندما غادر المدينة ليُحضر عبديه الهاربين إلى جتّ حُسب شمعي كاسرًا للقسم بالرب، وأصدر سليمان حكمه بموته.

انتقد بعض الدارسين موقف سليمان، وحسبوه عنيفًا. لكن البعض يرى أن شمعي قد أخطأ، فإنًَّه وإن كان من حقُّه أن يستردّ عبديه، إلاَّ أنًَّه ما دام أقسم بالرب أن يُطيع كان يجب أن يُبلِّغ الملك بهروب عبديْه ويطلب ردّ العبدين إليه منتظرًا قرار الملك، وليس من حقِّه كسر القسم بالرب مهما تكن الظروف.

تحقَّق استقرار مملكة سليمان بالكامل بعد ثلاث سنوات [39].

بقوله "شدَّ على حماره" [40] يكشف إنًَّه خرج ليلاً دون أن يخبر أحدًا حتى من أهل بيته، إذ لم يُعد أحد عبيده الحمار. غالبًا ما خرج ليلاً وسط الظلام حتى لا يكتشف أحد أمره.

فتّش شمعي عن عبديْه وردَّهما إلى بيته، لكنَّه فقد حياته وكل ما يملك، لأنَّه خان العهد. هذا ما يفعله الكثيرون حين يكسرون الوصيَّة الإلهيَّة من أجل خيرات زمنيَّة هي عبيد لخدمتنا، فنفقد حياتنا الأبديَّة وتهلك نفوسنا!

كانت حيثيَّات الحكم الذي نطق به الملك سليمان هي أن شمعي يعرف الشرّ الكامن في قلبه منذ أيَّام والده داود حين سبّ مسيح الرب وقذفه بالحجارة. هو لعن مسيح الرب، فارتدَّت اللعنة عليه، أمَّا داود ونسله فينالون البركة، ويثبت كرسي داود أمام الرب لا الناس.

من وحي 1 ملوك 2

لتثبت مملكتك في أعماقي!

-     داود قدَّم وصيَّته الوداعيَّة لابنه سليمان.

وها أنت يا ابن داود تهبني وصيَّتك الوداعيَّة،

لا لتحبس حرِّيتي، بل لتثبت مملكتك في أعماقي،

وتقيم منِّي ملكًا اتَّحد بك يا ملك الملوك!

-     إذ كان داود سالكًا في طريق الأرض كلَّها،

سند ابنه قائلاً: تشدَّد وكن رجلاً!

أراك يا ابن داود سالكًا في طريق فريد،

من أجلي تجتاز المعصرة وحدك،

تصرخ: تشدَّد وكن لي ابنًا ورفيقًا!

من يهبني القوَّة والنضوج إلاَّ روحك القدُّوس؟!

هب لي روحك الذي يُقيم من الموت،

يبعث فيّ روح القوَّة والنصرة والحياة!

-     بك أتشدَّد واحفظ وصيَّتك.

بك تتحطَّم كل قوى الشرّ!

ليدوي صوت وصيَّة أبي داود في أذنيّ:

تشدَّد وكن رجلاً.

احفظ شعائر الرب لكي تفلح في كل ما تفعل.

-     روحك يقودني في طريق الوصيَّة،

فأحفظ فرائضك لكي أحيا بطقس السماء.

وأنحني أمام أحكامك فأُدرك أسرار خطّتك.

وأفرح بشهاداتك، شاهدًا بعملك الفائق معي.

-     ليُقتل يوآب سافك الدماء؛

فلا يحل الدنس بأرض قلبي.

لتَقتل كل عنفٍ قائمٍ في أعماقي.

فلا أحمل سمات إبليس الغادر،

بل سماتك يا أيُّها الحب الحقيقي!

ليقتل كل فكر غدر فيّ، كما قتل سليمان يوآب.

فإنَّه قائد غادر سافك دماء بريئة.

ليته لا يجد الغدر له موضعًا في أعماقي،

ولا يحتل عجلة قيادة إرادتي!

-     لأردّ لبني برزلاي معروفهم معي.

فلا أكون مدينًا لأحد بشيء،

إلاَّ بالحب واللطف المستمر!

علّمني ألاَّ استغل محبَّة اخوتي،

ولا أطلب خدماتهم في أنانيَّة.

بل اشتهي العطاء أكثر من الأخذ.

-     لتهلك شمعي لاعِن مسيح الرب.

فلا أجري معه وراء العبيد فأفقد عهدي معك.

لا أجري وراء العالم الذي خلقته لخدمتي،

وأخسر نفسي التي خلقتها تُشارك مجدك أبديًّا!

بروحك تحجم طاقات شمعي مثير الفتنة ومهدِّد السلام.

من يقدر أن يحبس طاقات الفساد ويهلكها سواك؟

-     ليُطرد أبياثار الكاهن الشكلي في عبادته،

وليَقُم صادوق الكاهن الروحي!

لتَنزع عنِّي كل شكليَّة فأحيا بالروح!

لأطرد كل فكر غريب، حتى إن بدا مقدَّسًا.

لأطرده مع أبياثار الكاهن من أورشليم إلى عناثوت.

فلا يحتل الفكر مكانًا في مذبحك داخلي.

-     هوذا أدونيَّا يتحرَّك ليغتصب مملكتي!

يطلب أبيشج زوجة ليسحب منِّي عرشي!

هب لي بروح الحكمة أن احتفظ بالحكمة عروسًا لي!

هب لي بروح الحزم أن أُحطِّم إبليس المخادع!

ليتحطَّم إبليس وليقم عرشك فيَّ!

-     هب لي ألاَّ أنخدع بحيل أدونيَّا مغتصب الحكم.

فإن عدوّ الخير ينطق بكلمات معسولة، لكنَّها قاتلة.

هب لي حكمة فلا يسحب العدوّ عرشك من قلبي.

لا يحرمني من مملكتي، ويهلك نفسي!

-     بروحك يا رب أتشدَّد ولا أخف.

هو حافظي من أدونيَّا وأبياثار ويوآب وشمعي.

حافظي من الأفكار التي تودّ أن تخدعني بصورتها المعسولة.

لتنزع عنِّي كل خداع ومكرٍ!

أنت محطِّم كل قوى الشرّ.

أنت واهب السلام لمملكتك في داخلي.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

اختيار سليمان للحكمة  

حدَّثنا الأصحاح السابق عن استقرار الحكم بين يديّ سليمان. والآن يبدأ تاريخه كملك بزواجه من أميرة مصريَّة، مع تقديم ملاحظة عن حال المملكة في بداية حكمه [1-3]. يلي هذا تقديم ذبائح ممتزجة بالصلاة في جبعون كنوعٍ من تقديس الحكم، وطلب عون الرب وبركته [4]. ظهر الرب له وسأله عمَّا يطلبه [5-8]، فاختار سليمان الحكمة ولم يسأل مجدًا أو غنى [9-10]. أعطاه الله ما سأله وما لم يسأله [11-15]. ولكي يقدِّم دليلاً عمليًا على روح الحكمة أصدر حكمًا عادلاً أمام كل الشعب [16-28].

في جبعون حيث كانت خيمة العهد والمذبح النحاسي في ذلك الحين (1 أي 21: 29)، وهي تبعد حوالي عشرة أميال شمال غرب أورشليم، ومع كون التابوت في أورشليم [15]، اختار سليمان الحكمة لكي يحكم شعب. ُسر الله بذلك وكافأه بسخاء.

1. زواجه من أميرة مصريَّة [1-3].

2. ظهور الرب لسليمان [4-7].

3. اختيار سليمان للحكمة [8-15].

4. حكمة سليمان [16-28].

1. زواجه من أميرة مصريَّة:

إذ استقرَّ الحكم في يديه لم يضيِّع سليمان وقته في إقامة تحالف مع مصر، أخطر قوَّة عسكريَّة في ذلك الحين، لكنَّه استطاع أن يحقِّق ذلك بزواجه بابنة فرعون التي يبدو أنًَّها قبلت عبادة الله الحيّ. وقد رحَّبت مصر بذلك، حيث شعرت بتزايد قوى إسرائيل، فكان من الجانب السياسي هذا الزواج يعطي استقرارًا للمملكتين.

يرى البعض أن سليمان قد أخطأ، وأنَّه لم يسمع للوصايا التالية: "احترز من أن تأخذ من بناتهم لبنيك، فتزني بناتهم وراء آلهتهنَّ، ويجعلن بنيك يزنون وراء آلهتهنَّ" (خر 34: 16). "ولا تصاهرهم. بنِْتك لا تُعطِ لابنه، وبنته لا تأخذ لابنك، لأنَّه يرد ابنك من ورائي، فيعبد آلهة أخرى، فيحمى غضب الرب عليكم ويهلككم سريعًا" (تث 7: 3-4). وعندما قام نحميا بإصلاح الشعب خاصم المتزوِّجين بالأشدوديَّات والعمونيَّات والموآبيَّات (نح 13: 23): هؤلاء الذين بسببهن فقدوا قدرتهم حتى على التكلُّم باللغة اليهوديَّة كما يجب. وقال لهم: "أليس من أجل هؤلاء أخطأ سليمان ملك إسرائيل، ولم يكن في أمم كثيرة ملك مثله، وكان محبوبًا إلى إلهه، فجعله الله ملكًا على كل إسرائيل؟ هو أيضًا جعَلته النساء الأجنبيَّات يخطئ، فهل نسكت لكم أن تعملوا كل هذا الشرّ العظيم بالخيانة ضدّ إلهنا بمساكنة نساء أجنبيَّات؟" (نح 13: 26-27).

غير أنًَّه لم يكن الزواج بمصريَّة أمرًا يُخالف الشريعة التي تمنع الزواج من الكنعانيَّات (خر 34: 16؛ تث 7: 3)، بينما يسمح بزواج الأسيرة في الحرب (تث 21: 10 الخ). لكن لكي يتحقَّق الزواج بروح الشريعة تلتزم العروس بجحد الأوثان والدخول في الإيمان بيهوه. واضح أن ابنة فرعون فعلت هكذا، إذ نجد سليمان في السنوات الأولى من حكمه يجحد الأوثان، كما لم نسمع عن دخول أيَّة عبادة مصريَّة وثنيَّة في أيَّام سليمان. وقد مُيّزت هذه الزوجة عن بقيَّة الزوجات الأجنبيَّات اللواتي جذبن سليمان إلى آلهتهن (11: 1).

لقد تمَّم زواجه السياسي ليتفرَّغ لبناء هيكل الرب وقصره وأسوار أورشليم وكل منشآته.

"وصاهر سليمان فرعون ملك مصر، وأخذ بنت فرعون، وأتى بها إلى مدينة داود إلى أن أكمل بناء بيته وبيت الرب وسور أورشليم واليها" [1].

أخطأ المؤرِّخ يوسيفوس اليهودي حيث كتب بأن ملك مصر هذا هو آخر ملك حمل لقب "فرعون"[24].

جاءت ابنة فرعون إلى مدينة داود، أورشليم، قبل الانتهاء من بناء الهيكل الذي كان في السنة الحادية عشرة من مُلكه (1 مل 6: 1، 37-38). مدينة داود قائمة على الجبل الشرقي أو صهيُّون الحقيقيَّة حيث أُقيم الهيكل عليه فيما بعد. وقد أقام لها بيتًا، إذ قيل: "وأمَّا بنت فرعون فأصعدها سليمان من مدينة داود إلى البيت الذي بناه لها، لأنَّه قال لا تسكن امرأة لي في بيت داود ملك إسرائيل، لأن الأماكن التي دخل إليها تابوت الرب إنَّما هي مقدَّسة" (2 أي 8: 11).

"إلاَّ أن الشعب كانوا يذبحون في المرتفعات، لأنَّه لم يُبنً بيت لاسم الرب إلى تلك الأيَّام" [2].

المرتفعات: كانت الوصيَّة الإلهيَّة التي قدَّمها الرب بواسطة موسى النبي قبل دخولهم أرض الموعد هي: "تُخرِّبون جميع الأماكن حيث عبدت الأمم التي ترثونها آلهتها على الجبال الشامخة وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء... لا تفعلوا هكذا للرب إلهكم. بل المكان الذي يختاره الرب إلهكم من جميع أسباطكم ليضع اسمه فيه سكناه تطلبون، وإلى هناك تأتون، وتقدِّمون إلى هناك محرقاتكم وذبائحكم وعشوركم ورفائع أيديكم ونذوركم ونوافلكم وأبكار بقركم وغنمكم" (تث 12: 2-7). جاءت الوصيَّة تؤكِّد ألاَّ يقدِّموا ذبائح إلاَّ عند باب الخيمة (لا 17: 3-5). فهل كان ذلك خطيَّة على الشعب أنًَّه ذبح في المرتفعات؟

يرى البعض أن هذه الوصايا كانت إعدادًا لهم لكي يمارسوا العبادة المركَّزة في مكان معيَّن (هيكل سليمان) بعد بنائه، وأنَّه لا تحسب خطيَّة ممارسة العبادة الجماعيَّة وتقديم الذبائح في أي موضع قبل بناء الهيكل. الدليل على هذا عبادة يهوه في المرتفعات بعد أيَّام القضاة (قض 6: 25؛ 13: 16؛ 1 صم 7: 10؛ 13: 9؛ 14: 35؛ 16: 5؛ 1 أي 21: 26) دون الشعور بأيَّة خطأ من جانب من قدَّم الذبائح.

-     لقد قدَّم الآباء البطاركة والأنبياء والقضاة والملوك ذبائح على المرتفعات إلى أيَّام سليمان إذ لم يكن بعد قد بُنيَ الهيكل.

-     يرى البعض أن تعبير "المرتفعات" لا يعني جبلاً أو تلاًّ عاليًا، وإنَّما يُلقَّب به كل موضع تُقدَّم فيه الذبائح سواء كان جبلاً أو سهلاً.

-     ذبح سليمان ألف محرقة على المذبح في المرتفعة العظمى [4]، وقد ظهر له الرب يسأله أن يطلب شيئًا دون أن يُعلن غضبه على هذا التصرُّف.

-    أنشأ إبراهيم أب الآباء مذابح على الجبال (تك 12: 8؛ 22: 2).

-     ما كان يشغل ذهن داود الملك هو ممارسة العبادة أمام تابوت العهد الذي لم يكن بعد قد استقرَّ في موضع معيَّن، دون الارتباط بجبل أو مكان مرتفع.

"وأحبَّ سليمان الرب سائرًا في فرائض داود أبيه، إلاَّ أنَّه كان يذبح ويوقد في المرتفعات" [3].

دُعي سليمان "يديديا" (2 صم 12: 24)، أي محبوب الرب، الآن نراه يرد الحب بالحب. كما أنًَّه محبوب الرب فالرب محبوب جدًا لديه. وقد ترجم هذا الحب بسيْره في فرائض الرب كما سلك أبوه فيها وأوصاه بحفظها (1 مل 2: 2-3؛ 1 أي 28: 9-10).

مع محبَّة سليمان الملك لله لكنَّه أخطأ بتقديمه ذبائح وإيقاد بخور في المرتفعات. لقد ارتبطت العبادة الوثنيَّة بالمرتفعات لذلك مَنعت الشريعة ذلك (لا 17: 3-4؛ تث 12: 13-14؛ إر 7: 31؛ حز 6: 3-4؛ هو 10: 8).

طلب سليمان من الرب أن يهبه قلبًا مطيعًا وحكمة ليقود شعب الله، معترفًا بأنَّه شاب قليل الخبرة بينما كانت مسئوليَّات الحكم عظيمة وخطيرة، لكي يقدر أن يُميِّز بين ما هو صالح وما هو شرِّير.

-     إن كان داود صديق الله، وسليمان الذي أحب الله [3] قد غُلبوا كسائر البشر، فإن سقوطهم يعني تحذيرنا، وتوبتهم تقودنا إلى الخلاص، فمن في هذه الحياة المخادعة يقدر أن يؤكِّد عدم سقوطه؟![25]

القدِّيس جيروم

2. ظهور الرب لسليمان:

"وذهب الملك إلى جبعون ليذبح هناك، لأنَّها هي المرتفعة العظمى،وأصعد سليمان ألف محرقة على ذلك المذبح" [4].

إذ قدَّم الله الكثير لسليمان ردَّ له من الكثير القليل، وهو ألف محرقة.

ربَّما يتساءل: أليس في هذا تبديد للموارد الحيوانيَّة؟

أمَا كان يمكن تقديم هذه الذبائح للفقراء؟

هذا هو المنطق البشري المادي، الذي يرى في الصلاة ضياعًا للوقت، وفي العبادة تبديدًا للموارد. إنًَّهم لا يدركون قيمة الحب المشترك المتبادل بين الله والإنسان. هذا الحب لا يمكن تقديره بثمنٍ ما!

تقديم ألف محرقة على مذبح واحدٍ في يومٍ واحدٍ يحمل معانٍ كثيرة:

-     رقم 1000 يُشير إلى الروحيَّات والسماويَّات، فالألف محرقة تُشير إلى تقديم ذبيحة القلب الروحاني السالك في السماويَّات.

-     حرق كل هذا العدد في يومٍ واحدٍ يُشير إلى عمل الله النار الآكلة. إنًَّه يحل علينا كمذبحٍ خاصٍ به ليلتهم بناره تقدمات الحب المرضيَّة والمقبولة لديه.

-     إن كانت ذبيحة المحرقة تُشير إلى اِلتهاب القلب كلُّه بنار المحبَّة، فإن كثرة هذه الذبائح يُشير إلى عطش الله إلى محبَّتنا المستمرَّة.

قدَّم سليمان الحيوانات، وقام الكهنة بذبحها وتقديمها على المذبح (1 مل 8: 5).

يرى البعض أن تقديم ألف محرقة على مذبحٍ واحدٍ وهو مذبح موسى النبي، وكان لابد من ترك الذبيحة تُحرق بالكامل، هذا يتطلَّب عدَّة أيَّام. قدَّم الملك الحيوانات واستمرَّ الذبح أكثر من يوم والنار حسب الشريعة لا تنطفئ قط، بل تبقى مستمرَّة نهارًا وليلاً.

جبعون:

مدينة قائمة على تل، نالت شهرتها من إقامة خيمة الاجتماع القديمة ووضع المذبح النحاسي الذي صنعه موسى النبي في البريَّة فيها (1 أي 16: 39؛ 21: 29؛ 2 أي 1: 3-6)، حيث نُقل من نوب ووضع في المرتفعات، هناك دعيت "نوب"، وأُقيم على المرتفعات المدعوَّة مصفاة النبي صموئيل. يبلغ ارتفاع هذا التل حوالي 500 إلى 600 قدمًا، وهو أعلى نقطة في المنطقة المحيطة به، يبعد حوالي ميل واحد من جبعون.

"في جبعون تراءى الرب لسليمان في حلم ليلاً. وقال الله: اسأل ماذا أعطيك" [5].

كنا نتوقَّع من استلام شاب صغير كسليمان للمملكة أن يجمع بعض رجال الدولة المحيطين به ويبدأ بالعمل التنظيمي لتدبير كل الأمور. لكن سليمان جعل الله  أولاً قبل أن يفكِّر في شئون دولته ويمد يده للعمل. انطلق إلى حيث مذبح الرب ليقضي نهاره وليله هناك، يتعبَّد لله ويقدِّم ذبائح ويسأله بكل غيرة وحماس الحكمة الإلهيَّة، لهذا تأهَّل سليمان لرؤية الرب في حلمٍ.

في جبعون حيث المرتفع العالي، وحيث توجد خيمة الاجتماع والمذبح النحاسي (2 أي 1: 3). هناك حيث قدَّم سليمان محرقات كثيرة، ظهر له الرب. يشتاق الله أن يتراءى لكل شخصٍ، فمن جانبه هو مستعد لإعلان حضرته لمؤمنيه. بقي علينا من جانبنا أن نُعطي لله الأولويَّة في حياتنا، فلا نرتبك بشئوننا اليوميَّة، إنَّما نصعد أولاً كما إلى جبعون لنقضي نهارنا وليلنا معه! نجده نازلاً إلينا ليتجلَّى في قلوبنا، ويتحدَّث معنا، معلنًا سخاءه العجيب وشوقه أن يهبنا ذاته.

لنصعد بروح الله القدُّوس إلى جبعون الروحيَّة، فترتفع قلوبنا إلى السماء، ولا يستطيع وحل هذا العالم أن يطمس عيوننا فلا تعاين ذاك الذي يتنازل ليتجلَّى أمامها.

في جبعون حيث المرتفعات العالية نقدِّم محرقات ثمينة في عينيّ الله. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فكما قدَّم مسيحنا ذبيحة حب من أجلنا ليصالحنا مع أبيه السماوي، ننعم بكرامة تقديم حياتنا ذبيحة عقليَّة مرضيَّة أمامه (رو 12: 1). نشتهي أن يلتهب كياننا كلُّه بالنار الإلهيَّة كما على مذبح سماوي، فنصير محرقة حب مفرحة للسماويِّين!

إذ ننشغل طول النهار بحب الله الفائق، أينما وجدنا، حيث يكون قلبنا مرتفعًا في جبعون يتراءى الله لنا ليلاً. في وسط هدوء الليل وسكونه يتطلَّع الله إلى القلب المؤمن ويقدِّسه ببرِّه الإلهي. فيقول المؤمن مع داود النبي: "عيناك تنظران المستقيمات. جرَّبت قلبي، تعهَّدته ليلاً، محَّصْتني. لا تجد فيَّ ذمومًا. لا يتعدَّى فمي" (مز 17: 2-3).

 في هدوء الليل تصمت حواس الإنسان وتهدأ ليتراءى الله للعقل ويتحدَّث معه. يقدِّم لنا مار اسحق خبرته الحيَّة فيقول: [سكِّت لسانك فيتكلَّم قلبك، وسكِّت قلبك فيتكلَّم الله].

 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email

ظهر الرب لسليمان في حلم... وكما يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص عن أنواع الأحلام المختلفة: [إن أعضاءنا والمخ أشبه بآلة موسيقيَّة وتَرِيَّة. أثناء ساعات النهار يلعب العقل على هذه الأوتار فتقدِّم لنا سيمفونيَّة متناسقة رائعة. وإذ ننام لا تعود هذه الآلة قادرة على إصدار صوتٍ ما، اللهم إلاَّ إذا عادت ذكريات اليوم وقدَّمت ذاتها للعقل ونحن نيام، فتخرج حلمًا. وذلك كما تصدر الأوتار أصواتًا هادئة بعد أن تتوقَّف يد الموسيقار عن لمس الأوتار مباشرة[26]].

"قال الله: اسأل ماذا أُعطيك" [5]. إن كان سليمان قد انشغل طوال يومه بالصلاة مع تقديم الذبائح، وكان يطلب من الله الحكمة، فلماذا يسأله الله: "اسأل، ماذا أُعطيك؟" كان سليمان طوال يومه يقدِّم أوانيه الفارغة لكي يملأها الله من زيت السماء، وها هو يسأله قبل العطاء مباشرة ليؤكِّد له حريَّة إرادته، ينعم بما يطلبه قلبه، وليس قهرًا من قِبل الرب. لهذا يقول السيِّد المسيح: "إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي، اطلبوا تأخذوا، ليكون فرحكم كاملاً" (يو 16: 24). ويقول يوحنا الرسول: "وهذه هي الثقة التي لنا عنده إن طلبنا شيئًا حسب مشيئته يسمع لنا" (1 يو 5: 14).

ليس من موضوع يشغل ذهن أولاد الله الذين التهبت قلوبهم بالحب الإلهي مثل التمتُّع برؤية الله. فقد بدأ موسى في العهد القديم خدمته برؤية الله خلال العلِّيقة الملتهبة نارًا، كما كان يرى الله عمليًا خلال معاملاته معه كل يوم في حياته الشخصيَّة وفي خدمته وسط الشعب. تمتَّع بالمجد الإلهي الذي أشرق على وجهه فصار مضيئًا ولم يحتمل الشعب أن ينظر إليه، فطلب منه أن يضع برقعًا على وجهه حين يتحدَّث معهم، وينزعه حين يدخل الخيمة ويلتقي مع الله. تمتَّع موسى باللقاء مع الله على جبل سيناء، ومع هذا كانت طلبته الأخيرة: "أرني وجهك". هذه الطلبة التي تحقَّقت له بصورة رائعة بعد حوالي ألفين عامًا حين ظهر إيليا مع موسى ليُعاينا السيِّد المسيح المتجلِّي على جبل تابور ويتحدَّثان معه.

تمتَّع أيضًا سليمان الحكيم برؤية الله مرَّتين: بعد تجليسه ملكًا وعند تدشين الهيكل.

هكذا لن ييوقَّف عطش المؤمن الحقيقي عن رؤية الله بكل وسيلة ليتمتَّع باللقاء مع محبوبه السماوي وجهًا لوجه. هذه الرؤية وهذا اللقاء لن يحدث في الحياة العتيدة فحسب، بل هي امتداد لحياة مُعاشة يختبرها المؤمن كل يوم.

يميِّز القدِّيس إيريناؤس بين ثلاثة أنواع من الرؤى، وإن كانت كل منها مشتملة في الأخريَّتين.

1. الرؤية النبويَّة خلال الروح القدس. كالرؤية التي تقبَّلها موسى النبي على الصخرة إشارة إلى رؤيته خلال التجسُّد (صخرة مجيئه البشري). وهي رؤيا رمزيَّة، لا يرى وجه الله الحقيقي بل يظهر لهم بطريقة سرائريَّة حيث يبدأ الإنسان يرى الله. لقد طلب موسى النبي رؤية أوضح، تحقَّقت له حين ظهر مع إيليا على جبل تابور[27]. التي تحقَّق كمال الرؤية التي على جبل سيناء على جبل تابور.

2. رؤية التبنِّي خلال الابن المتجسِّد.

3. رؤية الآب في ملكوت السموات، في الحياة الأخرى، أو الرؤية الإسخاتولوجيَّة.

"فقال سليمان: أنك قد فعلت مع عبدك داود أبي رحمة عظيمة، حسبما سار أمامك بأمانة وبرّ واستقامة قلب معك، فحفظت له هذه الرحمة العظيمة، وأعطيته ابنًا يجلس على كرسيه كهذا اليوم" [6].

إذ طلب منه الرب أن يسأل فيعطيه بدأ بتقديم الشكر لله على عطاياه لأبيه، حاسبًا ما قدَّمه الله لسليمان إنَّما هو عطيَّة إلهيَّة مقدَّمة لداود أبيه صاحب القلب المستقيم. لقد ورث سليمان عن أبيه الفم المبارك لله على عطاياه. فنسمع داود النبي يقول: "مبارك الرب إله إسرائيل الذي أعطاني اليوم من يجلس على كرسي، وعيناي تبصران" (1 مل 1: 48). صارت تجري في عروقه مباركة الرب على عطاياه. فيباركه ليس فقط في ساعات النهار، وإنَّما ينبض قلبه بالبركة وهو في أحلامه ليلاً. يقول مع أبيه داود: "أبارك الرب الذي نصحني، وأيضًا بالليل تنذرني كليتاي" (مز 16: 7).

في وقارٍ شديدٍ تحدَّث سليمان مع الله عن أبيه، ساترًا على أخطائه مثل سيِّده، قائلاً: "سار أمامك بأمانةٍ وبرٍ واستقامة قلبٍ معك". وتحدَّث بقلب يفيض شكرًا وحمدًا لله الذي أظهر رحمته العظيمة مع عبده داود. هكذا يليق بنا أن نشكره ونسبِّحه من أجل معاملاته مع آبائنا وأمَّهاتنا وكل الأجيال السابقة.

"والآن أيُّها الرب الهي، أنت ملكت عبدك مكان داود أبي، وأنا فتى صغير لا أعلم الخروج والدخول" [7].

بعد أن بارك الله على عطاياه لأبيه بأن أقام ابنه ملكًا في تواضعٍ شديدٍ أعلن أنًَّه كطفلٍ صغيرٍ لا يقدر أن يخرج أو يدخل دون معونة. إنًَّه كمن يتدرَّب على المشي يحتاج إلى يدٍ تمسك بيده وتقوده. حسب نفسه طفلاً بلا فهمٍ ولا خبرةٍ هذا الذي دعاه والده حكيمًا (1 مل 2: 9).

3. اختيار سليمان للحكمة:

"وعبدك في وسط شعبك الذي اخترته، شعب كثير لا يُحصى ولا يَّعد من الكثرة. فأعطِ عبدك قلبًا فهيمًا لأحكم على شعبك،  وأُميِّز بين الخير والشرّ، لأنَّه من يقدر أن يحكم على شعبك العظيم هذا؟" [8-9].

لم يقل سليمان "شعبي" بل "شعبك"، فهو ليس بالملك الحقيقي، وإنَّما ممثِّل له. إنًَّه سفير لملك الملوك يعمل وسط شعب الله، لا شعبه هو. إن كان هذا الشعب قد اختاره الرب، والملك اختاره الرب، إذن فالعامل هو الرب نفسه المهتم بشعبه كما بعبده الذي أقامه لخدمتهم. إنًَّه عبد الرب المحتاج إلى فهم وحكمة لخدمة شعب سيِّده. لقد أدرك أن "الرب يُعطي حكمة، من فمه المعرفة والفهم" (أم 2: 6). وكما يقول الرسول: "إن كان أحدكم تُعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يُعطي الجميع بسخاء ولا يُعيّر فسيُعطى له" (يع 1: 5).

الله هو ينبوع كل حكمة ومعرفة وفهم. والحكماء والفهماء الحقيقيُّون هم قنوات يفيض خلالها الله بالحكمة على كثيرين كما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم[28]: [الحكمة الإلهيَّة هي مجن لأُناس الله الذين يسلكون باستقامة، أو معِين لهم لنوال النصرة. فإنَّنا إذ نتمسَّك بالحكمة ونحفظها، تتمسَّك هي بنا وتحفظنا]. ويقول القدِّيس إكليمنضس السكندري: [بالنسبة للذين يتبرَّرون بالفلسفة، تقودهم المعرفة إلى التقوى كمُعين لهم[29]].

لم يطلب الحكمة بوجه عام لكي يفتخر بها أو يفوق الآخرين، وإنَّما لخدمة شعب سيِّده بروح التقوى، ويقضي بينهم بروح العدالة. كان الملك في القديم قاضيًا للشعب، خاصة في الأمور الكبيرة.

-    الإيمان الحقيقي والتعليم الصادق يُعلنان أن كلاً من النعمتين هي من الله. يقول الكتاب المقدَّس: "من وجهه المعرفة والفهم"، وفي سفر آخر يقول: "المحبَّة هي من الله" (1 يو 4: 7)[30].

-     "الرب يُعطي حكمة، من فمه المعرفة والفهم" (أم 3: 6). منه ينالون الرغبة ذاتها نحو المعرفة، إذا ما تلاحمت (تزوَّجت) بالتقوى[31].

القدِّيس أغسطينوس

"فحسُن الكلام في عينيّ الرب، لأن سليمان سأل هذا الأمر" [10].

جاءت طلبة سليمان من الله في حلم، كشفت عمَّا في أعماق قلبه من روح الشكر لله، والوقار لوالده، والتواضع، وشهوة خدمة شعب الله بأمانة وحكمة. لهذا سُرّ الله به، وبما يحمله من إرادة مقدَّسة. وجد الله مسرَّته في قلب سليمان وفكره وإرادته. سُرّ بتقدماته الصادرة عن نقاوة قلبه، وصلواته نهارًا، وطلباته ليلاً حتى في أحلامه.

نال سليمان عطيَّة القلب الحكيم، وتجلَّت حكمته في الآتي:

-     سأل الله ليعطيه فهم قلب يحكم به الشعب (3: 9).

-     حمل بصيرة داخليَّة بروح التمييز (3: 16-28).

-     فاق غيره من الحكماء (4: 29-31).

-     نطق بأمثال وحِكم، وضع 3000 مثلاً (4: 32)، و1005 نشيدًا (4: 32) من بينها المزموران (72، 127). جاء إليه البعض من أنحاء العالم ليسمعوا حكمته، من بينهم ملكة سبأ (10: 1-9). كثير من الأمثال القديمة في إسرائيل وإثيوبيا والعربيَّة يرجع أصلها إلى سليمان الحكيم.

-     بحكمة وقف أمام الهيكل (5-6).

-     بحكمة قدَّم صلاة التدشين (8: 22-53).

-     وضع بإعلان الروح القدس أسفار الأمثال والجامعة ونشيد الأناشيد.

-     أوضّح أنًَّه صاحب معرفة في أمور علميَّة كثيرة، مثل علم النباتات والحيوان والأسماك (4: 33؛ أم 30: 24-31؛ جا 2: 4-6).

-     في القضاء حكم في قضيَّة السيِّدتين اللتين ادعتا أنًَّهما والدتان لطفلٍ ما (3: 16-28).

لكن ما أفسد حكمته هو:

1. الحياة المدلَّلة المبالغ فيها (4: 22، 32؛ 10: 21).

2. تزوُّجه الوثنيَّات (11: 1-2؛ نح 13: 23-26).

3. حساسيَّته المبالغ فيها (11: 3).

4. انحرافه إلى الوثنيَّة (11: 4-10).

5. كان يصنع ما يحسن في عينه (11: 33).

6. ظلمه للشعب (12: 4).

"فقال له الله: من أجل أنَّك قد سألت هذا الأمر ولم تسأل لنفسك أيَّاما كثيرة، ولا سألت لنفسك غِنى، ولا سألت أنفس أعدائك،  بل سألت لنفسك تمييزًا لتفهم الحكم. هوذا قد فعلت حسب كلامك، هوذا أعطيتك قلبًا حكيمًا ومميِّزًا حتى أنًَّه لم يكن مثلك قبلك، ولا يقوم بعدك نظيرك [11-12]. 

سأل سليمان لنفسه الحكمة أو التمييز ليفهم الحكم، أي طلب الحكمة العمليَّة التي خلالها يمارس الحياة اللآئقة بالمؤمن. وهبه الله الحكمة العقليَّة والعمليَّة، حتى لم يكن من هو مثل سليمان، ولا من يأتي بعده مثله، حتى يأتي من هو أعظم من سليمان (مت 12: 42؛ لو 11: 31).

v     الآن إذ كان الابن الحكيم لأب حكيم، لهذا أضيف اسم داود الذي ولد منه سليمان وهو طفل تعلَّم في الكتب المقدَّسة، ونال سلطانه لا بالقرعة ولا بالقوَّة بل بحكم الروح وقانون الله.

لمعرفة حكمة وأدب (أم 1: 2) من يعرف حكمة الله يتقبَّل منه أيضًا الأدب. ويتعلَّم بها أسرار الكلمة. ومن يعرفون الحكمة السماويَّة الحقَّة بسهولة يفهمون كلمات هذه الأسرار. لذلك يقول: "لإدراك صعوبة الكلمات" (أم 1: 2). فإن الأمور التي ينطق بها بلغة غريبة بالروح القدس تصير مدركة للذين لهم قلوب مستقيمة بالرب[32].

القدِّيس هيبوليتس

 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 3 جـ3 PDF Print Email

"وقد أعطيتك أيضًا ما لم تسأله غِنى وكرامة،  حتى أنًَّه لا يكون رجل مثلك في الملوك كل أيَّامك" [13].

إذ نطلب ملكوت الله وبرّه يُزاد عليها كل البركات الزمنيَّة من أمور ماديَّة وكرامة حقيقيَّة (مت 6: 33). إذ نطلب من الله نعمته الفائقة يهبنا مع النعمة السماويَّة احتياجاتنا الزمنيَّة. فإنَّنا إذ ننعم بالنعمة الإلهيَّة تصير كل الخيرات الأرضيَّة لخيرنا، أمَّا بدون النعمة فإن هذه الخيرات تستعبد نفوسنا.

"فإن سلكت في طريقي وحفظت فرائضي ووصاياي كما سلك داود أبوك، فإنِّي أطيل أيَّامك" [14].

وعده الله بإطالة أيَّامه بشرط السلوك في طريقه وحفظ فرائضه ووصاياه كما فعل أبوه داود. لم يحقِّق سليمان الشرط، فمات قرابة التسعة وخمسين عامًا أو بالأكثر في الستين من عمره.

-     إذ طلب سليمان ما يجب طلبه أنظر كيف نال بسرعة. أمران يجب أن يكونا في من يصلِّي: أن يطلب بغيرة، ويسأل ما يجب طلبه[33].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

"فاستيقظ سليمان  وإذا هو حلم. وجاء إلى أورشليم، ووقف أمام تابوت عهد الرب، وأصعد محرقات وقرَّب ذبائح سلامة، وعمل وليمة لكل عبيده" [15].

إذ أتم سليمان الخدمة الروحيَّة في جبعون حيث توجد خيمة الاجتماع انطلق إلى المركز الثاني للعبادة، أورشليم، حيث تابوت العهد في جبل صهيُّون (2 صم 6: 13). لقد أقام وليمة عظيمة مع تقديم ذبائح سلامة. مع المحرقات التي قدِّمت في جبعون قدِّمت الذبائح لتستهلك كلُّها بالنار علامة تكريس القلب كلُّه لله. وفي ذبائح السلامة يُعطي نصيب من اللحم للآويِّين والغرباء والأيتام والأرامل (تث 14: 29). علامة الارتباط بالحياة الكنسيَّة العمليَّة والعطاء والاهتمام بالمحتاجين.

استيقظ سليمان وقد رأى حلمًا من قِبل الله، تمتَّع بإعلانٍ إلهي من قِبل الله، أو بظهور إلهي في حلمٍ. قام سليمان من نومه متهلِّلاً بالروح فقد رأى الرب، وتلامس مع محبَّته وحنانه. اشتهى سليمان أن يتمتَّع كل الشعب بهذا الفرح الداخلي، فأقام لهم وليمة روحيَّة عظيمة. القائد الحيّ هو الذي يتمتَّع بالفرح بالرب ويبث روح الفرح في اخوته.

بدأ سليمان يمارس القضاء بالقلب الحكيم الذي وهبه الله، فنال مخافة لدى الشعب، هي انعكاس للمجد الذي وعده الله به.

4. حكمة سليمان:

"حينئذ أتت امرأتان زانيتان إلى الملك ووقفتا بين يديه. فقالت المرأة الواحدة: استمع يا سيِّدي، إنِّي أنا وهذه المرأة ساكنتان في بيتٍ واحدٍ، وقد ولدتُ معها في البيت. وفي اليوم الثالث بعد ولادتي ولدت هذه المرأة أيضًا، وكنَّا معًا ولم يكن معنا غريب في البيت غيرنا نحن كلتينا في البيت" [16-18].

بناء على طلب روفينوس الكاهن الروماني (بخلاف روفينوس أسقف Aquileia وروفينوس السرياني) بعث القدِّيس جيروم إليه رسالة يشرح في شيء من الإطالة هذه القصَّة بمفهومها الرمزي بكونها أشبه بمثل يميِّز بين المجمع اليهودي والكنيسة[34].

"فمات ابن هذه في الليل لأنَّها اضطجعت عليه. فقامت في وسط الليل، وأخذت ابني من جانبي وأمتك نائمة، وأضجعته في حضنها وأضجعت ابنها الميِّت في حضني. فلما قمت صباحًا لأرضع ابني إذا هو ميِّت، ولمَّا تأمَّلتُ فيه في الصباح إذا هو ليس ابني الذي ولدته. وكانت المرأة الأخرى تقول: كلاَّ بل ابني الحيّ وابنك الميِّت. وهذه تقول: لا بل ابنك الميِّت وابني الحيّ، وتكلَّمتا أمام الملك. فقال الملك" هذه تقول هذا ابني الحيّ وابنك الميِّت، وتلك تقول لا بل ابنك الميِّت وابني الحيّ" [19-23].

كانت كل الأنظار تتطلَّع إلى سليمان لترى كيف يحكم، ربَّما توقَّعوا إنًَّه يُلقي قرعة ليعرف من هي الأم الحقيقيَّة.

"فقال الملك آتوني بسيف، فأتوا بسيف بين يديّ الملك" [24].

يرى القدِّيس أمبروسيوس أن سليمان الحقيقي هو السيِّد المسيح الذي بسيف كلمته يقسم، يعزل الشرّ عن الخير[35]. يرى أنًَّه من حق السيِّد المسيح وحده، يشوع الحقيقي، أن يقسِّم أرض الموعد على الأسباط، وأنَّه وحده، سليمان الحقيقي، أن يفصل الكلمة بسيف الروح ويقسمها، فيقول: [كان حق التقسيم خاص بالرب وحده، ويُعبِّر عن هذا بعبارات الكلمة، أي بالسيف الروحي الذي لسليمان الحقيقي[36]].

"فقال الملك: اشطروا الولد الحيّ اثنين،  وأعطوا نصفًا للواحدة ونصفًا للأخرى. فتكلَّمت المرأة التي ابنها الحيّ إلى الملك، لأن أحشاءها اضطرمت على ابنها، وقالت: استمع يا سيِّدي أعطوها الولد الحيّ ولا تميتوه. وأمَّا تلك فقالت: لا يكون لي ولا لكِ، اشطروه". "فأجاب الملك وقال: أعطوها الولد الحيّ ولا تميتوه فإنًَّها أمُّه" [25-27].

حينما أمر الملك بشطر الطفل غالبًا ما اضطرب كثيرون في داخلهم وحسبوا قراره غريبًا وغير حكيم، يحمل وحشيَّة، إذ يُقتل طفل لا ذنب له. وربَّما تساءلوا في أعماقهم: هل هذه هي حكمة الملك الجديد المختار من الله؟ هل هذا ما تسلَّمه من الله عندما ظهر له في حلم؟ لقد جاء في الشريعة: "إذا نطح ثور إنسان ثور صاحبه فمات يبيعان الثور الحيّ ويقتسمان ثمنه، والميِّت أيضًا يقتسمانه" (خر 21: 35). إن كان هذا بالنسبة للثور النطّاح، فكيف يأمر الملك ببتر الطفل الحيّ فيموت ولا تناله هذه ولا تلك؟ لكنَّه إذ أصدر الحكم بعد أن أعلن عن الأم الحقيقيَّة أدرك الكل حكمته، وأن "قلوب الملوك لا تُفحص" (أم 25: 3).

لقد التهب قلب الأم الحقيقيَّة على ابنها وطلبت تسليم ابنها للسيِّدة الأخرى المقاومة لها ولا تراه مقتولاً، كأنَّها تقول له: "أود أن أراه ابنها عن أن لا أراه. وكأنَّه كان لديها رجاء أن تتمتَّع به. وكما قيل: "يوجد رجاء لآخرتك يقول الرب، فيرجع الأبناء إلى تخمهم" (إر 31: 17).

يرى القدِّيس أمبروسيوس أن سليمان الحقيقي اختار الكنيسة التي حمل لها حبًا حقيقيًا بروح التمييز[37]. وأن هذه السيِّدة التي لها الابن هي القدِّيسة مريم التي اجتاز في نفسها سيف الله[38].

"ولما سمع جميع إسرائيل بالحكم الذي حكم به الملك خافوا الملك، لأنَّهم رأوا حكمة الله فيه لإجراء الحكم" [28].

ينقل لنا الأب قيصريوس أسقف آرل تفسيرًا آبائيًا لقصَّة سليمان الحكيم والزانيتين، قائلاً:

[الآن إن أردتم أن تنصتوا باختياركم فإنِّي أود أن أشير إلى آذان محبَّتكم ما أوضحه الآباء القدِّيسون في هذا الشأن.

المرأة التي صرخت بأن يبقى الطفل حيَّا تمثِّل الكنيسة الكاثوليكيَّة (الجامعة)، والمرأة الأخرى القاسيَّة الشرِّيرة التي صرخت إنًَّه يجب أن يقَّسم الطفل تُشير إلى البدعة الأريوسيَّة.

الكنيسة الكاثوليكيَّة تشبه أُمًّا تقيَّة للغاية تصرخ أمام كل الهراطقة:

لا تجعلوا المسيح أقل من الآب، لا تقسموا وحدته، لا تقسموا الله الواحد إلى درجات مختلفة وأشكال متفاوتة...

احتفظوا به معكم بالكامل.

إن أردتم سلامًا، فلا تقسموا وحدته.

إن كان لكم الكل يبقى كل شيء لكم.

عظيمة هي كليَّة قدرته، إذ الجميع يملكونه بالكامل، وكل واحدٍ يملكه.

على أي الأحوال فإن الهرطقة الشرِّيرة القاسيَّة تصرخ: "لا، اشطروه" [26] ماذا يعنى هذا: "اشطروه"، إلاَّ أن الابن غير مساوٍ للآب؟ إن نزع أحد مساواة الابن ينكر أن الآب صالح وكلِّي القدرة.

إن كان الله الآب قادر أن يلد الابن مثله ولم يرد فهو ليس بصالحٍ، وإن أراد ولم يستطع فهو غير قدير. تأكَّدوا يا اخوة أنًَّه ليس أحد من الأريوسيِّين يقدر أن يجيب على هذه العبارة، لكن عندما يحصرون بالمنطق الحقيقي يلجأون كحيَّة مراوغة إلى نوع من التساؤلات البارعة والملتويَّة[39].

[لتخجلي في عار أيَّتها البدعة الأريوسيَّة العنيفة والشرِّيرة...

إنَّكم أشرار لأنَّكم لستم أمًا.

إنَّكم تشطرون المولود وتجمعون ما لم تجلبوه.

صار قلبكم قاسيًا[40]...].

 من وحي 1 ملوك 3

هبني ذاتك يا حكمة الله!

-     في جبعون ذبح لك سليمان ألف محرقة.

هب لي أن أقدِّم لك كل حياتي محرقة حب لا تنقطع.

لتظهر لي كما ترأيت لسليمان.

في اتِّضاع شعر أنًَّه فتى صغير،

محتاج إلى حكمتك السماويَّة ليدبِّر أمور شعبك.

ماذا اطلب منك إلاَّ أن أقتنيك يا حكمة الله؟

-     بك اعرف كيف أحكم على الشعب في قلبي.

بك أعرف كيف أخدم كل إنسان.

بك أميِّز بين الخير والشرّ.

ليس لي بعد أن أطلب شيئًا سواك؟

أنت هو الحكمة الإلهي، بك أحيا وأتقدَّم في كل شيء.

-     بحكمتك عرف سليمان كيف يقدِّم الرضيع لأمه.

ميَّز بين الأم الحقيقيَّة والمخادعة.

هب لي روح التمييز فأعرف الكنيسة الأم الصادقة.

أميِّز من لها روح الحق ممَّا لها روح الخداع!




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

سلطان سليمان وغناه وحكمته

إذ تولَّى سليمان العرش بدأ عمله بالالتقاء مع الله ملك الملوك، الذي اختاره ملكًا على شعبه. وكأنَّه بالوكيل الذي يلجأ إلى موكِّله قبل أن يبدأ العمل، حتى يتمِّم إرادته. قدَّم سليمان محرقات وذبائح سلامة ليُعلن عن حبُّه لمن أقامه ويشكره، كما قدَّم صلوات طوال النهار يسأله فيها أن يهبه الحكمة السماويَّة، وإذ ترآى له الرب لم يطلب شيئًا سوى الحكمة.

الآن يبدأ عمله بإقامة مجلسٍ يشبه مجلس الوزراء لكي يعمل من خلالهم. فقد اتَّسعت مملكة سليمان، وتحقَّقت الوعود الإلهيَّة المقدِّمة للآباء البطاركة، خاصة إبراهيم. وأعطاه الله نعمة في أعين الملوك المحيطين به. اتَّسم عهده بالسلام والخير الوفير. ودخل في مشروعات ضخمة، وصارت له شهرة بسبب حكمته وإنتاجه الأدبي، فقد كتب 3000 مثلاً، 1005 أغنية، وأعمالاً علميَّة عن النباتات والحيوانات (4: 33) كما وضع بعض الأسفار المقدَّسة بإعلان الروح القدس، وبنى أيضًا الهيكل.

1. مجلس وزراء سليمان [1-20].

2. التدبير المادي للدولة[21-28].

3. شهرة سليمان الفائقة[29-34].

1. مجلس وزراء سليمان:

أقام سليمان الحكيم أشبه بمجلس وزراء، إن صحَّ التعبير، يدير شئون الدولة تحت رعايته، ومعهم اثنا عشر وكيلاً على جميع إسرائيل [7]. تكوَّن مجلس وزراء سليمان من الآتي:

-    عزرياهو بن صادوق الكاهن رئيس لمجلس الوزراء.

-    اليحورف وأخيّا سكرتيريان لشئون الدولة.

-     يهوشافاط المسئول عن سجلات التاريخ الخاصة بالأحداث الملكيَّة.

-     بناياهو رئيس للجيش المسئول عن الدفاع عن الدولة.

-     صادوق وأبياثار كاهنان يشرفان على الأمور الدينيَّة وحفظ الشريعة.

-     عزرياهو الرئيس العام على الاثنى عشر وكيلاً أو محافظًا.

-     زابود أمين سرّ الملك، ومشيره في أموره الخاصة.

-     أخيشار مدير القصر الملكي، يهتم باحتياجات الجناح الملكي.

-     أدونيرام مدير القوى العاملة.

ظهرت حكمة سليمان في وضع نظامٍ دقيقٍ لتدبير أمور المملكة في كل جوانبها. ويلاحظ إنًَّه لم يُعطِ الأولويَّة للعمل العسكري كما في أيَّام أبيه داود.

"وكان الملك سليمان ملكًا على جميع إسرائيل" [1].

لم يكن مثل والده داود النبي الذي صار ملكًا على يهوذا وحدها لمدَّة سبع سنوات ونصف.

"وهؤلاء هم الرؤساء الذين له: عزرياهو بن صادوق الكاهن" [2].

عزريا أو عزرياهو، اسم عبري معناه "من أعانه يهوه". وهو أخو أخيمعص. يرى البعض إنًَّه لا يمكن أن يكون حفيدًا لصادوق رئيس الكهنة معضّد سليمان، وإنَّما صادوق هنا آخر غير رئيس الكهنة.

كلمة "الكاهن hakoheen" هنا تعني كاهنًا، وأيضًا تعادل كلمة "أمير"، وجاءت ترجمتها في النسخة الكلدانيَّة Chaldee version "أمير".

واضح إنًَّه وُجد كهنة في مجلس الوزراء يمارسون عملهم الكهنوتي، وفي نفس الوقت يمارسون دورهم كأصدقاء ومشيرين للملك، كما كان يحدث مع بعض الأنبياء والكهنة في العصور المتأخرة.

يرى البعض أن وضعه في رأس القائمة يُشير إلى اختياره رئيسًا لمجلس الوزراء، كما كان رئيسًا للكهنة (1 أي 6: 10)، وأن كلمة "الكاهن" في النص تُشير إلى عزريا لا صادوق.

"واليحورف وأخيّا ابنا شيشا كاتبان ويهوشافاط بن أخيلود المسجل" [3].

أليحورف اسم عبري ربَّما يعني "الله يُعطي الخريف المثمر".

أخيّا اسم عبري معناه "أخ أو صديق يهوه".

شيشا اسم أرامي ربَّما معناه "الشمس"، يدعى أيضًا شوشا (1 أي 18: 16)، وربَّما هو نفسه شيشا (1 مل 4: 3)، وسراريا (2 صم 8: 17)، وشيوا (2 صم 20: 25).

أقيما كاتبين، أشبه بالسكرتيرين لشئون الدولة. ينشران قوانين الملك، ويكتبان رسائله، وربَّما يدبران شئونه الماليَّة (1 مل 12: 10)، يعتبران من أهم مشيريه، أصحاب نفوذ. في أيَّام داود الملك كان كاتب واحد. أمَّا وقد اتَّسعت شئون المملكة فصارت الحاجة إلى عدد أكبر لإقامة قسم خاص بالسكرتاريَّة العامة لشئون الدولة.

يهوشافاط اسم عبري معناه "يهوه يقضي". يهوشافاط بن أخيلود المسجل، الذي عضّد داود (2 صم 8: 16؛ 20: 24). كان مسئولاً عن سجلاَّت التاريخ الخاصة بالأحداث الملكيَّة. خدم يهوشافاط المسجِّل داود وسليمان (2 صم 8: 16-18). عمله أن يذِّكر الملك بالأحداث السابقة، ويحتفظ بقرارات الملك والأحداث السابقة والأحداث المعاصرة كسجل للتاريخ تنتفع بها الأجيال المقبلة. وهو في هذا يشبه السكرتير العمومي في مجالس الحكومة والقضاة، والمؤرخ الرسمي.

"وبناياهو بن يهوياداع على الجيش، وصادوق وأبياثار كاهنان" [4].

بناياهو اسم عبري معناه "من بناء يهوه". سند بناياهو بن يهوياداع سليمان في اعتلاء العرش (1 مل 1: 8). اشتهر بشجاعته وإقدامه مرارًا كثيرة (2 صم 23: 20-23). صار رئيسًا للجيش، احتلَّ مركز يوآب. وهو مسئول عن الدفاع عن الدولة. يهتم بالعدة الحربيَّة من مركبات وخيول، وتنظيم الجيش وتحرُّكاته، كما هو مسئول عن حماية القصر الملكي وملحقاته.

صادوق وأبياثار كاهنان، يشرفان على الأمور الدينيَّة وحفظ الشريعة. صادوق اسم عبري معناه "صادق" أو "عادل" أو "بار". وهو ابن أخيطوب من نسل اليعازر ابن هرون (1 أي 24: 3). على الأرجح هو الغلام الذي جاء إلى داود في حبرون مع رؤساء بني إسرائيل ليحوِّلوا مملكة شاول إلى داود (1 أي 12: 27-28). كان مع أبياثار بن أخيمالك، هربا مع داود من أورشليم وهما يحملان تابوت العهد، لكن الملك رغب أن يعودا بالتابوت إلى العاصمة ويقيما فيها حتى ينتهي النزاع (2 صم 15: 24-29). وبعد موت إبشالوم أرسل داود إليهما طالبًا منهما أن يقنعا شيوخ يهوذا بإرجاعه إلى الحكم (2 صم 19: 11).

كيف يرد اسم أبياثار كرئيس كهنة مع صادوق وقد استبعده سليمان إلى قرية عناثوث ليبقى في حقوله (1 مل 2: 27)؟ تفسير ذلك أن سليمان منعه من ممارسة العمل الكهنوتي لكنَّه لم يحرمه من كرامة الكهنوت ولقبه. يرى كثير من الدارسين أن سليمان ترك لأبياثار اللقب دون العمل. ويرى بعض اليهود أن صادوق كان رئيسًا للكهنة وأبياثار نائبًا عنه، كما كان حنانيا مع قيافا في أيَّام السيِّد المسيح. الرأي الساند هو أن شاول أقام صادوق رئيس كهنة وأبياثار أقامه داود، وأنَّه من الجانب السياسي استحسن وجود الاثنين معًا.

أبياثار اسم عبري معناه "أبو الفضل" أو "أبو التفوق" أو "الأب الفاضل". أشار إليه السيِّد المسيح بقوله: "كيف دخل (داود) بيت الله في أيَّام أبياثار رئيس الكهنة وأكل خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلاَّ للكهنة وأعطى الذين كانوا معه أيضًا؟" (مر 2: 26). بقي أمينًا لداود أثناء عصيان ابنه إبشالوم عليه، لكنَّه اشترك مع يوآب وشمعي في تمرُّد أدونيَّا ومحاولته الاستيلاء على الحكم.

"وعزرياهو بن ناثان على الوكلاء وزابود بن ناثان كاهن وصاحب الملك" [5].

أقام سليمان عزرياهو وكيلاً عامًا ورئيسًا عامًا على الاثنى عشر وكيلاً أو محافظًا [7]. وهو ابن ناثان، ولم يعرف على وجه التحديد هل هو ناثان النبي أحد معضِّدي سليمان، أم هو ابن داود. غير أن كلمة الوكيل الرئيسي هنا cohen أو kohen كان يحملها أبناء داود (2 صم 8: 18)، ممَّا يرجَّح أنًَّه ابن لابن داود (2 صم 5: 14). أكثر من أن يكون ابنًا لناثان النبي.

زابود بن ناثان، زابود اسم عبري معناه "موهوب". أمين سرّ الملك، مشير للملك في أموره الخاصة.

"وأخيشار على البيت، وأدونيرام بن عبدا على التسخير" [6].

أخيشار اسم عبري معناه "أخو الرجل المستقيم"، أو "أخو المرنِّم". كان مديرًا للقصر الملكي، يرعى شئون القصر ويهتم باحتياجات الجناح الملكي. تظهر أهميَّة هذا المركز ممَّا ورد في (2 مل 18: 18)، عندما أرسل ملك أشور جيشًا عظيمًا إلى أورشليم ودُعي الملك، فخرج إليهم ألياقيم الذي على البيت، وقد ورد اسمه قبل الكاتب والمسجِّل، وكأن الملك اعتبره مندوبه الأول الرسمي للحوار في الأمور الخطيرة التي تمس كيان الدولة. وأيضًا ممَّا ورد في إشعياء (22: 15-25).

أدونيرام أو أدورام (2صم 20: 24، 1 مل 12: 18) أو هدورام (2 أي 10: 18). وهو ابن عبدًا. مدير القوى العاملة، يدير شئون المشاريع الملكيَّة. بقي في مركزه إلى عصر رحبعام. أرسله رحبعام إلى العصاة الذين تمرَّدوا عليه، فرجموه بالحجارة ومات (1 مل 12: 18، 2 أي 10: 18).

"وكان لسليمان اثنا عشر وكيلاً على جميع إسرائيل يمتارون للملك وبيته،كان على الواحد أن يمتار شهرًا في السنة" [7].

استخدم سليمان الحكيم نظامًا أشبه بنظام المحافظات. فقسّم إسرائيل إلى اثنتي عشر محافظة، وأقام محافظًا أو وكيلاً على كل قسم. عمل المحافظ الرئيسي هو أن يمد القصر الملكي بالمواد الغذائية [27]، وأن يجمع الضرائب من أجل مشروعات سليمان [22-23]، وللإنفاق على الجيش الضخم [26، 28] وبناء الهيكل، وإن كان داود أبوه قد أعدَّ له الكثير من مواد البناء والإمكانيَّات للتنفيذ.

كانت كل محافظة تُعرف بالمدينة الكبرى (العاصمة). ويُلاحظ إنًَّه لم يُقم محافظًا على نصيب يهوذا، ربَّما كنوعٍ من الامتياز للسبط الملكي.

لم يكن الاثنا عشر مسئولاً حكَّامًا تحت سلطان الملك "chamberlains"، ولا كانوا مدبِّرين لشئون المملكة، لكنَّهم كانوا قادة لجمع الضرائب، هذه الضريبة كانت جزءً من المحاصيل وليست مبلغًا من المال. كانت أبنية سليمان ونفقات قصره مع كثرة زائريه وسخائه العظيم وفخامة ملابسه وملابس رجال القصر على نفقة الشعب، وقد سبَّبت كثرة الضرائب نوعًا من التذمُّر. الأمر الذي حذّر منه صموئيل النبي الشعب عندما طلبوا ملكًا كسائر الأمم (1 صم 8: 12، 15، 17) تحقَّق الآن بواسطة سليمان نفسه.

يقول المؤرِّخ يوسيفوس إنًَّهم بحكم عملهم هذا كان لهم نوع من السلطة.

"وهذه أسماؤهم ابن حور في جبل أفرايم" [8].

يليق بنا هنا أن نسجل لسليمان الملك مع حكمته وقدرته على النظام والتدبير إنًَّه اتَّسم بروح التواضع. نلاحظ أن نسبة عالية من رجال دولته المختارين سبق فعينهم داود أبوه. إنًَّه لم يحمل روح العجرفة أو التشامخ فيتجاهل حكمة والده ومعرفته بالأمور. كثير من الأبناء يظنون أن قوَّة شخصيَّتهم تتجلَّى في التغيير الشامل لما ورثوه عن والديهم أو ما تسلَّموه من رؤساء أو قادة سابقين له. فالقائد الناجح هو الذي يمزج حكمته بالتواضع، فلا يحتقر عمل السابقين.

هذا وقد عيّن مجموعة ليست بقليلة من أبناء الكهنة والأنبياء. فقد ورث عن والده النبي والكاهن ثقته في رجال الله، وإيمانه ببركة الرب في تدبير كل الأمور.

"ابن حور" لازال في بعض البلاد الصعيد وفي سوريا يشيرون إلى الشخص لا باسمه بل بأنَّه ابن (فلان). يرى البعض أن هؤلاء الوكلاء كانوا من الشباب، نالوا هذه المراكز إكرامًا لآبائهم.

كانت مقاطعة ابن حور هي في جبل أفرايم، أي في بلاد أفرايم الممتدَّة من أورشليم شمالاَ إلى يزرعيل، وهي أرض مخصبة، سمِّيت السامرة في العهد الجديد.

"ابن دقر في ماقص وشعلبيم وبيت شمس وأيلون بيت حانان" [9].

دقر اسم عبري معناه "طرف".

شعليم اسم عبري معناه ربَّما "ثعالب". يُطلق على مقاطعة في إفرايم، اجتازها شاول الملك بعد أن ترك شليشة بحثًا عن الحمير التائهة (1 صم 9: 4).

إيلون بيت حانان يرجَّح أنًَّها كانت في دان.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email

"ابن حسد في أربوت كانت له سوكوه وكل أرض حافر" [10].

حسد اسم عبري معناه "رحمة، نعمة".

أربوت كلمة عبريَّة معناها "طاقات". يظن أن موضعها الآن "عرابة" بالقرب من دوثان وبلدة جنين الأردنيَّة.

سوكوه أو سوكو كلمة عبريَّة معناها "أشواق". يدعى هذا المكان اليوم خربة الشويكة حيث ينحني وادي الشور إلى الغرب ويصير اسمه وادي السنط، على بعد تسعة أميال من بيت جبرين.

حافر: اسم عبري معناه "حفرة" أو "بئر". وهي مدينة غرب الأردن (يش 12: 17)، والاسم لمقاطعة بجوار سوكوة. يرى البعض إنًَّها تل بيشار على وادي الحوارث في سهل شارون، وآخرون إنًَّها المشهد الحاليَّة في يهوذا.

"ابن أبيناداب في كل مرتفعات دور، كانت طافة بنت سليمان له امرأة" [11]

أبيناداب: اسم عبري معناه "الأب كريم أو منتدب". من عادة بعض الحكام الشرقيِّين أن يقيموا علاقات أسريَّة قويَّة مع من ينالون مراكز رئيسيَّة في الدولة، بتقديم بعض الفتيات من الأسرة الملكيَّة زوجات لهم. هكذا تزوَّج أبيناداب طافة بنت سليمان، وهو غالبًا ابن عم الملك. ربَّما كان من سياسة الملك تكوين علاقات أسريَّة مع وزرائه. وكان ذلك بعد جلوسه ملكًا بزمانٍ، حيث أقيم ملكًا في العشرين من عمره.

دور: اسم كنعاني معناه "مسكن". تبعد حوالي ثمانية أميال شمالي قيصريَّة، هزم يشوع ملكها (يش 12: 1، 23)، في نصيب أشير، ولكنَّها أُعطيت لمنسَّى (يش 17: 11). توجد بقايا دور في البرج شمال بلدة الطنطور بقليل.

طافة: اسم عبري معناه "قطرة".

"بعنا بن أخيلود في تعنك ومجدو وكل بيت شان التي بجانب صرتان تحت يزرعيل، من بيت شان إلى آبل محولة إلى معبر يقمعام" [12].

بعنا [12]: اسم عبري معناه "ابن الضيق"، كان وكيلاً في المقاطعة الجنوبيَّة في سهل يزرعيل من مجدو إلى الأردن، ربَّما كان أخًا ليهوشافاط المسجِّل.

تعنك: اسم كنعاني معناه "أرض رمليَّة". تقع في حدود يسَّاكر، لكنَّها أُعطيت لمنسَّى (يش 17: 11، 1 أي 7: 29) ثم للآويِّين (يش 21: 15). وإذ لم يستطع منسَّى طرد الكنعانيِّين فرض عليهم ضريبة (قض 1: 27). ربَّما هي عانير (1 أي 6: 70). وتل تعنك هو موضع المدينة القديمة، يقع بين التلال المنخفضة على الطرف الجنوبي من سهل يزرعيل خمسة أميال جنوب شرقيّ مجدو القديمة.

مجدو أو مجدون: مدينة لمنسَّى ضمن تخوم يساكر. سُمِّيت هرمجدون (رؤ 16: 16) أي تل مجدون. مكانها الآن هو تل المتسلِّم، يبعد حوالي عشرين ميلاً جنوب شرقيّ حيفا في الطرف الجنوبي من سلسلة الجبال التي تنتهي بجبل الكرمل في الشمال. اكتُشفت نقوش تكشف عن ثقافة الكنعانيِّين ومدينتهم. كما كشف التنقيب عن سرداب شق في الطرف يصل إلى نبع ماء ممَّا يظهر مهارتهم الهندسيَّة. كما اكتشفت إسطبلات بها أربعمائة وخمسون مَعْلفًا ترجع إلى عصر سليمان أو آخاب.

بيت شان: اسم عبري معناه "بيت السكون". مدينة تبعد حوالي خمسة أميال غرب نهر الأردن. بعد السبيّ صارت رئيسة المدن العشر، ودُعيت سكيثوبولس. مكانها حاليًا تل الحصن بالقرب من بيسان. بقايا آثارها تدل على عظمتها الأصليَّة. كبقايا هياكل وأروقة ومسارح وميادين لسباق الخيل. كما اكتشف فيها بعض آثار قدماء المصريِّين مثل نصب سيتي الأول ونصب رعمسيس الثاني.

صرتان: قرية شرقي يزرعيل بين مدينتي بيت شان وادام (يش 3: 16) في أرض منسَّى. في أرض الخزف في غور الأردن بين سكوت. دعيت أيضًا صردة (قض 7: 22؛ 2 أي 1: 17). يرى البعض أن موقعها الآن قرن صرطبة، وآخرون تل سليخات، وفريق ثالث بأن مكانها تل السعيديَّة.

آبل محولة: اسم عبري معناه "مرج الرقص"، يبدو أنًَّه كان يقع في وادي الأردن. هناك أقام إليشع النبي (1 مل 19: 16). يرى القدِّيس جيروم أنًَّه على بعد عشرة أميال رومانيَّة جنوب بيسان. غالبًا ما كان يقع بالقرب من تل أبي سفري عند التقاء وادي المالح بوادي الحلوة.

يقمعام: اسم عبري معناه "ليقم الشعب". وهو معبر للأردن قرب بيت شان.

"ابن جابر في راموت جلعاد له حووت يائير، ابن منسَّى التي في جلعاد وله كورة أرجوب التي في باشان، ستُّون مدينة عظيمة بأسوار وعوارض من نحاس" [13].

جابَر: معناه "رجل" أو "بطل".

راموت جلعاد: اسم عبري معناه "مرتفعات جلعاد". (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). من أشهر مدن الجاديِّين، تقع شرقي الأردن. أُعطيت للآويِّين وعينت مدينة للملجأ (تث 4: 43؛ يش 20: 8). وتدعى أيضًا الرامة (2 أي 22: 6). يُرجَّح أنَّها تل راميت الحاليَّة.

حووت يائير: اسم عبري معناه "قرى أو مخيَّمات أو معسكرات يائير". وهي مدن بدون أسوار، شمال غرب باشان، في منطقة الأرجوب. استولى عليها يائير من سبط منسَّى. تُذكر أحيانًا لتمثِّل البلاد الشرقيَّة للمسافر في وادي الأردن أو في كنعان غرب النهر. وأحيانًا تستخدم بتوسُّع للأرض المرتفعة كلُّها شرق النهر. كثيرًا ما يكون للاسم عدَّة دلالات متنوِّعة للأرض (1 أي 1: 21-23؛ عد 32: 40-41؛ 1 مل 4: 13).

أرجوب: اسم عبري معناه "كتلة من الطين". تقع على حدود جشور ومعكة. كانت ضمن ممتلكات عوج أثناء دخول إسرائيل كنعان. هذا الإقليم يضم 60 مدينة حصينة في ذلك الحين. استولى عليه يائير الذي من سبط منسَّى، لذا دُعي حؤوت يائير (تث 3: 4، 13-14، يش 13: 30).

باشان: اسم عبري معناه "أرض ممهَّدة"، تقع شرقي الأردن ما بين جبليّ حرمون وجلعاد (عد 21: 33). تشمل حوران والجولان واللجاء، كلُّها مؤلَّفة من صخور وأتربة بركانيَّة. تربتها خصبة للغاية، وماؤها غزير. يخترق جانبها الشرقي جبل الدروز، وهو جبل باشان القديم. ذكرت حوالي 60 مرة في الكتاب المقدَّس.

"أخيناداب بن عدو في محنايم" [14].

أخيناداب: اسم عبري معناه "أخي نبيل أو كريم".

محنايم: اسم عبري معناه "محلَّتان". وهي مدينة شرق الأردن أعطيت لجاد (يش 13: 30). ولنصف سبط منسَّى (يش 13: 30). ربَّما كانت منقسمة إلى حيِّين، أحدهما لجاد والآخر لمنسَّى. قسم جاد أُعطي لبني مراري فصار مدينة ملجأ (يش 21: 38؛ 1 أي 6: 80). كانت شمال يبوق. كان لها شهرتها في أيَّام الملوك حيث سكن فيها أيشبوشث بن شاول (2 صم 2: 8، 12)، ولجأ إليها داود عند هروبه من إبشالوم (2 صم 17: 24؛ 1 أي 2: 8). ربَّما يُشار إليها في نشيد الأناشيد (6: 13)، عندما ذكر "صفين" أي محنايم. حاليًا غالبًا هي خربة محنة شمال عجلون.

"أخيمعص في نفتالي،

وهو أيضًا أخذ باسمة بنت سليمان امرأة" [15].

أخيمعص: اسم عبري معناه "أخو الامتعاض أو الغضب". يظن البعض أنًَّه هو نفسه أخيمعص ابن صادوق رئيس الكهنة. وقد بقي مع أبياثار في أورشليم أثناء عصيان إبشالوم (2 صم 15: 27؛ 17: 15-21). وهو أول من أخبر داود بهزيمة إبشالوم (2 صم 18: 19-30).

باسمه أو "بسمة": اسم عبري معناه "رائحة ذكيَّة".

"بعنا بن حوشاي في أشير وبعلوت" [16].

بعنا [16]: بن حوشاي، ربَّما كان هوشاي الصديق المخلص والمشير الحكيم لداود (2 صم 15: 32؛ 17: 5 الخ).

أشير: اسم عبري معناه "سعيد" أو "مغبوط".

بعلوت: جمع بعلة، وتعني "سيِّدة". وهي موضع من نصيب أشير.

"ويهوشافاط بن فاروح في يساكر" [17].

يهوشفاط ابن فاروح: اسم عبري معناه "يهوه يقضي".

"شمعي بن أيلا في بنيامين" [18].

شمعي ابن أيلا: اسم عبري معناه "يهوه يسمع". وهو بنياميني، كان من أبطال داود.

"جابر بن أوري في أرض جلعاد أرض سيحون ملك الأموريِّين، وعوج ملك باشان، ووكيل واحد الذي في الأرض" [19].

جلعاد: اسم عبري معناه "صلب" أو "خشن". وهو قطر جبلي شرق الأردن، يمتد إلى بلاد العرب، يشمل البلقاء الحديثة. أرضه صخريَّة وعرة (تث 34: 1؛ 2 صم 2: 9). كان يخرج في جلعاد نوع من الشجر يخرج مادة حمضيَّة تُدعى بلسان جلعاد، ذات خواص طبيَّة (إر 8: 22، 46: 11). عصير البلسان يشبه الحليب اللزج يتجمَّد بسرعة، وكان يستخدم لعلاج الالتهابات. في أيَّام الإسكندر الأكبر كانت قيمته تعادل ضعفيّ وزنه فضَّة.

جابِر بن أوري: ربَّما هو نفسه جابرَ الوارد في [13].

"وكان يهوذا وإسرائيل كثيرين كالرمل الذي على البحر في الكثرة، يأكلون ويشربون ويفرحون" [20].

 2. التدبير المادي للدولة:

"وكان سليمان متسلَّطًا على جميع الممالك من النهر إلى أرض فلسطين وإلى تخوم مصر، كانوا يقدِّمون الهدايا، ويخدمون سليمان كل أيَّام حياته" [21].

كانت إمبراطوريَّة سليمان كسائر إمبراطوريَّات آسيا في أيَّام فارس، تتكوَّن من جماعات من الممالك الصغيرة يحكمها ملوكهم، ويقدِّمون هدايا سنويَّة.

من النهر: أي من نهر الفرات امتدَّت المملكة حيث تحقَّق الوعد الإلهي لإبراهيم وموسى النبي ويشوع ابن نون. كانت أهم الممالك هي سوريا وموآب وعمون هذه التي ما بين نهر الفرات وساحل البحر الأبيض المتوسِّط، شمال حدود مصر.

كان تقديم الهدايا يُعادل تقديم جزية كما جاء في (2 صم 2: 8 الخ).

كانت صور مدينة لها شهرتها التجاريَّة، ملاصقة للبحر، على حدود إسرائيل. يبدو أن سكانها كتجَّار كانوا يميلون إلى السِلم، فلم يدخلوا في عداوة مع إسرائيل. أمَّا ملكها حيرام فكان معجبًا بشخصيَّة داود النبي والملك، وكان محبًا له على الدوام. يرى البعض أنًَّه قد تأثَّر به فعبد الله الحيّ ورذل الأوثان. إذ مات داود بعث بإرساليَّة من الأمراء وكبار رجال الدولة لتعزية سليمان، وتهنئته على تولّيه العرش، وتجديد العهد معه. لقد أراد أن يعيش في سِلم وحب مع ملك إسرائيل.

"وكان طعام سليمان لليوم الواحد ثلاثين كرّ سميذ وستِّين كرّ دقيق" [22].

الكرّ: هو معيار مثل الحومر، يرى يوسيفوس إنًَّه يعادل 86 جالونًا إنجليزيًا، وأمَّا حاخامات اليهود فيرون إنًَّه يعادل 44. بعض الدارسين يروا إنًَّه يعادل 67 جالونًا.

الثلاثون كرًا تعادل حوالي 33 جوالاً من السميذ، والستُّون كرّ 66 جوالاً من الدقيق، هذه الكميَّة من الدقيق تحسب مؤونة حوالي 10 آلاف شخصًا في البيوت الملكيَّة، للملك وأهل بيته ورجاله العاملين معه وحرّاسه وزائريه الخ.

"وعشرة ثيران مسمَّنة وعشرين ثورًا من المراعي ومائة خروف، ما عدا الأيائل والظباء واليحامير والأوز المسمَّن". "لأنَّه كان متسلَّطا على كل ما عبر النهر من تفسح إلى غزة، على كل ملوك عبر النهر، وكان له صلح من جميع جوانبه حواليه" [23-24].

تفسح أو تفساح: اسم عبري معناه "مخاضة" أو "قمر". وهي مدينة كانت آخر حدود أملاك سليمان في اتجاه الفرات. هي ثبتكس الواقعة على الضفة الغربيَّة للفرات فوق مصب بليخ. وهي من أهم الممرات في المجرى الأوسط للفرات. تسمَّى الآن دبسة.

"وسكن يهوذا وإسرائيل آمنين، كل واحد تحت كرمته وتحت تينته، من دان إلى بئر سبع كل أيَّام سليمان" [25].

لم يكونوا ملتزمين أن يسكنوا في مدن حصينة خشية هجوم الأعداء، بل انتشروا في كل موضع، يأكلون ثمر تعبهم دون أن يغتصبه عدو منهم. لازالت هذه العادة قائمة في كثير من قرى الشرق الأوسط حيث يجلس الشخص أو يستلقي تحت كرمة أو تينة ينعم بالظل مع الهواء النقي. هذا التعبير يشير إلى عدم الارتباك أثناء التمتُّع بإنتاج الأرض الغزير (2 مل 18: 31)، ولهذا يستخدمه الأنبياء كرمز يُشير إلى سعادة العصر المسياني (مي 4: 4؛ زك  3: 10).

"وكان لسليمان أربعون ألف مذود لخيل مركباته، واثنا عشر ألف فارس" [26].

عادة كل ثلاثة خيول (أو كل إثنين) يأكلون من مذود واحد. كان الملوك اليهود ممنوعين من استخدام كثرة من الخيول (تث 17: 16).

يرى البعض أن رقم 40000 حمل خطأ في النسخ وأن الرقم هو 4000 مذودًا.

"وهؤلاء الوكلاء كانوا يمتارون للملك سليمان. ولكل من تقدَّم إلى مائدة الملك سليمان، كل واحد في شهره لم يكونوا يحتاجون إلى شيء". "وكانوا أتون بشعير وتبن للخيل والجياد إلى الموضع الذي يكون فيه كل واحد حسب قضائه" [27-28].

لازال الشعير المخلوط بالتبن يعتبر الغذاء الرئيسي للخيول في منطقة الشرق الأوسط




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 4 جـ3 PDF Print Email

. شهرة سليمان الفائقة:

"وأعطى الله سليمان حكمة وفهمًا كثيرًا جدًا ورحبة قلب كالرمل الذي على شاطئ البحر" [29].

سرّ مجد سليمان هو في الحكمة التي تقبُّلها عطيَّة من الله، أكثر من الغنى. اختبرها سليمان كعطيَّة إلهيَّة إذ يقول: "لأن الرب يُعطي حكمة؛ من فمه المعرفة والفهم" (أم 2: 6). وجاء في سفر أيوب: "من وضع في الطخاءٍ حكمة أو من أظهر في الشُهب فطنة؟‍" )أي 38: 36).

يرى البعض أن رحبة القلب هنا تُشير إلى اتِّساع معرفته وعلومه، كما تُشير إلى اتِّساع قلبه وكأنَّه لا يحمل ضيقًا، بل في كل شيء يسلك بشجاعة وجُرأة دون تخوُّف أو قلقٍ. ولعلَّ رحبة القلب تُشير إلى اتِّساعه ليقبل من يديّ الله كل شيء بفرحٍ وسرورٍ، فلا يضيق قلبه أمام أي حدث أو من جهة أي إنسان. يقول المرتِّل: "في طريق وصاياك أجري، لأنَّك تُرحب قلبي" (مز 119: 32).

يشبه رحبة قلبه برمل شاطئ البحر. فإن الرمل حجمه يضم بحرًا متَّسعًا للغاية، هكذا يضم ذهن سليمان متَّسعًا فائقًا من المعرفة والحكمة.

-     نعم ليس فقط كمال الفن بل وأيضًا حكمة الله ساعدت في هذا البناء[41].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

"وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بني المشرق وكل حكمة مصر" [30].

يقصد بأبناء الشرق القبائل العربيَّة القاطنة في شرق كنعان المنتشرة حتى نهر الفرات (قض 6: 3؛ 7: 12؛ 8: 10؛ أي 1: 3؛ إش 11: 15)، وأيضًا الكلدانيُّون الذين كانوا يعتزُّون بمعرفتهم للفلك والتنجيم. كانت حكمة المصريِّين مضرب الأمثال[42] (إش 19: 11؛ 31: 2؛ أع 7: 22). فقد نبغوا في فروع كثيرة للمعرفة مثل العمارة والفلك والتنجيم والتحنيط والنحت بجانب شهرتهم بالأدوية النباتيَّة.

"وكان أحكم من جميع الناس، من إيثان الأزراحي وهيمان وكلكول ودردع بني ماحول، وكان صيته في جميع الأمم حواليه" [31].

ربَّما كان هؤلاء الأشخاص معاصرين للملك سليمان، وقد اشتهروا بالحكمة. ربَّما كان الأربعة موسيقيِّين وواضعي أناشيد، وقد فاقهم سليمان في هذا المجال.

إيثان الأرزاحي: إيثان اسم عبري معناه "ثابت" (1 أي 6: 44). يظهر من عنوان مزمور 89 أنًَّه كاتب هذا المزمور.

هيمان: اسم عبري معناه "أمين" (1 أي 15: 17-19). وهو ناظم المزمور 88.

كلكول: اسم عبري معناه "قصير وسريع".

دردع أو دارع: اسم عبري ربَّما كان معناه "شوك".

ماحول: اسم عبري معناه "رقص"، وهو والد هؤلاء الثلاثة حكماء، من عشيرة زارح من سبط يهوذا.

"وتكلم بثلاثة آلاف مثل وكانت نشائده ألفًا وخمسًا" [32].

من بين الأمثال لدينا ما ورد في سفر الأمثال، ومن بين الأناشيد لدينا مع سفر نشيد الأناشيد المزموران (72، 127).

يرى القدِّيس هيبوليتس الروماني أن سفر نشيد الأناشيد ليس أحد الكتب بين الخمسة آلاف أنشودة التي وضعها سليمان، بل هو أنشودة الأناشيد. لقد كتب سليمان في أمثاله وأناشيده عن النباتات والحيوانات والهواء والبحر وشفاء الأمراض. لكن الكنيسة بإعلان الروح القدس قبلت ما هو لشفاء النفس، ولم تضم ما يخص شفاء الجسد لئلاَّ ينشغل الشعب بشفاء أجسادهم ويهملون البحث عن شفائهم روحيًا من الرب[43].

"وتكلَّم عن الأشجار من الأرز الذي في لبنان إلى الزوفا النابت في الحائط،

وتكلَّم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك" [33].

تحدَّث عن كل النباتات من أرز لبنان المتشامخ إلى الزوفا وهو نبات ضعيف جدًا يتسلق على الجدران. كان الحكماء قديمًا يهتمُّون بالنباتات لمعرفة فوائدها الطبِّيَّة.

يقسِّم اليهود مملكة الحيوانات إلى أربعة أصناف: الحيوانات، الطيور، الزواحف، والأسماك. جاء في كثير من الروايات أن سليمان كان يتحدَّث مع الحيوانات بلغتها.

يَعتبر البعض سليمان الحكيم أول مؤرِّخ طبيعي أو عالم في الطبيعيَّات في العالم. لقد ضاعت أعماله الخاصة. أنًَّها خسارة عظيمة‍. هكذا كان سليمان ملكًا، وقاضيًا عادلاً، وحكيمًا، شاعرًا، وموسيقارًا، وفيلسوفًا، وعالمًا في الطبيعيَّات، وكاتبًا.

"وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته" [34].

اتَّسم سليمان بالحكمة والفهم الموهوبين له من قِبل الله، ونجح في عمله السياسي حيث استقرت إمبراطوريَّته واتَّسم عصره بالسلام مع الدول المجاورة له. كما كان أديبًا موهوبًا وموسيقارًا، فكتب أمثالاً ووضع أناشيد قام بعزفها، فنال شهرة عالميَّة فائقة.

كانت مملكة سليمان كما استعرضها هذا الأصحاح تُشير إلى مملكة السيِّد المسيح:

-     من جهة اتِّساعها، من النهر إلى البحر (مز 72: 8-11)، تُشير إلى مملكة المسيح من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها، حيث قبل الأمم ميراثًا له ويسجد له الملوك (إش 49: 6-7، 53: 12).

-     اتَّسمت المملكة بالخير الكثير مع السلام والأمان.

-     من يلتصق بالملك يشبع ويرتوي ويمرح [20]. مملكة مفرحة، تُشبع نفوس المؤمنين.

-     مملكة مجيدة، يطوّبها كل من حولها.

-     ينبوع كل حكمة ومصدر كمالها.

-     جاء في الأصحاح العاشر أن ملكة سبأ إحدى القادمات للاستماع لسليمان وربَّما أعظم القادمين. إنَّنا نعجب أن عظماء وعامة من كل الأمم المحيطة يقدِّمون إلى شخص اتَّسم بالحكمة ليسمعوا له، الأمر الذي لا نجده حتى في الدول المتقدِّمة وبين الأشخاص المتعلِّمين، وإن وُجد فليس بهذه الصورة العجيبة. واضح أن القادمين إليه جاءوا لا حُبًا في الاستطلاع بل رغبة في التمتُّع بحكمته لبنيانهم.

-     يظهر سليمان هنا كرمزٍ للسيِّد المسيح الذي تختفي فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة، تختفي فيه لبنياننا، إذ يقول الرسول بولس: "صار لنا حكمة".

 

 

من وحي 1 ملوك 4

هب لي روح التدبير والفهم!

v     لأقتنيك يا حكمة الله فأصير بك حكيمًا.

هب لي مع سليمان روح التدبير،

فأسلك بروحك، روح النظام لا التشويش.

v      بروحك أتمتَّع بانسجامٍ داخلي،

انسجام بين النفس وكل طاقاتها وقدراتها.

انسجام بين الفكر والعاطفة والإحساس.

يقيم روحك لي قيادات داخليَّة مدبِّرة حسنًا.

v      وهبت سليمان حكمة وتدبيرًا حسنًا وموهبة الشعر.

لتفتح فمي فأنطق بأمثال سماويَّة.

وليضرب روحك القدُّوس على أوتار قلبي.

فينشد مع سليمان ألفًا وخمسًا من الأناشيد.

ينسجم سلوكي العملي مع كلماتي المقدَّسة فيك.

وتنسجم كلماتي مع تهليل قلبي بك.

أنت واهب الحكمة، أنت معطي التسبيح والفرح!

 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 5 جـ1 PDF Print Email

الإعداد لبناء الهيكل


كان أمام سليمان الحكيم عمل غاية في الأهميَّة وهو بناء هيكل الرب. الأمر الذي اشتهاه والده ولم يُسمح له به، بل نال وعدًا إلهيًا أن يتمِّمه ابنه الخارج من صلبه. اتَّسم سليمان بالحكمة مع الغنى فتهيَّأ للعمل. وكان والده قد أعد له الكثير من الذهب والفضَّة كما هيأ المناخ السياسي للقيام بهذه المهمَّة. بقي أن يُحضر سليمان الخشب والحجارة والأيدي الفنيَّة العاملة، الأمر الذي استلزم أن يدخل في معاهدة مع حيرام ملك صور لتحقيقه.

كان سليمان رمزًا للسيِّد المسيح الذي قيل عنه: "هوذا الرجل الغصن اسمه، ومن مكانه ينبت، ويبني هيكل الرب، فهو يبني هيكل الرب، وهو يحمل الجلال ويجلس ويتسلَّط على كرسيه، ويكون كاهنًا على كرسيه" (زك 6: 12-13).

1. تهنئة من ملك صور[1].

2. حوار مع حيرام[2-6].

3. معاهدة مع حيرام[7-9].

4. سير العمل[10-18].

1. تهنئة من ملك صور:

"وأرسل حيرام ملك صور عبيده إلى سليمان، لأنَّه سمع أنَّهم مسحوه ملكًا مكان أبيه،  لأن حيرام كان محبًا لداود كل الأيام" [1].

يخبرنا المؤرَِّخ يوسيفوس أن الرسائل المتبادلة بين حيرام وسليمان كانت محفوظة في أرشيف بمدينة صور حتى أيامه.

كانت صور مدينة لها شهرتها التجاريَّة، ملاصقة للبحر، على حدود إسرائيل. يبدو أن سكَّانها كتجَّار كانوا يميلون إلى السلم، فلم يدخلوا في عداوة مع إسرائيل. أمَّا ملكها حيرام فكان معجبًا بشخصيَّة داود النبي الملك، وكان محبًا له على الدوام. يرى البعض أنَّه قد تأثَّر به فعبد الله الحيّ ورذل الأوثان.

إذ مات داود بعث بإرساليَّة من الأمراء وكبار رجال الدولة لتعزية سليمان، وتهنئته على تولِّيه العرش، وتجديد العهد معه. لقد أراد أن يعيش في سلم وحب مع ملك إسرائيل.

يرى البعض أن حيرام المذكور هنا هو ابن حيرام صديق داود النبي (2 صم 5: 11)، والذي أرسل إليه خشب الأرز ونجَّارين وبنَّائين وبنى له بيتًا، غالبًا في بداية مُلك داود.

يقدِّم لنا سليمان العظيم في مملكته كيف يتعامل بكل حب وتقدير وحكمة مع من هو أقل منه. فلم يستغل مركزه في حواره مع ملك صور، ولا استخف به، بل حاوره بكل وقار كنِدٍّ لنِدٍّ، وبروح التواضع طلب مساندته كمن هو محتاج إليه وإلى خبرة شعبه.

2. حوار مع حيرام:

"فأرسل سليمان إلى حيرام يقول: أنت تعلم داود أبي أنَّه لم يستطع أن يبني بيتًا لاسم الرب إلهه بسبب الحروب التي أحاطت به حتى جعلهم الرب تحت بطن قدميه" [2-3].

بقوله أنَّه يعلم بأن والده داود لم يقدر أن يبني الهيكل واضح أن داود كان مشغولاً بهذا الأمر لفترة طويلة، وأنه ناقش الأمر مقدَّمًا مع حيرام. هذا يتَّفق مع ما ورد في (1 أي 12: 4).

واضح أن حيرام كان صديقًا حميمًا لداود الذي لم يخفِ عنه أنَّه كان يشتهي أن يبني بيتًا للرب إلهه. وأن داود قد أخبره بأن الله لم يسمح له بذلك، لأنَّه كان رجل حرب. مع أنَّه كان يحارب بسماحٍ من الرب ولحساب شعبه، لكنَّه لم يكن يصلح لبناء بيت الرب. فإن مثل هذا العمل يحتاج إلى تفرُّغٍ كاملٍ، فلم يكن لدى داود الوقت ولا تركيز الفكر للبناء، بينما لم تكن دولته قد استقرت بعد.

"والآن فقد أراحني الرب إلهي من كل الجهات فلا يوجد خصم ولا حادثة شر" [4].

الكلمة العبريَّة المترجمة "خصم" هي saataan" أي "شيطان". وكأن الله قد أراحه من العدو الخارجي وأيضًا الداخلي حتى يتفرغ للبناء.

حقًا جاء سليمان، رجل السلام، يتفرغ بوقته وإمكانياته وقدراته وحكمته لهذا العمل. ونحن أيضًا لا نكف عن أن نصلي بلا انقطاع لكي يهبنا الله السلام كفرصة لتكريس طاقاتنا لبناء بيت الرب في كل قلب. إن الصراع خاصة داخل الكنيسة يحرمنا من التفرغ للبناء الإيجابي.

"وهانذا قائل على بناء بيت لاسم الرب إلهي،

كما كلم الرب داود أبي قائلاً: إن ابنك الذي أجعله مكانك على كرسيك هو يبني البيت لاسمي" [5].

يرى العلامة أوريجينوس أن سليمان الذي معناه "سلام" رمز للسيِّد المسيح. فقد بنى الهيكل بعد أن انتهت الحروب وحلت فترة سلام. تحققت النبوة عن إنشاء الهيكل بالمسيح الذي يقول: "مع مبغضي السلام كنت صاحب سلام" ( مز 120:7). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يقيم هيكله بالحجارة الحيَّة التي تقام عليه بكونه أساس الهيكل. لكل أحد منا له موضعه في الهيكل كبناء حي[44].

-     استخدم أثمن مواد البناء، استورد أغلبها، مثل الأرز من لبنان [6]؛ والحجارة المنحوتة المربعة الكبيرة لتأسيس البيت، نحتها بناءو سليمان وبناءو حيرام والجبليون (15-18)، وخشب الزيتون (6: 20-22)، وخشب السرو (6: 34)، وذهب خالص (6: 22)، والنحاس (7: 13-47).

-     أرسل له حيرام ملك صور مواد للبناء ورجالاً للعمل (5: 16؛ 9: 11)، وقدم له سليمان 20 مدينة (9: 11).

-     كان العاملون في البناء 30000 عاملاً، 150000 عاملين في الحجارة، 3300 رئيسًا للعمال.

-     غشى البيت كله بالذهب (6: 22).

-     جميع حيطان البيت رسمها نقشًا بنقرٍ كروبيم ونخيل وبراعم زهور من داخل ومن خارج (6: 29).

-     بالنسبة للآنيَّة النحاسيَّة "ترك سليمان وزن جميع الآنيَّة لأنَّها كثيرة جدًا جدًا؛ لم يتحقق وزن النحاس" (7: 47).

-     استمر العمل في البناء مدة سبع سنوات بغير توقف (6: 37-38).

أراد سليمان بلا شك أن يقدِّم أثمن ما لديه، وأجمل فن لمجد الله. غير أن الله أكَّد له أن ما يشغله هو بناء الهيكل الداخلي في النفس، بالطاعة للوصيَّة (6: 11-12). إنَّه يريد لا أن يسكن في بيوت من صنع البشر بل أولاً أن يسكن في البشر أنفسهم فيقبل ما يقدِّمونه له (8: 27؛ 1 كو 6: 19-20).

"والآن فأمر أن يقطعوا لي أرزًا من لبنان، ويكون عبيدي مع عبيدك، وأجرة عبيدك أعطيك إياها حسب كل ما تقول، لأنك تعلم أنَّه ليس بيننا أحد يعرف قطع الخشب مثل الصيدونيين" [6].

كان لشجر الأرز أهميَّة خاصة لجمال خشبه ومرارته الشديدة التي تمنع الحشرات والديدان من أن تفسده بسرعة.

الكلمة العبريَّة التي تترجم هنا "أرز" يبدو أنَّها تستخدم ليس فقط عن أشجار الأرز، بل وعن كل الأشجار التي يُستخدم خشبها للبناء مثل العرعر.

يتحدث الكتاب المقدَّس عن أرز لبنان بصفة خاصة بكونه زرع الرب (مز 109: 16) لاستخدامه في بناء هيكله.

لقد طلب سليمان من حيرام الانتفاع بمهارة شعبه وخبرتهم في قطع أشجار الأرز ونقلها بحرًا، فهم كأصحاب أسطول بحري تمتعوا بهذه الخبرة.

كان لشعب إسرائيل خبرته فيما يخص العبادة والحياة المقدَّسة في الرب، أمَّا الصيدونيون فأصحاب خبرة في الخشب والنقل البحري. لم يتجاهل سليمان هذه الخبرة، بل بحكمة عرف كيف يوجهها لتعمل في تناسق مع خبرة شعبه الروحيَّة. فإن القائد الناجح يعرف كيف يوجه كل الطاقات والمواهب، ليس فقط الروحيَّة بل والأمور الزمنيَّة، ليعمل الكل معًا في تناسق ولحساب ملكوت الله.

"وأجرة عبيدك أعطيك إياها حسب ما تقول"، فإنَّه لا يُبني هيكل الرب بروح الظلم. لا يقبل أن يُبني ما هو للرب بغير فكر الرب المهتم بالأجراء المحتاجين. كم يتعثّر كثيرون حينما يستغل بعض قادة الكنيسة الآخرين، حتى وإن كان للعمل لحساب الكنيسة.

يحل اسم الرب على الهيكل ويسكن فيه، وكأن "اسم" الرب هنا يعني "الإعلان عن طبيعته بطريقة منظورة تعبر عن حضرته الإلهيَّة".

"الصيدونيون" يعني بهم الفينيقيين بوجه عام، حيث أن صيدا كانت أقوى من صور، والمنطقة التي بها أرز في لبنان كانت تابعة لصيدا. كان سكَّان صيدا مهرة في البناء والفنون.

يبدو أنَّه كان للصيدونيين ملكهم، تحت رئاسة صور.

لعل استخدام الصيدونيين، أبناء الغرباء، في تهيئة الخشب والحجارة لبناء الهيكل كان رمزًا لقيام قادة كنسيين من الأمميين لبناء بيت الرب الروحي الأبدي.

كان العمل أكبر من أن يقوم به العمال الفينيقيّون وحدهم، لذلك كانت هناك حاجة إلى تقسيم العمل بين الفينيقيين والإسرائيليين. يقول المؤرَِّخ يوسيفوس اليهودي: [أنتم تعرفون أنَّه لا يوجد بيننا من له مهارة في قطع الخشب مثل الصيدونيين[45]]. قطع الأشجار وتهيئة الأخشاب لاستخدامها في البناء يحتاج إلى خبرات خاصة لم يكن الإسرائيليون قد عرفوها أو تدربوا عليها. من هذه الخبرات:

-     اختيار الوقت المناسب للقطع، حيث كان يُفضل القطع في الخريف أو الشتاء، حيث لا يكون الساق به نسبة عاليَّة من الرطوبة كما في الربيع والصيف.

-    لا تُقطع الأشجار دفعة واحدة، بل يقطع حول الساق وتترك قليلاً حتى تجف، بعد ذلك تقطع بالكامل.

-     تترك ثلاثة سنوات قبل استخدامها في الأرضيات والأبواب والنوافذ. هكذا كان يليق بهم وهم يعدّون الخشب لبناء هيكل الرب، مع أهميَّة العمل العظيم، إىَّ يتسرعوا، فإنَّه غالبًا إذ نمارسه بعجلة لا ينفع شيئًا.

يشهد المؤرَِّخون القدامى عن مهارة الصيدونيين. يقول هوميروس: [بإن الكؤوس الكبيرة التي كان اليونانيين يشربون بها الخمر هي من صناعة صيدا. كما يقول بأن نساء صيدا كن يصنعن الثياب المطرزة الجميلة التي كانت السيِّدات اليونانيات يفتخرن بها]. وقال هيرودوت: [إن أهل صور وصيدا كانوا الأولين في علم سير السفن]. ويقول سترابو: [إن الصيدونيين امتازوا بالرياضيات والفلك والفلسفة والصنائع].

 




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email

3. معاهدة مع حيرام:

"فلما سمع حيرام كلام سليمان فرح جدًا وقال: مبارك اليوم الرب الذي أعطي داود ابنًا حكيمًا على هذا الشعب الكثير" [7]

 فرح حيرام كرجل متدين باقتراح سليمان أنَّه يساهم في هذا العمل بطريق أو آخر. فرح أن يرى لصديقه الحميم داود مثل هذا الابن الصالح الحكيم (ملا 2: 15)، فبالحب لم يدخل الحسد أو الغيرة إلى قلبه، وإنما على العكس فرح بنجاح أخيه.

كان من صالح حيرام وجود علاقات طيبة مع إسرائيل لأجل السلام ومن أجل التجارة، إذ كان الفينيقيون تجارًا.

واضح من سلوك حيرام أنَّه يتعبد لله الحقيقي. يرى البعض أن تمجيد حيرام لله إله إسرائيل لا يعني عدم عبادته للأوثان، وإنما هو اعتراف بأنه إله حقيقي مثل سائر آلهته. في (2 أي 2: 11) اعترف حيرام بأن يهوه هو خالق السماء والأرض، لكن هذا لا يعني دخوله في علاقات شخصيَّة معه. فقد كان من عادة الوثنيين أنَّهم يؤمنون بأن لكل بلدٍ إلهه، وأنه يليق أن يحترم كل شخص إله البلاد الأخرى.

"وأرسل حيرام إلى سليمان قائلاً:

قد سمعت ما أرسلت به إليّ.

أنا أفعل كل مسرتك في خشب الأرز وخشب السرو" [8].

غابات لبنان بالقرب من البحر كانت في أيام سليمان تبع الفينيقيين، غير أن البعض يرون بأن أشجار الأرز المذكورة هنا كانت في أرض إسرائيل، وكان سليمان في حاجة إلى الأيدي العاملة ذات الخبرة.

"عبيدي ينزلون ذلك من لبنان إلى البحر، وأنا أجعله أرماثا في البحر إلى الموضع الذي تعرفني عنه، وانفضه هناك، وأنت تحمله، وأنت تعمل مرضاتي بإعطائك طعامًا لبيتي" [9].

لا يقوم رجال حيرام فقط بقطع الأشجار بطريقة فنيَّة، وإنما بخبرتهم يلقون به على المياه ويبعثون به إلى يافا Joppa مقابل أورشليم على بعد حوالي 25 ميلاً.

 4. سير العمل:

"فكان حيرام يعطي سليمان خشب أرز وخشب سرو حسب كل مسرته وأعطي سليمان حيرام عشرين ألف كر حنطة طعامًا لبيته وعشرين كر زيت رض، هكذا كان سليمان يعطي حيرام سنة فسنة" [10-11].

كان الإسرائيليون محتاجين إلى مهارة الصيدونيين، وكان الصيدونيون محتاجين إلى غلال الإسرائيليين وزيتهم (حز 27: 17، 2 أي 2: 3). لا يوجد إنسان مكتفٍ بذاته، إذ كل شخص محتاج إلى أخيه. وكل دولة في حاجة إلى الدول الأخرى.

زيت الرض يُستخرج من الزيتون بالرض ليكون نقيًّا خالصًا من الشوائب لا كالزيت الذي يُستخرج بالطحن، لأن ذلك لا يخلو من الأدران.

هنا نجد تنفيذ الاتفاقيَّة المبرمة بين الملكين سليمان وحيرام، كل منهما قام بدوره على خير وجه.

-     سلم حيرام الملك سليمان الخشب مقايضة. غالبًا ما كانت الأشجار ملك سليمان، لكن مرتبات الأيدي الفنيَّة العاملة كانت أكثر تكلفة من ثمن الأشجار.

-     بعث سليمان قمحًا وزيتًا إلى حيرام حسب وعده له [11] لبيت الملك، أمَّا العمال فكانوا يأكلون في مواقع العمل.

"والرب أعطي سليمان حكمة كما كلمه، وكان صلح بين حيرام وسليمان وقطعا كلاهما عهدًا" [12].

أعطى الرب سليمان حكمة ونعمة ليُقيم صداقة مع حيرام، فأحب حيرام سليمان، فتشجع الاثنان على حفظ علاقات الود المتبادلة ألاَّ يفسدها شيء. هكذا ارتبط الاثنان معًا خلال التصرفات العادلة وعدم الاستغلال مع إبراز جوانب الصداقة والحب خلال تدخل الله الذي وهب سليمان الحكمة.

يقول يوسيفوس المؤرَِّخ إن الاتفاقيَّة بين سليمان وحيرام وُجدت في أرشيف كل من إسرائيل وصور. لم يذكر شيء عما إذا كان هذا الاتفاق قد تُرجم. فإن الرأي السائد أن الكنعانيين والصوريين وأيضًا سكَّان قرطاجنة كانوا يجيدون اللسان العبراني أو على الأقل لغة مشتقة من العبريَّة.

أظهر سليمان حكمته ليس فقط في معاملاته مع الخارج بل وفي استخدام طاقات شعبه للعمل.

"وسخر الملك سليمان من جميع إسرائيل، وكانت السخرة ثلاثين ألف رجل. فأرسلهم إلى لبنان عشرة آلاف في الشهر بالنوبة، يكونون شهرًا في لبنان وشهرين في بيوتهم، وكان أدونيرام على التسخير" [13-14].

يميز بين الجزية التي يلتزم بها الكنعانيون كعبيد (5: 15؛ 9: 20) وبين التزام العمال الإسرائيليين بالعمل، فإن الإسرائيليين يعملون 4 أشهر فقط في السنة. يعملون شهرًا ويعودون إلى منازلهم لمدة شهرين.

مع أن قلب سليمان كان ملتهبًا بالغيرة لسرعة بناء الهيكل، لكنَّه حرص في البداية ألا يثقل على العمال حتى لا يفقدوا سلامهم الداخلي وراحتهم الجسديَّة. يرى البعض أن سليمان كان حريصًا على وحدة الأسرة والحفاظ على سلامتها، لهذا لم يكن يسمح للعامل أن يغيب عن أسرته أكثر من شهرين. بعد الشهر يلتزم العامل بالعودة إلى بيته ليعيش لمدة شهرين مع أسرته، فلا تشعر الزوجة والأولاد بالفراغ.

قام سليمان بتشغيل ثلاثين ألفًا من الإسرائيليين، بحيث يعمل كل شخص منهم لمدة شهر يليها شهران في راحة. لم يُحسب هذا تسخيرًا، ولا عبوديَّة. فقد كان ما يشغل قلب سليمان هو أن يعيش شعبه بروح الحريَّة فخرج منهم رجال قتال وأمراء، وقادة مدنيون وعسكريون.

عندما عاد سيزوستريس ملك مصر من حروبه بنى معابد كثيرة في كل مدن مصر، لم يستخدم في بنائها مصريًا واحدًا، بل قام بالبناء أسرى الحرب. وقد نقش على كل هيكل: "لم يعمل أحد من المواطنين في هذه المباني". يبدو أن سليمان وضع نقشًا مشابهًا على منشآته.

تحققت نبوة ناثان النبي (2 صم 7: 13) بقيام سليمان ببناء الهيكل.

بدأ البناء بالتعاون بين المملكتين: إسرائيل وفينيقيَّة، وقد حافظت المملكتان على العهد أو الاتفاقيَّة التي أُبرِمت بينهما.

يرى بعض الدارسين أن الإرهاق الشديد في الإنشاءات التي حققها سليمان من الجانب المادي والقوة العُماليَّة (استخدام السخرة) أدى إلى وجود اتجاه مضاد لدى بعض الأسباط ضد سبط يهوذا وربَّما ضد الهيكل نفسه، مما شجع يربعام فيما بعد على إقامة معبدين في بيت إيل ودان.

اضطر سليمان إلى استخدام نظام السخرة لبناء الهيكل، أمَّا مسيحنا فيدعو العبيد للتمتع بالحريَّة ليقيم منهم هيكله السماوي. يقول العلامة أوريجينوس:

-    إن كنت منتميًا للكنيسة لا يشغلني مدى صغر شأني، فملاكي يتطلع معاينًا وجه الآب في كمال الحريَّة. في حين إن كنت خارجها، لن يجرؤ على ذلك[46].

-     أمَّا الرسول فيقول عن أورشليم السماوية "هي أمنا جميعًا، هي حرة" (غلا 4: 26). لذلك أبوك هو الله الذي أنجب روحك، والذي يقول: "ربيت بنين ونشَّأتهم" (إش 1: 2). أمَّا بولس فيقول أيضًا: "أفلا نخضع بالأولي جدًا لأبي الأرواح فنحيا؟! (عب 12: 9)[47].

العلامة أوريجينوس

"وكان لسليمان سبعون ألفا يحملون أحمالاً وثمانون ألفًا يقطعون في الجبل" [15].

خصص سليمان لرجاله العمل السهل كقطع الأخشاب وذلك بمعاونة الفنيين من صور وصيدا. أمَّا حمل الأحمال وقطع الحجارة في الجبل فترك ذلك للأسرى من الأمم الأخرى (1 مل 9: 20، 2 أي 8: 7-9). يقدر عدد أسرى الحرب في أيام داود ب 153600. لم نسمع أن هؤلاء ُسمح لهم بالراحة شهرين بعد العمل لمدة شهر كالإسرائيليين، لأن هؤلاء كانوا عبيدًا.

يرى بعض الآباء مثل القدِّيس جيروم في العاملين في بناء الهيكل صورة رمزية للعمل في كنيسة الله الحيَّة.

-    70000 يحملون الحجارة، يشيرون إلى كل رجال العهد القديم وقد اتَّسموا بالفكر السماوي. رقم 7 يشير للزمن (أسبوع)، 10 يشير إلى الكمال الزمني، 1000 للفكر الروحي أو السماوي.

-    80000 يقطعون في الجبل، يشيرون إلى كل رجال العهد الجديد وقد اتَّسموا بالفكر السماوي. رقم 8 يشير إلى ما وراء الزمن (ما بعد الأسبوع)، 10 يشير إلى الكمال الزمني، 1000 للفكر الروحي أو السماوي.

-     3000 الوكلاء على العمل، يشيرون إلى كل المؤمنين بعمل الثالوث القدوس في حياتهم (3) ، 1000 للفكر الروحي أو السماوي.

فهيكل الرب الحقيقي يمتد في العهدين كثمرة عمل الثالوث القدوس في حياة المؤمنين.

-     البناءون الذين كانوا يقطعون الحجارة ويعدون أساسات البناء، الذين يحملون الحجارة من الأرض لبناء هيكل الرب يحصون برقم 7 في الأنبياء والآباء (البطاركة) فإنَّهم إذ يبدون أنَّهم يسحبون الجنس البشرى من الأرض كانوا يعدون هيكل الرب. الآخرون الثمانيَّة آلاف يرمزون للكرازة الرسوليَّة والأناجيل، هؤلاء الذين مع الرب المخلص وسليمان نفسه يحملون حمل الأمم الثقيل. هذا بالتأكيد هو علو السرّ، لكن استمع إلى أسرار أعمق. فإن النظار على العمل والهيكل كانوا ثلاثة آلاف. فإنَّهم لا يستطيع النظار المسئولون على العمل ما لم يعلنوا التثليث[48].

القدِّيس جيروم

"ما عدا رؤساء الوكلاء لسليمان الذين على العمل ثلاثة آلاف وثلاث مائة المتسلَّطين على الشعب العاملين العمل. وأمر الملك أن يقلعوا حجارة كبيرة،  حجارة كريمة، لتأسيس البيت حجارة مربعة" [17].

الحجارة الكبيرة: من حيث أبعادها، فهي ضخمة الحجم.

الحجارة الثمينة: من حيث تكلفتها من جهة العمل والوقت الطويل اللازم لقطعها من الصخور.

الحجارة المنحوتة: وهي حجارة مربعة قاموا بتهيئتها لتكون ناعمة. كان الإسرائيليون مع الصوريين يعملون معًا في تهيئة الحجارة.

"فنحتها بناؤو سليمان وبناؤو حيرام والجبليون، وهيأوا الأخشاب والحجارة لبناء البيت" [18].

جاء في حزقيال (27: 9) أن الجبليين كانوا ذوي خبرة في بناء السفن، وبالتالي كانت لهم خبرة في البناء بوجه عام.

الجبليون هم أهل جبيل، وهي على شط البحر على بعد نحو 25 ميلاً من بيروت على طريق طرابلس (يش 13: 5؛ حز 27: 9).

حين كان داود وسليمان يسلكان بروح التقوى كانت معاشرتهما لأهل صور نافعة للغاية، لكن إذ انحرف سليمان عن التقوى تحولت هذه المعاشرة للضرر، وقد بلغت القمة في أيام أخآب الذي اتخذ إيزابل بنت أثبعل ملك صور زوجة (16: 31).

  من وحي 1 ملوك 5

لأسخر كل الطاقات لبناء بيتك!

-     ضع في قلبي أن ابني لك بيتًا مع سليمان الحكيم.

نجح سليمان في تشغيل عمال حيرام ملك صور لحساب بيتك.

هل لي أن أكرس طاقاتي وطاقات كل من ألتقي بهم،

فيعمل العالم كله لبناء هيكلك الحق!

فرح قلب كل إنسان ببنيان ملكوتك،

كما فرح قلب حيرام بمشاركته سليمان في بناء هيكلك.

-    سخر سليمان ثلاثين ألفًا من إسرائيل للعمل،

عمل الإسرائيليون مع بني صور وأيضًا مع المسبيين.

كل منهم كان له دوره في بناء هيكلك.

 متى أرى العالم كله خادمًا لحساب ملكوتك؟

متى تتكرس كل الطاقات بروحك القدوس؟




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 6 جـ1 PDF Print Email

بناء الهيكل


يحدثنا هذا الأصحاح عن بناء هيكل سليمان أو بيت الرب الجديد. في بنائه نرى الآتي:

-     مسيحنا يتحدث عن هيكل جسده واهب القيامة. "أجاب يسوع وقال لهم: انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه، فقال اليهود في ست وأربعين سنة بُني هذا الهيكل أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه؟ وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده" (يو 2: 19-21). لقد أعد الآب له جسده "هيأت لي جسدًا" (عب 10: 5).

-     أقام السيِّد المسيح كنيسته هيكلاً مقدَّسا له. "مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاويَّة، الذي فيه كل البناء مركبًا معا ينمو هيكلاً مقدَّسا في الرب، الذي فيه انتم أيضًا مبنيون معًا مسكنًا لله في الروح" (أف 2: 20-22).

-     جعل من كل مؤمن هيكلاً يسكنه روح الله. "أما تعلمون إنَّكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟" (1 كو 3: 16). يرى المؤمن في جسده المتحد مع نفسه بروح الله هيكلاً مقدَّسا. "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم؟" (1 كو 6: 19). يقوم على حجر الزاويَّة، رب المجد يسوع، ويتم بنيانه وكمال جماله في يوم الرب العظيم. وكما زيّن سليمان الهيكل بالذهب والحجارة الكريمة هكذا لا يكف روح الرب عن أن يزينّا بعطاياه الفائقة ونعمته الغنيَّة، فنحمل بهاء مجد الرب فينا ونتأهل لشركة المجد الأبدي.

-     حياتنا السماويَّة أيضًا وسكنانا مع إلهنا إلى الأبد يدعى "الهيكل السماوي". هناك نرى الله في مجده الفائق، حوله الطغمات السماويَّة يسبحونه بلا انقطاع. هذا الهيكل غير مصنوع بأيدٍ بشريَّة، ولا يسمع فيه صوت أداة حديديَّة، بل صوت تهليلات لا تتوقَّف.

بنى سليمان هيكل الرب الذي يصعب تقدير تكلفته، خاصة كميات الذهب التي لا تُقدر لصنع بعض أدوات الهيكل، وطبقات الذهب التي غطّت المبنى كله من الداخل، حتى الأرضيَّة. لم يكن هذا لأجل مجد سليمان، وإنما لمجد الله على خلاف بعض الفراعنة الذين بنوا الأهرامات. فكان بناء أحدهم يستلزم تشغيل على الأقل 360 ألف نسمة لمدة لا تقل عن عشرين عامًا، لأجل تخليد اسم الملك.

يرى العلامة أوريحينوس[49] أن بناء الهيكل يحمل رمزًا لقيام هيكل الله الذي فيه السيِّد المسيح هو حجر الزاويَّة، والمؤمنون من رجال العهد القديم والجديد هم الحجارة الحيَّة المقامة على شخصه. وفيما يلي نظرة سريعة لما رآه العلامة أوريجينوس في بناء الهيكل:

-     لا يُسمع فيه صوت نحت، إذ يليق بالمؤمن لكي يكون حجرًا حيًا في بناء الرب ألا يحمل في داخله صوت اضطراب.

-     استخدام الذهب في الهيكل إشارة إلى ذهن المؤمن الهادئ والكامل الذي يدرك الأمور بدقة وحكمة.

-     وجود الحجاب حيث لا تُعلن الأشياء التي في أعماق الهيكل (قدس الأقداس) لغالبيَّة الكهنة واللاويين.

-     بنى سليمان بن داود الهيكل كما صنع كل الأشياء النحاسيَّة حيرام من صور ابن الأرملة، من سبط نفتالي، بينما والده من صور عامل في النحاس كان مملوء حكمة وفهمًا. الأول يشير إلى عمل المسيح بكر كل الخليقة، والثاني إلى صاحب الحكمة والفن. فالهيكل هو ثمر عمل الله فينا ومعنا.

بناء الهيكل في أرض الموعد حيث يجتمع حوله كل الشعب في الأعياد الكبرى يُعتبر حدثًا تاريخيًّا هامًا في تاريخ شعب بني إسرائيل، ربَّما لا يقل أهميَّة عن حدث الخروج على يديّ موسى النبي. فإن كان الخروج هو تحرر الشعب من عبوديَّة فرعون كرمز للتحرر من عبوديَّة إبليس والتمتع بالميراث الأبدي، فإن إنشاء الهيكل الإلهي وسط الشعب يشير إلى سكنى الله وحلوله في وسطهم، أو نزول الله إليهم بالحب ليحتضنهم. وكأن الميراث الذي نالوه "أرض الموعد"، إنَّما هو في جوهره التقاء وسُكنى مع القدوس.

اتَّسم المبنى بالآتي:

-     أبعاد المبنى وشكله تحمل رموزًا روحيَّة تمس حياة المؤمن وشركته مع الله.

-     اختيار أخشاب معينة ثمينة.

-     استخدام وفرة من الذهب الخالص والفضَّة.

-     جاء الهيكل، خاصة قدس الأقداس، غنيًّا بالزينة.

1. بدء البناء [1].

2. أبعاده وملامحه [2-10].

-     أبعاده [2].

-    الرواق [3].

-     النوافذ [4].

-     الغرفات [5-10].

3. الوعد الإلهي [11-14].

4. الحوائط والأرضيَّة [15-18].

5. المحراب [19-22].

6. الكاروبان [23-30].

7. الأبواب [31-35].

8. الدار الداخليَّة [36].

9. مدة البناء [37-38].

1. بدء البناء:

"وكان في سنة الأربعمائة والثمانين لخروج بني إسرائيل من أرض مصر، في السنة الرابعة لملك سليمان على إسرائيل في شهر زيو، وهو الشهر الثاني، إنه بني البيت للرب" [1].

حدد بداية البناء بالسنة 480 من خروج الشعب من مصر، وهي تضم 40 سنة في البريَّة مع موسى، 17 سنة مع يشوع، 299 سنة أثناء القضاة، 40 سنة أيام عالي الكاهن، 40 سنة أيام صموئيل (الملك شاول)، 40 سنة أيام داود، 4 سنوات الأولى من حكم سليمان. الإجمالي هو 480 عامًا.

حدد التاريخ بخروج الشعب من مصر، لأن غاية الخروج هو الانطلاق من أرض العبوديَّة إلى أرض الموعد. الأمر الذي يتحقَّق بسكنى الله وسط شعبه، وقيادته لهم بنفسه. الآن ببناء البيت يعلن إمكانيَّة التمتع بالحريَّة الحقيقيَّة، بسكنى واهب الحريَّة في وسطهم.

بني الهيكل بعد 480 عامًا من خروجهم من أرض العبوديَّة للتمتع بالحياة المقدَّسة، ظل السماء. وبعد أقل من 430 عامًا أُحرق الهيكل بواسطة نبوخذنصَّر حينما عاد الشعب إلى العبوديَّة بالسبي البابلي. وكأن وجود البيت كان علامة على شوق الله نحو تحرير شعبه ومؤمنيه.

بدأ بناء الهيكل في الشهر الثاني، وكأنه يبدأ بروح الحب الكامل كأساس روحي للبيت. فإن رقم 2 يشير إلى كمال الحب حيث يصير الاثنان واحدًا، وقد جاءت الوصيَّة عن الحب في وصيتين متكاملتين: حب الله وحب القريب (مر 12: 30-31). وقدمت الأرملة حبها الكامل مع الفلسين (مر 12: 42). وقدم السامري الصالح حبه الكامل مع الدينارين (لو 10: 35)، ويُعلن الكتاب المقدَّس الحب جوهرًا له بكونه العهدين القديم والجديد.

أما تسميَّة الشهر "زيو" فيعني البهاء أو السمو، ربَّما لأنَّه في هذا الشهر الذي يقابل شهر مايو تظهر الزهور الجميلة فتسكب بهاءً على الأرض. أمَّا بعد السبي فصار اسمه آيار Jyar. شهر زيو يقابل جزءً من شهر إبريل وآخر من شهر مايو. وكان الشهر الثاني من السنة الدينيَّة لليهود، والشهر الثامن من السنة المدنيَّة. قبل عصر سليمان يبدو أن اليهود لم يكونوا يشيرون إلى شهورهم بالأسماء بل بالشهر الأول أو الثاني أو الثالث الخ.

وضعت أساسات الهيكل عام 2992 من الخليقة أو 1008 ق.م، وانتهى العمل عام 3000 من الخليقة ودُشِّن عام 3001، أو عام 999 ق.م.

ارتفع بناء الهيكل فوق جبل الموريا في القدس، عند بيدر أرونة اليبوسي حيث بنى داود النبي مذبحًا للرب (2 صم 24: 28-35)، بعد أن مُهِّدت الأرض وسُدَّت الثغرات التي فيها.

دُعي "بيت الرب"، لأن الله نفسه هو الذي اختاره وحدد القائم ببنائه، ووضع خطته (1 أي 28: 11-12). ومن جانب آخر فإن المبنى مخصص للعبادة لله. ولا يمكن استخدامه أو استخدام أدواته في عملٍ آخر.

دُعي "بيت الرب" لأنَّه كان ظلاً للأمور العتيدة (عب 9: 9). ما كان يشغل الله هو أن يكون بيته مقدَّسا بكونه موضع لقاء القدوس مع قدِّيسيه. كانت خيمة داود تُدعى مع بساطتها "بيت الرب" (2 صم 12: 20)، وذلك من أجل تكريسها للرب وقداسة قلب داود. أمَّا الهيكل فمع كل فخامته وعظمته فارقه مجد الرب حينما أصر الشعب مع الكهنة على الفساد (حز 10: 18).

بدأ سليمان البناء في الشهر الثاني من السنة الرابعة من حكمه. فقد قضى ثلاث سنوات يعمل على استقرار المملكة حتى متى بدأ البناء لا ينشغل بشيء آخر. هذه السنوات الثلاث تضاف إلى السنوات التي قضاها داود أبوه في التهيئة للبدء في البناء.

2. أبعاده وملامحه:

-     أبعاده:

"والبيت الذي بناه الملك سليمان للرب طوله ستون ذراعًا وعرضه عشرون ذراعًا وسمكه ثلاثون ذراعًا" [2].

يرى البعض أن الأبعاد هنا حوالي ضعف أبعاد خيمة الاجتماع، إذ كان عدد الشعب يتزايد، لذا صارت هناك حاجة إلى توسيع مكان العبادة. "أوسعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك. لا تُمسكي. أطيلي أطنابك وشددي أوتارك" (إش 54: 2).

يتوقَّف حجم هيكل سليمان على إدراكنا للذراع القديم، وهو أمر غير مستقر تمامًا. يرى البعض أنَّه أقل من القديم، ما بين 19، 20 بوصة. يدعى بالذراع المقدَّس (حز 40: 5؛ 43: 13)، وهو بطول ذراع بشر، أطول من الذراع المتعارف عليه حاليًا.

-     الرواق:

"والرواق قدام هيكل البيت طوله عشرون ذراعًا حسب عرض البيت وعرضه عشر أذرع قدام البيت" [3].

الرواق أو القاعة الممتدة أمام مبنى الهيكل يبلغ ارتفاعه أربعة أضعاف الهيكل، وهو يمثِّل حِليَّة للمبنى الضخم. المنظر من أعلى القاعة غاية في الروعة. قيل أنَّه يمكن للإنسان أن يرى البحر الأبيض المتوسط من جانب والبحر الميت من الجانب الآخر، عبر نهر الأردن وما وراء العربيَّة.

كان بجانب مدخله رواق (بهو) وأعمدة، ثم اتسع الرواق في عهد خلفاء سليمان حتى شمل جميع الجهات.

-      النوافذ:

"وعمل للبيت كوى مسقوفة مشبكة" [4].

كانت النوافذ متسعة من الداخل وضيقة من الخارج مثل المباني المصريَّة الفرعونيَّة والأديرة القديمة حيث كانت الحوائط ضخمة، وهي تناسب دخول الهواء والنور وأيضًا خروج الدخان من المبنى، أي الدخان الصاعد من السرج التي توقد بالزيت، وأيضًا دخان البخور.

تشير هذه النوافذ إلى البصيرة، فيليق بنا أن تكون لنا البصيرة الداخليَّة المتسعة أكثر من النظرة الخارجية. فنهتم بإدراك أعماقنا الداخليَّة أكثر من انشغالنا بالغير. ندين أنفسنا وننتقدها عِوض انتقادنا للآخرين.

خلال هذه النوافذ يستطيع من بالداخل أن يرى حسنًا، أمَّا الذين في الخارج فلا يرون ما بالداخل. جاء في الترجوم أن النوافذ كانت تُفتح في الداخل وتغلق في الخارج.

 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 6 جـ2 PDF Print Email

 في العظة التاسعة على سفر يشوع، يتحدث أوريجينوس عن هيكل الله، الذي فيه يستطيع يسو

-     الغرف:

"وبنى مع حائط البيت طباقا حواليه مع حيطان البيت حول الهيكل والمحراب، وعمل غرفات في مستديرها" [5].

إقامة الغرف حول حوائط البيت يُشير إلى الاهتمام بالملحقات العمليَّة حيث توضع الأدوات الخاصة بالهيكل بطريقة لائقة. وفيها يرتدي الكهنة ملابسهم الكهنوتية ويخلعونها، ويحفظون ثيابهم فيها. فمع جمال المبنى يلزم الاهتمام بمراعاة إمكانيَّة الاستفادة منه عمليًا، حتى يحقق المبنى هدفه.

لم يذكر هنا عدد الحجرات، وقد جاء عن الهيكل الوارد في رؤيا حزقيال أن عدد الحجرات ثلاثون (حز 41: 6)، ويقول الكُتّاب اليهود أن هذا الرقم هو ذات رقم حجرات هيكل سليمان.

كانت الحجرات من الجوانب الثلاثة للهيكل.

"فالطبقة السفلى عرضها خمس أذرع، والوسطى عرضها ست أذرع، والثالثة عرضها سبع أذرع،  لأنَّه جعل للبيت حواليه من خارج أخصامًا لئلا تتمكن الجوائز في حيطان البيت. والبيت في بنائه بُني بحجارة صحيحة مقتلعة، ولم يسمع في البيت عند بنائه منحت hammer ولا معول (فأس) ولا أداة من حديد" [6-7].

شُيِّدت الحيطان من حجارة نُقلت من المحاجر المعروفة إلى اليوم بمقالع سليمان، قرب باب العمود.

يرى البعض أن الكلمة العبريَّة هنا تعني أن الحجارة قد تم تهيئتها تمامًا قبل البدء في البناء، لكن ما أن بدأ البناء لم تستخدم أية آلة حديديَّة لتهيئة الحجارة. عدم استخدام أداة من حديد مثل الفؤوس يُشير إلى الالتزام بتهيئة كل شيء قبل البدء في البناء. يكون كل شيء خاصة الحجارة والنحت على الخشب معدًا للتركيب.

هذا وبناء بيت الرب يتحقَّق في جو من الهدوء والسكون. فالضجيج يحرم الإنسان من اللقاء مع الله، والتمتع بسكنى الله في داخله.

استخدام الفؤوس يشير إلى خبطات الصراعات المُرة بين المؤمنين، الأمر الذي يحطم بنيان الكنيسة بيت الله.

بيت الرب أو الهيكل يرمز لملكوت الله أو السماء عينها. يليق بنا أن نتهيَّأ هنا بالكامل لنوجد حجارة حيَّة معدّة للبناء السماوي. فهناك لا نسمع صوت أداة حديديَّة، حيث لا توبة ولا صرخات ولا تجارب، بل الكل في فرحٍ شديدٍ وتهليل قلبٍ.

-     هذه المطرقة التي للأرض كلها يريد الله أن تُفهم أنَّها الشيطان. بهذه المطرقة التي في يد الرب، أي التي في قوته تضرب الألوان أو النفوس المقدَّسة لكي تعطى صدى لمدائح الله.

يُضرب كل من الإنسان البار والخاطئ بهذه المطرقة. الأول كتجربة والثاني كعقاب، أو على الأقل لكي يزداد البار في الفضائل ويصلح الخاطي من رذائله.

يُضرب بهذه المطرقة التي في يد الرب ليس فقط المتواضعين، بل والمتكبرون؛ لكن المتواضعين يُضربون كالذهب والمتكبرون ينكسرون كالزجاج. ذات الضربة تجعل الصالح في مجدٍ، وتحول الشرير إلى قشٍ، فيتحقَّق فيهم المكتوب: "كالقش الذي تزريه الريح" (مز 1: 4)[50].

الأب قيصريوس أسقف آرل

-     ليكن باب فمك وباب قلبك مغلقين بحرصٍ شديدٍ، حتى لا يستطيع العدو أن يدخل. أنَّه بسرعةٍ وبعنفٍ يفتح الباب إن وجد الإمكانيَّة لذلك، أمَّا المسيح فيقرع (نش 5: 3، لو 12: 36) ولا يحطم الباب، فإنَّه "قد يشدد عوارض أبوابك يا أورشليم" (مز 147: 13). يقرع المسيح بيده لكي تفتحوا له، أمَّا العدو فيكسر الباب بالفؤوس، لذلك كُتب لا تدخل مطرقة ولا فأس إلى بيت الرب (1 مل 6: 7). ليكن الكبرياء والخداع خارج الأبواب لا داخلها. ليكن الصراع في الخارج (2 كو 7: 5)، أمَّا في الداخل فيوجد السلام الذي يفوق كل فهم (في 4: 7). ليته لا تُقطع نفوسكم بحديد، لئلا تكون كنفس يوسف تعبر بالحديد (في الحديد دخلت نفسه مز 105: 18). لئلا ينهدم الجزء المتحكم (في نفسك) الذي هو خيمة الكلمة، في بداية الإيمان نفسه وفي مدخل التعلم الروحي[51].

القدِّيس أمبروسيوس

ع المسيح أن يقدِّم ذبيحته للآب. أنَّه مبني من حجارة سليمة، غير مكسورة. "لم يُرفع عليها حديدً" (راجع تث 27: 5). تلك هي الأحجار الحيَّة النقيَّة، الرسل القدِّيسون، الذين يؤلفون هيكلاً واحدًا من خلال وحدة قلوبهم (أع 1: 24) وأنفسهم. كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة (أع 1: 14)، كما كان لهم الذهن الواحد. فالوحدة الحقيقيَّة، بمعنى آخر، مؤسسة على الحياة المقدَّسة، والمحبة (وحدة القلوب)، والعبادة المشتركة (صوت واحد)، والإيمان الواحد (ذهن واحد).

يعتبر أوريجينوس تقدِّيس كل عضوٍ هو الأساس في وحدة الكنيسة، إذ أن ما يقترفه العضو يؤثر على الآخرين. فيقول: "خاطئ واحد يلوث الشعب"[52]. و"أن من يقترف الزنا أو أية جريمة أخرى يلوث الشعب بأكمله"[53].

"وكان باب الغرفة الوسطى في جانب البيت الأيمن، وكانوا يصعدون بدرج معطف إلى الوسطى ومن الوسطى إلى الثالثة" [8].

كان يوجد مدخل رئيسي واحد للحجرات الجانبيَّة التي للكهنة.

"فبنى البيت وأكمله وسقف البيت بألواح وجوائز من الأرز" [9].

يختلف النظام الشرقي للمباني عن الغربي. ففي الغرب السقف من الفخار أو plaster وأما في الشرق فالسقف من الخشب. غير أن المباني الأوربيَّة القديمة اتبعت نفس النظام الشرقي، هذا ما تؤكده قاعة وستمنستر Westminster Hall.

"وبنى الغرفات على البيت كله سمكها خمس أذرع وتمكنت في البيت بخشب أرز" [10].

3. الوعد الإلهي:

بينما كان سليمان منهمكًا بكل قلبه وطاقاته لبناء هيكل الرب تكلم الرب معه ليُشجعه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يؤكِّد له أنَّه سيسكن في وسط شعبه ولا يتركهم، بشرط أن يكونوا أمناء في وصيته لهم.

لا نستطيع أن نقدم صورة كاملة لما كان يجري حول الملك سليمان وما في داخله. ما ندركه أنَّه كان متهللاً بالروح، وأن كثيرين كانوا يشاركونه تهليل روحه. لكن بلا شك أن العمل احتاج إلى وقت طويل يبذله سليمان ورجاله، ونفقات ليست بقليلة، وتعبٍ شديدٍ. لهذا جاءت كلمة الرب تسنده وسط أتعاب شعبه.

ومن جانب آخر أراد الله تأكيد بناء هيكل الرب الداخلي بالطاعة لوصيته بكونه أهم من المباني الحجريَّة.

جاءت كلمة الرب إلى سليمان قبل البدء في العمل لتشجعه، وأيضًا أثناء العمل، وبعد انتهائه. يريد الله أن يبدأ معنا، ويسير معنا في طريقه، ويبلغ بنا إلى نهاية الطريق. يشتهي أن يرافقنا من البداية حتى النهاية، فهو الأول والآخر، البداية والنهاية.

"وكان كلام الرب إلى سليمان قائلاً: هذا البيت الذي أنت بانيه أن سلكت في فرائضي، وعملت أحكامي وحفظت كل وصاياي للسلوك بها، فإني أقيم معك كلامي الذي تكلمت به إلى داود أبيك" [11-12].

لا تستطيع شركة مقاولات أن تبدأ في بناء ناطحة سحاب ما لم تتسلم الخرائط الخاصة بالإنشاء من المهندس مصمم المبنى. الله هو المهندس الذي يصمم بناء هيكله في النفس يقدِّم لنا هنا الخرائط للتنفيذ، وهي السلوك في فرائضه والعمل بأحكامه وحفظ وصاياه بالطاعة العمليَّة له، بهذا يقوم البناء فينا خلال عمل روحه القدوس.

داود النبي والملك هو صاحب فكرة بناء هيكل ثابت للرب بدلاً من خيمة الشهادة المتنقلة. جمع الأموال وخزَّن المجوهرات وجهَّز الأدوات والمعدَّات (2 صم 7، 1 مل 5: 3-5؛ 8: 17؛ 1 أي 22؛ 28: 11-29). ويقدِّم لنا الكتاب المقدَّس إحصاءً دقيقًا للأموال والمجوهرات التي أرصدها داود الملك لهذا العمل المقدَّس، أمَّا من خزائنه أو من أعماله وحلفائه.

"وأسكن في وسط بني إسرائيل ولا اترك شعبي إسرائيل" [13].

تحقَّق هذا بصورة أقوى وأعظم بمجيء كلمة الله نفسه في العالم وإقامة هيكله في القلوب، وسكناه في وسط الكنيسة، وفي أعماق المؤمنين.

ما وعد به الله هنا هو تأكيد لما سبق الوعد به في (2 صم 12: 12). إقامة الهيكل هو عربون للحضرة الإلهيَّة وسط الشعب، وتأكيد لما وعد به الله الملك داود، وما ورد في لاويين (26: 11).

"فبنى سليمان البيت وأكمله" [14].

4. الحوائط والأرضيَّة:

"وبنى حيطان البيت من داخل بأضلاع أرز من أرض البيت إلى حيطان السقف، وغشاه من داخل بخشب وفرش أرض البيت بأخشاب سرو" [15].

المعنى هنا "غطي حيطان البيت..."، فلا يرى في داخل البيت أثر لحجارة الحوائط بل كل البيت مغلف في الداخل بالخشب، والخشب مغلف بطبقة من الذهب الخالص. حتى الأرضيَّة كانت مغلفة بالذهب، فيسير الإنسان على الذهب.

كان الداخل منقسم إلى قسمين بواسطة حجاب يحوي أبواب تطبّقdoors  folding تُفتح وتُغلق بسلاسل ذهبيَّة. القسم الداخلي وهو قدس الأقداس في شكل مكعب أضلاعه 20 ذراعًا (حوالي 30 قدمًا). والقسم الأمامي يُدعى القدس طوله 40 ذراعًا. كان خشب الأرض منقوشًا بنقوش جميلة تمثِّل القثاء والزهور والكاروبيم والنخيل. كان الداخل كله مُغطّى بطبقة من الذهب فلا يرى حجر أو خشب قط. لا تنظر العين سوى الذهب سواء الصفائح الذهبيَّة أو تغطي النقوش.

"وبنى عشرين ذراعًا من مؤخر البيت بأضلاع أرز من الأرض إلى الحيطان، وبنى داخله لأجل المحراب أي قدس الأقداس" [16].

يتحدث هنا عن القسم الخلفي من الهيكل أو الداخلي، أي قدس الأقداس.

"وأربعون ذراعًا كانت البيت أي الهيكل الذي أمامه. وأرز البيت من داخل كان منقورًا على شكل قثاء وبراعم زهور. الجميع أرز لم يكن يرى حجر" [17-18].

5. المحراب (قدس الأقداس):

"وهيأ محرابًا في وسط البيت من داخل، ليضع هناك تابوت عهد الرب" [19].

المحراب أو قدس الأقداس أو "موضع الكلام" (كما تعني الكلمة العبريَّة). تدعى هكذا لأن الله كان يتكلم مع موسى خلال كرسي العرش فوق التابوت، أو لأن الله يتحدث هناك مع رئيس الكهنة حينما يرتدي الصدريَّة ويستشيره.

لقد جدد سليمان كل شيء ما عدا تابوت العهد بالكاروبين وكرسي العرش لأنَّه يمثِّل الحضرة الإلهيَّة. هذه الحضرة لن تتغير مع الزمن، بل تتحقَّق بذاتها مع شعبه سواء خلال خيمة الاجتماع أو هيكل سليمان.

كان قدس الأقداس أو المحراب في الهيكل ضخمًا جدًا إن قورن بذاك الذي في خيمة الاجتماع. كان يبدو تابوت العهد صغيرًا جدًا في وسط هذه المساحة، لهذا أُقيم الكاروبان الضخمان من الحائط إلى الحائط، ووضعت زينات كثيرة فلا يظهر قدس الأقداس فارغًا.

"ولأجل المحراب عشرون ذراعًا طولاً وعشرون ذراعًا عرضًا وعشرون ذراعًا سمكًا، وغشاه بذهب خالص وغشى المذبح بأرز. وغشى سليمان البيت من داخل بذهب خالص. وسد بسلاسل ذهب قدام المحراب وغشاه بذهب" [20-21].

يصعب تقدير قيمة الذهب الذي يغلف المبنى كله من الداخل بجانب المنارة الذهبيَّة ومذبح البخور الذهبي الخ.

"وجميع البيت غشاه بذهب إلى تمام كل البيت، وكل المذبح الذي للمحراب غشاه بذهب" [22].

6. الكاروبان:

"وعمل في المحراب كروبين من خشب الزيتون علو الواحد عشر أذرع.  وخمس أذرع جناح الكروب الواحد وخمس أذرع جناح الكروب الآخر. عشر أذرع من طرف جناحه إلى طرف جناحه. وعشر أذرع الكروب الآخر قياس واحد وشكل واحد للكروبين. علو الكروب الواحد عشر أذرع وكذا الكروب الآخر. وجعل الكروبين في وسط البيت الداخلي.  وبسطوا أجنحة الكروبين. فمس جناح الواحد الحائط وجناح الكروب الآخر مس الحائط الآخر، وكانت أجنحتهما في وسط البيت يمس أحدهما الآخر. وغشى الكروبين بذهب" [23-28].

كما يحمل غطاء التابوت كاروبين هكذا يوجد كاروبان يملآن قدس الأقداس، طرف جناح كل منهما يلمس من جانب الحائط ومن الجانب الآخر يلمس جناح الآخر، إشارة إلى أن الموضع سماوي، يمثِّل شركة السمائيين. أمَّا أنظارهما فلا تتجه نحو بعضهما البعض بل نحو التابوت، وفي (2 أي 3: 13) متجهة نحو البيت. فمع وجود الشركة بين السمائيين إىَّ أن فكرهما لا ينشغل ببعضهما البعض بل بالله الساكن في هيكله المقدَّس.

-    تنضم القوات الملائكيَّة إلى جماعات المؤمنين، إلى حيث تحل قوة ربنا ومخلصنا نفسه. وحيث تجتمع أرواح القدِّيسين، الذين سبقوا فرحلوا، ومن هم مازالوا بين الأحياء. ولو أن شرح ذلك ليس بالأمر السهل[54].

العلامة أوريجينوس

 

السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 6 جـ3 PDF Print Email

الكاروبيم (الشاروبيم):

"الكاروب" هم أحد الرموز الهامة في العبادة الموسويَّة، فيظهر في خيمة الاجتماع، وفيما بعد على حوائط هيكل سليمان، وفي رؤيا حزقيال الخاصة بالهيكل الجديد. ارتبط الشاروبيم بخيمة الله، مسكن الله وسط شعبه. يظهر كاروبان تمثالان من الذهب على كرسي الرحمة القائم على تابوت العهد القديم (خر 25: 17-22)، يشيران إلى المجد الإلهي، وكما يقول الرسول: "فوقه كروبا المجد مظللين الغطاء" (عب 9: 5).

متى أشير إلى الكاروبيم لا يدعوا "ملائكة"، لأنَّهم لا يقوموا بالعمل كمرسلين من الله إلى البشر لتقديم رسالة معينة، إنَّما يظهروا للبشر في رؤى لإعلان مجد الله وسلطانه وقداسته. بظهورهم يُعلن مسكن الله وعرشه السماوي، أي يمثِّلون الحضرة الإلهيَّة. يُشار إلى الله كجالس على الكاروبيم: "يا جالسًا على الكاروبيم أشرق" (مز 80: 1). "الرب قد ملك، ترتعد الشعوب، هو جالس على الكاروبيم، تتزلزل الأرض" (مز 99: 1).

اسم "الشاروبيم" يعني فيضًا من المعرفة أو تدفقًا من الحكمة. لذا فهم يشيرون إلى قوة المعرفة وإلى رؤية الله. يتأملون في جمال اللاهوت في أول إعلاناته، شركاء في الحكمة الإلهيَّة. يفيضون بينبوع حكمتهم على من هم أقل منهم بسخاء.

والعجيب أن الكاروب ارتبط بخلاصنا ارتباطًا وثيقًا، ظهر في أول أسفار الكتاب المقدَّس ممسكًا سيفًا ملتهبًا نارًا يحرس طريق الفردوس حتى لا يدخل الإنسان إلى شجرة الحياة (تك 3: 24). إذ لا تقدر طبيعة الإنسان الساقطة أن تقترب من سر الحياة. كما ظهروا في آخر أسفار الكتاب المقدَّس مع الأربعة وعشرين قسيسًا السمائيين يشتركون في تسبحة الحمل التي هي تسبحة خلاصنا (رؤ 5: 9)، إذ صار للإنسان حق الدخول إلى السماء عينها وقد تمجدت طبيعته في المسيح يسوع الحمل الحقيقي. أمَّا بين بدء الكتاب ونهايته فيظهر أيضًا كاروبان على تابوت العهد في خيمة الاجتماع والهيكل علامة الحضرة الإلهيَّة، وكان الله يتحدث مع موسى من خلالهما. أمَّا وجود كاروبين فوق تابوت العهد حيث يمثِّل عرش الله، فيشير إلى أن الله الساكن وسط شعبه يتحدث معهم ويعاملهم خلال الرحمة والحب. أيضًا وجود اثنين يشير إلى دور السمائيين من نحونا: الصلاة لأجلنا والعمل كخدام للعتيدين أن يرثوا الخلاص (عب 1: 14). ورسم شكل الكاروب على ستائر الخيمة والحجاب (خر 27-25) يقترب من شكل الإنسان مجنحًا ليعلن عن اقتراب الطبيعة البشريَّة إلى الحضرة الإلهيَّة.

لقد عرف الإنسان الكاروب، فصار ليس غريبًا عن البشريَّة، لهذا عرفته الأمم ولاسيما الكلدانيون، وإن كانوا قد أضفوا عليه أشكالاً من عندياتهم كما فعل سائر الأمم في كل الحقائق الإيمانيَّة التي تسلموها شفاهًا بالتقليد وصبغوها بفكرهم المنحرف.

إذن حين نرى الكاروب إنَّما نتذكر طبيعتنا البشريَّة التي تمتعت بالخلاص من خلال اتحادها مع الله في المسيح يسوع ربنا بواسطة روحه القدوس.

تبع القدِّيس إكليمنضس السكندري فيلون اليهودي قائلاً: [إن كلمة "كاروب" تعني "معرفة"]، وكأنه من خلال المعرفة الروحيَّة تصير حياتنا مركبة تحمل الله داخلها. هذا ما قبله أيضًا القدِّيس جيروم الذي رأى في الكاروب رمزًا لمخزن المعرفة التي تعمل في طبيعتنا لترفعها وتنطلق بها بين القوات السماويَّة. تعمل في طبيعتنا المتسلَّطة على الشهوات كأسد، وتحلق في الأمور العلويَّة كنسر وتعمل مجاهدة كالثور وبتعقل كإنسان. هذه المعرفة نغترفها من الأناجيل الأربعة، إذ يقول نفس القدِّيس: "متى ومرقس ولوقا ويوحنا هم فريق الرب الرباعي، الكاروبيم الحقيقيون، أو مخزن المعرفة؛ فإن جسدهم مملوء عيونًا ومتلألئ كالبرق... أقدامهم مستقيمة ومرتفعة، ظهرهم مجنح، مستعدون للطيران في كل الاتجاهات، كل واحد منهم يمسك بالآخر يتشابك الواحد مع غيره، كالبكرات وسط البكرات يتدحرجن على طول الخط، يتحركن حسب نسمات الروح القدس"[55].

"وجميع حيطان البيت في مستديرها رسمها نقشًا بنقر كروبيم ونخيل وبراعم زهور من داخل ومن خارج" [29].

وجود الكاروبين في قدس الأقداس ونقش الكاروبين في جميع حوائط البيت ليس لعبادة الطغمات السمائية، وإنما لتأكيد شركة السمائيين مع الأرضيين في عبادة الله الحيّ.

"وغشى أرض البيت بذهبٍ من داخل ومن خارج. وعمل لباب المحراب مصراعين من خشب الزيتون الساكف والقائمتان مخمسة" [30-31].

7. الأبواب:

"والمصراعان من خشب الزيتون، ورسم عليهما نقش كروبيم ونخيل وبراعم زهور، وغشاهما بذهب ورصّع الكروبيم والنخيل بذهب. وكذلك عمل لمدخل الهيكل قوائم من خشب الزيتون مربعة. ومصراعين من خشب السرو. المصراع الواحد دفتان تنطويان، والمصراع الآخر دفتان تنطويان. ونحت كروبيم ونخيلاً وبراعم زهور وغشاها بذهب مطرق على المنقوش" [32-35].

يعتبر العلامة أوريجينوس أن الكنيسة هي باب البر، من خلاله يدخل يسوع المسيح البار. وتقع أبواب الكنيسة في الاتجاه المضاد لأبواب الموت.

-     الآن يمكن فهم أبواب صهيون بصفتها مضادة لأبواب الموت. يوجد إذن باب واحد للموت والإثم، أمَّا باب صهيون فهو ضبط النفس. وهذا ما يقصده النبي القائل: "هذا باب الرب والصديقون يدخلون فيه" (مز 118: 21).

كما يوجد الجبن، وهو باب للموت؛ في حين أن الشجاعة هي باب صهيون.

نقص التعقل هو باب الموت، وعلى العكس التعقل هو باب صهيون.

وفي مقابل جميع أبواب "العلم الكاذب الاسم" (1 تي 6: 20) يوجد باب واحد يجابهها، هو باب المعرفة المنزهة عن الكذب.

ولكن إذا وضعنا في الاعتبار أن "مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ" (أف 6: 12) يمكن القول أن كل قوة ورئيس عالم هذه الظلمة، وكل واحدٍ من "أجناد الشر الروحيَّة في السماويَّات" (أف 6: 12)، هو باب للجحيم والموت[56].

العلامة أوريجينوس

كانت حوائط خيمة الاجتماع من أقمشة ملونة ثمينة مرسوم عليها الكاروبيم فقط. أمَّا في الهيكل فالخشب منحوت بأشكال الشاروبيم والنخيل وأزهار متفتحة. اختيار النخيل إشارة إلى الاستقامة ودوام الاخضرار، وقد عرفت فلسطين بنخيلها، هذا وسعف النخيل يشير إلى السلام مع النصرة، وكأن البيت هو قصر الملك واهب السلام والنصرة، أو هو ملك السلام.

جاء الهيكل أشبه بقصر ملكي ليُعلن أن الله هو الملك الخفي الذي يحكم ويدبر شيءون شعبه. كقصور الملوك، مزود بقاعة، ومن الجوانب مبانٍ ثلاثة أدوار منفصلة عنه تعطيه نوعًا من الوقار. الداخل مغلف بأخشاب ثمينة منحوتة مغشاة بالذهب الخالص لأنَّه مسكن الملك السماوي.

-     زينة العالم هي الكنيسة المُزينة بيسوع الذي هو نور العالم[57].

بمقارنة النص بما ورد في حزقيال (41: 18) يظهر أن شجر النخيل يوضع مع الكاروبيم بالتبادل، فتظهر شجرة النخيل دائمًا بين كاروبين. فإن كان المؤمن الحقيقي كالنخلة يزهو، فإنَّه مُحاط بالسمائيين من كل جانب. وكأن الهيكل الحقيقي هو مصالحة السمائيين مع الأرضيين، وتمتع البشريَّة بالشركة مع السمائيين خلال نعمة الله المجانيَّة.

8. الدار الداخليَّة:

"وبنى الدار الداخليَّة ثلاثة صفوف منحوتة وصفًا من جوائز الأرز" [36].

الدار الداخليَّة هنا تطابق "دار الكهنة" (2 أي 4: 9)، هذا يفترض وجود دار خارجية أُشير إليها في (2 أي 4: 9) وتُدعى "الدار العظيمة". الدار الداخليَّة تدعى "الدار العُليا" في (إر 36: 10) حيث أنَّها في مستوى أعلى من الدار الخارجية.

9. مدة البناء:

"في السنة الرابعة أسس بيت الرب في شهر زيو. وفي السنة الحاديَّة عشرة في شهر بول، وهو الشهر الثامن أكمل البيت في جميع أموره وأحكامه، فبناه في سبع سنين" [37].

استغرق بناء الهيكل سبع سنوات أو سبع سنوات ونصف، وهو الوقت الذي فيه تم بناء بيت الهيكل ودار الكهنة مع التهيئة للدار الخارجية. لكن هذه الفترة تعتبر قصيرة جدًا لبناء هيكل ضخم كهذا. غير إنَّنا نلاحظ أن هذه الفترة لا تشمل الأعمال السابقة الضروريَّة للبدء في العمل كتهيئة الأرض؛ وأيضًا مثل فترة قطع الأخشاب وقطع الحجارة ونحتها. مع ضخامة المبنى وجماله وتكلفته الفائقة إىَّ أن مساحته كانت نسبيًّا صغيرة. هذا وأن عدد العاملين لتهيئته ولبنائه ضخم للغاية.

أهميَّة بناء الهيكل ورد في (8: 13، 27؛ 9: 3؛ 2 أي 6: 2) الخ. أنَّه مسكن ليهوه، وموضع كرسيه، الله الذي لا تسعه سماء السموات قبِل أن يكون له بيت وسط شعبه (8: 27)، يسكن فيه اسمه (8: 26 الخ؛  2 أي 6: 5؛ 2 صم 7: 13).

الراحة في مقدَّس المعرفة المقدَّسة

-    من ثم، فلأنني اعتقدت أنني اعتنق المعتقد الصحيح، وأدركت معرفة تلك الأمور قلت لنفسي: "إذا هو تعب في عينيِّ، حتى دخلتُ مقادس الله، وانتبهتُ إلى آخرتهم" (مز 73: 16-17) وهذا يعني: التعب الوحيد الباقي لي هو أنَّه ينبغي أن أذهب إلى مقدَّس الله حيث الشاروبيم (خر 25: 17-22)، أي إلى عمق المعرفة، وألا انشغل بالآراء الخاملة غير الأكيدة، لأن "حديث الأحمق مثل حِمل في الطريق" (سيراخ 21: 16).

فلندخل إذن إلى مقدَّس المعرفة المقدَّسة، وحِجال الحق (محراب المعرفة الداخليَّة). ولا يكون لنا عمل آخر سواه، لأن الحكمة تجذبنا بعيدًا عن فكر المشقة. فإن يعقوب لم يكدِّ حقًا (تك 27: 20)، حيث سبب المشقة جهل. لأن من لا يعرف أن الجعالة قد أُعدت للأبرار فوق لا ينتعش ولا يبتهج بكدِه، بل بالأحرى ينحني وينكسر بالعمل الذي ينشأ عن افتقاره للمعرفة. لهذا فلندخل إلى مقدَّس الله، حيث الشاروبيم، الذين فيهم تذكر المعرفة المقدَّسة، والنور الأبدي والحقيقي[58].

القدِّيس أمبروسيوس

نختم حديثنا عن بناء هيكل الرب بكلمات العلامة أوريجينوس:

-     يا ربي يسوع المسيح، اجعلني مستحقًا للمشاركة في بناء بيتك.

تعالوا نبني خيمة إله يعقوب، يسوع ربنا، ونزينها...

موضع سكني الله هو القداسة المطلوب منا تحقيقها... وبالتالي يمكن لكلٍ منا أن يهيئ خيمة لله في قلبه. تشير شققها العشرة (خر 26: 1) إلى تنفيذ الوصايا العشرة.

فحص خيمة الاجتماع عن قربٍ.

فيرمز الأرجوان والاسمانجوني والبوص المبروم أي الكتان الخ. إلى الأعمال الصالحة،

ويرمز الذهب إلى الإيمان (رؤ 3: 18)؛

والفضَّة إلى الكرازة (مز 12: 6)؛

والنحاس إلى الصبر؛

والخشب الذي لا يسوس إلى المعرفة التي يقتنيها المؤمن في البريَّة الموحشة، وإلى الطهارة الدائمة.

والكتان إلى البتوليَّة؛

والأرجوان إلى الاستشهاد.

والقرمز إلى بهاء المحبة.

والإسمانجوني إلى الرجاء في ملكوت السموات.

ومن كل هذه المواد تُبنى خيمة الاجتماع.

ولابد للنفس من مذبح في وسط القلب، تقدًَّم عليه ذبائح الصلاة ومحرقات الرحمة. تُذبح ثيران الكبرياء بسكين الوداعة، كما تُقتل كباش الغضب ونعاج الترف والشهوة.

لتعرف النفس كيف تقيم منارة دائمة الإنارة، وذلك عن يمين القدس الذي لقلبها[59].

العلامة أوريجينوس

 من وحي 1 ملوك 6

بيتك مُعد في وسط قلبي

لتسكن فيه أبديًا!

-    بنى سليمان البيت وكل زينته!

بناه بحجارة صحيحة،

ولم يسمع في البيت صوت منحت أو معول.

بنيت كل ملحقاته ولم يعد ينقصه شيء.

وعدته أن حفظ وصاياك تقيم معه كلامك الذي تكلمت به مع داود أبيه.

تسكن في وسط شعبك، ولا تتركه.

-      هوذا بيتك مُعد في داخلي.

 تجد فيه القدس وقدس الأقداس.

يفرح الكاروبيم وكل الطغمات السمائية بحلولك فيه.

بدخولك تصير أرضي سماءً.

بسكناك يتهلل الكل بك.

لتسكن على الدوام ولا تفارق قلبي.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 7 جـ1 PDF Print Email

أعمال سليمان الإنشائيَّة

بعد أن ختم الحديث عن بناء الهيكل مسكن الله في سبع سنوات، تحدَّث عن بناء مسكنه الخاص في 13 سنة. على أي الأحوال كانت أبعاد الهيكل 60×20×25 ذراعًا، بينما أبعاد القصر 100×50×30، فهو أكثر اتِّساعًا من مسكن الرب. هذا وقد بنى سليمان عرشًا، وأجنحة منفصلة لمسكنه ولابنة فرعون. أقام أيضًا بهوًا ممرًّا لقصره مشابهًا لما هو الهيكل.

1. إنشاءات لاستخدامه العائلي[1-12].

أ. بيت وعر لبنان[2].

ب. رواق (بهو) الأعمدة [6].

ج. رواق الكرسي أو العرش للقضاء[7].

د. بيت الملكة ابنة فرعون [8].

2. أثاثات الهيكل

أ. العمودان[13-22].

ب. البحر المسبوك[23-26].

ج. القواعد العشر[27-37].

د. المراحض العشر[38-39].

ه. المراحض والرفوش والمناضح[40-50].

و. تقديم عطايا أبيه[51].

1. إنشاءات لاستخدامه العائلي:

"وأمَّا بيته فبناه سليمان في ثلاث عشرة سنة وأكمل كل بيته" [1].

قضى سليمان سبع سنوات في بناء بيت الرب (6: 38)، والآن يقضي 13 سنة في بناء بيته، أي حوالي ضعف المدَّة. هذا لا يعني أن سليمان اهتم بالمنشاءات الخاصة به أكثر من اهتمامه ببيت الرب، فقد بدأ بالهيكل أولاً ولعلَّ انقضاء هذه المدَّة الطويلة يرجع إلى أسباب كثيرة منها:

أ. أن داود الملك كان قد هيَّأ الكثير لبناء الهيكل، الأمر الذي لم يحدث بالنسبة للمنشاءات الأخرى، كما قضى سليمان الثلاثة سنوات الأولى من حكمه يستعد لبناء الهيكل.

ب. أن العاملين في الهيكل قد أُرهقوا بعد عملٍ دام سبع سنوات، فبلاشك أن عددهم بدأ يقل، وقدرتهم للعمل صارت أقل. خاصة وأن شهوة قلب سليمان لبناء الهيكل كانت لا تُقارن أمام رغبته في بناء المنشاءات الخاصة به.

ج. مساحة المسكن الخاص كانت أكبر من مساحة الهيكل.

و. احتاج سليمان إلى إنشاء مباني كثيرة، وهي:

أ. بيت وعر لبنان [2].

ب. رواق (بهو) الأعمدة [6].

ج. رواق الكرسي أو العرش للقضاء [7].

د. بيت الملكة ابنة فرعون [8].

هكذا كان القصر الملكي أشبه بمجموعة من المباني متَّصلة بعضها ببعض. أنَّها أشبه بأقسام للقصر الملكي الواحد. وقد جاء الحديث عن هذه الأقسام مختصرًا جدًا، حتى يصعب تقديم صورة كاملة عن ملامح هذه الأبنية. موقع هذه الأبنية بالقرب من الهيكل وإلى جهة الجنوب منه على الأكمة الشرقيَّة المسمَّاة صهيون أو الموريَّا.

لقد قضى سليمان أكثر من ثلاث سنوات في الإعداد للهيكل وسبع سنوات في بناء الهيكل وثلاث عشرة سنة في بناء القصر الملكي وملحقاته ولم يبقَ له سوى أقل من سبع عشرة سنة يقضيها في قصره مشغولاً بالالتزامات الماديَّة التي شغلته عن الاهتمام بتربية ابنه رحبعام، ممَّا حطَّم كل ما فعله من أعمالٍ عظيمة. لو أن ما بذله من جهدٍ قدَّمه لتربية ابنه ما كانت قد انشقَّت المملكة، وما كان الشعب يصرخ: "قسَّى نيرنا".

أ. بيت وعر لبنان:

"وبنى بيت وعر لبنان طوله مائة ذراع وعرضه خمسون ذراعًا وسمكه ثلاثون ذراعًا. على أربعة صفوف من أعمدة أرز، وجوائز أرز على الأعمدة" [2].

أراد الملك أن يصنع أفضل شيء مهما كانت التكلفة، ممَّا أدَّى إلى زيادة الضرائب على الشعب. منذ حوالي 3000 عامًا كانت لبنان تضم مساحات شاسعة كغابات لشجر الأرز، فأرسل سليمان ألوف من العمال لقطع الأرز وإرساله إلى أورشليم، استخدمه في الهيكل وبناء بيته بكل ملحقاته، والمشاريع الأخرى. كما كان أرز لبنان مع السرو وغيره يُصدر إلى سوريا ومصر وبلاد ما بين النهرين. أيضًا قام نبوخذنصَّر بإساءة استخدام هذه الغابات (حب 2: 17) وهكذا مع الأجيال زالت هذه الغابات وأصبح من الاستحالة استعادتها رغم المحاولات المستمرَّة لذلك.

لم يكن بيت وعر لبنان مسكنًا لسليمان، إنَّما هو دار للعمل السياسي، أشبه بالمقرّ الملكي للإدارة السياسيَّة، حُفظت فيه أيضًا الأسلحة (1 مل 10: 17). دُعي بيت وعر لبنان مع أنَّه لم يُقم في لبنان، وإنَّما لأن أغلب مواده، خاصة الأخشاب، من غابات لبنان. وربَّما بسبب جمال موقعه وسط الأشجار التي تحوط به دعي بيت الملك (1 مل 9: 10).

يظن البعض أن سليمان بنى هذا القصر خارج أورشليم ليعيش في جو هادئ، خاصة وأنَّه كان يميل إلى استخدام الخيول والمركبات. وأن عرشه [7] لم يكن ملحقًا بهذا القصر. ويرى آخرون أنَّه مع بقيَّة الأبنية كان بأورشليم جنوب الهيكل مباشرة، على الأكمة الشرقيَّة المسمَّاة صهيون أو الموريَّا.

يرى البعض أنَّه أشبه ببهو ضخم كما في القصور الأشوريَّة، تحيط به مجموعة من الحجرات على ثلاثة طوابق. كان له أربعة صفوف من أعمدة أرز، ولكنَّنا لا نعرف عدد أعمدة كل صفٍ. وكانت غرف مبنيَّة على ثلاث جهات كغرف الهيكل، غير أن غرف الهيكل كانت خارجة عن حيطانه لاصقة بها، وأمَّا غرف بيت وعر لبنان فكانت داخلاً مرتكزة على الأعمدة.

"وسقف بارز من فوق على الغرفات الخمس والأربعين التي على الأعمدة كل صف خمس عشرة. والسقوف ثلاث طباق وكوة مقابل كوَّة ثلاث مرَّات" [3-4].

وُجدت ثلاثة طوابق من 45 حجرة على جانب البهو الضخم، يحوي كل طابقٍ 15 حجرة. ست غرف على كلٍ من الجانبين الطويلين، وثلاث غرف على الجانب الثالث.

وكانت النوافذ في الطبقة الوسطى فوق النوافذ التي في الطبقة السفلى، والنوافذ في الطبقة العليا فوق النوافذ التي في الطبقة الوسطى. وكانت النوافذ مشرفة على الدار الداخليَّة.

"وجميع الأبواب والقوائم مربَّعة مسقوفة، ووجه كوة مقابل كوَّة ثلاث مرَّات" [5].

كانت الأسقف على الأبواب مستوية مسطَّحة وكل ما فوقها على هيئة سقف وليس على هيئة قنطرة.

ب. رواق (بهو) الأعمدة:

"وعمل رواق الأعمدة طوله خمسون ذراعًا وعرضه ثلاثون ذراعًا. ورواقًا آخر قدَّامها وأعمدة وأسكفة قدَّامها" [6].

أنشأ قاعة مملوءة أعمدة أمام بيت وعر لبنان يستقبل القادمين للملك في الشئون العامة أو الخاصة بالجمهور. تحدَّث في سفر الأمثال عن الحكمة التي بنت بيتها على أعمدتها السبعة (أم 9: 1). كان الرواق مسقوفًا، وكان السقف مرتكزًا على الأعمدة بلا حوائط.

الرواق الآخر قدَّام الأعمدة له هو أيضًا أعمدة، والأسكفة هي خشبة الباب التي يُوطأ عليها. يبدو أنَّه كان درج يُصعد به إلى رواق له أعمدة، ومنه إلى رواقٍ آخر له أعمدة أيضًا، ومنه إلى رواق ثالث يُدخل منه إلى كرسي القضاء.

يرى البعض أن ذِكرها بعد إنشاء بيت وعر لبنان وقبل بهو العرش يُشير إلى أن هذا البهو كان بين المبنبِّين.

ج. رواق الكرسي أو العرش للقضاء:

"وعمل رواق الكرسي حيث يقضي أي رواق القضاء وغشَّي بأرز من أرض إلى سقفٍ" [7].

رواق الكرسي أو بهو العرش، هو قاعة للقضاء أو دار للقضاء أو قاعة استماع يوجد فيها العرش الملكي الذي جاء وصفه في (1 مل 10: 18-20). وهي ليست قاعة مملوءة أعمدة مفتوحة، إنَّما هي مفتوحة من جانب واحد، ومغلقة بحوائط ضخمة من الجوانب الثلاثة الأخرى.

كان الملك يجلس على كرسي القضاء كما كان الملوك القدماء يجلسون ويقضون عند باب المدينة.

د. بيت الملكة ابنة فرعون:

"وبيته الذي كان يسكنه في دار أخرى داخل الرواق، كان كهذا العمل، وعمل بيتًا لابنة فرعون التي أخذها سليمان كهذا الرواق" [8].

يبدو أنَّه بيت ثالث، والثلاثة مباني في موقع واحد مرتبطة معًا. الأول قصر سليمان، والثاني المحاكمات أو دار القضاء، والثالث هو "بيت الحريم". كان مسكن الملك ونسائه في القصر الذي بُني للملكة بنت فرعون.

إلى جهة الشمال من بيت وعر لبنان كان أولاً درج وأروقة الأول والثاني والثالث، ومنها إلى الشمال أيضًا دار أخرى فيها بيت الملك وبجانب بيت الملك بيت النساء، وإلى الشمال من بيت الملك الهيكل.

كانت توجد ثلاث دور:

-     الدار العظيمة التي تحيط بكل الأبنية. لها إلى جهة بيت الرب التي كانت أعلى من الدار العظيمة (6: 36). وكان حائط مثله للدار العظيمة إلى جهة الخارج [11].

-     الدار الوسطى التي كان بيت الملك فيها.

-     دار بيت الرب أو الدار الداخليَّة.

كان مدخل السكن في اتِّجاه غير مدخل المباني الملكيَّة الأخرى كنوعٍ من الحفاظ على خصوصيَّته. كان يدعى "بيت الحريم"، إذ كانت له حرمته، وهو عبارة عن أجنحة خاصة بالنساء.

يرى البعض أن أجنحة نساء الملك، حسب النظام الشرقي القديم، كانت في القسم الداخلي للقصر، أمَّا الملك فله مبنى خاص به.

"كل هذه من حجارة كريمة كقياس الحجارة المنحوتة منشورة بمنشار من داخل ومن خارج من الأساس إلى الإفريز ومن خارج إلى الدار الكبيرة" [9].

نقرأ عن الحجارة الكريمة الكبيرة المستخدمة في مباني سليمان وحوائط أورشليم (7: 9-12؛ 9: 15). في القمَّة الجنوبيَّة الشرقيَّة لمنطقة الهيكل يرتفع الحائط 77 قدمًا. في عام 1852 اكتشف Barkely المحجر الذي أُخذت منه حجارة أورشليم العظيمة. الآن هي كهف هائل يمتد تحت باب دمشق. يوجد بعض الحجارة هناك[60].

"وكان مؤسَّسًا على حجارة كريمة، حجارة عظيمة، حجارة عشر أذرع وحجارة ثمان أذرع. ومن فوق حجارة كريمة كقياس المنحوتة وأرز. وللدار الكبيرة في مستديرها ثلاثة صفوف منحوتة وصف من جوائز الأرز، كذلك دار بيت الرب الداخليَّة ورواق البيت" [10-12].

كان العمل على أكمل وجه من الخارج والداخل. الداخل مًغشَّى بالأرز. كانت حتى حجارة الأساس وهي تحت الأرض من حجارة عظيمة قيِّمة




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 7 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 7 جـ2 PDF Print Email

2. أثاثات الهيكل:

"وأرسل الملك سليمان وأخذ حيرام من صور، وهو ابن امرأة أرملة من سبط نفتالي، وأبوه رجل صوري نحاس، وكان ممتلئًا حكمة وفهمًا ومعرفة عمل كل عمل في النحاس، فأتى إلى الملك سليمان وعمل كل عمله" [13-14].

قام حيرام بصنع الأدوات النحاسيَّة، وهو يحمل دمًا خليطًا من اليهود والأمم، والدته من سبط نفتالي ووالده من صور. وكأن الله يود أن يُبنى بيته من كل البشر، من اليهود كما من الأمم. وكما بُنيت خيمة الاجتماع من كنوز مصر، هكذا بُني الهيكل بأيدٍ أمميَّة مع الأيدي اليهوديَّة. الله محب كل البشريَّة، يود أن يضم العالم ليتمتَّع الكل بغنى نعمته الفائقة.

جاء في (2 أي 2: 14) بأن الأم من سبط دان. يفترض البعض وجود اثنين يدعيان حيرام صانعي نحاس. لكن يرجح أن أحد النصين يشير إلى موضع ميلادها والآخر إلى موضع إقامتها، فهي من بنات دان إذ وُلدت هناك، ومن سبط نفتالي إذ هي من والدين من هذا السبط. كما يرى بعض الدارسين أنَّها من سبط دان بالميلاد، وتزوَّجت من سبط نفتالي فصارت بتبعيَّتها لزوجها من سبط نفتالي، وإذ ترمَّلت تزوَّجت مرَّة أخرى من رجل صوري، أنجبت منه حيرام.

يقدِّم لنا صورة عن الأدوات النحاسيَّة التي استخدمت في الهيكل. لم يذكر أداة من الحديد، وإن كنَّا نجد في (1 أي 29: 2) داود الملك قد أخذ حديدًا لاستخدامه في بعض أدوات الهيكل التي لا نعرف ما هي.

أ. العمودان:

"وصور العمودين من نحاس، طول العمود الواحد ثمانية عشر ذراعًا وخيط اثنتا عشرة ذراعًا يحيط بالعمود الآخر" [15].

لا نجد للذهب أثرًا خارج القدس وقدس الأقداس، فإن الأمجاد السماويَّة تبقى في الداخل، لكن نجد النحاس خارجًا لكي نشارك السيِّد المسيح صبره وآلامه ومثابرته إذ يظهر في سفر الرؤيا هكذا: "رِجلاه شبه النحاس النقي كأنَّهما محمَّيتان في أتون" (رؤ 1: 15). فإذ نلبس السيِّد المسيح يكون لنا النحاس الذي به ندك كل الأتعاب والضيقات ونسير نحو السماء بمثابرة بدون تراخ.

يصعب تحديد وضع العمودين النحاسيِّين في بهو الهيكل [21] إن كان في الهواء الطلق أم تحت السقف. كانا بين الهيكل ودار الكهنة، وهما لم يوضعا لتثبيت باب بينهما، أو لإقامة مبنى عليهما، وإنَّما للزينة ولعملٍ رمزي. يظهر ذلك من أن العمودين أقصر من أن يبلغا سقف الرواق. وأيضًا من جهة المواد فإن الهيكل كان من الحجارة والأخشاب، وأمَّا العمودان فمن النحاس. لو كان العمودان لهما عمل أساسي في المبنى لما ذكر هنا مع أدوات الهيكل، بل كان قد ذكرا قبلاً مع تفاصيل المبنى ذاته.

هكذا كانت الهياكل الفينيقيَّة، فيُنصب العمود أو الأعمدة بلا سقف عليها كما يظهر من النقود والرسوم القديمة.

كان العمودان أجوفين سمكهما أربعة أصابع (إر 52: 21).

كان طول العمود الواحد ثمانية عشر ذراعًا، وفي (2 أي 3: 15) خمس وثلاثون ذراعًا، ربَّما لأن الكاتب أضاف إليه التاج الذي كان يحوي قسمين: الشبَّاك وهو القسم السفلي وطوله خمس أذرع [16]، وصيغة السوسن وهو القسم الأعلى وطوله أربع أذرع [19]. كما أضاف إليه قاعدة العمود وعلوها ثماني أذرع، فيكون المجموع 35 ذراعًا (18+5+4+8). وكان المحيط 12 ذراعًا.

"وعمل تاجين ليضعهما على رأسي العمودين من نحاس مسبوك، طول التاج الواحد خمس أذرع، وطول التاج الآخر خمس أذرع" [16].

يتحدَّث عاموس النبي عن تأديب الرب بقوله: "رأيت السيِّد قائمًا على المذبح، فقال: اضرب تاج العمود حتى ترجف الأعتاب، وكسِّرها على رؤوس جميعهم" (عا 9: 1). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هنا يشير إلى هذين العمودين ليس حرفيًّا بل رمزيًّا، حيث يهب غضب الرب على بيته بسبب شرِّهم فلا يقوم العمودان اللذان يمثِّلان "فرح الملك"، وتأسيس الرب لمملكته بتقديم قوَّته لشعبه. يسقط العمودان وترتجف أعتاب البيت ويصير التاجان عِوض كونهما علامة الكرامة والقوَّة، أداة لتكسير رؤوسهم.

"وشُبَّاكًا عملاً مشبكًا وضفائر كعمل السلاسل للتاجين اللذين على رأسي العمودين، سبعًا للتاج الواحد، وسبعًا للتاج الآخر" [17].

كانت هذه الشباك بعوارض على نوع شعريَّة، وكانت من نحاس، غطَّت القسم السفلي من التاجين. وعلى الشباك كانت السبع ضفائر أو السلاسل من النحاس.

"وعمل للعمودين صفِّين من الرمان في مستديرهما على الشبكة الواحدة، لتغطية التاج الذي على رأس العمود، وهكذا عمل للتاج الآخر" [18].

ربَّما كان الترتيب كالآتي:

-     أولاً القاعدة.

-     فوقها العمود.

-     في رأس العمود صف من الرمَّان فيه مائة رمَّانة.

-     فوق صف الرمَّان الشباك والضفائر.

-     فوقها الصف الثاني من الرمَّان فيه مائة رمَّانة أخرى.

-     فوق هذا الصف الثاني صيغة السوسن.

"والتاجان اللذان على رأسي العمودين من صيغة السوسن كما في الرواق هما أربع أذرع" [19].

لم يُذكر أن في رواق الهيكل صيغة السوسن.

"وكذلك التاجان اللذان على العمودين من عند البطن الذي من جهة الشبكة صاعدًا، والرمَّانات مائتان على صفوف مستديرة على التاج الثاني" [20].

" من عند البطن" كان القسم السفلي من التاجين ناتئًا [41] وتحت النتوء الصف من الرمان السابق ذكره، وفوقه الصف الثاني من الرمان.

وأوقف العمودين في رواق الهيكل،فأوقف العمود الأيمن ودعا اسمه ياكين، ثم أوقف العمود الأيسر ودعا اسمه بوعز" [21].

"ياكين" معناها "سيقيم" أو "يؤسس"؛ و"بوعز" معناها "فيه قوَّة".

يرى البعض أن العمودين يشيران إلى قيادة الله لشعبه في البريَّة، عمود سحاب في النهار، وبالليل عمود من نور. فالله يهب شعبه ظلاً من متاعب التجارب، ونورًا وسط ظلمة العالم. ويرى آخرون أن العمودين عند باب بيت الرب إنَّما يشير أحدهما إلى الكهنة والآخر إلى الشعب، فالله يهب عابديه كهنة أو شعبًا أن يصيروا أعمدة حيَّة في هيكل قدسه.

يود أن يكون كل مؤمن كياكين، أي يؤسِّسه الرب نفسه ويقيمه، غير متَّكلٍ على ذراع بشري.

بالله يكون كبوعز، أي يحمل قوَّة سماويَّة لا تقدر كل قوَّات الظلمة أن تزعزعه. فالله هو مؤسِّسنا (ياكين) وهو قوَّتنا (بوعز).

هكذا إذ ننطلق في صلواتنا كما إلى هيكل الرب السماوي نرى العمودين المملوءين قوَّة وجمالاً، فيلتهب قلبنا بروح الرب ويحل الرجاء فينا.

يرى البعض أن "ياكين" تعني "ليبق الهيكل ثابتًا إلى الأبد"، و"بوعز" يشتهي سليمان أن يهب الله الهيكل قوَّة وثباتًا".

يرى آخرون أن الاسمين معًا هما اختصار للكلمات: "سيفرح الملك باسم يهوه".

"وعلى رأس العمودين صيغة السوسن فكمل عمل العمودين" [22].

ب. البحر المسبوك:

"وعمل البحر مسبوكًا عشر أذرع من شفَّته إلى شفَّته، وكان مدوَّرًا مستديرًا، ارتفاعه خمس أذرع وخيط ثلاثون ذراعًا يحيط به بدائرة" [23].

كان الكهنة يغتسلون في المرحضة قبل دخولهم إلى الهيكل، سُمِّيت بحرًا لكبرها. فإن مراحم الله كالبحر متَّسعة للغاية، قادرة على غسل نفوسنا وتطهيرها.

-     عندما يسمع أحد عن المرحضة فليفهم هذه التي نغتسل خلالها من الخطايا المشينة بالمياه السرِّيَّة[61].

القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص

يبدو أن البحر النحاسي وأحواضه متحرِّكة بعجلات. كان البحر لاستخدام الكهنة.

"وتحت شفَّته قثاء مستديرًا تحيط به، عشر للذراع محيطة بالبحر بمستديره صفِّين. القثاء قد سُبكت بسبكه. وكان قائمًا على اثني عشر ثورًا، ثلاثة متوجِّهة إلى الشمال، وثلاثة متوجِّهة إلى الغرب، وثلاثة متوجِّهة إلى الجنوب، وثلاثة متوجِّهة إلى الشرق، والبحر عليها من فوق وجميع إعجازها إلى داخل" [24-25].

الاثنا عشر ثورًا من نحاس يشيرون إلى أسباط إسرائيل الإثني عشر. فإن تطهير هذا الشعب لا يقوم على الغسل بالماء فحسب، وإنَّما خلال الذبيحة. فالأسباط جميعها تمثِّل أمَّة كهنوتيَّة تغتسل بالدم المبذول لتقديس المؤمنين.

"وغلظه شبر وشفَّته كعمل شفَّة كأس بزهر سوسن، يسع ألفيّ بث" [26].

شفَّة البحر على مثال زهر السوسن، يشبه شفَّة كأس لأجل الشرب.

" ألفيّ بث" يعادل 45000 أقَّة.

القواعد العشر:

"وعمل القواعد العشر من نحاس، طول القاعدة الواحدة أربع أذرع وعرضها أربع أذرع وارتفاعها ثلاث أذرع" [27].

أُقيمت الأحواض العشر على عشر قواعد، كل حوض جمع 300 جالونًا من الماء، حوالي طن، وهي مربَّعة طولها كعرضها. يقول الكتّاب اليهود بأن الأحواض العشر كانت تُملأ كل يوم بمياه جديدة لتبقى دومًا نقيَّة تستخدم هذه الأحواض لغسل لحوم الذبائح بينما يغتسل الكهنة في البحر.

"وهذا عمل القواعد لها أتراس، والأتراس بين الحواجب" [28].

الأتراس كالألواح المستعملة في المدارس لأجل الكتابة التي لها لوح من الحجر وحواليه حواجب من الخشب. وعلى الأتراس والألواح نقش أسود وثيران وكروبيم وكلَّها من النحاس.

"وعلى الأتراس التي بين الحواجب أسود وثيران وكروبيم، وكذلك على الحواجب من فوق ومن تحت أسود والثيران قلائد زهور عمل مدلى. ولكل قاعدة أربع بكر من نحاس، وقطاب من نحاس، ولقوائمها الأربع أكتاف، والأكتاف مسبوكة تحت المرحضة بجانب كل قلادة" [29-30].

بالبكر تنتقل القواعد من مكان إلى آخر في الدار. كانت البكر تحت القاعدة وليست بجانبها، فلزم لها أكتاف ليركب بها قطاب البكر. والأكتاف مركَّبة من القوائم الأربع، وبجانب كل قلادة من قلائد الزهور عمل مدلَّى وكلَّها نحاس مسبوك.

"وفمها داخل الإكليل ومن فوق ذراع وفمها مدوَّر كعمل قاعدة ذراع ونصف ذراع. وأيضًا على فمها نقش وأتراسها مربَّعة لا مدوَّرة" [31].

كان سطح القاعدة مثقوبًا من فوق، وعلى هذا الثقب أو الفم إكليل أو اسطوانة من النحاس، غالبُ ما تنزل من الثقب، قطرها من الخارج ذراع ونصف ومن الداخل ذراع. بمعنى أنَّها اسطوانة مجوَّفة غلظها نصف ذراع. وكانت الأسطوانة قاعدة للمرحضة من فوق، وكانت ترتكز على القاعدة الكبيرة المربَّعة من تحت.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 7 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 7 جـ3 PDF Print Email

القواعد العشر:

"وعمل القواعد العشر من نحاس، طول القاعدة الواحدة أربع أذرع وعرضها أربع أذرع وارتفاعها ثلاث أذرع" [27].

أُقيمت الأحواض العشر على عشر قواعد، كل حوض جمع 300 جالونًا من الماء، حوالي طن، وهي مربَّعة طولها كعرضها. يقول الكتّاب اليهود بأن الأحواض العشر كانت تُملأ كل يوم بمياه جديدة لتبقى دومًا نقيَّة تستخدم هذه الأحواض لغسل لحوم الذبائح بينما يغتسل الكهنة في البحر.

"وهذا عمل القواعد لها أتراس، والأتراس بين الحواجب" [28].

الأتراس كالألواح المستعملة في المدارس لأجل الكتابة التي لها لوح من الحجر وحواليه حواجب من الخشب. وعلى الأتراس والألواح نقش أسود وثيران وكروبيم وكلَّها من النحاس.

"وعلى الأتراس التي بين الحواجب أسود وثيران وكروبيم، وكذلك على الحواجب من فوق ومن تحت أسود والثيران قلائد زهور عمل مدلى. ولكل قاعدة أربع بكر من نحاس، وقطاب من نحاس، ولقوائمها الأربع أكتاف، والأكتاف مسبوكة تحت المرحضة بجانب كل قلادة" [29-30].

بالبكر تنتقل القواعد من مكان إلى آخر في الدار. كانت البكر تحت القاعدة وليست بجانبها، فلزم لها أكتاف ليركب بها قطاب البكر. والأكتاف مركَّبة من القوائم الأربع، وبجانب كل قلادة من قلائد الزهور عمل مدلَّى وكلَّها نحاس مسبوك.

"وفمها داخل الإكليل ومن فوق ذراع وفمها مدوَّر كعمل قاعدة ذراع ونصف ذراع. وأيضًا على فمها نقش وأتراسها مربَّعة لا مدوَّرة" [31].

كان سطح القاعدة مثقوبًا من فوق، وعلى هذا الثقب أو الفم إكليل أو اسطوانة من النحاس، غالبُ ما تنزل من الثقب، قطرها من الخارج ذراع ونصف ومن الداخل ذراع. بمعنى أنَّها اسطوانة مجوَّفة غلظها نصف ذراع. وكانت الأسطوانة قاعدة للمرحضة من فوق، وكانت ترتكز على القاعدة الكبيرة المربَّعة من تحت.

"والبكر الأربع تحت الأتراس وخطاطيف البكر في القاعدة وارتفاع البكرة الواحدة ذراع ونصف ذراع. وعمل البكر كعمل بكرة مركبة خطاطيفها وأطرها وأصابعها وقبوبها كلَّها مسبوكة" [32-33].

هذا الارتفاع قليل بالنسبة إلى عجلات العربات المستخدمة اليوم. لكن يظهر في الرسومات الأشوريَّة أن البكرات التي كانت مستخدمة ارتفاعها قليل.

"وأربع أكتاف على أربع زوايا القاعدة الواحدة وأكتاف القاعدة منها. وأعلى القاعدة مقبَّب مستدير على ارتفاع نصف ذراع من أعلى القاعدة أياديها وأتراسها منها. ونقش على ألواح أياديها وعلى أتراسها كروبيم وأسودًا ونخيلاً كسعة كل واحدة وقلائد زهور مستديرة. هكذا عمل القواعد العشر لجميعها سبك واحد، وقياس واحد، وشكل واحد" [34-37].

المقبَّب أعلى القاعدة لأجل زيادة القوَّة، لأن الاسطوانة مرتكزة على المقبَّب، والاسطوانة مرتكزة على المرحضة وهي ثقيلة جدًا خاصة متى كانت مملوءة ماءً. وربَّما أيديها هي لإسناد المرحضة، وكلَّها مسبوكة سبكًًا.

د. العشر مراحض:

"وعمل عشر مراحض من نحاس، تسع كل مرحضة أربعين بثًا، المرحضة الواحدة أربع أذرع، مرحضة واحدة على القاعدة الواحدة للعشر القواعد" [38].

الأرجح أن علو المرحضة هو أربع أذرع وليس قطرها. كان علو المرحضة مع قاعدتها تسع أذرع. وُضعت المراحض العشر على القواعد لكي تُملأ بالماء الذي يستخدمه الكهنة في عملهم المقدَّس خاصة غسل الذبائح مثل المحرقات (2 أي 4: 6). أمَّا البحر النحاسي فيستخدمون ماءه في الاغتسال. على أي الأحوال كانت كل أدوات الهيكل غاية في الإبداع الفنِّي مع تكلفتها الضخمة من جهة مادتها والأيدي العاملة لتنفيذها.

"وجعل القواعد خمسًا على جانب البيت الأيمن، وخمسًا على جانب البيت الأيسر، وجعل البحر على جانب البيت الأيمن إلى الشرق من جهة الجنوب" [39].

وُضع خمس قواعد على الجانب الأيمن من البيت، أي نحو الجنوب، وخمس على الجانب الأيسر، أي في الشمال. ووُضع البحر النحاسي على الجانب الأيمن نحو الشرق مقابل الجنوب. لم توضع القواعد على يمين وشمال مذبح المحرقة، بل على جانبي البيت أو بهو الهيكل، أمَّا البحر النحاسي فبين البهو والمذبح، مع اتِّجاهه نحو الجنوب أكثر، أي جنوب شرقي البهو، وجنوب غربي مذبح المحرقة. تُحمل القواعد على عجلات لكي يسهل تحرُّكها نحو الكهنة لاحتياجهم إلى الماء عندما ينشغلون بالذبائح. ويسهل تسريب الماء المتَّسخ في صدر القاعدة ثم تصريفه بعد ذلك.

كانت الحاجة ماسة إلى هذه المراحض العشرة، لأنَّه كان يقدَّم أكثر من ذبيحة في وقت واحد على المذبح.

تُحمل القواعد ذات الزينة التي صنعت داخل الهيكل لتأكيد أن هذا العمل الذبيحي هو امتداد للعمل داخل الهيكل. الفارق أن الحِلية في داخل الهيكل مغشَّاة بطبقة من الذهب، أمَّا هنا فالحِلية من نحاس. لأن الداخل يشير إلى العبور إلى السماء، أمَّا الخارج فهو تهيئة للعبور.

"وعمل حيرام المراحض والرفوش والمناضح، وانتهى حيرام من جميع العمل الذي عمله للملك سليمان لبيت الرب" [40]

أشار كثير من الكتَّاب القدامى إلى العمال المهرة من الصوربِّين في صنع الأدوات المعدنيَّة. لهذا لا نعجب إن استخدم سليمان حيرام الصوري ومعه طاقم كبير من العمال المهرة لصنع أدوات الهيكل وأدوات قصوره الذهبيَّة والنحاسيَّة في وقت قصير نسبيًّا.

"العمودين وكرتيّ التاجين اللذين على رأسي العمودين والشبكتين لتغطية كرتيّ التاجين اللذين على رأسيّ العمودين. وأربع مائة الرمَّانة التي للشبكتين صفّا رمَّان للشبكة الواحدة لأجل تغطية كرتيّ التاجين اللذين على العمودين. والقواعد العشر والمراحض العشر على القواعد. والبحر الواحد والاثنى عشر ثورًا تحت البحر. والقدور والرفوش والمناضح وجميع هذه الآنية التي عملها حيرام للملك سليمان لبيت الرب هي من نحاس مصقول" [41-45].

النحاس المستخدم في أدوات الهيكل من أفضل الأنواع في ذلك الحين، فإن الله يطلب من الإنسان أن يقدِّم أفضل ما لديه ليُعلن تجاوبه مع محبَّة الله الكاملة، ورغبته في تقديم أعظم الهبات للإنسان.

"في غور الأردن سبكها الملك في أرض الخزف، بين سكوت وصرتان" [46].

في نهر الأردن سُبك النحاس، حتى لا يتلوث جو أورشليم بالدخان، إذ يود أن تبقى مدينة الله وموقع الهيكل نقيًّا من كل جانب.

يرى البعض أنَّه من الصعب تحديد عبارة "غور الأردن" إن كانت تشير إلى الضفَّة الشرقيَّة منه أو الغربيَّة. آخرون يرون أنَّها سهل الأردن في الضفَّة الشرقيَّة بالقرب من فم نهر يبوق، عند صرتان Zarthan or Zaretan (يش 3: 16)، أو صُرّتان Zaratanah (1 مل 4: 12)، أو صَرَوَة Zeredatha (2 أي 4: 17).

كانت سكوت شرقي الأردن، وربَّما هي تل درالا الحاليَّة على بعد ميل جنوبي نهر الزرقاء. وكانت صرتان غربي النهر، ويُظن أنَّها تل حارم الحاليَّة على بُعد 3 أميال جنوبي بيسان.

إنها أرض الخزف [46]. لا يزال إلى يومنا هذا يستخدم الرمل في سبك النحاس. كميَّات ضخمة من الأدوات احتاجت إلى أفرانٍ كثيرةٍ دون شك.

"وترك سليمان وزن جميع الآنية لأنَّها كثيرة جدًا جدًا لم يتحقَّق وزن النحاس" [47].

لم يكن ممكنًا حصر عدد الآنية ووزنها بسبب كثرتها، هذا وقد اتَّسم العاملون في بيت الرب ولحسابه بالأمانة والإخلاص.

"وعمل سليمان جميع آنية بيت الرب: المذبح من ذهب، والمائدة التي عليها خبز الوجوه من ذهب. والمنائر خمسًا عن اليمين وخمسًا عن اليسار أمام  لمحراب من ذهب خالص، والأزهار والسرج والملاقط من ذهب" [48-49].

نستنتج من عدم ذكر حيرام أنَّه لم يعمل آنية بيت الرب التي كانت من الذهب، بل كان عمله في النحاس فقط، وهو لم يستخدم في الآنية داخل بيت الرب.

يرى العلامة أوريجينوس أن الذهب هو الإيمان الذي يجعل من القلب سماءً، لذا يشير الذهب إلى السمويَّات، كما يشير إلى القدِّيسين بكونهم سماءً يسكن الله في قلوبهم. يقول: [إن آمنت تُقدِّم قلبك وعقلك ذهبًا!... تستطيع أن تقدِّم للرب شيئًا من مشاعرك ومن كلماتك[62]].

هكذا يرى المؤمن في الأواني الذهبيَّة المقدَّسة للرب حياته الداخليَّة التي صارت بالإيمان سماءً، ولم يعد من حق كائن ما أن يستخدمها سوى القدُّوس السماوي نفسه.

ويرى الأب ميثؤديوس في الذهب رمزًا للبتوليَّة، إذ يقول: [لقد أمر (أن تُصنع الأدوات داخل قدس الأقداس) من الذهب لسببين: أولاً أنَّه لا يصدأ، وثانيًا أن لونه يقترب إلى حد ما من لون الشمس. بهذا فهو يناسب البتوليَّة التي لا تحمل شيئًا دنسًا أو غضنًا، إنَّما تشع دائمًا بنور الكلمة. خلالها نقف قريبين من الله، داخل قدس القداس، وأمام الحجاب بأيدٍ غير دنسة كالبخور نقدم الصلوات للرب رائحة ذكيَّة مقبولة، في مجامر الأربعة وعشرين قسيسًا (الذهبيَّة) التي هي صلوات القدِّيسين[63]].

كان مذبح البخور من الحجر، والحجر مُغشَّى بأرز، والأرز مُغشَّى بالذهب (6: 20، 22).

-     ليبحث كل منَّا كيف يمكن أن يبني في داخله مسكنًا لله!

ليكن للنفس في أعماق القلب مذبحًا للبخور حتى تستطيع أن تقول: نحن رائحة المسيح الذكيَّة" (2 كو 2: 15)...

لنتحدَّث عن مذبح البخور الداخلي، قائلاً: النفس التي لا تعطي لعينها نومًا حتى تجد موضعًا للرب إله يعقوب (مز 81: 4) تقتني لها مذبحًا ثابتًا في وسط قلبها حتى تقدر أن تقترب من الله[64].

العلامة أوريجينوس

وجدت مائدة واحدة لخبز الوجوه في خيمة الاجتماع وعشرة موائد خبز وجوه في الهيكل، لكن يبدو أنَّه لم يكن يستخدم إلاَّ مائدة واحدة في وقت واحد.

كما وُجدت منارة واحدة في خيمة الاجتماع (خر 25: 30). وعشرة منائر ذهبيَّة في الهيكل ولا تُستخدم إىَّ منارة واحدة في وقت واحد (2 أي 4: 8، 19؛ 3: 11).

ه. المراحض والرفوش والمناضح:

"والطسوس والمقاص والمناضح والصحون والمجامر من ذهب خالص والوصل لمصاريع البيت الداخلي

أي لقدس الأقداس ولأبواب البيت أي الهيكل من ذهب" [50].

كانت الطسوس للزيت، والمقاص والملاقط الذهبيَّة تُستخدم في إصلاح فتائل السرج، والمناضح للماء أو الدم اللذين رُشُّوا بهما. وكانت المنافض توضع فيها الأشرطة المحترقة.

يعلِّل البعض أن جميع الأثاثات الذهبيَّة كالمنارة الذهبيَّة ومذبح البخور وأيضًا التابوت من الخشب المصفح بالذهب الخ. لأجل إعلان بهاء مجد الله. ولا توضع في الخارج حتى يحفظ الشعب من العبادة الوثنيَّة.

و. تقديم عطايا أبيه:

"وأكمل جميع العمل الذي عمله الملك سليمان لبيت الرب، وادخل سليمان أقداس داود أبيه الفضَّة والذهب والآنية وجعلها في خزائن بيت الرب" [51].

حمل سليمان كل ما أعدَّه أبوه داود من ذهب وفضَّة إلى خزائن بيت الرب ولم يطمع فيها ليستخدمها في قصوره، بل قدَّمها مع ما قدَّمه هو للرب. هكذا يليق بنا أن نقدِّم ما وهبه والدينا للرب ولا نحسبه ميراثًا خاصًا بنا.

كان القدِّيس يوحنا ذهبي الفم يحثّ شعبه أن يحسبوا السيِّد المسيح كواحدٍ من أبنائهم له حق الميراث فيما يتركوه لهم. وقد اتَّسم الأقباط في العصور السابقة بتقديم الكثير كوقفٍ على الكنيسة أمَّا لخدمة الفقراء أو الاحتياجات الرعويَّة. وكان الذين لهم أبناء يرثونهم يضعون وصيَّة بتقديم كل ميراثهم للرب.

 

من وحي 1 ملوك 7

قدِّس كل الأثاثات الذهبيَّة!

-     أنت الأول في كل شيء.

ليُبنَ هيكلك أولاً وعندئذ قصري.

ليكن ملكوتك هو بهجة قلبي.

أطلبه وكل شيء يزداد لي.

-     هب لي أن أقيم مع سليمان عمودين من نحاس.

ادعوهما ياكين وبوعز.

مدركًا أنَّك أنت هو العمود الحيّ،

أنت قوَّتي وفخري وعزِّي.

-     لأضع بحرًا مسبوكًا،

فاغتسل دومًا بمياه المعموديَّة.

أتمتَّع بالبنوَّة لك،

وأخدمك بالطهارة والنقاوة.

-     لتقبل كل الأثاثات الذهبيَّة.

بيتك في الداخل كلُّه مغشَّى بالذهب.

لن يُرى فيه سوى المجد والبهاء.

من يقدر أن يخدم فيه إلاَّ من يصير ذهبًا نقيًا؟

من يلتقي بك إلاَّ من يحمل بهاءك فيه؟

اقبلني إناءً ذهبيًا نقيًا،

له موضعه في مسكن قدسك.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 7 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 8 جـ1 PDF Print Email

تدشين الهيكل


يكشف هذا الأصحاح عن شوق الله نحو الإنسان. هذا الذي لا تسعه السموات والأرض يجد مسرَّته في سكناه وسط شعبه. يميل بأذنيه ليسمع طلباتهم، ويباركهم، ويحوِّل حياتهم إلى عيدٍ دائمٍ.

كان قلب سليمان الملك ملتهبًا بالفرح بتلك اللحظات التي طالما كان يترقَّبها، بل وكان والده داود النبي يشتهيها. لم يفرح وحده، بل أشرك معه الشيوخ ورؤساء الأسباط وأيضًا الكهنة واللآويِّين وكل الشعب. إنَّه عمل يمس حياة كل مؤمن، أيّا كان دوره!

1. دعوة القيادات والشعب [1-2].

2. دور الكهنة[3-9].

3. مجد الرب في بيته[10-11].

4. تدشين الهيكل[12-66]:

 أ. تذكُّر وعود الله [12-21].

 ب. التسبيح لله [22-27].

 ج. الصلاة والطلبة[28-40].

 د. الإعلان عن الحب لكل بشر[41-43].

 ه. طلب النصرة[44-53].

 و. مباركة الشعب [54-60].

 ز. دعوة لطاعة الوصيَّة [61].

 ح. تقديم ذبائح حب[62-64].

 ط. عيد وفرح[65-66].

1. دعوة القيادات والشعب:

"حينئذ جمع سليمان شيوخ إسرائيل وكل رؤوس الأسباط رؤساء الآباء من بني إسرائيل إلى الملك سليمان في أورشليم لإصعاد تابوت عهد الرب من مدينة داود هي صهيون" [1].

يرى رئيس الأساقفة Usher بأن سليمان أجّل تدشين الهيكل حوالي سنة بعد الانتهاء من المباني. لأن هذه السنة كانت اليوبيل التاسع، وكانت بدء اليوبيل الألفي الرابع للخليقة أي في عام 3001 للخليقة، فكان التوقيت مناسبًا لتدشين الهيكل. إن كان الله قد خلق العالم كلُّه ليكون قصرًا للإنسان يعيش كملكٍ صاحب سلطان، فإنَّه في بدء اليوبيل الرابع للخليقة يقدِّم الإنسان هذا المبنى كعملٍ رمزي لشوق المؤمنين أن يسكن ملك الملوك في قصره ويحكم! قدَّم الله العالم كلُّه قصرًا لنا، ونحن في ضعفنا نقدِّم القليل جدًا ممَّا وهبنا كقصرٍ لذاك الذي لا يحدِّه مكان! يود أن يقيم منَّا ملوكًا ونحن نصر أن يبقى ملك الملوك الذي يحرِّكنا بروحه الملوكي.

"فاجتمع إلى الملك سليمان جميع رجال إسرائيل في العيد في شهر إيثانيم، هو الشهر السابع" [2].

كما رأس داود النبي الاحتفال بإحضار تابوت العهد إلى أورشليم هكذا رأس ابنه سليمان تدشين بيت الرب. هذا الاحتفال ما كان يمكن أن يتحقَّق بافتتاحه بمفرده أو مع رجال دولته، إنَّما كان لابد من مشاركة كل القيادات الدينيَّة والمدنيَّة، وحضور الكهنة وكل الشعب. فهو احتفال بإعلان سُكنى الله وسط الشعب كله!

ارتباط سليمان بالشعب حقيقة مفرحة يعتز بها، فدعا نفسه "الجامعة" (جا 1: 1؛ 12: 9) وسيِّد الجماعات (جا 12: 11).

شهر إيثانيم هو شهر تشري، يقابل جزء من شهر أكتوبر وآخر من نوفمبر.

مع ما اتَّسم به الهيكل من جمال، فإنَّه بدون تابوت العهد يكون كجسدٍ بلا روح، أو كمسكنٍ بلا ساكنٍ، أو كمنارة دون سراجٍ. كل ما بذله داود الملك وابنه سليمان في الإعداد وتنفيذ بناء الهيكل يفقد قيمته إن لم يسكن الرب فيه ويُعلن مجده في داخله.

2. دور الكهنة:

"وجاء جميع شيوخ إسرائيل وحمل الكهنة التابوت. واصعدوا تابوت الرب وخيمة الاجتماع مع جميع آنية القدس التي في الخيمة، فأصعدها الكهنة واللآويُّون" [3-4].

احضروا مع تابوت العهد خيمة الاجتماع هذه التي يحتمل أن تكون بعينها التي أقامها موسى النبي في صهيون مؤقَّتًا إلى حين بناء الهيكل. فالهيكل بما يحمله من قدسيَّة هو امتداد للخيمة بكل قدسيَّتها. الله الذي ملأ الخيمة بمجده هو أمس واليوم وإلى الأبد، يملأ كنيسته في كل العصور بمجده الإلهي.

"والملك سليمان وكل جماعة إسرائيل المجتمعين إليه معه أمام التابوت كانوا يذبحون من الغنم والبقر ما لا يُحصى ولا يُعد من الكثرة" [5].

كان تقديم الذبائح عملاً له جانبان، جانب المصالحة مع الله بالدم مع تقديم التوبة، وجانب الشكر مع الفرح بعمل الله الخلاصي. هكذا تقديم الملك وكل الشعب ذبائح هو إعلان عن شوق حقيقي للمصالحة مع فرح صادق وتهليل بالشركة مع الله.

"وأدخل الكهنة تابوت عهد الرب إلى مكانه في محراب البيت في قدس الأقداس،  إلى تحت جناحيّ الكروبين. لأن الكروبين بسطا أجنحتهما على موضع التابوت، وظلَّل الكروبان التابوت وغطيه من فوق. وجذبوا العصي فتراءت رؤوس العصي من القدس أمام المحراب، ولم تُرَ خارجًا، وهي هناك إلى هذا اليوم" [6-8].

لم ينسَ سليمان خبرة أبيه الأولى المُرَّة حيث حميَ غضب الرب على عُزَّة لأنَّه مدَّ يده إلى تابوت الله وأمسكه (2 صم 6: 6). لقد تعلَّم ألاَّ يحمل التابوت أحد غير الكهنة.

"لم يكن في التابوت إلاَّ لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى هناك في حوريب حين عاهد الرب بني إسرائيل عند خروجهم من أرض مصر" [9].

لم يوجد داخل التابوت سوى لوحا الشريعة، أمَّا إناء المَنْ وعصا هرون فكانا بجوار التابوت. أراد الله أن يربط بين حضرته الإلهيَّة وكلمته. فمن يلتقي بالله إنَّما يتمتَّع بكلمته التي فيه، ولا تنفصل عنه، بل هو واحد معه.

-     يليق بعروس المسيح أن تكون مثل تابوت العهد مغشَّاة بالذهب من الداخل والخارج (خر 25: 11). يليق بها أن تكون حارسة لشريعة الرب. كما أن التابوت لا يحوي شيئا سوى لوحي العهد هكذا يليق بك ألاَّ يوجد فيك أي تفكير لشيء في الخارج. فإن الرب يسر أن يجلس في ذهنك، كما جلس مرة على عرش الرحمة وعلى الشاروبيم (خر 25: 22)[65].

القدِّيس جيروم

3. مجد الرب في بيته:

"وكان لما خرج الكهنة من القدس أن السحاب ملأ بيت الرب" [10].

تكشف هذه العبارة أن السِفر كُتب قبل الخراب الأول للهيكل.

ظهور السحاب يملأ الهيكل كان علامة على رضا الله على ما فعله الملك والشعب معًا. هذا ما كان يحدث في أيَّام موسى النبي (خر 16: 10؛ 40: 38؛ عد 9: 18 الخ).

لماذا يستخدم الله ظهور السحاب علامة على رضائه؟

يشير السحاب إلى النفوس المقدَّسة التي تصير خفيفة كالسحاب مرتفعة كما إلى السماء. ظهور السحاب تأكيد أن مجد الله مُعلن في قدِّيسيه الذين يرتفعون بقلوبهم إلى السماء فيصيرون كسحابة حاملة له.

"ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب السحاب  لأن مجد الرب ملأ بيت الرب" [11].

بلاشك كان مبنى الهيكل غاية في الفخامة والجمال، وكانت أثاثاته ثمينة جدًا ورائعة، لكن سرّ مجد الهيكل هو سُكنى الله فيه. الله نفسه هو الذي يعطي كنيسته بهاءها ومجدها الداخلي. لم يكن مجد هيكل سليمان في الحجارة الضخمة ولا الذهب والفضَّة بل في سُكنى الرب نفسه.

وضع الكهنة تابوت العهد في قدس الأقداس، ثم خرجوا قبل بدء الخدمة، إذ لم يكن يُسمح لأحدٍ أن يدخل قدس الأقداس إلاَّ رئيس الكهنة.

بيت الرب والأيقونة السماويَّة:

-    لا توجد صورة مثل الإنسان الذي يفني طالما لا توجد صورته في مدينة الرب، أي في أورشليم العلويَّة (مز 73: 20). لأن الرب صوَّرنا بحسب صورته ومثاله، كما يعلِّمنا قائلاً: "هأنذا يا أورشليم قد نقشتُ أسوارك" (إش 49: 16)، فإن سلكنا حسنًا، تستمر تلك الأيقونة السماويَّة فينا، وإن سلك أحد سلوكًا ردَّيًا، تفني تلك الصورة فيه (أو تتشوَّه). أي أيقونة ذاك الذي انحدر من السماء، وتبقى في هذا الإنسان صورة الإنسان الأرضي (فقط). علي هذا الأساس يقول الرسول أيضًا: "وكما لبسنا صورة الترابي، فلنلبس أيضًا صورة الآخر السماوي" (1 كو 15: 49). لهذا تستمر صور الصالحين تشرق في مدينة الله. لكن إن انحرف أحد إلى الخطايا المميتة ولم يتُب، تحطَّمت أيقونته فيه أو بالأحرى انطرح، كما انطرح آدم وطُرد من الفردوس (تك 3: 21-24). لكن من يسلك بأسلوبٍ مقدَّس مكرَّم، يدخل مدينة الله (رؤ 3: 12). ويأتي بصورته الشخصيَّة فيشرق في مدينة الله هذه. "في مدينتك يا رب تفني صورهم إلى لا شيء!" (مز 73: 20 LXX). لأن الذين كسوا أنفسهم بأعمال الظلمة، لا يمكنهم أن يشرقوا في النور[66].

القدِّيس أمبروسيوس

4. تدشين الهيكل:

أ. تذكُّر وعود الله:

أعلن الرب عن سُكناه في بيته وحلول مجده فيه عند بدء طقس التدشين ليكشف عن حبه الفائق. أنَّه يُبادر بالحب، ويشتاق أن يسكب مجده على مؤمنيه. أمَّا المؤمنون فيلزمهم أن يتجاوبوا مع حبُّه بالحب، وذلك بتذكُّرهم لوعوده الإلهيَّة، ودخولهم في حوار حب معه، واتِّساع قلبهم لاخوتهم، وثقتهم في التمتُّع بروح النصرة والغلبة، وحفظهم للوصيَّة الإلهيَّة بفرح، وتقديم ذبائح الحب المقبولة لديه مع ممارستهم للحياة المفرحة كظل للحياة السماويَّة. هذا باختصار ما ندعوه بتدشين بيت الرب. أنَّه مزيج بين الحب المتبادل مع الله والناس، مع صلوات وتسابيح، وطاعة وعطاء، وفرح لا ينقطع!

إن كانت الكنيسة تمارس طقسًا خاصًا بالتدشين، فإن تدشين الكنيسة بالصلوات والتسابيح هو نقطة بداية لا نهاية. يبقى الكهنة مع الشعب يمارسون الحب مع الصلاة والفرح بروح الطاعة، فيختبروا التدشين كعمل الروح القدس الدائم في حياة كنيسته.

بيت الرب ليس مكانًا مجرَّدًا لممارسة العبادة بل هو لقاء حيّ مع الله محب البشر، فيه يتمتَّع المؤمنون بالحب المتبادل مع الله ومع بعضهم البعض، ويشاركون السمائيِّين وفرحهم المستمر.

عند تدشين خيمة الاجتماع ملأ مجد الرب القدس، ولم يستطع موسى أن يدخل (خر 40: 34-35)، تكرَّر الأمر عند تدشين الهيكل.

حاول البعض أن يخلط بين سحابة المجد الإلهي في الهيكل وسحابة الدخان الصاعدة من مذبح المحرقة حيث قُدمت ذبائح كثيرة. لكن النص واضح أن السحابة هنا داخل البيت ليست سحابة دخان بل سحابة مجد إلهي.

مجد الرب الذي يظهر كنارٍ آكلة (خر 24: 17؛ تث 9: 3) فلا يقدر أحد أن يقف يُعلن عن ذاته هنا بسحابة مجيدة لم تغطِّ قدس الأقداس وحده، بل كل الهيكل، والدار حتى يتمتَّع كل الشعب بهذا المجد، ويدرك الكل مسرَّة الله بحلوله في وسطهم، وقبوله السُكنى في البيت الذي أُقيم له.

"حينئذ تكلَّم سليمان قال الرب أنَّه يسكن في الضباب" [12].

عندما دخل التلاميذ السحابة النيِّرة خافوا (لو 9: 34)، هكذا خاف الكهنة عندما ملأ مجد الرب البيت بالسحاب. لذلك وقف سليمان يشجِّعهم، يقدِّم لكل الشعب عظة هي في جوهرها تسبحة شكر لله الذي وهبه ما اشتهاه أبوه داود. كأنَّه بهذه التسبحة يفي دينًا كان على أبيه داود.

كانت السحابة أشبه بصوت إلهي خلاله يقول الرب: "بالحقيقة أنا قادم لأسكن في بيتي، وأحل في وسطكم". وجاءت تسبحة سليمان أشبه باستجابة لهذا الصوت الإلهي، وكأنَّه يقول: [نعم تعال أيها الرب، فإنك سبق فوعدتنا بذلك؛ تعال، فإن البيت هو بيتك، وهو من فضل خيراتك ونعمك علينا. بنيناه لك، لك وحدك. لن يستخدمه آخر غيرك].

"أنِّي قد بنيت لك بيت سكنى مكانًا لسكناك إلى الأبد. وحول الملك وجهه وبارك كل جمهور إسرائيل وكل جمهور إسرائيل واقف" [13-14].

لم يذكر الكتاب المقدَّس البركة التي بارك بها الملك الشعب، ربَّما كانت مشابهة لتلك التي يبارك بها رئيس الكهنة الشعب.

"وكلم الرب موسى قائلاً: كلِّم هرون وبنيه قائلاً: هكذا تباركون بني إسرائيل قائلين لهم: يباركك الرب ويحرسك. يضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك. يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلامًا، فيجعلون اسمي على بني إسرائيل، وأنا أباركهم" (عد 6: 22-27).

يبدو أن سليمان هنا يقوم كما بدور رئيس الكهنة (فيما عدا تقديم الذبائح)، أو بدور موسى النبي في قيادته للشعب ليعبدوا الرب، كما باركهم (خر 39: 43). فعل كأبيه إذ قيل عنه عند اصعاده وجميع بيت إسرائيل تابوت الرب مدينة داود: "ولما انتهى داود من اصعاد المحرقات وذبائح السلامة بارك الشعب باسم رب الجنود" (2 صم 6: 18).

"إنَّه يسكن في الضباب"، ماذا يعني الضباب هنا إلاَّ عجز الخليقة عن رؤية الله كما هو. كلٌ يراه قدر ما تستطيع عيناه أن تنظرا.

"وقال مبارك الرب إله إسرائيل الذي تكلَّم بفمه إلى داود أبي وأكمل بيده قائلاً: منذ يوم أخرجت شعبي إسرائيل من مصر لم اختر مدينة من جميع أسباط إسرائيل لبناء بيت ليكون اسمي هناك. بل إنَّما اخترت داود ليكون على شعبي إسرائيل. وكان في قلب داود أبي أن يبني بيتًا لاسم الرب إله إسرائيل. فقال الرب لداود أبي من أجل أنَّه كان في قلبك أن تبني بيتًا لاسمي قد أحسنت بكونه في قلبك. إلا أنَّك أنت لا تبني البيت بل ابنك الخارج من صلبك هو يبني البيت لاسمي. وأقام الرب كلامه الذي تكلَّم به، وقد قمت أنا مكان داود أبي، وجلست على كرسي إسرائيل كما تكلَّم الرب. وبنيت البيت لاسم الرب إله إسرائيل. وجعلت هناك مكانًا للتابوت الذي فيه عهد الرب الذي قطعه مع آبائنا عند إخراجه إيَّاهم من أرض مصر" [15-21].

لم يشر سليمان إلى عظمة البيت وفخامة مبناه، وكنوزه الثمينة، لكنَّه أشار إلى أمرين هما سرّ قوَّة البيت وقدسيَّته ومجده. الأمر الأول هو الوعد الإلهي لداود، والأمر الثاني هو وجود مكان خاص بتابوت العهد الذي ينظر إليه كمركز وكوكب البيت كله، بكونه يمثِّل العرش الإلهي. وكأن سرّ القوَّة هو الوعد الإلهي والحضرة الإلهيَّة.

هكذا سرّ قوَّة الكنيسة الوصيَّة الإلهيَّة أو الوعد الإلهي، وأيضًا العهد الذي به نلنا المصالحة مع الآب وتمتُّعنا بالخلاص لننعم بشركة المجد السماوي.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 8 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 8 جـ2 PDF Print Email

ب. التسبيح لله:

"ووقف سليمان أمام مذبح الرب تجاه كل جماعة إسرائيل، وبسط يديه إلى السماء" [22].

كان وجه سليمان نحو قدس الأقداس عندما أحضر الكهنة تابوت العهد، وعندما خرجوا وملأ السحاب البيت. وبدأ حديثه وهو متَّجه نحو قدس الأقداس. الآن إذ بدأ يبارك الشعب حوَّل وجهه نحوهم [14]، فإنَّه لا يبارك أحد آخر وهو يعطيه القفا، بل يعطيه الوجه. اعتادت الكنيسة في كل مرة يبارك الكاهن شخصًا أو الشعب أن يعطيه أو يعطيهم وجهه، حتى إن كان واقفًا أمام الهيكل.

حمل تدشين الهيكل مفاهيم حيَّة لبيت الرب:

-     بيت الذبيحة: قدم سليمان والشعب ذبائح كثيرة لأنَّه بدون سفك دم لن تحصل مغفرة. لقد عرَّف القدِّيس أغناطيوس النوراني الكنيسة بأنَّها "موضع الذبيحة"[67]. ففي الكنيسة نلتقي بالسيِّد المسيح الذبيحة الحقيقيَّة، ونتَّحد به فتصير حياتنا ذبيحة حب فائقة.

-     بيت الصلاة: قدم سليمان صلاته للتدشين.

-     بيت الفرح: كان التدشين عيدًا مفرحًا للجميع. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). والكنيسة هي حياة في الرب واهب الفرح الدائم.

-     بيت التسبيح: حيث بارك سليمان الرب وسبحه. يقول القدِّيس أغناطيوس النوراني: [اهتمُّوا في أن تجتمعوا بكثافة أكثر لتقديم الشكر والمجد لله، فعندما تجتمعون مرارًا معًا في الاجتماع الأفخارستي تضمحل قوى الشيطان وتنحل قوَّته أمام إيمانكم وتآلفه[68]].

-     بيت الحب: بالحب طلب سليمان لا من أجل الشعب فحسب، بل ومن أجل الأجنبي أيضًا.

يُقصد بمذبح الرب هنا مذبح المحرقة لا مذبح البخور، حيث قدم سليمان صلاته أمام كل جمهور الشعب.

"وقال أيها الرب إله إسرائيل ليس إله مثلك في السماء من فوق ولا على الأرض من اسفل، حافظ العهد والرحمة لعبيدك السائرين أمامك بكل قلوبهم" [23].

"حافظ العهد والرحمة". تعلَّم سليمان ذلك من أبيه الذي يعلن في تسبحته لله: "برج خلاص لملكه والصانع رحمة لمسيحه لداود ونسله إلى الأبد" (2 صم 22: 51). لقد أدرك داود أن الله صانع رحمة بتحقيقه للوعود الإلهيَّة التي قدَّمها له ولحساب نسله إلى الأبد. لقد تمتَّع داود بنفس الفكر الذي عاشه موسى النبي القائل: "فاعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبُّونه ويحفظون وصاياه إلى ألف جيل" (تث 7: 9). الله أمين في وعوده، لذا يليق بخاصته أن تكون أمينة له، لا بوضع أشعارٍ مملوءة بلاغة كاذبة، بل بحفظ وصاياه بأمانة. يمجدونه لا بكلمات بل بأعمال منيرة. أمين في تحقيق عهده "إلى ألف جيلٍ"، فهو ينبوع الحب الأمين عبر الأجيال.

"الذي قد حفظت لعبدك داود أبي ما كلِّمته به، فتكلَّمت بفمك وأكملت بيدك كهذا اليوم" [24].

بعد تقديم الشكر لله الحافظ عهد والذي حقَّق وعوده الإلهيَّة، سأله سليمان الآتي:

-     ديمومة كرسي إسرائيل بحفظهم وصاياه[25].

-     استمرار الحضرة الإلهيَّة وسط شعبه[29].

-     إدانة الأشرار وتبرير البار[31-32].

-    الخلاص من الأعداء بغفران الخطايا[33].

-     الخلاص من الكوارث[35-40].

-     مساندة الأجنبي التقي[41-43].

-    النصرة في المعارك القادمة[44-45].

-     تحرير من السبيّ بالغفران الجماعي[46-50].

-     استمرار إقامة العهد الإلهي مع الشعب [51-53].

"والآن أيها الرب إله إسرائيل احفظ لعبدك داود أبي ما كلَّمته به قائلاً: لا يعدم لك أمامي رجل يجلس على كرسي إسرائيل. إن كان بنوك إنَّما يحفظون طرقهم حتى يسيروا أمامي كما سرتَ أنت أمامي. والآن يا إله إسرائيل فليتحقَّق كلامك الذي كلَّمت به عبدك داود أبي. لأنَّه هل يسكن الله حقًا على الأرض؟ هوذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك،فكم بالأقل هذا البيت الذي بنيت؟" [25-27].

قدَّم سليمان صلاة طويلة، وربَّما ما ورد هنا مختصر أو مقتطفات من صلاته. فإنَّه إذ ينفتح القلب على الله لا يجد الفم صعوبة في الحديث مع الله محبوبه.

-     إنَّه يسكن على الأرض، ملتحفًا بالجسد، ومسكنه مع البشر يتأثَّر بالارتباط والانسجام اللذين يحدثا بين الأبرار، واللذين يبنيا ويقيما هيكلاً جديدًا. فالمؤمنون هم الأرض، والأرض أيضًا تقارن بعظمة الرب. لهذا لم يتردَّد الطوباوي بطرس في القول: "كونوا أنتم أيضًا مبنيِّين كحجارة حيَّة، بيتًا روحيًا، كهنوتًا مقدَّسًا، لتقديم ذبائح روحيَّة مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1 بط 2: 5).

وبالنسبة للجسد الذي يختتن، فإنَّه يقدِّسه كموضع مقدَّس لنفسه على الأرض. لقد قال: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيَّام أقيمه. فقال اليهود: في ست وأربعين سنة بُنى هذا الهيكل، أفأنت في ثلاثة أيَّام تقيمه؟ وأمَّا هو فكان يقول عن هيكل جسده" ( يو 2: 19-21)[69].

القدِّيس إكليمنضس الإسكندري

ج. الصلاة والطلبة:

"فالتفت إلى صلاة عبدك والى تضرعه أيها الرب إلهي، واسمع الصراخ والصلاة التي يصلِّيها عبدك أمامك اليوم"  [28].

إنَّه الحب هو الذي يجعل الله يتنازل ليقبل السُكنى في بيت كهذا. مهما قدَّم سليمان وشعبه لله فإنَّه لا يوجد ما يليق تقديمه لذاك الخالق القدير غير المحدود. من أجل حبُّه يقبل عطايانا التي ننالها من يديه لنقدِّمها هبة كأنَّها منَّا.

"لتكون عيناك مفتوحتين على هذا البيت ليلاً ونهارًا، على الموضع الذي قلت إن اسمي يكون فيه. لتسمع الصلاة التي يصليها عبدك في هذا الموضع" [29].

بقوله "إن اسمي يكون فيه" يعني حضرة الرب في بيته وسط شعبه، حيث يقدِّم لهم قوَّته قوَّة لهم، مجده مجدًا داخليًا لنفوسهم، ينير أعينهم فيدركوا أسراره الإلهيَّة ويتفهَّموا خطَّته من نحوهم. يهبهم نموًا مستمرًا وغفرانًا لخطاياهم، وتقديسًا لكل كيانهم الروحي والجسدي والعقلي والعاطفي، وخلاصًا مفرحًا. هذا هو سُكنى اسم الرب في بيته!

"واسمع تضرُّع عبدك وشعبك إسرائيل الذين يصلُّون في هذا الموضع، واسمع أنت في موضع سُكناك في السماء، وإذا سمعت فاغفر" [30].

إنَّها صلاة عبد محتاج إلى خالقه وسيِّده، لكنَّها تمثِّل صرخة قلب داخليَّة، ملتهبة بالإيمان والحب.

الهيكل وتابوت العهد وما يحويانهما كلَّها رموز لكلمة الله الذي تجسَّد، فصار جسده هيكلاً مقدَّسًا، خلاله نصلِّي، فهو الوسيط الذي به نلتقي مع الآب. يحملنا رب المجد يسوع إلى حضن أبيه حيث نسمعه يغفر لنا بدم المخلص، ويبرِّرنا بقيامته.

"إذا أخطأ أحد إلى صاحبه ووضع عليه حلفًا ليحلفه وجاء الحلف أمام مذبحك في هذا البيت، فاسمع أنت في السماء، واعمل واقضِ بين عبيدك. إذ تحكم على المذنب، فتجعل طريقه على رأسه، وتبرِّر البار، إذ تعطيه حسب برّه" [31-32].

يبدأ بالشخص المُصاب بضررٍ، وقد راوده الشك في شخصٍ ما أنَّه هو المتسبِّب في أذيَّته. يأتي به إلى بيت الرب ويحلف المشكوك في أمره، فإن حلف كذبًا يدينه الرب، وإن كان صدقًا يبرِّره الرب.

"إذا انكسر شعبك إسرائيل أمام العدو، لأنَّهم أخطأوا إليك، ثم رجعوا إليك واعترفوا باسمك، وصلُّوا وتضرَّعوا إليك نحو هذا البيت. فاسمع أنت من السماء، واغفر خطيَّة شعبك إسرائيل، وأرجعهم إلى الأرض التي أعطيتها لآبائهم" [33-34].

بعد تقديم العيِّنات السابقة من الصارخين إلى الرب، متَّجهين نحو هيكله يقدِّم طلبة عامة من أجل الكل. كان الهيكل رمزًا للسيِّد المسيح، الذي يبسط يديه ليحتضن الكل، يشتاق أن يُعطي بسخاء كل سائليه.

لقد سبق الرب فحذَّرهم منذرًا إيَّاهم أنَّه يسمح لهم بالهزيمة وبالسبيّ إن أصرُّوا على شرورهم. "وأجعل وجهي ضدَّكم فتنهزمون أمام أعدائكم، ويتسلَّط عليكم مبغضوكم، وتهربون وليس من يطردكم" (لا 26: 18)؛ "يجعلك الرب منهزمًا أمام أعدائك، في طريق واحدة تخرج عليهم، وفي سبع طرق تهرب أمامهم، وتكون قلقًا في جميع ممالك الأرض، وتكون جثَّتك طعامًا لجميع طيور السماء ووحوش الأرض، وليس من يزعجها" (تث 28: 25-26).

قبل دخولهم أرض الموعد وتمتُّعهم بالنصرة على الأمم القاطنة في كنعان أكَّد لهم أنَّهم إن خالفوا وصيَّته يفقدون نصرتهم وكرامتهم وتصير جثثهم مأكلاً لطيور السماء ووحوش البريَّة، سواء على مستوى الشعب ككل أو على مستوى الفرد. وكما قال أخيّا النبي لامرأة يربعام: "من مات ليربعام في المدينة تأكله الكلاب، ومن مات في الحقل تأكله طيور السماء، لأن الرب تكلَّم" (1 مل 14: 11). وجاء في المزمور: "اللهم إن الأمم قد دخلوا ميراثك، نجَّسوا هيكل قدسك، جعلوا أورشليم أكوامًا، ودفعوا جثث عبيدك طعامًا لطيور السماء، لحم أتقيائك لوحوش الأرض" (مز 79: 2). ويقول الرب على لسان إرميا النبي: "لذلك ها أيَّام تأتي يقول الرب... تصير جثث هذا الشعب أكلاً لطيور السماء ولوحوش الأرض ولا مزعج" (إر 7: 32-33). الترجمة الحرفيَّة لعبارة "قلقًا في جميع ممالك الأرض" هي "تحرِّكها جميع ممالك الأرض من هنا وهناك، إلى أعلى وإلى أسفل"، أي تصير أشبه بكره تلعب بها كل ممالك الأرض. وكما قيل: "وأدفعهم للقلق في كل ممالك الأرض" (إر 15: 4)، "وأسلمهم للقلق والشرّ في جميع ممالك الأرض عارًا ومثلاً وهزأة ولعنة في جميع المواضع التي أطردهم إليها" (إر 24: 9؛ راجع إر 29: 18).

يسمح الله بالهزيمة أمام الأمم لكي يدركوا هزيمتهم الداخليَّة أمام الخطيَّة، ويسمح بالسبيّ المُرّ لكي يطلبوا تحرُّرهم من سبيّ إبليس والاستعباد للشهوات والخطايا.

"إذا أغلقت السماء ولم يكن مطر لأنَّهم أخطأوا إليك، ثم صلوا في هذا الموضع، واعترفوا باسمك، ورجعوا عن خطيَّتهم لأنَّك ضايقتهم. فاسمع أنت من السماء، واغفر خطيَّة عبيدك وشعبك إسرائيل. فتعلِّمهم الطريق الصالح الذي يسلكون فيه. وأعط مطرًا على أرضك التي أعطيتها لشعبك ميراثًا. إذا صار في الأرض جوع، إذا صار وبَأ إذا صار لفح أو يرقان أو جراد جردم، أو إذا حاصره عدوه في أرض مدنه في كل ضربة وكل مرض" [35-37].

يورد هنا مجموعة من الكوارث تحل بالشعب كثمرة لعصيانهم للرب.

الجوع: نقص شديد في الغلال، خاصة القمح، بسبب الجفاف.

الوبأ: انتشار أمراض خطيرة معدية.

لفح: إصابة المزروعات لسبب أو آخر، فلا تنضج السنابل قط بل تحمل أشبه بتراب أسود عِوض البذور أو الغلال. سقوط الزهور أو البراعم الصغيرة من الأغصان.

جراد: أحد الضربات التي تصيب أحيانًا مساحات شاسعة من الأراضي حيث تهجم موجات ضخمة من الجراد تأكل كل ما هو أخضر، فلا تترك أوراق الشجر أو العشب على الأرض.

جردم: الجراد في مراحل نموه الأولى. الجراد يأتي مهاجمًا الحقول من بلاد بعيدة، أمَّا الجردم فيظهر من نفس البلد.

عدو يهاجم المدن الحصينة والحصون.

كل ضربةٍ تحل بالإنسان أو الحيوان أو النباتات كالبرص.

كل مرضٍ يُفقد الإنسان قدرته وطاقته للعمل والحياة.

"فكل صلاة وكل تضرُّع تكون من أي إنسان كان من كل شعبك إسرائيل، الذين يعرفون كل واحدٍ ضربة قلبه، فيبسط يديه نحو هذا البيت" [38].

إذ يتحدَّث عن الصلاة وقت الضيق، حيث يتَّجه الإنسان بوجه نحو الهيكل كما نحو الله نفسه، أو نحو الحضرة الإلهيَّة، لا يلم الظروف أو الأشخاص بل ينظر إلى "ضربة قلبه" [38]، ملقيًا اللوم على نفسه. إن الضيق الحقيقي ليس في الظروف المحيطة بنا، بل هو ضيق القلب المضروب بجفاف الحب أو عدم اتِّساعه بالمحبَّة للغير. هذه هي الضربة الحقيقيَّة التي من أجلها نصرخ إلى الله.

"فاسمع أنت من السماء مكان سكناك، واغفر واعمل وأعط كل إنسان حسب كل طرقه، كما تعرف قلبه،  لأنَّك أنت وحدك قد عرفت قلوب كل بني البشر" [39].

بقوله: "اغفر واعمل وأعط" يقدِّم سليمان الحكيم مفهومًا روحيًا صادقًا لنظرتنا إلى بيت الرب. فهو ليس بالموضع الذي فيه نطلب احتياجاتنا الزمنيَّة فحسب، وإنَّما هو بيت الغفران، وبيت العمل الإلهي، وبيت العطاء السماوي. نلتقي مع الله في بيته لنطلب أولاً المصالحة معه، وندخل معه في علاقة اتِّحاد وحب، عندئذ نتمتَّع بعمله الإلهي في حياتنا الداخليَّة، وننعم بعطاياه التي تشبع كل احتياجاتنا الروحيَّة والنفسيَّة والاجتماعيَّة والماديَّة. بالغفران نتمتَّع بمواهب العطايا، وبالعمل الإلهي نتقبَّل فينا إمكانيَّاته، وبالعطاء ننال خيراته. وكأن الملك يطلب هنا أن يتمتَّع المؤمنون بالله ذاته وقدراته وعطاياه!

"لكي يخافوك كل الأيَّام التي يحيون فيها على وجه الأرض التي أعطيت لآبائنا" [40].

د. الإعلان عن الحب لكل بشر:

"وكذلك الأجنبي الذي ليس من شعبك إسرائيل هو وجاء من أرض بعيدة من أجل اسمك. لأنَّهم يسمعون باسمك العظيم وبيدك القويَّة وذراعك الممدودة، فمتى جاء وصلَّى في هذا البيت" [42].

اليد القويَّة والذراع الممدودة يشيران إلى رعاية الله الفائقة لشعبه.

لقد سمع عن أعمال الله العجيبة مع شعبه بلعام الذي في أرض موآب (عد 22).

"فاسمع أنت من السماء مكان سُكناك، وافعل حسب كل ما يدعو به إليك الأجنبي، لكي يعلم كل شعوب الأرض اسمك، فيخافوك كشعبك إسرائيل، ولكي يعلموا أنَّه قد دعي اسمك على هذا البيت الذي بنيت" [43].

في صلاة التدشين يتطلَّع سليمان الحكيم إلى الله بكونه ليس إله إسرائيل وحده، بل إله كل الشعوب. يسأل الله أن يستجيب لصلاة الكل، حتى تعرف كل شعوب الأرض اسمه وتخشاه.

"وكذلك الأجنبي الذي ليس هو من شعبك إسرائيل وقد جاء من أرض بعيدة من أجل اسمك العظيم ويدك القويَّة وذراعك الممدودة، فمتى جاءوا وصلُّوا في هذا البيت، فاسمع أنت من السماء مكان سكناك وافعل حسب كل ما يدعوك به الأجنبي لكي يعلم كل شعوب الأرض اسمك، فيخافونك كشعبك إسرائيل، ولكي يعلموا أن اسمك قد دُعي على هذا البيت الذي بنيت" (2 أي 6: 32-33).

لقد سمح موسى للغرباء الذين يعيشون بين الإسرائيليِّين أن يقدِّموا ذبائح في الهيكل (عد 15: 14 الخ). وقيل أن اسم الرب العظيم وذراعه قد سمع عنهما في الأمم المحيطة (خر 15: 14؛ 18: 1؛ يش 5: 1).

يتحدَّث هنا عن وثنيِّين جاءوا إلى بيت الرب ليصيروا دخلاء في الإيمان الحقيقي.

 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 8 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 8 جـ3 PDF Print Email

ه. طلب النصرة:

"إذا خر ج شعبك لمحاربة عدوُّه في الطريق الذي ترسلهم فيه، وصلُّوا إلى الرب نحو المدينة التي اخترتها والبيت الذي بنيته لاسمك. فاسمع من السماء صلاتهم وتضرُّعهم واقضي قضائهم. إذا أخطأوا إليك، لأنَّه ليس إنسان لا يخطئ. وغضبت عليهم، ودفعتهم أمام العدو وسباهم سابوهم إلى أرض العدو بعيدة أو قريبة" [44-46].

لا يُفهم من قوله "ليس إنسان لا يخطئ" أنَّه تبرير لنا، لكنَّه يستعرض الضعف البشري ليستدر مراحم الله. وفي نفس الوقت يفتح باب الرجاء أمام الخطاة، إن الجميع دون استثناء في حاجة إلى عمل المخلِّص.

-     تستخدم الحكمة بالأكثر في الطريق لتعين أفضل من صحبة أقوى الرجال في مدينة، وهي أيضًا تغفر بحق للذين يفشلون في تحقيق واجبهم، لأنَّه لا يوجد إنسان واحد بلا عثرة[70].

القدِّيس غريغوريوس العجائبي

-     ماذا يقول الإناء المختار؟ "لأن الله أغلق على الجميع معًا في العصيان لكي يرحم الجميع" (رو 11: 32) وفي موضع آخر:" إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (رو 3: 21)

يعترض بصراحة أيضًا المبشِّر الذي هو المتحدِّث باسم الحكمة الإلهيَّة ويقول: "لأنَّه لا إنسان صديق في الأرض يعمل صلاحًا ولا يخطئ" ( جا 7: 20).

و"إذا أخطأ شعبك إليك، لأنَّه ليس إنسان لا يخطئ" (1 مل 8: 46).

و"من يقول أنِّي زكَّيت قلبي تطهَّرت من خطيَّتي؟!" (أم 20: 9). و"ليس أحد طاهرًا من خطيَّة ولو كانت حياته على الأرض يوما واحدا". يصمِّم داود على نفس الأمر: "بالآثام حبل بي وبالخطايا ولدتني أمِّي" (مز 51: 5). وفي مزمور آخر يقول: "في عينيك لا يتبرَّر قدَّامك حيّ" (مز 143: 2)...، إذ يقال "في عينيك" يعنى أولئك الذين يبدون قدِّيسين للبشر، فإنَّهم في عيني الله في كمال معرفته ليسوا قدِّيسين بالمرة. "لأن الإنسان ينظر إلى العينين وأمَّا الرب فإنَّه ينظر إلى القلب" (1 صم 16: 7)[71].

القدِّيس جيروم

"فإذا ردُّوا إلى قلوبهم في الأرض التي يسبون إليها، ورجعوا وتضرَّعوا إليك في أرض سبيهم قائلين: قد أخطأنا وعوَّجنا وأذنبنا. ورجعوا إليك من كل قلوبهم ومن كل أنفسهم في أرض أعدائهم الذين سبوهم، وصلُّوا إليك نحو أرضهم التي أُعطيت لآبائهم نحو المدينة التي اخترت والبيت الذي بنيت لاسمك" [47-48].

يصلِّي سليمان الحكيم هنا بروح النبوَّة، فيرى ما سيحل بشعبه وبهيكل الرب خلال السبيّ البابلي على يد نبوخذنصَّر عام 5/586 ق.م. يقول: "ورجعوا إليك من كل قلوبهم" مؤكِّدًا الاهتمام بالصلاة والتوبة من القلب.

-     الله لا يطلب الكلمات بل قلوبكم[72].

-     إنَّنا بالقلب نسأل، وبالقلب نطلب، ولصوت القلب ينفتح الباب[73].

-    لا يتم الصراخ لله بصوت جسدي، بل بالقلب. كثيرون شفاهم صامتة لكنَّهم يصرخون بالقلب، وكثيرون يقدِّمون ضجيجًا بشفاههم، أمَّا قلوبهم فصارت عاجزة عن تقديم أي شيء. لذلك إن صرخت إلى الله، أصرخ إليه من الداخل حيث هناك يسمعك[74].

القدِّيس أغسطينوس

"فاسمع في السماء مكان سُكناك صلاتهم وتضرُّعهم واقض قضاءهم. واغفر لشعبك ما أخطأوا به إليك، وجميع ذنوبهم التي أذنبوا بها إليك، وأعطهم رحمة أمام الذين سبوهم، فيرحموهم" [49-50].

الله الذي بحبُّه يُحرِّك الكل لبنيان نفوسنا، هو الذي يسمح بالتأديب حتى بالسبي، وهو الذي يحرِّك قلوب الذين يُسْبون سواء ليمارسوا عنفهم لكن في حدود يضعها، أو يمارسوا الرحمة، فيعطي شعبه نعمة في أعينهم. يترنَّم المرتِّل قائلاً: "وذكر لهم عهده وندم حسب كثرة رحمته، وأعطاهم نعمة قدَّام كل الذين سبوهم" (مز 106: 45-46).

لم يُصلِّ من أجل خلاصهم من السبيّ بالعودة إلى أرضهم، إنَّما بإعطائهم نعمة في أعين الذين سبوهم، فيتركونهم يعبدون الرب ويشهدون له وسط السبيّ كشعبٍ مؤمنٍ حقيقيٍ.

"لأن هم شعبك وميراثك الذين أخرجت من مصر من وسط كور الحديد. لتكون عيناك مفتوحتين نحو تضرُّع عبدك وتضرُّع شعبك إسرائيل، فتصغي إليهم في كل ما يدعونك" [51-52].

يفترض سليمان الحكيم أنَّه هو وشعبه رجال صلاة، في كل أمورهم يركِّزون أنظارهم على بيت الرب، ويفتحون أفواههم للحديث معه، وقلوبهم للصراخ إليه.

يقدِّم هنا حالات معينة على وجه الخصوص:

-    القضاء بين الشعب، لتبرير البار ومعاقبة المذنب، أي الاستجابة لصلاة الشخص العضو في الجماعة المقدَّسة.

-     عند الهزيمة أمام العدوّ، أي في حالة كارثة جماعيَّة.

-     إن حدث جفاف أو وبأ، أي في حالة كارثة خاصة بالطبيعة.

-     إن جاء أجنبي يطلب من الله، واثقًا فيه، لا في الآلهة الوثنيَّة.

وكأنَّه يقدِّم أربع عيِّنات لاستجابة الله لصلوات الفرد كما الجماعة، والطبيعة كما الأجانب عن الشعب، وهو يفترض أن ما يحل بالفرد أو بالجماعة إنَّما هو ثمرة الخطيَّة. لذلك يربط الصلاة بالتوبة والرجوع إلى الله عمليًا.

"لأنَّك أنت أفرزتهم لك ميراثًا من جميع شعوب الأرض كما تكلَّمت عن يد موسى عبدك، عند إخراجك آباءنا من مصر يا سيِّدي الرب" [53].

و. مباركة الشعب:

"وكان لمَّا انتهى سليمان من الصلاة إلى الرب بكل هذه الصلاة والتضرُّع، أنَّه نهض من أمام مذبح الرب من الجثو على ركبتيه، ويداه مبسوطتان نحو السماء" [54].

قدَّم لنا سليمان صورة حيَّة للصلاة، فإنَّه صلَّى أمام مذبح الرب جاثيًا على ركبتيه في خشوع، وباسطًا يديه نحو السماء، ليحمل مع الورع صورة الصليب، مفتاح السماء.

اعتاد بولس الرسول أن يصلِّي راكعًا، إذ يقول: "بسبب هذا أحني ركبتيَّ لدى ربنا يسوع المسيح" (أف 3: 14).

يبسط الله يديه ليُعلن احتضانه لكل البشر، ولكي يتقبَّل صلواتهم، معلنًا اشتياقه أن يهب المؤمن كل احتياجاته. ويبسط المؤمن يديه في الصلاة ليُعلن اتِّساع قلبه، وشوقه أن يصعد قلبه بالحب إلى السماء. بسط اليدين أيضًا يحمل إشارة يقين المؤمن أنَّه ينال من الله عطايا سماويَّة يستقبلها بذراعيه ليحملها إلى قلبه.

"ووقف وبارك كل جماعة إسرائيل بصوت عال قائلاً: مبارك الرب الذي أعطى راحة لشعبه إسرائيل حسب كل ما تكلَّم به، ولم تسقط كلمة واحدة من كل كلامه الصالح الذي تكلَّم به عن يد موسى عبده. ليكن الرب إلهنا معنا كما كان مع آبائنا فلا يتركنا ولا يرفضنا. ليميل بقلوبنا إليه لكي نسير في جميع  طرقه، ونحفظ وصاياه وفرائضه وأحكامه التي أوصى بها آباءنا.وليكن كلامي هذا الذي تضرعت به أمام الرب قريبًا من الرب إلهنا نهارًا وليلاً، ليقضي قضاء عبده وقضاء شعبه إسرائيل أمر كل يوم في يومه. ليعلم كل شعوب الأرض أن الرب هو الله وليس آخر" [55-60].

كما ختم سليمان عظته في سفر الجامعة ليقدِّم ملِّخصًا مقتضبًا لها، هكذا يختم صلاته هنا ليقدِّم للشعب ملِّخصًا لها:

-     يعطي مجدًا لله من أجل أعماله مع شعبه [56].

-     يشير إلى وعود الله الصادقة لموسى النبي وداود الملك، وكيف تحقَّقت كل كلماته [56].

-     يفتح باب الرجاء أمام الشعب، فكما كان الرب مع آبائنا يكون معنا وهو لا يرفضنا [57].

-     يؤكِّد حاجتنا إلى الله نفسه ليميل قلوبنا إليه، فنحفظ وصيَّته [58].

-     الله يسمع الصلوات [59].

-     يتمجَّد الله في شعبه وسط كل الشعوب [60].

كثيرًا ما يكرِّر سليمان مؤكِّدًا الحاجة إلى الحضرة الإلهيَّة، والتمتُّع بقوَّة نعمته، وقبول الله للصلاة، وتمجيد الله وسط الشعوب.

ز. دعوة لطاعة الوصيَّة:

"فليكن قلبكم كاملاً لدى الرب إلهنا،  إذ تسيرون في فرائضه وتحفظون وصاياه كهذا اليوم" [61].

جاءت الكلمة العبريَّة المترجمة هنا "كاملاً shaaleem" تعني صحيحًا أو سالمًا، ليس فيه انقسام، بل بكليَّته مكرَّس للرب، أي يكون صادقًا ومخلصًا في حبُّه للرب.

ح. تقديم ذبائح حب:

"ثم أن الملك وجميع إسرائيل معه ذبحوا ذبائح أمام الرب" [62].

اتَّسمت فترة حكم سليمان بالسلام وعدم الدخول في معارك ممَّا كان له أثره على حالة الشعب الاقتصاديَّة. اتَّسم عصره بالخير والغنى، لهذا كان لابد للشعب أن يقدِّم مع ذبيحة التسبيح والفرح ممَّا وهبه الله من غنى وأغنام كذبائح.

"وذبح سليمان ذبائح السلامة التي ذبحها للرب من البقر اثنين وعشرين ألفًا، ومن الغنم مائة ألف وعشرين ألفًا. فدشَّن الملك وجميع بني إسرائيل بيت الرب" [63].

يخطيء البعض حين يظنُّون استحالة تقديم 22 ألفًا من البقر ومائة ألفًا وعشرين ألفًا من الغنم كذبائح، للأسباب التالية:

-     بقوله "ذبح سليمان" لا يعني أنَّه ذبح هذه الآلاف بنفسه، وإنَّما قدَّم هذه الأعداد لكي تُذبح. هذا ويمكن القول بأن الشعب اشترك في تقديم هذه الذبائح للكهنة واللآويِّين وحسبها الرب عطيَّة من يد سليمان كممثِّل لكل الشعب.

-     يرى البعض أنَّه كان يمكن للشعب أن يقوم بالذبح لكن عمل الكاهن هو رشّ الدم ووضع الحمل على المذبح ليُحرق.

-    وردَّ في يوسيفوس[75] أنَّه في عهد بيرون طلب Cestius من الكهنة أن يحصوا عدد الحملان التي قدِّمت للفصح فوجدوا أنَّها 250000 حملاً في ثلاثة ساعات بعد الظهر، وأن يُرشّ دماؤها على المذبح.

-    ويرى آخرون أن عدد الكهنة واللآويِّين كانوا كافيًا لتقديم الذبائح. ففي أيَّام داود النبي كان عدد اللآويِّين من سن الثلاثين ما فوق 38000 شخصًا، وربَّما كان عدد الكهنة ألفين أو ثلاثة آلاف.

-     لم تقدًَّم هذه الذبائح في يومٍ واحدٍ، بل خلال فترة العيدين (الأسبوعين)، عيد تدشين الهيكل وعيد المظال.

"في ذلك اليوم قدس الملك وسط الدار التي أمام بيت الرب، لأنَّه قرب هناك المحرقات والتقدمات وشحم ذبائح السلام، لأن مذبح النحاس الذي أمام الرب كان صغيرًا عن أن يسع المحرقات والتقدمات وشحم ذبائح السلامة" [63].

ط. عيد وفرح:

"وعيد سليمان العيد في ذلك الوقت وجميع إسرائيل معه جمهور كبير من مدخل حماة إلى وادي مصر أمام الرب إلهنا سبعة أيَّام وسبعة أيَّام أربعة عشر يومًا. وفي اليوم الثامن صرف الشعب. فباركوا الملك، وذهبوا إلى خيامهم فرحين وطيِّبي القلوب، لأجل كل الخير الذي عمل الرب لداود عبده ولإسرائيل شعبه" [65-66].

من حماة شمالاً غالبًا إنطاكيَّة سوريا إلى وادي مصر جنوبًا؛ أي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.

مارس سليمان وكل القيادات مع الشعب الاحتفال بتدشين الهيكل لمدَّة سبعة أيَّام، تلاها سبعة أيَّام أخرى حيث احتفلوا بعيد المظال، وفي اليوم الثامن بارك الشعب وصرفهم وهم متهلِّلون بالفرح.

ليس فقط وجد الشعب فرحه الفائق وشعبه في بيت الرب، بل حملوا هذا الفرح معهم إلى بيوتهم ليمارسوه كل أيَّام حياتهم.

"باركوا الملك" أي صلُّوا من أجله لكي يهبه الرب بركته ويحل بسلامه عليه. هكذا بارك سليمان كل الجماعة [55]، وباركت الجماعة سليمان، إنَّه حب متبادل بين القائد والشعب في الرب.

من وحي 1 ملوك 8

روحك القدُّوس يدشِّن هيكلك

-     يوم تدشين هيكلك يوم عيد سماوي.

تفرح أنت بشعبك، وشعبك يفرح بك.

 تهلَّل سليمان والشيوخ والشعب مع الكهنة.

قدَّموا ذبائح بلا عدد.

ملأ المجد بيتك، فلم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة.

-     روحك القدوس يدشِّن هيكلك.

تفرح أنت بي وتقدِّسني.

وافرح بك وأكرِّس حياتي لك.

تتهلَّل إرادتي كملك،

وعقلي كشيوخ الشعب،

وأحاسيسي ككهنة العليّ،

وكل طاقاتي كشعب الرب.

تشترك كل طاقات نفسي وجسدي لتقديم محرقات حب.

-    وعدتني أن تحل فيّ مع أبيك القدُّوس.

فلا يملأ السحاب نفسي،

بل يملأ روحك القدُّوس كل كياني.

لأصلِّي مع سليمان قائلاً:

لتكن عيناك مفتوحتين على هذا البيت ليلاً ونهارًا.

 لتسمع الصلاة التي يصلِّيها عبدك في هذا الموضع.

اسمع أنت في موضع سُكناك في السماء.

وإذا سمعت فاغفر.

-     هب لي قلبًا كاملاً لديك.

فأسير في وصاياك واحفظها وهي تحفظني.

ليكن كل عمري عيد مضاعف لتدشين قلبي.

لأذهب إلى خيمتي متهلِّلاً مترقِّبًا يوم لقائك وجهًا لوجه.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 8 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 9 جـ1 PDF Print Email

سموّ مملكة سليمان


يعتبر عصر داود الملك وابنه سليمان العصر الذهبي في التاريخ العبري. كان داود محاربًا وسليمان محبًا للتعمير. أقام داود المملكة بجهاده العسكري مع روح التقوى، وبنى سليمان الهيكل وقام بمشاريع تجاريَّة وإنشاء أسطول بحري.

في العالم الخارجي كان ذلك الوقت هو عصر هومر Homer بدء التاريخ اليوناني؛ وكانت كل من مصر وأشور وبابل في غاية الضعف. أمَّا مملكة إسرائيل فاتَّسمت بالقوَّة مع الازدهار، وصارت أورشليم المدينة المتألِّقة، تحتضن الهيكل الذي يعتبر أعظم مبنى على الأرض في ذلك الحين. جاء العظماء من كل العالم يسمعون حكمة سليمان ويرون مجده.

جاء الأصحاحان 9-10 امتدادًا للأصحاح الرابع، حيث تحدَّث عن سلطان سليمان وثروته وحكمته. هنا نرى الملك سليمان يهتم بالتجارة والأعمال العامة الضخمة. دخل في معاملات مع ملك صيدا ليستخدم أسطوله التجاري في البحر المتوسِّط، وصار له أسطول بحري في عصيون جابر وصار في قبضته الطريق التجاري الجنوبي خلال أدوم إلى ساحل العربيَّة والهند وأفريقيا. أقام مملكته وثبَّتها بالعمل التجاري المملوء سلامًا[76].

1. رؤيا سليمان الثانية[1-9].

2. هبات متبادلة بين سليمان وحيرام[10-14].

3. أعماله ومنشآته[15-23].

4. ابنة فرعون في مدينة داود [24].

5. تقديم ذبائح سنويَّة[25].

6. أسطوله البحري[26-28].

1. رؤيا سليمان الثانية:

"وكان لما أكمل سليمان بناء بيت الرب وبيت الملك وكل مرغوب سليمان الذي سرّ أن يعمل. إن الرب تراءى لسليمان ثانية كما تراءى له في جبعون. وقال له الرب: قد سمعت صلاتك وتضرُّعك الذي تضرَّعت به أمامي. قدَّست هذا البيت الذي بنيته لأجل وضع اسمي فيه إلى الأبد. وتكون عيناي وقلبي هناك كل الأيَّام" [1-3].

بنى سليمان الهيكل، مكرَّسا كل الطاقات والمواهب الممكنة سواء من إسرائيل أو من الأمم لبنائه، وقدم صلوات وبارك الشعب والشعب باركه، وعيّد هو وكل الشعب. إلى هنا توقَّف عمل سليمان. أمَّا من يقدِّس البيت فهو الله نفسه الذي بحبُّه يتقبَّل هذه العطيَّة، فيتراءى له ثانية كما تراءى له عندما استلم الحكم. أعلن الله حضرته في البيت بوضع اسمه فيه. ويكشف عن حقيقة هامة وهي أن تكون عيناه وقلبه فيه. هكذا لا نستطيع بأنفسنا أن نتقدَّس بل الله هو الذي يقدِّسنا هياكل مقدَّسة له، معلنًا سكناه في داخلنا، وأن عينيه وقلبه متجهة نحو أعماقنا، يسكب كل حبه فينا، ويهتم حتى بعدد شعر رؤوسنا. نصير بكليَّتنا مكرِّسين له!

شهوة قلب كل مؤمن وكل لاهوتي حقيقي أن يكون من بين المختارين الذين يتمتَّعون برؤية الله في الحياة الأبديَّة. هذا ما يعلنه القدِّيس يوحنا الرسول: "لأنَّنا سنراهُ كما هو" (1 يو 3: 2). غير أنَّه في ذات الرسالة يقول: "الله لم ينظرهُ أحد قط" (1 يو 4: 12). ويؤكِّد الرسول بولس: "ساكنًا في نورٍ لا يُدنَى منهُ الذي لم يَرَهُ أحد من الناس ولا يقدر أن يراهُ" (1 تي 6: 16).

بينما يؤكِّد الكتاب المقدَّس بعهديه عدم إمكانيَّة الإنسان لرؤية الجوهر الإلهي تمتَّع إشعياء النبي بالحضرة الإلهيَّة (إش 63: 9)، وصارع يعقوب مع الله (تك 32: 24-30)، وتحدَّث معه موسى وجهًا لوجه فأضاء وجهه من بهاء مجد الله (خر 33: 11؛ تث 34: 10). ويطلب المرتل من الله أن يشرق بنور وجهه عليه (مز 4: 6؛ 31: 16 الخ)، وفي العهد الجديد (رو 1: 19-20؛ 1 كو 2: 8-3؛ 13: 12؛ 1 يو 3: 1-2).

في المنتصف الثاني من القرن الثاني بعث الأب ثاؤفيلس الأنطاكي إلى صديقه الوثني أوتوليكسAutolyctus  ثلاثة كتب يدافع فيها عن المسيحيَّة[77]، وقد سجَّل لنا في الفصول السبع الأولى من الكتاب الأول عن إمكانيَّة رؤية الله، إذ سأله صديقه: أرني الله؟ لقد حدَّثه عن الإعلان الأخروي حيث يستطيع الإنسان لأن يرى الله الذي له وحده عدم الموت، إذ يحمل الإنسان عدم الفساد في جسده كما في نفسه. هذه الرؤية الأخرويَّة يلزم التمهيد لها برؤية إيمانيَّة ينعم بها الإنسان في هذه الحياة الحاضرة حين يحمل نقاوة داخليَّة، خلالها يرى ببصيرته الداخليَّة الأمور التي لا تُرى.

[إن قلت "أرني إلهك"، أجيبك "أرني أنت إنسانك، وأنا أريك إلهي".

أعطني البرهان على أن عينيّ نفسك تستطيعان أن تنظرا، وأذنيّ قلبك أن يسمعا... فإن الله ينظره القادرون على رؤيته، الذين لهم عيون أنفسهم مفتوحة...

يا إنسان، إن عينيّ نفسك قد انطمستا بخطاياك وشرورك[78]].

ماذا يرى الإنسان خلال "الرؤية الإيمانيَّة الحاضرة"؟ أنَّه لا يرى تأمُّلات عقليَّة، ولا يتوقَّع رؤى منظورة... لكن – في رأي الأب ثاؤفيلس – يرى الله خلال أعمال محبَّته وعنايته وتدبيره للخليقة كلها، بل للإنسان ذاته. بمعنى آخر، لا يلتقي المؤمن مع الله ليتعرَّف على جوهر الله، ولا ليشبع فكره بلاهوتيَّات نظريَّة وفلسفيَّة، إنَّما يلتقي معه لقاءًا شخصيًا... يدخل في "خبرة شخصيَّة مع الثالوث القدُّوس"...

[تقول لي لا يا من ترى الله، هل تظهر لي ما هي هيئة الله؟

اسمع يا إنسان. هيئة الله لا يُنطق بها، ولا يُمكن شرحها، إذ لا تراها الأعين الجسديَّة. أنَّه في المجد غير مُدرك، في العظمة لا، في العلو لا يُدرك، في القوَّة لا يُقارن، في الحكمة منقطع النظير، في الصلاح لا يُضاهى، في الحنوّ لا ينطق به.

عندما أقول عنه أنَّه "نور"، أنعت عمله؛

إن دعوته "الكلمة"، أدعو سلطته؛

إن دعوته "عقلاً"، أتحدَّث عن حكمته؛

إن قلت أنَّه "روح"، أتحدَّث عن نسمته؛

إن دعوته "العناية"، أشير إلى صلاحه؛

إن دعوته "الملكوت"، أشير إلى مجده؛

إن دعوته "الرب"، أشير إليه كديَّان؛

إن دعوته "الديَّان"، أشير إليه كعادل؛

إن دعوته "أب"، أتحدَّث عنه كمصدر كل شيء؛

إن دعوته "نارًا"، أشير إلى غضبه[79]...].

"وأنت إن سلكت أمامي كما سلك داود أبوك بسلامة قلب واستقامة، وعملت حسب كل ما أوصيتك، وحفظتَ فرائضي وأحكامي. فإنِّي أُقيم كرسي ملكك عن إسرائيل إلى الأبد كما كلمت داود أباك قائلاً: لا يُعدم لك رجل عن كرسي إسرائيل. إن كنتم تنقلبون أنتم أو أبناؤكم من ورائي ولا تحفظون وصاياي فرائضي التي جعلتها أمامكم. بل تذهبون وتعبدون آلهة أخرى وتسجدون لها. فإنِّي اقطع إسرائيل عن وجه الأرض التي أعطيتهم إيَّاه،  والبيت الذي قدَّسته لاسمي أنفيه من أمامي، ويكون إسرائيل مثلاً وهزأة في جميع الشعوب. وهذا البيت يكون عبرة، كل من يمرّ عليه يتعجَّب ويُصفِّر، ويقولون: لماذا عمل الرب هكذا لهذه الأرض ولهذا البيت؟" [4-8].

يحذِّرهم الله من الارتداد عنه بإنكار الإيمان أو بعدم الطاعة لوصيَّته. فإن عدم الخضوع لوصيَّته هو إلحاد عملي. وجاءت العقوبة مضاعفة:

أولاً: يقطع الشعب عن وجه الأرض التي وهبهم إيَّاها، فإن كان الله قد وهبهم الله هذه الأرض إنَّما كرمزٍ لكنعان السماويَّة التي لا يليق أن يسكنها أحد نجس أو يوجد فيها شيء دنس. هكذا قطع الشعب أو طرده من أرض الموعد هو عمل طبيعي للأرض المقدَّسة التي لا تقبل فيها من لا يحفظ قدسيَّتها بعمل روح الله فيه.

ربَّنا بحبُّه دعانا لكي ندخل إلى الأرض المقدَّسة، كنيسته التي هو جسده المقدَّس. من لا يتجاوب مع عمل روحه القدُّوس يطرد نفسه من الكنيسة، حتى وإن نال مركزًا قياديًا. لهذا يقول العلامة أوريجينوس: [إنَّه يوجد كثيرون داخل الكنيسة، لكنَّهم هم خارجها!].

ثانيًا: ينفي من أمامه بيته الذي قدَّسه لاسمه. فإن القدُّوس يشتهي أن يتمتَّع شعبه بالقداسة ليشاركوه سِمَته. وهو يقبل البيت الذي بنوه له كمقدس له. فإن فقد البيت غايته ألا وهو تقديس شعب الله، فإن الله ينزعه من أمامه. إن ما يشغل فكر الله هو "الشعب المقدَّس" ليعيش في أرض مقدَّسة، ويمارسوا العبادة في بيت مقدَّس.

هذا البيت الذي يُعتبر مثلاً رائعًا في المجد، وهو مُقام على قمَّة عالية يشهد بجماله وبهائه عن حضرة الله وسط شعبه، الآن إذ يرفض الشعب الحضرة الإلهيَّة يصير "مثلاً وهزأة في جميع الشعوب". (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). كان في القمَّة في المجد، الآن يصير في القمَّة في سخريَّة الشعوب به! هذا ما يسمح الله به لبيته متى أصر المتعبِّدون على الرجاسة. وقد تم ذلك بالفعل في أيَّام حزقيا (2 أي 29؛ مي 6: 16). كما أنذر إرميا النبي بهذا (إر 18: 16؛ 19: 8). تم خراب الهيكل عام 586/585 ق.م على أيدي البابليِّين. وعندما أُعيد بنائه في أيَّام زربابل، وأيضًا في أيَّام هيرودس لم يعد إلى مجده الأول.

رابعًا: يقول" كل ما أوصيتك". في مثابرتنا لحفظ الوصايا باستقامة قلب نقبل ناموس المسيح كله، فلا نعرف أنصاف الحلول. نقبل الحياة الجديدة فيه بناموسها السماوي الروحي، نتفهَّم أسرار العهدين القديم والجديد وشرائعهما، لا على مستوي الحرف القاتل، وإنَّما على مستوى الروح الذي يبني. بهذا نقول: "حينئذ لا أخزى إذا ما تطلَّعت على جميع وصاياك" (مز 119: 6).

-     مادمنا نقول أن الأنبياء هم الطرق، فعندما نقرأ الشرائع والنواميس والأنبياء نكون قد سلكنا باستقامة في الطريق بالرب، فنفهم طرقه وندركها، حينئذ لا نخزى أبدًا، إذ تصير هي طرقنا فنحفظ جميع وصايا الله.

العلامة أوريجينوس

-     من يحفظ وصيَّة ويترك غيرها يكون قد غدر بجميع الوصايا، إذ يهين الله الذي أوصى بها وربطها بعضها ببعض. فإن الذي قال لا تزنِ قال أيضًا لا تسرق، فإن سرقت تصير مدينًا للشريعة كلَّها، ولكن من يحرص على جميع الوصايا لا يخزى في يوم الدينونة الرهيبة.

أنثيموس أسقف أورشليم

إن كان العصيان للوصيَّة قد دفع بأبوينا إلى الخزي، إذ يقول آدم: "سمعت صوتك في الجنَّة فخشيت لأنِّي عريان فاختبأت" (تك 3: 10)، فإن طاعة السيِّد المسيح على الصليب قد نزعت عن المؤمنين اللعنة وأزالت الخزي وفتحت أبواب الفردوس حتى للص التائب! من يعصى الوصيَّة يدخل إلى العار والخزي، ومن يبغي الطاعة الكاملة لا الجزئيَّة للوصايا يجني ثمر المجد، ويرتدي ثوب العرس، ويترنَّم بفرح قائلاً: "حينئذ لا أخزى إذا ما تطلَّعت على جميع وصاياك". فالوصيَّة هي ارتباط بالكلمة الإلهي الذي يهبه بهاءً ومجدًا أمام الآب وملائكته وقدِّيسيه، ويهبه مهابة وسلطانًا ليدوس الحيَّات والعقارب وكل قوَّة العدوّ.

"فيقولون من أجل أنَّهم تركوا الرب إلههم الذي أخرج آباءهم من أرض مصر، وتمسَّكوا بآلهة أخرى وسجدوا لها وعبدوها، لذلك جلب الرب عليهم كل هذا الشرّ" [9].

يرى لاكتانتيوس في هذا الحديث الإلهي نبوَّة عن خراب الهيكل. كما يقول أيضًا: [حدثت هذه الأمور بواسطة الله بسبب صلب المسيح، إذ سبق أن أعلن هذا لسليمان في الكتب المقدَّسة... فأيّ (دمارٍ) لا يستحقَّه هؤلاء الذين قتلوا ربّهم الذي جاء لخلاصهم؟[80]].

2. هبات متبادلة بين سليمان وحيرام:

"وبعد نهاية عشرين سنة بعدما بني سليمان البيتين، بيت الرب وبيت الملك" [10].

أدرك داود ما اتَّسم ابنه سليمان من عبقريَّة وقدرة على البناء مع الإمكانيَّات العظيمة التي وضعها بين يديه لإتمام العمل. لذلك وجَّه أنظار ابنه إلى أن البناء لا يتم بالعبقريَّة ولا بالإمكانيَّات الماديَّة أو البشريَّة، وإنَّما "إن لم يبن الرب البيت فباطلاً يتعب البناءون" (مز 127: 1). وضع هذا المزمور لكي يوجِّه قلب ابنه إلى الله العامل في بناء بيته، فيحفظ قلبه بين يديّ الله ويعمل بروح القوَّة.

لقد بدأ سليمان العمل ببناء بيت الرب مستندًا على ذراعه الإلهي، فرافقه الرب لا في بناء الهيكل فقط وإنَّما حتى في بناء قصره وملحقاته. إذ بدأ بما هو لله، سنده الله فيما هو له.

جاء ترتيب إقامة المباني يكشف عن حكمة سليمان:

أولاً: هيكل الرب، مقدِّمًا بكور أعماله الإنشائيَّة لحساب الله نفسه.

ثانيًا: بيته أو قصره الملكي، حيث يشعر بشيء من الاستقرار في العمل الملكي أو الرعوي.

ثالثًا: بيت ابنه فرعون أو جناح النساء، حيث الاستقرار العائلي.

رابعًا: مدن المخازن لحفظ المنتجات والمحاصيل، وإسطبلات للخيل الخ.

خامسًا: أخيرًا بنى في لبنان لأجل مسرَّته فيما يحتاجه للصيد والرفاهيَّة.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 9 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 9 جـ2 PDF Print Email

وكأن ترتيب إقامة المباني جاء بالترتيب التالي: سُكنى الله في وسط شعبه، استقرار العمل الملكي، الاستقرار الأسري، النفع الاقتصادي، المسرَّات.

"وكان حيرام ملك صور قد ساعف سليمان بخشب أرز وخشب سرو وذهب حسب كل مسرَّته. أعطى حينئذ الملك سليمان حيرام عشرين مدينة في أرض الجليل" [11].

قرأنا في الأصحاح الخامس عن الاتفاقيَّة بين سليمان وحيرام. يكشف هذا الأصحاح عن تحقيق هذه الاتفاقيَّة في جو من الصداقة مع الحب والصراحة والعدالة.

أ. نفَّذ حيرام من جانبه ما تعهَّد به من تقديم الخامات وتحقيق مطالب سليمان "حسب كل مسرَّته" [11].

ب. قدَّم سليمان لحيرام 20 مدينة، غالبًا من المدن الصغيرة، في أرض الجليل [11]. يبدو أن هذه المدن لم تكن في تبعيَّة أي سبط، جاءت حدود أشير فوق هذه المدن، (يش 19: 27)، بقيت في أيدي سكَّانها حتى جاء سليمان فاستولى عليها وسلَّمها لحيرام (2 صم 24: 7). تطلَّع إليها حيرام فلم يُسر بها.

يبدو أن سليمان قدم هذه المدن لحيرام لا لتصير ملكًا له تُضم إلى مملكته دائمًا، وإنَّما لكي يستغلها كيفما يريد حتى يتم تسديد أجرة العمال.

يرى يوسيفوس[81] أن هذه المدن تقع في شمال غرب أرض الجليل.

"فخرج حيرام من صور ليرى المدن التي أعطاه إيَّاه سليمان، فلم تحسن في عينيه، فقال: ما هذه المدن التي أعطيتني يا أخي؟ ودعاها أرض كابول إلى هذا اليوم" [12-13].

ويرى يوسيفوس المورِّخ اليهودي أنَّها دعيت كابول وهي كلمة فينيقيَّة تعني "غير مُسرَّة". فيما بعد أخذها سليمان من حيرام مقابل عطايا معينة، ربَّما قدَّم له محاصيل زراعيَّة أكثر. أصلح سليمان هذه المدن وجعلها مسكنًا للإسرائيليِّين.

يتساءل البعض: لماذا لم يُسر حيرام بالعشرين مدينة؟ هل كانت المدن بلا قيمة قدَّمها سليمان لحيرام وهو يعلم أنَّها غير نافعة له؟ أم كان حيرام مستغلاً يريد نوال أكبر مكسب؟

يجيب بعض الدارسين بأنَّه لم تكن هذه المدن بلا قيمة، ولم يكن حيرام مستغلاً. فالمنطقة دون شك لها قيمتها كأراضِ زراعيَّة، أمَّا رجال حيرام فكانوا تجَّارًا لا خبرة لهم بالزراعة، ولا يريدون الدخول في هذا المجال. ما يُسر حيرام وشعبه هو أن يُفتح لهم مجال أوسع للعمل التجاري لا الزراعي. فالشعب الذي له أسطول بحري وعلاقات تجاريَّة دوليَّة يتعجب كيف يمكن للإنسان أن يُسر بالعمل الزراعي، كسكَّان كابول. ومن الجانب الآخر الذين يهتمُّون بالعمل الزراعي لا يجدون مسرَّتهم في التجارة البحرِّيَّة، حيث البحر العنيف والمشاكل التي تواجه البحَّارة! لقد وهب الله لكل إنسان كما لكل شعب ما يمكن أن يبهجه ويُسرُّه.

إذ لم يُسر حيرام بالمدن لأنَّها لا تناسبه ربَّما قدَّم له الملك سليمان محاصيل أكثر، أو قام بتسديد أجرة العمال ذهبًا بعد الانتهاء من الأعمال الإنشائيَّة.

واضح من يشوع (19: 27) أنَّه وجدت منطقة في أيَّام يشوع تسمى كابول، وكانت جزءً من أرض الموعد على حدود سبط أشير. لذا يترجم البعض الكلمة بمعنى "حدود"، وقد جاءت في الترجمة السبعينيَّة بهذا المعنى horion.

"وأرسل حيرام للملك مائة وعشرين وزنة ذهب" [14].

يبدو أن هذا المبلغ كان قرضًا استدانه سليمان الملك من حيرام لكي يتمِّم إنشاءاته الكثيرة بجوار بناء الهيكل. لقد ترك له والده الكثير لبناء الهيكل، وجمع سليمان الكثير سنويًا كجزية من الأمم الخاضعة له، لكن إنشاءاته كانت كثيرة وباهظة التكلفة. فقد بنى قصره وملحقاته كما أقام عددًا كبيرًا من المدن [17-19].

لقد أُرهق الشعب ماليًا:

-     من جهة قدَّموا عطايا لبناء الهيكل.

-    وأيضًا قدَّموا من غلاَّتهم للملك حيرام مقابل العمال المهرة الذين بعث بهم للعمل.

-     بناء قصر الملك وملحقاته.

-     بناء مخازن الملك والمدن الجديدة.

-     تسديد القرض الذي استدانه من حيرام.

-    تسديد بقيَّة أجرة العمال الفينيقيِّين لحيرام، إذ لم يُسر بالعشرين مدينة التي قدمها له سليمان، وهي على حدود فينيقيَّة.

3. أعماله ومنشآته:

"وهذا هو سبب التسخير الذي جعله الملك سليمان لبناء بيت الرب وبيته، والقلعة، وسور أورشليم، وحاصور ومجدو وجازر" [15].

يبدو أن أسوار داود أو حصنه (2 صم 5: 9، 1 أي 11: 8) قد تهالكت بعد مرور حوالي 50 عامًا عليها، لهذا التزم سليمان بتجديد مدينة داود وأسوارها (1 مل 11: 27).

كانت حاصور ومجدو وجازر من أهم المواقع في أرض الموعد.

جازر: اسم عبري معناه "نصيب أو مهر العروس". وهو اسم مدينة كنعانيَّة قديمة يرجع تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة تقريبًا، تبعد حوالي 18 ميلاً غرب أورشليم. كانت مدينة رئيسيَّة في الجنوب، كانت مركز اتِّصال بمصر بسبب موقعها. تقع على الطريق نحو يافا، لها مركزها الإستراتيجي الهام جدًا في الطريق نحو مارس Maris، الطريق الرئيسي الذي يربط بين مصر وما بين النهرين. وهي قريبة من لخيش وبيت حورون السفلي (يش 10: 33؛ 16: 3). وهي بالقرب من تل جازر Tell Jezer، وتعرف الآن بأبي شوشة. لم يهزمها الإسرائيليُّون، كانت من نصيب أفرايم (1 أي 7: 28)، واختيرت مدينة للآويِّين (يش 21: 1-21؛ 1 أي 6: 67). لكنَّها لم تخلُ قط من سكَّانها الأصليِّين حتى أيَّام سليمان، ويبدو أنَّهم كانوا يتمتَّعون بشيء من الاستقلال (1 مل 9: 16).

استولى عليها الفلسطينيُّون (2 صم 5: 25؛ 1 أي 20: 4). في أيَّام سليمان الملك استولى عليها فرعون ملك مصر وقُدِّمت مهرًا لابنة فرعون عند زواجها من سليمان (1 مل 9: 16). هذه العادة كانت سائدة خاصة بين الملوك، وهي أن يقدِّم والد العروس مهرًا للزوجة. وكان بعض الملوك يقدِّمون مراكز ملكيَّة لزوج ابنته كمهرٍ مقدَّم للأميرة.

وإذ هي في طريق عام من يافا إلى أورشليم وجبعون كانت تحتاج أن تتحصَّن. هكذا قام سليمان لا بإعادة بنائها فحسب بل وتحصينها، وجعلها مركزًا عسكريًا واقتصاديًا (9: 15-19). هدمها الآشوريُّون. كانت حصنًا عسكريًا هامًا في الحروب اليهوديَّة، ففي حروب المكابيِّين قووا تحصيناتها (1 مك 9: 52)، وقد أخذها سمعان المكابي بعد حصار، اسمها الحالي تل الجزر.

"صعد فرعون ملك مصر وأخذ جازر واحرقها بالنار. وقتل الكنعانيِّين الساكنين في المدينة، وأعطاها مهرًا لابنته امرأة سليمان". "وبنى سليمان جازر وبيت حورون السفلي. وبعلة وتدمر في البريَّة في الأرض" [16-18].

بيت حورون: أو Beit. Vr. Tachta، موقعها أيضًا ممتاز مثل جازر وكان يلزم تحصينها.

تدمر: تعرف بين كثير من الدارسين أنَّها ذات المدينة بالميرا Palmyra. ويبرِّر البعض ذلك بأن "تدمر" هي مشتقَّة من كلمة "تمر Tamar, Tamor"، وهي في العربيَّة كما في العبريَّة معناها "بلح". بعد أن استولى عليها الإسكندر الأكبر دعاها بالميرا Palamyra، أي مدينة النخل. بقاياها مملوءة بالأعمدة الكثيرة وآثار هياكل وقبور مزخرفة وهيكل الشمس العظيم.

مدينة في الصحراء، وهي قديمة جدًا. كانت من أجمل مدن العالم. تقع في جنوب اليهوديَّة (حز 47: 19؛ 48: 28)، على بعد 140 ميلاً من الشمال الشرقي من دمشق، و120 ميلاً غرب نهر الفرات.

حاليًا خربة تمتد نحو ميل ونصف. تكشف بقايا منطقة Palmyra إلى يومنا عن عظمة سليمان وسموُّه. وهي واحة تقع في منطقة خصبة محاطة بصحراء قفر من كل جانب. تقدِّم لنا اكتشافات جامعة شيكاغو الخاصة بمجدو Megiddo  أنَّها منطقة مكتظَّّة بحجارة "إسطبلات" منذ أيَّام سليمان. هذا الإسطبل كان متَّسعًا، تقدَّر إمكانيَّاته بأنَّه كان يحتضن ما بين 300-500 فرسًا. وقد وصف Wood و Dawkesبدقَّة بقايا المنطقة، جاء ختام وصفهما التفصيلي بقولهما بأنَّه لم يرَ العالم قط مدينة أكثر مجدًا وتشامخًا في العصور القديمة والمعاصرة، ليس فقط بمبانيها ومركزها بل وأيضًا الأشخاص الذين تخرَّجوا منها مثل Longinus وزنوبيا Zenobia. في أيَّام الملكة زنوبيا Zenobia (زينب أو الزباء) جعلتها عاصمة مملكتها، غير أن أورليس دمَّرها سنة 273 ق.م.

قرية تدمر الحديثة داخل أسوار هيكل الشمس العظيم، وآثارها لا يضاهيها في الرونق والاتِّساع في كل سوريَّة إلاَّ بعلبك. مياهها غزيرة تجري من تحتها في أقنية قديمة، وأعظم ينابيعها تجري في قناة طبيعيَّة تحت الجبل جنوبي المدينة. أمَّا القبور فأكثرها خارج المدينة وهي غاية في الإتقان، بعضها محفور في الصخر تحت الأرض، وبعضها مبني على هيئة أبراج. وكانت المدينة ملآنة بالتماثيل المنحوتة ونواديس فيها مومياء شبيهة بما في قبور مصر.

إذ تقع بين سوريا وما بين النهرين كان لها أهميَّة تجاريَّة قبل أيَّام سليمان، وقد حصنها سليمان لمقاصد تجاريَّة وكموقع دفاع من أي هجوم من شمال آسيا.

يقول يوحنا الأنطاكي بأن نبوخذنصَّر في طريقه لمحاصرة أورشليم خرّب المدينة.

 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 9 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 9 جـ3 PDF Print Email

بعلة: اسم سامي معناه "سيِّدة". وهي مدينة في دان (يش 19: 44). لا يعرف موقعها الآن على وجه التحديد، يظن البعض أنَّها كانت في جنوب فلسطين بالقرب من شبيلة Shepelah أو سهل فلسطين (2 أي 8: 5)، تدعى أون Aver, On (عا 5:1). يرى يوسيفوس[82] أنَّها لم تكن بعيدة عن جازر، وبالتالي فهي ليست بعلبك.

"وجميع مدن المخازن التي كانت لسليمان ومدن المركبات ومدن الفرسان، ومرغوب سليمان الذي رغب أن يبنيه في أورشليم وفي لبنان وفي كل أرض سلطنته" [19].

مدن المخازن: بنيت خصيصًا لكي تودع فيها مئونة الدولة من طعام ومواد بناء ومعدَّات حربيَّة. كانت هذه المدن تشير إلى مدى غنى الدولة وازدهارها اقتصاديًا وقوَّتها العسكريَّة ومجدها السياسي.

قُسمت إسرائيل إلى اثني عشر قسمًا أو محافظة، كل قسم يقدِّم نصيبًا من المئونة لأورشليم أو للقصر الملكي، لا يتم هذا مباشرة، بل خلال مدن المخازن قبل تسليمها.

كانت هذه المدن تضم مخازن لمئونة الجيش غالبًا ما كانت في الشمال في حمة (2 أي 8: 4) ونفتالي (2 أي 16: 4). وأيضًا كانت لمئونة رجال الدولة في وقت الضيق (2 أي 17: 12؛ 32: 28)، كما بنى فرعون في أرض جاسان (خر 1: 11). وبكونها على الطرق التجاريَّة فإنَّها كانت تستخدم لمساندة المسافرين وحيواناتهم.

بنى الإسرائيليُّون كعبيد مدن مخازن في مصر مثل فيثوم ورعمسيس (خر 1: 11). أيضًا يهوشافاط وحزقيا ملِكا يهوذا بنِيا مدن مخازن في أيَّام حكمهما (2 أي 7: 12؛ 32: 27-29).

بقوله: "مرغوب سليمان الذي رغب أن يبنيه في أورشليم وفي لبنان وفي كل أرض سلطنته" يكشف أنَّه من الصعب حصر الإنشاءات التي قام بها الملك.

"جميع الشعب الباقين من الأموريِّين والحثيِّين والفرِّزيِّين والحويِّين واليبوسيِّين الذين ليسوا من بني إسرائيل. أبناؤهم الذين بقوا بعدهم في الأرض الذين لم يقدر بنو إسرائيل أن يحرموهم جعل عليهم سليمان تسخير عبيد إلى هذا اليوم. وأمَّا بنو إسرائيل فلم يجعل سليمان منهم عبيدًا لأنَّهم رجال القتال، وخدَّامه وأمراؤه وثوالثه ورؤساء مركباته وفرسانه" [20-22].

عندما عاد سيزوستريس ملك مصر من حروبه بنى معابد كثيرة في كل مدن مصر ولم يستخدم في بنائها مصريًا واحدًا، بل قام بالبناء أسرى الحرب. وقد نقش على كل هيكل: "لم يعمل أحد من المواطنين في هذه (المباني)". يبدو أن سليمان وضع نقشًا مشابهًا على منشآته.

تشغيل ثلاثين ألفًا من الإسرائيليِّين، بحيث يعمل كل شخص منهم لمدَّة شهر يليها شهران في راحة لم يُحسب هذا تسخيرًا، ولا عبوديَّة. فقد كان ما يشغل قلب سليمان هو أن يعيش شعبه بروح الحرِّيَّة فيخرج منهم رجال قتال وأمراء، وقادة مدنيُّون وعسكريُّون.

"هؤلاء رؤساء الموكَّلين على أعمال سليمان: خمس مائة وخمسون الذين كانوا يتسلَّطون على الشعب العاملين العمل" [23].

4. ابنة فرعون في مدينة داود:

"ولكن بنت فرعون صعدت من مدينة داود إلى بيتها الذي بناه لها، حينئذ بنى القلعة" [24].

لم يسترح سليمان لإقامة ابنة فرعون في قصر داود الذي على جبل صهيون، القريب جدًا من الهيكل. فقد تطلَّع إلى موقع الهيكل كموضع مقدَّس بحلول تابوت الرب فيه. فكان قصره على الجانب الآخر الغربي من التل. ربَّما مقابل الهيكل مباشرة بينهما يجري وادي Tyropoeum.

5. تقديم ذبائح سنويَّة:

"وكان سليمان يُصعد ثلاث مرات في السنة محرقات وذبائح سلامة على المذبح الذي بناه للرب. وكان يوقد على الذي أمام الرب، وأكمل البيت" [25].

كان يحرص أن يقدِّم محرقات للرب وذبائح سلامة ثلاث مرَّات سنويًا، أي في الأعياد الكبرى: الفصح والخمسين والمظال. هذا بجانب الذبائح التي كان يقدِّمها من حين إلى آخر. لم يكتفِ ببناء الهيكل والمذبح، وإنَّما كان يشعر بالحاجة إلى الذبيحة لتحقِّق المصالحة مع الله. فالقائد الروحي الحيّ هو ذاك الذي يخدم الآخرين غير متجاهلٍ حاجته هو إلى الخدمة.

بعد بناء الهيكل توقَّف تقديم الذبائح على المرتفعات (1 مل 3: 2). الآن يقدِّم سليمان المحرقات وذبائح الشكر ثلاث مرات سنويًا على المذبح الذي بناه للرب.

"وأكمل البيت": بلغ البيت كماله لا ببنائه بالحجارة والأخشاب وتقديم الأثاثات الثمينة من الذهب والفضَّة والنحاس، وإنَّما بتقديم الذبائح المستمرَّة. فإن هذا العمل لن يكمل إلاَّ  بالحضرة الإلهيَّة وسط الشعب، الأمر الذي لا يمكن أن يتحقَّق إلاَّ خلال الذبيحة.

6. أسطوله البحري:

"وعمل الملك سليمان سفنًا في عصيون جابر التي بجانب آيلة على شاطئ بحر سوف في أرض آدوم" [26].

أقام هذا الأسطول (9: 26) للتجارة مع العربيَّة والهند والساحل الشرقي لأفريقيا. تقع عيصون جابر في نهاية شمال خليج العقبة بالبحر الأحمر. اكتشف بقاياها عام 9/1938 بواسطة الدكتور Nelson Glueck، بالمدارس الأمريكيَّة للبحث الشرقي. وجد بقايا لمصاهر المعادن لسليمان والأفران والبواتق ومعامل تكرير وأيضًا مستودعات من النحاس والحديد، بالقرب منها كان يصنع الأطباق والمسامير ورؤوس السهام وصنارات السمك، وتصدر مقابل العاج والذهب[83].

"فأرسل حيرام في السفن عبيده النواتي العارفين بالبحر مع عبيد سليمان" [27].

أرسل حيرام في سفنه عبيده الذين لهم خبرة في صنع السفن وفي التجارة البحرِّيَّة، الأمر لم يكن لإسرائيل في ذلك الحين أيَّة خبرة. ففي عصيون جابر قام الصوريُّون بصنع السفن. خاصة وأن عصيون جابر لم يكن بها من الأشجار سوى النخيل، التي لا تصلح أخشابها لبناء السفن، وإنَّما في أسقف المنازل الداخليَّة فحسب.

العلاقات التجاريَّة بين الساحل الجنوبي من العربيَّة والهند قديمة جدًا ترجع إلى ما قبل عصر سليمان أقامها السبائيُّون. ولكن العلاقات التجاريَّة بين العربيَّة والساحل المقابل من أثيوبيا، خلالها كانت المنتجات الأفريقيَّة تصل إلى العربيَّة فهي دون أدنى شك أقدم بكثير من العلاقة بين العربيَّة والهند.

"فأتوا إلى أوفير، وأخذوا من هناك ذهبًا أربع مائة وزنة وعشرين وزنة، وأتوا بها إلى الملك سليمان" [28].

الترجمة الحرفيَّة هي "سفينة"، لذا يرى بعض الدارسين أن سليمان صنع سفينة تجاريَّة واحدة.

ربَّما كانت التجارة مع أوفير مستقرَّة من قبل سواء في أيدي الفينيقيِّين أو في أيدي المصريِّين. فعندما قرَّر سليمان أن يشترك في هذه التجارة كان لمصر أسطولها في الذراع الثاني من البحر الأحمر يمتد إلى المناطق الجنوبيَّة منذ زمن بعيد.

أوفير: اسم أرض سمِّيت باسم ابن يقطان هذا الذي استقرّ في جنوب بلاد العرب أو اليمن في الوقت الحاضر. وقد ورد اسمه مع اسم شبا وحويلة (تك 10: 29؛ 1 أي 1: 23). اشتهر هذا الموضع بالذهب (1 أي 29: 4؛ أي 22: 24؛ 28: 16؛ مز 45: 9؛ إش 13: 12).

أرسل سليمان وحيرام أسطولاً تجاريًا من عصيون جابر على خليج العقبة إلى أوفير، فاحضر ذهبًا وخشب صندل وحجارة كريمة (1 مل 9: 26-28؛ 10: 11).

يرى البعض أن أوفير تقع على شاطئ أفريقيا الشرقي أو أنَّها في بلاد الهند خلف نهر Ganges، لكن الأرجح هي في بلاد اليمن بجوار بلاد السبائيِّين. ويرى آخرون أن كلمة "أوفير" اسم عام كان يطلق على المناطق الجنوبيَّة على بحار أفريقيا والعربيَّة والهنديَّة. والبعض يرى أنَّها خاصة بسيلان Ceylon.

يُقدر البعض 420 وزنة من الذهب بحوالي مليونين وستمائة ألفًا جنيهًا إسترلينيًا، تمَّت ربَّما في صفقة واحدة أو على صفقات متتاليَّة.

 

من وحي 1 ملوك 9

هب لي يا رب أن أراك!

-    تمتَّع سليمان برؤياك مرَّتين:

في جبعون حين صار ملكًا.

وبعد بناء الهيكل.

 هب لي أن أراك فأنت أقمتني ملكًا،

وروحك القدُّوس يقدِّس أعماقي بيتًا لك.

لتكن عيناك وقلبك في أعماقي كل أيَّام غربتي.

أنت هي بهجتي وبرِّي وقداستي.

-    تجلِّيك لي يعلِّمني الصداقة مع اخوتي.

 أتعامل بالحب مع الصراحة مع اخوتي.

كما كان سليمان مع حيرام.

-     تترأى لي، فكل الطاقات تبني بيتك في داخلي.

كل الأمم المحيطين سخَّرهم سليمان للعمل.

ليعمل الكل في خضوع للبنيان.

-    ظهورك له وهبه نجاحًا في أسطوله التجاري.

كل ما تمتد إليه يديه يكون ناجحًا.

أنت هو سرّ نجاحي.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 9 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 10 جـ1 PDF Print Email

تُعجب بحكمة سليمان


أبرزت الأصحاحات السابقة استقرار مملكة سليمان، واهتمامه بالعمل الإنشائي. بدأ ببيت الرب وملحقاته، ثم قصره الخاص وملحقاته، فجناح ابنة فرعون، ثم مدن المخازن، وأخيرًا منشآت لأجل مسرَّته. لكنَّنا لم نسمع عن اهتمامه بإقامة منشآت خيريَّة كالمستشفيات أو ملاجئ للفقراء، ولا أقام مدارس ومنشآت علميَّة ودراسيَّة.  كما لم نسمع عن اهتمامه بتربيَّة ابنه رحبعام وليّ العهد.

لقد أوضح هذا الأصحاح عظمة حكمة سليمان، إذ اعترفت ملكة سبأ بأن ما رأته أعظم ممَّا سمعته عنه.

-     عظمة غناه: قدَّمت له ملكة سبأ الكثير من الذهب والأطياب والحجارة الكريمة، كما قدَّم له ملوك الدول المحيطة بفيضٍ.

-     عظمة سخائه، كان يأتيه الكثير، ويقدِّم أيضًا الكثير.

-     عظمة مظهره: أتراس من ذهب، كؤوس من ذهب، عرش فريد في العظمة.

-     عظمة قوَّته: مركبات وخيل بكثرة [26].

-     قدرته التجاريَّة: تبادل تجاري مع مصر [28-29].

-     غنى شعبه: [27].

إذا وضعت كل الأمور معًا يمكن القول بأن سليمان قد فاق كل ملوك الأرض في الغنى والحكمة، لكنَّه كان ظلاً للمسيح الذي قال عن نفسه: "هوذا أعظم من سليمان ههنا" (مت 12: 42؛ لو 11: 31).

1. زيارة ملكة سبأ[1-13].

2. غنى سليمان [14-29].

1. زيارة ملكة سبأ:

جاءت ملكة سبأ تزوره لترى وتلمس ما قد سمعته عنه. قدَّمت له هدايا ثمينة بوفرة، كما اختبرته بأسئلة قدم لها إجابات وافيَّة، كشفت عن إعجابها بحكمته ومنشآته، وسبَّحت الله الذي أقام مثل هذا الملك على شعبه.

"وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان لمجد الرب،-فأتت لتمتحنه بمسائل" [1].

يتساءل البعض إن كانت ملكة سبأ أثيوبيَّة أم عربيَّة أم هنديَّة. فلدى كلٍ من أثيوبيا واليمن تقليد به يربطون ملكة سبأ بتاريخهم، خاصة وأن وجود ملكة تحكم البلاد كان عامًا في المنطقتين.

دعاها السيِّد المسيح ملكة الجنوب، لأن سبأ في جنوب كنعان. الرأي السائد أن سبأ في أفريقيا، يعتبر الأثيوبيُّون إلى يومنا هذا أن ملكة سبأ جاءت من بلادهم، وأن كنداكة (أع 8: 27) هي خليفتها.

يرجِّح البعض أنَّها من اليمن للأسباب التالية:

-     كانت سبأ العربيَّة منطقة مشهورة بالأطياب في العالم القديم، وكانت غنيَّة بمناجم الذهب والفضَّة والحجارة الكريمة.

-     سبأ العربيَّة كانت مملكة هامة، بينما سبأ الأثيوبيَّة كانت مجرَّد مدينة.

-     إن كانت أوفير في العربيَّة، فيكون ذلك سببًا إضافيًا لاعتبار سبأ في نفس المنطقة. لأن تجارة سليمان مع أوفير نشرت أخباره ووصلت شهرته منها إلى ملكة سبأ.

يرى البعض الدارسين أن سبأ كانت مملكة مستقلَّة، شعب مميَّز من الأثيوبيِّين والعرب.

"لمجد الرب" [1]: مع ما اتَّسم به سليمان من مواهب كثيرة مثل النطق بأمثال وأناشيد والحنكة العسكريَّة والسياسيَّة والذوق الفنِّي في البناء، إلاَّ  أن شهرته كانت "لمجد الرب"، بمعنى آخر ما انتشر عنه أنَّه رجل الله التقي.

ما هو الدافع لملكة سبأ أن تأتي بقافلة مسافة أكثر من 1000 ميل؟ لقد ارتبط اسم سليمان باسم الله، فجاءت تقدِّم له أسئلة صعبة لتعرف ماذا يعني هذا الإله المتعبِّد له بالنسبة لها. لقد استجاب الله لطلبة سليمان أن تأتي الشعوب وتتعرَّف على الله وتسأله في بيته (1 مل 8: 41-43).

كان من عادة بعض الملوك أن يمارسون رياضة ملوكيَّة بأن يقوموا بزيارة الملوك المعاصرين ويختبرون إمكانيَّاتهم وقدراتهم في التدبير. فقد سمعت ملكة سبأ الكثير عن سليمان فظنَّت أنَّها من وحيّ الخيال. جاءت بنفسها إلى أورشليم والتقت بسليمان وقدمت له أسئلة، وإذ أجابها على أسئلتها أدركت حكمته الفائقة ومجدَّت الله الذي أقام سليمان ملكًا ووهبه حكمة وبرًّا [9].

هل استمرَّت ملكة سبأ في إيمانها بالله؟ كل ما نعرفه أن السيِّد المسيح تحدَّث عنها مع أهل نينوى كمثلين حيِّين لقبول الأمم لله الحي في العهد القديم والتجاوب معه (لو 11: 29-32).

"فأتت إلى أورشليم بموكب عظيم جدًا، بجِمال حاملة أطيابًا وذهبًا كثيرًا جدًا وحجارة كريمة، وأتت إلى سليمان، وكلمته بكل ما كان بقلبها" [2].

مجيئها بقافلة ضخمة من الجمال يؤكِّد أن سبأ ليست في الهند كما ظن البعض، إذ لا يمكن لمثل هذه القافلة أن تأتي من المحيط الهندي، لكنَّها كانت وسيلة الانتقال في العربيَّة.

لم ترسل ملكة سبأ رسولاً ليكتشف شخصيَّة سليمان، بل ذهبت بنفسها. لقد حملت ذهبًا كثيرًا وحجارة كريمة وأطيابًا لكي تستمتع بالحكمة من فم سليمان. وها هو حكمة الله نفسه يود أن يهبنا ذاته مجانًا لنحمله فينا. ذاك الذي هو أعظم من سليمان، ومع هذا كثيرًا ما نهرب منه. لقد جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله.

من جانب سليمان فإنَّه لم يوبِّخها على تركها شئون مملكتها لتتحمَّل مشاق هذه الرحلة الطويلة، بل رحّب بها، وأعطاها الفرصة لكي تتكلَّم بكل ما في قلبها. أجابها على أسئلتها سواء الطبيعيَّة أو السلوكيَّة أو السياسيَّة أو الدينيَّة.

"فأخبرها سليمان بكل كلامها،-لم يكن أمر مخفيًا عن الملك لم يخبرها به" [3].

يرى يوسيفوس المؤِّرِّخ[84] أنَّها لم تقدِّم أسئلة فلسفيَّة، ولا دخلت معه في حوار ديني أو أخلاقي، إنَّما قدَّمت ما جمعته من أحجيَّة وألغاز صعبة، فقد عُرف الشرقيُّون قبل أيَّام سليمان بالتلاعب في الألفاظ، كما حدث مع شمشون (قض 14: 12-14). ولا يزال يشتهر الشرق بهذا حتى يومنا هذا.

قدم لنا التلمود كثير من القصص والأحجيَّة التي دارت بين ملكة سبأ وسليمان، وانتشرت أيضًا بطريقة أو أخرى في منطقة فارس وبلاد العرب بين ملوكهم.

جاء عن ملكة سبأ أنَّها كلما قدَّمت أحجيَّة صعبة كان سليمان بفكره الثاقب وسرعة بديهته يجيب عليها. أخيرًا قدَّمت باقة ورود جميلة صُنعت بإتقان شديد حتى يصعب تمامًا على الإنسان أن يميِّزها من الورود الطبيعيَّة. نسَّقت الباقة بطريقة مبدعة ومدهشة ثم قدَّمتها للملك. وقدَّمت معها باقة أخرى من الورود الطبيعيَّة تشبهها تمامًا.

ارتبك كل الحاضرين إذ يصعب على العين أن تميِّز بين الباقة الطبيعيَّة والباقة الصناعيَّة. في البداية لاحظ الحاضرون أن الملك – لأول مرة – يقف مرتبكًا. صمت الجميع وارتبكوا جدًا خشية أن يُخذل ملكهم. لكن الملك بسرعة شديدة جاء بعدد من النحل الذي يحوم حول الورود وأطلقه، فاتَّجه نحو الورد الطبيعي. فأمسك الملك بالباقة الطبيعيَّة وترك الورد الصناعي، عندئذ صفَّق جميع الحاضرين ودُهشت الملكة لحكمة سليمان واتِّقاد ذهنه.

"فلما رأت ملكة سبأ كل حكمة سليمان والبيت الذي بناه" [4].

يرى اليهود في تعبير "حكمة chaakmat سليمان، دائرة متَّسعة من المواهب الفكريَّة والقدرات العقليَّة والعمليَّة، فالحكمة هنا ليست معرفة نظريَّة بل عمليَّة تجلَّت في قدرته على تنظيم شئون مملكته، وتدبير قصره الملكي، وتمتُّعه بأنهار من الغنى تفيض على مملكته بالتجارة الدوليَّة، وحكمته في بناء الهيكل وتنظيم الخدمة فيه، ومهارته الفنيَّة والأدبيَّة، وتقواه، واهتمامه بالعبادة الجماعيَّة، وتقديم المحرقات باسم الشعب كله.

"وطعام مائدته ومجلس عبيده وموقف خدَّامه وملابسهم وسُقاته ومحرقاته التي كان يصعدها في بيت الرب، لم يبقَ فيها روح بعد. فقالت للملك: صحيحًا كان الخبر الذي سمعته في أرضي عن أمورك وعن حكمتك. ولم أصدِّق الأخبار حتى جئت وأبصرت عيناي، فهوذا النصف لم أُخبر به، زدت حكمة وصلاحًا على الخبر الذي سمعته" [5-7].

لاحظت دقَّة نظام تدبير الأكل اليومي على مائدته التي ضمَّت الألوف يوميًا، وتدبير جلوس عبيده كلٍ حسب رتبته. والاهتمام حتى بمظهر عبيده وملابسهم البهيَّة.

"كان يصعدها"، ربَّما يعني بالصعود هنا أنَّه كان يسلك طريقًا خاصًا يعبره الملك من قصره إلى التل الغربي عبر وادٍ صغير منحدر ثم يصعد على التل الشرقي حيث الجانب الغربي من منطقة الهيكل.

"لم يبقَ فيها روح"، إذ كادت أن يُغمى عليها من شدَّة الدهشة التي لحقت بها.

اعترفت الملكة بأن ما قد بلغها كانت تظن أنَّه مبالغ فيه. الآن أدركت أن هذا التقرير قدَّم نصف الحقيقة. فإن ما شدّ اهتمامها ليس ما سمعته من شفتيّ الملك، بل وما رأته بعينيها. أُعجبت بكلماته كما بأعماله. امتدحته من أجل ما ناله من موهبة الحكمة، وما تمتَّعت به حياته العمليَّة من صلاح وتقوى. فقد امتزجت معرفته بسلوكه العملي، وتُرجمت مفاهيمه خلال حياته.

مجَّدت ملكة سبأ إله إسرائيل، لا بمعنى أنَّها تركت آلهتها لتعبد إله إسرائيل، بل آمنت به كأحد الآلهة الأخرى. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يرى بعض الكُتَّاب اليهود أنَّها دخلت الإيمان بتأثير سليمان وعبدت الله الحيّ، غير أن البعض يستبعد ذلك، إذ لا نجد أثرًا لتقديم عطايا للهيكل من جانبها. ما قدَّمته من هبات كان للملك شخصيًا.

ما قدَّمته من هبات ليس جزية التزمت بها، وإنَّما علامة صداقة لا على المستوى الشخصي فحسب بل على مستوى صداقة البلدين.

يقول Strabo أن السبائيِّين كانوا أغنياء جدًا، استخدموا الذهب والفضَّة بطريقة مبالغ فيها في أثاثاتهم وعلى الحوائط والأبواب وأسقف بيوتهم.

"طوبى لرجالك، وطوبى لعبيدك هؤلاء الواقفين أمامك دائمًا، السامعين حكمتك" [8].

طوّبت الملكة رجاله الواقفين أمامه وعبيده الذين يخدمونه، فإنَّهم بالتقائهم به وبخدمتهم له يشاركونه الحياة المطوّبة أو السعيدة. هكذا من يسكن مع رب سليمان في بيته، ويخدم ملكوته ينعم بشركة الحياة معه، فيعيش مطوَّبًا، أي يشاركه حياته السماويَّة.

"ليكن مباركًا الرب إلهك الذي سرّ بك، وجعلك على كرسي إسرائيل، لأن الرب أحبّ إسرائيل إلى الأبد. جعلك ملكًا لتجري حكمًا وبرًا" [9].

لم تأت ملكة سبأ لتُقيم علاقات تجاريَّة أو سياسيَّة، لكنَّها جاءت تتأكَّد ممَّا سمعته عن حكمة سليمان فتنتفع به. كان ملوك السبَائيِّين كهنة (مز 72: 10). رجعت هذه الملكة التي ربَّما كانت كاهنة تشهد لله الحقيقي. بعد أن طوَّبت سليمان، ورجاله الواقفين أمامه وعبيده الذين يخدمونه، باركت الرب الذي وهبه المملكة والحكمة والغنى والمجد الخ.

"وأعطت الملك مائة وعشرين وزنة ذهب وأطيابًا كثيرة جدًا وحجارة كريمة لم يأت بعد مثل ذلك الطيب في الكثرة الذي أعطته ملكة سبأ للملك سليمان"    [10].

سبق فتنبَّأ داود أن سليمان سينال ذهب سبأ (مز 72: 15). هذه الهدايا من ذهب وأطياب وحجارة كريمة كان ظلاً لعطايا المجوس لمولود بيت لحم (مت 2: 11). قدَّمت الهدايا ثمنًا للحكمة التي نالتها، ولم تكن تعلم أن ما فعلته هو ظلّ لما يحدث فيما بعد عند ميلاد ابن داود الحقيقي.

ملكة سبأ رمز لكنيسة العهد الجديد:

1. سمعت فآمنت: إذًا الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله (رو 10: 17). آمنت واعترفت (لو 18: 13).

2. سمعت فسعت لتلتقي بسليمان رمز المسيح. لم ترفض الدعوة إلى العرس   (1 مل 10: 6-7، مت 22: 5)، ولا أجَّلت اللقاء كما فعل فيلكس (أع 24: 25).

3. دخلت معه في لقاء وحوار لذا لم يخفِ عنها الملك شيئًا [2-3].

4. التقت به بروح التواضع [4-5].

5. تعرَّفت عليه فأُعجبت به، كما أُعجبت الكنيسة بالسيِّد المسيح فترنَّمت: "أنت أبرع جمالاً من بني البشر" (مز 45: 2). وكما يقول القدِّيس أغسطينوس:

[إنه جميل في السموات بكونه الكلمة مع الله.

جميل على الأرض وهو متسربل بالطبيعة البشريَّة،

جميل في الرحم، وجميل بين ذراعيّ والديه،

جميل في المعجزات، وجميل في جلْده بالسياط،

جميل في منحه الحياة، وجميل في عدم رفضه الموت،

جميل في بذله ذاته: وجميل في أخذها ثانية،

جميل على الصليب، وجميل في القبر، وجميل في عودته إلى السماء].

يقول القدِّيس جيروم: [اختفى لاهوته ببهائه وعظمته تحت حجاب الجسد، وبعث بأشعَّته على ملامحه الجسديَّة، فسبى كل الذين كان لهم غبطة التطلُّع إليه[85]].

6. حقَّق لها سليمان رغبة قلبها (1 مل 10: 13؛ يو 6: 37؛ رو 6: 23).

7. اُمتحنت ومُدحت (1 مل 10: 8-9؛ مز 107: 2).

8. قدَّمت للملك ذهبًا (1 مل 10: 10؛ رو 2: 1-2).

9. شهد لها السيِّد المسيح ومدحها (مت 12: 42).

"وكذا سفن حيرام التي حملت ذهبًا من أوفير، أتت من أوفير بخشب الصندل كثيرًا جدًا وبحجارة كريمة" [11].

خشب الصندل Almug trees، يرى البعض أنَّه خشب الصندلsandal wood الذي يمتاز برائحته العطرة، وآخرون يرون أنَّه (cedrus–desdara) Deodar يستخدم في الأعمال المقدَّسة والهامة.

هذا الخشب ثقيل للغاية وصلد، لونه أحمر جميل، يسمَّى valguka في اللغة السنكرتيَّة Sankrit، حرَّفه اليهود والفينيقيُّون إلى almug.

"فعمل سليمان خشب الصندل درابزينًا لبيت الرب وبيت الملك، وأعوادًا وربابًا للمغنين، لم يأت ولم ير مثل خشب الصندل ذلك إلى هذا اليوم" [12].

العود اليهودي kinnowr شكله مثلَّث وله عشرة أوتار، وهو يقابل القيثارة harp الأشوريَّة القديمة.

الرباب: أو المزمار nebel وهي آلة وتَريَّة، يلعب عليها الموسيقار بأصابعه، ربَّما هي القيثارة lyre كتلك التي على العملة العبريَّة تشبه الجيتار، لها جسم مجوَّف بشكل إبريق في النهاية السفليَّة لها.

"وأعطى الملك سليمان لملكة سبأ كل مشتهاها الذي طلبت، عدا ما أعطاها إيَّاه حسب كرم الملك سليمان. فانصرفت وذهبت إلى أرضها هي وعبيدها" [13].

يبدو أنَّه لم يعد سليمان ينقصه شيء ما: حكمته من السماء، سلام في أرضه، غنى وفير، شهرة عالميَّة.

كل ما سألته قدَّمه لها عطيَّة مجانيَّة علامة الصداقة الحميمة بين البلدين. يظن البعض أن ما اشتهته هو أن يكون لها ابن منه، وأنَّها بالفعل انجبت منه ابنًا دعي Menilek تربَّى في القصر الإسرائيلي، وخلف والدته على مملكة سبأ، وأنَّه جذب رجاله إلى الديانة اليهوديَّة.

"وكان وزن الذهب الذي أتى سليمان في سنة واحدة ست مائة وستا وستين وزنة ذهب. ما عدا الذي من عند التجَّار، وتجارة التجَّار وجميع ملوك العرب وولاة الأرض" [14-15].

بجانب هذه الكميَّة الضخمة من الذهب كانت له مصادر أخرى:

دخْل سليمان السنوي والهدايا الذهبيَّة بلا حصر (10: 10-22) كانت له دروع ذهبيَّة، تروس من الذهب، كل أواني قصره من الذهب، وعرشه العاجي مغطَّى من الذهب. بعد موت سليمان بخمس سنوات استولى شيشق ملك مصر على كل هذا الذهب  (14: 25-26؛ 2 أي 9؛ 12: 2-11).

في عام 1939م وجدت مومياء شيشق في تانيس بمصر بغطاء ذهبي sarcophagus، ربَّما يكون من ذات الذهب الذي استولى عليه بعد موت سليمان[86].

-     الهدايا الضخمة التي كان تجَّار البلاد التي أخضعها داود يقدِّمونها إليه، وهي أشبه بجزية يلتزمون بها.

-    حصيلة شركته مع حيرام في التجارة.

-    كان الملوك والعظماء يلتجئون إليه من أجل حكمته، يستشيرونه في أمورهم السياسيَّة والاقتصاديَّة الخ، فكانوا يقدِّمون له الهدايا مقابل إرشاداته.

-    زواجه بابنة فرعون واهتمامه بشراء مركبات وخيول من مصر أوجد تجارة متبادلة بين البلدين، وجعل المصريِّين يقدِّمون له كل شيء بأثمان زهيدة من أجل ابنة فرعون.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 10 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 10 جـ2 PDF Print Email

"ملوك العرب وولاة الأرض" أو "الشعب المختلط" (إر 25: 24)، يبدو أنَّها كانت قبائل تحمل مزيجًا من اليهود والعرب، يقطنون على حدود الصحراء الغربيَّة.

"وعمل الملك سليمان مائتيّ ترس من ذهب مطرق، خصَّ الترس الواحد ست مائة شاقل من الذهب" [16].

كان الترس يصنع من الخشب ويُغطَّى بالجلد، يستخدم لحماية صدر الإنسان، أمَّا سليمان فصنعه من الذهب. أمَّا المجن فتُستخدم لحماية الجسم كلُّه.

كانت عادة تعليق الدروع على الحوائط الخارجيَّة للزينة قائمة في صور (حز 27: 10-11) وروما وأثينا ومناطق أخرى.

"وثلاث مائة مجن من ذهب مطرق، خص المجن ثلاثة أمناء من الذهب، وجعلها سليمان في بيت وعر لبنان. وعمل الملك كرسيًّا عظيمًا من عاج وغشاه بذهب إبريز" [17-18].

ربَّما كان الكرسي مصنوعًا من الخشب ومغطَّى بطبقة من العاج، وربَّما صنعت اليدان والجزء الخلفي من العاج. هذا ما نجده في معابد المصريِّين والأشوريِّين.

"وللكرسي ست درجات، وللكرسي رأس مستدير من ورائه، ويدان من هنا ومن هناك على مكان لجلوس، وأسدان واقفان بجانب اليدين" [19].

كما أقام من نفسه حصنًا لكل مظلوم، يدافع عنه كما بترس ومجن، هكذا اهتم بكرسي الولاية والقضاء. يجد لذَّته في تحقيق العدالة بين شعبه.

"غشاه بذهب إبريز" لم يجمع سليمان الذهب لتخزينه، وإنَّما استخدم منه ما هو لبيت الرب، وأيضًا ما هو لأدوات الحرب ولاستعماله الشخصي (جا 5: 19). يرى البعض أنَّه من أجل كثرة الذهب بفيض صار يغشَّى العاج بطبقة من الذهب. وإن كان البعض يرى أنَّه لم يغطَّ كل العاج بالذهب بل زيَّنه بنقوش وورود من الذهب.

صنع من الذهب 200 ترسًا و300 مجنًا؛ ولم يذكر أنَّه صنع سيوفًا ورماحًا. لقد اعتاد أباطرة الرومان أن يتقدَّمهم في المواكب من يحملون العصي والفؤوس ليشيروا إلى سلطانهم أنَّهم يعاقبون الأشرار. فكانوا يمثِّلون دور الرعب للفاسدين. أمَّا سليمان فاهتم بالترس والمجن، كأدوات دفاعيَّة لا هجوميَّة، معلنًا دوره كمدافع عن كل مظلوم تقي، يجد مسرَّته في كونه حصنًا للأبرار.

"واثنا عشر أسدًا واقفة هناك على الدرجات الست من هنا ومن هناك، لم يعمل مثله في جميع الممالك" [20].

الأسود الاثنا عشر الواقفة على درجات السلم تشير إلى التزام كل أسباط شعبه الاثنى عشر أن يكونوا مملوءين قوَّة وشجاعة في الحق، فيمثِّلون موكبًا من الأسود، لا يداهنون أحدًا، ولا يخافون وجه إنسان.

يترجم البعض الكلمة العبريَّة ب "العجول" لا "الأسود"، فإن كانت هذه الترجمة سليمة يكون في هذا العرش ظل للعبادة الوثنيَّة.

غالبًا ما كانت تزيَّن كراسي الملوك الأشوريِّين ببعض الحيوانات، وأحيانًا الملوك المصريِّين.

في وصف كرسي سليمان يقول يوسيفوس بأنَّه كان به ثور أو عجل ذهبي رأسه متَّجه نحو كتفه. فكان الأسد رمزًا ليهوذا والثور أو العجل رمزًا لأفرايم (هو 4: 16؛ 19: 11؛ إر 31: 18 الخ).

"وجميع آنية شرب الملك سليمان من ذهب، وجميع آنية بيت وعر لبنان من ذهب خالص، لا فضَّة، هي لم تحسب شيئًا في أيَّام سليمان" [21].

كان وكل رجاله في القصر يشربون في كؤوس من ذهب وليست من فضَّة. هكذا يهب المسيح غناه لشعبه فيتمتَّعوا بالشراب السماوي (الذهب).

"لأنَّه كان للملك في البحر سفن ترشيش مع سفن حيرام، فكانت سفن ترشيش تأتي مرة في كل ثلاث سنوات، أتت سفن ترشيش حاملة ذهبًا وفضَّة وعاجًا وقرودًا وطواويس" [22].

v     لا تعود تذكر النفس المرارة لسبب الفرح، لأنَّه قد وُلد إنسان قد خلص في العالم (يو 16: 21). سفن ترشيش، أي السفن الروحيَّة التي تحمل ذهب سليمان وفضَّته، هي أجسادنا التي تحمل كنزًا في إناءٍ خزفيٍ كقول الرسول (2 كو 4: 7) [87].

القدِّيس أمبروسيوس

"فتعاظم الملك سليمان على كل ملوك الأرض في الغنى والحكمة. وكانت كل الأرض ملتمسة وجه سليمان لتسمع حكمته التي جعلها الله في قلبه" [23-24].

ترجم سليمان الحكمة التي نالها كهبة إلهيَّة إلى عمل، ظهرت في قدرته العجيبة في تدبير شئون الدولة سياسيًا، ووضع نظام محلِّي لتدبير الشئون الداخليَّة مع اتِّساع المملكة جدًا، وقدرته العسكريَّة، والإنشاءات الهندسيَّة الفائقة.

"وكانوا يأتون كل واحدٍ بهديَّته بآنية فضَّة وآنية ذهب وسلاح وأطياب وخيل وبغال سنة فسنة" [25].

يقصد بالهديَّة هنا "جزية". جاء في الآثار المصريَّة والأشوريَّة تصوير لحاملي الجزية قادمين إلى الملوك في خضوع يقدِّمون من منتجات بلادهم الثمينة ممثِّلين عن دولهم.

عادة تقديم الهدايا حتى بالنسبة للزيارات العاديَّة بين الأفراد أو العائلات لازالت أساسيَّة في حياة بعض الشرقيِّين.

"وجمع سليمان مراكب وفرسانًا، فكان له ألف وأربع مائة مركبة واثنا عشر ألف فارس، فأقامهم في مدن المراكب ومع الملك في أورشليم" [26].

يتحدَّث الكاتب عن إسطبلات خيل سليمان[88] (10: 26، 28) مجدوا إحدى المدن التي كان يحفظ فيها الخيل (9: 15، 19). كشف المعهد الشرقيCourtesy Oriental Institute, التابع ل University of Chicago عن مدينة مجدو وخرائب الإسطبلات.

أمران تجاهل فيهما سليمان الحكيم ناموس الرب وكسر بهما الوصيَّة. أخطأ سليمان وأيضًا أبوه داود في الارتباط بأكثر من زوجة، فقد قيل عن الملك: "ولا يكثر له نساء لئلاَّ يزيغ قلبه" (تث 17:17). وأكثر أيضًا سليمان من الخيل والفضَّة والذهب، وقد قيل "ولكن لا يكثر له الخيل..." (تث 17: 16).

-    مكتوب في المزامير: "باطل هو الفرس لأجل الخلاص" (مز 33: 17) ؛ وفي موضع آخر في الكتاب المقدَّس: "الفرس وراكبه طرحها في البحر" (خر 15: 1). كانت الوصيَّة لملك إسرائيل ألاَّ  يمتطى خيلاً (تث 17: 16). علاوة على هذا فإن سليمان الذي جلب مركبات من مصر صار ضحيَّة للشر... يقول إرميا: "صهلوا كل واحٍد على امرأة صاحبه" (إر 5: 8). تأكَّد أن الله لا يسُر بخيل كهذه (مز 147: 10)[89].

القدِّيس جيروم

"وجعل الملك الفضَّة في أورشليم مثل الحجارة، وجعل الأرز مثل الجمِّيز الذي في السهل في الكثرة" [27].

إلى وقت قريب كانت أشجار الجمِّيز الضخمة في شوارع مدن الصعيد بمصر وفي القرى بلا حصر، ويستطيع أي إنسان أن يتسلَّقها ويأكل منها، إذ كان الجمِّيز بلا ثمن.

"وكان مخرج الخيل التي لسليمان من مصر وجماعة تجَّار الملك أخذوا جليبة بثمن" [28].

يقال أن المصريِّين هم أول شعب استخدموا الخيول في الحروب. وكانت الشعوب التي تعرف استخدام الخيول في الحروب أقوى من تلك التي ليس لها هذه الخبرة.

يعتقد الأثيوبيُّون – اليهود والمسيحيُّون – أن المزمور 45 هو نبوَّة عن رحلة ملكة سبأ إلى أورشليم، كان في صحبتها ابنة حيرام ملك صور، وأن الجزء الأخير من المزمور يُعلن عن الابن الذي حملت به ملكة سبأ من سليمان ليكون ملكًا على الأمم. عاش معها الابن عدة سنوات ثم أرسلته إلى سليمان أبيه لتربيته. فاهتم به أبوه، ومسحه وسامه ملكًا على أثيوبيا في هيكل أورشليم، ودعاه على اسم جدُّه داود. عاد إلى سبأ Saba أو عزب Azab جماعة من المعلِّمين اليهود المتخصِّصين في شريعة موسى، واحد عن كل سبط وأقامهم قضاة في مملكته. وكان أعظمهم ثلاثة في حضرة الملك على الدوام.

ماتت الملكة بعد 40 عامًا من الحكم وذلك في عام 986 ق.م، واستولى Menilek على الحكم. وقد شهد كثيرون عن هذه القصة سواء حلفاء أثيوبيا أو أعداؤها، وإن اختلفوا في اسم الملكة.

"وكانت المركبة تصعد وتخرج من مصر بست مائة شاقل من الفضَّة، والفرس بمائة وخمسين، وهكذا لجميع ملوك الحثِّيِّين وملوك آرام كانوا يخرجون عن يدهم" [29].

من وحي 1 ملوك 10

لألتقي بك مع ملكة سبأ!

-     سارت ملكة سبأ بموكب عظيم إلى أورشليم.

جِمالها تحمل أطيابًا فائقة، وذهبًا كثيرًا جدًا، وحجارة كريمة.

لأتقدَّم معها إليك.

اعبر بموكب الحب متَّجها نحو أورشليم العليا.

أقدِّم لك مع المريمات طيبًا فريدًا.

واحمل إليك ذهبي وحجارتي الثمينة.

مما لك أقدِّم لك يا واهب كل العطايا.

-     بُهرت ملكة سبأ بشخص سليمان،

وسُبيت بحكمته وكل ما هو حوله.

وأنت أعظم من سليمان.

أقدِّم كل ما لدى واسمع صوتك.

أترك كل عرشٍ أرضيٍ واجلس عند قدميك.

اطلب الاتِّحاد بك والشركة معك.

-    أعطيك ممَّا لك بغير حساب،

وأنت تعطيني مشتهي قلبي،

تهبني ذاتك، فإن كل شيء لي.




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 10 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
تفسير سفر الملوك الأول اصحاح 11 جـ1 PDF Print Email

انحدار سليمان وموته


يقدِّم لنا الكتاب المقدَّس قصَّة مؤلمة للغاية، وهي قصَّة انحدار شخصيَّة سليمان، ملخَّصها أنَّه قد ارتدَّ عن العبادة الحقَّة النقيَّة بسبب إغواء نسائه، الأمر الذي أشار إليه الكتاب المقدَّس بعد عدة قرون (نح 13: 26). سليمان الذي كرّس قلبه لمحبَّة الله، حوّله إلى النساء الغريبات. سليمان الذي بدأ برعاية شعبه بالحب انشغل بقصره الخاص والمنشآت الضخمة، فأرهق شعبه بالضرائب وأعمال السخرة.

شعر بعض الدارسين وجود تحوُّل خطير ومتطرِّف من ملك يكرِّس طاقات شعبه لحساب مملكة الله، وينال شهرة عالميَّة في الحكمة والتقوى، إلى ملك يغرق في شهوات جسديَّة شبابيَّة، ويتعبَّد للأوثان! فظن البعض أن هناك مبالغة في الحديث عنه في الجانبين التقوي والشهواني! ادَّعى البعض أنَّه يستحيل أن ينقلب سليمان إلى هذه الصورة البشعة بعدما تمتَّع ببهاء عجيب!

إنَّه درس عملي بشع يبرز عمليًا إمكانيَّة الانحراف والفساد، في أيّ سن، وتحت أي ظروف. ليس للمؤمن أن يتَّكل على خبراته الماضية وأعماله وقدراته وحكمته!

لعبت بثْشَبع دورًا حكيمًا وهامًا في استلام سليمان الحكم وإحباط مؤامرة أخيه أدونيا. وقدَّمت لابنها وصايا تسنده في الحكم، وقد حذَّرته من الزواج بوثنيَّات (أم 31: 3)، لكنَّه لم يسمع لصوتها.

لقد لمس بنفسه ما حلّ بأبيه داود وبكل أسرته بسبب سقوطه في الشهوة، ولم ينتفع سليمان من هذا الدرس الخطير.

في الأصحاح السابق ذكر مخالفة سليمان الوصيَّة الإلهيَّة الخاصة بالملوك ألاَّ  يبالغوا في اقتناء الخيل (تث 17: 16)، وألاَّ يكثروا الذهب والفضَّة. الآن يكشف هذا الأصحاح عن تجاهله الوصيَّة الإلهيَّة الخاصة بألاَّ يتزوَّجوا نساء غريبات وثنيَّات.

هكذا قدَّم لنا الكتاب المقدَّس شخصيَّة سليمان كمثالٍ خطيرٍ للسقوط بعد التمتُّع بحكمةٍ سماويَّة ومجدٍ وعظمةٍ! وقد لمس سليمان بنفسه خطورة الارتباط بالوثنيَّات، فسجَّل لنا في سفر الأمثال أن محبَّة النساء طرحت كثيرين جرحى (أم 7: 26).

النساء الوثنيَّات:

خلال الخبرة العمليَّة يحذِّرنا الملك سليمان من حبائل المرأة الوثنيَّة، خاصة من صوتها الليِّن كالزيت، مخصِّصًا الأصحاحات 5-7 من سفر الأمثال لهذا التحذير.

كل إنسان يميل بأذنيه الداخليتين إلى صوت المرأة الزانية المخادعة بالعذوبة الظاهرة لا يستطيع أن يميلهما إلى صوت الحكمة. يروي لنا سفر الملوك الأول القصَّة المُرّة لسليمان نفسه وقد مال بأذنيه للأجنبيَّات ففقد ملكوت الله الذي في أعماقه. "وأحبَّ الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون... فأمالت نساؤه قلبه. وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه... وعمل سليمان الشرّ في عينيّ الرب ولم يتبع الرب تمامًا كداود أبيه"   [1-6].

يطالبنا الحكيم أن نتجنَّب كل ما يمكن أن ينحرف بنا إلى خطيَّة الزنا، أو مجرَّد الميل إليها بالفكر. فإن أفكار الشهوة قاتلة لكل بذور الفضيلة، والذين يسقطون في حبائلها يصيرون على مقربة من أبواب الهاويَّة. إن كانت شفتا المؤمن المنصت لصوت الحكمة تحفظان معرفة، فإن شفتيْ المرأة المنحلَّة تنساب منهما كلمات معسولة ليِّنة كالزيت. "لأن شفتيّ المرأة الأجنبيَّة تقطران عسلاً، وحنكها ألْين من الزيت. لكن عاقبتها مُرَّة كالأفسنتين، حادة كسيفٍ ذي حدِّين" (أم 5: 3-4). كلماتها من الخارج حلوة كالعسل، وفي الداخل مُرَّة للغاية كالأفسنتين؛ من الخارج ليِّنة كالزيت ومن الداخل كسيفٍ قاتلٍ ذي حدِّين. غالبًا ما يُقصد بالشفتين والفم هنا القبلات المثيرة للشرّ مع الكلمات العاطفيَّة الغاشة.

يتطلَّع الإنسان الحكيم إلى المرأة الشرِّيرة بفمها ذي الشفتين الناعمتين كعدوٍ خطيرٍ يقف ممسكًا بسيف ذي حدِّين. كل شفاه أشبه بحد سيف، أينما توجَّه السيف يقطع ويدمِّر... هكذا فم الشرِّيرة.

-    يقدِّم أحدهم هذه النصيحة: "لا تُلاحظ جمال المرأة الأجنبيَّة، ولا تلتقي بامرأة تُدمن الزنا. إذ تقطر شفتا الزانية عسلاً، الذي إلى حين يبدو ليِّنًا لحنجرتك، لكنَّه بعد ذلك تجده أكثر مرارة من الأفسنتين، وأكثر حدَّة من سيفٍ ذي حدِّين. فالمرأة الزانية لا تعرف كيف تُحب بل تصطاد؛ قبلاتها مملوءة سُمًّا، وفمها مخدِّر ضار. إن كان هذا لا يظهر في الحال، فبالأكثر يجب تجنبها، لأنَّها تحجب هذا التدمير وتختم على هذا الموت ولا تسمح له بالظهور في البداية[90].

-     تبدو ملامح الزانية مقبولة. أنا أعلم ذلك، إذ يقول الكتاب: "شفتا المرأة الأجنبيَّة تقطران عسلاً" (أم 5: 3). لهذا السبب احمل كل هذا التعب حتى لا تكون لك خبرة هذا العسل، فإنَّه في الحال يتحوَّل إلى إفسنتين. هكذا يقول أيضًا الكتاب المقدَّس: "هذا الذي إلى حين ليّن لحنجرتك، لكنَّه بعد ذلك تجده أكثر مرارة من الإفسنتين، وأشد حِدّة من سيفٍ ذي حدِّين" (أم 5: 3-4 LXX) [91].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

نساء سليمان وارتداده

يبدو أن سليمان قد فاق والده داود النبي، فقد طلب من الله الحكمة ولم يطلب مجدًا أو غنى، وبني هيكل الرب الذي اشتهى والده أن يقيمه، واتَّسعت مملكته، فتحقَّق الوعد الإلهي لأبيه إبراهيم، وساد المملكة السلام، وتمتَّعت بنظام حكم منظم حسنًا، ونال غنى ومجدًا عظيمًا.

خيَّم على مملكة سليمان الفائق خطأ خطير وهو زواجه نساء وثنيَّات، أغلبهنَّ بنات أمراء وثنيَّات. لقد ارتكب جريمة في حق الله وحق شعبه كما في حق نفسه، إذ سقط في الزواج السياسي وانحرف قلبه عن الله [1-8]. كانت العادة بين الأمم أن يقدِّم الملك الضعيف للملك القوى إحدى بناته أو نسائه الجميلات زوجة له. بهذا يكون نوعًا من القربى، والشعور بالطمأنينة أن القوي لا يفكر في الهجوم على الملك الضعيف واستعباده. هذه التقدمة تسمَّى "تقدمة السلام".

سقط سليمان في هذه العادة مُرضيًا الناس على حساب علاقته بالله، فقد قبل نساء وثنيَّات سراري له من الأمم المحيطة ليرضي غير المؤمنين على حساب إيمانه وحياته الروحيَّة. ولما كان سليمان مشهورًا على مستوى العالم كلُّه في ذلك الحين صارت له 700 زوجة وأميرة و300 من السراري. كان هذا هو الطابع الشرقي القديم خاصة في قصور الملوك أن تقدَّر عظمة الملك حسب عدد الزوجات والسراري اللواتي في جناح "الحريم". لهذا يرى البعض أنَّه لم تكن خطيَّة سليمان الكبرى هي شهوته الجسديَّة، وإنَّما سقوطه في الرغبة في العظمة، وإن كان هذا قد سحبه بعد ذلك إلى الشهوات الجسديَّة والسقوط في العبادة الوثنيَّة.

هذا الذي بنى الهيكل العظيم امتدَّت يده لتبني مذابح وثنيَّة. الوثنيَّة التي بذل داود الملك كل جهده لاقتلاعها، أعادها ابنه سليمان حتى في قصره الملوكي. وكأن اليد التي استخدمها الله لإقامة عصرٍ ذهبيٍّ هي بعينها أساءت التصرُّف فامتدَّت لتحطيم هذا المجد.

1. التصاقه بالوثنيَّات [1-3].

2. انحراف قلبه وراءهن [4].

3. انحرافه نحو الوثنيَّة [5-8].

4. إنذار الرب له [9-13].

5. الرب يثير أعداء لتأديبه [14-29].

6. أخيّا النبي وانقسام المملكة [30-39].

7. سليمان يطلب قتل يربعام [40].

8. موت سليمان [41-42].

1. التصاقه بالوثنيَّات:

"وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون موآبيَّات وعمونيَّات وآدوميَّات وصيدونيَّات وحثيَّات" [1].

تمتُّع سليمان بعطيَّة الحكمة السماويَّة الفائقة لم يُلزمه بالحياة التقويَّة، فبإرادته انحرف في أخطاء خطيرة وخطايا مفسدة حتى للإيمان. ينطبق عليه القول الإلهي لملاك كنيسة اللآوُدُكيِّين: "لأنَّك تقول إنَّك غنيّ وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنَّك أنت الشقي والبائس وفقير وأعمى وعريان" (رؤ 3: 17). وقول بولس الرسول: "أهكذا أنتم أغبياء؟! أبعد ما ابتدأتم بالروح تكمِّلون الآن بالجسد؟" (غلا 3: 7).

ورد في تقليد بأن سليمان تزوَّج ابنة حيرام ملك صور وهي من الصيدونيَّات.

لقد فارقته نعمة الله ذاك الذي نال أبوه التقي مواعيد إلهيَّة بأنَّه يبني للرب بيتًا، ويقيمه ملكًا. انحرف ذاك الذي اهتمت والدته بثْشَبع بتدريبه روحيًا وهو طفل (أم 31: 1-3). سقط ذلك الذي تتلمذ على يديّ ناثان النبي.

أمالت محبَّة النساء قلب الملك الحكيم والتقي والجبار سليمان. أنَّها الصخرة التي حطَّمت سفينته وسط محيط هذا العالم. لم يعد قادرًا بنفسه على الخلاص من هذه الكارثة، بل صار محتاجًا إلى نعمة الله. كان يليق به أن يعرف كيف يوجِّه قلبه نحو الحب الحقيقي.

-     هل نقول لك: "لا تحب شيئًا"؟ حاشا! فإنَّك إن لم تحب تكون متبلِّد الحس، ميِّتًا، مكروهًا، وبائسًا.

حبّ؛ لكن اهتم أن تعرف ماذا تحبّ[92].

القدِّيس أغسطينوس

يرى العلامة أوريجينوس أن الاتِّحاد بزوجة يشير إلى اتِّحاد النفس بالحكمة والفضيلة. فزواج سليمان بزوجات يشير إلى تمتُّعه بفضائل وبروح الحكمة؛ أمَّا اتِّحاده بالأجنبيَّات والسراري فيشير إلى التصاق النفس بالفلسفات الزمنيَّة[93]. ويرى القدِّيس أغسطينوس أن الزواج بالسراري يشير إلى تغرُّب النفس عن المواطنة مع شعب الله، ويمثِّل كل فكرٍ غريبٍ عن الإيمان[94].

"من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم، لأنَّهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم، فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبَّة" [2].

وكما يقول سليمان نفسه أن المياه المسروقة حُلوة، هكذا ظنَّ أن سعادته تكمن في هؤلاء النساء الممنوعات عنه، فوجد في ميوعتِهنَّ وعذوبة أحاديثهن وخلاعة الملابس مسرَّة لم يجدها في ابنة فرعون، الزوجة الشرعيَّة، أو في النساء اليهوديَّات. التصق بهنَّ بالمحبَّة، إذ صار مغرمًا بهنَّ، يقضي أوقاتًا طويلة معهنَّ ويعجب بكلامهنَّ.

في القديم كان الشرقيُّون يبرزون عظمتهم، لا بكثرة ممتلكاتهم وذهبهم وخيولهم، بل وبكثرة نسائهم. وكان يبدو أن النساء يمثِّلن الجانب الضعيف والأقل من الرجل. لكنَّه كان الجانب الذي له فاعليَّته على الرجل وكل الأسرة. وها هو سليمان مثل حيّ لذلك. فقد سحبته نساؤه إلى آلهتهن. لهذا حذَّر الكتاب المقدَّس من الزوجات الوثنيَّات (خر 34: 15-16؛ تث 7: 1-3، عز 9: 1-2؛ 10: 3؛ نح 13: 23).

"وكانت له سبع مائة من النساء السيِّدات وثلاث مائة من السراري، فأمالت نساؤه قلبه" [3].

التصق بألف سيِّدة 700 زوجة و 300 من السراري، وكما شهد في عظته التي قدَّم فيها توبته وندامته أنَّه لم يجد بينهن واحدة صالحة.

أخطأ داود الملك بزواجه بأكثر من فتاة، ولم يدرِ أنَّه قد فتح الباب لابنه ليلتصق بألف سيِّدة، ظانًا أنَّه من حقِّه هذا كملك.

يصعب على المؤمن الذي فيه مخافة الرب أن يقبل زوجة ثانية، حتى بعد وفاة الزوجة الأولى، فكيف كان يمكن لسليمان أن يحتفظ بمخافة الرب فيه وقد أحاطت به ألف زوجة وسرِّيَّة؟! كان يليق بذاك الذي نال الحكمة السماويَّة أن يلتزم بما تنادي به، وهو الالتصاق بزوجة واحدة. لكنَّه إذ سمح لنفسه بأخرى لم تعد الثانية تكفيه. ولعلَّه ظن أن يتمثِّل بأبيه ولا تزيد عدد زوجاته عن نساء أبيه، لكنَّه إذ فتح الباب انحدر ولم يستطع أن يقف عند حدٍ معين. هكذا لا تعرف الشهوة لها ضابط، متى فتح لها الإنسان الباب يصعب أن يتوقَّف ما لم تعمل نعمة الله فيه.

2. انحراف قلبه وراءهن:

"وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه" [4].

 مات سليمان وهو بالأكثر في الستِّين من عمره، لهذا يرى بعض الدارسين أنَّه يعني بقوله هنا "في زمان شيخوخة سليمان" أنَّه كان في الخمسين أو الخمسة والخمسين من عمره.

ظن أنَّه قادر أن يحتفظ بعبادته لله الحيّ جنبًا إلى جنب مع عبادته لآلهة نسائه، ولم يدرك أن قلبه لم يعد كاملاً مع الرب إلهه، ولا صار يسلك وراءه بالكامل. لا يمكننا القول بأنَّه ترك عبادة الله الحيّ، لكنَّه فتر في العبادة وانشغل القلب عن الله الحيّ.

حين كان سليمان حارًا في الروح جذب ابنة فرعون للعبادة الحيَّة، لكنَّه إذ فتر سحبته النساء الغريبات إلى آلهتهن. لعلَّه بدأ يحمل فكرًا يشبه الأفكار الحديثة: أليست كل العبادات صالحة وتهدف إلى سلوكيَّات حسنة؟ ما هو الضرر في ذلك؟

-     داود الرجل الصالح الذي قلبه مثل قلب الله (1 صم 14: 13) ارتكب بعد ذلك القتل والزنا (2 صم 11). سليمان الذي وهبه الرب كل نعمة وحكمة قادته النساء إلى الوثنيَّة. فإنَّه قد حُفظ لابن الله وحده أن يبقى بلا خطيَّة حتى النهاية (عب 15:  4) [95].

 العلامة ترتليان

-     لأن ابن داود هذا، سليمان بالاسم، سقط في ذات الفخ مثل أبوه، وبسبب شهوة النساء انحرف عن إله آبائه[96].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

-    استخدمت الحكمة (سليمان) ليغنِّي لها مادحًا إيَّاها... (1 مل 4: 33)، ومع ذلك فقد ارتدَّ عن الله لأنَّه كان محبًا للنساء. ولكي تدركين أنَّه لا أمان حتى في القرابات فإن أمون التهب بالشهوة غير الشرعيَّة نحو أخته ثامار (2 صم 13)[97].

القدِّيس جيروم

 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من سفر الملوك الأول +
+ عودة لتفسير سفر الملوك الأول +
 
<< Start < Prev 1 2 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


14 مسرى 1733 ش
20 أغسطس 2017 م

تذكار معجزة القديس ثاؤفيليس 23

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك