إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إن الله كأب حنون لا يتخلى عن أولاده مطلقا , و سماحه بالتجربة لا يعنى مطلقا أنه قد تخلى عنهم أو انه قد رفضهم ولا يعني أيضا غضبه أو عدم رضاه بل هو يسمح بالتجربة لمنفعتهم و يكون معهم في التجربة و يقويهم ويعينهم و يحافظ عليهم و يسندهم بأيده الحصينة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر المزامير

+ تفسير سفر المزامير +



تفسير سفر المزامير - مزمور 1 PDF Print Email

 

الإنسان والخلاص

الله في حبه للإنسان يبدأ كتابه المقدس بالحديث عن خلقة العالم من أجل محبوبه الإنسان، ليقيمه سيدًا على الأرض، أو قل ملكًا صاحب سلطان، وكيل الله يحمل صورته وعلى مثاله، يمارس الحياة الفردوسية المطوّبة والمملؤة فرحًا، يجد شعبه في الله الذي لم يعوزه شيئًا. وينتهي الكتاب المقدس بسفر الرؤيا حيث نرى الإنسان ساكنًا في أورشليم العليا، مسكن الله مع الناس (رؤ 21: 3)، ينعم بشركة المجد الإلهي، ويشترك مع الملائكة في تسابيحهم. بنفس الروح يبدأ سفر المزامير – الكتاب المقدس مصغرًا – بالإنسان في حياة مطوّبة بكلمة الله العاملة فيه (مز 1: 2)، ليصعد به في نهاية السفر فيجد الإنسان نفسه يمارس الحياة الملائكية المتهللة خلال عمل الله الخلاصي.

هذا القسم (مز 1 – مز 41) هو تجميع لمزامير تتحدث عن حالة الإنسان: حياته المطوّبة وسقوطة ثم تجديده. وهو في هذا يماثل سفر التكوين:

1. تطويب الإنسان          [مز 1].

2. سقوطه من سموه        [مز 2-8].

3. عداوته لله                [مز 9-15].

4. تجديده بالله مخلصه      [مز 16-41].


في هذا القسم يظهر ربنا كراعٍ صالح يبذل نفسه من أجل خرافه مقدمًا صورة للكفارة (مز 22)؛ حافظًا إياها

خلال رعايته السرائرية (مز 23 كمزمور الأسرار الإلهية خاصة المعمودية والميرون والأفخارستيا)، مكافئًا إياهم في مجده (مز 24).

ومما يلفت النظر أن أغلب مزامير هذا القسم تبدأ بالعنوان "Le David"، التي تعني "لداود" أو "الخاصة بداود".

بلا شك هذا التجميع هو أقدم مجموعة من المزامير، ربما ترجع إلى استخدامها الليتروجي (العبادة الجماعية) في الهيكل قبل السبي[53].

+ إقرأ مزمور 1 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +

الإنسان المطوّب

مزمور إفتتاحي:
يبدأ سفر المزامير بالإعلان عن الحياة المطوّبة للإنسان الورع وعن فرحه الداخلي؛ إذ لم توضع المزامير لأجل دراستها كقطع أدبية وإنما لكي تُرنم بفرح في الروح. إنها قصة الحب الخالد بين الخالق وخليقته، لا يمكن تذوها إلا من خلال الحياة المطوبة، أو خلال الحياة الجديدة المفرحة في السيد المسيح. وُضعت لكي تُسبح بها القلب الذي يتقدس بالروح القدس، بكونه مقدِسًا يسكنه الله وتُقام فيه مملكة الفرح السماوي.

يعتقد البعض أن سليمان الحكيم هو واضع هذا المزمور، كتبه كمقدمة للسفر كله، كمدخل له، أو علامة إرشاد توجه المؤمنين بوضوح نحو الطريق الذي يليق بهم أن يسلكوه أو يعيشوه. وكأن واضع هذا المزمور أراد أن يجعله في مركز الصدارة يدعو به المتعبدين إلى طاعة إرادة الله والثقة في تدبير عنايته الإلهية.

+ إقرأ مزمور 1 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +

ير الحكمية Wisdom Psalms:

يُعتبر هذا المزمور ضمن المزامير الحكمية، مشحون بالحكمة التقوية العملية[54]، يرسم بطريقة فعّالة "الطريقين" وما بينهما من تضاد، بكونهما الأختيارين الرئيسين أمام الإنسان[55]: طريق التقوى في الرب أو طريق الشر. يبرز المزمور الخطوط العريضة لنصيب كل من الصالحين والأشرار، هؤلاء الذين تُقَّيم حياتهم من وجهة النظر  التالية: الالتصاق بالله أو اعتزاله. الرب هو شبعنا وفرحنا الداخلي، يهبنا استقرارًا أكيدًا، أما مضادة الله أو اعتزال كلمته فيسبب هلاكًا! إن أسوأ مصير للإنسان هو أن يترك في عزلة عن الله وكلمته!

يوجد في الأشعار الحكمية اتجاه عام يؤكد التركيز على "الحكمة العملية" إذ تقدم الأسس الدينية لممارسة الفضائل[56]. هذه الحياة العملية لا يمكن فصلها عن الحياة الإيمانية.

المزامير الحكمية (1، 37، 49، 73، 91، 112، 119، 127، 128، 133، 139)، لا تتبع تكوينًا أدبيًا محددًا.

في هذا المزمور يدعو المرتل المؤمنين إلى الانضمام إلى خائفي الرب وطائعيه، هؤلاء الذين يريدون أن يلتصقوا به جدًا، متحاشين العاصين الله.

يبدأ المزمور (في العبرية) بالحرف "ألف" أول حرف في الأبجدية العبرية (طوبى Ashre)، وتبدأ اّخر كلمة tobet في المزمور بالحرف "taw" اّخر الحروف الأبجدية. الحرفان "ألف" و"تاء" يرمزان إلى كل الحروف التي بينهما، وكأن المزمور الأول يحتضن في داخله كل كلمات سفر المزامير بل وكل الكتاب المقدس[57].

+ إقرأ مزمور 1 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الكلمات الاسترشادية (مفتاح المزمور):

1. "طوبى" Ashre: ترتبط هذه الكلمة بسلوك الإنسان الطريق المستقيم خلال حياته اليومية. تتكرر هذه الكلمة 45 مرة في النص العبري، منها 26 مرة في سفر المزامير و 12 مرة في الأسفار الأخرى الحكمية. يختلف هذا التطويب عن البركة berakah الكهنوتية المضادة للعنة.

الإنسان المطوّب يخاف الله (مز 112: 1؛ أم 28: 14؛ 20: 7)، ويهتم بالفقراء (مز 41: 1؛ أم 14: 21) ويتبع إرشادات الله.

*   خلق الله الإنسان لكي يشاركه تطويبه؛ أقامه كائنًا حيًا كاملاً عاقلاً ذا إدراك، لكي تمكنه هذه المنافع (الإلهية) من الأبدية[58].

القديس هيلاري أسقف بوايتيه

*   [الله مصدر تطويبنا الداخلي]:

إن كان الذين يُجلَدون هم أكثر تطويبًا من الجالدين، والذين في ضيقة بيننا أكثر تطويبًا من الذين بلا ضيقة وهم خارج الإيمان المسيحي، والحزانى أكثر تطويبًا من الذين هم في تنعم، فأي مصدر إذًا للضيق عندنا؟ ربما لهذا أقول لا يوجد إنسان سعيد ما لم يعش حسب (إرادة) الله؛ فقد قيل "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار" [1].

"طوبى للرجل الذي تؤدبه يارب وتعلمه من شريعتك" (مز 94: 12).

"طوبى للكاملين طريقًا" (مز 119: 1).

"طوبى لجميع المتكلين عليك" (مز 2: 13).

"طوبى للأمة التي الرب إلهها" (مز 33: 12).

"طوبى للذي نفسه لا تدين" (ابن سيراخ 14: 2).

"طوبى للرجل المتقى (الخائف) الرب" (مز 112: 1).

"طوبى للحزانى... طوبى للمساكين... طوبى للودعاء... طوبى لصانعى السلام... طوبى لكم إذا اضطهدوكم من أجل البر" (مت 5: 3-10).

مطلوب منا أن تكون مخافة الله هي الأساس في كل ما نفعله أو نحتمله[59].

القديس يوحنا ذهبي الفم

v بالحقيقة علامة (تمتعنا) بالطوباوية العميقة وبالصلاح الفريد هو الاستمرار في تعلم الحب وتعليمه للغير، هذا الذي به نلتصق بالرب فنتأمل فيه كل أيام حياتنا، ليلاً ونهارًا كقول المرتل، ونقوت أنفسنا التي تجوع بِنَهَمٍ إلى البر وتعَطُّشٍ إليه، باجترارها هذا الطعام السماوي[60].

الأب شيريمون

2. "الطريق":

لفظ كتابي عام يُعبَّر عن "أسلوب الحياة"، أو عن سلوك أخلاقي كنتيجة لشركة الإنسان مع الله أو بالعكس إدارة ظهره له. تتكرر هذه الكلمة 66 مرة في سفر المزامير، منها 16 مرة في المزمور 119، وتتردد كثيرًا في الكتابات الحكمية. صارت هذه الكلمة شائعة الاستخدام بين الأنبياء المتأخرين؛ وقد قدم ربنا يسوع المسيح نفسه بكونه "الطريق" (يو 14: 6)، به ندخل إلى الحياة الملوكية المساوية، وخارج عنه لا نجد إلا الفساد والموت.

ما هما الطريقان؟ أي ما هو طريق الأبرار وما هو طريق الأشرار؟ يقول القديس جيروم: [إن كان المسيح هو طريق الأبرار، فالشيطان هو طريق الأشرار[61]]. بمعنى آخر ما يميز المؤمنين هو اتحادهم بكلمة الله، أي بالسيد المسيح. الطريق ليس سلوكيات مجردة إنما هو دخول إلى العضوية في جسد المسيح أو ضد المسيح، لنحيا بروح الرب أو روح الشر.

+ إقرأ مزمور 1 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الهيكل العام:

1. تباين الطريقين                    [1-2].

2. طريق الإنسان الورع              [3].

3. طريق الأشرار                    [4-5].

4. نهاية الطريقين                    [6].

 

+ إقرأ مزمور 1 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


طريق الإنسان الورع:

يقدم هذا المزمور مبدأ لاهوتيًا أساسيًا، أعني به "الحرية الإنسانية". فللإنسان حق الخيار في أن يحتضن الطريق التَّقَوى أو الشرير، أن يكرم المسيح أو ضد المسيح، أن يطيع الرب أو حتى يتمرد عليه.

يظهر المرتل الطبيعة المطوّبة التي يتمتع بها الإنسان الورع من جوانب ثلاثة:

أ. من الجانب السلبي: عدم ارتكاب الشر [1].

ب. من الجانب الإيجابي: الالتصاق بكلمة الله [2-3].

ج. بالحديث عن الطريق المخالف، إذ كثيرًا ما ندرك حقيقة أمر ما بالكشف عما يضاده [4-6].

+ إقرأ مزمور 1 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الجانب السلبي:

يضع المرتل ثلاث مراحل للإنسان الشرير: يسلك أو يمشي في الطريق، ويقف، ثم يجلس مع الأشرار، قائلاً:

"طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة المنافقين،

وفي طريق الخطاة لم يقف،

وفي مجلس المستهزئين لم يجلس" [1]
.

أ. يرى القس أبو الفرج عبد الله ابن الطيب أن المرتل يميز هنا بين الإثم والخطية والاستهزاء. الإثم هو ارتكاب شر يتعلق بجسده ممثل الشهوات الشريرة والزنا والفجور؛ والخطية تتعلق بعلاقته مع الله مثل الإلحاد؛ والاستهزاء يتعلق بخطية تمس علاقتة بالآخرين كالشتيمة والنميمة والافتراء عليهم. وكأن الطوبى هي تمتع بحياة مقدسة تمس علاقة المؤمن بحياته الشخصية وبربه كما بأخيه الإنسان! ‍ 

ب. يرى بعض المفسرين أن المشي في مشورة المنافقين يشير إلى التفكير في الشر، أما الوقوف في الطريق فمعناه الدخول إلى العمل، وأخيراً الجلوس في مجلس المستهزئين فيشير إلى الأندفاع نحو إغراء الآخرين وتعليمهم الشر. وكأن مراحل الشر الثلاث هي: التفكير ثم العمل وأخيراً التعليم.

ج. يذكر المرتل ثلاث خطوات متتالية في طريق الشر:

1. السلوك في مشورة المنافقين، يعني تبني مبادىء فاعلي الشر كقانون للحياة، باتخاذ مشورتهم نصيحة للحياة. يتجنب الإنسان التقي الشر بنبذه صحبة الأشرار تماماً، حتى لا ينقاد وراءهم.

يرى الإنسان التقي الأشرار حوله يحيطون به، فالعالم مليء بهم، يمشون في كل جانب. إنه يحبهم كأشخاص لكنه لا يحب طرقهم ولا شرورهم. يصلي من أجلهم وبحكمة يتعامل معهم، متجنباً طرقهم الشريرة. يكره الخطية لا الخطاة.

2. الوقوف في طريق الخطاة، كمن يبدأ رحلة معهم، يعني أنه يتشبه بهم بالإصرار على ممارسة المعاصي الرديئة.

3. أخيرًا، أشر الخطايا هو الجلوس في مجلس المستهزئين، ومشاركتهم في السخرية بالأمور المقدسة.

v يصعب على الإنسان ألا يخطيء، وكما يقول الإنجيلي يوحنا أن من ينكر أنه يخطيء فهو كاذب (1 يو 1: 8). إن كان جميعنا يخطيء، فماذا تعني الكلمات: "وفي طريق الخطاة لم يقف"... لم يقل الكتاب المقدس "طوبى للرجل الذي لم يخطيء" بل بالحري طوبى للرجل الذي لا يستمر في الخطية.

القديس جيروم

v يلزمنا أن ندرس التدرج: "يسلك ويقف ويجلس" [1]؛ فالإنسان يسلك في طريق الخطاة حينما يعطي ظهره لله، ويقف عندما يجد لذة في الخطية، يجلس عندما ينحصر في كبرياءه، فيصير غير قادر على الرجوع إلى الطريق المستقيم إلا بمجيء ذاك (المسيح) الذي لم يسلك في مشورة المنافقين، ولم يقف في طريق الخطاة ولم يجلس في مجلس المستهزئين لكي يخلصه.

القديس أغسطينوس

د. حالة التطويب هي هبة إلهية تُعطى للمشتاقين إلى الحياة المستنيرة البعيدة عن ظلام الخطية. يقول المعلم دانيال الصالحي: [فليقترب الذين  يشتهون الطوبى الموهوبة من الروح القدس ويسمعوا. لمن أعطى داود المرتل تلك الطوبى المغبوطة؟... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). القرب من الطوبى الإلهية تجعلنا نبتعد عن ظلام الخطية... إن العارفين باللغة العبرية حينئذ  يزعمون بأن هذا المزمور قيل لما مضى شاول طالبًا إخراج صموئيل النبي بواسطة السحر والعرافة. قاله عنه داود لما ترك الطريق المستقيم وسلك سبيل الأثمة، وسار مسيرة الكذب والزور ومشى طاغيًا وضالاً وراء الشيطان؛ نزل من كرسي البر وجلس على كرسي المرأة الساحرة في عين دور. لهذا تحرك الطوباوي داود بالروح وهو مطرود ومُضطهد وأنشد هذه التسبحة عن تغيير حال شاول ملك إسرائيل. ولكي لا يُشتم الملك المدعو مسيح الرب أخفى الشتيمة والتعيير...].

يرى أيضًا المعلم دانيال الصالحي أن الإنسان الساقط من الحالة المطوَّبة إلى طريق الشر هو آدم الأول، مقارنًا بينه وبين ملك إسرائيل الأول شاول قائلاً:

[صار (آدم) تلميذًا للحية بمشورة حواء مثلما صار شاول عبدًا للكهانة (العرافة) المضلة بتعليم المرأة العرَّافة. أما ذاك فسقط من من الجنة مطرودًا، وهذا سقط من مملكة شعب الله وخاب من شركة القديسين مرذولاً].

ه. إن كان المعلم دانيال الصالحي يرى التطويب هو عطية الروح القدس الممنوحة لراغبيها فإن لفظ "طوبى" هو أحد القاب السيد المسيح، إذ يقول القديس بولس: "المبارك العزيز الوحيد، ملك الملوك ورب الأرباب" (1 تي 6: 15). وكأن التطويب هو عمل الروح فينا باتحادنا مع المطوّب المبارك، رأسنا يسوع المسيح.

يرى الأشرار في لذة الخطية المؤقتة سعادتهم التي تجتذبهم ولا تشبعهم فتكون سرابًا في حياتهم، أما المؤمنون المتحدون مع السيد المسيح فيجدون سعادتهم وتطويبهم وشبعهم لا في الأمور الزمنة الزائلة بل في الاتحاد بالسيد المسح نفسه.

و. لماذا استخدم المرتل التطويب هنا بصغة المفرد "طوبى للرجل"؟

1. ربما لأن السالكين في طريق الرب، في الحياة المطوبة هم قلة قليلة جدًا، أو لعله أراد تأكيد وحدتهم معًا بروح الحب ووحدة الإيمان، فيحسبون كإنسان واحد. يقول الرسول بولس: "جسد واحد وروح واحد كما دُعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد؛ رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة؛ إله وآب واحد للكل..." (أف 4: 5-6).

2. يرى بعض الآباء مثل القديس أغسطينوس أن الرجل الواحد المطوّب هنا هو السيد المسيح، آدم الثاني، الذي يحمل كنيسته فيه جسدًا مقدسًا للرأس، يهبنا حياته المطوَّبة.

ز. يُلاحظ أن المرتل يطوب مقاومي الشر ليؤكد أن هبة هذه التطويب تُمنح كعطية مجانية لمقاومي الخطية. فيؤكد القديس أغسطينوس أن الشاب الذي يقاوم فكرًا شريرًا لا يثور في مشاعر أو أحاسيس الطفل الصغير يهبه بالأكثر أكليلاً أعظم مما للطفل. فالشاب مقاوم الخطية ينال إكليل الجهاد عن حب وصراع لا كالطفل عن عجز. طهارة الشاب المقاومة للشر هي طهارة النضوج أما طهارة الطفل فهي عن ضعف!

+ إقرأ مزمور 1 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الجانب الإيجابي:

مادام السيد المسيح - كلمة الله المتجسد - هو الطريق، لذا تحتل "كلمة الله" المكتوبة مركز الصدارة في حياة الأبرار. كلمة الله هي قائد حياتنا للتمتع بالحياة المطوّبة، وسند لنا ضد الإغراءات البشرية. كلمة الله هي أيضًا مصدر شبعنا وفرحنا ولذتنا كما عبّر عن ذلك المزمور 19؛ 119.

تُسمى المزامير 1؛ 19؛ 119 مزامير التوراة[62] Torah Psalm.

ينطق المرتل بالبركة على ذاك الذي يتأمل في الشريعة نهارًا وليلاً، فيجد فيها لذة، إذ تهبه سلامًا داخليًا وشبعًا في الرب. لا يتطلع المرتل إلى الشريعة كثقل يحمله، وإنما كطرق مفرح للشركة مع الله. يقول L.Sabourin: [جاء يسوع لا لينقض شريعة الله المعلنة بل ليكملها (مت 5: 17)، هذه التي يراها المرتل تعبيرًا عن إرادة الله، تقدم إرشادًا خلال تدبير عناية الله].

يقول العلامة أوريجانوس: [بإن الكنيسة أو النفس إذ تجد عذوبة في كلمة الله تتأمل في الشريعة على الدوام وتجترها كما يفعل الحيوان الطاهر (لا 11: 1- 4) [63].

v التأمل في الشريعة لا يعني مجرد قراءتها بل ممارستها، وكما يقول الرسول في موضع آخر: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1 كو 10: 31)[64].

القديس جيروم

*   لنحسب كل شيء ثانويًا بجانب الاستماع لكلمة الله، إذ لا يوجد وقت غير مناسب لها... بل كل الأوقات تناسبها[65].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   ليبحث كل منا كيف يبني في داخله مسكنًا لله!...

ليحمل في داخل نفسه تابوت العهد حيث لوحا الشريعة، فيلهج في ناموس الرب نهارًا وليلاً [2].

ليكن فكره ذاته تابوتًا ومكتبة تحفظ الكتب الإلهية، إذ يقول النبي: "طوبى لمن يحفظ في قلبه ناموس الرب ليعمل به".

ليحمل في قلبة قسط المن، أي الإدراك الصحيح والعذب لكلمة الله.

لتكن له عصا هارون، أي التعليم الكهنوتي المدقق على الدوام في تقوى[66]....

العلامة أوريجانوس

v التأمل في الكلمات الإلهية يشبه بوقًا ييقظ نفوسكم للدخول في المعركة، لئلا تناموا بينما عدوكم يقظ. لهذا يلزمنا أن نلهج في ناموس الرب، ليس فقط أثناء النهار بل وفي الليل أيضًا كقول الرب في الإنجيل: "اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة" (مت 26: 41)[67].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v "وفي ناموس الرب يلهج نهارًا وليلاً"؛ تُفهم (هذه العبارة) بمعني بلا انقطاع؛ ربما يقصد بالنهار: "في الفرح" وبالليل "في الضيقات". فقد قيل: "أبوكم إبراهيم تهلل بأن رأى يومي فرأى وفرح" (يو 8: 56)؛ "بالليل تنذرني كليتاي" (مز 16: 7).

القديس أغسطينوس

إن كان سفر المزامير هو سفر التسبيح السماوي، يبدأ بالحياة المطوبة ليرتفع بنا كما من مجد إلى مجد لنشترك مع السمائيين في تسابيحهم وليتروجياتهم التي لا ينطق بها، فإنه لا سبيل للدخول إلى هذه الحياة بغير كلمة الله المكتوبة وكلمة الله المتجسد. الكلمة الإلهي وحده يفتح عن عيوننا الداخلية بروحه القدوس فننعم بمعرفة ورؤية بل وشركة الحياة السماوية ونحن بعد هنا في الجسد. ننالها خلال العربون حتى نتمتع بكمالها في اليوم الأخير.

وجدت الكنيسة الأولي في كلمة الله المكتوبة وكلمة الله المتجسد (المخلص) فردوسها، فعاشت كما في السماء لا يعوزها شيء من كل خيرات العالم حتى الصالحة.

+ إقرأ مزمور 1 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الشجرة المثمرة والعصافة:

الشجرة المثمرة ترمز للحياة المطوبة التي يتمتع بها الإنسان التقي؛ يقف أمام الرياح مقاومًا كل شر، مزهرًا ومثمرًا.

الشجرة المثمرة تبهج الإنسان والحيوانات والطيور بثمارها التي لا تنقطع وبظلالها (إر 17: 8). إننا نأتي بثمر كنتيجة للتأمل في شريعة الرب (يو 15: 8) وثمارنا لا تنقطع (يو 15: 16). لكننا لا نقدر أن نثمر أو نزدهر ما لم نرتوِ بمياه الروح القدس، الذي يهبنا قوة مواجهة مصاعب الحياة [3].

v الإنسان الذي تتناغم إرادته مع ناموس الله، ويهتم بناموس الله نهارًا وليلاً يصير شجرة مترعرعة ترتوي من مجاري المياه، وتعطي ثمارها في حينه (مت 21: 41)... يا لسعادة ذاك البستان الذي تماثل فاكهته جمال العريس، إذ هو النور الحقيقي والحياة الحقة والبرّ الحقيقي وما إلى ذلك، كما تقول الحكمة (أم 1: 3). عندما يكتسب الإنسان هذه السمات بالأعمال الصالحة، يتطلع إلى عنقود ضميره فيرى العريس داخله يعكس نور الحق بحياته الظاهرة[68].

القديس غريغوريوس النيصي

v يليق بنا أن نجاهد بكل قوتنا لنتحرر من اهتمامات العالم وأعماله الشريرة، وإن أمكن نترك وراءنا أحاديث الرفاق غير النافعة، ونتكرس لكلمة الله والتأمل في ناموسه نهارًا وليلاً [2]، فيصير تحولنا من كل القلب، ويمكننا التطلع إلى وجه موسى المكشوف[69].

العلامة أوريجانوس

اقتبس الأب مارتيروس كلمات القديس غريغوريوس اللاهوتي القائل: [يليق بنا أن نتذكر الله أكثر من النَفَس الذي نتنسمه[70]]، مظهرًا أن التأمل في شريعة الرب هو طريق اكتساب هذا التذكر. [يلزمنا أن نفتح أفواهنا في كل الأوقات أمام الله، ونتنسم نعمته التي تنعش نفوسنا بذكرى الله... لنفعل هذا، متأملين على الدوام في أمور الله خلال شريعته[71]].

يقول القديس جيروم: [إن الشجرة هنا ترمز إلى ربنا يسوع المسيح كما ترمز إلينا. يقول بإنه يوجد نهر واحد يخرج من عرش الله، وشجرة واحدة على جانب النهر (رؤ 22: 1-3؛ 4: 2). هذا النهر هو الكتاب المقدس، الذي له شاطئان: العهد القديم والجديد.

v خلال السنة تصنع هذه الشجرة (السيد المسيح) إثنتى عشر ثمرة، ثمرة في كل شهر (رؤ 22: 2)، إذ لا يمكننا تسلم الثمار إلا خلال الرسل (الإثنى عشر) [72].

القديس جيروم

v الآن خلال الفداء الذي تم بواسطة "شجرة الحياة"، أي خلال آلام الرب، نصير نحن أنفسنا مثل شجرة الحياة، كل ما فينا يكون أبديًا، وننعم بإحساس التطويب أبديًا.

كل ما يصنعه (الأتقياء) ينجحون فيه، إذ لا يخضعون بعد للتغير ولا للطبيعة الضعيفة، حين يبتلع غير الفاسد الفاسد، ويبتلع الأبدي الضعيف، وما هو على شكل الله يبتلع ما هو على شكل الجسد الأرضي[73].

القديس هيلاري أسقف بوايتيه

v ثمر الصليب هو القيامة المجيدة. هذا الثمر الذي للخشبة التي هي بالحق مغروسة "عند مجاري المياه"، لأن المعمودية مرتبطة دائمًا بالصليب. على أي الأحوال، تقدم هذه الخشبة "ثمرها في حينه" [3]، أي عند قيامة الرب[74].

الأب قيصريوس أسقف آرل

الإنسان التقي يشبه شجرة مثمرة، إذ يمارس حياة الاتكال على الله غير المتزعزعة المملؤة فرحًا، ويكون الله بالنسبة له هو كل شيء، يقول المرتل: "وكل ما يصنعه ينجح فيه". بمعنى أنه لا ينجح فقط في حياته الروحية بل وفي كل جوانب الحياة، لأن النجاح هو سمة الحياة المطوبة.

v كن مشتاقًا أن تثبت في وصايا الرب والرسل، بهذا "كل ما تصنعه تنجح فيه" [3]، في الجسد كما بالروح، في الإيمان كما في الحب، في الابن والآب والروح القدس، في البداية كما في النهاية[75].

القديس أغناطيوس النوراني

يُذكر الأشرار هنا من قبيل التعليم من النقيض. بدون فهم السقوط من الصعب جدًا أن نقدّر الصلاح في ذاته، لذلك يجب أن نراه من خلال الحديث عن الشر[76].

الأشرار – على النقيض تمامًا – يشبهون "العصافة" التي تحملها الريح الحفيفة [3-4]، بتحريكها من المكان يصير الموضع نظيفًا مما لا نفع له (العصافة). هكذا يهلك طريق الشرير، وتكون حياته بلا معنى وليست بذات قيمة، فإن الحياة الخارج الله هي فراغ مجرد أشبه بالعصافة.

كثيرًا ما يُستخدم تشبيه تذرية القش (العصافة) في حكم الله (هو 13: 3؛ صف 2: 2؛ إش 29: 5؛ مز 35: 5؛ مت 3: 12)[77].

v كما تتعرض العصافة لتلعب بها الريح، فتُحمل بسهولة إلى مسافات طويلة، هكذا ينساق الخاطئ أمام كل تجربة. بينما يكون في صراح مع نفسه ويحمل حربًا في داخله أي سلام يترجاه وهو يُسلم (للتجربة) داخل بيته، حاملاً ضميرًا عدوًا له؟! ليس كذلك البار[78]!

القديس يوحنا الذهبي الفم

يليق بنا أن نميز بين الشرير المصّر على ارتكاب الشر، والخاطي الذي يسقط في خطايا لكنه يُجاهد، متكلاً على مخلصه، طالبًا عمل النعمة الإلهية فيه. يقول القديس أغسطينوس: [كل شرير هو خاطئ، ولكن ليس كل خاطئ شريرًا].

"لا يقوم المنافقون في الدينونة، ولا الخطاة في مجلس الأبرار" [5].

لا يقدر الأشرار أن يقوموا للدفاع عن أنفسهم في دار الشريعة، عندما يحل وقت القضاء[79]. في الدينونة يرون الرب مهوبًا، عينيه كلهيب نار، أما أولاد الله فيرونه عريسًا سماويًا يضمهم إلى مجده!

+ إقرأ مزمور 1 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


يعرف الله الأتقياء:

"يعرف الرب طريق الأبرار، أما طريق المنافقين فتُباد" [6].

معرفة الرب ليست إدراكًا ذهنيًا مجردًا بل شركة فعّالة (عا 3: 2).

*   عرف الله أن آدم كان في الجنة، وكان يدرك تمامًا ما قد حدث، لكن لأن آدم أخطأ لم يعرفه الله، فقال له: "آدم ، أين أنت؟"...

إذ كان لإبراهيم إيمان عظيم بتقديمه ابنه ذبيحة، بدأ الله يعرفه (تك 22: 12).

لماذا نقول هذا كله؟ لأنه مكتوب: "يعرف الرب طريق الأبرار". لنضع هذه (العبارة) بطريقة أخرى: المسيح هو الطريق والحياة والحق (يو 14: 6). لنسِر في المسيح فيعرف الله الآب طريقنا[80].

القديس جيروم

*   إني لا أراكم (أيها الأشرار) في نوري، في البرّ الذي أعرفه[81].

القديس أغسطينوس

يعرف الله الإنسان التقي [6]، لأن الأخير يعرفه [2]. يُقال إن الله يعرف الصلاح، بمعنى أنه يحبه ويكرمه. أما الشر فلا يستحق معرفة الله له. يقول القديس أغسطينوس: [بالنسبة لله المعرفة هي وجود، وعدم المعرفة هو توقف عن الوجود. يقول الرب: "أهيه (أنا كائن) الذي أهيه"، "أهيه أرسلني إليكم" (خر 3: 14)].

يرى كثير من آباء الكنيسة أن الإنسان التقي هنا هو ربنا يسوع المسيح، الذي صار إنسانًا لكي يهبنا ذاته برًا لنا؛ فيه ننال الحياة المطوّبة الجديدة خلال مياة المعمودية.

*   جاء (المسيح) في طريق الخطاة، إذ وُلد كما يولد الخطاة، لكنه لم يقف هناك، إذ لم تمسك به إغراءات العالم...

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 1 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


آدم الإنسان الطوباوي:

إذ يماثل هذا القسم من سفر المزامير (1-41) سفر التكوين الذي يبدأ بخلقة آدم الإنسان الأول في طبيعته الطوباوية، يبدأ داود سفر المزامير بالإنسان (آدم) الثاني المطوّب، إذ فيه نتجدد ونتحد كما لو كنا جميعًا "رجلاً واحدًا مطوبًا"، أو "عروسًا سماوية".

بحسب التلمود الثلاثة حروف العبرية المكون لاسم "آدم" تمثل ثلاثة أشخاص رئيسيين: آدم وداود والمسا[82]. آدم هو البداية، وداود تنبأ عما سيحدث، والمسيا آدم الثاني ابن داود الذي فيه تتحق الحياة المطوّبة.

آدم: آ. آدم = الطبيعة المطوّبة الأصلية المفقودة.

د. داود = الوعد بالطبيعة المطوّبة في المسيح.

م. مسيا = التمتع بالطبيعة المطوّبة فيه.

+ إقرأ مزمور 1 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


ملاحظة:

يُرنم المزمور الأول في "صلاة باكر" أو "تسبحة باكر" كل يوم ونحن نذكر قيامة السيد المسيح من الأموات؛ كأننا بهذا نسأل الرب القائم من الأموات أن يهبنا الحياة المطوّبة كنعمة إلهية، قبل أن نبدأ حياتنا اليومية.


صلاة

*   أيها الكلمة الحقيقي... هب لي أن ألهج في حبك نهارًا وليلاً، في وقت الفرج كما في الضيق!

*   أيها الطريق، احملني فيك وإليك، فأنعم ببرك!

*   أيها المصلوب... يا من حولت الخشبة إلى شجرة حياة، أقمني شجرة مثمرة، مغروسة على مجاري روحك القدوس!

 

+ إقرأ مزمور 1 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 2 PDF Print Email

عش ملكًا!

يقدم لنا المزمور الأول طريق الأبرار الملوكي، طريق الاتحاد مع كلمة الله نهارًا وليلاً، للتمتع بالحياة المطوّبة الداخلية، وتحاشي طريق الأشرار المهلك. الآن في هذا المزمور الملوكي يقدم لنا المرتل المسيا "الملك العام"  بكونه الطريق الضيق المجيد، فيه تدخل إلى معركة الصليب الروحية فنصير ملوكًا، إذ قيل: "جعلنا ملوكًا وكهنة" (رؤ 1: 6).

+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


المزامير الملوكية The Royal Psalms:

أهم المزامير هي (مز 2، 18، 20، 21، 45، 72، 89، 101، 132، 144).

يقول L. Sabourin
: [أدَّت النظرة التقليدية التي تتطلع إلى داود ككاتب لأغلب المزامير إلى تزايد عدد المزامير الملوكية (بكون الكاتب ملكًا). وإذ أُعيد تقييم النظرة إلى داود كواضع للمزامير احتل الاتجاه المضاد مركز الصدارة (انكار وجود مزامير ملوكية). أما ما حدث فيخبرنا به Mowinckel: [لقد اتجهت المرحلة الأولى للدراسة العلمية الحديثة إلى إنكار وجود أي شكل ملوكي في المزامير... أينما التقينا بشكل ملوكي كما في المزامير المدعوة بالمسيانية إذ صارت تُفسر على أنها تشخيص لشعب إسرائيل (وليس عن الملك). ويعتبر جانكل Gunkel هو أول من أعاد تحقيق المزامير الملوكية بكونها تخص ملكًا حقيقيًا، مقدمًا تفسيره هذا على أساس علمي سليم[83]].

يمكننا أن نتطلع إلى هذه المزامير من جوانب متباينة:

1. مزامير الجماعة: تقوم العلاقة بين الله والإنسان أساسًا على اتجاهين متكاملين: اتجاه جماعي وآخر شخصي. ففي العهد القديم كان الملك يمثل الجماعة ككل، لذلك فإن العهد الذي يقوم بين الله وبينه هو بعينه ذات العهد بين الله والشعب. هكذا كانت أهمية الملك، فلا عجب إن وُضعت مزامير لأجل تكريمة[84]، بقصد تكريم الجماعة. في هذه المزامير يقوم الضميران "أنا" و"نحن" بنفس الدور، فإن المتعبد الناطق بهما هو الملك الممثل للجماعة التي لا تنفصل عنه.



2. مزامير المسيح: يعلن العهد القديم عن يهوه بكونه الملك الحقيقي لشعبه (خر 15: 18؛ 1 صم 8: 7، 21). لهذا دُعي عرش الملك في أورشليم "عرش الرب" (1 أي 29: 23) أو "عرش مملكة الرب" (1 أي 28: 5). الملك الذي يمثل الجماعة ككل يمثل الرب أيضًا، لهذا دُعي "مسيح الرب". وهو في هذا يرمز للمسيح ملك الملوك، الوسيط بين الآب والجماعة، ذاك الذي هو واحد مع الآب في الجوهر، يتقبل الكنيسة كجسده، يشفع فيها بدمه الكفاري الثمين.

خلال هذه النظرة نتطلع إلى المزامير الملوكية أنها خاصة بالملك المسيح مخلص البشرية.



3. مزامير الحياة الداخلية: جاء السيد المسيح ليقيم مملكته داخلنا (لو 17: 21)، واهبًا إيانا نعمة الملوكية الروحية كهبة من قبل روحه القدوس. في السيد المسيح  – ملك الملوك – صرنا ملوكًا (رؤ 1: 6).

+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الملك المسياني The Messianic King:

يبدأ المزمور الأول كما ينتهي المزمور الثاني بالتطويب. فالطبيعة المطوّبة التي يترجاها المرتل في المزمور الأول لا يمكن تحقيقها إلا خلال الملك المسيّا الجامع المُعلن عنه في المزمور الثاني. ففي ربنا يسوع المسيح يتجدد المؤمنون القادمون من كل الأمم ويتقدسون بروحه القدوس. اُقتبس هذا المزمور مرارًا في العهد الجديد، بكونه خاصًا بالسيد المسيح الملك العظيم ابن داود، مسيح الرب (أع 4: 25 إلخ؛ 13: 23؛ عب 1: 5؛ 5: 5[85]).

يتطلع التقليدان اليهودي والمسيحي على حد سواء إلى المزمور الثاني بكونه مزمورًا مسيانيًا، مثله مثل المزمور 110 الذي يبدو أنه اعتمد عليه[86]. يقول Arno C. Gaebelein: [كان التفسير المسياني عند اليهود هو التفسير الوحيد (للمزمور) حتى القرن العاشر/ الحادي عشر. بعد ذلك حدّه اليهود ليعني داود، وذلك من أجل مقاومة التفسير

المسيحي له[87]].

يكشف هذا المزمور عن مخلصنا؛ فيتنبأ تحت اسم مملكة داود عن مملكة المسيا ابن داود، بكونها هدف المزمور الأساسي[88].

يميز القديس يوحنا الذهبي الفم بين مملكتين إلهيتين، قائلاً: [يعرف الكتاب المقدس مملكتين لله؛ واحدة بالتخصيص والثانية بالخلقة. فهو ملك على الجميع، على اليونان واليهود، كما على الشياطين وعلى مقاوميه، وذلك بكونهم خليقته. لكنه هو ملك على الأمناء الراغبين فيه، الخاضعين له، فيجعلهم خاصته. هذه هي المملكة التي قيل عنها أيضًا إن لها بداية، إذ يقول عنها في المزمور الثاني: "اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك" [7]. بخصوصها أيضًا قال لتلاميذه: "دُِفَع إليّ كل سلطان من أبي" (راجع مت 28: 18)[89]].

دخل المسيا في معركة مستمرة ضد الشيطان، ليعد الطريق الملوكي لنصرتنا. ارتضى أن يكون مرذولاً من أجلنا؛ هذا الرذل (1-3؛ أع 4: 25-28) لا يزال مستمرًا عبر الأجيال ليبلغ أقصاه في الارتداد العظيم في الضيقة العظيمة. إننا لسنا طرفًا في المعركة، إنما يلزمنا أن نختفي في أحد طرفي المعركة. فإن إختفينا في السيد المسيح نُرذَل من أجل اسمه، لكننا بالتأكيد ننال النصرة بينما يدين الله العالم الرافض المسيح!

+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مزمور تتويج  A Coronation Psalm:

يُسمى هذا المزمور الملوكي "مزمور تتويج"، ربما لأنه وُضع بمناسبة تتويج داود ملكًا، حيث تحقق الوعد الوارد في (2 صم 7: 8-16). وقد اُستخدم فيما بعد في تتويج الملوك خلفاء داود، لا لتكريمهم بكونهم المسّيا، وإنما لتذكيرهم بمن يرمزون إليه.

يرى Carrol Stumueller بأنه لا غرابة من ارتباط المزمور الأول بالثاني بكونهما مقدمة لسفر المزامير كله، فإن المزمور الأول هو ثمرة الحركة الخاصة بالحكمة Wisdom Psalm بينما وُلد المزمور الثاني في ظروف سياسية ترتبط بمراسم تتويج الملوك الجدد في هيكل أورشليم وفي القصر الملكي. فقد التزم الملوك باحتضان الحكمة وحمايتها، لذا نرى سليمان الملك أحكم جميع الناس (1 مل 4: 29-34)[90].

يعلن المزمور عن مدى مقاومة الملوك الوثنيين للملك الجديد الممسوح والمتوّج، هذا الذي كان رمزًا للمسيا الملك الذي يقاومه كثيرين.

يرى بعض الدارسين أن هذا المزمور المستخدم في الاحتفال بتتويج الملك الجديد يرنم بالنظام التالي:

* أعداد [1-2]: ينشدهما خورس المرنمين في الهيكل، للتعبير عن ثورة الملوك الوثنيين ضد حكم الله الذي يتحقق خلال ملكه المسموح.

* عدد [3]: ينشده خورس خاص من المرنمين ينطقون باسم هؤلاء الملوك.

* أعداد [4-6]: التدبير السماوي المنعكس على الهيكل في طقس التتويج (السخرية الإلهية بالملوك الثائرين). يوضع هذا الاستيخون ردّ فعل الله تجاه تمرد هؤلاء الملوك. مجرد كلمات الله تكفي لبث الرعب في حياتهم.

* أعداد [7-9]: التتويج، ينطق به نبي باسم الرب (مرسوم إلهي). يوضح هذا الاستيخون ثقة الملك القائمة على كلمة الله.

* أعداد [10-12]: دعوة موجهة إلى الملوك للخضوع الجامع، أي خضوع كل الملوك في المسكونة.

+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


من هو هذا الملك؟


1. مسيح الرب:

"قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا

على الرب وعلى مسيحه" [2].

اهتمت كثير من المزامير الملوكية بالكشف عن قدسية عمل الملك، خاصة في هذا المزمور، حيث ذُكر أنه مختار من الله.

كان مسح الملك عملاً قدسيًا (1 صم 10: 1)، ودعى الملك "مسيح الرب". وقد انطبق هذا على شاول وادود[91]. لهذا فإن الثورة ضد الملك الممسوح ليست إلا ثورة ضد الله. وبالمثل مقاومة العالم للكنيسة ولأبنائها القديسين إنما هي مقاومة للسيد المسيح نفسه كما قال السيد لشاول (أع 9: 5).

كلمة "مسيا" مشتقة من الكلمة العبرية Mashia لتعني "الممسوح"، وكلمة "المسيح" مشتقة عن الكلمة اليونانية Christos لتعني ذات المعنى. فقد مُسح (الابن المتجسد) لينوب عني في المعركة الروحية، واهبًا إياي نصرته (1 يو 2: 13). فيه نصير نحن أيضًا مسحاء الرب خلال مسحة الميرون، أعضاء جسده المقدس، أبناء الله، وذبائح حب من أجل الآخرين.

يقصد المرتل بالملوك والرؤساء القادة الأشرار الذين مع تباين مصالحهم اتحدوا معًا عند لحظات الصليب السيد المسيح. اتحد ليس فقط الأقوياء بل وأيضًا الرعاع، إذ صرخ الشعب: "أصلبه! أصلبه!" وكما يقول ربنا: "أبغضوني أنا وأبي" (يو 15: 24). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). أبغضوه هو وأباه، قائلين: "لنقطع أغلالهما ولنطرح عنا نيرهما" [3]. لقد رفضوا الخضوع لولايتهما، ولم يطيقوا احتمال نير حبهما وقداستهما، قائلين: "لا نريد أن هذا يملك علينا" (لو 19: 14).

يبغضنا الأشرار بكوننا ممسوحين لله. وكما يقول ربنا: "لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا فماذا يكون باليابس؟!" (لو 23: 31).

+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. السماوي المتوّج [2، 4]:

يقابل الهياج والتمرد على الأرض [1] صورة السلام الفائق الذي يملك في السماء. ويقابل الملوك العاجزون على الأرض قدرة الله الفائقة، ملك السماء[92]! ففيه ننعم بالحياة السماوية وننال عربون الأبدية.

*   "الساكن في السموات يضحك بهم" [4].

إن كنا نفهم كلمة "السموات" بكونها النفوس المقدسة، فإن الله (الساكن في قديسيه) بسابق علمه يضحك بهم (بالأشرار) ويستهزئ بهم!

القديس أغسطينوس

إنه في السماء بعيدًا عن متناول تهديداتهم ومحاولاتهم العاجزة. هناك يعد عرشه للدينونة، لذا يسهل جدًا الاستهزاء بمحاولات الأعداء. يضحك بهم كجماعة من الحمقى، ويسخر بهم، كما تزدري بهم كنيسته العذراء ابنة صهيون (إش 37: 22)؛ هذه المؤسسة على صخرة، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها (مت 16: 18).

يقول القديس كيرلس الكبير: [إن الساكن في السموات يضحك بهم، لأنه بالحقيقة الرب الابن والوارث بكونه واحدًا في الجوهر مع الآب في السلطة تجسد، داعيًا الذين آمنوا به إلى الشركة معه في مملكته السماوية ومجده الأبدي، لكن الأشرار بكبريائهم رفضوا ذلك، ظانين أنهم قادرون أن يملكوا بدونه[93]].

تحققت هذه النبوة برفض اليهود للسيد المسيح. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يعلن المسيح نفسه: "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا" (مت 23: 38). كما تعلن أمثاله ذات الأمر، إذ يقول: "ماذا يفعل بأولئك الكرامين؟.. أولئك الأردياء يهلكهم هلاكًا رديًا" (مت 21: 40-41)[94]].

+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. الملك:

في المسيح – الملك الحقيقي – نصير ملوكًا (رؤ 1: 6)، يصير لنا سلطان على عواطفنا وأحاسيسنا وأجسادنا وعقولنا الخ...

المسيح كملك يملك على قلوبنا لا خلال حب السلطة وإنما بالحب، حتى أننا نحن أيضًا كملوك روحيين نلتزم أن نربح الآخرين بانفتاح قلوبنا بالحب على كل البشرية.

+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


4. الابن الوحيد الجنس [7]:

"أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" [7]. اقتبس القديس بولس هذه الآية في (عب 1: 5) ليثبت أن للسيد المسيح اسم أعظم مما للملائكة، بكونه ابن الله الوحيد، لا بالتبني بل بالوراثة، له ذات طبيعة الآب.

*   يقول الآب: "أنا اليوم ولدتك" ولم يقل: "أنا خلقتك". لا يدعو الابن الله خالقه في ولادته الآزلية الإلهية، بل أباه[95].

*   كلمة "اليوم" وليس "بالأمس" تشير إلى ما قيل عن اتخاذ ذاك المولود أزليا من جهة اللاهوت جسدنا[96].

القدديس أمبروسيوس



v يظهر الآبُ (المسيحَ) بكونه ابنه اللائق به والوحيد، قائلاً: "أنت ابني" [7]، و"هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت 3: 17). لهذا يخدمه الملائكة بكونه فوقهم؛ يسجدون له بكونه أعظم منهم في المجد، وفوق كل المخلوقات... وهو وحده ابنه الحقيقي جوهريًا[97].

القديس أثناسيوس الاسكندري

في المسيح الابن نصير نحن أبناء الله. هذا وجدير بالذكر أن كثيرًا من الوثنيين حسبوا أن ملوكهم قد وُلدوا من اللاهوت، وقد نبذ العهد القديم فكرة بنوة الملك الجسدية للاهوت لتعارضها مع الفهم الروحي لله (مز 89: 26 الخ؛ 2 صم 7: 14؛ 1 كو 28: 6).

+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


5. رئيس الكهنة الأعظم:

المسيا هو الملك، ابن الله ورئيس الكهنة، الذي له السلطان أن يدخل السماء ويشفع عن كل الأمم بذبيحة نفسه. يشير المرتل عنه هنا كشفيع عن المؤمنين [8] بعدما تحدث عن ملكوته وبنوته للآب. هذه الشفاعة هي رجاء العالم (يو 17: 20).

v "اِسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك" [8] للوهلة الأولى يبدو أن لهذه الآية مفهومًا زمنيًا بالنسبة إلى اتخاذه الناسوت، إذ قدم نفسه ذبيحة عوضًا عن كل الذبائح الأخرى، والذي يشفع أيضًا فينا...

القديس أغسطينوس


+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +



فيه صرنا أعضاءً في الكنيسة الجامعة، مع شعورنا بالتزام بالشهادة له أمام العالم.

ثورة الشعب والملوك:

عند موت قائد قوي لإحدى الإمبراطوريات العظمى في الشرق القديم تجتاح مشاعر الثورة والهياج الأمم كلها، حيث تعلو الصرخات وسط الأمم المستعَبدة طلبًا للتمتع بالحرية. لذلك كانت المهمة الرئيسية والأساسية التي تواجه الملك الجديد عند اعتلائه العرش هي تعزيز سلطة إمبراطوريته العظيمة وتأكيدها من جديد[98]. هنا يعبر المرتل عن دهشته لأن الأمم وملوكهم يفعلون ذات الأمر عند تتويج الملك الروحي المسيا على الصليب، إذ يقيم مملكته لتحريرهم من الملك الطاغية، إبليس، الذي أقام مملكته العنيفة ومارس السلطة عليهم حتى دُعى رئيس سلطان الهواء (أف 2: 2) الذي نتنسمه، وإله هذا العالم (2 كو 4: 4) الذي نعيش فيه. فالشيطان يعلم تمامًا أنه ما أن تقوم مملكة السيد المسيح حتى يُطرح أرضًا، كقول ربنا: "رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء" (لو 10: 18).

v أُعطى السلطان للشيطان (لو 22: 53)، ولليهود أن يقفوا ضد المسيح، لكنهم حفروا لأنفسهم هوة الهلاك. فبالحقيقة فدى (السيد) كل الذين هم تحت السماء بحبه للبشرية، وقام في اليوم الثالث، وداس مملكة الموت تحت قدميه، لكنهم جلبوا على أنفسهم دينونة لا مفر منها مع التلميذ الخائن. ليسمعوا إذن الروح القدس القائل على لسان المرتل: "لماذا ارتجت الأمم وتفكرت الشعوب في الباطل؟! قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا، على الرب وعلى مسيحه"...  لقد اقحمت هذه الخليقة التعيسه نفسها في جريمة قتل ربهم، أما نحن فنمجده كمخلص لنا ومحررنا، ربنا يسوع المسيح[99].

القديس كيرلس الاسكندري

v نسى اليهود بتصوراتهم وموافقتهم على التصرفات الظالمة تجاه الرب أنهم إنما يجلبون السخط عليهم. لذلك يرثى الكلمة حالهم، قائلاً: "لماذا ارتجت الأمم وتفكرت الشعوب في الباطل؟!" [1]. فإنه بالحقيقة باطل هو ما تصوره اليهود، إذ عزموا على قتل مصدر الحياة وتلفيق ما هو باطل ضد كلمة الآب[100].

v كانت تصورات اليهود ومن هم على شاكلتهم باطلة، إذ جاءت النتائج على غير ما توقعوا، فقد انقلبت ضدهم، فصار الجالس في السموات يضحك بهم والرب يستهزئ بهم [4]. لهذا عندما اُقتيد مخلصنا إلى الموت انتهر النساء اللواتي كن ينحن وهن يتبعنه، قائلاً لهن: "لا تبكين عليّ" (لو 23: 28)؛ ليعني بهذا أن موته هو مصدر فرح لا

حزن، وأن الذي يموت عنا إنما هو حيّ[101]!

البابا أثناسيوس الرسولي

v "لماذا ارتجت الأمم وتفكرت الشعوب في الباطل؟!" [1]... قيل: "لماذا؟" كما  لو أنه يقول إن ما يفعلونه هو باطل، إذ لم يحققوا ما كانوا يأملونه، أي القضاء على المسيح. قيل هذا عن مضطهدي ربنا، الذين أُشير إليهم في سفر الأعمال.

القديس أغسطينوس

هذا  هو مركز الأشرار رافضي السيد المسيح كملكهم الروحي، أما بالنسبة لنا فسلطانه مفرح ونيره حلو للغاية.

v إن كنا نحني أعناقنا باتضاع لنتقبل نير المسيح، فإن النير نفسه بالحرى يحملنا ولسنا نحن الذين نحمله. إن كان نير العالم يضغط دائمًا على الإنسان لينزل به إلى أسفل فإن نير المسيح يرفعه إلى أعلى. والآن مادام كل إنسان إما أن يرتفع بحمله المسيح أو ينزل إلى الأمور الدنيا بحمله نير العالم لذلك يجب عليه أن يمتحن ضميره[102].

الأب قيصريوس أسقف آرل

مخلصنا الذي حطم الشيطان كملوك أشرار توّج المؤمنين به ملوكًا روحيين. وكما يقول القديس أغسطينوس: [أنتم الآن ملوك، قادرون أصحاب سلطان على كل ما هو دنئ وشهواني في داخلكم. كما لكم القدرة على الجهاد لا كضاربين في الهواء، وإنما إذ تقمون أجسادكم تخضع لكم (1 كو 9: 26-27)... الآن فصاعدًا إذ أنا متوج ملكًا لا أحزن].

يليق بنا أن ندرك أن غضب الله أو سخطه ليس انتقامًا لنفسه، إنما هو تعبير عن بره الذي لا يقبل الخطية أو الشر.

+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الحاجة إلى التأديب [10-13]:

يقول Weiser: [بإن المزمور يعود إلى نقطة البداية، حيث يوجه الحديث إلى حكام الأرض، منذرًا ومحذرًا إياهم، سائلاً إياهم أن يتضعوا أمام القدير وأن يعبدوه بخوف ورعدة].

تعبير "قبلوا قدميه" طبق على الله بطريقة تُناسب العادات البشرية؛ إذ ربما نبع ذلك عن عادة تقبيل قدميّ الملك كعلامة على الولاء والطاعة، هذه العادة تعرفنا عليها من الوثائق البابلية والمصرية.

يفهم الحاخام ابن عزرا هذه العبارة "قبلوا قدميه" بكونها تخص المسيا[103].

بعد تحذير داود النبي قضاء الأرض وحكامها والأمم المتمردة على الرب وعلى مسيحه يذكر التأديب كوسيلة للإصلاح، وكأنه يقول: "اقبلوا الاصلاح والتأديب لئلا يغضب الرب فتبيدوا بترككم الطريق المستقيم".

*   بتأديب الله (لنا) وإرشاده نخلص من الموت[104].

القديس اكليمندس الاسكندري

v التأديب هو صمام الآمان للرجاء، رباط الإيمان، مرشد إلى طريق الخلاص، الحافز والمشبع لنزعات الخير، معلم الفضيلة الذي يدعونا إلى الالتصاق الدائم بالمسيح، وإلى الحياة الدائمة لأجل الله وإدراك الوعود السماوية والمكافآت الإلهية.

اتباعنا للتأديب هو نافع لنا، وإهماله وإدارة ظهورنا له هو موت[105].

القديس كبريانوس

*   التأديب هو نوع من الحماية ودفاع ضد كل ما يضرنا.

v يلزمنا ألا نتطلع إلى غضب الله [5] بكونه اضطرابًا في الفكر؛ بل بالحرى هو القوة التي بها يثبت له حقوقه في العدل، حيث تخضع كل خليقة لخدمته[106].

القديس أغسطينوس

"اعبدوا الرب بخشية وهللوا له برعدة" [11]

في عبادتنا لله يلزم أن تمتلئ قلوبنا بمخافة إلهية مقدسة، وفي نفس الوقت تمتلئ بثقة مفرحة في الرب. لذلك يرى آباء الكنيسة نوعًا من التكامل بين مخافة الرب المقدسة والفرح الروحي. فإن العبادة والنظام الروحي يخلقان ليس فقط نوعًا من الرعدة أو الخوف وإنما أيضًا فرحًا داخليًا.

بخصوص مخافة الرب نقتطف العبارات التالية:

*   لننظر أي إنسان يجب أن يكون القديس! يجب أن يكون لطيفًا، حكيمًا، حزينًا، نائحًا، منسحق القلب!

الإنسان الذي هو هزلي في تعاملاته ليس قديسًا. فحيث توجد النجاسة يكون الهزل؛ وحيث الضحك في غير أوانه يكون الهزل. اصغ إلى قول النبي: "اعبدوا الرب بخوف وهللوا له برعوده" [11].

الهزل يسلم النفس إلى التنعم والتكاسل. إنه يثير النفس بصورة غير لائقة، فكثيرًا ما تجنح إلى أعمال العنف وتوجد حروبًا[107].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v عندما تتلو مزمورًا تأمل كلمات من هذه التي تتلوها، ولتبتهج نفسك بندامة حقيقية أكثر من الإعجاب بلذة الصوت، فإن الله يُقدر قيمة دموع من يسبحه أكثر من عذوبة الصوت. يقول النبي: "اعبدوا الرب بخشية وهللوا له برعدة" والآن حيث يوجد الخوف والرعدة لا يوجد صوت عالٍ وإنما يكون اتضاع الفكر مع نحيب وبكاء[108].

(المدعو) سولبيتس ساوريرس

v أنه لأمر عظيم أن نخدم الله، إذ قيل: "أعبدوا الرب بخوف"، وأمرُ عظيم أن تُدعى من الله "عبدي" (إش 49: 6)... مع ذلك قيل للرسل: "لا أعود أسميكم عبيدًا لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده" (يو 15: 15)... ها أنت ترى أن هناك مراحل متعددة للكمال، وأن الله يدعونا إلى أمور عالية، ثم يعود فيدعونا إلى ما هو أعلى حتى أن من يصير مباركًا وكاملاً في مخافة الرب يرتقي كما هو مكتوب: "من قوة إلى قوة" (مز 84: 7)[109].

الأب شيريمون

*   إنه لمن اللائق أن نقف أمام الله بعقل يقظ متنبه ممتزج برعدة وخوف مع التهاب الروح بالفرح والحب العميق (رو 12: 11-12) [110].

الأب مارتيروس

*   إن كنت تتذكر الديان وقت الشدة فحَسْب كمن يبث خوفًا ومن هو أمين بلا فساد فأنت لم تتعلم بعد أن "تعبد الرب بخشية وأن تفرح به برعدة"[111].

الأب أوغريس من بنطس

*   يوجد فرح فنقدم شكرًا، وتوجد رعدة لئلا نسقط[112]!

الأب قيصريوس أسقف آرل

يقول مؤلف كتاب السلم (الدرجات) من القرن الرابع: [عندما يُعتق إنسان من عبودية الموت يلزمه أن يخدم الرب بفرح لا بحزن[113]].

+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


المسيح القائم من الأموات:

يُسبح بهذا المزمور في صلاة باكر حسب الطقس القبطي، بكونه مزمور القيامة. يقول C. Stuhlumeller: [يتمم يسوع هذا المزمور بكونه ملكًا، لا من حيث ولادته من نسل داود، مكتسبًا ذلك خلال يوسف (مت 1: 16-17؛ لو 1: 32)، وإنما خلال قيامته من الأموات، متوَّجًا عن يمين الله، يُرسل الروح القدس (أع 4: 25-26، 13: 33؛ عب 1: 5، 5: 5).

يختم المزمور بالقول: "طوبى لجميع المتكلين عليه" [12].

*   الثقة فيه هي أمر أعظم من الإيمان، فإنه إذ يؤمن إنسان أن ابن الله هو معلمنا يثق أن تعاليمه هي الحق[114].

القديس اكليمندس الإسكندري

+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صلاة

v العالم بكل جبروته يود الخلاص من رباطات حبك، والتحرر من نير وصيتك أيها المسيح مخلصي. اربطني بالحب وهب لي أن أحمل نير صليبك العذب!

*   العالم بنيره الثقيل أحنى ظهري وأحدرني إلى الهاوية، أما نيرك فأحمله لكي يحملني منطلقًا به إلى سمواتك!

*   أيها الابن الوحيد الجنس... ضمني إلى حضن أبيك، فأشاركك الميراث الأبدي! ليؤدبني الآب بروح الأبوة، ولا يغضب عليّ!

 

 

+ إقرأ مزمور 2 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 3 PDF Print Email

هذا المزمور هو مرثاة شخصية، يعبّر بها المؤمن عما يتوقعه من متاعب وآلام مع كل صباح جديد خلال معركة الخلاص التي لا تتوقف. لكن سرعان ما تتحول المرثاة إلى أنشودة خلاص تملأ النفس بهجة وسلامًا خلال التمتع بقيامة السيد المسيح التي تعكس علينا روح النصرة حتى على الموت ذاته، وتسكب في داخلنا شركة المجد الإلهي، وتفيض علينا ببركات إلهية لا تنقطع.

بمعنى آخر هذا المزمور هو مرثاة مؤلمة وفي نفس الوقت هو أنشودة مفرحة. إنه نشيد عسكري نعزفه أثناء المعركة الروحية، وهو تسبحة غلبة حيث تتهشم أسنان الأشرار فنراهم أضحوكة، بينما يتمجد الله ويتبارك شعبه.

هذا المزمور يمس حياة داود الشخصية، ويحمل نبوة عن شخص المسيح ابن داود، يمس حياة كل واحد منا خلال علاقته الشخصية مع مخلصه كما يمس حياة الجماعة المقدسة ككل! يبدأ بصيغة المفرد وينتهي بصيغة الجمع: "على شعبه بركته"!

+ إقرأ مزمور 3 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مركز المزمور في السفر:

يُعتبر المزموران الأول والثاني أشبه بمقدمة لسفر المزامير ككل، في الأول يعلن المرتل أنه لا يستطيع أحد أن ينشد مزامير الفرح شاكرًا الله ما لم يتمتع أولاً بالحياة المطوّبة (مز 1: 1)، وفي الثاني يوضح أن هذه الحياة المطوّبة تُهب لنا لا بفضل خاص من جانبنا بل بعمل المسيًا الملك الذي يثور عليه العدو الشرير (إبليس) وأعوانه.

باستبعاد المزمورين الأولين بكونهما مقدمة للسفر يحتل المزموران الثالث والرابع مركز الصدارة؛ الثالث مزمور الصباح والرابع مزمور المساء (4: 8).

في كل صباح يرنم المؤمن هذا المزمور متذكرًا أنه ينبغي أن يتألم دون أن يفقد سلامه الداخلي وفرحه، إذ يتطلع إلى قيامة السيد المسيح التي تحققت في الصباح الباكر، لتهبه أبواب ملكوت الله مفتوحة! بمعنى آخر، لن يقلق المؤمن مادام يتمتع بالحياة الجديدة المقامة، مترقبًا مع كل صباح سرعة مجيء مسيحه المصلوب القائم من الأموات.

+ إقرأ مزمور 3 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مرثاة شخصية:

وضع داود النبي المزامير (3؛ 4؛ 5) كمراثٍ شخصية أثناء هروبه من أمام وجه ابنه المتمرد أبشالوم (2 صم 15: 8). في المزمور الثالث يعلن النبي أن المعركة في الحقيقة ليست شخصية بينه وبين ابنه، إنما هي معركة قائمة بين الله والشيطان. وفي المزمور الرابع يرى أن البر الواهب الغلبة في المعركة ليس من عندياته إنما هو برّ الله، بل الله نفسه هو بره. وأخيرًا في المزمور الخامس يحول نظره إلى أخيتوفل المشير الشرير لأبشالوم كاشفًا عن شخصه بكونه رمزًا للدجال "ضد المسيح".

المزمور الثالث مرثاة شخصية، حيث يكشف المرتل عن مشاعره الخاصة بكونه في ذاته شخصًا ضعيفًا، يقف وحيدًا أمام جمهور شعب ثائر ضده؛ وفي نفس الوقت يحمل المزمور صبغة جماعية، فهو مزمور الجماعة كلها هو مزمور كل عضو فيها، ما يمس الشخص له فاعليه في حياة الجماعة. على أي الأحوال ينطبق هذا المزمور على كل إنسان متألم، خاصة متى شعر وسط آلامه كأن الكل قد اعتزله، حتى أحباؤه من حول يخونونه، ويحاصره كثيرون يقفون ضد.

يؤكد بعض الدارسين أن واضع المزمور بالضرورة ملك (كداود)، إذ يقوم ضده كثيرون [2]، وربوات الشعوب مصطفون عليه من حوله [7]؛ وإن كان آخرون يعدلون هذه النظرية متطلعين إلى أن واضعه إنسان إسرائيلي ({بما – من الشعب) اقتبس عبارات عن مراثٍ ملوكية[115].

يرى القديس أغسطينوس أن هذا المزمور كتبه داود الملك لكن على لسان ابن داود المسيّا الملك، إذ يقول: [تقودنا كلمات هذا المزمور إلى الاعتقاد بأنها تنطبق بالضرورة على شخص المسيح، فهي تتفق مع آلام الرب وقيامته أكثر مما تتفق مع هروب داود أمام ابنه المتمرد أبشالوم حسب ما قدمه لنا التاريخ].

جدير بالذكر أن هذا المزمور استخدم قديمًا في طقس إخراج الأرواح الشريرة، حيث ترى الكنيسة أن سلطانها على الشر وأرواح الشر إنما ينبعث عن قيامة السيد المسيح.


أقسامه:

1. مناجاة الرب             [1-2].

2. الإيقان بالقيامة           [3-6].

3. صرخة ثانية للمعونة     [7].

4. الخلاص من قبل الرب   [8].


الخط الواضح في هذا المزمور هو تمتعنا بالخلاص الإلهي خلال قيامة مسيحنا بالرغم من كثرة المقاومين لنا.


المسيح المُضطَهد:

1. "يارب لماذا كثر الذين يحزنوني؟" [1]. لقد طُرد داود من موضعه ومن المدينة الملوكية، وحُرم من تابوت العهد المقدس كما من شعبه؛ طرده أبشالوم الابن المتمرد الذي وضع في قلبه لا أن ينتزع عنه تاجه فحسب وإنما حياته نفسها أيضًا (1 صم 15)، لذا صار داود يشكو إلى الله ملجأه. عند هروبه صعد على جبل الزيتون في حزن شديد؛ وكان يبكي بكاء شديدًا، مغطيًا رأسه، حافي القدمين، ينشد ويصلي هذه المرثاة. بالحقيقة لم يكن ممكنًا للضيق أن يسحبه من الله بل بالعكس قاده إلى ظل قيامة المسيح ابن داود الذي اجتاز الضيق والآلام والصلب.

كان داود يتألم بسبب خطيته الخاصة بأمر أوريا الحثي، وقد أنذره الله بأنه سيقوم عليه من هو من أهل بيته (2 صم 12: 11)، لكن داود لم يفق ثقته بالله، فتحول حزنه إلى فرح، لأنه آمن بعمل الله الخلاصي.

اجتمع ضده عدد كبير من الأعداء، حتى الأصدقاء أداروا له ظهورهم [2]. هكذا تُرك المرتل وحيدًا ليجتاز المحنة؛ وبالإيمان تأكد أن الله لن ينساه. تركه الجميع – الأعداء والأصدقاء – فتمسك بالله أكثر[116].

يرى العلامة ترتليان أن هذه الصرخات إنما هي حديث السيد المسيح ابن داود مع الآب لحسابنا نحن المتألمين المتروكين كمن هم بلا عون: [اسمع منطوقات الابن مع أبيه: "يارب لماذا كثر الذين يحزنوني" كل المزامير التي تتنبأ عن شخص المسيح غالبًا ما يقدمها الابن في حوار مع الآب؛ أي تقدم لنا المسيح متحدثًا مع الله (الآب)[117]]. لقد كان للسيد المسيح أعداء كثيرون اشتركوا في صلبه، من قادة لليهود أشرار وجموع غفيرة، وأيضًا واحد من تلاميذه.

2. لاحظ داود أن غاية هؤلاء الأعداء الحاقدين هي أن يقلقوه؛ إذ قالوا له بتجديف إن الله عاجز عن أن ينقذه: "الخطر الذي يحدق به أعظم من أن يخلصه منه الله". هكذا سعوا في زعزعة ثقته بالله والخول به إلى اليأس[118].

*   "كثيرون يقولون لنفسي ليس له خلاص بإلهه" [2]...

هذا هو هدفهم في أحاديثهم: "فلينزل الآن عن الصليب إن كان ابن الله"، "خلص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها" (مت 27: 42)...

القديس أغسطينوس

هذه هي أخطر ضربة يوجهها العدو ضدنا، يفقدنا ثقتنا في الله مخلصنا ليدخل بنا إلى اليأس. لذلك عندما كتب القديس يوحنا الذهبي الفم إلى صديقه ثيؤدور الذي أحب امرأة يهودية فكسر نذر البتولية وفقد حياته في المسيح، إنه باليأس يصفع وجه مخلصه أكثر مما ارتكبه بالزنا، لأن اليأس هي خطية إلحاد: إنكار إمكانية عمل الله الخلاصي.

مهما بلغت خطايانا، يلزمنا أن نثق في الله مخلصنا واهب المغفرة، أما إن فقدنا الرجاء فباليأس تتسلل كل الخطايا (الشياطين) إلى حياتنا كما يقول القديس فيلكسينوس.

كان تمرد أبشالوم ضد داود تأديبًا له على خطية ارتكبها، فإن الخطية وليس ثورة الابن هي التي نزعت عنه مجده وجعلته مستوجبًا الموت (2 صم 12: 7).

3. "أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت" [5]. كثيرون يضطجعون ولا يستطيعون أن يناموا وذلك بسبب آلام الجسد أو قلق الفكر أو سيطرة الخوف الدائم عليهم؛ وكثيرون يضجعون وينامون لكنهم لا يستيقظون، إذ ينامون نوم الموت، كما حدث مع أبكار المصريين (خر 12: 29).

*   يمكننا بلياقة أن نلاحظ أن تعبير "أنا" هنا يشير إلى موت (المسيح) بإرادته، إذ يقول: "لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا؛ ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي؛ لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضًا" (يو 10: 17-18).

القديس أغسطينوس

*   "يارب لماذا كثر الذين يحزنوني؟" [1]... واضح إنهم ما كانوا يقتلونه لولا عدم إيمانهم بقيامته. كلامهم نفسه يشهد بهذه الحقيقة: "إن كان ابن الله فلينزل الآن عن الصيب"، "خلص آخرين وأما نفسه فلم يقدر أن يخلصها" (مت 27: 42).

القديس أغسطينوس

إن كان هذا المزمور يشهد للمسيح المتألم القائم من الأموات، فكما يقول القديس أغسطينوس ينطبق على كنيسة المسيح أيضًا بكونها جسده (1 كو 12: 27). بمعنى آخر هو مزمور كل واحد منا نحن الذين نئن مشاركين مسيحنا آلامه، متهلليل وسط الأنين ببهجة القيامة العاملة فينا كخبرة يومية نعيشها خلال الشركة مع الله.

+ إقرأ مزمور 3 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الرب مخلصي:

خلال الظل أدرك داود الملك بروح النبوة قوة قيامة المسيح، فصارت الآلام ليس علة لزعزعة ثقته بالله بل تأكيدًا لعمل الله الخلاصي، بكونه ترسه ومجده ورافع رأسه، رأى نفسه وهو طريد ينعم بالحضرة الإلهية كما في صهيون، كما لمس قوة الحياة الغالبة للموت.

1. حاول الأعداء زعزعة ثقة داود بالله، كما لو كان غير قادر أن ينقذه، لكن داود التصق بالقائم من الأموات، فرأى في الله ترسه ومجده ورافع رأسه [3].

أ. الله المخلص "ترسه" [3]: كانت الجماهير في صف أبشالوم، أما بالنسبة للملك داود المرذول الطريد، فكان الله هو حاميه وترسه، يخلصه من كل خطر يحدق به. الله هو المشجع له وواهب النصرة. يقول: "أنت ترسي لي" [3]. ليقولوا هم ما يشاؤون، إذ هو متأكد أن الله إلهه لن يتخلى عنه. له خبرة في التعامل، بكونه إلهه وحاميه.

*   عمل (الله) أن نغلب وننال النصرة باخضاع العدو في الصراع العظيم[119].

الشهيد كبريانوس

ب. الله مخلصه هو "مجده" [3]. صار داود في عار، فقط سقط التاج عن رأسه، وتمرد ابنه عليه، وثارت الجماهير ضده، لكن بقى الله هو مجده الداخلي وكرامته (إش 60: 19).

ج. اقتنع المرتل بأن الله هو مجده الداخلي الذي "يرفع رأسه" بالفرح فوق كل الضيقات؛ أي يرد له كرامته أمام أعدائه (إبليس وملائكته) وأمام البشر والخليقة السماوية، واهبًا إياه نصرة وخلاصًا، يسببان له بهجة!

2. طُرد داود الملك من المدينة المقدسة وحُرم من التابوت المُقام على الجبل المقدس، لكن الله الساكن هناك هو مالئ الأرض كلها يسمع صوت قلب داود الطريد أينما وُجد. بمعنى أنه لم يكن ممكنًا للأعداء إقامة هوة بين نعمة الله وداود رجل الله، القائل: "استجاب لي من جبل قدسه" [4]. بالإيمان تسلم داود رسائل سلام من الجبل المقدس بالرغم من طرده من هناك.

في (مز 2: 6) نرى السيد المسيح ملكًا على جبل صهيون المقدس، خلاله يسمع الآب صلواتنا ويستجيب لها.

الإشارة إلى جبل الله المقدس [4] كموضع هيكل الرب على الأرض مقابل الهيكل السماوي[120] تعلن بوضوح إمكانية تقديم كل مشكلة بشرية إلى الحضرة الإلهية المقدسة.

3. كان أبشالوم رمزًا للشيطان الذي يحرض الشعوب (اليهود والأمم) ضد ابن داود في معركة الكفارة. لهذا يرتل الأسقف أو الكاهن هذا المزمور في طقس دفن السيد المسيح في ختام الجمعة العظيمة، قائلاً "أنا اضطجعت ونمت" [5]، إذ دخل مسيحنا في معركة ضد إبليس الذي ظن أنه قادر على تحطيم المخلص بالموت والتخلص منه، ولم يدرك أن موته ليس إلا نوم يصحبه استيقاظ.

أطلق مسيحنا صرخات قوية في آلامه وسُمع له، لأنه الابن المطيع الذي يُسر الآب به، لهذا وإن اضطجع في القبر ونام نوم الموت لكنه حطم العدو وقام في اليوم الثالث في عدم فساد.

بدأ المرتل بمشهد ساحة المعركة، لكن على الفور ركز نظره على الرب مصدر النصرة والسلام والخلاص، وعلى بركات الرب على شعب الله. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). إنها معركة إلهية خلالها ننال بمسيحنا الغلبة على العدو غير المنظور، ويتحقق خلاص الله فينا، ويتبارك شعبه [8].

دُعي هذا المزمور "مزمور الصباح"، إذ يعلن داود النبي أنه قد اعتاد أن ينام في سلام كامل حتى إن اقتفى الأعداء أثره، وذلك لثقته في الرب. ونحن نصلي في كل صباح لنشكو لدى مخلصنا رذائل وشهوات كثيرة تهاجم أذهاننا بناموس الخطية. إنها تهزأ بنفوسنا، لكننا نترجاه لأنه مخلصنا.

+ إقرأ مزمور 3 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صوت القلب:

المرتل الذي اعتاد أن يعبد الله أمام التابوت المقدس في المدينة المقدسة نراه الآن يسير بعيدًا حافي القدمين، يسكب قلبه أمام الرب الذي يستجيب له من جبل الكنيسة "مقِدسة"، كما لو كان داود وهو مطرود قائمًا داخل بيت الله أو في السماء عينها.

*   "بصوتي إلى الرب صرخت" [4]، لا بصوت جسماني يخرج محدثًا ذبذبات في الهواء، وإنما بصوت القلب الذي لا يتحدث مع البشر بل مع الله، فيخرج كصرخة. بهذا الصوت سُمعت سوسنة، ومن أجل هذا الصوت أمر الرب أن تكون الصلاة في المخدع (مت 6: 6)، حتى يتحقق هذا الصوت في أعماق القلب في هدوء... هذه هي صلاة كل القديسين، رائحة عذوبة تصعد أمام عيني الرب.

القديس أغسطينوس

يقول العلامة ترتليان[121]: [إن هذا هو صوت الكلمة الذي اعتاد أن يتحدث في الأنبياء، الآن هو يصلي لأبيه. فلو أنه صوت داود لماذا يقول "بصوتي" [4]؟ إذ لا حاجة للقول هكذا، مادام كل جسد يصرخ بصوته. إنما المسيح ينطق بهذا كي يعلن حبه، صارخًا بصوته الشخصي، وليس خلال الأنبياء، ليسأل الآب من أجلنا. ويرى القديس يوستين[122] أن الرب الذي بقى على الخشبة حتى قرب المساء ودفن وقام في اليوم الثالث هو الذي صرخ فاستجاب له.

إن كان الصراخ قد صدر عن السيد المسيح كممثل لنا واستجاب له الآب لحسابنا، فإن هذه الاستجابة صدرت "من جبل قدسه" [3] الذي هو المسيح... وكأن كل استجابة إنما تتحقق لنا خلال مسيحنا، أو خلال إيماننا به. يتحدث القديس أغسطينوس عن السيد المسيح بكونه "الجبل" قائلاً: ["استجاب لي من جبل قدسه". يستخدم نبي آخر تعبير "الجبل" ليعني به ربنا نفسه، إذ يكتب: "قُطع حجر بغير يدين... فصار جبلاً كبيرًا" (دا 2: 34-35)].

+ إقرأ مزمور 3 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


المسيح القائم من الأموات:

"أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت، لأن الرب ناصري" [4]
. يتحدث المرتل عن الهدوء الداخلي الذي يملأ أعماقه وهو مزمع أن يسترسل للنوم في رعاية الله بالرغم من المخاطر العديدة التي تحيط به، وذلك لثقته بالرب. حقًا كانت تلك الليلة حالكة الظلام، ليلة تجارب خلالها صارع كثيرًا، فازدادت بالأكثر ثقته بالرب واستقرت. خلال ليلة التجارب يشرق شمس البر في قلوبنا واهبًا إيانا الحياة المفرحة المقامة.

يتحدث المرتل عن الموت بكونه نومًا، والقيامة بكونها استيقاظًا، لأن انفصال الجسد عن النفس بالنسبة للمؤمن هو نوم مجرد ومؤقت، أما انفصال النفس عن إلهها فهو موت أبدي.

*   الخاطى وهو حيّ ميت لله؛ والبار وإن مات فهو حيّ لله. فإن مثل هذا الموت هو نوم كقول داود: "أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت" [4]. ويقول إشعياء: "يستيقظ الراقدون في التراب" (26: 19). وقال ربنا عن ابنة رئيس المجمع: "إن الصبية لم تمت لكنها نائمة" (مت 9: 24)، وعن لعازر قال لتلاميذه: "لعازر حبيبنا قد نام؛ لكني أذهب لأوقظه" (يو 11: 11). ويقول الرسول: "لا نرقد كلنا ولكننا كُلّنا نتغيير" (1 كو 15: 15)، وأيضًا: "من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا" (1 تس 4: 13)[123].

الأب أفراهات

أوضح القديس يوستين في دفاعه الأول أن المتحدث هنا هو الابن[124].

*   ليس فقط يدعو قيامة المسيح إستيقاظًا من النوم على سبيل الشبه، وإنما يحسب نزول الرب إلى التجسد (إخلاء ذاته) نومًا[125].

القديس اكليمندس الإسكندري

+ إقرأ مزمور 3 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


أسنان الخطاة:

لا يقصد بها المعنى الحرفي المادي وكما يقول العلامة أوريجانوس: [واضح تمامًا أنه في هذه العبارات (مز 3: 7؛ 5: 9؛ 55: 9 الخ...) لا تُستخدم الأعضاء بقصد الجسد المنظور بأية وسيلة وإنما تشير إلى أعضاء النفس غير المنظورة وقواها].

"أسنان الخطاة هشمتها" [7].

يُشبه المتمردون ضد الملك (داود) بالحيوانات الضارية؛ أسلحتهم المقاومة تكمن في أسنانهم، لذلك يصلي داود إلى الرب كمحارب أن يحطم أعداءه وينزع عنهم سلاحهم.

يضرب الرب الأعداء بقيامته، فيكون كمن هشم أسنان الحيوانات المفترسة ليقدمهم في ضعف أمام الأطفال، يسخرون بهم.

"أسنان الخطاة هشمتها" [7]... أي كلمات الأشرار الذين يلعنون ابن الله فتصير كلا شيء، ينزل بها كما إلى التراب. هكذا نفهم "الأسنان" على أنها كلمات اللعنة (غلا 5: 15)...

*   يمكن أيضًا فهم أسنان الخطاة على أنها القيادات الشريرة، إذ تمارس سلطانها على الناس ليتركوا الطريق المستقيم، وينضموا إلى جماعة فاعلي الشر. هذه الأسنان تُضاد أسنان الكنيسة، التي بسلطتنها يُنتزع المؤمن من أخطاء الوثنية والأخطاء الهرطوقية، ويتحولون إلى جسد المسيح. بهذه الأسنان طُلب من بطرس أن يأكل الحيوانات عندما ذُبحت، أي بقتل ما في الأمم (من وثنية) وتحويلهم مما هم عليه إلى ما هو عليه (كعضو في جسد المسيح).

القديس أغسطينوس

الأسنان التي تُسّن ضد الله وضد شعبه تتهشم، لأن ذراع الله لا تقصر عن أن تخلص!

+ إقرأ مزمور 3 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


للرب الخلاص:

"للرب الخلاص، وعلى شعبه بركته" [8].

ماذا يعني هذا؟ لا فضل للإنسان نفسه، إنما الفضل للرب الذي وحده يخلصنا من موت الخطية.

ينتهي المزمور بنغمة النصرة. هذه الفقرة ربما كانت تُرنم كقرار تنشده كل الجماعة التي تقف أمام الرب الملك، حيث يُستعلن مجد الرب في خلاص شعبه ومباركتهم. وكما كتب القديس إيريناؤس: [مجد الله هو حياة الكائن البشري Gloria Dei Vivens homo].

يتمجد الله في الإنسان بعطية الحياة والخلاص... لذا جاء المزمور يحمل خطًا واضحًا هو أن الله مخلص شخصي للإنسان كما هو مخلص شعبه كجماعة.

*   "كثيرون يقولون لنفسي ليس له خلاص بإلهه، أما أنت يا رب فترس لي، مجدي ورافع رأسي" [2-3].

ما كان للأعداء أن يترجوا تحطيم الكنيسة المنتشرة في كل موضوع لو لم يحسبوا أن الرب لا يبالي بها...

"رافع رأسي" الذي هو المسيح، لأنه إذ تأنس صار الكلمة جسدًا وحلّ بيننا (1 يو 1: 14)، أقام الكنيسة فيّه، وأجلسنا معه في السمويات (أف 2: 6). إذ يسبق الرأس ويرتفع تتبعه الأعضاء الأخرى، لأنه "من سيفصلنا عن محبة المسيح؟!" (رو 8: 35). إذن بحق تقول الكنيسة: "أنت مجدي ورافع رأسي".

القديس أغسطينوس

يقارن القديس أغسطينوس بين المدينة الأرضية والمدينة السماوية المجيدة، قائلاً:

[ترفع المدينة الأرضية رأسها في مجدها الذاتي، أما السماوية فترفعها في الله: "مجدي ورافع رأسي".

في الأولى تحكم الشهوة المسيطرة على أشرافها في الأمم الخاضعة لها، أما في الثانية فأصحاب السلطة والخاضعون يخدمون بعضهم بعضًا بالمحبة؛ يقدم المسئولون مشورة ويقدم الخاضعون الطاعة.

مدينة تحب قوتها الذاتية المعلنة في قادتها الأقوياء، والثانية تقول لإلهها: "أحبك يا ربي، قوتي!" (مز 18: 1)[126]].

عندما يسخر الأعداء يستخدمون التعبير العام لله "إلوهيم" [2]، قائلين له إن الله يتخلى عنه، بينما يستخدم المرتل "يهوه" عندما يعبر عن الله الذي يدخل في ميثاق مع شعبه ويخلصهم...

إذ ننشد هذا المزمور ونحن نتألم نحسب أنفسنا شركاء آلام مسيحنا، نائلين قوة قيامته كسرّ شبع لنا من جوانب متعددة:

1. ننعم بالحياة المقامة [5].

2. نتخلص من الخوف من الأعداء الذين بلا حصر، المحيطين بنا والقائمين علينا [6].

3. تتهشم أسنان الأشرار (أي شرهم) لعلهم ينصلحون بالتوبة.

4. يتمجد الله فينا بخلاصنا [8].

5. يبارك الله شعبه [8].

بمعنى آخر يشعر داود أن خلاصه الذي ناله من الله بصفة شخصية له فاعليته لا على حياته فحسب بل وعلى حياة الأشرار الذين يشهد لله أمامهم، وعلى الشعب ككل إذ ينالون بركته.

ملاحظة: يليق بنا أن نذكر أن الحروب والمعارك الواردة في العهد القديم هي حقائق تاريخية تقدم مفاهيم روحية بالنسبة للمسيحي، متطلعًا إلى الشيطان والخطايا كأعدائه الحقيقيين.

*   ما لم تُحسب هذه الحروب الجسدية (الواردة في العهد القديم) رمزًا للحروب الروحية، ما كنت أظن أن الرسل يقدمون الأسفار التاريخية اليهودية لتُقرأ في الكنائس بواسطة أتباع المسيح... هكذا إذ يدرك الرسول أن الحروب الجسدانية تحولت إلى معارك خاصة بالنفس ضد الأعداء الروحيين لذا كقائد حربي أوصى جنود المسيح، قائلاً: "إلبسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس" (أف 6: 11)[127]]

العلامة أوريجانوس

+ إقرأ مزمور 3 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صلاة

*   لماذا كثر الذين يحزنوني؟ ليدخلوا بي حتى إلى القبر... هناك أجدك قائمًا من الأموات، فأقوم معك!

*   لماذا يُحطمني الأعداء باليأس؟ أنت مجدي ورافع رأسي؟

*   هشّم يارب أسنان الأشرار، أما نفوسهم فخلصها!

+ إقرأ مزمور 3 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 4 PDF Print Email

الله برّي

العلاقة بين المزمورين الثالث والرابع:

توضح هذه المرثاة الثقة القوية في رعاية الله للأتقياء أكثر من أي سفر آخر، ويمكننا أن نطلق عليهما "أغنية الثقة"[128]!

بحسب ما ورد في الآيتين 4 و8 يمكن أن يدعى هذا المزمور "تسبحة المساء". بهذا يرتبط بالمزمور الثالث بكونهما صلاتين للمساء والصباح، يشتركان معًا حتى في الكلمات والعبارات التي تُعتبر مفتاحًا لفهم المزمور.

"المساء" هو المناسبة التي تخص المزمور، لكن صُلْب المزمور هو الاهتمام بالسلام الداخلي في المواقف المحيرة [8]. اقتراب الليل وما يتبعه من إغراء للاسترسال في التفكير في الخطايا السابقة [4] وفي المخاطر الحالية هو الذي دفع داود النبي للإفصاح عن إيمانه، حاثًّا الآخرين على الإيمان كالتزام شخصي للإنسان نحو خالقه الأمين[129].

تمرد أبشالوم على أبيه داود الذي كان وراء المزمور الثالث يمكن أن يكون وراء هذا المزمور أيضًا كخلفية له. فإننا نرى داود هنا كما في المزمور السابق في مهانة [2]، مُحاطًا بالأكاذيب [2] وبالسخط والكآبة [6]. ولما كانت هذه المشاعر يمكن أن تنتج عن سبب أو آخر في حياة الإنسان، لذلك يُستخدم المزمور في العبادة الجماعية كما في العبادة الخاصة[130].

اختبر داود النبي الرحمة الإلهية بكونها كنزه الداخلي وعونه القوي الذي يمكن أن يتكئ عليه على الدوام في أية ضيقة تواجهه. هذه الرحمة الإلهية منحته اتضاعًا حقيقيًا، فلا يتكل على برّه الذاتي بل على برّ الله واهب النصرة.

يحث داود النبي ابنه أبشالوم والجماهير التي تبعته دون معرفة، (إذ خدعها أخيتوفل – المفسد الحقيقي) على التوبة والتمتع بالحياة التقوية المفرحة التي يتمتع هو بها.

+ إقرأ مزمور 4 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


عنوان المزمور:

بحسب الترجمة السبعينية: "إلى النهاية مزمور لداود"

لما كان هذا المزمور يتحدث عن "الله برّي" جاحدًا البرّ الذاتي، لهذا فإن "إلى النهاية" إنما تعني "السيد المسيح" الذي هو غاية أو نهاية حياتنا، هو برنا؟

*   "لأن غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن" (رو 10: 4). فإن هذه النهاية (الغاية) تعني كمالاً لا استهلاكًا!

القديس أغسطينوس

*   عندما يُقرأ المزمور وتسمع "إلى النهاية، مزمور لداود" لا تفهم هذا إلا عن المسيح، إذ يقول الرسول: "غاية الناموس هو المسيح للبر". إن جئت إلى آخر غيره أعبر عنه لكي تبلغ إلى النهاية[131].

الأب قيصريوس أسقف آرل

يرى البعض أن "إلى النهاية" تفترض أن المزمور يُرنم دائمًا، أو كثيرًا ما يُرتل؛ هذا يعني أن المزمور ذو قيمة عظيمة ونفع كبير.

وجاء العنوان في النص العبري "لإمام المغنين على ذوات الأوتار (على نيجينوث Neginoth)".

خمسة وثلاثون مزمورًا والأصحاح الثالث من سفر حبقوق موجه إلى "إمام المغنين". فقد قُسم المرتلون والمسيقيون إلى أقسام. الكل يتنبأ حسب نظام الملك (1 أي 25: 2) يستخدم البعض قيثارات لتقديم الشكر والتسبيح للرب وآخرون يستخدمون القرن. الكل يترنم في بيت الرب ويترنمون تسابيح الرب.

تقديم المزمور لشخصية متعبدة عامة تعني تقديمها للكنيسة كلها وليس لشخص واحد، إنه مِلْكٌ عام للجميع[132]!


الإطار العام Outline:

1. صرخة افتتحاية للنجدة             [1].

2. المصاعب التي تواجهه            [2-6].

3. الفرح الداخلي والسلام             [7-8].

+ إقرأ مزمور 4 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. الحياة البارة:

"إذا دعوت استجبت لي يا إله بري" [LXX 1]:

ربنا هو برنا؛ وكما يقول القديس بولس: "لأن غاية الناموس هو المسيح للبر لكل من يؤمن" (رو 10: 4).

+ إقرأ مزمور 4 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. الحياة المتسعة (الرحبة):

يدعونا ربنا إلى حمل صليبه والسير في الطريق الضيق. وبمشاركتنا إياه في صليبه ننعم برحابة الأفق واتساع القلب بقوة قيامته المجيدة المفرحة.

*   "في الضيق رحَّبت لي" [1]. قدتني من ضيق الحزن إلى طريق الفرح المتسع...

عندما أعلن (داود) أن اُستجيب له، في اتساع قلبه فضل الحديث مع الله (عن أن يتحدث مع أبشالوم والجماهير)، حتى أنه بهذه الطريقة يرينا كيف يكون اتساع القلب، أي أن يمتلك الله داخل القلب، فيدخل معه في حوار داخلي.

القديس أغسطينوس

*   خلال التعاون مع كلمة الله وحضوره يشجعنا ويخلصنا؛ بعون الله يصير ذهننا متهللاً وشجاعًا وقت التجربة؛ هذه الخبرة تُدعى "اتساعًا"[133].

العلامة أوريجانوس

*   مع أن طريق الملكوت ضيق وكرب بالنسبة للإنسان، لكنه متى دخله رأى اتساعًا بلا قياس، وموضعًا فوق كل موضع، إذ شهد بذلك الذين رأوا عيانًا وتمتعوا بذلك.

(يقول البشر في الطريق): "جعلت أحزانًا على قوتنا" (مز 66: 11)، لكنهم عندما يروون فيما بعد عن أحزانهم يقولون: "اخرجتنا إلى الخصب" (مز 66: 12)؛ وأيضًا: "في الطريق رحَّبت لي" [1] [134].

البابا أثناسيوس الرسولي

[لم يقل: "لم تسمح لي بالوقوع في الألم"، ولا قال: "نزعت ألمي سريعًا" إنما أكمل "أخرجتني إلى الرحب" (دا 3: 21)، أي منحتني الكثير من الحرية والراحة. هذا ما حدث فعلاً مع الثلاثة فتية، فإنه لم يمنع القاءهم في الأتون ولا أطفأ النار بعد القائهم، لكنه بينما كان الأتون يزداد التهابًا وهبهم الحرية[135]].

ببر السيد المسيح نقتني القلب المتسع، بينما خلال الخطية نُعاني من "ثقل القلب"، لهذا يضيف المرتل: "يا بني البشر حتى متى تثقل قلوبكم؟!" [LXX 2]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن "ثقيل القلب" مثقل بالارتباكات الأرضية عوض التأمل في الإلهيات (راجع لو 21: 34). ويسألنا القديس أغسطينوس أيضًا ألا ننشغل بالأرضيات، قائلاً: [هنا ربما يلاحظ أحدكم العبارة السابقة: "حتى متى تحبون الباطل وتبتغون الكذب؟" [2]، وكأنه يقول: لا تحنِّ إلى التفاهات الفارغة ولا تبحث عن الأباطيل].

اتساع القلب – في رأي القديس أغسطينوس – يُقتنى بالروح القدس الذي يسكب الحب في القلب.

على نقيض أصحاب القلوب المتسعة يوجد ثقيلوا القلب والكاذبون الذين يسعون وراء الباطل. لهذا يقول المرتل:

"يا بني البشر حتى متى تثقل قلوبكم؟!

لماذا تحبون الباطل وتبتغون الكذب؟!" [2].

من يذم المرتل ويطلق عليه الكاذيب لا يرتاب فقط في كرامته كإنسان إنما يُهاجم الله نفسه بطريقة غير مباشرة. مجد المرتل يمكن في ثقته في الله[136].

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [إن ثقيل القلب الباحث وراء الكذب لا يدعو الله السماوي أباه، إنما يدعو الكذاب وأب كل كذاب أباه (يو 8: 44).

يترجم البعض "رحَّبت لي" ب "أعطيتني موضعًا عندما كنت في الضيق" [1]. ما هو هذا الموضع؟ إنه في حضن الآب، فإننا إذ نشارك السيد المسيح آلامه نجد موضعًا لنا في حضن الآب.

+ إقرأ مزمور 4 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. الحياة المقدسة:

"إعلموا أن الرب قد جعل قدوسه عجبًا" [3].

الكلمة العبرية Hasid هي إحدى كلمات عديدة تعني شعب الله، وتشير إليهم كشعب مكرس أو يجب أن يكون مكرَّسًا ومُخلِصًا لله. هنا يريد المرتل من أصدقائه كما من أعدائه أن يفتحوا عيونهم الداخلية لمعاينة مجده، طالبًا منهم أن يحولوا أفكارهم من الأحزان الخارجية إلى الرب السماوي غير المنظور، الذي ليس فقط يساعده وإنما يمجده أيضًا. ونحن أيضًا نتمجد في السيد المسيح ربنا إن قبلنا الحياة المقدسة بعمل روحه القدوس فينا.

بعد قوله: "اعلموا أن الرب قد جعل قدوسه عجبًا" أضاف "اغضبوا ولا تخطئوا" [LXX 4]، وقد استشهد القديس بولس بهذه الترجمة السبعينية في رسلته إلى أهل أفسس (4: 26).

*   يمكن فهم (هذه العبارة) بطريقتين: إما بمعنى أنه وإن غضبت فلا تخطئ، أي أنه حتى إذ ما ثار انفعال في النفس فبسبب العقوبة لا تقدر أن تتمم الخطية؛ أي لا تجعل العقل أو الذهن الذي جدده الله يخطئ. فبالذهن تخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية (رو 7: 25). وإما بمعنى قدموا توبة، أي اغضبوا على أنفسكم بسبب خطاياكم السابقة ومن الآن فصاعدًا كفوا عن فعل الخطية!

القديس أغسطينوس

*   ليتنا لا نستخدم القدرات التي وهبنا إياها الخالق لأجل خلاصنا كفرصة أن نخطئ ضد أنفسنا. لكي نوضح ذلك، الغضب متى استثير في الوقت المناسب وبأسلوب لائق يُنتج شجاعة وصبرًا وضبطًا للنفس، أما إذا اُستخدم لسبب غير لائق يصبح الغضب هنا حماقة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لذلك يحذرنا المرتل: "اغضبوا ولا تخطئوا" [5].

يهددنا الرب بإدانة من يعطي طريقًا للغضب بسهولة، ولكنه لا يمنع توجيه الغضب إلى هدفه الصحيح كعلاج[137].

القديس باسيليوس الكبير

*   كونك تغضب ليس خطية، إنما الخطية هي أن تغضب بلا سبب، لهذا قال النبي: "اغضبوا ولا تخطئوا"[138].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   ليكن لفمك باب، يُغلق عند الضرورة، وليُدعم بمزلاج محكم، فلا يقدر شيء ما أن يثير صوتك بالغضب ولا أن ترد الفساد بلفساد، فقد سمعت اليوم ما تُملى على مسمعك: "اغضبوا ولا تخطئوا"[139].

القديس أمبروسيوس

*   أي شيء أكثر برًا من أن يغضب كل أحد على خطاياه الخاصة أكثر من خطايا الآخرين، فإنه إذ يُدين نفسه يقدم ذبيحة لله؟!

القديس أغسطينوس

*   "أغضبوا ولا تخطئوا" [4]، أي لا تمكثوا في الغضب؛ أو تسترسلوا فيه[140].

العلامة ترتليان

*   "الذي تقولونه في قلوبكم اندموا عليه في مضاجعكم" [5]. بمعنى أن كل ما تفكر فيه في قلبك بسبب إثارة مفاجئة، اِصلحه وقوّمه بالندم الكامل، طارحًا إياه كما على فراش الراحة، منتزعًا كل اضطرابات الغضب وضجيجه بروح المشورة المعتدلة[141].

القديس يوحنا كاسيان

يقول المرتل: "الذي تقولونه في قلوبكم اندموا عليه في مضاجعكم" [4]. ربما تشير "المضاجع" هنا إلى أماكن الصلاة بتذلل بالانطراح أرضًا (مز 95: 6)[142]. بالتوبة نتمتع بالحياة المقدسة واتساع القلب.

*   في الليل يمكننا التذكر دائمًا، إذ تكون النفس هادئة في راحة، تكون في المساء، تحت سماء صافية[143].

*   إن فعلت هذا كل يوم، فستقف بكل ثقة أمام كرسي الدينوة المخيف[144].

*   اعتنا أن نحسب ما لدينا من أموال في الصباح، وأيضًا بعد العشاء في المساء ونحن مسترخون على مضطجعنا، حيث لا يوجد من يقاطع تفكرنا. ليتنا نطالب أنفسنا بمحاسبة كل ما نقوله أو نفعله خلال النهار، فإن وجدنا خطية ما فلنلم ضمائرنا ولنوقع تأديبًا على فهمنا وننخس عقولنا بقوة، حتى إذا ما استيقظنا في الصباح نذكر هذا التأديب الذي سقطنا تحته بالليل فلا ننقاد ثانية إلى عمق الخطية[145].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   لنحزن ونحن على مضاجعنا، أي في قلوبنا على كل سقطاتنا، لندن أنفسنا كل يوم، مشتكين أنفسنا أمام دياننا[146].

الأب قيصيوس أسقف آرل

+ إقرأ مزمور 4 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


4. الحياة المضحية (ذبيحة) The Sacrificial life:

"اذبحوا ذبيحة البرّ" [5]: يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [نل البر، اصنع البر، وقدمه ذبيحة لله].

*   الذبائح التي تقدم من خلال النفس... لا تحتاج إلى جسد ولا إلى أدوات (ذبح) ولا إلى أماكن خاصة لتقديمها، فإن كل شخص هو الكاهن، يُقدم العفة وضبط النفس والرحمة واحتمال الاضطهاد والتألم واتضاع الفكر[147].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   "اذبحوا ذبيحة البر، وتوكلوا على الرب" [5]. يقول المرتل في موضع آخر بأن ذبيحة العدل يمكن أن تنطبق على عمل الندامة. أي عدل أكثر من أن يلوم الإنسان نفسه بشدة من أجل خطاياه بدلاً من أن يلوم الآخرين على خطاياهم، فيحكم على نفسه كمحرقة لله؟

*   أو هل تشير ذبيحة العدل إلى الأعمال الصالحة التي تُمارس بعد التوبة؟ عندما يموت الإنسان العتيق أو يضعف بسبب أعمال التوبة. فالإنسان المولود من جديد عن طريق التجديد يقدم لله ذبيحة عدل؛ النفس التي تطهرت تقدم نفسها على مذبح الإيمان لكي تموت بالنار المقدسة التي هي الروح القدس.

القديس أغسطينوس

*   لقد أدركوا معرفة الوقت الذي فيه يستمر الظل (الذبائح الحيوانية) وألا ينسوا الوقت الذي كان يقترب جدًا، والذي فيه لا تقدم العجول كذبائح لله، ولا الحملان أيضًا ولا الكباش (خر 12: 5)، وإنما تتحقق هذه الذبائح بطريقة روحية طاهرة، خلال (ذبيحة) الصلاة الدائمة والحوار المستقيم بكلمات تقوية. وكما يترنم داود قائلاً: "ليكن تأملي موضع سروره؛ لتستقيم صلاتي كالبخور قدامك، ليكن رفع يديّ كذبيحة مسائية" (راجع مز 104: 34؛ 141: 2). يقول أيضًا الروح الذي في (داود) موصيًا: "قدموا لله ذبيحة التسبيح، أوفوا للرب نذوركم؛ قدموا ذبائح البر وتوكلوا على الرب" (مز 50: 4؛ 4: 5)[148].

البابا أثناسيوس الرسولي

تقديم ذبيحة البر تعني أيضًا انفتاح القلب تجاه الغير، فلا يقف الإنسان عند الجهاد بنعمة الله في التوبة وممارسة البر وإنما أيضًا يحث الآخرين على الاتكال على الله للتمتع بذات الخبرة؛ لذلك يضيف المرنم:

"كثيرون يقولون: من يرينا الخيرات؟

قد أضاء علينا نور وجهك يارب" [6]

أدرك المرتل أن كثيرين حوله معرضون لخطر الاستسلام لليأس الشديد وإلى تجارب مؤلمة، فهم يُستهلكون في انفعالاتهم وشعورهم بالضيق متساءلين: ماذا يفعل الله في هذا الأمر؛ "من يرينا الخيرات؟" يرشدهم المرتل ليتمتعوا بنفس الخيرات التي نالها هو، موقظًا فيهم فرح الرب كهبة إلهية.

يقول واضع كتاب "الدرجات": [هؤلاء الذين يحاربون الشيطان ويهزمونه، يستحقون هذه الكنيسة العليا التي فوق الكل، هذه التي فيها يشرق ربنا بوضوح، ويتقبلون نور وجهه المجيد[149]].

+ إقرأ مزمور 4 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


5. الحياة المفرحة في المسيح:

"ملأت قلبي سرورًا" [7]: القلب في لغة الكتاب المقدس يعني مركز الروح الإنسانية التي تنبع منها المشاعر والأفكار والدوافع والشجاعة والعمل[150].

الفرح الداخلي والبهجة والسلام والأمان كلها هبات إلهية، تُعطى للذين يعترفون بأن الله هو برّهم، حتى في لحظات ضيقهم. ففرح النبي كان أعظم بكثير من الذين كانوا ضد الله وهم في وقت الحصاد.


6. الحياة المستنيرة:

"قد أضاء علينا نور وجهك يارب" [6]. ففي السيد المسيح تستنير النفس وتُختم بنور وجهه بهذا يتحقق اصلاحنا وننال صورة الله ونصير على مثاله.

لقد أضاء وجه موسى النبي عندما دخل في علاقة وثيقة مع الله.

*   "قد أضاء علينا نور وجهك يارب" [6]... لقد انطبع علينا كما تُطبع صورة الملك على العملة، كقول المرتل. فقد خلق الإنسان على صورة الله ومثاله، لكنه بالخطية شوّه هذه الصورة (تك 1: 26). لذلك يجب أن يُختم صلاحه الدائم والحقيقي بالتجديد.

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 4 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


7. في وحدانية الفكر In Singleness (Single-Minded):

"لذلك أنت يارب بوحدانية In Singleness اسكنتني على الرجاء" [LXX 9]. يقول أنسيموس الأورشليمي: [إن ربنا قد صار وحيدًا في صلبه، فريدًا في مجده]. ويقول القديس أغسطينوس: [إن المؤمنين في العصر الرسولي كانوا قلبًا واحدًا ونفسًا واحدة (أع 4: 32)]؛ ونحن أيضًا يلزمنا أن نكون محبين للأبدية والوحدة ما دمنا نرغب في الدخول إلى حضن الله الواحد.

اقتراب المرتل إلى الله سمح له بتحذير الذين ابتعدوا عن الله لكي يرجعوا ويتحدوا معه [3-6]، هذا الاقتراب أيضًا جعل من المرتل نموذجًا لتمتع بالبركات الإلهية [7-9][151].

+ إقرأ مزمور 4 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صلاة

*   ما أعذبك أيها الضيق... خلالك يهبني مسيحي المصلوب القلب الرحب المتسع بالحب لكل البشرية!

*   هب لي أيها الحب الإلهي أن أغضب ولا أخطئ! أغضب لا على أخوتي بل على خطاياي... فأُدين نفسي! قدس أيها الحب غضبي!

*   بقيامتك أشرقت يا شمس البر على وجهي ببهائك وجلالك، وأفضت ببهجة خلاصك في قلبي، واشبعتني بدسم حبك، ووهبتني سلامك الفائق! قيامتك هي بهائي وبهجتي وشعبي وسلامي!

 

+ إقرأ مزمور 4 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 5 PDF Print Email

ضد المسيح (المجدَّف ورجل الدماء)

في هذه المرثاة، يحوّل داود النبي اهتمامه إلى أختيوفل المستشار الشرير لأبشالوم، والمشبَّه بضد المسيح (6). يُظهر المرتل هنا التضاد بين أمان البيت الله (8-9؛ 12-13) والخطر الذي يُلحق بمصاحبة الشرير (5-7؛ 10-11). يقارن المرتل بين نفسه وأخيتوفل، بكونه رمزًا للكنيسة – بيت الله الروحي – المتحدة مع ابن داود، والتي تدخل في معركة مستمرة مع ضد المسيح؛ بينما يمثل أخيتوفل ضد المسيح واتباعه الشعب الشرير.

صلاة هذه المرثاة، صلاة شخصية عميقة؛ تمس في نفس الوقت حياة المؤمن بكونه عضوًا في الكنيسة الواحدة. وكما سبق فقلت إننا في عبادتنا لا يمكننا أن نفصل حياتنا الشخصية عن الحياة الجماعية. هنا يبدأ المرتل بدعاء شخصي، فيقول: "كلماتي، صراخي، ملكي وإلهي" [1-2]، ويختتم المزمور باتجاه جماعي، فيقول: "يفرح جميع المتكلين عليك، يبتهجون إلى الأبد" [11]. هذه المرثاة تخص كل شخص أيّا كان عمره، كما تخص الكنيسة ككل.

من بين الخمس مقطوعات الشعرية stropes للمزمور تتحول ثلاث منها بالكامل نحو الله تتخللها مقطوعتان هما شكوى ضد العدو مقدمه لله بانفعال. وقد جاء المزمور ككل يفسر روح الصرخة الواردة في الآية "ملكي وإلهي"[152].

هذا المزمور يسندنا عندما نكون في أسوأ أزمات الخيانة التي قد تحدث من أحد أفراد الأسرة أو من الجماعة.

نسبح بهذا المزمور كل صباح في صلاة باكر لنمتلئ رجاءًا.

يبدو أن هذه المرثاة الصباحية كانت تردد في الهيكل مرتبطة بطقس الذبيحة الصباحية (3، 7؛ 2 مل 3: 20؛ عا 4: 4)[153].

يصنف Dahood هذا المزمور ضمن "مزامير البراءة Psalms of Innocence" (مز 5؛ 17؛ 26؛ 139). لم يفكر المرتلون والأنبياء أن ينكروا خطاياهم قط، إنما كانوا يتضرعون لكي يخلصوا منها؛ فلا تقوم براءتهم على برّهم الذاتي، وإنما تعتمد على النعمة التي صارت لهم عند الله، خلال رغبتهم الصادقة للاتحاد معه. بمعنى آخر كانوا أبرياء من جهة الاتهامات الباطلة التي اعتاد الأشرار أن يثيروها ضدهم.


الإطار العام:

1. توسل إلى الرب                   [1-3].

2. لا اتفاق بين الله والشر             [4-6].

3. البار يعبد الله                      [7-8].

4. الهتاف الليتورجي والبركة         [12-13].

+ إقرأ مزمور 5 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


عنوان المزمور:

جاء عنوان المزمور في العبرية: "لإمام المغنين على ذوات النفخ Nehiloth، مزمور لداود"، وفي الترجمة السبعينية: "حتى النهاية، للوارثة، مزمور لداود".

1. لشرح "لإمام المغنين" أنظر شرح المزمور الرابع: عنوان المزمور.

2. تُشرح كلمة Nehiloth بطرق مختلفة:

* يعتقد البعض أنها تعني "جيوشًا"؛ هذا يقتضي أن تكون الكلمة السابقة لها هي "ضد" أو "مقابل" وليس "على upon"؛ لكي تُقرأ "لإمام المغنين، ضد الجيوش". يفترض هذا التفسير أن هذه الأنشودة يُسبَّح بها مقابل فرق الأعداء التي قامت لتهاجم المدينة؛ لكن هذا الرأي يرتكز على أساس واهٍ جدًا[154].

* يظن البعض أن كلمة Nehiloth هي الكلمة الأولى لأغنية ما مشهورة، تدل على اللحن الذي يُغنى به المزمور.

* يترجمها البعض "آلات نفخ"، لتقابل كلمة Niginoth في المزمور السابق بمعنى "آلات وترية".

* يضع البعض كلمة "وارثة" بدلاً من كلمة "Nehiloth"، معتمدين في ذلك على العنوان الوارد في الترجمة السبعينية، بفرض أن داود هنا يدعو الأسباط الإثنى عشر وارثة، وأن هذا المزمور هو صلاة لأجل شعب إسرائيل[155].

3. جاء العنوان في الترجمة السبعينية "إلى النهاية". وكما يقول القديس أغسطينوس: ["لأن غاية (نهاية) الناموس هي المسيح، للبر لكل من يؤمن" (رو 10: 4)، ومع ذلك فإن هذه النهاية تعني الكمال لا الفناء]. ويعلق القديس جيروم، قائلاً: [الوعد بميراثنا لم يحدث في البداية بل في نهاية العالم... هذا بالتدقيق ما يعنيه الرسول يوحنا بقوله: "يا أولادي الأحباء، إنها الساعة الأخيرة" (1 يو 2: 18)].

4. يعلق كثير من آباء الكنيسة على كلمة "الوارثة" الواردة في العنوان حسب الترجمة السبعينية، مثل:

* يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن المرتل يتكلم لحساب العروس، ليشفع في البلاط الملكي، مخبرًا إيانا عمن يشفع فيها ألا وهي "الوارثة"، هذه الوارثة هي الكنيسة[156].

*   لأنه ماذا تطلب الوارثة؟ لنسمع: "انصت يارب لكماتي" [1]. إنها تدعو عريسها "ربها"، لأن هذا هو واجب العروس الكاملة المهيأة حسنًا! إن كان هذا يحدث كأمر طبيعي بين البشر، إذ تدعو الزوجة زوجها "يا سيدي"، فكم بالحري يكون حال الكنيسة مع السيد المسيح الذي هو بالطبيعة الرب حقًا[157]؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

* يقول القديس جيروم: [بإن داود يرتل باسم الكنيسة[158]؛ وأنه يركز على ضد المسيح وأتباعه، الذين يقاومون الكنيسة "الوارثة"، لكن تنتهي المعركة بنصرتها ومجدها وتمتعها بالميراث الأبدي.

* يقول القديس أوغسطينوس: [إن كنيسة العهد الجديد نفسها هي ميراث المسيح، فهي أيضًا تنال الميراث الأبدي.

*   تُدعى الكنيسة بدورها ميراث الله في النص الأصلي: "اسألني فأعطيك الأمم ميراثك" (مز 2: 5)؛ لهذا يُدعى الله ميراثنا، لأنه يسندنا ويحتضن كياننا، ونُدعى نحن ميراث الله لأنه يملك علينا ويدبر حياتنا. لهذا فإن هذا المزمور هو أغنية الكنيسة التي دُعيت لترث ومن أجل أن تكون هي نفسها ميراث ربنا.

*   الكنيسة هي المعنية، هذه التي تتقبل ميراثها حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا، فتقتني الله نفسه، بالتصاقها بذاك الذي لأجله تتبارك، وفقًا للعبارة: "طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض" (مت 5: 5)...

القديس أغسطينوس

جاء عنوان هذا المزمور في السريانية هكذا: "صلاة في شخص الكنيسة عندما تأتي مبكرًا في الصباح إلى بيت الرب"، لكن هذا تفسير وليس ترجمة لنص العنوان[159].

بحسب ما ورد في المزمور (142: 5)، ميراث الكنيسة هو ربنا نفسه: "أنت هو رجائي، نصيبي في أرض الأحياء".

داود رمز الكنيسة الوارثة:

1. رجل الصلاة والتأمل: لقد أقترب إلى الله، الذي يصرخ إليه على الدوام، فإنه يشتاق لا أن تصل إليه كلماته فحسب، وإنما أن ينصت الله إلى صوت صلاته الداخلية [1].

*   "اَنصت يارب لكلماتي" [1]. ما من أحد له مثل هذه الثقة إلا الكنيسة، فالخاطي لا يجسر على القول: "انصت يارب لكلماتي"... بل بالحري يترجى ألا يشاء الله أن يسمعه...

"أفهم (تأمل) صراخي" [1]: كلمة "صراخي في الكتاب المقدس لا تعني صرخات الصوت بل القلب". وقد قال الله بالحقيقة لموسى: "مالك تصرخ إليّ هكذا؟!" (خر 14: 15)، بينما لم يتفوّه موسى بأي صراخ على الإطلاق... على نفس الوتيرة جاءت كلمات إرميا: "لا تعطِ لعيني راحة" (مرا 2: 18). لاحظ ماذا يقول: لا تسمح أن تصمت حدقة عيني... إذ أحيانًا تصرخ حدقة أعيننا ذاتها إلى الله[160].

القديس جيروم

*   يكشف المرتل عما تكون عليه تلك الصرخة، وكيف تصدر عن عمق الداخل، عمق القلب، دون صوت جسداني؛ فتصل إلى الله، فإن الصوت الجسداني يُسمع أما الروحاني فيُفهم: "أفهم صراخي".

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 5 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1- توسل إلى الرب

صرخ داود ثلاث مرات، سائلاً الله أن يسمع صلاته، قائلاً:

"انصت يارب لكلماتي،

وافهم صراخي.

اصغ إلى صوت طلبتي يا ملكي وإلهي" [1].

يذكر انسيموس الأورشليمي أن داود كممثل للكنيسة يشير في صرخته إلى الثالوث المقدس (يارب، يا ملكي وإلهي). فتدعو الكنيسة الآب "يارب"، وليس "ياربي"، لأن اليهود أيضًا يعرفونه معها، وأما الابن والروح القدس فتنسبهما إليها "ملكي وإلهي"، لأنها الوحيدة التي تعرفت عليهما.

التكرار ثلاث مرات هنا يشير إلى شدة محبة داود ولجاجته في الصلاة. لقد كشف بتعبيراته المختلفة عن شكاواه العديدة. وهذا يدل على أنه لم يُصِلّ بفتورٍ مكتفيًا بكلمات قليلة، وإنما كان جادًا في عرضه مصائبه أمام الله بسبب شدة حزنه.

2. يقول المعلم دانيال الصالحي: [تأمل كيف لم يُسم (داود) نفسه ملكًا في صلاته، لكنه عرَّى نفسه من العظمة الملوكية، ودعا الله ملكه وإلهه؛ موضحًا أنه ليس ملك بالحقيقة إلا الله وحده. فإن من كان تحت سلطان الملك لس بملك. فيقول داود النبي: "ملكي وإلهي" يعني: "أنت هو الملك وحدك"].

إذ كان أبشالوم يطارد أباه، لا ليسحب منه العرش فحسب بل ويحرمه الحياة عينها، صرخ داود الملك: "روحك القدوس يهديني إلى الاستقامة... عرفني يارب الطريق التي أسلك فيها لأني إليك رفعت نفسي" (مز 143: 8-9). وكأنه يقول: "إنني محتاج إلى روحك القدوس يقودني إلى الطريق الملوكي... يرفعني بالصليب إليك فأحيا كملك مرتبط بملِك الملوك". إني عاجز عن حماية العرش وحراسة القصر الملوكي، لكن بك أدخل إلى نعمة الملوكية أيها الملك الحقيقي وحدك!

3. لقد وثق أنه حتى في المستقبل يقترب إلى الله بعد أن صار مطرودًا من بين شعب الله، محرومًا من المدينة المقدسة، ومن بيت الله. ربما اعتاد داود النبي على الدخول إلى بيت الله كل يوم، خاصة في الصباح، ليقف أمام الرب، حتى يفتقده الله بنفسه ويحرسه [3].

"بالغداة (في الصباح) استمع صوتي،

بالغداة أقف أمامك وتراني" [2].


الصباح بلا شك هو الوقت الطبيعي للصلاة (مز 88: 13)، ولخدمة الهيكل (خر 29: 38-40؛ لا 6: 12-13؛ 2 مل 3: 20). في الحقيقة ذبيحتا الصباح والمساء في الهيكل هما الأساس الذي قام عليه نظام صلاة التسبيح ورفع البخور عند المسيحيين صباحًا ومساءً وقد ارتبط بتقديم البخور لله.

الصباح أيضًا هو رمز تحرير الشعب من مصر (خر 14: 20-24)، ومن الآشوريين (إش 37: 36)، ومن الليل أو من ظلمة الخطية. ويعتبر السحر أو الصباح أفضل وقت للصلاة: "يارب... كن عضدنا (قوتنا) في كل صباح" (إش 33: 2). مراحم الرب جديدة في كل صباح (مرا 3: 23) هذه التي نتوقع نوالها في صلواتنا (الصباحية). هذا الأمر يتكرر في كثير من المزامير، فإن مراحم الرب تُتوقع غالبًا في الصباح (مز 59: 16؛ 90: 14)، وفي الصباح يُعين الله المدينة المقدسة وينقذها من السقوط (مز 46: 5؛ 101: 8).

ربما يشير الصباح إلى تدخل ملاك الله ضد سنحاريب (2 مل 19: 35)، وربما إلى القيامة، عندما يتحدث المرتل عن الاستيقاظ في حضرة الرب (مز 3: 5؛ 17: 15)[161].

التبكير في الصلاة هو السعي الدؤوب الجاد لطلب الله، قبلما أن نسأل الآخرين المساعدة؛ الإنسان الذي يقدم باكورة أفكار اليقظة لله لا يحجم عن أن يكرّس له بقية ساعات النهار الأخرى.

*   تُتلى الصلوات باكرًا في الصباح لكي تُكرَّس للرب كل الحركات الأولى التي للنفس والعقل، فلا يكون لنا أدنى اهتمام آخر خلاف تهليلنا وفرحنا وشبع قلوبنا بالتفكير في الله، كما هو مكتوب: "تذكرت الرب فابتهجت" (مز 77: 4) (الترجمة السبعينية)، ولكي لا يتثقل الجسد بأي عمل آخر قبل إتمام الكلمات: "لأني إليك أصلي يارب، بالغداة (في الصباح) استمع صوتي، بالغداة أقف أمامك وتراني" [2] [162].

القديس باسيليوس الكبير

*   يشرح بعض المفسرين هذه الكلمات ببساطة هكذا: أنهض في الفجر للصلاة والتضرع إليك...

اصغ إلى ما تعنيه هذه الكلمات حقًا: طالما أنا تائه في ظلمة الخطأ لا تسمعني (يارب)؛ لكن إذ تشرق شمس البر (السيد المسيح) في قلبي تسمع في الصباح صوتي...؛ فقط حينما تبدأ ظلمات الليل أن تنقشع عني تسمع صوتي، في للحظة التي أبدأ في عمل الخير تسمع صوتي دون أن تنتظر حتى النهاية.

*   بينما تخترق أشعة الفضيلة نفسي أقف أمامك؛ لست أجلس ولا أرقد بل أقف. "وأنت تُثبِّت خطواتي بقوة على الصخرة" (مز 39: 3)، فأستحق تدريجيًا أن أراك[163].

القديس جيروم

*   الشر والخيانة والكذب والقتل والخداع وما أشبه ذلك ترتكب في الليل الذي يجب أن يعبر قبل بزوغ الفجر الذي فيه يُستعلن الله...

ماذا يعني: "سأقف" وليس "أرقد"؟ ماذا يعني الرقاد إلا نوال الراحة على الأرض بطلب الملذات الأرضية؟

يقول المرتل: "أقف... أرى"؛ فعلينا أن نضحي بأمور هذا العالم إن كنا نود رؤية الله؛ إذ هو منظور فقط بنقاوة القلب!

القديس أغسطينوس

يقول أُنسيمس الأورشليمي: [إن المرتل يقصد هنا بكلمة "الصباح" العبادة المسيحية، لأن اليهود الذين كانوا تحت ظلال الناموس اعتادوا الاحتفال بالفصح عن المساء، أما الآن فقد أشرق شمس البر بالتجسد، فنعبده في الصباح، مستنيرين بأشعته الإلهية. يمكننا القول بأن الفصح المسيحي الجديد قد تحقق في الصباح بقيامة مخلصنا، هذا الذي أباد الموت وحطم قوة الشيطان.

يقول المعلم دانيال الصالحي [إن روح النبوة يخبرنا بأسرار جسيمة وإلهية على لسان الطوباوي داود... وأن هذا الملك والنبي بعدما دعا (عمانوئيل) في المزمور الأول شجرة مثمرة عديمة الفساد، وفي المزمور الثاني أنذر به مولودًا أزليًا، وفي المزمور الثالث سماه ربًا وإلهًا ومخلصًا، وفي المزمور الرابع دعاه صالحًا ونور وجه الآب؛ يسأل المرتل في هذا المزمور الخامس طالبًا ومتضرعًا بروح النبوة أن يخرج من ليل الناموس، ويأتي إلى الصباح المضئ المبهج الذي هو كلمة الآب الأزلي... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يُريد أن يعلمنا أن عمانوئيل مدعو صباحًا، لأنه هو النور الحقيقي الذي لا تشوبه ظلمة ليل قط، وهو القادم بعد ليل الناموس المظلم. هذا هو الصباح الذي سماه يوحنا: "النور الحقيقي الذي يضيئ لكل إنسان آت إلى العالم"، وظلمة الناموس لم تدركه...

هكذا قد جاء سيدنا ذاك الصباح والنور الحقيقي بعدما أسودَّ العالم في ظلام الخطية...

قال مصباح الحياة: "أنا نور العالم"، ثم زاد فقال: "من يأتي ورائي لن يمكث في الظلمة لكنه يجد نور الحياة"].

كان المرتل يتطلع بثقة إلى فوق منتظرًا استجابة الله لصراخه. هذا التصوير مأخوذ عن وضع إنسان في برج مراقبة ليعلن عن اقتراب رسول عائد أو عن تحركات أي شخص آخر. هكذا توصف حالة العقل في موضع آخر بالأنبياء، فيقول حبقوق: "وعلى البرج أقف، على الحصن انتصب وأراقب لأرى ماذ يقول لي" (2: 1)؛ وميخا يقول: "ولكني أراقب الرب، أصبر لإله خلاصي؛ يسمعني إلهي" (7: 7).

4. يتجاسر المرتل فيدعو الرب [1]، إذ يقف أمامه كل صباح في بيت الرب. يقابل ذلك، لا يستطيع الأشرار أن يطلبوه لأنهم لم يقبلوا الدخول في قدسه كضيوف عنده يسكنون معه [4].

يدرك المرتل قداسة الرب ويعيها جيدًا، لهذا يحفظ نفسه بعيدًا عن الأشرار الكذبة المخادعين سافكي الدماء.

"تهلك كل الناطقين بالكذب.

رجل الدماء والغاش يرذله الرب" [6].

الكذب والغش وكل الخطايا لا تؤذي الله، إنما تحطم الذين يمارسونها. يعلق الأب ثيؤدورت أسقف قورش على العبارة السابقة قائلاً: [لا شيء يؤذي الله الذي لا يمكن أن يتدنس[164]].

*   إذ يعطي (الكذبة) ظهورهم للوجود الحقيقي (الحق) يتحولون إلى اللاوجود (الكذب الباطل).

القديس أغسطينوس

*   يلزمنا أن نكون دائمًا حذرين حتى لا نسقط في الكذب، لأن كل من يكذب لا علاقة له بالله... إذ يأتي الكذب دائمًا من الشيطان، إذ مكتوب عنه: "إنه كذاب وأبو الكذاب" (يو 8: 44)... أما الله فهو الحق، إذ يقول: "أنا هو طريق والحق والحياة" (يو 14: 6). لننظر الآن كيف نحرم أنفسنا خراجًا، وماذا يكون مركزنا بالكذب، بلا شك نصير أتباع الشرير. لذلك إن أردنا أن نخلص، يلزمنا أن نحب الحق بكل قلوبنا ونحفظ أنفسنا من كل أنواع الباطل، فلا ننفصل عن الحق بكل قلوبنا ونحفظ أنفسنا من كل أنواع الباطل، فلا ننفصل عن الحق والحياة.

*   لنهرب من الباطل (الكذب) يا إخوة، فنخلص من أيدي العدو، ولنجاهد أن نتمسك بالحق فنتحد بذاك القائل: "أنا هو الحق" (يو 14: 6). ليت الله يجعلنا مستحقين للحق الذي له[165].

الأب دوروثيؤس من غزة

5. بيت الله ملجأ المرتل، وعبادته هي درعه:

"أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك،

وأسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك" [7].

يقول داود إن الإنسان التقى يعبد الله متجهًا نحو الهيكل الرب المقدس، إذ كانت العادة قديمًا أن تكون الصلاة موجهة نحو قدس الأقداس أينما كان المتعبدون (1 مل 8: 30، 38، 42؛ دا 6: 10). بعد خراب أورشليم، في المجامع اليهودية في الجليل، كان المؤمنون يؤدون العبادة متجهين نحو أورشليم.

*   "إلى الأبد يهتفون وتحل فيهم" [11].

طوبى للذين يصيرون خيامًا للمسيح!...

من يحب الرب يبتهج في الرب![166]

القديس جيروم

*   سأدخل بيتك (مز 5: 7) كحجر في البناء. هذا هو المعنى على ما أعتقد، وإلا ماذا يكون بيت الله إلا هيكل الله الذي قيل عنه: "لأن هيكل الله مقدس، الذي أنتم هو" (1 كو 3: 17)؟ البناء الذي فيه (الرب) هو رأس الزاوية (أف 2: 20)، الذي هو قوة الله وحكمته شريك الآب في الأزلية.

القديس أغسطينوس

ربما يُعّبِر داود هنا عن اقتناعه بأن نفيه لن يدوم طويلاً، معنًا تصميمه على انتهاز أول فرصة للدخول إلى بيت الله. في كل هذا كان متضعًا، لا يعتمد على استحقاقه الذاتي أو حكمته أو قوته، بل على كثرة مراحم الله: "وأما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك" [7]؛ والجدير بالذكر أن مخافة الله والعبادة لا ينفصلان: "وأسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك" [7].

6. الله هو القائد:

"اهدني يارب بعدلك،

من أجل أعدائي سهل أمامك طريقي" [8].


إذ يقودنا الرب نكون في مأمن من أعدائنا الروحيين. حقًا يخضع العالم للظلم، لكن الله العادل يعتني بأولاده، مظهرًا لهم رحمته ويدافع عنهم ويحفظهم. نحن نتضرع إليه أن يقودنا أمامه أو أمام عينيه، متوسلين إلى كِلّي المعرفة أن يرشدنا وأن يفحص طرقنا.

في محبته الإلهية إذ يهدينا يقدم لنا نفسه "الطريق" طريقًا لنا، سهلاً، لا يقدر الأعداء على مقاومته. طريقه هو الصليب يصير طريقنا، يحمل عذوبة خاصة وسهولة لأجل شركتنا مع المصلوب!

من أجل العدالة الإلهية حمل مسيحنا الصليب، لتُعلن رحمته كلية لعدالة، وعدله كليّ الرحمة؛ ناسبًا صليبه إلينا بكونه طريقنا الملوكي واهب النصرة.

*   لقد أُمرنا أن نظهر له طرقنا، فتكون معروفة، فإنها لم تصر مستقيمة بجهادنا الذاتي، وإنما بمعونته ورحمته. لذلك كُتب: "اجعل طريقي مستقيمًا أمامك"، حتى ما يكون مستقيمًا عندك أحسبه أنا أيضًا مستقيمًا...

سلم للرب أعمالك، فتستقر أفكارك. عندما نعهد للرب معيننا كل ما نعمله، تستقر كما على صخرة ثابتة صلدة، وننسب كل شيء إليه[167].

القديس جيروم

7. الله هو مصدر البركة في حياة الإنسان. "لأنك أنت باركت الصديق يارب" [12]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن الصديق لا تهمه إهانات الناس له، لأن الله نفسه يباركه. ما المنفعة إن أكرمه العالم ولم يكرمه الله؟

8. وفقًا لمشيئة الله مسار يوم الصديق دائمًا مُفرح، ينال الصديق الأمان والبركة [11-12].

9. الله هو درعه وإكليله [12].

"مثل سلاح المسرة كللتنا"، وفي الأصل العبري: "كأنه بترسٍ تحيطه بالرضا". وكأن ترسنا هو مسرة الله أو رضاه!

يقول القديس جيروم: [في العالم، الدرع شيء والإكليل شيء آخر، ولكن مع الله هو نفسه درعنا وهو إكليلنا]. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن حياتنا هي معركة روحية، يجب أن نكون مستعدين، لأن الشيطان يفعل كل ما في وسعه كي يحثنا على الخطية.

*   كُتب في المزمور: "يارب، كللتنا باحسانك كما بترس" [12]. فإننا ننال نصرتنا وإكليل نصرتنا بحمايته بواسطة ترسه. نحن هنا نجري لكي ننال هناك، حيث نتسلم الإكليل بكوننا قد برهنا في هذا العالم أننا غالبون[168].

القديس جيروم

+ إقرأ مزمور 5 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2- لا اتفاق بين الله والشر

أخيتوفل رمز لضد المسيح محطم الميراث:

1. شرير:

"لأنك إله لا تشاء الإثم،

ولا يساكنك من يصنع الشر" [4].


ضد المسيح وأتباعه أشرار، أما الله فقدوس ليست له مسرة في أي شر؛ لا يستطيع إلا أن يحب من هم على صورته (البر)، ولا يستطيع إلا أن يرفض صورة الشرير. الله والشر لا يمكن قط أن يجتمعا معًا، لأنه "أي شركة للنور مع الظلمة؟ أي اتفاق للمسيح مع بليعال؟" (2 كو 6: 14-15). ويقول القديس جيروم: [الله نار، نار آكلة (تث 4: 24)؛ وكل إنسان قشًا كان أو خشبًا يهرب بعيدًا عن النار لئلا تحرقه[169]]. لم يقل المرتل "هؤلاء الذين هم مذنبون بفعل الخطية" بل قال "من يصنع الشر"، أي يُصرّ على الخطية.

2. متكبر [5]: لا يقترب إلى الله، بل على العكس يتمرد ضده وضد كنيسته. التمرد ضد الله يُرى في جميع الاتجاهات، يُمارَس العنف على الأرض تحت قيادة ضد المسيح.

3. غاش [6]:

"تُهلك كل الناطقين بالكذب

رجل الدماء والغاش يرذله الرب" [6].

يقول القديس أكليمندس السكندري: [يدعوه إنسانًا كاملاً في الشر، بينما يُدعى الرب إنسانًا كاملاً في البر (2 كو 11: 2)[170]].

يقول القديس جيروم: [الإنسان الي يكذب يكون أكثر بئسًا وتعاسة ممن يفعل الشر. وإن كان فاعل الشر يخضع لكراهية الله، فالكذب يهلك تمامًا: "الفم الكذاب يذبح النفس" (حك 1: 11)[171]].

4. رجل دماء [6].

5. حنجرته قبر متسع مفتوح، منه ينبعث الموت [9]. اختبر داود أن اللسان مميت كالسيف. لقد ركَّز على فم ضد المسيح كمصدر تجديف يعلن عن شره الداخلي.

الحنجرة الشريرة قبر متسع لا يكتفي قط ولا يشبع. إنها قاسية كالقبر، تتحفز لكي تفترس وتبتلع، نهِمَة القبر، الذي لا يقول قط "كفى!" (أم 30: 15-16).

*   اسمع، كيف يجعل الناس من ألسنتهم آلة، البعض يستخدمونه للخطية والآخر للبر! "لسانهم سيفٌ ماضٍ" (مز 57: 4). ويتكلم آخر عن لسانه، قائلاً: "لسان قلم كاتب ماهر" (مز 45: 1). الأولون يسبب لسانهم هلاكًا، والآخر كتب الناموس الإلهي. لهذا حُسب الأول سيفًا والأخر قلمًا، لا بحسب طبيعته وإنما بسبب اختيار من يستخدمه؛ لأن طبيعة لسان هذا أو ذاك واحدة، لكن العمل الذي يقوم به ليس واحدًا[172].

*   لا نعجب إن اتبع هؤلاء الهراطقة حكمة الأمم، لكننا نهزأ بهم إذ يتبعون معلمين أغبياء... هم عظماء في مواقعهم، ينمون في التواءٍ جميل، يختفون وراء ثيابهم الفلسفية؛ هكذا تنتشر فلسفتهم، لكن إن تطلعت في داخلهم تجد ترابًا ورمادًا، لا شيء سليم، "حنجرتهم قبر مفتوح"، كل ما لديهم مملوء دنسًا وفسادًا، وكل تعاليمهم دود[173].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   الهراطقة ليس لهم المسيح الحق على شفاههم، إذ لا يحملونه في قلوبهم. قلبهم باطل (مز 5: 10)... ينطقون بالتقوى ويخفون ضلالهم. يتكلمون عن المسيح ويخفون ضد المسيح، عالمين أنهم لن ينجحوا في غوايتهم قط إن جاهروا بضد المسيح. يقدمون النور إنما لكي يخفوا الظلمة؛ بالنور يقودون الغير إلى الظلمة[174].

القديس جيروم

*   يستخدم المرتل عبارة رائعة: "قبر مفتوح"، لأن الطمع واسع لا يشبع على خلاف القبور التي تُغلق بعد دفن الجثمان...

هم أنفسهم يقدمون كلامًا بلا حياة، لأنهم محرومون من حياة الحق؛ يبتلعون الأموات الذين قتلتهم أولاً كلماتهم الكاذبة وقلوبهم الماكرة، وبعد ذلك يسحبونهم (كجثث) في داخلهم.

القديس أغسطينوس

*   كما هو الحال مع كثيرين الآن، يزينون أنفسهم من الخارج، لكنهم مملوئين شرًا من داخل. توجد أنماط وأشكال عديدة للطهارة الخارجية، بينما نفوس هؤلاء لا تملك ما يبدو عليها في الظاهر. بالحقيقة إن فتحَ إنسان ضمير أحدهم يجد الكثير من الدود مع الفساد، يجد رائحة كريهة لا يُعبر عنها تتوارى خلف الفاظ منمقة، شهوات شريرة حيوانية، أعني ما هو أكثر دنسًا من الدود[175].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   أفواه مثل هؤلاء إذ تُخرج كلمات موت ودمار تُدعى قبورًا، هكذا كل من يتكلم ضد الإيمان الحق أو يعارض تعليم الطهارة والعدل والاعتدال[176].

العلامة أوريجانوس

6. مُرّ المذاق [11]: ينال الأبرار عذوبة الله بينما يجده الخطاة مرًا في أفواههم.

*   "لأنهم أغاظوك يارب" [10]. يقول ربنا: "أنا هو خبز الحياة الذي نزل من السماء" (يو 6: 51)؛ "ذوقوا وانظروا ما أطيب (أحلى) الرب" (مز 34: 8)؛ أما بالنسبة للخطاة فإن خبز الحق مُرّ المذاق. لهذا يكرهون الفم الناطق بالحق، ويجدون الله مُرًّا. لأن الخطية جعلتهم مرضى للغاية حتى صار خبز الحياة اللذيذ بالنسبة للنفس التي تنعم بالعافية مذاقه مُرّ لا يحتمل.

القديس أغسطينوس

يقول المرتل:

"دنهم يا الله، وليسقطوا من جميع مؤامراتهم" [10].

يقول القديس أغسطينوس: [هذه نبوة وليست لعنة].

إنها مسئوليتهم، لأنهم يُعاقبون بواسطة أفكارهم (مؤامراتهم) وخطاياهم. إذ تحمل الخطية جزاءها في ذاتها. لذلك يقول الرب: "تموتون في خطاياكم".

+ إقرأ مزمور 5 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صرخة من أجل الميراث

*   كن ميراثًا لي، واقبلني ميراثًا لك، يا ملكي وإلهي!

*   مع كل صباح جديد أشرق ببهائك في داخلي:

بدد ظلمة خطيتي، فاستنير ببرك وجلالك!

بدد ظلام الحرف القاتل، فاستنير بالروح المحييّ!

انصت إلى كلمات قلبي، أنت وحدك تفهمها!

حطم مؤامرات الشرير المخادع القتّال والمملوء مرارة!

*   افتح لي أبواب بيتك لأنعم ببهاء هيكلك المقدس؛

هب لي أن أفتح لك أبواب قلبي لتقيم مذبحك داخلي!

*   لتحّل بركتك عليّ، ولتدربني على حياة الجهاد، واهبًا لي النصرة!

*   هب لي روح الهتاف والبهجة بك مع كل شعبك!

 

 

+ إقرأ مزمور 5 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 6 PDF Print Email

 

أول مزامير التوبة

أول مزمور من مزامير التوبة السبعة (6، 32، 38، 51، 102، 130، 143) التي تناسب التعبير عن حال التائب، وقد دُعيت هذه المجموعة هكذا ربما بواسطة القديس أغسطينوس.

يرى البعض أن هذه المزامير السبعة تقابل خطايا داود السبع وهي[177]:

1. الكبرياء أو الافتخار حين أمر بتعداد رعيته.

2. الزنا مع امرأة أوريا الحثي.

3. الغش حيث دعا أوريا من الجيش ليخفي خطيته.

4. التستر على خطيته بطلبه من أوريا أن يبيت مع زوجته.

5. قتل أوريا.

6. تهاونه مع ابنه أمنون الذي ارتكب الشر مع أخته.

7. قساوة قلبه إذ لم يعترف بخطيته حتى جاءه ناثان النبي بعد حوالي عامين.

لهجة هذا المزمور تناسب الإنسان التائب، فهي تعبر عن شدة الحزن على الخطية، البكاء بدموع غزيرة (5)، كراهية الخطية (8)، الرجاء في مراحم الله (2)...

تكشف الثلاثة مزامير السابقة عن آلام الأبرار بسبب أعدائهم الأشرار، بينما تكابد نفوسهم في هذا المزمور وتعاني بسبب الخطية.

كان داود يعاني من مرض خطير حين كتب هذا المزمور. لقد أدرك تأثير الخطية على حياته الجسدية والنفسية والروحية. يدعو هذا المزمور اليائسين – بسبب شدة وطأة المرض – أن يضعوا يأسهم ومعاناتهم وشكواهم وضيقاتهم بأمانة أمام الرب. بمعنى آخر، عوضًا عن الانخراط في المعناة والحزن، يقدمون التوبة وينشغلون بمخلصهم كمصدر للفرح الحقيقي والتعزية.

يطالب إمام المغنين أن يصحب الترنم بالمزمور آلة ذات ثمانية أوتار Sheminith، لذا جاء عنوانه هكذا: "إلى النهاية، عن التسابيح وفي الثامن، مزمور لداود".

أُستخدم هذا المزمور في الليتورجيات اليهودية والمسيحية، وكان يُرنّم كل يوم في المجامع اليهودية، وفي الكنيسة اللاتينية. يُرنم أيضًا في كل صباح (صلاة الأجبية) حسب الطقس القبطي.


إطاره العام:

1. صرخة إلى الطبيب الحقيقي        [1-3].

2. وادي ظل الموت                  [4-7].

3. رفض شركة الأشرار             [8].

4. استجابة الصلاة                            [9-10].

+ إقرأ مزمور 6 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


العنوان:

"لإمام المغنين على ذوات الأوتار Niginoth على شيمينوت، مزمور لداود". وبحسب الترجمة السبعينية: "إلى النهاية، في تسابيح أوكتاف Octave (ثمانية)، مزمور لداود".

1. "إلى النهاية": راجع عنواني المزمورين الرابع والخامس.

2. "على نيجينوث on Niginoth" تعني: "على ذوات الأوتار".

3. "على شيمينيث Upon Sheminith" وُجدت أيضًا في (1 أي 15: 21) حيث يخبرنا النص عن تعيين مغنين ذوى كفاءة عالية ليرنموا مع عزف قيثارات على "شيمينيث" لكي يمجدوا الله... كما نجد ذوات العنوان في (المزمور 12).

توجد تفاسير مختلفة لكلمة Sheminith منها[178]:

أ. يضع البعض تعبير "على الوفرة الزائدة" عوضًا عنها.

ب. الترجمة الحرفية ل "على شيمينيث" هي "على الثامن".

إن كان "الثامن" يُقرأ Octave تتجه أذهاننا للفور إلى أمر يتعلق بالموسيقى، بكون لفظ "أوكتاف" يشير إلى شخص يهتم بالموسيقى أثناء عبادة الشعب كله لله، بينما يرى البعض أنها تشير إلى آلة معينة ربما قيثارة ذات ثمانية أوتار.

ج. يرى البعض أنها تشير إلى يوم الدينونة الأخير الذي يعقب أيام التعب الستة لهذه الحياة واليوم السابع لراحة النفوس ثم يأتي اليوم الثمن الذي هو نهاية العالم الحاضر.

ويرى بعض الكتاب اليهود أن اليوم الثامن هو يوم الختان. ويشير بعض قدامى المسيحيين إليه بكونه يوم الرب، اليوم الذي يعقب سبت اليهود. قاد هذا الفكر إلى عرض لاهوتي حول الخليقة الجديدة المسيحية في المسيح القائم من الأموات. كما تشير "شيمينيث" أيضًا إلى مملكة المسيّا السماوية، حيث تبرأ كل الأسقام الروحية. كتب أحد الحاخامات: "سيحل المسيا الوُثُق التي تربطنا بهذا العالم[179].

يقول أنسيمس الأورشليمي: [إن رقم ثمانية يشير إلى قيامة السيد المسيح، لأنه قام في اليوم الأول للأسبوع التالي، أي في اليوم الثامن بالنسبة للأسبوع الأول (الذي تم خلاله الصلب). لهذا ينبغي أن تُمارس توبتنا من خلال إيماننا بالمسيح القائم من الأموات، الذي يهبنا الرجاء في الحياة الجديدة].

v يمكننا باطمئنان أن نفسر الأوكتاف octave بأنه يوم الدين. لأن نهاية العالم تدخل بنا إلى الحياة الأبدية، فلا تخضع نفوس الأبرار إلى تغيرات الزمن. لأن الزمن كله يتحقق خلال تكرار الأيام السبعة، ومن ثم يشير الأوكتاف (الثامن) إلى اليوم الثامن الذي هو أسمى من تلك الدورة الزمنية.

القديس أغسطينوس

v بعد حفظ السبت، فليحفظ كل صديق للمسيح يوم الرب كعيد، يوم القيامة، ملك (ملكة) كل أيام (الأسبوع)، إذ يتطلع النبي إليه يعلن: "إلى النهاية، في الثامن"؛ فبالارتكاز عليه انطلقت حياتنا من جديد، ونلنا النصرة على الموت في المسيح، أما أبناء الهلاك الأعداء الجاحدون هؤلاء آلهتهم بطونهم ومجدهم في خزيهم، يفتكرون في الأرضيات (في 3: 18-19)، محبون للملذات دون محبة الله، لهم صورة التقوى وينكرون قوتها (2 تي 3: 4)[180].

القديس أغناطيوس الأنطاكي

مادام هذا المزمور هو أول مزامير التوبة التي هي معمودية ثانية، وتمتع مستمر بختان الروح والقلب والحواس، لذا لاق به أن يُدعى: "إلى النهاية، في الثامن".

فبالتوبة ندخل إلى الشركة مع مسيحنا الذي هو غاية أو نهاية إيماننا، فيقيم ملكوته السماوي في قلوبنا.

بالتوبة ننعم بالقيامة معه كما في اليوم الأول من الأسبوع أو الثامن من أسبوع صلبه... نُصلب معه كل يوم عن  خطايانا ونقوم معه حاملين بره برًا لنا.

بالتوبة نجدد ختان الروح الذي نلناه في المعمودية، فتُصلب أعمال إنساننا القديم ونحمل على الدوام جدة الحياة في انساننا الداخلي.

بالتوبة نعود مع الابن الضال إلى حضن الآب (لو 15)، تتعم بعربونه هنا، وننال كماله في اليوم الثامن، أي يوم الرب العظيم!

لا عجب إذن إن دفعنا المزمور سكب دموع التوبة كي نستدر مراحم طبيب نفوسنا وأجسادنا، فلا يبتلعنا موت الخطية، ولا تكتنفنا ظلمة الليل، بل يعبر بنا إلى ملكوته المفرح.

+ إقرأ مزمور 6 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1- صرخة إلى الطبيب الحقيقي:

"يارب لا تبكتني بغضبك،

ولا تؤدبني بسخطك.

ارحمني يارب فإني ضعيف،

اشفيني يارب فإن عظامي قد اضطربت

ونفسي قد انزعجت جدًا

وأنت يارب فإلى متى؟" [1-3].


1. كان داود نبيًا باكيًا مثل إرميا النبي. كان داود أشجع وأعظم من أن يحزن بسبب ضيقٍة خارجية، لكن عندما ثقلت الخطية جدًا على كاهل ضميره رفض أن يتعزى[181]، منتظرًا مراحم الله.

2. يسأل داود الرب أن يبكته ليس بغضبه [1]. فإنه لم يُصِلّ: "يارب لا تبكتني". وإنما قال: افعل هذا كأب يُسر بابنه. يقول إرميا: "ادبني يارب ولكن بالحق لا بغضبك لئلا تفنيني" (إر 10: 4). ويسأل داود أن تكون أحزانه تأديبات ابن لا عقاب إنسان منبوذ. فإن غضب الرب يُفني أما حبه الأبوي فُيصلح ويُجبر ويُخِلّص.

يسأل داود الله أن يُبكّته في رحمة وصلاح وليس بغضبه، لأن من يصب الله غضبه عليه يهلك، إذ لله قضيبان، واحد للرحمة والآخر للغضب المروّع. يتحدث القديس بولس عن الأخير قائلاً: "تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة" (رو 2: 5).

يُعاني داود من الآلام التالية:

أ. تعب داخلي: كانت نفسه مرتاعة للغاية، فإنه ليست هناك ضيقة تعادل ضيقة النفس الداخلية! تفسد الخطية كل شيء وتشوهه؛ وتجعل النفس بائسة!

ب. الألم الجسماني والمرض: حيث ينزعج القلب، وترتجف العظام، ويخور الجسد كله وينحل!

ج. الأعداء الخارجيون: يدرك داود أن المرض الجسماني والأعداء الخارجيين الايُشكِلّون أي خطر يُخشى منه، إنما تكمن المشكلة الحقيقية في أعماقه الداخلية، ألا وهي الخطية! حمل نحميا ذات الفكر، فعندما سمع عن الضيقة العظيمة التي حلت بأورشليم، حيث تهدمت أسوارها وأحُرقت أبوابها بالنار جلس وبكى ناحًا عدة أيام، وتضرع إلى رب السماء، معترفًا أنه قد أخطأ هو وبيت أبيه، طالبًا المغفرة؛ صنع هذا قبل أن يبدأ حركة الإصلاح (نح 1). لم يشكُ من الأعدء، ولم يَلُم القادة الآخرين، إنما لام نفسه وبيت أبيه، واثقًا في الله واهب النصرة لمؤمنيه القديسين.

يرى داود النبي وجود علاقة وطيدة بين الخطية وغضب الله والمرض والألم. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فالآلام التي يكابدها الأتقياء تسبب انكسارًا للقلب بسبب الخطية، لهذا يبسط المرتل ذراعيه أمام الرب أينما داهمته ضيقة، صارخًا إلى الله طبيب النفس والعقل والجسم، قائلاً: "اشفني يارب فإن عظامي قد اضطربت" [2]، طالبًا عونًا للنفس وقوة؛ لأن هذا هو معنى "العظام". يرى بعض الدارسين أن العظام تعني الهيكل الداخلي، وهنا تمثل الجسم كله. باضافته "النفس" [3] يقصد المرتل كيان الإنسان كله! ولا سبيل لشفاء الجسد والنفس بالنسبة للمرتل إلا في الالتجاء والاحتمال بنعمة الله ومراحمه، إن أراد الله تراءف على ضعفه، وخلصه من الضيق الذي ارتاعت به نفسه.

هذه الصرخة ليست إلا اعترافًا بضعفنا الكامل وعجزنا عن خلاص أنفسنا وما رجاؤنا في أي صلاح إلا في المراحم الإلهية!

يقول القديس يوحنا كاسيان: [بإن البعض يعتقدون أن الغضب ليس ضارًا، إن غضبنا على الذين يخطئون، مادام قد قيل عن الله نفسه إنه غضب، إذ يقول المرتل: "يارب لا تبكتني بغضبك ولا تؤدبني برجزك"].

ترى الكنيسة أن الحديث هنا خاص بالسيد المسيح بكونه حامل خطايانا، فترنم الآية 2 في صلاة الساعة الحادية عشر من يوم الأربعاء من البصخة المقدسة، حيث تشير إلى آلام السيد المسيح الحقيقية التي سببتها خطايانا؛ لقد انزعجت نفسه جدًا، إذ صرخ قائلاً: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت"، كما دخل إلى ضعف الجسد، إذ يقول: "أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف" (مر 14: 38)، وقيل عنه في البستان: "وإذ كان في جهاد يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض" (لو 22: 44)... هكذا اضطربت عظامه، لا عن خطية ارتكبها إنما عن خطايانا التي حملها فيّه ليقتلها بصليبه!

+ إقرأ مزمور 6 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2- وادي ظل الموت:

"وأنت يارب فإلى متى؟...

لأنه ليس في الموت من يذكرك،

ولا في الجحيم من يعترف لك" [4-6].


سؤال يحمل عمق اليأس وعجز الإنسان اللانهائي! يتكرر في الكتاب المقدس ثلاثين مرة.

إذ شعر المرتل أن خطيته تستحق الغضب الإلهي والرجز، وأن كيانه كله قد انهار، بدأ يصرخ من أعماقة يسأل الله ألا يسخط عليه، ولا يتركه هذا يهلك حتى النهاية، فقد حّلْ الموت بنفسِه وها هو جسده ينهار سريعًا ليدخل إلى القبر، ويُحبس كيانه في الجحيم... لذا لا خلاص له إلا بالنعمة الإلهية والمراحم الأبوية! "عُد ونج نفسي واحيني من أجل نعمتك" [3-4].

يرى القديس أغسطينوس أن المرتل يدعو الخطية "موتًا"، لأنها تنتج موتًا، وتيقن داود أنه بالخطية قد انحرف إلى الجحيم، كما لو كان ميتًا، وأنه لا طريق له للخلاص إلا بالمراحم الإلهية، يبلغها خلال التوبة.

1. يبدأ داود توبته بحديث صريح مع الله: "وأنت يارب فإلى متى؟" وكما يقول القديس أغسطينوس: [الله الذي يُقال له: "وأنت يارب فإلى متى؟" يجب ألا يُنظر إليه كإله قاسٍ، بل كحنون يقنع النفس (بالحوار)، أي شر جلبته على ذاتها. فإن هذه النفس لم تصِلّ بعد بكمال، لذا يمكن أن يقال لها: "وبينما أنتِ تتكلمين بعد أنا أسمع" (أنظر إش 65: 24)].

2. "عُد يارب نج نفسي"[4]. لماذا يقول المرتل "عُد"؟ أليس الله حاضر في كل مكان؟

يجب أن نميز بين نوعين من الحضور؛ حضور الله المالئ كل مكان؛ وحضور النعمة حيث يسكن وسط شعبه وفي داخل قلوبهم، معلنًا اتحادهم به.

حضوره في كل مكان يشجع المؤمنين على الصلاة إليه، عالمين أنه قادر أن يسمع أينما وجدوا؛ لكنهم محتاجون إلى حضور النعمة. فإن أخصر الضيقات وأمرّها على الإنسان هو "غياب الله" عنه. في هذا يحِذّر الله شعبه، مهددًا: "أذهب وأرجع إلى مكاني حتى يُجازوا ويطلبوا وجهي، في ضيقهم يبكرون إليّ" (هو 5: 6). حينما يحجب الله وجهه يرتاع الشعب وتُحسب عودته من مراحم الله الجزيلة[182].

يقول القديس أغسطينوس: [إذ ترجع النفس تتوسل إلى الرب كي يرجع هو أيضًا إليها، كما قال: "ارجعوا إليّ أرجع إليكم يقول الرب" (زك 1: 3). أو هل يمكن فهمها هكذا: "ارجع يارب" بمعنى اجعلني أرجع، إذ تجد النفس صعوبة ومشقة عظيمة في رجوعها!... أو بمعنى: أعنا لكي يكمل فينا الرجوع، فنجدك مستعدًا لتقدم ذاتك لكي تهب أثمارًا للذين يحبونك].

التوسلات التي بها يقدم طلباته لا تحرك الله بل تحرك نفسه، فينال النعمة الإلهية، ويتصالح الله معه. إنه يشكو بؤسه متوسلاً إلى مراحم الله الجزيلة كي تشمله، متضرعًا إلى مجد الله [5] إذ لا ذكرى (لله) في الموت (الخطية).

3. "نج نفسي من أجل نعمتك" [4]؛ كأنه يقول اشفني لا عن استحقاقي الذاتي وإنما من أجل مراحمك!

4. "لأنه ليس في الموت من يذكرك، ولا في الجحيم من يعترف لك" [5].

يليق بنا ألا نعجب من أن يحسب داود النبي الموت فصلاً تامًا لكل رباط بين الله والخاطئ، حيث لا توجد أية فرصة للتوبة! مسرة الله هي في الصِدّيق الذي يسبحه ويحمده لا بلسانه فقط وإنما بحياته كلها. لهذا يتضرع المرتل إلى الرب أن يهبه نعمته الإلهية قبل فوات الوقت المقبول.

v ثمة تفسير أخر، أن المرتل يعني بالموت الخطية التي يقترفها الإنسان ضد الناموس الإلهي، لهذا تُدعى شوكة الموت، مادامت تؤدي إليه؛ "لأن شوكة الموت هي الخطية" (1 كو 15: 56). هذا الموت يتمثل في تجاهل الإنسان الله، واحتقاره ناموسه ووصاياه. لهذا يستخدم المرتل تعبير "الجحيم" بكونه العمى الذي يحل بالنفس فيهلكها بالخطية.

القديس أغسطينوس

v كما أن ملكوت الشيطان يمكن اكتسابه بالاتحاد مع الخطية، هكذا يمكن اكتساب ملكوت الله بممارسة الفضيلة في نقاوة قلب وبمعرفة روحية. لكن حيثما وُجد ملكوت الله فبالتأكيد تكون متعة الحياة الأبدية، وحيثما وُجد ملكوت الشيطان فبلا شك يكون الموت والقبر، والإنسان في هذه الحل لا يقدر أن يسبح الله كقول النبي... فالإنسان ولو دعا نفسه مسيحيًا آلاف المرات أو راهبًا، لا يقدر أن يعترف بالله بينما هو يخطئ من يسمح لنفسه أن يصنع ما يكرهه الله لا يقدر أن يعترف بالله، ولا أن يدعو نفسه أنه بالحق خادم الله. فإن من يحتقر وصايا الله بغباء وطياشة يسقط في الموت الذي تسقط فيه الأرملة المتنعمة، الذي يقول عنه الرسول: "وأما المتنعمة فقد ماتت وهي حية" (1 تي 5: 6).

هناك كثيرون أحياء بالجسد لكنهم أموات ولا يقدرون على التسبيح لله... وهناك كثيرون قد ماتوا بالجسد لكنهم يسبحون الله بأرواحهم، إذ يُقال: "يا أرواح وأنفس الأبرار سبحي الله" (راجع دا 3: 86- تتمة دانيال في الترجمة السبعينية)، "كل نسمة فلتسبح الرب" (مز 150: 6)[183].

الأب موسى

*   لأن الحياة الحاضرة بالحقيقة هي زمان السيرة الحسنة، لكن بعد الموت تكون الدينونة والعقاب، إذ كُتب "ليس في الجحيم من يعترف لك"[184].

*   إنها لكارثة عظيمة أن يرحل الإنسان إلى العالم الآتي بأثقال الخطايا... حيث مكان الدينونة، ولا مجال للتوبة[185]!

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   لنتب هنا، فنجد الله رحيمًا معنا في اليوم الآتي، ونوجد قادرين على التمتع بالمغفرة الجزيلة التي ننالها جميعًا[186].

القديس يوحنا الذهبي الفم

المفهوم القديم عن سكنى الأموات في العالم السفلي أو بالعبرية "شيئول Sheol" لم يكن يفترض وجود نشاط للراحلين أو عواطف سامية لهم، إنما كانوا يُصوِّرون بأنهم محاطون بظلمة النسيان. وقد شارك بعض العبرانيين في هذا المفهوم العام إلى حد ما حتى زمن السيد المسيح، حيث أعلن الله مفهومًا أوضح وأعمق عن الحياة ما بعد الموت[187].

5. "أعوّم كل ليلة سريري،

وبدموعي أبل فراشي" [6].


"كل ليلة": ما أن ارتكب الخطية حتى صار في ظلمة كأنه في ليل، يرقد في فراشي الشهوات الدنسة الجسدانية. لهذا صار يبكي طالبًا مراحم الله. ناح داود بالليل على فراشه، حيث يرقد مع قلبه، ولم تشهد عينٌ ما حُزنه وآلامه، إنما تراه عين الله الذي كله عين (يرى الكل).

v أي شيء يمكن غسله بمجرد (صب ماء عليه)، بينما "البلل" يعني غمس الشيء بأكمله في الماء؛ هذا هو ما تشير إليه الدموع التي أغرقت أعماق القلب الداخلية فتبلل.

القديس أغسطينوس

*   حَزن داود وناح على الخطية التي ارتكبها منذ زمان بعيد وسنوات عديدة، كأنها حدثت منذ عهد قريب[188].

*   لم يطغه الثوب القرمزي الملوكي أو التاج على الإطلاق ولا كان متعاليًا بهما، إذ كان يدرك أنه إنسان، كلما شعر قلبه بالندامة راح يبكي نائحًا.

إن كنا نتذكر على الدوام خطايانا، لا يمكن للظروف الخارجية أن تجعلنا نتغطرس: لا الثروات ولا السلطان ولا الكرامة ولا إن جلسنا حتى في المركبة الملوكية ذاتها، وإنما نئن في مرارة[189].

v أترغبون في معرفة ما يجعل الفراش جميلاً حقًا؟ سأريكم الآن كرامة الفراش، لا فراش مواطن عادي أو جندي بل فراش ملك...، فراش أعظم ملك، أعظم ملوكية من كل الملوك، الذي لا يزال حتى الآن يُكرم بالترانيم في العالم كله؛ إنني أريكم فراش الطوباوي داود، فماذا يكون فراشنا؟ فراشه لم يكن مزينًا بالذهب والفضة، بل بالدموع والاعترافات... إنه يثّبت دموعه كاللآلئ في كل موضع من فراشه[190].

*   مزامير داود تُسبب فيضانًا من الدموع تنسكب! فكروا (في القديسين) كيف يقضون الليل كله في ذرف الدموع[191].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   بذرف الدموع ننال غسل المعاصي[192].

الأب بينوفيوس

*   ليس كل نوع من ذرف الدموع يتم بشعور متشابه أو بفضيلة ما واحدة:

* فمن ناحية قد تصدر الدموع بنخس خطايانا التي تضرب قلوبنا (مز 6: 7).

* وبطريق آخر، قد تنهمر الدموع خلال التأمل في الخيرات الأبدية والرغبة في المجد المقبل (مز 119: 5-6).

* وبوسيلة أخرى، تفيض الدموع لا خلال الشعور بخطية مميته وإنما خلال الخوف من الجحيم وتذكر الدينونة الرهيبة، التي ضرب بها النبي فصلى إلى الله، قائلاً: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك لأنه لن يتزكى كل حيّ أمامك" (مز 113: 2).

* أيضًا ثمة نوع آخر للدموع، علتها لا خطايا الإنسان بل قساوة قلوب الآخرين وخطاياهم، بهذه الدموع وُصف صموئيل أنه بكى لأجل شاول[193]...

الأب إسحق

v للصلاة المقدمة في المساء قوتها العظيمة، أكثر من تلك التي تُقدم في النهار. لهذا اعتاد كل القديسين أن يصلوا خلال الليل وهم يجاهدون ضد ثقل الجسد وعذوبة النوم،

مقاومين الطبيعة البشرية...

ليس شيء مخيٌف حتى بالنسبة للشيطان نفسه مثل الصلاة التي نرفعها ليلاً[194].

v لتكن هذه هي العلامة لكم، حينما تقتربون من الدخول إلى تلك المدينة؛ حينما تفتح النعمة عيونكم فتدركون أمرًا بالبصيرة الضرورية؛ عندئذ تبدأ عيونكم في ذرف الدموع حتى تغسل وجناتكم بسبب غزارتها[195].

*   الدموع بالنسبة للعقل هي التميز الأكيد بين الجسدانية والروحانية، وبين الإدراك العقلاني والنقاوة[196].

v كل مرة يثور في الروح التفكير في الله يشتعل القلب بالحب حالاً، فنذرف العينان دموعًا بغزارة؛ إذ اعتاد الحب على ذرف الدموع عند لقاء المحبوب[197].

القديس مار إسحق السرياني

6. "ساخت (اضطربت) من الغم (الغضب) عيني [7].

v اسمعوا كيف يصف المرتل أن الغضب يغطي عين القلب بسحابة كثيفة، فيقول: "بالغم" [7]، أو "بالحزن". أيضًا يشهد القديس يوحنا الإنجيلي كيف يُعمى الغضب عيني القلب: "الذي يكره أخاه هو في الظلمة ويسير في ظلمة، ولا يعرف إلى أين يمضي، لأن الظلمة أعمت عينيه! (1 يو 2: 11). بحسب هذه الشهادة، تُعمي عين القلب بالغضب المفاجئ، لكن نور المحبة ينطفئ بالكراهية[198].

الأب قيصريوس أسقف آرل

*   ليس ما يُكِدّر العين مثل الضمير الشرير... ليس ما يظلمها هكذا! حرروها من ذلك الأذى، فتجعلونها قادرة وقوية، منتعشة بالرجاء الحسن[199].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   النفس وهي في حالة الاضطراب الذي يمنعها من رؤية الله، إذا ما بدأت في الالتحام بالحكمة الإلهية تبدأ شمسها الداخلية في الإشراق.

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 6 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3- رفض شركة الأشرار:

إذ يتأكد العابد استجابة صلاته كهبه من الله، يمتلئ قلبه قوة جديدة، ويتغير مسار أفكاره ونغمة صوته ومزاجه. عوض القلق والكآبة والرثاء نسمعه كإنسان قد استعاد هدوءه، كاشفًا عن إرادة قوته في الله.

عندما تُستجاب صلاة قلب التائب تتحول أحزان الليل إلى خلاص الصباح، ويرفض المرتل الشركة مع الأشرار حتى يتجنب الظلمة وظلال موت الجحيم.

"ابعدوا عني يا جميع فاعلي الإثم،

لأن الرب قد سمع صوت بكائي.

الرب سمع تضرعي.

الرب لصلاتي قبل.

فليخر وليضطرب جميع أعدائي،

وليرتدوا إلى ورائهم بالخزى سريعًا جدًا" [9-10].


ما يُعبر عنه المرتل هنا ليس رغبة للانتقام ولا غضبًا بل هو كشف عن معرفة حقيقية تصدر عن الإيمان، معرفة بما يفعله الله مع (العابد) واصفًا أثر ذلك على معانديه.

v أما من جهة أن النبي يسبق فيعلن (يتنبأ) عما سيحدث في يوم الدينونة حينما يُفصل الأشرار عن الأبرار، أو أنه يطلب الانفصال بينهما من الآن، فواقع الأمر أنه مع أن (الفريقين) يشتركان معًا في ذات المجتمع، إلا أنه عندما تُبدر الحنطة تُفصل حبوب القمح النقية عن القش، وإن كان حسب الظاهر يبدو أنه مختلط به. فالقمح والتين يمكن أن يوجدا معًا، لكن لا يمكن أن يجتمعا معًا إذا ما ذراها الريح.

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 6 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


4- استجابة الصلاة [8-10]

حدث تغير مفاجئ، فالمرتل الذي كان يئن ويتنهد باكيًا، حاسبًا أنه فقد كل شيء،

نراه هنا يتحدث بفرح شديد.

المراحم التي ننالها بالبكاء والصلاة تناسبنا جدًا للتمتع بالرجاء.

من السهل جدًا على الله أن يربك أعداءنا في لحظة ليرد لنا بهجة خلاصنا وفرحنا فيه.  

+ إقرأ مزمور 6 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


توبني فأتوب

*   هب لي أيها الطبيب الحقيقي ينابيع دموع لأبكي على خطاياي الكثيرة!

*   انتزع موت الخطية فتنطلق كل حياتي بالتسبيح لك!

*   نجني يارب من أجل فيض نعمتك! احملني إلى ملكوتك المفرح!

 

+ إقرأ مزمور 6 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 7 PDF Print Email

أنشودة القديس المُفْتَرَى عليه

مرثاة يرفعها المرتل متضرعًا أمام محكمة الرب العادلة. مناسبتها هي حادثة كانت وقعت لداود حين اضطهده أعداء شرسون، ربما شاول ورجاله، الذين افتروا عليه، فهرب إلى حضرة الرب في الهيكل، لأجل سلامته الشخصية، وللبت في القضية واستصدار حكم بها وإعلان براءته. يرى أحد الدارسين Hans Schmidt أن حالة المرتل هنا كالتي تجسمت بشكل واضح في (1 مل 8: 31) الخ... حيث يتقدم المتهم البرئ إلى الهيكل طالبًا حكم الله الذي يبرره ويدين الخصم الذي يفترى عليه، موقعًا عليه عقوبة يستحقها[200].

يحّول داود النبي التقي كل حادثة تقع في حياته إلى مناسبة يرفع فيها قلبه ونفسه في تكريس عميق لله. فقد دفعته أقوال كوش وأفعاله الشريرة ضده إلى الصلاة والتغني بتسبحة تبعث بالتعزية في قلبه، وبالحياة المتدفقة في أوصال الكنيسة عبر كل العصور.


الإطار العام:

1. ثقة صلاة                [1-2].

2. داود البرئ               [3-5].

3. قم يارب                 [6-7].

4. الحكم الانقضائي         [8-9].

5. نهاية الشر               [10-17].

+ إقرأ مزمور 7 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


عنوان المزمور:

"شجوية Shiggaion لداود، غناها للرب بسبب كلام كوش البنياميني".

1. لا يمكن تحديد المعنى الأكيد لكلمة "شجوية Shiggaion"[201]:

أ. يفترض بعض الدارسين وجود علاقة بينهما وبين اللفظ الآشوري Iegu الذي يعني "مرثاة".

ب. يرى البعض أنها تعني "صراخًا عاليًا"، يحدث في حالة خطر محدق أو في حالة ارتباك أو تحت وطأة ألم شديد. وقد استخدمت هنا مرة واحدة في المزامير، وجاءت بصيغة الجمع "شجويات Shiginoth" في (حبقوق 3: 1)، حيث نجد تشابها شديدًا وعميقًا بينهما. ففي سفر حبقوق يبدو الصراخ بصوت عالٍ تحت وطأة نفس الظروف التي يتعرض لها المرتل في المزمور الذي أمامنا.

ج. يرى آخرون أن لفظة "شجوية" تعني "تجولاً" أو "تيهًا"، وثمة شروحات أربعة لهذا المعنى:

* الشرح الأول: أن هذا المزمور يُرنم بنغمة متغيرة (متجولة كما من موضع إلى آخر)؛ أي يقدم بنغمة تضم نغمات مختلفة ومتباينة مع تبدّل أزمنة وأساليب عزفها وآدائها.

* الشرح الثاني: أن المزمور يتسم بتنوع أوزانه وبحوره الشعرية.

* الشرح الثالث: أن داود النبي كان يتغنى بتجواله؛ وإن كان الدارسون لم يتفقوا معًا أكان التجوال هنا يشير إلى عدم استقراره في البرية، أو هو تيهًا في أخطاء ارتكبها أو بسبب تيه أخلاقي أو سلوكي.

* الشرح الرابع: أن داود يتغنى بتجوال أو بتيه أو أخطاء آخرين في تعاملهم معه.

د. يرى آخرون أن Shiggaion تعني "أنشودة مبهجة جدًا وعذبة".

2. "كوش": أكبر أبناء حام حمل هذا الأسم، لكن ثمة صعوبة تواجهنا حينما نعلم أن التاريخ لا يورد شخصًا معاصرًا لداود يحمل هذا الأسم"[202].

* يرى البابا أثناسيوس الرسولي والقديس باسيليوس الكبير أن كوشًا هذا يعني "حوشاي" الذي أثنى أبشالوم عن الإنصات لمشورة أخيتوفل، وقد دُعى ابن اليمين (بنياميني) لأنه تصادق مع أبشالوم ليحثه على عدم محاربة أبيه، فأعطى أمانًا لداود أو حُسب كمن عن يمينه يعمل لحسابه.

* يرى البعض أنه يقصد شمعي الذي كان بحق بنيامينيًا، منافسًا ومقاومًا لداود. وربما كان كوش البنياميني هذا هو أحد أنسباء أو أقارب شاول ألّد أعداء داود.

* لما كانت كلمة "كوش" معناها "أسود"، لذلك اعتقد البعض أن كوش البنياميني هو شاول البنياميني، الذي كانت نفسه من الداخل في ظلمة، بسبب شره وخبثه. من الجانب التاريخي يمكن ربط المزمور ب (1 صم 24، 28)، حيث يرمز شاول إلى ضد المسيح الآتِ.

* يرى القديس جيروم أن هذا المزمور يشير إلى الزمان الذي ثار فيه أبشالوم ضد أبيه داود. وقد بدد كوش مشورة أخيتوفل مشير أبشالوم وأرسل كلمة إلى داود (2 مل 15-17)، فتغّنى داود بهذه الأغنية.

+ إقرأ مزمور 7 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. اتكال وصلاة:

"أيها الرب إلهي، عليك توكلت،

خلصني من أيدي جميع المطاردين ونجني

لئلا يخطفوا نفسي مثل الأسد

حيث ليس من ينقذ ولا من يُخِلّص" [1-2].


هنا أول مثل في المزامير فيه يذكر اسمين للقدير: "يهوه" (الرب)، و"إلهي". إذ كان داود مضطربًا يتطلع إلى عدوه القاسي كأسد يود أن يمزقه [2]، لهذا يرفع صلاة وتسبيحًا للرب (يهوه) الذي يدخل مع شعبه في عهدٍ لحمايتهم، ويحسب يهوه إله كل الشعب هو إلهه الشخصي (إلهي). وكأن داود المؤمن يقول: "أنت هو رب كل الكنيسة عمومًا، وربي أنا بوجه خاص. أنت هو إلهي، فإلى من غيرك أذهب إذن؟ أنت إلهي وأنا عبدك، لي حق حمايتك لي فأنت درعي وملجأي".

الإيمان والصلاة هما مفتاحان بهما تُفتح أبواب مراحم الله؛ وهما الذراعان اللتان بهما يغلب المؤمن في التجربة القاسية ويقهر عدوه الروحي. في وقت الضيق يهرب دائمًا إلى رب كل الكنيسة ليحتمي به، هذا الذي يمنح حصنًا شخصيًا للمؤمن وله القدرة على تخليصه من خصمه الذي يهدده بالقتل. يجد المؤمن في الله كل كفايته وأمانه. وليس شيء أكثر يقينًا ولا أقدر قوة من حماية الله لكل من يلجأ إليه ويتكل عليه.

يصرخ داود النبي إلى الرب إلهه من أجل مطاردين كثيرين يريدون البطش به... لكنه يعود فيرى عدوًا واحدًا رئيسيًا، يشبهه بأسد يمزق فريسته [2]. وكراعٍ صغير السن فإن مشهد أسد يمزق حملاً إربًا كان مألوفًا لديه منذ صبوته (1 صم 17: 34-35). الأسد هنا هو الشيطان، الخصم المقاوم لكل البشر. إنه أسد زائر ومشتكٍ، يتهمنا، وهو كذّاب وأبو الكذاب؛ هو الحية القديمة، رئيس سلطان الهواء، إله هذا الدهر، رئيس الظلمة، الروح الذي يعمل حتى الآن في أبناء المعصية، وما من أحد يستطيع الصمود أمامه بقوة، أما حماية الرب فهي الرجاء الوحيد والأخير للخلاص منه. الكلمات التي ينطق بها المرتل هي كلمات شخص هزّه الفزع المميت، فسقط مرتعدًا انقطعت نفاسه وضاق به صدره. وفي ذات الأوان هي كلمات إنسان متمسك بالمشاعر العميقة أنه يجد موضعًا للأمان والحماية في الله الذي يمكنه أن يلقي عليه ثقته[203]؛ لأن مجد الله هو أن يعين الذين لا عون لهم.

بدأ الاضطهاد مع قايين، واستمر على أيدي أشرار كثيرين في أجيال متعاقبة. وها هي الكنيسة تعيش كما عاش دانيال في جب الأسود، التي تزأر على الدوام وتزمجر في كل مكان وزمان، تلتمس أن تقتل الأبرار، لكن نداءنا لله يدخل بنا إلى ملجأ آمن.

وسط الضيق الشديد وكثرة المقاومين لم يرى داود النبي إلا ذاك العدو الخطير الذي يريد أن "يخطف نفسه"... لم يخف داود على كرسي المُلك ولا على آلام الجسد التي قد تلحق به وإنما على نفسه لئلا تفقد إيمانها وتخسر أبديتها!

لقد خطف العدو نفس آدم الأول وأسرها تحت سلطانه، وظن أنه قادر أن يخطف نفس آدم الثاني، نائب البشرية ومخلصها... لكنه لم يستطع. في البستان صرخ السيد المسيح لدى الآب ليرفعنا إليه وقت الضيق، وإذ دخل الجحيم هزّ أركانه وأخرج نفوس الأسرى.

عدو الخير الأسد المزمجر لا يطلب إلا هلاك النفس، ومسيحنا الأسد الخارج من سبط يهوذا مخلص النفوس ومحررها بدمه الثمين!

v يقول الرسول: "إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه" (1 بط 5: 8)، لذلك حينما يقول بصيغة الجمع: "خلصني من جميع المطاردين لي"، يكمل بصيغة المفرد، قائلاً: "لئلا يمزق نفسي مثل أسد". إذ لم يقل: "لئلا يمزقوا نفسي في أي وقت". فهو يعلم يقينا من هو عدو النفس الكاملة وخصمها العنيف... إن لم يفتِد الله أو يُخلص ينقضّ الشيطان على فريسته.

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 7 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. داود البريء:

إذا كان العدو يطارد داود، التجأ الأخير إلى الله، في بيت الله، حيث يخضع لقسم التبرئة، مُقسمًا أنه برئ [4، 6؛ 1 مل 8: 31-32]، لا من كل خطايا، وإنما مما أتهم به ظلمًا! إذ وُجهت إليه تهمة التآمر والخيانة ضد حياة شاول وتاجه، تمامًا كما حدث مع أيوب (أي 31: 1) الخ، لذلك أقسم داود معلنًا تبرئته وتطهيره من هذا الذنب، باذلاً جهدًا عظيمًا لينطق مؤكدًا ضميره الصالح؛ وفي جرأة راح يستدر حكم الله العادل، فلا بديل لتبرئته سوى طلب عدالة الله. لهذا تضرع من أجل النجاة لكي يتمجد الله في حكمة بالبراءة.

من يتألم ظلمًا دون ذنبٍ ارتكبه لا يخاف شيئًا، بل يعرف يقينًا أن الله يسمعه ويستجيب لصلاته، ويحارب عنه معانديه، ويتحمل عنه كل ضيق، بل ويقاوم مقاوميه ومضطهديه (2 تس 1: 4، 8). إذ كان لداود ضمير صالح خاصة في معاملاته مع أعدائه لم يخش أن يحتكم للسماء. وكما يقول القديس بولس: "لأن فخرنا هو هذا، شهادة ضميرنا أننا في بساطة وإخلاص الله لا في حكمة جسدية بل في نعمة الله تصرفنا في العالم ولا سيما من نحوكم" (2 كو 1: 12). كما يقول القديس يوحنا الحبيب: "أيها الأحباء، إن لم تلمنا قلوبنا فلنا ثقة من نحو الله" (1 يو 3: 21). من له الضمير الصالح في الرب لا يخشى مقاومة الناس بل يحتكم لله الفاحص الأعماق. كثيرًا ما يتعرض للضيقات، لكنه يؤمن بذاك القادر أن يبرر ويمجد أولاده!

إذ لم يحتقر داود النبي وصية الله فأحب أعداءه دون أن يُضمر في قلبه شرًا أو يحمل فيه حقدًا، لهذا اطمأن أنه لن تحل به لعنةً ما بل يستجيب الله لصلاته.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم ستة شروط لاستجابة الصلاة[204]:

أ. أن يكون الطالب مستحقًا لنوال طلبه.

ب. اتفاق الطّلبة مع ناموس الله.

ج. مداومة الطلبة.

د. ألا تكون الطلبة أمرًا دنيويًا.

ه. أن يكون الطالب مجاهدًا في حياة الفضيلة.

و. أن تتفق طلبته مع مشيئة الله.

يُعلن المرتل براءته أمام الله، قائلاً:

"أيها الرب إلهي إن كنت فعلت هذا،

وإن كان ظلمًا في يديّ؛

أو جازيت الذين صنعوا بي الشرور،

أسقط إذن أمام أعدائي فارغًا" [3-4].

سقط شاول بين يديّ داود مرتين، مرة في مغارة عدلام وأخرى في برية زيف، لكنه لم يمس شعرةً منه ولم يؤذه؛ بل ولم يدع أحدًا من أعوانه يتعرض لشاول بالضرر. هكذا يتعامل رجل الله مع عدوه من بني البشر بالخير الذي أوصاه به الكتاب المقدس (1 صم 24، 26). وكأن داود يقول: "إن كنت مذنبًا فإنني اعترف بأنني هكذا، ولكنني إن كنت أصنع خيرًا حتى مع أعدائي فليضطهد عدوي نفسي ويدركها ويدوس في الأرض حياتي... [5]. إن كان كوش يقيم ضدي اتهامًا صادقًا يُدينني، فلتحلّ بي كل أشر المهالك، وليقع بي كل ما يشتهيه ضدي عدوي، وليسلبني حياتي، ولينزعني من الوجود، وليدفن في التراب مجدي [5][205].

*   أي مجد لنا إن كنا لا نؤذي من لا يؤذينا؟! بل الفضيلة الحقة هي أن نغفر لمن يؤذينا[206].

القديس أمبروسيوس

v كان موسى وديعًا أكثر من جميع الناس (عد 12: 3)؛ وكان داود وديعًا بزيادة (مز 131: 2). لهذا يحثنا بولس هكذا: "عبد الرب لا يجب أن يخاصم بل يكون مترفقًا بالجميع، صالحًا للتعليم، صبورًا على المشقات، مؤدبًا بالوداعة المقاومين" (2 تي 2: 24-25). فلا تطلبوا الانتقام لأنفسكم ممن يؤذونكم، إذ يقول (الكتاب): "إن جازيت الذين صنعوا بي الشرور (بالشر)" [4]. لنصيرّهم إخوة لنا بترفقنا[207].

القديس أغناطيوس الأنطاكي

v "إن جازيت الذين صنعوا بي الشرور، لأسقط إذن بلا دفاع أمام أعدائي" [4]. ما المقصود بالقول "لأسقط"؟ طالما الإنسان على قدميه تكون له القوة أن يقف أمام أعدائه، يضرب ويُضرب، فينال نصرة أو تحل به الهزيمة، لكنه يظل واقفًا على قدميه؛ أما إن زلت قدماه وسقط ملقيًا على الأرض، فكيف يقدر على الاستمرار في مقاومة عدوه؟ لهذا نصلي بغيرة ألا نسقط أمام أعدائنا لئلا نسقط أمام أعدائنا، ولئلا يكون سقوطنا دون وجود دفاع... نطلب أن يلقينا (الخصم) أرضًا بهذه الكيفية إن كنا نجازي الشر بالشر.

لا نطلب هذا فقط، بل نضيف: "ويدوس في الأرض حياتي" [5]. ما المقصود بحياتنا؟ قدرتنا على العمل في الفضيلة، واقتدارنا في العمل التقوى، فإننا نطلب ذلك أن نُداس في الأرض فنصير أرضيين تمامًا، وتنحدر كل أفكارنا وأعمالنا إلى الأمور الأرضية.

"ويحل مجدي في الثرى (التراب)" [5]. ما هو مجدنا هذا إلا المعرفة التي تتولد في النفس بحفظ الوصايا؟!...

إننا نلعن أنفسنا إن جازينا الشر بالشر... ليس فقط بالعمل وإنما أيضًا إن جازيناهم بالكلمات أو في النية... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فإنه أحيانًا يجازي الإنسان الشر بالشر حينما يزعج أخاه بالنية أو بحركاته أو نظراته عن عمد. وثمه إنسان آخر قد لا يُجازي الشر بالشر بتصرفاته أو كلماته أو اتجاهاته أو تحركاته وإنما حين يُجرح قلبه فيُظهر امتعاضًا نحو أخيه... وثالث قد يسمع أن أحدًا ضايق (عدوه) أو وشى به أو قاومه فيفرح لسماع ذلك، بهذا يعرف بوضوح أنه يجازي الشر بالشر[208].

الأب دورثيؤس من غزة

*   نكرر هذه الكلمات كثيرًا: لنتجنب أن نجلب اللعنة على أنفسنا. لنتجنب أن نجازي الشر بالشر[209]!

القديس قيصاريوس أسقف آرل

لقد حسب داود النبي موته – يدوس العدو في الأرض حياته – أمرًا شريرًا، أما أن يحل مجده في التراب فهذا شر أعظم [5]!

+ إقرأ مزمور 7 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. قم يارب:

"قم يارب برجزك،

وارتفع فوق أقطار أعدائي.

استيقظ يارب وإلهي بالأمر الذي أوصيت

ومجمع الشعوب يحوط بك.

ولأجل هذا ارجع إلى العلاء" [6-8].


يلاحظ في الليتوجيات الخاصة بأعياد الصليب تُختار المزامير التي يرد فيها كلمة "ارتفع"؛ وكأن الكنيسة تتطلع إلى هذه المزامير بكونها إعلانًا عن ارتفاع السيد المسيح على الصليب ليحطم العدو إبليس ويهب نصرة لشعبه ومجدًا لأبيه.

هنا قبل أن يتحدث عن الحكم أو الديبنونة الانقضائية في يوم الرب العظيم يشير إلى صلب الرب "ارتفع" وقيامته "استيقظ" وصعوده "ارجع إلى العلاء"

يقول المرتل "قم" للرب الذي لا ينعس ولا ينام (مز 121: 4). في وسط الضيق يبدو لنا وكأن الشر قد انتصر، لذا نصرخ إلى الرب بكلمات المرتل هذه التي تكشف عن مدى نفاذ صبره وما يُعانيه من عذاب. يبدو له كأن الرب لم يقم ليعمل ويخلصه مما يعانيه. صلاته تكشف عن احتياجه الشديد وعجزه الواضح عن النجاة، لذا يطلب من الرب أن يقوم ليواجه المأزق الذي يعيش فيه المرتل[210]. ارتبطت هذه الصرخة أو هذا النداء بتابوت العهد الذي يرمز للحضرة الإلهية وسكنى الله وسط شعبه وهم في البرية أو أثناء الحروب فيما بعد (عد 10: 35؛ مز 68: 1؛ 1 صم 4: 1-4). كما يرتبط ذات التضرع بعمل الله مع الضعفاء الذين لا ملجأ لهم (إش 51: 17).

"قم يارب": ليس عملنا أن نصدر حكمًا على عدو؛ إذ لنا إنجيل له رسالة إيجابية مباركة. فالمسيحي ينبغي أن يسمو فوق الغيرة والأحقاد والوشاية والافتراءات، ولا يليق به مطلقًا أن ينحدر من مستوياته العالية السامية ليدافع عن نفسه بذات أساليب أعدائه، ويجازيهم شرًا بشر. فإن كانت هناك حاجة إلى سلاح أو سيف، إن كانت هناك حاجة إلى حكم وإدانة، فلنترك الرب نفسه يتصرف، هو يقوم ليُدين المسكونة كلها بالعدل[211].

يرى المرتل في شدة حزنه كأن الديان قد ترك منصة القضاء إلى حين، وها هو يتوسل إليه أن يقوم ليفصل في قضيته. لقد سلم كل شيء بين يديه، يحكم بينه وبين أعدائه. صمتْ الله يعلن عن طول أناته، لكن إذ يسيئ الأشرار فَهْم طول أناه الله فيطأوا قديسيه في التراب تحت أقدامهم، يقوم الله ويقضي.

v إذ لم يعرفوك في حنانك، فليختبروك في غضبك. "ارتفع فوق حدود أعدائك" [7]. هنا يتوسل المرتل من أجل أعدائه، إذ يتمجد الله في أرضهم، عندما يكفون عن أن يصيروا أعداء، وترتفع يارب بينهم[212].

القديس جيروم

v بالتأكيد تصلي النفس ليس ضد البشر بل ضد الشيطان وملائكته، الذين ينتمي إليهم الخطاة والأشرار. إنها علامة التقوى لا الغضب أن يطلب أحد الرب الذي يبرر الفجار (رو 4: 5)، ليسلب الشيطان فريسته. فإن تبرير الفاجر يعني العبور من النجاسة إلى القداسة، ومن سلطان الشيطان إلى هيكل الله.

القديس أغسطينوس

كأن المرتل يصرخ إلى الرب الديان والمخلص أن يقوم ليدين حالة العداوة والشر، فيُحطم بصليبه وقوة قيامته شر الأشرار ويحولهم إلى بره. هذا ما يعنيه "ارتفع فوق أقطار اعدائي"[6]، أي، ليغرس صليبك في قلوبهم، وليطهر دمك أعماقهم، ولتحول أرضهم المظلمة إلى ملكوتك، ملكوت النور والفرح. لتجمع منهم أعضاء مقدسة "مجمع الشعوب يحيط بك"؛ لتُقم منهم كنيستك التي بلا عيب  ولا عداوة.  

ارتفع يارب على الصليب على أرض العدو لتقيم منه صديقًا، بل وعروسًا مقدسة لك. استيقظ يارب من بين الأموات في وسط الشعوب التي أماتتها الخطية لتخلق منها كنيستك الحية بك. لترجع إلى العلاء ولتصعد إلى سمواتك، لتُجلِس الكل معك أيها البكر.

يعلق القديس جيروم على الكلمات: "استيقظ يارب وإلهي... ومجمع الشعوب يحيط بك" [7]، قائلاً: [بإن ربنا قد تمجد بقيامته].

v هذا فعلاً ما نقوله: لقد تألمت لأجلنا؛ لقد صلبت عنا، قم وخلصنا... قم حتى تؤمن بك جموع أكثر فأكثر، فإنه ماذا نطلب بعد قيامتك؟ عُد إلى الآب. "وفوق هذا اصعد إلى العلاء" [7]، لأجل من؟ لأجل مجمع الشعوب. لقد تألمت لأجلنا، وأنت قمت لأجلنا، وصعدت لأجلنا "وفوق هذا (المجمع) أصعد إلى العلاء"، "لا يصعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يو 3: 13) [213].

القديس جيروم

هذه هي صلاة المرتل داود حتى من أجل أعدائه، يريد أن يرى المخلص قد تمجد فيهم، محطمًا شرهم بصليبه ليقيمهم معه، ويرفعهم إلى سمواته. هذه الصلاة تتفق والحق الإلهي، إذ يقول "بالأمر (الحق) الذي أوصيتَ" [7]. يطلب المرتل ما يتفق مع خطة الله الخلاصية وحقه وحبه للبشرية. وكما يقول القديس يوحنا: "وهذه هي الثقة التي لنا عنده أنه إن طلبنا شيئًا حسب مشيئته يسمع لنا" (1 يو 5: 14). أيه مشيئة إلهية أوضح من خلاص البشرية بالصليب وتمتعها بشركة الأمجاد السماوية؟!

+ إقرأ مزمور 7 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


4. الحكم الانقضائي:

"الرب يدين الشعوب.

دنّي يارب على حسب عدلي (كحقي)

وعلى قدر عدم شري (كمالي) عليّ" [8].


مادام داود بريئًا في هذه القضية فقد تضرع إلى الرب أن يفحص أعماق قلبه.

*   لاحظوا كيف أن هذه النفس التي تصلي بكمال لم تخف يوم الدينونة، إنما تصلي بشوق دون قلق: "ليأتِ ملكوت" (مت 6: 10)...

"اقض لي يارب كَبرِّي، وحسب براءتي، لأن برّي وبراءتي هما من العلي... أنت تضئ سراجي يارب (مز 18: 28)... اقضِ لي حسب اللهيب الذي هو من فوق، الذي لم يصدر عني بل يضئ فيّ حينما تضرمه أنت من عندك.

القديس اغسطينوس

داود النبي يطلب هنا من الله أن يقضي له بحقه يتضرع إليه في موضع آخر ألا يدخل معه في المحاكمة، إذ لا يستطيع أحد أن يتبرر قدامه. ما يطلبه هنا لا أن يبرر ذاته أو يفتخر بقداسته إنما أن ينصفه ممن اتهموه ظلمًا وأساءوا فهم تصرفاته. لهذا يلجأ إليه كقاضٍ عادل، فاحص القلوب والكلى[9]؛ هو نار تأكل الشر وتزكي الحق: "ليفنَ شر الخاطي ويستقيم الصديق" [9].

يعلق القديس جيروم على هذه الفقرات التي فيها يطلب داود النبي أن يحكم الله كحق المرتل ومثل كماله [8]، قائلآً: [لا يقدر داود أن يذكر هذه الكلملت عن نفسه، إنما هي بالحقيقة تخص المخلص الكامل الذي لم يخطئ قط]. إنها بالحق كلمات السيد المسيح ابن داود القائم من الأموات والصاعد إلى العلاء لأجلنا.

+ إقرأ مزمور 7 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


5. نهاية الشر:

"ليفنَ شر الخاطي، ويستقيم الصديق" [9].

يرى العلامة أوريجانوس أن المرتل هنا يطلب أن يحطم الله الشر فيتحرر الخاطي من عدو الخير ويصير صديقًا مستقيمًا في طريقه.

يسأل داود النبي الله أن يبيد شر الخطاة وأنت يثبت الأبرار، مؤمنًا أن الشر في النهاية ينتهي ويُباد، وأن الله يسعى أن يتصالح مع الخاطي، لا مع خطيته أو شره.

بمعنى آخر لم يطلب داود النبي من أجل إبادة الأشرار بل إبادة شرهم. لم يطلب أن يُفني الله أعداءه بل أن ينهي عداوتهم بغير رجعة، لكي يصير الشرير صالحًا؛ كما يطلب منه أن يُثبت الصديقين.

بعمل ربنا الخلاصي: صلبه وقيامته وصعوده، ينتهي الشر إما بعودة الأشرار إلى إلهم بالتوبة، أو بدينونتهم في اليوم الأخير.

"فاحص القلوب والكلى هو الله" [9]

الله في دينونته للأشرار لا يحتاج إلى شهود، إذ هو مدرك للخفيات، عارف ما تخفيه القلوب من مشاعر أو عواطف وأفكار، وعالم بما في الكلى من رغبات وشهوات... كل شيء مكشوف وعريان أمامه، فلا يخطئ الحكم.

*   "سينير الله كل خفايا الظلام" (1 كو 4: 5)، يتم ذلك بالمسيح، إذ هو النور (إش 42: 6)، كما يعلن أنه هو سراج "فاحص القلوب والكلى"[214].

العلامة ترتليان

في يوم الدينونة سينتهي الشر تمامًا، الأمر الذي لا يتحقق الآن، لا عن عجز وإنما لأجل طول أناة الله، مقدمًا للكل فرصًا للتوبة والرجوع إليه.

يقول المرتل: "الله قاضٍ عادل وقوي وطويل الأناة، ولا يرسل رجزه في كل يوم" [11].

إن كان المرتل يطلب من الله أن يبرره حسب كماله من جهة الافتراءات التي وجهها العدو ضده، فإنه يعلم أنه هو نفسه كما أعداءه يحتاجون إلى طول أناة الله، وأنه لو غضب ليجازي كل إنسان في الحال لما خلص أحد.

v "الله قاضٍ عادل وقوي وطول الأناة، ولا يرسل رجزه في كل يوم" [11].  لكن إن أسأنا استخدام طول أناته، يأتي وقت لا تكون فيه فرصة لنا للتمتع بطول أناته علينا ولو لفترة وجيزة بل يحل علينا العقاب فورًا[215].

v هنا على الأرض لدينا سبب للتوبة، إنه طويل الأناة، ومن ثم يقتادنا إلى التوبة؛ لكن إن كنتم تستمرون في خطاياكم فإنكم بحسب قساوتكم وقلبكم غير التائب تذخرون لأنفسكم حمو غضب[216].

القديس يوحنا الذهبي الفم

هكذا يدرك المرتل طول أناة الله حتى على الأشرار، لكن يلزم ألا نتراخى فقد أعد السيف والقوس لإبادة الشر، السيف للضرب عن قرب والقوس للضرب عن بعد.

"إن لم ترجعوا سيصقل سيفه.

أوتر قوسه وأتقنها، وأعدَّ فيها أواني الموت.

صنع سهامه للملتهبين" [12-13].


بالفعل أستخدم السيف والقوس معًا في قتل شاول (1 صم 31: 3-4). الإثنان يشيران إلى الله نفسه، إذ عدله حاد وقاطع كالسيف وراشق وماضٍ كسهام الحرب. وقد مدّ الله قوسه وهيأه لضرب قلب الشرير وضميره القاسي، لكي يهبه التوبة بتحذيره وتبكيته، فإن الله يُريد أن يحرق بسهامه النارية الخطية لا الخاطي. يود أن تفنى الخطية بسيفه، أي بكلمة الله، فيصير الخاطي بارًا بالنعمة الإلهية.

يرى القديس أغسطينوس أن القوس هنا هو كلمة الله، إذ يقول: [هذا القوس فيه تظهر قوة العهد الجديد كأوتار...

هذا القوس أطلق الرسل كسهام، أي أرسلهم كارزين بالكلمة الإلهية. هذه الأسهم جعلها (الله) مهيأة للذين هم ملتهبون، أي يضطرمون بنار حب الله عندما تطعنهم هذه السهام. فبأي سهم آخر طُعنت نفس القائل: "أدخلتي إلى بيت الخمر، أقامني بين الأطياب. اسندوني بأقراص الزبيب. انعشوني بالعسل، فإني مجروحة حبًا" (نش 2: 4 LXX)].

أية سهام أخرى تقدر أن تشعل بالنار ذاك الذي يقرر الرجوع إلى أحضان الله، هذا الذي يقطع تيهه، ويطلب عونًا ضد الألسنة الغاشة، قائلاً: "ماذا تُعطي وماذا تزاد بأزاء اللسان الغاش؛ سهام الأقوياء مرهفة مع جمر البرية" (مز 120: 3-4)؟! كأنه يُقال: إن طعنتُك هذه السهام واضطرمت فيك نار هذا الجمر، تحترق بحب ملكوت السموات، فتحتقر ألسنة مقاوميك الذين يريدون أن يصدّوك عن غايتك.

القديس أغسطينوس

يرى البعض أن الحديث في هاتين الفقرتين (12، 13) هو عن الشيطان بمعنى إن لم تتوبوا وترجعوا عن طرقكم تمكثون تحت سلطان إبليس الذي يُعد سهامه دائمًا لتكون على أهبة الاستعداد لضربنا وإسقاطنا. لهذا يضيف المرتل: "أعدَّ فيها أواني الموت" [12]؛ ويقول القديس بولس إن سهام إبليس ملتهبة (أف 6: 16). وكأن الشرير يعطي إبليس فرصة ليلهب قلبه بالشهوات الشريرة، فيصير بالأكثر فريسة للأسد الذي يعمّق له حفرةً ويقتاده معه حتى موت الجحيم.

إذ يتحدث المرتل عن الشر، يُشبِه الشرير بالمرأة الحامل الذي تعيش زمانًا على رجاء انجاب إنسان جديد يُفِّرحِ قلبها، وتتحمل الآلام خاصة أوجاع المخاض، فإذا بها تنجب باطلاً وظلمًا.

"هوذا الإثم قد تمخض،

حبل وجعًا وولد ظلمًا" [14].

من يتحد بالسيد المسيح يُنجب ثمر الروح: محبة، فرحٍ، سلام... (غلا 5: 22)، يلد حقًا. أما من يتحد بإبليس فينجب كذبًا وخداعًا مع عنف وقلق.

v كل إنسان يحمل، ولا يوجد من هو ليس بحاملٍ، لكن البعض يحمل من السيد المسيح وآخرون من إبليس. من يحمل من إبليس يُقال عنهم: "هوذا بالإثم حبل تعبًا وولد فشلاً" [14]، بينما كُتب عن الذين يحبلون خلال الروح القدس: "حبلنا تلوَّينا بالألم،  ولدنا روح خلاصكم" (إش 26: 18 LXX)[217].

الأب قيصريوس أسقف آرل

يُشبِه المرتل الأشرار أيضًا برجل يحفر حفرةً لأخيه فيسقط فيها، إذ يقول:

"حفر جُبًا وعمَّقه سيسقط فيه،

وفي الحفرة التي صنعها" [15].


*    لا تفتحوا إذن جبًا (حمام سباحة) ولا تحفروه بالرذائل والجرائم، لئلا يُقال: "فتح جبًا، حفره فسقط في الحفرة التي صنعها"[218].

القديس أمبرسيوس

بينما ينهمك الشرير في حفر جب وإعداده إذ به يسقط فيه. هكذا يكشف داود النبي أن الخطية تحمل في أعماقها جزاءها، كما يحمل البر في ذاته المجازاة، هكذا يعلن الكتاب المقدس:

"من يحفر حفرة يسقط فيها، ومن دحرج حجرًا يرجع عليه" (أم 26: 27).

"من يحفر هوَّةً يقع فيها، ومن ينقض جدارًا تلدغه حيّة" (جا 10: 8).

"جلبت طريقهم على رؤوسهم" (حز 22: 31).

"ساروا وراء الباطل وصاروا باطلاً" (إر 2: 5).

*    إن تحفر حفرة معناه أن تعد فخًا في أمور دنيوية ملتوية، كمن يحفر في الأرض، ليُسقط أحدًا في حبائله، هذا ما يفعله الظالم مخادعًا الغير.

يحفر الخاطي هذه الحفرة عندما يفتح نفسه لاقتراحات زمنية مملؤة طمعًا. يحفرها هو حين يفعل ذلك فيسقط في الخداع.

القديس أغسطينوس

يقول الأب سيرينيوس[219]: [إن الشياطين تقاوم البشر لكن ليس بدون جهد من جانبهم ليضمنوا النصر عليهم، فيسقطون فيما يصنعونه بنا، إذ قيل: "وعلى هامته يرجع ظلمه" (مز 7: 16)، وأيضًا: "لتأته التهلكة وهو لا يعلم ولتنشب به الشبكة التي أخفاها وفي التهلكة نفسها ليقع" (مز 35: 8)، أي في التهلكة التي دبرها بغشه للبشر، فتسقط الأرواح الشريرة في الحزن، وإذ تريد إهلاكنا تهلك هي بواسطتنا بنفس التهلكة التي يرغبونها لنا].

يختم المرتل المزمور بالاعتراف بعدل الله والتسبيح لاسمه، إذ يعمل الله في حياته ويرد الشر على العدو الشرير:

"اعترف للرب على حسب عدله،

وأرتل لاسم الرب العلي" [17].

هذه هي أول مرة في سفر المزامير يُدعى فيها الله بالعلي The Most High. أول مرة تصادفنا فيها هذه الكلمة في الكتاب المقدس في (تك 14: 18)؛ تتكرر كثيرًا في أسفار موسى الخمسة، وأيضًا في الأسفار الأخيرة. تتكرر في المزامير أكثر من عشرين مرة.

الله هو العلي في سمو مجده طبيعته ومشورته وتدبيره. ليس أحد مثله، ولا شريك له، وليس أحد بجانبه. ليس فقط هو في الكل وبالكل وإنما أيضًا على الكل، أي فوق الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد[220].

*    يا له من قول جميل: "العلى"، لأن الرب ارتفع قدر ما اندحر الشيطان.

القديس جيروم

يختتم المزمور بأنشودة الفرح والانتصار مع التسبيح، مُحولاً الحزن إلى فرح، ومقاومة الأعداء إلى خبرة عمل الله معنا لينفتح اللسان بالتسبيح.

*    التسبيح هو علامة الفرح، بينما التوبة عن الخطية تتحدث بلهجة الحزن.

القديس أغسطينوس

يعلمنا داود النبي أن نسبح الله ونشكره في أحلك الظروف، كما فعل أيوب الصديق، وكما رنم الرسولان بولس وسيلا في غياهب سجن فيلبي.

v لنسبح الرب على الدوام، ولا نتوقف قط عن تقديم الشكر له على كل حال، بالكلمات كما بالأعمال. لأن هذه هي ذبيحتنا؛ هذا هو قرباننا؛ هذه هي أعظم ليتورجيتنا أو خدمتنا الإلهية، بها نتشبه بالحياة الملائكية. إن كنا نستمر هكذا نسبح له فسننهي حياتُنا هذه بلا ملامة متمتعين بالخيرات الصالحة المستقبلة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ إقرأ مزمور 7 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صلاة

*   علمني يارب ألا أجازي الشر بالشر،

بل اطفئ نار الشر بمياه روحك القدوس واهبة الحب!

*    هب لي ألا أخاف الأسد المزمجر ضدي،

فأنت هو حصني، الأسد الخارج من سبط يهوذا!

*    قم في حياتي الداخلية كما في قلوب كل البشر،

أقمنا من كل ضعف، أصعدنا معك في السماويات،

هب لنا نصيبًا في أحضان أبيك، واحضرنا معك على السحاب.

*    علمني أن أشكرك بلا انقطاع بإعلان مجدك فيَّ!

 

 

+ إقرأ مزمور 7 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 8 PDF Print Email

سلطان ابن الإنسان

هذا المزمور هو أغنية تسبيح أو حمد، تُمجّد الله الخالق، لأنه أعطى البشر المسئولية والكرامة. يدور المزمور كله حول عظمة الله ومجده خلال عظمة الإنسان وكرامته!

يُعلن هذا المزمور ويكشف عن مجد اسم الله ونعمته الفياضة الغزيرة، مُترنّمًا بمن هو الله، وما هي أعماله نحو الكون كله، وعلاقتنا نحن به، وعلاقة العالم به. ويسلط الضوء على سبل الله الغير مُتوقعة في الأدوار التي كلف بها الأقوياء والضعفاء [2]، وأعماله المنظورة والخفية.

ويجيب المزمور على السؤال: "من هو الإنسان؟"، وذلك من خلال عمل ابن الإنسان الكفّاري الذي تجسد وظهر في منتهى الاتضاع وإخلاء الذات، ووُضِع قليلاً عن الملائكة، وذاق الموت عن كل إنسان، وقد تكلل الآن بالمجد والكرامة؛ وذلك لكي نتمجد نحن أيضًا فيه ومعه. يمعنى آخر، أُستُعلِن مجد الله وظهر في كرامة الطبيعة البشرية كما كانت عليها في أصلها وبدايتها، وفي استعادتها أيضًا في السيد المسيح الذي صار "ابن الإنسان".

وكما في مزامير أخرى كثيرة فإن نفس المرتل تمتلئ بشعورين أساسيين: مخافة الله والفرح بمجده. والمزمور كله يزخر بمنظومة يوحي بها هذان الشعوران أو الاتجاهان، اللذان ليسا هما متضادين وإنما متكاملان. فإن مهابة الله أو مجده تُقدم سلامًا وفرحًا في أعماق أولاده الذين يرجون الشركة في الأمجاد السماوية.

يرى بعض الدارسين أن هذا المزمور نظمه داود النبي ليلاً، حين كان يسهر على القطيع، فهو زاخر بالتأملات الليلية.

+ إقرأ مزمور 8 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مزمور مَسِيَّاني:

أُقتُبِس هذا المزمور في العهد الجديد ثلاث مرات، فيشير إليه ربنا يسوع المسيح حينما هتف الأطفال في الهيكل: "أوصنا لابن داود" (مت 21: 16)، كما اقتبسه بولس الرسول في (1 كو 15: 27) و(عب 2: 5-9)، مُظهِرًا أنه يشير إلى ربنا.

وقد أُعتُبِر مزمورًا مَسِيَّانِيًا على أعلى مستوى[221]. إنه نبوة تخص السيد المسيح في آلامه، وقيامته، وسلطانه على كل المخلوقات. فيقول أحد الدارسين السريان: [المزمور الثامن يخص المسيح مخلصنا].

وفي النص العبري للمزمور نجد أن كلمة يهوه هي أول كلمة لأول وثامن آية، ولما كان رقم 8 يرمز إلى العالم الآتي أو نهاية العالم، لهذا يشير المزمور إلى يهوه بكونه الأول والآخِر، الذي يحتضن كل المؤمنين ليرفعهم إلى الأمجاد الأبدية.


إطاره العام:

1. ما أعجب اسمك!                                               [1-3].

2. المفارقة بين الكون المهيب والكائنات البشرية الضئيلة الحجم     [3-4].

3. كرامة الإنسان كهبة إلهية                             [5-9].

4. تمجيد اسم الرب                                                [9].

+ إقرأ مزمور 8 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


العنوان:

"للتمام وعلى المعاصر، لإمام المُغنّين على (الجَتَّيِة) Gittith ...".

أُستُخِدمت لفظة "جَتَّيِة gittith" في عنوان المزمورين (81، 84). والمزامير الثلاثة التي لها هذا العنوان ذات سمة فرح مميزة، نابعة عن الحمد والشكر والتسبيح لله.

هي لفظة قريبة الصلة بعض الشيء من المدينة الفلسطينية جت Gath، وربما تشير إلى آلة موسيقية. وهي نوع من القيثارة، وربما تشير إلى نغمة موسيقية معينة، أو بداية لأغنية مشهورة في مدينة جت. على أي الأحوال كان لداود علاقة وثيقة بالفلسطينيين، إذ عاش معهم حين كان هاربًا من وجه أبشالوم (1 صم 27: 1-7)، وكان قد عّين منهم حرسًا خاصًا له (2 صم 8: 18).

وكلمة جَتَّيِة gittith في العبرية تعني "معصرة خمر" (قض 6: 11؛ مر 1: 15؛ يؤ 3: 13)، وردت في صيغة الجمع gittoth في (نح 13: 15) تحمل نفس المعنى تقريبًا. أما الترجمة السبعينية وأيضًا اللاتينية (الفولجاتا) فاستخدمتا العنوان "على المعاصر"، وفي هذا إشارة إلى أدوم التي ستُداس كما يُداس العنب في معصرة الخمر. وربما يشير إلى الدم الثمين الذي انسكب على صليب الجلجثة، هذا الذي انسكب كما في معصرة (إش 63: 1-4). ولهذا العنوان صلة بعنوان المزمور التاسع "موت لابِن muth Labben" أي "موت الابن".

*   يمكننا أن نأخذ المعصرة بمعنى أنها "الكنيسة"... لأن الكلمة الإلهية ذاتها يُمكن أن تُفْهَم بكونها عنبًا، كما دُعِى الرب عنقود عنب (كرمة)، هذا الذي سبق فأُرسِل قبلاً إلى شعب إسرائيل من أرض الموعد مِعلقًا على خشبة، كما لو كان مصلوبًا (عد 13: 23)...

هذا الخمر الذي من نتاج العهد الجديد، يشربه الرب مع قديسيه في ملكوت أبيه (مت 26: 29)، حلو المذاق جدًا وصحيّ للغاية.

*   تشير المعاصر (جمع كلمة معصرة) أيضًا إلى الاستشهاد؛ فالذين يعترفون باسم السيد المسيح تطأهم ضغطات الاضطهاد، بينما تبقى قشور الثمار على الأرض (ما تبقَّى من العصر) إذا بنفوسهم ترتفع لتستريح في المساكن العلوية (كالخمر).

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 8 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1- ما أعجب إسمك!

"أيها الرب ربنا مثل عجب صار اسمك على الأرض كلها، لأنه قد ارتفع عظم بهائك فوق السموات" [1].

1. عجيب هو إسم الله في الخليقة وفي عهده الذي أقامه مع الإنسان، أينما وجد الإنسان! "مثل عجب صار اسمك على الأرض كلها".

ماذ تعني الأرض؟ إنها ترمز إلى جسدنا الذي أُخذ من الأرض، إذ يتمجد الله في هذا الجسد الذي كرّمه بتجسده، إذ أخذ جسدنا! كما يجدد جسدنا بروحه القدوس في مياه المعمودية ويُشّكله ليصير هيكله المقدس.

هذا ويملأ مجده "الأرض كلها" كخالق للمسكونة.

*   تُنتج الفنون البشرية بيوتًا وسفنًا ومدنًا وصورًا. لكن كيف أخبر عما يصنعه الله؟ تأملوا المسكون كلها، إنها عمل يديه: السماء والشمس والملائكة والبشر هي صنعة أصبعه. يا لعظم قدرة الله[222]!

القديس أكليمندس

*   بالنسبة للإنسان على الأرض، فيما يخص طبيعته الجسدية فهو تراب ورماد، لكن الله كرَّمه إذ خلقه على صورته ومثاله، لا في شكله الجسدي، بل بالحري بقدرته أن يحيا بارًا وصالحًا، ولائقًا لممارسة كل فضيلة. لهذا يعتني به خالقه بكونه خليقته بهدف تزيين الأرض به. وكما يقول إشعياء النبي: "لم يخلقها باطلاً، للسكن صوِّرها" (إش 45: 18)، تسكنها بالطبع الكائنات العاقلة التي تفكر بكل أنماط الذهن في الخالق والمُبدع المسكونة فيمجدونه مثلما تفعل الكائنات العلوية[223].

القديس كيرلس الكبير

يرى القديس أكليمندس الإسكندري والعلامة أوريجانوس والقديس غريغوريوس النيصي أن الله فوق كل إسم. وأن أسماءه أُعطِيت لنا فقط لكي نتعرف عليه بعقولنا المحدودة.

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [كيف يمكن لذاك الذي يفوق كل شيء على الدوام أن نعرفه خلال إسم؟... كثيرًا ما يدعوه العظيم داود بالعديد من الأسماء، مُقِرًّا أن جميعها (أقل من أن تعبّر عن الحق)، دون الحق. "أنت هو الله، الرحوم، العطوف، الطويل الأناة، الغني في الرحمة، الحقيقي، القوي، الثابت، ملجأ وقوة وعونٌ ومُعينٌ وقرن خلاص الخ..." مرة أخرى يعترف داود أن اسم الله لا يُعرَف في كل الأرض ومع ذلك فهو عجيب. "مثل عجب صار اسمك على الأرض"[224]].

2. تُرنَّم تسابيح الله في العلا، إذ "قد ارتفع عظم بهائك فوق السموات" [1].

إن كانت الأرض تُشير إلى "جسدنا"، فنسبح اسمه ونمجده بكل جسدنا، أي بكل أحاسيسنا وعواطفنا وطاقاتنا؛ فالسموات هنا تشير إلى "سمائنا الداخلية"، أي نفوسنا إذ أسَّس ملكوته في داخلنا (لو 17: 21)، يعكس الله بهاءه علينا وفيها. إذ يقول: "وخرج لكِ اسم في الأمم لجمالك لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك يقول السيد الرب" (حز 16: 14).

+ إقرأ مزمور 8 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2- المفارقة بين الكون المهيب والكائنات البشرية الضئيلة الحجم

"لأني أرى السموات أعمال أصابعك.

القمر والنجوم أنت أسستها" [3].


يذكر هنا القمر والنجوم دون أن يُشير إلى الشمس، لأنها ترمز إلى "ربنا يسوع المسيح"، العريس السماوي (مز 19: 5). القمر بتغيّراته يرمز إلى "الكنيسة"، أما النجوم بأمجادها المتبادلة في النور فترمز إلى "المؤمنين". القمر والنجوم التي تمجد الله وتسبحه هم "الخطاة" الذين ينالون نعمة الله ويتقدسون بالروح القدس. كانوا أرضًا وصاروا سماءً.

يتحدث المرتل عن السموات بكونها "أعمال أصابعه". كما في كل الصناعات اليدوية يستخدم الإنسان أصابعه، لهذا وكنوع من الإخلاء والاتضاع قيل إن الله صنع السموات بأصبعه، مع أنه بدون أعضاء جسدية.

الناموس أيضًا كُتِب بأصبع الله (خر 31: 18)، التي نفهم بها الروح القدس. فإن الروح القدس الذي يُسجل كلمات الله في قلوبنا هو القادر وحده أن يُحوّلنا إلى سموات!

يقول القديس أغسطينوس: [إن الروح القدس الذي أعطى الناموس لموسى عبد الله، يعمل في عقل الخدام ليفهموا الكتب المقدسة حالة كونها السموات. يرفع الروح القدس الأطفال والرضع ليفهموا الكتب المقدسة، أي ليدخلوا السموات!

أما عن قوله "القمر والنجوم أنت أسستها"، فيُعلّق الأب يوحنا الدمشقي: [يشير بكلمة "أسست" إلى ثبات وديمومة النظام والتدبير اللذين وٌهِبا لهم من الله[225]].

3. تنطلق تسابيحه من الأطفال والرضع بطريقة مقبولة؛ فقد سبحوه عند دخوله إلى أورشليم (مت 21: 16).

يُشير الأطفال إلى النفوس التي ولدت من جديد (نالت الميلاد الثاني بالمعمودية)، هذه التي تسبح الله لا بألسنتها فحسب بل وبكل كيانها، حينما تنال الحياة الجديدة في المسيح.

يقول القديس أغسطينوس: [لا نستطيع أن نفهم الأطفال والرضع إلا أنهم أولئك الذين قال عنهم الرسول: "كأطفال في المسيح سقيتكم لبنًا لا طعامًا" (1 كو 3: 1-2)]. وبسطاء المؤمنين الذين ينعمون بتسبحة الطفولة العذبة "بسبب أعدائك"، بمعنى آخَر ينعمون بالقدرة على هزيمة المضطهِدين والهراطقة والفلاسفة الملحدين وذلك بإيمانهم. تظهر قدرة الله المعجزية في الحقيقة العجيبة أنه "اختبار جهال العالم ليخزي الحكماء، واختار ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء؛ واختار أدنياء العالم والمُزدَرى وغير الموجود ليُبطِل الموجود. لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمام الله (1 كو 1: 27، 29). مسرَّة إلهنا وربنا يسوع المسيح أن يفتح أبواب ملكوته للأطفال الصغار (مت 11: 25-26 لو 10: 21؛ 18: 17)، واهبًا لهم الحكمة الإلهية والقدرة والفرح ليشتركوا في التسابيح الملائكية السماوية.

*   يقول داود: "تفرح نفسي بالرب وتبتهج بخلاصه" (مز 35: 9). ولهذا السبب فإنه عند دخول الرب إلى أورشليم عرف كل الذين كانوا في طريقه – داود ملكهم في حزن نفسه، ففرشوا على الأرض ثيابهم، وزينوا الطريق كله بالأغصان الخضراء صارخين ومهللين بصوت عظيم وفرح عجيب: "أوصنا لابن داود"... أما الوكلاء الأشرار الحاسدون الذين قمعوا الذين حولهم ومعهم، وسيطروا على قليلي الحكمة، هؤلاء الذين لم تكن لديهم الرغبة في مجيء الملك، فقالوا له في غضب: "أتسمع ما يقول هؤلاء؟!" أجابهم الرب: "أما قرأتم قط من أفواه الأطفال والرضع هيأت تسبيحًا؟!" (كت 21: 16)، مُعلِنًا أن ما سبق داود وكتبه بخصوص ابن الله، قد تحقق فعلاً في شخصه، كاشفًا عن مدى جهلهم لفهم الكتب المقدسة وعدم معرفتهم لتدبير الله، وأنه هو نفسه الذي تنبأ عنه أنبياء العهد القديم بكونه المسيح، الذي يُسبَّح باسمه في كل الارض، الذي كمّل سبحًا لأبيه من فم الأطفال والرضع، لهذا يرتفع مجده فوق السموات[226].

القديس إيرناؤس

*   نحن أطفال؛ والكتاب المقدس يحتفي بنا بطرق عديدة، ويصفنا بعدة أشكال وأنماط من الحديث، مُعطِيًا بساطة الإيمان أسماءَ عديدة... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فقد قيل: "وحينئذ قُدِم إليه أولاد لكي يضَع يديه عليهم ويباركهم، فانتهرهم التلاميذ، أما يسوع فقال لهم: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات" (مت 19: 14). وما يعنيه هذا القول يُعلنه الرب نفسه، قائلاً: "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات" (مت 18: 3). هنا لا يتحدث الرب بشكل رمزي عن التجديد إنما يضع أمامنا مثالاً به يُحتذَى، أعني البساطة التي للأطفال. وما هو الروح النبوي أيضًا يميزنا كأطفال[227].

القديس أكليمندس الإسكندري

*   لأن المسيح بقبوله التسبيح من أفواه الأطفال والرضع، يعلن أن الطفولة ليست بدون أحاسيس[228].

العلامة ترتليان

في المزمور الثاني، إذ كًلِّلَ ملكنا المسيا على الصليب ثار ضده ملوك الأرض، أما هنا فتَمجَّد إسمه لا كخالق بل بكونه الفادي الذي يُجدد طبيعتنا، واهبًا إيانا الحياة الجديدة فيه.

يقول C. Stuhmueller: [اقتباس المزمور في (1 كو 15: 20-28) يشمل إشارات إلى ناسوت آدم الجديد، وإلى الملكوت الجديد، وإلى الصراع مع الأعداء الذين آخِرهم هو الموت، وإلى الخليقة الجديدة (أنظر أف 1: 15-23). أوضح العهد الجديد أن يسوع مارس صراعنا ضد الشر في جسده الذي صُلب ودُفن؛ وكلما متنا نحن في أهدافنا ننال كرامة جديدة وخليقة جديدة في يسوع القائم من الأموات[229]].

4. يُمجَّد إسم يسوع خلال كرامة الإنسان وسلطانه [6-9]. ما من إعلان عن الله إلا ويُلقى بعض الضوء أيضًا على طبيعة الإنسان؛ وبالعكس فإن الفهم الحقيقي للإنسان لا يمكن بلوغه إذا لم نهتم بمعرفة الله[230]. يُبدِي المرتل دهشته لهذا العالم العجيب المكلَّل بالكائنات البشرية[231].

وهبَنا الله سلطانًا على كل البهائم والأغنام، أي على الجسد بكل حواسه وعلى العواطف الجسدانية؛ كما وهَبنا سلطانًا على طيور السماء، أي على حواسنا وأفكارنا الهائمة؛ وعلى سمك البحر أي يكون لنا سلطانٌ روحيٌ حتى على الظروف التي تبدو كأنها خارج أيدينا أو فوق إمكانياتنا.

+ إقرأ مزمور 8 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. كرامة الإنسان كهبة إلهية:

يُظهِر هذا المزمور الإنسانَ بكونه ليس نتاج الصدفة العشوائية، إنما خُلق على صورة الله. فالإنسان هو أعظم نسق لخلقة الله. ولا تُقّدر الحياة البشرية في ذاتها، وإنما كهبة إلهية. كانت مشيئة الله أن يحكم  الإنسان الأرض كممثّل لله ذاته.

"على أعمال يديك أقمته؛

كل شيء أخضعت تحت قدميه:

الغنم والبقر جميعًا،

وأيضًا بهائم الحقل وطيور السماء وأسماك البحر السالكة في البحار" [6-8].


الإنسان ليس بالكائن المعمّر ولا القوي ولا النشط ولا السريع العَدْو في مشيه كبعض الحيوانات، لكن الله وهبه سلطانًا عليها.

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [إن الله خلق الإنسان في كرامة طبيعية؛ لهذا لا يليق بسيّدٍ أن يغضب على خدمه، إذ خُلِقوا ليكونوا مساوين له في الكرامة. فإن رب المسكونة قد نظّم أن تكون الطبيعة غير العاقلة هي وحدها التي تلتزم بخدمة الإنسان[232]].

يرى القديس أغسطينوس أننا نفهم بتعبير "الغنم والبقر جميعًا"، النفوس المقدسة، إما التي تثمر براءة أو التي تعمل في الأرض لكي تثمر، بمعنى أن الإنسان الترابي يمكن أن يتجدد ليصير في غنى روحي. بالنسبة للقديس أغسطينوس "بهائم الحقل" يُفهَم منها البشر الذين يجدون بهجتهم في ملذات الجسد حيث لا يرتفعون إلى الأعالي ولا يجاهدون. فالحقل هو طريق متسع يؤدي إلى الهلاك (مت 7: 13). أما طيور السماء فهي "المتكبرون"؛ والأسماك هم "الفضوليون". بمعنى آخر أن القديسين ومعهم الخطاة الذين ابتلعتهم شهوات الجسد، المتكبرون والفضوليون، جميعًا يخضعون لابن الإنسان.

يليق بنا أن نلاحظ هذه الحقيقة أنه في الآيتين 5، 6 الله دائمًا هو المهيمن، وأن من يده يستلم الإنسان وَضعْه كمسيطر في العالم. وبالرغم من تفاهة الإنسان، عَيَّنه الله ليسود الأرض. فقد إِأْتَمن رب الكون الإنسان ليقوم بعمل إلهي خاص بالسيادة. مَلِكُ الكون أقام الإنسان كملِكٍ على الأرض، مُكلّلاً إياه بأكاليل الجلالة والمجد التي بحق هي من سمات جلال الله[233]. وقد مُنِحت هذه الهبة الإلهية للإنسان في خلقته: "على صورة الله ومثاله" (تك 1: 26-28؛ 2: 19). بل وقد أُستُعِلن هذا الأمر بوضوح كامل وعميق في عمل ربنا يسوع المسيح الكفاري، حيث يمكننا القول مع الرسول بولس: "بنعمة الله أنا ما أنا" (1 كو 15: 10).

*   أخضع الله أعماله في الكون التي صنعها لصورته أي الإنسان[234].

العلامة ترتليان

*   تعلّم الفلاسفة من كتاباتنا أن كل الأشياء قد أُخضِعت للإنسان، لهذا عرفوا أيضًا أن جميعها قد خُلِقت من أجل الإنسان[235].

القديس أمبروسيوس

. كرامة الإنسان كهبة إلهية

"وضعته قليلاً عن الملائكة" [5].


في (عب 2: 6-8) فُهمِتْ الآيتان 5، 6 (الترجمة السبعينية) بكونهما نصًا نبويًا، حيث فُسرّ ابن الإنسان [4] أنه ربنا "ابن الإنسان" "Son of Man"، الذي هو بالطبيعة فوق الملائكة وقد اتضع وأُنقِص قليلاً عنهم بإخلائه ذاته بالتجسد، ليهبنا شركة مجده (عب 2: 6-8؛ 1 كو 15: 27).

*   لأنه حمل طبيعتنا أُنقِص قليلاً عن الملائكة[236].

العلامة ترتليان

يستخدم العلامة ترتليان هذه الآية كأحد البراهين ضد مارقيون الذي أنكر ناسوت ربنا يسوع المسيح:

*   الآن هذه العلامات عن التنازل (التخلي) (إش 53: 1-4؛ 8: 14؛ 8: 5؛ 22: 7) تناسب مجيء الله تمامًا، كما ستظهر علامات جلاله عند مجيئه الثاني، حيث لا يعود بعد "حجر عثرة وصخرة معصية" وإنما بعد رفضه صار رأس الزاوية الأساسي... لأن الآب بعدما أنقصه قليلاً عن الملائكة سوف يكلله بمجد وبهاء ويسلطه على أعمال يديه ويجعل كل شيء تحت قدميه [5-6]. حينئذ أيضًا سوف ينظره جميع الذين طعنوه وينوحون عليه كل عشيرة على حدة (زك 12: 10، 12)، لأنهم بلا شك قد رفضوا مرة أن يتعرفوا عليه في اتضاع بشريته. يقول إرميا إنه إنسان، فمن سيتعرف عليه؟ لذلك يسأل إشعياء: "من سيُعلِن عن جيله؟" (إش 53: 8).

*   في تنازله (تخليّه) قَبل من الآب تدبيرًا، الأمر الذي أنت تحتقره بكونه إنسانًا؛ فمنذ البداية حتى النهاية وُضِع له أن يكون إنسانًا. إنه هو الذي نزل وهو الذي يُمَّجد؛ هو يُسأل وهو الذي يعطي بفيض.

*   أما بخصوص مسيحنا فلا مناص أمامه من أن يكون ما كان عليه، وأن يصير ما شاءه الآب "يُنقصه قليلاً عن الملائكة"، يصير "دودة لا إنسانًا"، "عارًا عند البشر ومُحتقَر الشعب" (مز 22: 6)... حتى يؤسس خلاصنا باتضاعه[237].

العلامة ترتليان

هكذا تنطبق العبارة "وضعته قليلاً عن الملائكة" على شخص السيد المسيح بتجسده؛ وإن كان بعض الآباء يرى أنها تنطبق على الإنسان بوجه عام حيث أقامه الله صاحب سلطان وبسبب خضوعه للموت صار أقل من الملائكة.

*   خلقَنا "أقل من الملائكة"، أعني بسبب الموت، لكن هذا النقصان القليل قد استردناه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   بسبب براءة الملائكة القديسين وبرهم، اللذين يتناسبان مع طبيعتهم ومجدهم، يتميزون تمامًا عن سكان الأرض، لأن الأخيرين "أي مكان الأرض" ذوو مرتبة أدنى، وهم أقل من كل جهة، كما هم أقل منهم من جهة الطبيعة. ومع هذا فإن الذين يشتاقون أن يعيشوا مقدَّسين لا يقدرون أن يبلغوا هذا دون تعب، فإن الطريق المؤدي إلى الفضيلة هو على الدوام طريق وعِر وعسير أمام كثيرين أن يسلكوا فيه[238]!

القديس كيرلس الإسكندري

+ إقرأ مزمور 8 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


4. تمجيد اسم الرب:

لا يختم المرتل مزموره بالتأمل في سلطان الإنسان على الأرض، وإنما يعود إلى البداية حيث يُعلن مجد اسم الرب إلهنا... وكأن مجد اسمه هو البداية والنهاية، أما مجدنا فهو عطية من الله الممجّد في كل الأرض.

"أيها الرب ربنا، مثل عجب صار اسمك على الأرض كلها".

+ إقرأ مزمور 8 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


ما أعجب إسمك يارب!

*   أيها العجيب في مجدك،

أقمتني ملكًا على الأرض، أحمل سلطانًا على الخليقة التي أوجدتَها لأجلي!

هب لي يارب سلطانًا على جسدي وأحاسيسه ومشاعره،

على نفسي بكل قدراتها وطاقتها!

*   أيها القدوس قدسني!

أيها الممجد مجدني!

*   اِفتح شفتي بالتسبيح، واحسبني مع الأطفال والرضع أسبح اسمك!

*   هب لي شركة مع ملائكتك، لأشاركهم تسابيحهم وفرحهم بك!

 

+ إقرأ مزمور 8 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 9 PDF Print Email

تسبحة الغلبة

المزموران 9،10:

يرتبط المزموران 9، 10 ارتباطًا وثيقًا ببعضهما البعض، وقد وجد اتفاق شبه عام على أنهما يكونان مزمورًا واحدًا. وفي الحقيقة تدعوهما النسخة السبعينية المزمور التاسع، وقد تبعتها الترجمة اللاتينية المسمّاه الفولجاتا وأيضًا النصوص الليتورجية القديمة في الكنيسة الشرقية والغربية.

توجد أسباب كثيرة مقنعة تؤكد وحدة الزمورين:

* ثمة نسق هجائي عبراني، أو تركيب لغوي "الفابتا" ممتد في المزمورين.

* غياب عنوان للمزمور العاشر، يؤيد وجهة النظر القائلة بأنه امتداد للمزمور التاسع.

* التسليم الكنسي في الشرق والغرب.

* استمرارية الأفكار وانسيابها واتساق مفردات اللغة العبرية في المزمورين كوحدة بنائية واحدة. ففي المزمور التاسع يكتب داود النبي عن الأعداء الخارجيين (الأمم الوثنية)، وفي المزمور العاشر يكتب عن الأعداء الداخليين الذين يظلمون المساكين ويضطهدون المتضعين واليتامى. كلاهما يتحدثان عن "أزمنة الضيق" (9: 9؛ 10: 1)، وعن الصراع المرير بين البر والشر.

+ إقرأ مزمور 9 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مناسبة المزمور:

ربما تفّوه داود النبي بهذا المزمور كتسبحة شكر، شاعرًا بالفضل الإلهي عليه. نطق به في إحدى انتصاراته التي ظفر بها، ربما حين غلب جليات الجبار.

يرى الأسقف وايزر Weiser أن الاحتفال بعهد الرب هو المناسبة التي كان يُتلى فيها هذا المزمور حيث توجد إشارة إلى الله أنه الملك الجالس على العرش (9: 4؛ 10: 6) في صهيون (9: 11)، الذي يقضي بالحكم على الأمم، مشيرًا إلى احتفال ديني مهيب. يفترض وايزر أن المزمورين يمثلان "صلاة توسلية"، بينما يراهما موفنكل Mowinckel كمزمورين ينتسبان إلى "المزامير الوطنية (الخاصة بالجماعة)".


الشكل الأدبي:

شكله الأدبي مختلط، أي يجمع العديد من الأنماط الأدبية معًا، مثله مثل المزامير (36، 40، 89، 90، 139). فهو مرثاة وفي نفس الوقت هو تسبحة شكر ومزمور ليتروجي (جماعي) حِكميّ خاص بحكمة الاتكال على الله.

ربما بدأت ليتورجية الهيكل في أورشليم، أي العبادة الجماعية فيها، بتقديم التسبيح والشكر، ثم قُبلت بعد ذلك الصلوات التوسلية من أجل طلب المعونة والتعبير عن الحزن الذي يلحق بهم بسبب المصاعب وفي النهاية تعلن عن الثقة في الله والاتكال عليه.


الكلمات والأفكار المحورية (مفتاح المزمور):

الأمم الوثنية (10 مرات).

*المساكين (10 مرات).

*الأشرار المتغطرسون والمنحرفون (15 مرة).

عدل الله (8 مرات).

*جلوس الله على العرش في الهيكل (5 مرات).

*حالة الضياع والهلاك (5 مرات).


الإطار العام للمزمور:

1. تسبيح العَليّ              [1-2].

2. الرب الديّان              [3-8].

3. الرب الملجأ              [9-11].

4. الرب المخلّص           [12-20].

+ إقرأ مزمور 9 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


العنوان:

"لإمام المغنين على موت الابن muth-Labben، مزمور لداود" وبحسب الترجمة السبعينية: "لداود، على الانقضاء (النهاية)، ومن أجل أسرار الابن".

1. "على الانقضاء": سبق الحديث عنها في المزامير (4، 5، 6، 8).

*   أما كلمة "للتمام" (على الانقضاء) فكُتبت لأن بموت المسيح صار لنا الخلاص، وهذه كانت الغاية (النهاية) التي من أجلها جاء المخلص بالجسد، والتي عنها كتب بطرس الرسول: "نائلين غاية إيمانكم خلاص نفوسكم، الخلاص الذي من أجله فتش عنه الأنبياء الذين تنبأوا من أجل النعمة التي لأجلكم، وفتشوا لمن أو في أي وقت استعلن روح المسيح الذي كان فيهم، إذ سبق فشهد عن آلام السيد المسيح والأمجاد التي بعدها" (أنظر 1 بط 1: 9-11)[239].

البابا أثناسيوس الرسولي

*   لا تشير الكلمات: "إلى النهاية" إلى اليهود بل إلينا نحن الذين آمنا أخيرًا. فاليهود هم الابن البكر، أما نحن فالابن الأخير، يجدر بنا أن نعي هذا المزمور لأنه يخص أولئك الذين آمنوا في النهاية.

القديس جيروم

2. أما "موت الابن muth-Labben" فقد جاءت في الترجمة السبعينية: "من أجل أسرار الابن".

أ. "muth-Labben" تعني "موت الابن"، ربما تشير إلى موت ابن بتشبع الأول، أو موت جليات أو نابال أو أبشالوم. ويظن البعض أن "Labben" هو اسم قائد عظيم كان يقود قوات معادية لداود الملك وإسرائيل؛ وكأن هذا المزمور يعلن عن الاحتفال بذكرى الخلاص منه بعد موته[240].

ب. يقبل البعض الرأي القائل بأنه يشير إلى موت ابن الإنسان على الجلجثة حيث هُزم الشيطان.

*   أما بخصوص "من أجل أسرار الابن" فربما يُثار تساؤل: مادام هذا الابن لم يتحدد من هو، فالمقصود به هو ابن الله الوحيد الجنس... واضح أن هذا المزمور هو أغنية تترنم بأسرار ابن الله الوحيد.

القديس أغسطينوس

3. كلمة "Higgalon" تعني "تأمل في...".

+ إقرأ مزمور 9 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. تسبيح العليّ:

"أعترف لك يارب من كل قلبي،

وأحدث بجميع عجائبك.

أفرح وأتهلل بك.

أرتل لاسمك أيها العليّ" [1-2].


افتتاحية هذا المزمور هي صلاة شكر من أجل نوال نصر ظافر وأكيد على أعداء المرتل. يمكن فهمه على أنه نذر للرب، به ينذر العابد الحقيقي أنه سيشهد باسم الرب ويتحدث بجميع عجائبه.

هذه الافتتاحية تصلح في العبادة الليتورجية العامة.

يلاحظ في هذه الافتتاحية الآتي:

أ. روح الشكر هي إحدى السّمات الرئيسية التي تميز الكنيسة الحقيقية والمؤمن الحقيقي كعضو في الكنيسة السماوية له سِمته التي تميزه عن أهل هذا العالم.

ب. يدخل المرتل إلى المعركة لا ليواجه العدو وإنما بالحري ليسبح الله واهب الغلبه على الشر. بمعنى آخر لا يركز المرتل على ما يلاقيه من متاعب وإنما بالحري على نعمة الله الغنية. لهذا يفيض قلبه فرحًا ولا يصمت لسانه عن الشكر والتسبيح. وكما يقول إشعياء النبي: "وتقول في ذلك اليوم: أحمدك يارب... هوذا الله خلاصي فأطمئن ولا أرتعب، لأن ياه يهوه قوتي وترنيمتي، وقد صار لي خلاصًا، فتستقون مياهًا بفرح من ينابيع الخلاص" (إش 12: 1-3).

ج. ثمة سمة أخرى لا تنفصل قط عن السمة السابقة وهي الفرح بالله نفسه، وليس فقط بأعماله العجيبة. وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن شئت أن يكون فرحك ثابتًا باقيًا، التصق بالله السرمدي، ذاك الذي لا يعتريه تغيير، بل يستمر ثابتًا على حالٍ واحد إلى الأبد[241]].

الفرح بالله وبأعاجيبه معنا يُولِدّ فينا روح التسبيح والشكر، وممارسة التسبيح تزيدنا فرحًا وبهجة بالله... وهكذا ينطلق المؤمن من فرح إلى فرح أعظم ومن تسبحة إلى تسبحة...

*   إنها تسبحة القلب كله صادرة عن شعب ممتلئ بالروح والمغفرة، يسبح المخلص من أجل أعماله الخلاصية.

*   "أعترف لك يارب من كل قلبي" [1]. لا يعترف لله بكل قلبه من كان متشككًا في عنايته الإلهية في أمر، وإنما ذاك الذي يرى أسرار حكمة الله الخفية، وعظم مجازاته غير المنظورة، قائلاً: "نبتهج في الضيقات" (رو 5: 3)، وأن كل ما يحل بالجسد من آلام إما هي تداريب للذين يرجعون إلى الله، أو تحذير للذين لم يهتدوا بعد فتحثهم على الرجوع إليه، خاصة بالنسبة للمعاندين بقساوة قلوبهم، وذلك لإنقاذهم من طريق الهلاك الأبدي. الآن كل الأمور يحكمها تدبير العناية الإلهية التي يعتقد الحمْقى أنها عشوائية، تحدث بمحض المصادفة البحته، دون أي تدبير إلهي.

القديس أغسطينوس

*   لم يتحدث العظماء عن الله، بل بالحري عن أعماله، قائلين: "من يعلن عن قوات الرب؟!" (مز 106: 2)، "سأخبر بجميع عجائبك" (مز 9: 2)، "جيل فجيل يُسبِّح بأعمالك" (مز 145: 4). هذا هو محور مناقشاتهم، وهذا ما يدور حوله كلامهم، إذ يحاولون أن يترجموا الحقيقية إلى كلمات. ولكن حينما يصل حوارهم إلى ذلك الذي يعلو كل معرفة، بالحري يلتزمون بالصمت عندما يخبروننا عنه. إنهم يخبروننا بأن عظمة مجد قداسته لا نهاية له[242].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

د. يصدر التسبيح عن القلب كله، فلا يسبح العابد الحقيقي بشفتيه بينما قلبه منقسم بين محبة الله ومحبة لعالم. القلب الممتلئ بحب الله يسبحه على الدوام بكل أعماقه.

يصنف البعض العابدين إلى ثلاثة أقسام[243]:

الذين يخدمون الله برياء؛

والذين يعبدونه بقلب منقسم؛

ثم الذين يعبدونه بملء القلب.

يقول الأب أنثيموس أسقف أورشليم: [من يحب الله من كل قلبه، هذا يعترف له من كل قلبه، أي بكل همةٍ ونشاط، وذلك مثل من يتوب عن خطيته إلى الله من كل قلبه". كما يقول لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تفسيرًا لهذه العبارة: "[أشكرك يارب على كل حال؛ ليس في العيشة الرغدة وانشرح القلب فحسب، وبل في ضد ذلك. الشكر لله على إحسانه هو وفاء دين، وأما الشكر في وقت الشدة والعذاب فيجعل الله مدينًا لك، عوض شكرك ينعم عليك بقوة فلا تشعر بالأوجاع...].

لقد قدم مسيحنا "الابن الوحيد" اعترافًا وشكرًا للآب من كل قلبه، متهللاً بالروح، لأن حكمة خلاصنا قد أُخفيت عن الحكماء المتكبرين وأُعلنت للأطفال البسطاء، إذ يقول: "أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال" (مت 11: 25). ربما لهذا السبب جاء عنوان المزمور: "من أجل أسرار (خفايا) الابن".

لنتحد بمسيحنا، فيجدد بروحه قلوبنا، ويصدر عنها تسابيح الحمد والشكر بكل القلب بغير انقطاع، خاصة من أجل أسرار خلاصه التي أعلنها لنا. نبقى نهتف لاسمه كسِرّ خلاصنا وقوتنا حتى ننعم معه بشركة أمجاده الأبدية.

+ إقرأ مزمور 9 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. الرب الديَّان:

لم يكن داود النبي منهمكًا بنصراته على الأعداء الظاهرين، وإنما انغمس بكُلّيته في الحضرة الإلهية وعمل الله العجيب معه، ممجدًا إياه كديان عادل [1-8، 15-20]، وكملجأ حصين [9]، وكمخلص وفادٍ من العدو الحقيقي [13-14].

"في ارتداد عدوي إلى خلف يضعفون ويهلكون جميعًا من وجهك، لأنك صنعت حكمي وانتقامي" [3].

إن سقط أعداؤنا الروحيون إنما يتحقق ذلك في حضرة الله. فحضوره ومجد قوته كفيلان بتدمير أعداء شعب الله. تحقق هذا عندما تقدم ربنا يسوع المسيح، قائلاً: "أنا هو"، رجع أعداؤه إلى الوراء وسقطوا على الأرض (يو 18: 6) [244].

I. ظل جليات لمدة أربعين يومًا يهين الله بينما كان شاول الملك وكل جيشه في عار. أما داود – الشاب التقي – فقد آمن بالله الديان العادل الذي لا يمنع الأشرار عن ممارستهم شرورهم ولكن إلى حين. ففي الوقت المناسب يحكم لشعبه بالعدل ويخلص الانقياء من فخاخهم الشريرة المنصوبة لهم، بينما يترك الأشرار يجنون ثمار شرورهم الآثمة إن أصرُوا على عدم التوبة. يظهر كمال مجد الله وكرامته حين يحكم على الأشرار ويعاقبهم، إذ يقول المرتل: "في ارتداد عدوي إلى خلف يضعفون ويهلكون جميعًا من وجهك" [3]. هكذا يتكئ المؤمن في حضن الرب (يو 13: 23)، مدركًا أن الله الطويل الأناة ينتظر توبة الجميع، حتى مضطهديه! وهو في نفس الوقت عادل لا يمكنه أن يترك الشر إلى الأبد.

يرى بعض آباء الكنيسة أن هذه الفقرة إنما تشير إلى اليهود المقاومين للسيد المسيح.

*   هكذا كان الحال مع اليهود، إذ قالوا ينبغي عليهم أن يقتلوا يسوعًا، لئلا يأتي الرومان ويأخذون موضعهم وأمتهم... الذي ذُبح، هو في السماء، والذين ذبحوه نالوا الجحيم جزاءهم[245].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   الآن يبدأ شخص الرب في الظهور متحدثًا بالمزمور، إذ تلى ذلك القول: "أرتل لاسمك أيها العليّ، في ارتداد عدوي إلى الخلف" [2-3]. متى رجع عدوه إلى خلف؟ هل حينما قال الرب: "اذهب عني يا شيطان" (مت 16: 23). لأن ذاك الذي جَرَّب وضع نفسه أن يكون متقدمًا إلى الأمام، لكنه دُفع ليرتد إلى خلف بفشله في خداع (السيد المسيح) المُجرَّب، إذ لم يقدر أن يجد عليه شيئًا... بالحقيقة ارتد الشيطان إلى خلف.

القديس أغسطينوس

يمكننا القول بأن هذا تحقق في حياة السيد المسيح الذي ألزم الشيطان عدو الخير أن يتقهقر إلى خلف في خزي وفشل، ولا يزال يحقق هذا في كنيسته حين يجربها العدو ليتقدمها كرأس لها، فيرده الرأس الحقيقي إلى خلف بلا سلطان.

أ. في التجربة على الجبل سمح الرب للشيطان أن يجربه، لكنه باسمنا غلب، فتقهقر العدو.

ب. حين أراد الأشرار القبض على السيد المسيح، قال "أنا هو"، فلم يحتملوا حضرته بل سقطوا في خزي، حتى سلم نفسه إليهم بسماح منه.

ج. يقول القديس أغسطينوس: [حينما نهرب من الشيطان مضطهدنا، ونتبع ربنا كقائد لنا، يرجع الأول متقهقرًا خلفنا].

د. يمكننا أيضًا القول بأنه عندما نقبل الصليب مع ربنا يسوع المصلوب نلبس الإنسان الجديد السماوي الذي بحسب صورة خالقه، بينما يتقهقر الإنسان القديم مرتدًا إلى الخلف.

ه. جاء آدم الثاني (ربنا يسوع) في المقدمة يقود مسيرة حياتنا كلها بينما رجع آدم الأول إلى وراء. يقول القديس بولس: "الإنسان الأول من الأرض ترابي، الإنسان الثاني من السماء سماوي" (1 كو 15: 47)؛ كما يقول إنه ينسى ما هو وراء ويمتد إلى ما هو قدام (في 3: 13).

هكذا إذ يتحطم بآدم الثاني عدو الخير ليرتد عنا وراءنا، ويصلب إنساننا العتيق نترنم قائلين: "لأنك صنعت حكمي وانتقامي" [3].

II. الله الديان يقيم عرش بره أو عرش ملكوته داخل القلب، لكي يُفنى بعدله جموع الخطايا التي احتلت مركزه في أعماقنا، ويهدم مدنها تمامًا ليقيم مدينته المقدسة فينا؛ إذ يقول المرتل:

"جلست على العرش يا ديّان العدل.

انتهرت الأمم.

وهلك المنافق.

ومحوت اسمهم إلى الأبد وإلى أبد الأبد.

فنيت سيوفَ العدو إلى الانقضاء.

وهدمت مدنًا" [4].


إذ كان مخلصنا هو ديان المسكونة، يأتي على السحاب ليحكم ويدين الأحياء والأموات، ويجازي كل واحد حسب أعماله... فإنه يقيم كرسيه الآن في قلوب مؤمنيه لكي بصليبه يدين الشر ويحطم الخطية وينزع عدو الخير عن كرسيه الذي اغتصبه. في نفس الوقت يعلن المخلص ملكوته داخلنا القائم على عدله وبره، فيتسلم بنفسه قضايا حياتنا، ولا يتركنا في أيدٍ ظالمة ولا تحت أحكام الشر الجائرة.

أ. الديان العادل الجالس على العرش: كملك حين يتهيأ للبت في أمر هام وخطير يمس مملكته يجلس على العرش لينطق بالحكم؛ هكذا إذ يستلم رب المجد قضية مؤمنيه يعلن عن عرشه الإلهي، في وقار مهيب.

"جلست على العرش يا من تدين بالعدل" [4].

ينطق الابن بهذا متحدثًا مع الآب. وقد قال أيضًا: "لم يكن لك عليّ سلطان لو لم تكن قد أُعطيت من فوق" (يو 19: 11)... ديان البشر صار تحت الحكم من أجل خير البشرية، محققًا عدالة الآب وأسراره الخفية.

وربما القائل هنا هو الإنسان نفسه موجهًا حديثه لله: "جلست على العرش يا من تدين بعدل"، فيدعو نفسه his soul عرش الله كما يُسمى جسده أرضًا التي هي موطئ قدمي الله (إش 66: 1)...

وربما الحديث هنا عن نفس soul الكنيسة الكاملة التي بلا عيب ولا غَضَن (أف 5: 27)، المستحقة نوال معرفة الأسرار التي للابن، حيث يُدخلها "الملك إلى حجاله" (نش 1: 4). فتقول لعريسها: "جلست على العرش يا من تدين بعدل"، إذ قمت من بين الأموات وصعدت إلى السموات وجلست عن اليمين...

القديس أغسطينوس

ب. انتهرت الأمم: ما هي الأمم التي ينتهرها الرب الجالس في نفوسنا كما في كنيسته بكونها عرشه إلا الخطايا والشرور؟ فحيث يملك الرب لا يمكن أن يبقى الشر، لأنه لا شركة بين النور والظلمة.

ليدخل الرب إلى أعماقك، فتهتز كل الضعفات، ويملك داخلك ببره، واهبًا إياك قداسته وثمر روحه القدوس.

ج. هلك المنافق: تحدث عن الخطايا (الأمم) بصيغة الجمع، أما وراء هذه الخطايا فيوجد عدو واحد ضد البشرية هو إبليس المنافق.

*   العدو الذي يتحدث عنه المرتل جاء بصيغة الفرد لا الجمع؛ وقد فقدت سيوفه حدها؛ مَن هذا إلا إبليس الذي أسلحته هي آلاف النظريات الخاطئه المنحرفة التي يستخدمها كسيوف قاطعة تدخل بالنفس إلى الموت؟...

القديس أغسطينوس

د. محوت اسمهم إلى الأبد: لن تبقى بل تُباد، ولن يدم سلطان إبليس وجنوده، وإنما تُمحى اسماؤهم ويبيد ذكرهم.

ه. فنيت سيوف العدو: يعتز العدو بظلمه، حاسبًا أنه يرهب بسيفه الاتقياء... لكن إذ يدين الله الشر يُنتزع هذا السيف، ليُعلن سيف كلمة الله الذي يبتز الشر ويفصله فيتمجد برّ الله.

يفنى سيف العدو بالسيف الخارج من فم السيد المسيح (رؤ 1: 16). وكما يقول المرتل: "تقلد سيفك على فخذك أيها القوي، بحسنك وجمالك استله وانجح وأملك" (مز 45: 5).

و. هدمت مدنًا: يبيد الله كل أثر للخطية: ينتهر الأمم، ويمحو اسمهم، ويحطم سيوفهم، ويهدم مدنهم... بهذا يتم خراب العدو تمامًا فلا يجد في قلوبهم له موضعًا يستقر فيه.

يحطم الديان مدن العدو التي فينا ليقيم لنا المدينة الباقية التي لها أساسات صانعها وبارئها هو الله.

*   هدمت مدنهم، أي أولئك الذين شابهوا الأبراج والمدن[246].

القديس كيرلس الإسكندري

*   هذه المدن هي المواضع التي يجرفها الشيطان بآرائه الدنسة المضللة، كما لو كانت قلاع ملوكية...

سكان تلك المدن ما هي إلا الشهوات الحسية والعواطف اليومية المثيرة المتضاربة في الإنسان...

يحطم ربنا هذه المدن عندما يطرد رئيسها كما اخبرنا: "الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجًا" (يو 12: 31)... بهذا يتحقق قول الرسول: "إذن لا تُملّكَنَّ الخطية في جسدكم المائت" (رو 6: 12).

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 9 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. الرب الملجأ:

"وكان الرب ملجأ للفقير

وعونًا في أوقات موافقة في الضيق" [9].

يعاني الأبرار الذين يعرفون اسم الرب من متاعب كثيرة، خلالها يكتشفون أن الله ملجأ لهم. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وقد استخدم المزموران 9 و10 العديد من الأسماء بها يشير إلى الأبرار: المساكين، المتواضعين، البائسين، المحتاجين، الأبرياء، اليتامى، طالبي الرب وعارفي اسمه.

أ. الله هو ملجأ البائسين والمساكين [9]. من الأتعاب الخاصة التي يطلعهّا المرتل على الله هي أنه قابل الودعاء والمدافع عنهم (مز 147: 6)، وأبو اليتامى وقاضي الأرامل (مز 68: 5)، وحافظ الصغار (مز 116: 6).

الله هو ملجأ عالٍ لحماية قديسيه، لن يبلغ إليه أقوى أعدائهم الأشرار.

*   أي أذى يلحق بالذين يصير لهم الرب ملجأ؟ كأنهم اختاروا أن يصيروا مساكين في هذا العالم الذي يرأسه إبليس، غير واضعين قلوبهم على أمور زائلة تراوغ الإنسان حتى حينما يعيش محبًا لها، فإنه إذ يموت يتركها كلها. مثل هؤلاء المساكين يصير لهم الرب "عونًا في أوقات الضيق" [9].

القديس أغسطينوس

ب. الله لن يتخلى عن مؤمنيه، طالبيه، الذين يعرفون اسمه كأب لهم، يتكلون عليه، ويفرحون بوعوده ويسعون إليه بقلوبهم وأفكارهم كما بسلوكهم وسيرتهم.

"ويتكل عليك الذين يعرفون اسمك،

فلا تترك طالبيك يارب" [10].

اسم الله يعني شخصيته التي نتعرف عليها من خلال شركتنا معه.

طلب الرب معناه الاشتياق نحو التعرف عليه وحبه وطاعته وخدمته والثقة في حمايته والشركة معه. أخيرًا أن نصير معه في مجده السماوي.

يليق بالمؤمنين أن يطلبوه بكل عقولهم لا خلال خرافات؛ يطلبوه بكل اجتهاد لا بتهاون؛ باتضاع لا في كبرياء، بكل قلبهم ليس برياء، باسم المسيح وليس ببرنا الذاتي[247].

كأن المؤمنين مطالبون بالثقة فيه خلال التمتع بالمعرفة الروحية الاختبارية الحية مع طلب الرب للتمتع بشخصية.

ج. الله ملجأ لهم باختفائهم فيه وسكناه فيهم: يجدون فيه حمايتهم ويجد هو لذته فيهم فيحل فيهم بكونهم كنيسته، مدينته المقدسة، صهيون الروحية.

"رتلوا للرب الساكن في صهيون

واخبروا في الأمم بأعماله" [11].

*   حينما تنفصل النفس عن هذا العالم، وتطلبه كموضوع ثقتها، فتنال معرفة اسم الله في التو لنجدتها.

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 9 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


4. الرب المخلص:

يقارن المرتل بين الهلاك الذي يرجوه لي العدو والخلاص الذي يقدمه لي الرب.

أولاً: العدو سافك دماء والرب يسمع صرخات الدم البريء:

"لأنه طلب الدماء وتذكرها،

ولم ينس ضجيج البائسين" [12].

قد يسمح الله أن يستشهد مؤمنوه وتسفك دماؤهم، لكنه في الوقت المناسب يُطالب بدمائهم، بكل قطرة منها. حين تعلو صرخات (ضجيج) البائسين الخفية يستجيب لها، قائلاً للأشرار ما سبق فقاله لأول سافك دم في تاريخ البشرية: "صوت دم أخيك صارخ إليّ من الأرض!" (تك 4: 10). قد يبدو أن جريمة القتل أو الظلم قد ابتلعها الزمن، لكن الله لن ينسى الصرخات القديمة، ولا يتغاضى عن المظالم التي حلت بهم.

*   حينما يُطالب بدماء (الشهداء)، ينالون المجد بينما يرتبك الأعداء حينما يرون المسيح الذين افتروا[248]...

القديس إيريناؤس

الله لا ينسى صرخات البائسين وصلواتهم، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[الصلاة ميناء للإنسان الذي تحطمت سفينته،

مرساة للذين يغوصون في الأمواج،

طوق نجاة يسند الأطراف المرتعشة،

منجم جواهر للفقراء،

شفاءً للأمراض،

حافظة للصحة.

الصلاة تضمن في الحال استمرارية بركاتنا، وتبدد غيوم مصائبنا.

مباركة أنتِ أيتها الصلاة!

أنتِ القاهر الذي لا يكل لأهوال الإنسان،

الأساس الراسخ للسعادة البشرية،

مصدر الفرح الدائم،

والدة الفلسفة.

الإنسان الذي يقدر أن يصلي حقًا، وإن خارت همته وصار في عوز شديد، فهو أغنى من كل ما عداه. أما الشقي الذي لا تنحني ركبتاه، فإنه وإن كان رأسًا (ملكًا) لأمم كثيرة فهو أتعس البشر جميعًا[249]].

ثانيًا: العدو يطلب مذلتي والرب يطلب مجدي:

"ارحمني يارب وانظر إلى ذلي من أعدائي" [13].


عدو الخير يأسر الإنسان بالشهوات والخطايا، ليسلبه كرامته وعزه، ويجعل منه عبدًا ذليلاً، أما المخلص فجاء إلينا يشترينا بدمه لثمين ليقيمنا أبناء الله المكرمين، شركاء معه في المجد.

ثالثًا: العدو يميتني بالقلق والمخلص يرد ليّ البهجة والفرح:

"يا رافعي من أبواب الموت،

لكيما أخبر بجميع تسابيحك،

في أبواب ابنة صهيون،

أبتهج بخلاصك" [14].

إذ يدفعني العدو إلى مقبرة الخطية ويدخل بي إلى موت النفس، لا استطيع التسبيح لله، لأنه "ليس في الموت من يذكر ولا في الجحيم من يسبحك". بلخطية تغلق علينا أبواب الموت الأبدية، وتفقد النفس سلامها مع الله ومع ذاتها فلا تقدر على التسبيح. أما مسيحنا غالب الموت فيرفعنا من أبواب الموت بعدما حطم متاريسه، وأطلق لسان قلوبنا بالفرح لننشد له تسابيح الفرح. يدخل بنا إلى ابنة صهيون، الكنيسة السماوية، التي تشارك السمائيين بهجتهم وليتورجياتهم وتسابيحهم.

ترفعنا الأذرع الأبدية من أبواب الجحيم لتدخل بنا إلى أبواب ابنة صهيون، فنجد لنا موضعًا في حضن الآب.

رابعًا:  العدو ينصب لي الفخاخ ويهيئ لي الفساد، والرب يتركه يجني ما قد زرعه:

"انغرست الأمم في الفساد الذي صنعوه،

وفي الفخ الذي أخفوه انتشبت أرجلهم" [15].

أعد إبليس الصليب ليتخلص من اليد المسيح فتحطم العدو نفسه وفقد سلطانه.

يرى القديس كيرلس الكبير أن هذه الآية تنطبق على جماعة اليهود، فقد أصدر بيلاطس حكمًا ضد السيد المسيح ليوافقهم على هواهم وما تاقوا أن يفعلوه. كان أفضل لهم لو تمت إرادة بيلاطس وصدر الحكم بإطلاق سراح الرب البريء البار القدوس الذي بلا ذنب، وأن يخلص البريء من قيوده التي كُبِّل بها ظلمًا، لكنهم قاوموه وأصرّوا على عنادهم، وازدادوا هياجًا وعنفًا، فظفروا بالنصرة التي صارت أساس بلاياهم وشرهم. لقد حفروا فخًا أدى إلى هلاكهم[250]...

خامسًا: يعاقب الله على الشر، ويكافئ الأبرار على صبرهم:

"سيُعرف الرب أنه صانع الأحكام

والخاطي بأعمال يديه أُخذ...

وصبر البائس لا يهلك إلى الدهر" [16، 18].

تظهر عدالة الله في معاقبته الأشرار ومكافأة الأبرار.

*   يعاقب الشرير على أفعاله، ويجني الآخرون منفعة من ذلك[251].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   كما أن الأبرار الذين كملوا بالأعمال الصالحة لا يأتون إلى الدينونة ليُدانوا (مز 1: 5) هكذا الأشرار الكثيرو الخطايا الذين عصيانهم قد طغى جدًا، فإنهم لا يطلبون للاقتراب نحو الدينونة (لرؤية مجد الله) إنما ما يقومون حتى يرجعون إلى الهاوية Sheol[252].

الأب أفراهات

سادسًا: يعلن الله عن ضعف عدوي...

+ إقرأ مزمور 9 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صلاة

*   ارفعني يا إلهي من أبواب الموت،

ولتدخل بي إليك فأنعم ببهجة خلاصي!

*   أُدخل بي إلى ملكوتك الفَرِح،

فتتحول حياتي إلى تسبحة لا تنقطع!

*   قلبي كله هو لك... أنت لي،

أنت بري، أنت ملجأي، أنت هو خلاصي!

*   عدوي أسد عنيف... أمامك يصير أضحوكة!

حطم أسلحة شره، وبدد ظلمته،

حرر الخطاة من أسره فيشاركونني حبك ومجدك!

 

+ إقرأ مزمور 9 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 10 PDF Print Email

لا تنس المساكين يا رب!

كما قلنا في المزمور السابق أن المزمورين التاسع والعاشر مرتبطان ببعضهما البعض ارتباطًا وثيقًا، حيث يتحدث المزمور السابق عن الأعداء الخارجين أما هنا فعن الأعداء الداخليين الذين يظلمون المساكين والأيتام، متجاهلين حكم الله وقضاءه.

ينتهي المزمور بالإيمان بالرب العطوف على اليتيم والبائس، فلا يدع الأشرار المتكبرين في مجتمعٍ ما أو على مستوى المسكونة كلها أن يطغوا على من لا عون لهم، العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم، فيطردونهم من مواضعهم.

يركز هذا المزمور على "القلب" [6، 11، 13]. فالشرير متكبر في قلبه: "لأنه قال في قلبه إني لا أزول من جيل إلى جيل بغير سوء" [6]؛ أما قلب الإنسان المتضع فهو مسكن للسيد المسيح الوديع والمتواضع القلب. قلب المتكبر هو عرش للشيطان، لا موضع فيه للسيد المسيح.

"قال (الشرير) في قلبه إن الله قد نسى؛ صرف وجهه لئلا ينظر إلى الانقضاء" [11]، "قال في قلبه إنه لا يفحص" [13]. بينما يعاين القلبُ النقي الله مخلصه المحبوب، إذ بالشرير صاحب القلب الدنس يسقط في إلحاد عملي، يظن أن الله قد نسى مظالمه، لن يحاسبه، ولا يفحص الأمور.

+ إقرأ مزمور 10 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مناسبة المزمور:

يرى بعض الدارسين أن هذا المزمور لم يُنظم لأجل مناسبة تاريخية معينة، وإنما لهدف عام. هو وأشبه باستغاثة من المظالم تصدر عن الكنيسة وقت الاضطهادات، خلالها تتوجه أنظارها واهتماماتها إلى التكريس للشهادة الإنجيلية؛ كما تعين المؤمن في احتماله ضيقاته ومتاعبه الشخصية، وما يعانيه من كبرياء الأشرار.

والعجيب أن هذا المزمور يناسب المؤمن التقي الساقط تحت وطأة الضيق أينما وجد في العالم، وفي أي زمان! إنه يصف الكنيسة المتألمة، كنيسة السيد المسيح، ويكشف عن المصير المحتوم للأشرار أعدائها.

يرى آخرون أن هذا المزمور قد وُضع في ظروف تاريخية خاصة، مثل[253]:

1. اضطهاد شاول لداود.

2. غزو كنعان بواسطة بعض القبائل الفلسطينية.

3. عن سَنبلَّط وغيره من الأعداء أثناء الأسر البابلي (نح 4: 1).

4. الاضطهاد المروع الذي أثار أنتيخوس أبيفانيوس في أيلم المكَّابيين.

ويرى البعض أن المزمورين التاسع والعاشر يُعبِّران عن صوت الأنين الصاعد عن الكنيسة المتألمة في أيام الدجال أو ضد المسيح أو إنسان الخطية حيث تحل الضيقة العظمى الفاصلة.


إطاره العام:

1. يارب، لماذا تقف بعيدًا؟           [1].

2. الشرير وسِماته                    [2-11].

3. لا تنسى المساكين يارب           [12-18].



+ إقرأ مزمور 10 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. يارب، لماذا تقف بعيدًا؟

 


الله لا يتخلى قط عن قديسيه أثناء ضيقتهم، لكن المؤمن أحيانًا إذ ينتظر التعزية الإلهية طويلاً يبدو له وسط آلامه كأن الله يقف صامتًا، أو كأنه يقف بعيدًا، فيصرخ متساءلاً: "يارب، لماذا تقف بعيدًا؟"

بلا شك أن حضور الله هو مصدر الفرح والتعزية لشعبه، أما الشك في حضوره فيسبب قلقًا وفقدانًا للسلام الداخلي. وإن كان البعض يرى في تساؤل المرتل عتاب حب واعتراضًا مقدسًا ورعًا وليس غريبًا. فقد حدث موقف مماثل على الصليب، قائم على أساس الإيمان بأن الله يرى كل شيء، وأنه وحده قادر أن يهب النجاة، فهو إله عادل يحكم بالعدل في النهاية، فلماذا إذن يبدو كمن يقف محايدًا من بعيد دون تدخل من جانبه؟ لماذا يحجب العون حينما تكون الحاجة ماسة إليه شديدة ومُلِحّة إلى أقصى درجة؟[254].

"لماذا... نتغافل في أوقات الشدائد؟!" [1].

جاءت في النص العبري بما معناه: "لماذا تختفي في أزمنة الضيق؟!" فإن ما يحطم نفسية المؤمن ليس وجود شدائد أو الدخول في أزمنة الضيق، وإنما الشعور باختفاء الله وحجب وجهه عنه.

الشدة لابد أن تزول يومًا ما، لكن ما اقتنيه هو إشراق وجهك عليّ وقت الضيق... أشعر بالألم لكنني أتمتع بخبرة يديك اللتين تمسحان كل دمعة من عيني.

+ إقرأ مزمور 10 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. الشرير وسِماته:

ربما يشير الشرير هنا إلى ضد المسيح Antichrist، أو إلى الذين يحملون روحه ويسلكون حسب مشورته. ويصور لنا المرتل هنا ما يتسم به الشرير من سمات، أو قل إنه يقدم صحيفة اتهام ضده بنودها الآتي:


أ. متكبر متعاظم ومتغطرس:

في كبرياء يحاول الأشرار أن يحرقوا المساكين بنار شرهم، فإذا بهم يؤُخذون بخطاياهم؛ يقول المرتل:

"عندما يستكبر المنافق يحترق المسكين.

يُصادون بالمشورة (بالمؤامرة) التي أشاروا بها" [2-3].


أمر طبيعي ألا يكف المتكبر عن مضايقة المسكين بلا سبب حتى يحرقه، لكن الكأس التي ملأتها بابل المضطهد لكنيسة المسيح تشرب هي منها (رؤ 17: 6؛ 18: 6)؛ والكلاب التي لحست دم نابوت اليزرعيلي لحسِت دم مضطهده آخاب الملك (1 مل 21: 19)؛ والخشبة التي أعدها هامان لمردخاي صُلب هو عليها (إش 7: 9).

*   يوخذون بأفكارهم التي بها يفكرون" [2]، بمعنى أنه تصير أفكارهم الشريرة قيودًا تكبلهم... والسنة المتملقين تربط النفوس بالخطية.

القديس أغسطينوس

"لأن الخاطي يمتدح بشهوات نفسه

والظالم يبارك (نفسه)" [3].


يمتدح الشرير شهوات قلبه الشرير، حاسبًا نفسه سعيدًا جدًا بسلوكه الطريق الواسعة! يمجد نفسه في خزيه! يتفاقم كبرياؤه الفارغ طويلاً!

إنه لأمر خطير أن يبارك إنسان الأشرار ويحسدهم لما هم عليه من ترف زائل وقتي، فيبدل الحلو بالمُرّ والنور بالظلمة.

وكأنه لا يكتفي الأشرار بأنهم في خزي وعار يصنعون الشر، وإنما في كبريائهم يفتخرون بالشر ويتباهون بشهواتهم الدنيئة. أما ما هو أشر فهو تحويل الشر إلى صورة خير، فيُظهرون الرذائل كأنها فضائل. إن غضبوا وثاروا حسبوا هذا شجاعة وصراحة وتمسكًا بالحق؛ وإن سقطوا في الشهوات الجسدية حسبوا هذا نضوجًا وخبرة حياة وانفتاح فكر. وكما يقول النبي: "ويل للقائلين للشر خيرًا وللخير شرًا، الجاعلين الظلام نورًا والنور ظلامًا، الجاعلين المُرّ حلوًا والحلو مرًا" (إش 5: 20).

*   "لأن الخاطي يمتدح بشهوات نفسه والظالم يُباَرك" [3].

يُدعى الإنسان المنحل سعيدًا، والطماع مقتصدًا في ادخار ماله[255].

الأب قيصريوس أسقف آرل

تلد الكبرياء الرغبة في إشباع الشهوات الشريرة مع الظلم أو الطمع... إذ هناك علاقة وثيقة بين الثلاثة: الكبرياء، الزنا، والعنف.

في كثير من حالات السقوط في الزنا والنجاسات الجسدية يحتاج الإنسان أن يفحص أعماقه، ليرى أن السبب أحيانًا بل وغالبًا السقوط في الكبرياء. فالشاب الذي يصوم ويقرأ في الكتاب المقدس ويُسبِّح أو يُرنّم لكنه عنيف في معاملاته مع والديه أو ناقدًا لاذعًا لزملائه غالبًا ما تغلبه شهوات جسده ولو خفية، ويسقط في عادات شريرة.

"لأنه قال في قلبه:

إني لا أزول؛ من جيل إلى جيل بغير سوء" [6].

يسيء الشرير – في رفاهيته – استغلال طول أناة الله، وعوض أن تقوده إلى التوبة يقسي قلبه في إثمه، حاسبًا أنه لن يُحاسب على شروره قط. يظن أنه فوق أن يحاسب!

الشرير في عجرفته يقول في قلبه أنه لن يتزعزع أو لن يزول، وها هي الأجيال تعبر والأشرار باقون بلا سوء. إنه يُسقط الله من حساباته.

ما أخطر الكبرياء؛ إنها خطايا تحيل كل البركات إلى لعنات، وتجعل البشر بلا حياء! يوجد العديد من خطايا الكبرياء (أم 16: 18؛ 29: 23). فقد يفتخر الإنسان بميلاده الشريف وآخر بمنشأه المتواضع؛ واحد يفتخر بملبسه الفاخر وآخر بثيابه الرثة البالية؛ واحد بفضائله وآخر برزائله.


ب. ملحد:

"أغاظ الخاطي الرب
ولم يفحص عن كثرة رجزه.
لأن ليس الله أمامه" [4].


يرى القديس أغسطينوس أن وراء كل الحاد شهوة. فإنه وإن اعتقد بعقله ومنطقه بوجود الله، لكن لإراحة ضميره وتحقيق شهوات قلبه الشريرة وملذات الجسد أو ممارسته للظلم يُخرج الله من حساباته. بينما يلهج قلب المحب باسم الله مرددًا اسمه القدوس مع كل نسمة من نسمات حياته، إذا بالشرير يتجاهل النعمة الإلهية، حاسبًا الله بعيدًا كل البعد عن العالم، وأنه لا يبالي بأعمال البشر أو حياتهم ولا يدينهم! إذ هو يتمتع بنوع من الرفاهية، يحلم معتقدًا أن الله لا يطاوله، ومن ثم يتصور الأحكام الإلهية بعيدة تمامًا عنه؛ وإذا قاومه أحد، يثق أنه يقدر أن يطرحه على الفور أرضًا أو يمزقه إربًا بنفخة أو نسمة أنفه[256]. بمعنى آخر، تجرد الخطية الله من سلطانه وعرشه بل تلغي وجوده واهب النعم تمامًا من القلب، أي من عرشه الملوكي. وقدر ما تستطيع تتصرف كي تجعل الشرير يفكر ويتصرف كما لو كان الله غير موجود.

يسيء الشرير فهم أناة الله وصبره بسبب عماه الروحي، إذ يقول المرتل أن الله ليس أمامه أو حسب النص العبري "ليس أمام عينيه". الله موجود في كل مكان، لكن بسبب عمى الشرير يظنه غير موجود، أو على الأقل أنه لا يرى أفعاله، وإن رآها لا تشغله.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن العنف أو الظلم أو الغضب عِلَّة الإلحاد، إذ يقول: [الغضب ظلمة، يقول الكتاب المقدس: "قال الجاهل في قلبه: ليس إله موجود" (مز 14: 1). ربما يناسب هذا القول الغضوب أيضًا، إذ قال الغضوب أيضًا: ليس إله. وكما يقول الكتاب: "حسب تشامخ أنفه (شدة غضبه) لا يطلب الله"[257]]. إن كان الغضب يعكر العينين أي يفسد البصيرة الداخلية، فإنه يحرم الإنسان من التمتع بالرؤيا الإلهية.

لا نعجب إن لاحظنا أن المجتمعات الإلحادية تحمل سِمتين رئيسيتين، الانحلال الأخلاقي الخاص بشهوات الجسد، وتأليه الإنسان. الساقط في شهوات جسدية يطلب ألا يوجد من يحاسبه فيحرمه من التسيُّب، وأيضًا من يؤلّه ذاته لا يقدر أن يقبل وجود إله يتدخل في حياته.

سيأتي ضد المسيح ليبث هذه الفكريين: انحلال وتألُّه!


ج. طرقه نجسة:

"طرقه نجسة في كل حين.

أباد أحكامك عن وجهه،

ويسود على جميع أعدائه" [5].

إن كان الله هو القدوس، ومؤمنوه الحقيقيون قديسين يحملون سمات أبيهم؛ فإن عدو الخير هو "الدنس" أو النجس"، واتباعه يحملون سماته فيهم، ألا وهي النجاسة.

كما أن القداسة هي حياة داخلية، شركة مع الله، يُعبَّر عنها خلال الفكر والكلمات والعمل؛ هكذا النجاسة موت داخلي يحل بالأعماق فيحطم كل ما بالإنسان؛ هذه النجاسة هي ثمرة اتحاد مع العدو الشرير، تتحول إلى طريق دائم لا يقدر الإنسان أن يَخِلُص منه إلا بالنعمة الإلهية.

في هذه العبارة [5] يكشف عن علاقة الشرير بنفسه (نجاسة داخلية!)؛ ومع الله (رفض تام لأحكامه) ومع الغير (حب السيطرة والسلطة!). وكأن النجاسة الداخلية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإلحاد العملي والعنف.


د. غاش ومحيك مؤامرات:

"فمه مملوء لعنة ومرارة وغشًا.

تحت لسانه عناء ووجع.

جلس في الكمين مع الأغنياء

ليقتل البريء في خفية.

وعيناه إلى البائس تنظران" [7-8].

إذ يحمل الشرير روح إبليس أبيه يمتلئ فمه لعنة ومرارة وغشًا. فإن كان السيد المسيح قد دُعي بالمبارك مصدر البركة، يُقيم من مؤمنيه جماعة مباركة، فإن إبليس الساقط تحت اللعنة يبث اللعنة خلال فم أتبعه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ليس من تضاد في العالم أكثر مما بين البركة واللعنة. لهذا يقول معلمنا يعقوب الرسول: "من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة؛ لا يصلح يا اخوتي أن تكون هذه الأمور هكذا. ألعل ينبوعًا ينبع من نفس عين واحدة: العذب والمُرّ؟!" (يع 3: 10-11).

أن مسيحنا كله عذوبة يُضفي على النفس عذوبة داخلية، فإن عدو الخير يحمل مرارة يُضفي على نفوس الأشرار مرارة قاسية.

مسيحنا هو الحق يبعث في مؤمنيه الصدق، أما عدو الخير فيبث في أتباعه روح الغش والخداع.

*   "تحت لسانه عناء ووجع" [7]... تحت لسانه وليس على لسانه، إذ يحيك هذه الأمور في صمت، ويتحدث إلى الناس بعكس ما يُبطن، فيبدو صالحًا وبارًا، وابنًا لله.

القديس أغسطينوس

*   "تحت لسانه عناء ووجع" [7]... يستمد الشرير poneros اسمه من كلمة ponen التي تعني "يعاني تعبًَا". بالحق يدعوه الكتاب المقدس الشر "عناءً"[258].

القديس يوحنا الذهبي الفم

في غشه يلتقي مع الأغنياء ليخطط في الخفاء من أجل قتل البريء... ولعله هنا يشير إلى ما فعله عدو الخير، باذلاً كل طاقاته ليقتل رب المجد الذي افتقر لأجلنا. استخدم الأغنياء والعظماء من ولاة وقواد وقيادات دينية للخلاص منه!

في غشه مع عنفه يترقب المسكين، عيناه تنظران إليه لكي تقتنص الفرصة لقتله! شتَّان ما بين عيني الله وعيني الشرير؛ عينا الله تتطلعان إلى المسكين لتبعثا فيه روح الرجاء والثقة بل والحياة أما عينا الشرير فمملوءتان حسدًا وشرًا!

يرى البعض أن ما يخفيه الشرير تحت لسانه من عناء ووجع هو الهرطقات والبدع. يتكلم خلال الهراطقة بالناعمات، بكلمات معسولة جذابة، ليخفي سم البدع وراءها. إنه يستخدم أسلوب الإخفاء ليس خجلاً مما يفعله، إنما خشية أن تنكشف مؤامراته. ولعله لهذا السبب يفسر الأسقف أنثيموس قول المرتل: "جلس في الكمين مع الأغنياء"، قائلاً: [يختار الشيطان أناسًا يُظن أنهم أغنياء بالكلام الكاذب، ويجلس فيهم كما في كمين مختفيًا]. يستخدم أحيانًا فلاسفة وحكماء هذا الدهر ليخفي شره خلال أفكار فلسفية تبدو

في ظاهرها مٌقنعة ومنطقية.


ه. عنيف:

"يكمن مختفيًا مثل الأسد في عرينه

يرتصد ليخطف المسكين" [9].

إذ يقبل الهراطقة وأصحاب البدع أيضًا الأشرار أن يكونوا عرينًا للأسد، يختفي الأخير فيهم في دهاءِ. يختفي في أفكارهم ونياتهم ومشاعرهم وفلسفاتهم ومواهبهم وسلوكهم، ليستخدم كل طاقاتهم لحسابه.

يمكن كلص في مخابئه وأوكاره، وكالخاطف الذي يختفي وراء مؤامراته، وكأسد في عرينه، يتربص في الخفاء حتى يقفز فجأة على فريسته البريئة ليفتك بها! يتظاهر كمن هو غير مكترث، فيخدع فريسته التي تحسبه ساهٍ عنها، لكنه لا يلبث أن ينشب مخالبه في جسمها لينهشها ويمزقها ويقطعها إربًا! إنك لا تجد بين مقاومي الكنيسة من يتصف بالأمانة أو اللطف أو العطف أو العذوبة أو الرقة إنما بالشراسة مع الدهاء!

*   "يكمن مختفيًا مثل الأسد في عرينه" [9]. يقصد بالأسد في عرينه أنه يجمع بين العنف والخداع. فإن الاضطهاد الأول للكنيسة كان بالعنف من مصادرة ممتلكات واحتمال عذابات وقتل؛ هذا ما كان يلتزم المسيحيون أن يحتملوه كذبيحة. أما الاضطهاد الثاني ضدها فبالخبث، من صُنع الهراطقة من كل نوع والاخوة الكذبة. يبقى اضطهاد آخر سيمارسه ضد المسيح، لا يشبهه شيء ما في ضراوته، إذ يكون عنيفًا ومخادعًا. عنيف حيث يصدر عن إمبراطورية (ذات سلطان) ومخادع بعمل عجائب. في لفظ "أسد" يشير إلى العنف، وفي قوله "في عرينه" يشير إلى الخبث.

القديس أغسطينوس

إنه مخادع كما سبق فخدعت الحية حواء؛ وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [هذه هي الحية، الارتداد العظيم، الهاوية ذاتها بجوف مفتوح، الطاغية بقوات الظلمة الذي يجرف إلى الموت، وما غير ذلك مما أوحى عنه ليخبرننا به[259]].

و. يرى بعض المفسرين البروتستانت[260] أن الشرير عنا يُقصد به بابا روما الذي يعمل مع كرادلته ضد المؤمنين الحقيقين، معتمدين في هذا على القول: "جلس في الكمين مع الأغنياء ليقتل البريء في خفية" [8]. غير أن أغلب آباء الكنيسة الأولى يرون في الشرير هنا إشارة إلى إنسان الخطية أو ضد المسيح "ابن الهلاك المقاوم والمرتفع على كل ما يُدعى إلهًا أو ومعبودًا حتى إنه يجلس في هيكل الله كإله مظهرًا نفسه أنه إله" (2 تس 2: 4).

+ إقرأ مزمور 10 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. لا تنس المساكين يارب:

"قم ياربي وإلهي

ولترتفع يدك

ولا تنس المساكين" [12].

بعدما وصف المرتل سمات الشرير المُرّة ومقاومته العنيفة الشرسة والمملوءة دهاءً ضد أولاد الكنيسة المدعوين "مساكين"، يصرخ المرتل طالبًا تدخل الله المخلص الذي يبدو كما لو كان نائمًا في السفينة: "قم ياربي وإلهي!"

حينما يفتر إيماننا إلى حين نصير كأننا نائمون أو كأن السيد المسيح نائم في سفينتنا فنيقظه كما فعل تلاميذه، قائلين له: "يا سيد نجنا فإننا نهلك" (مت 8: 25).

*   الكنيسة وهي تتألم في مثل هذه الظروف، تشبه سفينة وسط أمواج عظيمة وتجارب قاسية، تيقظ الرب كما لو كان نائمًا، كي يأمر الريح ويستعيد لها الهدوء (مت 8: 24-26).

القديس أغسطينوس

لعل المرتل هنا – إذ تشتد به الضيقة جدًا – يجد في صليب رب المجد وقيامته سرِّ القوة، فيصرخ أن ترتفع يده، أي يعلن قوة صليبه حيث ارتفعت يده بالقوة لتحطم سلطان إبليس مصدر الشر، طالبًا منه أن يقوم في قلبه، واهبًا إياه قوة قيامته مصدر الغلبة حتى على الموت، فيقول مع توما الرسول: "ربي وإلهي"!

ولعله يقصد بقوله "قم" سرعة مجيء الرب الديّان، كي يقوم ويجلس على كرسي الحكم فيدين الشر ويجازي المساكين والأيتام، إذ يختم المرتل المزمور بقوله:

"ليحكم لليتيم والمتواضع

كي لا يعود الإنسان يفتخر بالعظائم على الأرض" [18].


*   فلنذكر على الدوام يوم الدينونة هذا، لنبقى على الدوام قادرين أن نستمر في الفضيلة. من يطرد من نفسه تذكار هذا اليوم يندفع كحصان جامح فلت زمامه... أمام من يحفظ في قلبه مخافة (الدينونة) فيسير سيرة حسنة[261].

*   لا يستطيع الإنسان يحيا حياة طاهرة دون إيمانه بالقيامة[262].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

إذ يستغيث المرتل يكرر الكلمات "المسكين، واليتيم، والمتواضع"، فقد صار الغني فقيرًا من أجلنا لكي نستغنى نحن بفقره (2 كو 8: 9). جاء إلينا نحن الذين سبق أن كنا أيتامًا إذ أفقدتنا الخطية التمتع بأبوة الله السماوي. جاء إلينا باتضاعه ليحملنا نحن المتواضعين إلى شركة مجده. الآن نحن فيه أغنياء بلا يُتم مُمجَّدين.

هذه هي مسرة الله أن يُعين المساكين والضعفاء، معلنًا أبوته للأيتام وحمايته للأرامل وقربه من المتواضعين. لهذا نصلي في القداس الغريغوري قائلين: "يا معين من ليس له معين، ويا رجاء من ليس له رجاء".

إنه ينصت إلى مؤمنيه، يسمع صراخهم وسط الضيق، مصغيًا بسمعه لاستعداد قلوبهم [7].

*   تأتي إجابة (الرب) خلال النبي: "تستغيث فيقول: هأنذا" (إش 58: 9). حتى قبلما تبدأ العروس صلاتها يسمع توسلها ويميل ليهيئ قلبها (له) [263].

القديس اغريغوريوس أسقف نيصص

*   ما هو استعداد إنجيل السلام (أف 6: 14) إلا حياة فضلى في أسمى درجاتها كقول المرتل [17] [264].

القديس يوحنا الذهبي الفم

هكذا يختتم المزمور بإعلان عمل الله العجيب وسط كنيسته ليرد لها بهجة خلاصها، سامعًا لندائها وسط الضيق، محطمًا كبرياء إبليس وتشامخه.

+ إقرأ مزمور 10 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
+ إقرأ مزمور 10 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صلاة

*   عُد يا إلهي وتطلع إلى كنيستك،

هوذا العدو كأسد يتربص ليفترسها،

ينصب لها الشباك ليهلكها!

*   قم أيها المخلص وأعن عروستك!

*   يا من صرت لأجلي مسكينًا تطلع إلى مسكنة قلبي!

*   أنزع عني حالة اليُتم ولتفرح قلبي بأبوتك!

*   لتتطلع عيناك إليّ لأن العدو يتفرس فيّ ليلتهمني!

 
تفسير سفر المزامير - مزمور 11 PDF Print Email

الإيمان أعظم من الهروب

تسبحة الواثق:

يظهر داود النبي هنا وقد أشار عليه أصدقاؤه الذين خارت قلوبهم أن يهرب إلى أحد الجبال ليحتمي فيها من وجه مطارده شاول (1 صم 23: 7-18). لكنه رفض مشورتهم، مؤمنًا أن الله الملك البار لن يتخلى عنه. الله خالق الجبال هو ملجأه. ويرى بعض الدارسين أن هذا المزمور هو أحد المزامير الناطقة باسم الشعب التي تكشف عن العون الإلهي في مقابل أعداء همجيين برابرة. ولم يرفض داود مشورة أصدقائه ليس لأن هروبه يُعد بمثابة عار بالنسبة لقائد مثله، وإنما لأن هذه المشورة حملت نوعًا من عدم الثقة بالله، الأمر الذي لا يليق برجل الله، الذي إعتاد أن يترنم في داخل قلبه، قائلاً: "على الرب توكلت" [1].

يطلق على هذا المزمور "تسبحة الواثق"، أحد مزامير الثقة بالله Psalms of Confidence [مز 11، 16، 23، 62، 125، 129، 131]. هذه المزامير تكشف عن أن الابتعاد الكامل عن الله يجعل الصلاة مستحيلة؛ ولا يكون أمام المتألم إلا أن يلعن الله ويموت كما أشارت زوجة أيوب على رجلها (أي 2: 9). في هذه المزامير يستنير المؤمن بأشعة الثقة بالله ليدرك أن الله الذي أنقذ شعبه مرارًا في القديم لا يزال حيًا مخلصًا لهم على الدوام. بهذا الرجاء يرتفع المؤمن فوق الألم، وعوض الهروب إلى جبال مخلوقة يتكئ على خالق الجبال، الساكن في السماء [4] وعيناه تفحصان أمور البشر، هو ملجأ مؤمنيه!

تكررت كلمة "ملجأ refuge" مرارًا في سفر المزامير، فمن بين 37 مرة في كل الكتاب المقدس جاءت 22 مرة في هذا السفر. موضوع هذا المزمور وكثير من المزامير هو الاتكال على الله ضد قوة الشرير. هذه الثقة هي أساس الترنم المفرح في الكنيسة، في كل عبادتها وحياتها التقوية. يعلمنا المزمور كله أننا إذا ما سقطنا في تجربةٍ ما، يليق بنا ألا نشكو، بل نقاوم الشيطان فيهرب منا[265].


الإطار العام:

1. مشورة زائفة            [1-3].

2. الثقة بالله                 [4-7].

 

+ إقرأ مزمور 11 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مشورة زائفة:

"على الرب توكلت

فكيف تقولون لنفسي انتقلي على الجبال مثل العصفور؟!" [1]

يذكر داود مشورة أصدقائه [1-3]، الذين أشاروا عليه أن يترك بلده، ويلجأ إلى أحد الجبال. الكلمة العبرية المرادفة لكلمة "اهربوا" تعني يتذبذب أو يترنح أو يسير في خط ملتوٍ zigzag كما لو كان في حالة فزع تظهر عليه نتيجة محاولته لمناورة عدوه الماهر. ولكن كانت إجابة داود: "على الرب توكلت". كان أصدقاء داود شديدي الشبه جدًا بزوجة أيوب. الجبن دائمًا خطير، لا شيء يعادله في الضرر. إنه من الأعمال الإجرامية النابعة عن عدم الإيمان. كل مشورة بترك موقع العمل هي تصرف شرير أحمق. ما قاله أصدقاؤه قد أحبطه وجرح مشاعره كمؤمن يضع ثقته في الله[266].

ربما كان داود في ذلك الحين يعمل في القصر الملكي؛ لو أنه هرب لأُتهم بالتقصير في عمله والجبن؛ لكن ما شغل النبي لا إتهام الناس وإنما أعماقه الداخلية التي ترفض الشك في حماية الله له.

لسنا ننكر أن داود النبي هرب أكثر من مرة من وجه شاول مضطهده وأيضًا من وجه إبنه المتمرد أبشالوم، إذ يوجد هروب شرير وهروب مقدس:

1. الهروب الشرير، هو ذاك الذي يقوم على الخوف الداخلي وفقدان الاتكال على الله والثقة في عنايته وحمايته. هذا ما رفضه داود النبي!

2. الهروب المقدس، هو ذاك الذي فيه نهرب من وجه الشر، لا عن عدم ثقة وإنما لعدم تبديد الوقت في مقاومة الشر. فقد هرب ربنا يسوع المسيح إلى مصر من وجه هيرودس (مت 2: 13)، وطُلب من لوط أن يهرب إلى الجبل (تك 19: 17)، كما سألنا السيد المسيح أننا إذا ما طُردنا من مدينة نهرب إلى أخرى (مت 10: 41). الهروب من مجالات الخطية خاصة المحبوبة لدينا هي علامة حبنا لله لا عدم ثقتنا في خلاصه لنا (2 بط 2: 20)، فقد ترك يوسف ثوبه بجانب امرأة فوطيفار وهرب (تك 39: 15)؛ وفي سفر الرؤيا هربت المرأة من وجه التنين إلى البرية (رؤ 12: 6).

*   إن كنت طاهرًا حتى الآن، فلتكن أكثر طهارة بتجنب مثل تلك المناظر. لا تبتهج بالمناقشات الباطلة، ولا تحتج بالأعذار غير النافعة، وإنما ليكن لك عذر واحد... أترك الزانية المصرية (كيوسف) كمن يهرب من بين يديها عاريًا[267].

القديس يوحنا ذهبي الفم

*   لكي تهرب من سيدتك المصرية أترك الثوب الذي يخص هذا العالم[268].

القديس جيروم

*   تُشبه النفس بالعصفور [1]... يوجد عصفور صالح يقدر بالطبيعة (الروحية) أن يطير؛ ويوجد عصفور شرير لا يقدر أن يطير بسبب النجاسات الأرضية؛ هذا الأخير يُباع بفلسين (لو 21: 6)... ما أبخس ثمن الخطايا؟[269].

القديس أمبروسيوس

هكذا لسنا نهرب خوفًا أو تشككًا في إمكانية الله لخلاصنا وإنما إن هربنا إنما نهرب من الشر إلى الله. يعلمنا داود النبي أن نستمر في جهادنا ولا نأبه للمضايقات المحيطة بنا، مهما طال زمن جهادنا، ومهما ثقلت علينا الضيقات، واثقين في الله وفي وعوده.

كان داود رمزًا للسيد المسيح إبن داود، الذي أتى إليه بعض الفريسيين وإقترحوا عليه أن ينسحب لأن هيرودس كان يطلب أن يقتله، لكنه رفض، متنبئًا أمامهم أنه موشك أن يدخل في طريق الألم والصلب (لو 13: 31-32). ونحن أيضًا يلزمنا ألا نهرب إلى جبالنا (برّنا الذاتي)، بل نتكل على الرب السماوي بكونه برّنا.

يرى القديس أغسطينوس أنه يجب علينا أن نصعد إلى الجبل الواحد، ملجأنا، السيد المسيح، أي نكون فيه وننعم بالعضوية في كنيسته. بمعنى آخر، الجبل المقدس هو السيد المسيح، وأيضًا هو كنيسة المسيح. أما الهراطقة فإنهم يحاولون خداعنا بالصعود إلى الجبال، أعني قبول التعاليم الباطلة.

من خلال الكنيسة - الجبل المقدس - نرتفع إلى السماء بعينها، إلى مسيحنا السماوي وكنيسته التي هي أيقونة السماء؛ أما تعاليم الهراطقة فترفعنا إلى جبال الكبرياء.

+ إقرأ مزمور 11 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


العدو مستعد للعمل:

"لأن هوذا الخطاة قد أوتروا قِسيّهم

وهيأوا نبلاً في جباعهم،

ليرموا بالخفاء (اختفاء القمر) المستقيمة قلوبهم" [2]

يُظهر داود أن المخاطر تحوط به من كل جانب، وأنه على وشك ملاقاة حتفه. ومن المستحيل أن يختبئ أو يهرب من أعدائه الذين قد تدججوا بالسلاح، وتهيأوا لضربه بالسهام. وكما سبق فقلنا أن الكنيسة في كل العصور، أينما وُجدت، إنما تعيش كدانيال في جب الأسود، الذي كان كمن هو في السماء عينها، يتمتع بالشركة مع الملائكة التي سدت أفواه الأسود، يشاركهم التسبيح لله.

يليق بالأبرار ألا يندهشوا مهما بلغ الشر الموجّه ضدهم، فإن الأشرار هم على الدوام أردياء للغاية؛ شرهم في قلوبهم. أعمالهم الشريرة تليق بهم كأبناء ظلمة؛ وكأولاد إبليس الشرير. لكن جيل قايينه وأخيتوفله وسانبلاطه ويهوذه وديماسه وإخوته الكذبة وكلابه، وجبناؤه عديمو المبادئ وطغاته القساة القلوب[270].

ليس للعدو قوسه المشدودة فحسب بل وسهامه المهيأة على الوتر؛ هدفه هو مستقيمو القلوب ليضربهم في الظلمة، في إختفاء القمر. القمر هو رمز الكنيسة، لذلك لا يقدر العدو أن يصوّب سهام الخطية النارية والتعاليم الباطلة في نور الكنيسة بل عندما يخبو ذلك الضوء القمري وتعلوه قتامة الإثم.

v   يُفهم القمر أنه الكنيسة، لأنها لا تعطي ضوءًا من ذاتها، بل ينيرها إبن الله الوحيد، الذي يُرمز له في العديد من مواضع الكتاب المقدس بالشمس (مل 4: 2)؛ والذي يجهله بعض الهراطقة، ويعجزون عن معرفته، ومن ثم يسعون في تضليل عقول البسطاء...

القديس أغسطينوس

كان النبي "مستقيم القلب"؛ هكذا أيضًا الكنيسة التي تتقدس بالروح القدس في إستحقاقات دم المسيح الثمين؛ إنها ليست معوجِّة بل "مستقيمة". مخلصها، شمس البر، يشرق عليها بنوره الإلهي واهبًا إياها نوره لتصير هي نفسها نور العالم. لا يقدر العالم أن يهلكها لأنه يسعى أن يصوب سهامه نحو مستقيمي القلوب في الظلام وليس في النور. ما دام السيد المسيح يشرق ببهاء لاهوته على كنيسته المتحدة به لا يقدر الهراطقة أن يحطموا إيمانها مهما صوّبوا من سهام التعاليم الخاطئة.

يرى البعض أن الكنيسة كالقمر لها جانب منير يتقبل نور السيد المسيح بالروح القدس العامل فيها، وجانب مظلم له الإيمان النظري دون الحياة المستنيرة بالروح، التقوية، هذا الجانب يتقبل بسهولة الهرطقات متجاوبًا معها.

يرى آخرون أن الكنيسة في دُجى الليل - وسط آلامها بسبب الاضطهادات المستمرة - يصوب ضدها الهراطقة سهامهم النارية لكي ما يصيبوا مستقيمي القلوب في وسط إنشغال الخدام الأمناء بما يحل بالكنيسة من أوجاع!

"لأن الذي أصلحت أنت هم هدموه.

فأما الصديق فماذا صنع؟" [3].

وجاء النص العبري ترجمته: "إذا انقلبت الأعمدة (الأساسات)، فالصديق ماذا يفعل؟".

يطبق البعض هذه الكلمات على كهنة نوب (1 صم 22)، ويرى آخرون أن أعمدة الأساسات التي إنقلبت تشير إلى أشراف أو نبلاء، وإن كان الانطباع الأكثر شيوعًا هو أن داود يتحدث عن أسس العدل[271] التي تقوصت بواسطة شاول الملك، فهل يستطيع داود الصديق أن يصلحها؟!

يفهم القديس جيروم البناء هنا أنه الشرائع، فإن عمل العدو أن يحطمها، ليدمر التدبير الكنسي بخلق جو من البلبلة. أساسات الكنيسة هي ناموس الحب، لذلك يتركز عمل العدو في تحطيم الحب والوحدة التي لنا في المسيح.

عندما يعوزنا الحب، ماذا يستطيع الصديق أن يفعل؟ يحتاج الأمر إلى الله نفسه ليصلح الجماعة ويجددها.

v   من يدعوهم هنا أشرارًا إنما هم الشياطين غير المنظورين، الذين يُصوّبون سهامهم خِفية؛ هذه السهام بعضها زنا وأخرى طمع ومحبة قنية؛ بها يجرحون الكثيرين ما استطاعوا[272].

العلامة أوريجانوس

يرى القديس أغسطينوس أن الصديق هنا يشير إلى السيد المسيح الذي قدم كل الحب ببذله حياته من أجل العالم... ماذا يفعل بعد إذ يحطم الهراطقة أعمدة الإيمان، وقد أطال أناته عليهم لعلهم يتوبون.

يشير الحديث هنا إلى الأزمنة الأخيرة حيث تكاد تتحطم أعمدة أساسات الكنيسة بالانحراف عن الإيمان الحق وترك المحبة (مت 24: 12)، حيث تأتي أزمنة صعبة (2 تي 3: 1)، فيبدو كأنه لا مجال لعمل الصدّيق، إن أمكن حتى المختارين أن يضلوا... وفي هذا كله نردد بإيمان: "على الرب توكلت... الرب في السماء كرسيه، عيناه إلى المساكين تنظران" [1، 4].

+ إقرأ مزمور 11 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


"الرب في هيكل قدسه

الرب في السماء كرسيه.

عيناه إلى المساكين تنظران،

أجفانه تفحص بني البشر" [3-4].

يحاول العدو خداع البسطاء بسحبهم إلى الظلمة، بعيدًا عن ضوء القمر، لكن الإيمان يرفعهم من الأرض إلى الكنيسة السماوية الروحية، ليروا بهاء العرش الإلهي. هناك يعاينون الرأس، القدوس، مصدر برنا. يسكن الرب في هيكل قدسه، ومع هذا فعرشه في السماء؛ بمعنى أن الذين يمارسون العبادة الروحية يتمتعون بالمجد السماوي ملجأ لهم.

كلمة "هيكل" هنا كثيرًا ما ترد بمعنى "قصر" في المفرد أو "قصور" في الجمع (2 مل 20: 18؛ مز 45: 8 ؛ أم 30: 28؛ إش 13: 22). وقد أُطلق إسم "هيكل" على الخيمة قبلما يولد داود (1 صم 1: 9؛ 3: 3)، مما يغلق باب الجدل هنا (بأن الكاتب ليس بداود). وتوضح هذه العلاقة أن داود يتحدث هنا عن الله بكونه قاضيًا وملكًا، يحكم بالبر، يجلس في السماء، وليس كما كان في القديم يحل في الشكيناه (كلمة عبرية معناها السكنى) التي لتابوت العهد. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). الله في هيكل قدسه... هنا يشير داود إلى السماء، المقدس الحقيقي الذي كان الهيكل رمزًا لها، كما يتضح ذلك من العبارة التالية حيث ينطق بأكثر وضوح: "الرب في السماء كرسيه"[273].

يعرض لنا المرتل التضاد بين السماء والأرض؛ فقد لاحظ أن الأرض الآن تموج كلها بالفوضى، حيث لا يقدر أحد أن ينال عدالة أو مساواة؛ ولا توجد وسيلة للخلاص من الظروف العصيبة الحاضرة. إنه لا يثق في إنسان، وإنما في الله الذي يسود ملكوته الجميع، عاملاً دومًا بالبر، مرتفعًا أبدًا على قوى الحقد، لا يتخلى عن دوره كقاضٍ وحاكم للجميع (دون محاباة). لم يقل المرتل إن الله يسكن في السماء فحسب، وإنما قال يحكم من هناك (في السماء كرسيه)، كما من قصره الملوكي، حيث يوجد عرشه أو كرسيه.

إن فهمنا السماء بكونها النفس البارة، يمكننا القول بإنه بينما يحاول العدو أن يرمينا بسهامه الخاصة بالشهوات الجسدية، يعلن ربنا ملكوته السماوي في داخل نفوسنا، بكونها قصره الملوكي أو هيكل قدسه. يشتاق العدو أن يقيم منا أرضًا بينما يريد لنا ربنا أن نكون سماءه. ويشجعنا العهد الجديد أن نجد الرب لا في الهيكل فقط (مت 5: 34-35) بل وفي البَّر الموهوب كنعمة للكنيسة (مت 18: 15-19).

بمعنى آخر إن كان الأصدقاء أصحاب القلوب المرتجفة قد أشاروا على داود النبي أن يهرب إلى الجبال بكونه عصفورًا صغيرًا لا حول له ولا قوة، يعجز عن الوقوف أمام أعداء خطيرين لا يقومون بنصب فخ صغير لاصطياد عصفور، وإنما حملوا أقواسًا قد أوتروها وصارت سهامهم مستعدة لقتل المستقيمي القلوب، العصفور البسيط؛ وأن كل أساسات العدالة قد إنهارت ولم يبق أمام داود - الصديق - ما يفعله لاصلاح ما قد تهدم، فأنه يوجد الله نفسه ساكنًا في سمواته يحقق العدالة. الله القدوس يسكن في كنيسته السماوية كما في النفس التي تتقدس به، لا ليحملها إلى الجبال كعصفور، وإنما يهبها روحه القدوس لتطير كما إلى السماء عينها... من أجل هذا يردد المرتل قائلاً: "على الرب توكلت".

يطلب منا الأصدقاء أن نهرب إلى جبال الحكمة البشرية والاتكال على الأذرع الإنسانية والإمكانيات العالمية، أما الله الساكن في السموات فيهبنا روحه لنرتفع به إلى كرسيه، ونجد لنا موضعًا في أحضان أبيه!

 

 

+ إقرأ مزمور 11 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


البر ونفوسنا:

يجيب المرتل أصدقاءه ذوي القلوب المرتجفة: "على الرب توكلت". هذه الثقة يليق أن تُستعلن خلال الحياة البارة، أعني خلال تمتعنا ببر المسيح. فهو وحده القدوس، الساكن في هيكل قدسه، أي في قلوبنا التي يجب أن تتقدس بروحه القدوس، عندئذ ينظر إلينا بكوننا مساكينه، ويصير ملجأ لنا: "عيناه إلى المساكين تنظران، أجفانه تفحص بني البشر".

الله قائم في سمواته بكونها هيكل قدسه، نحن لا نراه بعيوننا الجسدية أما هو فيرانا. نحن قد ننشغل عنه وسط إرتباكات هذه الحياة الزائلة أما هو فمشغول بكل واحد منا، ينظر إلينا ويفحص حياتنا بأجفانه، خلال عذوبة مواعيده.

يسكن الله السماء وعيناه تنظران مساكينه، لأنهم أولاده، لهم موضع في قلبه. هم يعيشون على الأرض حيث ينتشر حولهم الأشرار الذين يضغطون عليهم ويمارسون ضدهم أشد أساليب الظلم، لكنه ما من مكان لا يطاوله عدل الله وعنايته بشعبه. إنه يسمح حقًا بتجربة أولاده في كل مكان وزمان، لكن سرعان ما تحتضنهم نعمته ورحمته أينما وحيثما وجدوا.

عينا الرب اللتان تتطلعان إلينا هما رحمته ونعمته؛ أو حبه ورعايته؛ وربما تشيران إلى الكتاب المقدس بعهديه خلالهما يعلن الله عهده الأبدي وسكناه وسط شعبه ووعوده الإلهية وشركة أمجاده السماوية. خلال كلمته نراه يتطلع إلينا بنظرات الحب الحانية والأبوة العملية ليرفعنا إلى سمواته، نعيش معه في هيكل قدسه أبديًا أو يعيش داخلنا كهيكله المقدس (1 كو 3: 17)، نصير "أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه" (أف 5: 30).

بينما البار تحوطه وترعاه عينا الرب، إذا بالشرير تبغضه حتى نفسه: "والذي يحب الظلم فلنفسه أبغض" [6]. يفقد الظالم شركته مع الله القدوس، الحب ذاته؛ فيضيق قلبه جدًا حتى لا يطيق نفسه، ويضطرب ضميره، كما أقلق الضمير هيرودس بعد قتله القديس يوحنا المعمدان.

*   أتوسل إليكم ألا نبغض نفوسنا ولا نحب الظلم؛ فإنه بالتأكيد نفع الظلم في هذا العالم الحاضر قليل أو معدوم، أما في العالم الآتي فيجلب دمارًا أعظم[274].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   ليس عجبًا أن تصير عدوًا لنفسك، لأن "محب الظلم تبغضه نفسه". فإن كنت تبغض نفسك بمحبة الظلم، فهل تعجب أنك تكره كلمة الله التي تريد خير نفسك؟

*   حقًا إذا أحببت نفسك بطريقة شريرة تهلكها، لكن إن ابغضتها بالحق فأنت تحفظها. إذن هناك حب شرير للنفس وبغضه صالحة لها.

*   إن كان بحب الظلم ليس فقط أنت لا تحب نفسك بل تبغضها، فكيف تقدر أن تحب الله أو تحب قريبك[275]؟!

الأب قيصريوس آرل

+ إقرأ مزمور 11 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


نصيب الأشرار:

"يمطر على الخطاة فخاخًا؛

نارًا وكبريتًا وريحًا عاصفًا.

هذا هو حظ كأسهم" [7].

الأشرار ليس فقط تبغضهم أنفسهم بل والله ذاته، الذي يكره الخطية جدًا، يتركهم ينالون ثمار شرهم طالما يرفضون التوبة.

ينصب الأشرار فخاخهم خِفيةً وفي خداع لاصطياد المساكين، أبناء الله، ظانين أنه لن يلحقهم شر ما (مز 10: 6)، لكنهم لا يسقطون فقط في مصائدهم (مز 10: 2)، وإنما يمطر الله عليهم فخاخًا علانية كما من سحابة ظاهرة، ينصب لهم شراكًا لا يستطيعون أن يفلتوا منها، في طول أناته ينتظرهم مقدمًا لهم العديد من فرص التوبة، فإذا بهم يتوهمون أنهم فوق عدل الله وأحكامه، فيصيرون كجيادٍ جامعة إنفلت زمامها وإنطلقت من معاقلها إلى فضاء فسيح. لكن في إنتظارهم كمّ هائل من الفخاخ التي يمطرها الله عليهم من السماء قبلما يمطر عليهم نارًا وكبريتًا. وكأن الله يشل حركتهم أولاً بالقاء الشباك من السماء ليقبض عليهم في فخاخه، وحينما تنغلق أمامهم كل المنافذ وتوصد كل أبواب الهرب، تأتي اللحظة الرهيبة المخوفة، لحظة إستعلان غضب الله بالنار والكبريت المنهمر عليهم مطرًا من السماء، كما حدث في سدوم وعمورة، اللتين هلكتا وفنيت من الأرض ذكراهما!

*   لأنه كما يقول المرتل: نار وكبريت ورياح مسمومة هي نصيب كأسهم؛ ولماذا هكذا؟ لأنهم - كما قلت - رفضوا النعمة التي بالإيمان، لذا كان إثم خطيتهم لا يُمحى، وناسبهم أن يحملوا عقاب محبة الخطية الذي يستحقونه[276].

القديس كيرلس الاسكندري

*   إن كنا نفهم بالسحب الأنبياء عمومًا، سواء الصالحين منهم أم الأشرار الذين دعوا أنبياء كذبة. فقد سخر الرب الإله الأنبياء الكذبة لكي يمطر بهم فخاخًا على الخطاة (مت 24: 24). لأنه ما من أحد سوى الخاطي هو الذي يسقط في اتباعهم بإعداده للهلاك الأخير إن اختار الإصرار على الخطية، وإما أن ينصرف عن الكبرياء ويرجع في وقت ما يطلب الله بأكثر إخلاصًا.

أما إن كانت السحب يُقصد بها الأنبياء الأبرار وحدهم، فبهؤلاء أيضًا يمطر الله فخاخًا على الأشرار، لكن بهم يروي الصالحين إلى حياة مثمرة. إذ يقول الرسول: "لهؤلاء رائحة موت لموت، ولأولئك رائحة حياة لحياة" (2 كو 15: 11).

ليس فقط الأنبياء بل وكل الذين يُرْون النفوس بكلمة الله يمكن دعوتهم "سحبًا"... وأيضًا من سحب الكتاب المقدس، ووفقًا لاستحقاق كل إنسان، تسقط أمطار فخاخ نار وكبريت ورياح مسمومة على الخاطي، وأمطارًا مثمرة على البار.

"نارًا وكبريتًا وريحًا عاصفة؛ هذا هو حظ كأسهم"
. هذه عقوبة ونهاية الذين يجدفون على اسم الله، تحرقهم نيران شهواتهم، وسموم أعمالهم الشريرة وتطردهم من شركة الطوباويين، وتدخل بهم إلى المعاناة من أشد العقوبات التي لا يُنطق بها...

إنني أظن أن الكأس قد وردت هنا لهذا السبب: ألا نظن بأن أمرًا ما حتى في عقوبات الأشرار يتم بدون إعتدال أو قياس... "لأن الرب بار وللبر أحب" [7]...

"نظر وجهه العدل" [7]، كأنه يقول: يُرى العدل في وجهه، أي في التعرف عليه؛ لأن وجه الله هو المسكين الذي به يصير الله معروفًا للذين هم مستحقين ذلك. أو على الأقل يقصد بالقول "نظر وجهه العدل" أنه لا يسمح لنفسه أن يعرفه الأشرار بل الأبرار؛ وهذا عدل!

القديس أغسطينوس

إذ يلتصق أولاد الله بأبيهم البار وحده والعادل، يتمتعون بروحه الناري يلهب أعماقهم بالحب، أما الأشرار فيشربون كأسهم نارًا قاتلة تفقدهم الحياة والسلام!

ربما عنى المرتل بحظ كأسهم هنا بما ورد في سفر العدد حيث يشرب المُتهم كأسًا من سائل مقدس، فإن كان مجرمًا يهلك ويموت (عد 5: 23-28).

 

+ إقرأ مزمور 11 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الختام:

كما بدأ المزمور هكذا ينتهي بكلمة "الرب" الذي سمته أنه "بار"، يجيب على كل مخاوف المؤمن المُضطهد.


علمني أن أهرب إليك

*   إن كنت قد صرت كعصفور وحيد يحوط به أعداء أقوياء وأشرار، فأنت يا رب هو ملجأ لي... إليك أطير، وفي حضنك ألتجئ!

*   لست أُريد أن أهرب إلى جبال الحكمة البشرية ولا السلطان الزمني ولا الإمكانيات العالمية وإنما إليك أيها الجبل القدوس. هب لي روحك كجناحي حمامة فأطير إليك وأسكن في أحضان أبيك!

*   هب لي روحك القدوس فأحب برك... بل أحب نفسي وأحب أخوتي كنفسي!

*   انزع عني حب الظلم حتى لا أبغض أعماقي!

*   لتمطر عليّ روحك القدوس الناري يطهر أعماقي، أما النار والكبريت والريح العاصف فلا تكون حظ كأسي

+ إقرأ مزمور 11 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 12 PDF Print Email

كلام الأشرار وكلام الأبرار وكلام الله

يكشف المرتل هنا عن فاعلية كلمات بني البشر الفارغة [1-4]، وعلى النقيض من ذلك الأثر الصالح لكلمات الله النقية [5-8]؛ وعن كلمات أو صرخات الأبرار البائسين [5]. ويُعتبر الكلام الشرير أكثر الشرور تدميرًا لنفس الإنسان وللشركة الأسرية وللكنيسة. قد يبدو هذا الأمر تافهًا بلا تأثير، وأنه لا وجه للمقارنة بينه وبين باقي خطايا الشهوات الجسدية السلوكية وجرائم العنف من قتل واستعباد وسرقة. هذه المعصية التي تبدو هينة تنخر في إنساننا الداخلي، وعائلاتنا والكنيسة، وهكذا تقدر أن تمزق أوصال الوجود الإنساني ذاته. إن كنا لا نصدق زوجًا أو زوجة أو أخًا أو أختًا أو كاهنًا، فإن البناء الكامل للأسرة والكنيسة ينهار من أساسياته[277].

يقدم لنا المرتل ثلاثة أنواع من الكلام:

1. كلام الأشرار: كذب ورياء وكبرياء... ينطقون بفم أبيهم، إبليس، الكذاب وأبو كل كذاب، المخادع والمتعجرف.

2. كلام الأبرار: تنهدات المساكين بسبب ما يعانوه من ضيق ومتاعب في هذه الحياة. الرب أبونا يسمع كلمات القلب وتنهداته الخفية.

3. كلام الله: كلام نقي، مصدر الخلاص.

ويرى البعض أن هذا المزمور هو مرثاة جماعية، نطق بها المرتل باسم الجماعة الخائفة الله، فهي تصرخ تطلب الخلاص والعون من الأشرار الغاشين الذين حملوا صورة الرياء والكذب من جانب، وصورة العنف والظلم من جانب آخر... يعلن المرتل كيف طال انتظار شعب الله مترجين عمل الله الخلاصي لحفظهم من المنافقين. لقد وجدوا الإجابة شافية في كلمته الإلهية التي تقدم وعوده الإلهية!

+ إقرأ مزمور 12 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +

 

بِنية المزمور:

1. دعوة للخلاص                                                 [1].

2. الدافع لهذه الدعوة اليائسة                              [1-2].

3. صلاة يقدمها خورس مرتلين                                   [3].

4. النطق بلسان الأشرار، بواسطة خورس آخر           [4].

5. إلهام إلهي ينطق به كاهن أو نبي باسم الله                       [5].

6. استجابة من الجوقات المرنمة على كلمات الرب، بواسطة الجوقة الثانية  [6].

7. صلاة ثقة تنطق بها الجوقة الأولى                             [7].

8. ختام، يشبه افتتاحية المرثاة تردده أغلب الجوقة                 [8]


العنوان:

"للتمام، من أجل الثامن". سبق لنا التعليق على مثل هذا العنوان أثناء دراستنا للمزامير (5، 6، 8).

يقول القديس أغسطينوس: [لتؤخذ كلمة "الثامن" بمعنى "الأبدية". فإنه بعد انقضاء الزمن الحاضر، الذي هو دورة سبعة أيام متعاقبة، يأتي (الثامن) كنصيب للقديسين. يقول المرتل: "المنافقون حولنا يمشون (في دائرة)" [8]، أي يمشون في شهوة الزمنيات، والتي تدور كعجلة في حلقات متكررة من سبعة أيام، لهذا لا يبلغون اليوم الثامن، أي لا ينعمون بالأبدية التي هي عنوان المزمور].

كان العبرانيون يستخدمون هذا المزمور في اليوم الثامن، يوم الختان.

 

 

+ إقرأ مزمور 12 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +

الحاجة إلى القديسين:

يحتاج العالم إلى قديسين كشهود لعمل الله وكبركة للآخرين. يصرخ داود قائلاً: "خلصني يارب فإن البار قد فنى" [1]. وعلى نقيض القديسين يوجد (في العالم بكثرة) بنو البشر [9].

لم يجد المرتل الحقوق بين بني البشر، إنما وجد كذبًا، وبأكثر دقة وجد فراغًا، وهو تعبير يحمل معنى "البطلان"، "عدم الإخلاص" و"التسيّب".

"خلّصني يارب فإن البار قد فنى.

والحقوق قد قلت من بني البشر" [1].


تطلع داود النبي في مرارة نفسه ليجد كأن جيله قد خانه، صار كمن يتعامل مع بني بليعال، ليس بينهم بار يثق فيه. ربما تطلع داود حوله ليجد شاول الملك الذي أنقذه من العار وخلصه من جليات الجبار يجند كل طاقات الدولة ضده، كما خانه أهل زيف (1 صم 24: 19) وأهل قعيلة (1 صم 26)؛ وربما تذكر الكهنة الذين لقوا حتفهم في نوب (1 صم 21)... شعر داود كأنه لا يوجد إنسان أمين في العالم؛ وهو في هذا ربما يشبه إيليا النبي عندما صرخ قائلاً: "يارب قتلوا أنبياءك، وهدموا مذابحك، وبقيت أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي" (رو 11: 3).

لعل داود النبي كان يتكلم باسم السيد المسيح الذي جاء ليخلص العالم، فقد فسدت الطبيعة البشرية وضاع الحق من حياة الإنسان، لذلك يصرخ باسمنا طالبًا الخلاص بتجديد طبيعتنا واتحادنا مع الحق!

لا طريق لعودة الحياة البارة ورجوع الحق إلى العالم إلا بخلاص السيد المسيح، لهذا يبدأ المرتل بصرخة قصيرة وقوية: "خلصني يارب".

+ إقرأ مزمور 12 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


اللسان الشرير:

"تكلم كل واحد مع قريبه بالأباطيل.

شفاة غاشة في قلوبهم، وبقلوبهم تخاطبوا.

يستأصل الرب جميع الشفاة الغاشة

واللسان الناطق بالعظائم

الذين قالوا نعظم ألسنتنا شفاهنا هي منا

فمن هو ربنا؟!" [2-4].

اللسان عطية إلهية، به نسبح الله وبه نتحدث مع الغير. إذا أسأنا إستخدامه يصير نارًا وعالم إثم (يع 3، مز 141: 3). وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن المرائين المتغطرسين يتكلون على حديثهم في خداع الناس دون الخضوع لله].

يتضرع داود النبي إلى الله كي يهلك المتملقين، الذين يهددون الصالحين. يعد الله أن يُعين الذين تحت الضيقة، مستجيبًا لتنهدات المساكين.

*   ليته لا يخدع أحد قريبه، كما يقول المرتل هنا وهناك: "يتكلمون بشفاة غاشة وقلب مزدوج" [2]. فما من شيء يجلب العداوة مثل الغش والخداع[278].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   الفم هو مصدر كل شر، بالحري ليس الفَم بل الذين يُسيئون استخدامه، فمنه تصدر الشتائم، والإهانات، والتجاديف، وما يثير الشهوات، والقتل، والزنا، والسرقات، هذه جميعها مصدرها إساءة استخدام الفم. ربما تسأل: كيف يسبب قتلاً؟ لأنه من السب يُثار الغضب، ومن الغضب الضرب، والضرب يدفع إلى جريمة قتل. مرة أخرى: كيف يسبب زنا؟ ربما يقول قائل: "هذه المرأة تحبك، وتداعبك بكلام لطيف". هنا تشتعل الشهوة في داخلك[279]!.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الآن بعدما تحدث عن كلمات الأشرار التي تكشف عن طابع أبيهم: الخداع مع العنف، يقدم لنا المرتل عمل كلمة الله فينا.

إن كان عدو الخير قد أوجد فينا - إن صح التعبير - قلبين أو وجهين، بالواحد ننطق بالكلمات اللطيفة اللينة وبالآخر نحمل فكرًا ذئبيًا شرسًا، بالواحد نعيش داخل الكنيسة وبالآخر نتعامل مع الآخرين، فإن علاج الأمر هو إبدال عمل عدو الخير بعمل الله، أو كلمة عدو الخير بالكلمة الإلهية، بكونها كلمة واهب الخلاص.

"الآن أقوم يقول الرب

أصنع الخلاص علانية

كلام الرب كلام نقي

فضة محمية مجرَّبة في الأرض

قد صفيت سبعة أضعاف" [5-6].

تقود كلمات البشر المتغطرسة إلى الإلحاد، إذ يقولون "شفاهنا هي منا؛ فمن هو ربنا؟!" أما كلمات الله فنقيّة، مثل الفضة المصفاة بالنار سبعة أضعاف. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). كلماته في حقيقتها هي وعود مقدمة لنا، تضمن لنا أماننا فيه.

*   "صفيت سبعة أضعاف"، وذلك:

1. بمخافة الرب.

2. بالصلاح.

3. بالمعرفة.

4. بالقدرة.

5. بالمشورة.

6. بالفهم.

7. وبالحكمة (إش 11: 2).

إذ توجد سبع درجات للتطويب، صعد عليها الرب كما جاء في متى، في نفس العظة التي نطق بها على الجبل (مت 5: 3-9).

القديس أغسطينوس

*   كما أن الفضة غالبًا ما تُنقى، هكذا يُمتحن البار، فيصير عُمْلَة الرب، تتقبل الصورة الملكية. سليمان أيضًا يدعو "لسان الصديق ذهبًا ممحصًا بالنار" (راجع أم 10: 20)، مظهرًا أن التعليم الذي يُمتحن وتثبت حكمته يُمتدح ويُقبل، حيث يُمحص على الأرض عندما تتقدس نفس الغنوصي (الإنسان الروحي صاحب المعرفة) بعدة طرق، منسحبة من النيران الأرضية. أما الجسد الذي تسكنه (هذه النفس) فيتطهر وتصير له النقاوة اللائقة بهيكل مقدس[280]...

القديس أكليمندس الإسكندري

+ إقرأ مزمور 12 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


أمان وسط الضيق:

إن كان المنافقون قد التفوا حولنا من كل جانب [8]، يسلطون ألسنتهم الشريرة ضدنا بخداع مع عنف داخلي... لكن كلمة الله تقدم لنا وعود إلهية، تحول حياتنا إلى "تسبحة" مفرحة، فنقول مع المرتل:

"وأنت يارب تنجينا وتحفظنا

من هذا الجيل وإلى الدهر" [7].

يبقى الأشرار مقاومون لأولاد الله في كل جيل وفي كل موقع في العالم حتى انقضاء الدهر؛ وتبقى كلمة الله مُخَلّصة لنا وحافظة إلى التمام.

+ إقرأ مزمور 12 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


كلامك روح وحياة

*   لتنطلق ألسنة الأشرار ضدي،

ولترشق سهامها القاتلة نحوي،

فإن كلمتك يارب واهبة الخلاص،

هي حصني وخلاصي، هي بهجتي وكل حياتي!

 

+ إقرأ مزمور 12 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور13 PDF Print Email

إلى متى يارب....؟

يبدو أن داود قد واجه تجارب لا تنتهي في فترةٍ ما من حياته. وقد جاء هذا المزمور بمثابة تضرع يسكبه أمام الله حتى يعينه ضد أعدائه.

يرى بعض الدارسين أن هذا المزمور لم يُكتب أثناء متاعب داود مع شاول، لأنه هذه المتاعب كانت قبل سقوطه في خطيته الشنعاء. ففي رأيهم أنه وضع هذا المزمور أثناء تمرد أبشالوم، عندما أسرع هاربًا من وجه ابنه. غير أن سحابة الحزن الخارجي لم تكن إلا رمزًا باهتًا لما قد ثقل على نفسه داخليًا بسبب الخطية، الأمر الذي كان أكثر سوادًا من ظلمة منتصف الليل[281].

يعبر هذا المزمور الصغير عن آلام داود الشحصية، سجلها كصرخة قوية وصريحة تخرج من أعماق نفسه المتألمة ليرتمي في أحضان مخلصه الذي يخرج به من المرارة إلى حياة الفرح والتهليل. وقد جاء هذا المزمور صلاة تضم كل عناصر المرثاة: شكوى، توسل، ثقة، شكر؛ التي تناسب كل إنسان بار يعاني من متاعب داخلية وخارجية.

يقول وليم بلامر: [يأتي تسلسل هذا المزمور طبيعيًا وبطريقة رائعة. ففي الآيتين 1، 2 يصرخ داود: "إلى متى؟"، مرددًا إياها أربع مرات؛ وفي الآية 3 يبدأ في جدية يصرخ طالبًا العون. وفي الآية 4 يستخدم أسلوب المحاججة الذي غالبًا ما يستخدمه مع الله... وإذ يتوسل يزداد إيمانًا؛ وإذ يؤمن يفرح في الرب، وإذ يفرح ينطلق طافرًا بتسابيح الحمد[282]].

+ إقرأ مزمور 13 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الإطار العام:

1. إلى متى يارب؟          [1-2].

2. توسل                    [3-4].

3. أغنية النصرة            [5].

+ إقرأ مزمور 13 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. إلى متى يارب؟

بدأ داود النبي بسؤال، إذ رأى خارجه أن الأعداء قد ارتفعوا، ونفسه في داخله

حزينة، والله من فوق صامت.

يكرر داود في الآيتين 1، 2 "إلى متى...؟" أربع مرات، معبرًا عن إحباطه وفزعه، ويرى البعض أن التكرار هنا أربع مرات يُظهر أن المرتل يصرخ لا باسمه الشخصي وإنما باسم الشعب كله الذي سقط في الأسر أربع مرات: الأسر البابلي، والفارسي (المدياني)، والإغريقي، والروماني. وهكذا يُحسب هذا المزمور مرثاة جماعية ونبّوة تاريخية. وربما كرر المرتل هذه الكلمات أربع مرات ليعلن أنه أينما ذهب: شرقًا أو غربًا أو شمالاً أو جنوبًا لا يجد راحة، لأن الله قد حجب وجهه عنه.

ليس كل تكرار في الصلاة مرفوضًا إنما يُرفض التكرار الباطل.

"إلى متى يارب تنساني إلى الانقضاء؟

حتى متى تصرف وجهك عني؟

إلى متى أضع هذه المشورات في نفسي

والأوجاع في قلبي النهار أجمع؟

إلى متى يرتفع عدوي عليّ؟" [1، 2]


لم يجد داود راحة لنفسه في كل الأرض، لا بسبب تمرد ابنه، وإنما بسبب خطيته التي تجعل الله يحجب وجهه عنه. وقد استعار المرتل هذا التعبير من إعلانات الله المحسوسة في هيكل قدسه، في خيمة الاجتماع التي كانت ترمز إلى أن القدوس يسكن وسط شعبه المقدس. ليس ما يفرح القلب وينير البصيرة الداخلية مثل حضرة الله الواهبة النعم، بكونه هو حياة النفس ونورها. وليس من ظلمة أكثر رعبًا من تلك التي تنبع عن الشعور بأن الله يحجب وجهه عن الانسان. لقد بلغت آلام أيوب ذروتها حين قال: "من يعطيني أن أجده... هأنذا أذهب شرقًا فليس هو هناك، وغربًا فلا أشعر به، شمالاً حيث عمله فلا أنظره، يتعطََّفُ الجنوبَ فلا أراه" (أي 23: 3، 8-9).

*   "حتى متى تصرف وجهك عني؟" إذ الله لا ينسى، لذلك فهو لا يحجب وجهه، إنما يتحدث الكتاب المقدس بلغتنا البشرية، فيقول إن الله يحجب وجهه بعيدًا عنا، وذلك حينما لا يُعلن معرفته عن ذاته للنفس التي لم تتطهر عيني فكرها بما فيه من كفاية.

القديس أغسطينوس

ما نطق به داود يحمل نبوة عن السيد المسيح الذي يصرخ نائبًا عن البشرية وقد حمل ثقل خطاياها، فيقول للآب: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" ليتنا نتمثَّل به في اتضاعه وصراخه بإيمان سائلاً الآب أن يوجه وجهه نحونا.

أحيانًا يشعر الإنسان في لحظات فتوره الروحي كأن الله قد تركه أو حجب وجهه عنه، وكأن الخطية - عدوه - قد ارتفعت عليه، لا تطلب إلا موته الأبدي... عندئذ لا يجد له ملجأ إلا الله مخلصه، يصرخ إليه لكي يشرق ببهاء وجهه في داخله.

في وقت المرارة يشعر الإنسان كأن الله قد تركه زمانًا طويلاً، لكن إذ يعود فيلتقي بالله خلال مراحمه العظيمة يدرك القول الإلهي: "لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك" (إش 54: 7).

+ إقرأ مزمور 13 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. توسل:

"أنر عينَّي لئلا أنام نوم الموت" [3].

شعر داود النبي باحتياجه إلى الله الذي حجب وجهه عنه بسبب خطيته أن يعود فيرد وجهه البهي نحوه، وينير إنسانه الداخلي بنوره الإلهي، حتى لا يستمر في خطاياه، فلا ينام مع الذين ماتوا في خطاياهم.

صرخة المرتل "إلى متى" ليست صادرة عن يأس إنما عن نفس متألمة تعرف كيف تحول الشكوى إلى صلاة، لتنطلق بإيمان إلى الله تطلب منه الاستنارة ببهاء وجهه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). إنها بدالة الحب تطلب إليه قائلة: "أنظر... أستجب... أنر". فهو وحده القادر أن يدخل إلى أعماقنا، ويتطلع إلى سرائرنا، يستجيب إلى تنهدات قلبنا الخفية، وينير طبيعتنا التي صارت ظلمة.

*   لكي نقترب من النور الحقيقي، أعني المسيح، نسبحه في المزامير، قائلين: "أنر عينَّي لئلا أنام نوم الموت". فإنه موت حقيقي هو موت النفس لا الجسد حين نسقط عن استقامة التعاليم الصادقة ونختار الباطل عوض الحق. لذلك يلزم أن تكون أحقاؤنا ممنطقة وسرجنا موقدة كما قيل لنا هنا[283]. 

القديس كيرلس الكبير

*   إذا ما أغلق الإنسان عينيهِ عن الرحمة، ينام في شهوات الملذات الجسدية[284].

الأب قيصريوس أسقف آرل

إذ يشرق مسيحنا في داخلنا يهبنا بروحه القدوس البصيرة المنيرة، فننال فهمًا جديدًا لحب الله وأبوّته وعمله الخلاصي، وإدراكًا لسرّ المسيح الذي يضم الشعوب والأمم إليه كأعضاء جسده المقدس، وإمتلاءً من روحه الناري الذي لا تقدر مياه كثيرة أن تطفئه في داخلنا؛ كما يهبنا العين المفتوحة القادرة أن تعاين الأمجاد السماوية، وأيضًا نظرة جديدة للبشرية كلها تتسم بالحب الباذل العملي من أجل الكل.

بهذه الاستنارة لا يبقى للظلام موضعًا في النفس ولا في الجسد أو في الفكر أو القلب إلخ... بل يكون كل ما في داخلنا وخارجنا مستنيرًا بالرب.

"لئلا يقول عدوي: إني قد قويت عليه.

الذين يحزنونني يتهللون إن أنا زللت" [4].

هكذا قدم داود النبي صلاة قصيرة نابعة عن إحتياجه، لكنها قوية. إنه إنما يطلب من الله أن يشرق عليه بنوره. وقد نصحنا آباء الكنيسة أن نردد صلوات قصيرة على الدوام، تسمى "الصلاة السهمية"، لأنها توجه كالسهم ضد الشيطان.

من هو هذا العدو الذي يخشى المرتل أن يقوى عليه ويعيَّره؟ إنه إبليس أو الخطية. يخشى المرتل سخرية أعدائه، الذين يتهللون إذا ما تزعزع مؤمن ما، ويُسر جدًا بهذا النجاح وإن كان مؤقتًا!

ما أعجب الله الذي كثيرًا ما يسمح لشعبه أن يسقطوا إلى حين تحت عنف أو استبداد أزواج أو والدين أو سادة أو قادة. كان لابد لدانيال وزملائه الأتقياء أن يعيشوا تحت سطوة حكام كلدانيين لهم نزواتهم. وعاشت أبيجايل مع زوج هو ابن لبليعال، لا يجسر أحد أن ينطق أمامه بكلمة. هذه هي المدرسة التي يتتلمذ فيها القديسون لمنفعتهم ونوالهم المجد، فإن الصعاب غير المحتملة تقودنا إلى البركة والنصرة[285].

+ إقرأ مزمور 13 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. أغنية النصرة:

ثقة داود أو إيمانه بالله قد حوّل حزنه إلى تسبحة مفرحة، وآلامه إلى خلاص، لهذا يقول المرتل:

"يبتهج قلبي بخلاصك.

أسبح الرب المحسن إليّ.

وأرتل لاسم الرب العالي" [6-7].

يقول Stuhlmueller: [من الصعب أن ندلل على سبب هذا التحول المفاجئ: هل تعافى المرتل بسرعة؟ من المحتمل أن المزمور قد نُظم عبر ليالٍ طويلة من الأرق، والآلام المُرّة والصلوات اليائسة، والذكريات القاسية، كل هذا تطور تدريجيًا لينشئ سلامًا، حتى عند الموت يتحول غضب الإنسان أو كآبته إلى سلام داخلي وحب راسخ].

بدأ المزمور بالتنهدات وخُتم بالتسابيح، وكما تقول العروس: "لأن الشتاء قد مضى، والمطر مرّ وزال؛ الزهور ظهرت في الأرض؛ بلغ أوان القضب، وصوت اليمامة سُمع في أرضنا" (نش 2: 11-12). وكما يقول إبن سيراخ: "انظروا يا بني البشر واعلموا أنه ما من أحد توكل على الرب وخزى" (2: 11).

+ إقرأ مزمور 13 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صلاة

*   حوّل يارب مرارة نفسي إلى صلاة!

*   انظر إلى أعماقي، واستجب لتنهدات قلبي، ولتنر بصيرتي!    

أراك فأتعرف عليك وأحبك وأتحد بك وأشاركك مجدك!

*   أنر عينيْ قلبي بنورك فلا يكون للظلمة موضع في أعماقي!

*   قدني في مدرسة الألم لكي استعذب شركة صلبك وأنعم بقوة قيامتك!

*   احملني في وسط وادي الدموع، فيبتهج قلبي بخلاصك، وينفتح فمي بتسبيحك!

 

+ إقرأ مزمور 13 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 14 PDF Print Email

الجاهل

ربما كُتبت هذه المرثاة الشخصية لداود عند ثورة أبشالوم ضده.

المزمور 53 ليس إلا تكرارًا لهذا المزمور، ولكن هناك فارق، فبينما يتكرر استخدام اسم يهوه أربع مرات في هذا المزمور لم يذكر في المزمور 53 إلا مرة واحدة، ذاكرًا اسم "الوهيم" خلال المزمور.

ركز هذا المزمور (مع مز 53 الذي يطابقه) على الإنسان الجاهل؛ وقد ظهر "الجاهل" في سفر المزامير خمس مرات، هنا وفي المزمور 53 حيث يقول "لا إله" (14: 1؛ 53: 1)؛ ويُهين الجاهلُ البارَّ ويُعيّره (مز 39: 8)، أما ما هو أشر فهو أنه يهين اسم الله (مز 74: 18، 22)[286].

يتصور المرتل العالم وقد انقسم إلى فريقين من الناس: الجهلاء [1-3]، وجماعة الأبرار أو شعب الله المتألم. إذ يشكو المرتل من اضطهاد الأشرار لجماعة الأبرار بينما يراقبهم الله من السماء. إنه يُعبّر عن رجاء عظيم في الله القادم من هيكله ليعاقب الأشرار ويثبت المؤمنين[287].

الجاهل لا يطلب الله أما الحكيم فيطلبه!

+ إقرأ مزمور 14 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


كلمات ركيزية (مفتاح السفر):

1. جاءت الكلمة العبرية المرادفة لكلمة "جاهل" في هذا المزمور "نابال". يرى بعض الدارسين أنها مشتقة من فعل يعني "يبهت" أو "يجف" كأوراق الخريف الساقطة؛ يرتبط بهذا المعنى فكرة الانحطاط الخلقي وانعدام القيم عند الإنسان الجاهل.

يقدم لنا (1 صم 25) صورة صادقة عن جهل نابال زوج أبيجايل، وقد ارتبطت هذه الكلمة في بادئ الأمر بالسلوك الأخلاقي المنبوذ ثم استخدمت فيما بعد بخصوص تدنيس المُقدَّسات. كان العمل الأحمق في البداية يمس ضرر الجماعة الشديد مقترنًا بفساد جنسي (تك 34: 7؛ تث 22: 21؛ قض 19: 23، 1 صم 13: 11). مؤخرًا استخدمت كلمة "نابال" عندما يحدث ما يهدد استقرار الجماعة كما في (أم 30: 21-23). أما بالنسبة للأنبياء فكانت تشير إلى خيانة الأمة كلها للعهد مع الله وخيانتهم لبعضهم البعض (إش 9: 15-17؛ أر 17: 11، نح 3: 6) خلال تاريخ إسرائيل الطويل، فقد ارتبط الجهل (نابال) بانحلال الأسرة والمجتمع والعهود المحلية. كان للجهل أثره الوخيم في بادئ الأمر على الأسرة في العالم وقد انتقل الأثر إلى المجتمع الديني الأكثر نقاوة[288].

2. الكلمة العبرية "ايساه esah" والتي تعني "مشورة"، حيث تتخذ القرارات الحاسمة. انتقلت الفكرة من المجتمع البيئي الأسري إلى المجال السياسي ثم إلى الدوائر الدينية لتعبر عن أحكام الله أو قراراته، ومع ذلك فغالبًا ما تأثرت بالجانب السياسي والعدالة الاجتماعية (إش 28: 29).

تداخل الجهالة مع المشورة الصالحة في هذا المزمور يؤكد سيادة أو ربوبية الله على الروابط الأسرية والسياسية والشئون الدولية[289]. بمعنى أن الإنسان وإن سلك بجهالة وقاوم مشورة الله الصالحة، فإن الله في صلاحه يستخدم حتى ضعفات الإنسان وشره لخلاص أولاده، مخرجًا من الشر صلاحًا، مُحوّلاً الضيقات إلى بهجة خلاص وتهليل وهتاف لا ينقطع!

+ إقرأ مزمور 14 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الإطار العام:

1. فساد الأشرار                      [1-3].

2. عداوة الأشرار للأبرار            [4-6].

3. المخلص والمحرر والمفرح          [7].

يشمل المزمور قسمًا حكيمًا [1-3]، وقسمًا نبويًا [4-6] وصلاة ختامية [7].


+ إقرأ مزمور 14 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. فساد الأشرار:

"قال الجاهل في قلبه ليس إله موجود.
فسدوا وتدنسوا بأعمالهم.
ليس من يصنع خيرًا حتى ولا واحد" [1].


تحوي الآيات 1-3 مرثاة قوية عن فساد الأشرار الذين يقولون "لا إله". هذا القول لا يعني إلحادًا عقيديًا وإنما إلحادًا عمليًا، فإن اقتراف الخطية بتصميم وإصرار هو جهالة وإلحاد عملي.


خلال الجهالة:
أ. لا يستطيع الأشرار أن يقنعوا أنفسهم بأنه ليس إله، لكنهم يشتاقون ألا يكون هناك إله. خلال هذا الوهم بأنه يُحتمل ألا يوجد إله، يفرحون. إنهم ملحدون خلال الرغبة!

ب. يتجاهل الأشرار الله في سلوكهم، فيعيشون كما لو لم يوجد إله، ولا يكرّمونه قط في كل مشروعاتهم. إنهم يتصرفون في حياتهم كما في داخل قلوبهم كما لو كان الله غير موجود؛ مع أنه ليست غباوة أعظم من نسيان الله في الحياة اليومية.

ج. لا يطلبون العون الإلهي؛ إنهم ملحدون إذا اظلمت قلوبهم الغبية، وانحرفت ضمائرهم، وتغرَّبت أذهانهم وأفكارهم عن الحياة مع الله بإنكارهم عنايته بهم وقيادته لهم، مُظهرين حماسًا شديدًا لآرائهم الشخصية وقوتهم وسلطانهم بل وأستعدادتهم حتى الموت من أجل رأيهم الذاتي.

د. يتجاهل الأشرار طبيعتهم الفاسدة.

ه. خلال الجهل يسيء الأشرار إلى الله في أشخاص أولاده، يأكلونهم بشراهة كما يأكلون الخبز، ويستهينون بمشورة المساكين.

القلب أو الإنسان الداخلي هو الذي يكشف عن الإنسان إن كان جاهلاً أم حكيمًا، قديسًا أم شريرًا. قلب الإنسان هو مركز كل الصلاح أو الشرور، فيه يُقام ملكوت المسيح أو ملكوت ضد المسيح.


فساد جامع:
تقييم الله للجنس البشري أنه ليس أحد بارًا، ليس من يطلب الله. إقتبس القديس بولس هذا النص في (رو 3: 10-12). "ليس بار ولا واحد، ليس من يفهم، ليس من يطلب، الجميع زاغوا وفسدوا معًا، ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد"، ليُثبت أن اليهود والأمم على حد سواء جميعهم تحت الخطية. ليس فقط الوثنيون هم خطاة بل وكل البشرية أيضًا. العالم كله مذنب أمام الله؛ هذا يقودنا إلى فهم الأمر بصورة عامة بخصوص فساد الطبيعة البشرية. طبيعتنا في كلّيتها - التي مركزها القلب - تحتاج إلى تجديد.

"قال الجاهل في قلبه ليس إله موجود.

فسدوا وتدنسوا بأعمالهم

وليس من يصنع خيرًا حتى ولا واحد" [1].

هكذا صار الجهلاء رجسين في طرقهم وأفعالهم وانحرافاتهم. ذبائحهم وبخورهم رجس عند الرب، حتى أعيادهم واحتفالاتهم دنسة (أم 15: 8؛ إش 1: 13). ربما يصنع الأشرار أمورًا صالحة لكن تبقى دوافعهم الداخلية شريرة. لا يصنعون شيئًا يُحسب في عيني الله صالحًا، لأن الله ينظر إلى القلب؛ و"المحبة هي تتميم الناموس"، إذ ليس للأشرار محبة. "بدون إيمان لا يمكن إرضاء الله"؛ والأشرار ينحرفون عن الإيمان. الخطية تدمرّ وتحطم كل أعمال الأشرار[290].

*   "فسدوا ورجسوا بأعمالهم"، بمعنى أنهم بينما هم يحبون هذا العالم ولا يحبون الله، هذه الأفعال التي تفسد النفس وتعميها تؤدي بالجاهل أن يقول "في قلبه لا إله". "وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق" (رو 1: 28).

القديس أغسطينوس

*   إذ هم حمقى في أفكارهم تظهر أعمالهم الشريرة، إذ يقول الرب: "كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟!" (مت 12: 34). كانوا أشرارًا لأنهم فكروا بالشر. كيف يمكن لهؤلاء أن يأتوا بأعمال بارّة وأذهانهم قائمة على الخداع والمكر؟![291].

القديس أثناسيوس الرسولي

*   كيف يمكن أن يكون حكيمًا من لا يتطلع إلى صانعه؟[292].

القديس أمبروسيوس

*   حينما يقول: "الرب أطلع من السماء" يصف معرفته الكاملة بكل شيء بصورة استعارية مأخوذة عن البشر[293].

القديس يوحنا ذهبي الفم

الأشرار لا يفهمون ولا يطلبون الله. لو كانت عقولهم غير مظلمة لعاينوا جمال الإلهيات وأحبوها. وإذا ما أحب البشر الإلهيات فإنهم يعرفون شيئًا بل والكثير عن جملها، فإننا لا نقدر أن نعاين الجمال ما لم نحبه، ولا يمكننا أن نعطي إهتمامًا حيويًا ومبهجًا لأمر ما ما لم يكن لدينا الاستعداد أن نحتضن هذا الأمر.

كلمة "فاهم" هنا في النص جاءت في مواضع أخرى في الكتاب المقدس بكونها: "حكيمًا، متعقلاً، خبيرًا، ماهرًا" (دا 12: 10؛ عا 5: 13؛ إر 1: 9؛ دا 1: 4) وأيضًا لتعني: "يعلم، يسلك بحكمة" (2 كو 30: 22؛ 1 صم 18: 14-15). كما جاءت في صيغ أخرى للكلمة لتعني: "يعتبر، ينتعش، يتثقف، ينال نجاحًا صالحًا، يتصرف بفطنة" (أي 34: 27؛ أر 10: 21؛ 20: 11؛ 23: 5؛ نح 9: 20؛ أم 21: 11؛ يش 1: 8، إش 52: 13). فالأشرار بذواتهم لا يتحلّون بالحكمة أو الفطنة أو الخبرة أو المهارة، لا يسلكون بتعقل ولا يقدّمون تعليمًا صادقًا، ولا يتعلمون تعليمًا صحيحًا، وهم ليسوا ناجحين في حياتهم ولا يزدهرون. كلهم سخفاء، لا يتمتعون بعنصر واحد من الحكمة في كل سلوكياتهم، من جهة التزاماتهم وإخلاصهم.

أما كلمة "يطلب (يفتش)" فقد جاءت بمعنى يستفهم (تث 13: 11)، أو يبحث (إر 29: 13)، أو يعتني (أي 3: 4) أو يهتم (تث 11: 12؛ 142: 4). فالأشرار لا يهتمون بالله ولا يلتفتون نحوه ولا يبحثون عنه ولا يطلبونه. وقد جاء الفعل المقابل لها "يجد" فالحكمة الحقيقية تقوم على طلب الله والعثور عليه[294].

"كلهم قد حادوا جميعًا وفسدوا معًا

وليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد" [3].

خلال شبه اتحاد أو اتفاق فيما بينهم، لأن الجميع زاغوا وفسدوا، الكل قد تدنس وإرتد!

الحاجة إلى تجديد طبيعتنا الفاسدة:

لقد أخطأ آدم وحواء وتحملا مسئولية خطأهما الشخصي، لكنهما فقدا صلاح الطبيعة فورثنا عنهما فسادها، الأمر الذي نشاهده حتى في الأطفال الصغار، حيث يحملون الكثير من الغضب أو الغيرة دون أن يعلّمهم أحد... وصارت الحاجة إلى مخلص قادر أن يعيد خلقة طبيعتنا أو أن يجددها.

*   خلق الله الإنسان، وأراد أن يبقى في عدم فساد، ولكن البشر باحتقارهم ورفضهم التأمل في الله، ابتكروا ودبروا الشر لأنفسهم... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فنالوا حكم الموت الذي أُنذروا به، ومن ذلك الحين لم يستمروا كما خُلقوا، بل فسدوا حسب تدابيرهم...

وإذ رأى "الكلمة" أن فساد البشر لا يمكن إبطاله بأية وسيلة سوى الموت كشرط ضروري... فلهذه الغاية أخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت، لكن باتحاد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الكل، يكون جديرًا بأن يموت بالنيابة عن الكل؛ ولأن الكلمة أتى وسكن فيه، يبقى في غير فساد، وبذلك ينزع الفساد من الكل بنعمة القيامة...

كان ضروريًا ألا يتجسد أحد آخر سوى الله الكلمة نفسه، "لأنه لاق بذاك الذي من أجله الكل، وبه الكل، وهو آت بابناء كثيرين إلى المجد أن يجعل رئيس خلاصهم كاملاً بالآلام" (عب 2: 10).

القديس أثناسيوس الرسولي

+ إقرأ مزمور 14 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. عداوة الأشرار ضد الأبرار:

"حنجرتهم قبر مفتوح، مكروا بلسانهم

سم الأفاعي تحت شفاههم.

أفواههم مملوءة لعنة ومرارة.

أرجلهم سريعة إلى سفك الدماء.

الانكسار والشقاء في سبلهم،

وطريق السلامة لم يعرفوها.

ليس خوف الله أمام أعينهم

أليس يعلم جميع عاملي الإثم" (الترجمة السبعينية).


لم يرد النص السابق في النص العبري، إنما في الترجمة السبعينية وبعض الترجمات المأخوذة عنها مثل النسخة القبطية؛ وهو يطابق ما ورد في (رو 3: 13-19).

لا يقف الشرير عند جهله الحكمة، وإنكاره وجود الله في حياته العملية وعدم طلب معونته ومشورته، وفساد أعمله، إنما يحمل شرًا تجاه أخيه، سرّه أن فمه صار أداة لعدو الخير، مملوء خداعًا، يحوّله إلى فم الحيَّة المملوءة سمًا ومقبرة لقتل الأبرياء ودفنهم، مع حب شديد لسفك الدماء وبغضة وكراهية، يعملون بلا مخافة الله متجاهلين ناموسه؟

عداوة الجهلاء ضد مؤمني الله موجهة إلى الله نفسه، لهذا تُعتبر إلحادًا عمليًا. إنهم يأكلون كنيسة الله بإغاظة القديسين وتعذيبهم وقتلهم دون سبب سوى أنهم رجال الله. "الذين يأكلون شعبي كأكل الخبز... هناك جزعوا خوفًا حيث لا خوف" [4، 5].

*   خافوا لئلا يفقدوا المملكة الأرضية حيث لا حاجة إلى الخوف، وها هم يفقدون المملكة السماوية التي كان يليق بهم أن يخافوا فقدانها.

القديس أغسطينوس

لقد تحقق ذلك في أيام السيد المسيح، فقد تآمر الكل ضده، حاسبين أنه بوجوده يفقدون سلطانهم وكرامتهم وغناهم... وقد سأله بيلاطس إن كان هو ملك؟... أما رب المجد يسوع الذي صار لأجلنا مسكينًا فأعلن أن مملكته ليست من هذا العالم.

ما حدث مع السيد المسيح يحدث دومًا مع الكنيسة المسكينة التي لا تطلب مجدًا في العالم فيظنها العالم أنها تسحب أمجاده. على أي الأحوال فإن خطط الحمقى ضد اخوتهم المساكين يغضب الله نفسه، ولا يكون للأبرياء المظلومين ملجأ غير الله نفسه.

يحاول الأعداء أن يأكلوا أولاد الله ويلتهموهم، هؤلاء الذين يدعون "المساكين"، لكن الله يتجلى في وسطهم خلال الضيقة ويعلن عن حلوله وسكناه في وسطهم. "لأن الله في جيل الأبرار" [5].

بسبب مضايقات الأشرار يدعى أولاد الله بالمساكين، لكن المخلص نفسه الغني صار فقيرًا لكي بفقره أي ببرّه يغنيهم. قد يضحك ألشرار على المساكين، لكن إلى حين، إذ يصير الله نفسه ملجأ المساكين!

المخلص والمحرر والمفرح:

بعد توبيخ الأشرار يختم المرتل المزمور بنظرةٍ كلها رجاء في عون الله وخلاصه، فالله هو مخلص كنيسته "صهيون الروحية"، يهبها الحرية من سبي إبليس. بنعمته يعرَّفها الطريق الذي يرفعها من الظلمة إلى النور، وفي المستقبل يأتي إليها محولاً دموعها إلى فرح وتهليل.

"من يعطي من صهيون خلاصًا لإسرائيل (الكنيسة)

إذا ما ردَّ الرب سبي شعبه؟!

فليتهلل يعقوب ويفرح إسرائيل"

التحرر من السبي معناه المتحرر من أي شر وبيل وأية ضيقة عظيمة. لقد كنا في سبي إبليس حتى جاء الابن فحررنا بصليبه، مانحًا إيانا بهجة وخلاصًا!

اعتاد اليهود أن يشيروا إلى هذه الآية الأخيرة كنبوة عن زمن المسيا كفادٍ لهم، وقد تحقق هذا الخلاص خلال الكنيسة، صهيون الجديدة، وتغيرت الصورة بالكامل من الضعف إلى صيحات الفرخ، كإعلان عن النصرة على العدو. أما اليهود ففي تمسكهم بالحرف القاتل لا يزالوا يطلبون خلاصًا ماديًا ومملكة زمنية بفكر صهيوني بعيد عن الفكر الكتابي الحق.

+ إقرأ مزمور 14 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صلاة

*   أيها الحكمة الحقيقية اسكن في أعماقي نازعًا روح الجهالة عني!

*   يا من افتقرت لكيّ تغنيني، هب لي أن أقبل كل ألم معك لكي أغتني بنعمتك!

*   حوّل يا رب دموعي وتنهدات قلبي إلى تسابيح وتهليلات مفرحة!

 

 

+ إقرأ مزمور 14 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 15 PDF Print Email

الحياة على قمم الجبال

يبدو مناسبًا جدًا أن يلي هذا المزمور المزمور السابق (14) مباشرة، فالسابق يكشف عن خصال الشرير أما هذا المزمور فيكشف عن خصائص الإنسان التقي.

هذا المزمور مع مز 24 ربما أُلهم به داود النبي أثناء إصعاد تابوت العهد إلى مدينته. وكان داود قد أخفق في نقل تابوت العهد في المرة الأولى إذ لم يعهد ذلك إلى اللاويين حسب الشريعة، أما في المحاولة الثانية فقد حرص ليس فقط أن يسند العمل إلى اللاويين الذين عينهم الرب لحمله وخدمته (1 أي 15: 2)، بل ورتب أن يكون التابوت في عهدة الرجل الذي بارك الرب بيته عندما أقام التابوت عنده، فكان عوبيد آدوم وبنوه الكثيرون يخدمون في بيت الرب (1 أي 26: 8، 12). ويعتبر هذا المزمور تسبحة تكشف عن سمات المؤمن الحقيقي الذي يسَرُّ الرب أن يقيمه لخدمة بيته الروحي أي كنيسته.

ربما يعبر المزمور عن أعماق أفكار داود وهو في المنفى، حيث كان محرومًا من العبادة في بيت الرب.

وللمزمور صلة بإشعياء (33: 14-16)، وربما تُعد رسالة يعقوب تعليقًا على هذا المزمور وتفسيرًا له.

كان هذا المزمور جزءًا من مزامير الأحتفال عند باب الهيكل. كان الهيكل هو بيت الله الذي لا يمكن دخوله الأ في أوقات معينة وبشروط خاصة. وكان الزائر الذي يحج إلى هذه الأماكن المقدسة يلتزم بأن يستأذن الكاهن المختص متى رغب في الدخول، فيسأل: "يارب من يسكن في مسكنك؟ أو من يحل في جبل قدسك؟" [1] يجيبه حارس البيت مقدمًا السمات المطلوبة للدخول... يسأل الزائر (العلماني) ويجيب الكاهن لا بتقديم قائمة عن التزامات طقسية خارجية وإنما التزامات تمس فحص ضميره.

يحوي هذا المزمور النص الذي يُتلى عند دخول بيت الرب للاشتراك في عبادة ليتورجية، وهو أشبه بصلاة للتوبة ومحاسبة النفس قبل الأشتراك في ليتورجية الأفخارستيا.

يرى Mowinckel أن هذا المزمور هو جزء من الليتورجية الخاصة بالأحتفال بالله "يهوه"[295].

دعى بعض الأباء هذا المزمور "سلم يعقوب" ، يرتقيه الإنسان التقي ليصعد إلى الله.

يعتقد البعض أن استخدام كلمة "خيمة" لتدل على مكان إستقرار تابوت العهد يشير إلى أن هذا المزمور لا يمكن أن يكون قد وُضع بعد حكم داود، أو بداية حكم سليمان الحكيم؛ فإنه بعد ذلك الحين أُستخدمت كلمة "هيكل" أو أي لفظ آخر غير كلمة "الخيمة"؛ كما لا يمكن أن يكون المزمور قد وضع قبل داود الملك لأنه لم يكن قد نُقل التابوت إلى جبل صهيون[296].

+ إقرأ مزمور 15 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


المزمور الرابع عشر:

هذا المزمور هو المزمور 14 حسب الترجمة السبعينية. يعلق القديس جيروم على هذا الرقم قائلاً: [نقرأ في (خر 12: 6) أنه في اليوم الرابع عشر يُقدم حمل ذبيحة؛ في اليوم الرابع عشر عند إكتمال القمر، عندما يصير ضوءه في أشده. ها أنتم ترون المسيح لا يقدم نفسه ذبيحة الأ في كمال النور وتمامه. في اليوم الرابع عشر يُقدم الحمل بواسطتك، لذلك يندهش النبي متسائلاً: "يارب من ينزل في مسكنك؟"[297]].

كأننا إن أردنا أن نتمتع بذبيحة المسيح الكفارية يليق بنا أن نتقبل نوره الألهي في أعماقنا فنصير كمن في اليوم الرابع عشر، كقمر قد تمتع بكمال الأستنارة من شمس البر، عندئذ ندخل إلى بيته وننعم بسرّ مذبحه المقدس.

بالتوبة الصادقة في استحقاقات الدم يدخل بنا روح الله القدوس إلى المقدسات الألهية، ونشترك في ليتورجيا الأفخارستيا بنفس متهللة مستنيرة بالروح القدس. لهذا قبل التناول من الأسرار المقدسة يصرخ الكاهن، قائلاً: "القدسات للقديسين"، وإذ يشعر الشعب كله بالحاجة إلى عمل الله القدوس لتقديسهم يجيبون: "واحد هو الأب القدوس، واحد هو الأبن القدوس، واحد هو الروح القدس".

+ إقرأ مزمور 15 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الأطار العام:

1. ضيف الله.              [1].

2. سمات ضيف الله.        [2-5].

+ إقرأ مزمور 15 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. ضيف الله:

"يارب من يسكن في مسكنك (خيمتك)؟!

أو من يحل في جبل قدسك؟!" [1].

يتساءل المرتل: يارب أنت هو القدوس الساكن في السموات، من يقدر أن يقترب إلى مسكنك أو تكون له شركة معك؟ السماء ليست بطاهرة في عينيك، وإلى ملائكتك تنسب حماقة فكيف يستطيع الإنسان القابل للموت أن يقترب إلى بهاء لاهوتك؟

خلال العهد الألهي ووعوده المستمرة أدرك داود النبي أن من صار ضيفًا عند الله عند دخوله المقدس يحتمي من مضطهديه خلال سلام الله (مز 27: 4، 61: 3)؛ يتمتع بخلاص الله وبركاته خلال الشركة مع الله التي ينعم بها في كنيسة الله.

حقًا أنه كان من المتوقع أن الذين يدخلون بيت الله أن يحظوا بأعلى قدر من العدالة وأرفع درجة من الصلاح، على خلاف الجهلاء الذين تحدث عنهم المزمور السابق، هؤلاء الحمقى في أفكارهم وكلماتهم وأعمالهم.

كان مسكن الرب (خيمته) على جبل صهيون في أيام داود، وهو مسكن جديد أعده النبي الملك، وليست الخيمة التي أُستخدمت في البرية وظلت في جبعون. أما الجبل المقدس، أو جبل قدسه، فهو جبل صهيون في أورشليم، رمز لكنيسة العهد الجديد.

يؤمن المرتل أن الذي لم يتهيأ للكنيسة السماوية المجيدة في الدهر الأتي لا يستحق العضوية الروحية في الكنيسة هنا على الأرض. من سوف لا يشترك في شركة الحياة الأبدية هو غريب حتى عن ملكوت الله هنا. لذلك يسأل: "من يكون عضوًا حقيقيًا في كنيستك المقدسة، ولا يُطرد منها أبدًا؟ من يدخل مسكنك المجيد الأبدي؟

*   "يارب من يقيم (مؤقتًا) في خيمتك؟! من يسكن في جبل قدسك؟!" يبدو لي أن الخيمة هي الكنيسة في هذا العالم. فالكنائس التي نراها اليوم هي خيام، لأننا نحن في هذا العالم غرباء، لسنا في موطن دائم، بل بالحري كمن هم على وشك أن يهاجروا إلى مكان آخر.

*   إن كان هذا العالم كما نرى يزول (مت 24: 35)، وإن كانت السماء والأرض تزولان، فكم بالحري الحجارة التي بنيت بها الكنائس المنظورة؟ لهذا فإن هذه الكنائس هي خيام، نتركها ونهاجر إلى جبل الله المقدس.       

ما هو جبل الله المقدس هذا؟ جاء في حزقيال ضد ملك صور: "فأطرحك من جبل الله..." (حز 28: 16).

مادمنا نرحل من الخيام إلى الجبل، يليق بنا أن نتعرف على أولئك الذين يهاجرون إليه[298].

القديس جيروم

*   "يارب من يسكن في خيمتك؟"... إذا ما أُخذت الخيمة في معناها الحقيقي اللائق فهي خاصة بالحرب، لهذا يُدعى الجنود "تابعي (جماعات) الخيام"، إذ لهم خيام مشتركة معًا. هذا المعنى يناسب الكلمات "من يسكن (مؤقتًا)؟"، لأننا إنما نحارب الشيطان إلى حين ثم نحتاج إلى خيمة نستريح فيها وننتعش...

* '' من يسكن في جبلك المقدس؟" يشير هنا في الحال إلى السكنى الأبدية ذاتها (2 كو 5: 1-2) التي تُفهم من لفظ "جبل" الذي هو ذروة حب المسيح في الحياة الأبدية.

القديس أغسطينوس

"يسكن مؤقتًا sojourn" تعني إقامة إنسان غريب كما كان إبراهيم في أرض كنعان (تك 15: 3)، وكطريق إسرائيل في أرض مصر (خر 23: 2). لفظ "يسكن dwell" جاءت عن كلمة عبرية قديمة تخص العيش في الخيام، رمز للإيواء يسهل نصبها حين تكون الأسرة في حالة ترحال؛ خصصت هذه الكلمة فيما بعد لموضع سكنى الله. يستطيع الله أن يتحرك متقدمًا شعبه، كما حدث في أيام السبي (حز 10: 18-19، 22-25)، ويمكنه أن يظهر للأنبياء في بلد غريب (حز 1: 1، إش 40: 1-11) [299].

غاية هذا المزمور توضيح العلاقة الوطيدة التي لا تنفصم بين عبادة الله في مسكنه والشهادة لها في الحياة العملية. فمن يظهر تقواه لا في العبادة الجماعية فحسب وإنما أيضًا في حياته يستحق امتياز السكنى في بيت الله[300].

إذن للسؤال وزنه الخاص، يُطرح في لحظة رهيبة. وقد جاءت الإجابة من الجانب الإيجابي في العددين 2، 4؛ ومن الجانب السلبي في العددين 3، 5.

+ إقرأ مزمور 15 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. سِمات ضيف الله:

إذ يصدر السؤال عن قلب يشتاق أن يرحل إلى بيت الله ويستقر فيه لينعم بالشركة مع الله ويتمتع بالأحضان الأبوية، فإنه لا يستطيع أحد أن يقدم الإجابة غير روح الله القدوس الذي أعلن عن سمات ضيف الله أو الراغب في التمتع بالحضرة الإلهية أبديًا.

جاءت الإجابة بسيطة للغاية لكنها مستحيلة تمامًا على الطبيعة البشرية الفاسدة، وكأن المزمور يعلن بطريق غير مباشر أن التمتع بالشركة الألهية يحتاج إلى تدخل إلهي حتى نلبس بر المسيح فنجلس في وليمته، وننعم بثوب العروس فنوجد في حجال الملك السماوي... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). نحتاج إلى نعمة الله الغنية المجانية التي توهب بالإيمان لمن يجاهد قانونيًا...

1. بلا لوم: جاءت الإجابة في البداية عامة [2]، ثم صارت أكثر تخصيصًا [2-5] والكلمة المقابلة ل "بلا لوم" هي الجانب السلبي للفظ العبراني "تاميم tamim"، التي تنطبق على ما هو كل، كل القلب، وسلامته. فمن يخدم الله ينبغي عليه أن يسلك بإخلاص، حافظًا نفسه بلا دنس في العالم.

الكلمة المقابلة ل "بلا لوم" تُستخدم في العهد القديم بخصوص الحملان التي تقدم كذبائح، والتي كانت رمزًا لحمل الله الذي بلا عيب. هكذا إن أردنا أن نكون عابدين مقبولين لدى الله يلزمنا أن نتحد مع السيد المسيح، ونتشبه به، نكون أناسًا كاملين، بلا أخطاء، مستقيمين إلخ... نُقدم حياتنا المستقيمة كذبيحة يومية.

*   "السالك بلا عيب ويعمل العدل"؛ وذلك كما جاء في المزمور 118 "طوباهم الذين بلا عيب في الطريق" (مز 119: 1)... هنا في مزمورنا يقول "السالك بلا عيب" فالسالك يكون "في الطريق". لتفهم ما يُوصي به؛ فإن الروح القدس لم يقل "من بلغ النهاية بلا خطية"، وإنما يقول عن الذي لا يزال في الطريق بلا دنس[301].

القديس جيروم

هنا يوضح القديس جيروم أنه وإن كانت الحياة غير الملومة لازمة وضرورية، لكن الحاجة لا أن نكون قد بلغنا نهاية هذا الطريق إنما أن نسلك مجاهدين بروح الرب. بمعنى آخر قد نسقط لكننا في استحقاقات الدم نغتسل وبالروح القدس ننال المغفرة وبتناولنا من الأسرار الإلهية نثبت في برّ المسيح، وهكذا ننطلق في الطريق يومًا فيومًا بلا يأس. لكنك في الطريق، أي في السيد المسيح، ولنسلك بروحه عاملين بره... وإن ضعفنا نصرخ إليه فيقدسنا من جديد!

2. الجانب الإيجابي في الحياة التقوية: يقول القديس جيروم: [ربما يقول قائل: "إنني بلا خطية، لا أصنع شرًا". لا يكفي أن نمتنع عن الشر ما لم تصنع أيضًا الخير].

*   "السالك بلا عيب ويعمل العدل" [2]... العدل لا يعرف أخًا، ولا أبًا، ولا أمًا؛ إنما يعرف الحق ولا يحابي الوجوه؛ إنه يتمثل بالله... من لا يطمع فيما هو للآخرين، ولا يشعر بلذة في متاعب الغير، فهو عادل[302].

القديس جيروم

3. "ويتكلم الحق في قلبه" [2]. هناك ثمة اتفاق وانسجام بين اللسان (يتكلم) والقلب، فيكون الحديث أشبه بتمثيل صادق لما هو في داخل القلب من مشاعر خفية.

كلمة "الحق" هنا تعني ما هو أكيد وموثوق بها، وليس مجرد الشيء الصحيح. السيد المسيح هو الحق؛ والتكلم بالحق يعني الشهادة للسيد المسيح الساكن في قلوبنا، لا بالكلمات المجردة وإنما أيضًا بالأفكار والمشاعر والنيات والأعمال والسلوك. يقول القديس أغسطينوس: [لا يكفي أن تنطق بالحق ما لم يكن الحق ساكنًا أيضًا في قلبك].

جاء الحديث عن التكلم بالحق بعد الحديث عن الحياة التي بلا عيب والسلوك بالعدل، لأن السلوك الشرير غالبًا ما يُسقطنا في الكلام بالكذب كتغطية للشر. هذا ما حدث مع جيحزي الذي جرى وراء نعمان السرياني يطلب فضة وثيابًا وعندما سأله إليشع النبي أنكر (2 مل 5: 25) ولم ينطق بالحق. حقًا "إن من يسلك بالأستقامة يسلك بالأمان" (أم 10: 9).

4. يحب قريبه: يوضح لنا المزمور على أعلى مستوى العلاقة الوثيقة بين الأيمان بالله وعمل الرحمة أو الحب بالنسبة للقريب. فالمؤمن الحقيقي لا يصنع شرًا بقريبه، ولا يعطيه قرضًا بالرّبا ولا يشي به، وإنما يكرم خائفي الرب. لا يقدم المرتل هنا وصفًا كاملاً عن الخطايا التي يمكن أن تُقترف ضد القريب، إنما يوسع من نطاق ما ورد في (أم 10: 12) "البغضة تهيج خصومات، والمحبة تستر كل الذنوب".

يقول القديس أغسطينوس: [لفظ "قريب" يلزم أن يضم كل كائن بشر]. ويقول القديس جيروم: [كل البشر هم أقرباؤنا... كلنا أقرباء... كل البشر نحو كل البشر، إذ لنا جميعًا أب واحد].

"الذي لم يغش بلسانه،

ولم يصنع بقريبه سوءًا،

ولم يقبل عارًا على جيرانه" [3].

يليق بالعابد الحقيقي لله ألا يكون سليط اللسان ولا يستخدمه في الوشاية. قال وثني: [الواشي أكثر الوحوش المفترسة رعبًا! [303]].

المؤمن الحقيقي يعرف أن سمعة الإنسان أثمن من كل كنوز العالم (أم 22: 1) يدرك أنه ليس من ضرر أشر من تجريح سمعة إنسان.

5. احتقاره الأقوياء الأشرار وتكريمه خائفي الرب:

"فاعل الشر مرذول أمامه،

ويمجد الذين يتقون الرب" [4].

من يتقي الله أو يخافه يمجد الله، فيمجده الله، ويطلب من الأخرين أيضًا أن يمجدوه! هذا ما يدفع كنيسة الله أن تكرم أو تمجد قديسي الرب، إذ هي تمجد نعمة الله العاملة فيهم، وتركز على الله المخلص الساكن فيهم.

*   مخافة الرب تفوق كل شيء؛ خف الرب واحفظ وصاياه، لأن هذا هو الإنسان كله[304].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   حتى إن كان إمبراطورًا أو حاكمًا أو أسقفًا أو كاهنًا، أيًا كان الإنسان، فأنه إن كان فاعل شر يكون كلا شيء في عيني القديس... أما إذا رأى إنسانًا يتقي الله فهو يكرّمه حتى وإن كان فقيرًا يستجدى[305].

القديس جيروم

6. يفي بكل وعوده للناس
، مثبتًا إخلاصه لهم.

"الذي يحلف لقريبه ولا يغدر به" [4].


المؤمنون في العهد الجديد مطالبون ألا يحلفوا البتة، إنما تحسب كلمتهم كأنها عهد أو قسم إذ يسلكون بروح الحق، حاملين مسيحهم في داخلهم. يقولون الكلمة ويحققونها في الرب دون غدر أو خداع من جانبهم.

7. لا يعطي أمواله بالربا ولا يرتشي على الأبرياء [5].

كان الربا ولا يزال أمرًا مكروهًا لدى الله والناس، وفكرة الربا هنا تعني أن يقرض غنى إنسانًا فقيرًا لعوز شديد أو لوقوعه في مأزق، مستغلاً ضيقته ليفرض عليه أرباحًا باهظة. لذا قيل "إن أقرضت فضةً لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي؛ لا تضعوا عليه ربا" (خر 22: 52)؛ "إذا افتقر أخوك وقصرت يده عنك فأعضده غريبًا أو مستوطنًا، فيعيش معك؛ لا تأخذ منه ربا، ولا مرابحة، بل إخشَ إلهك فيعيش أخوك معك" (لا 25: 35-36).

هذا الفكر يختلف تمامًا عن الأقراض لهيئات تجارية أو صناعية لا لفقرها أو عوزها إنما للعمل والربح... هنا شركة عمل لا إقراض عند عوز.

يرى بعض الأباء أن استخدام كلمات الله لا ككنز داخلي تنعم به النفس في عشرتها مع الله وتقديس القلب ومساندة الإنسان في أفكاره وكلماته وتصرفاته إنما للمباهاه بها في رياء أمام الغير إنما هو إقراض للمال بالربا، إذ يجتني المجد الباطل ومديح الناس كربا مؤقت.

*   "لا يعطي ماله بالربا"؛ فإن من يحتقر كلمات الله حبًا في مديح الناس، وقد قيل "كلام الرب كلام نقي؛ فضة محمّاة مجربة قد صفيت سبعة أضعاف" (مز 12: 6)؛ هذا الإنسان يقدم ماله بالربا، ويستحق العقاب[306].

الأب نسطوريوس

*   لا تقرضوا أموالكم بالربا... فإن كان لمسيحي مال وجب عليه أن يعطيه (لمحتاج) ولا ينتظر إسترداده، أو على الأقل يسترد فقط ما أقرضه، بهذا التعامل يجمع ربًا ليس بقليل (أي ميراثًا أبديًا). إن سلك بغير هذا يغش ولا يعين، فإنه أي شيء أقسى من أن تقدم مالك إلى من هو مُعدم لتسترده مضاعفًا؟ إن كان المقترض عاجزًا أن يسدد ما أعطيته فكيف يقدر أن يرده مضاعفًا؟[307].

القديس أمبروسيوس

هكذا يليق بالراغب في سكنى بيت الله أبديًا ألا يقرض ماله بالربا ولا يأخذ رشوة على البريء، بل يمتلئ قلبه حبًا وحقًا، بهذا يتحقق ما ختم به المرتل المزمور: "الذي يصنع هذا لا يتزعزع إلى الأبد".

+ إقرأ مزمور 15 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صلاة

*   لتفتح يارب أبواب بيتك أمام وجهي؛

ولتهيء قلبي مسكنًا لك؛

حتى أنعم بالسكنى في أحضانك أبديًا!

*   من يقدر أن يسكن في بيتك المقدس؟!

هبني ذاتك بِرًا وحقًا وحبًا فألبس ثوب العرس وأسكن معك!

*   كلمتك هي فضتي وكنزي، هب لي أن أقتنيها في داخلي،

ولا أقرضها بالمديح الباطل كرباَ ضائع!

 

 

+ إقرأ مزمور 15 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 16 PDF Print Email

الله كفايتي وفرحي

كان داود يتأمل في كمال الشبع الذي يجده في الله، وملء الفرح الذي يهبه الله وحده. في أغنية الثقة هذه، يحتمي المرتل في الهيكل معبرًا عن ثقته بالرب الذي يملك على أرض شعبه.

مما يثبت أن داود هو واضع هذا المزمور ما ورد في عنوانه؛ وما جاء على لسان القديس بطرس الرسول في يوم الخمسين بخصوص قيامة الرب إلهنا (أع 2: 25-31)؛ وأيضًا ما أعلنه القديس بولس في حديثه إلى أهل أنطاكية (أع 13: 35-37). وإن كان بعض الدارسين يرون أن واضع المزمور لاويٌ، لأنه يقول: "الرب هو نصيب ميراثي وكأسي" [5]. إذ لم يكن للاويين نصيب في الأرض، بل كان الرب هو ميراثهم، كان لداود النبي - كما لكل مؤمن حقيقي - ذات الشعور، أن لا نصيب له في الأرض ولا في العرش بل الرب نفسه هو نصيبه، يجد فيه شبعه. ويتحدث المرتل عن كل إنسان تقي له شركة مع الرب وله ولاؤه في حبه للرب، كما يتحدث عن أمانتنا مع الرب وأمانة الرب من جهتنا، معلنًا أن رؤية الرب وحضرته هما سرّ فرحنا.

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +

 

أقسامه:

1. العبد الأمين              [1-6].

2. الرب الأمين              [7-11].

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +

عنوان المزمور:

هذا هو أول مزمور من مزامير الميختام Michtam (Miktam) الستة (16، 56-60]. أما معنى "ميختام" فغير مؤكد[308]:

* يعتقد البعض أنها تشير إلى النغمة التي يُنشد بها المزمور.

* يرى آخرون أنها مشتقة من لفظ يعني "يقطع" أو "يحفر"، بمعنى أن المزمور يُحفر أو يُنقش على أحد الأعمدة القيّمة والوطيدة. أما العنوان حسب الترجمة السبعينية فهو "مذهَّبة منقوشة على عامود".

* يرى البعض أنها تعني "سرًّا"، أغنية ذات مغزى عميق، وربما تنبئ عن عمق المغزى العقيدي والروحي في تكوينه المقدس.

* يرى كثيرون أن كلمة "ميختام" منشقة من كلمة معناها "ذهب"، مما يدل على أن المزمور هو "مذهَّبة"، وقد تُرجمت "الجوهرة الذهبية"، لأن المزمور يعلن عن مسيحنا القائم باعتباره العبد المطيع الذي فيه ننال الحياة المجيدة المقامة، ونقبل الأب نصيبنا وقسمتنا.

* يرى البعض أن الكلمة هنا هي لفظ "ميختاب" الموجودة في (إش 38: 9)، وفي العديد من نصوص الكتاب المقدس، ومن ثم فهي تعني "كتابة".

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مزمور مسياني:

كتب على الأقل جزء من المزمور عن المسيّا القادم (أع 2: 25-28؛ 13: 35-37)، ومن ثم يُصنف المزمور بأنه مزمور مسياني.

يقول Gaebelein: [المزمور السادس عشر هو المزمور المسياني الخاص الثالث. يعلن المزمور الثاني عن بنوته، والمزمور الثامن أنه ابن الإنسان، أما في هذا المزمور فيمكن أن نتتبعه بكونه العبد المطيع على الأرض الذي سلك باتكال على الله (الأب) وثق فيه تمامًا في الحياة والموت، موت الصليب. لقد عبر (السيد) عن القيامة بجانب ما وراءها من بركات من تمتع بحضرة إلهه وجلوسه عن يمينه... كتب داود هذا المزمور كنبي... ومن ثم لنا في هذه "الجوهرة الذهبية" صوت الرب إلهنا في عمق اتضاعه[309]].

ربنا يسوع المسيح كنائب وممثل لنا، آدم الثاني، هو العبد المطيع الذي أصلح طبيعتنا التي فسدت بعصيان أبينا آدم الأول. وقد قبل مسيحنا الأب كنصيب ميراثه وكأسه، لا يطلب معه شيئًا. في طاعته دخل إلى براثن الموت، وهو القدوس وحده الذي لم يعرف الخطية، لهذا لم يرَ فسادًا في موته.

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


قيامة المسيح:

"لأنك لا تترك نفسي في الجحيم،

ولا تدع صفيَّك أن يرى فسادًا" [10].

يرى آباء الكنيسة أن ربنا يسوع المسيح الذي صار العبد الصالح يسأل الآب من أجل قيامته[310].

بقيامة السيد المسيح الذي لم يمسه فسادًا، صار لنا رجاء القيامة المجيدة (1 كو 15: 1-4؛ 20-23).

*   إذ لم يخضع في موته وآلامه إلى الناموس البشري (أي تألم ومات بسبب الخطية)، بل بإرادته الحرة كتب عنه وحده هكذا؛ إذ مات حسب الجسد ولم يمت حسب الروح، لأن نفسه لم تُترك في الجحيم، "ولم يرَ جسده فسادًا"، كما يقول بنفسه: "ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها من ذاتي... لي سلطان أن آخذها" (يو 10: 18)[311].

القديس يوحنا كاسيان

*   لم تكن للنار سلطان على ثياب حنانيا وأخويه، ولا على أجساد الأبرار؛ وسوف لا تكون في النهاية للنار سلطان على الذين آمنوا بيسوع[312].

الأب أفراهات

*   بدى كأن الجسد قابل للفساد، لكنه لم يبق هكذا بطبيعته فإنه إذ لبسه الكلمة بقى بلا فساد. فإنه إذ جاء في جسدنا وتشبه بحالنا، لذا نحن نقبله ونشترك في الخلود الصادر عنه[313].

البابا أثناسيوس الرسولي

*   تقدم ليتحدث معهم في ثقة عن الأب داود، أنه كان نبيًا، وعرف أن الله أقسم له بأنه من ثمرة صلبه يأتي من يجلس على كرسيه. وإذ يتنبأ بهذا يتحدث عن قيامة المسيح، أنه لا يُترك في الجحيم، ولن يرى جسده فسادًا[314].

القديس إيريناؤس

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. بركات الله:

يحفظ الله مؤمنيه من خلال حبه لهم:

"احفظني يا رب فإني عليك توكلت" [1].


يستهل العابد صلاته بتوسل أن يحفظه الله ويهتم به. وتناسب هذه الصلاة داود النبي والسيد المسيح؛ فإن كان داود قد غلب جليات الجبار، وخرجت النساء للقاء شاول بالغناء: "ضرب شاول ألوفه وداود ربواته، إلا أن حياة داود كانت دائمًا مهددة بالخطر من شاول ورجاله... ولم يكن له من يحفظ حياته إلا الله وحده. إنه كراعٍ يعرف كيف يحتضن الخروف الضعيف ويحوط حوله بذراعيه، حاملاً إياه على منكبيه... وها هو يجد رعاية أعظم من راعي الخراف الناطقة. أما عن السيد المسيح، ففي أثناء تجسده قدم صلوات وتوسلات بصراخ عظيم ودموع، إلى ذاك القادر أن يخلصه من الموت (عب 5: 7). وقد جاء في سفر إشعياء وعد الآب للسيد المسيح أن يحفظه: "هكذا قال الرب: في وقت القبول استجبتك وفي يوم الخلاص أعنتك، فأحفظك وأجعلك عهدًا للشعب" (49: 8). وقد تحقق ذلك كما يظهر في صلاة السيد المسيح الوداعية بكونه شفيعنا ورئيس الكهنة السماوي، الذي فيه نصير محفوظين، إذ يقول: "أيها الآب القدوس، احفظهم في اسمك، الذين أعطيتني، ليكونوا واحدًا كما نحن" (يو 17).

من أجلنا دخل مسيحنا إلى الضيق ليصرخ كممثل لنا طالبًا من الأب أن يحفظه، وإذ سُمع له من أجل بره الإلهي  صرنا نحن - كأعضاء جسده محفوظين.

يرى بعض الدارسين أن المرتل لم يضع هذا المزمور لمواجهة نكبة معينة أو ضيقة ما يريد الخلاص منها، إنما هو ثمرة اختبار تَقوى خلاله يدرك المرتل وكل عابد تقي أن حمايته هي في الله؛ يختبرها المؤمن على أساس التمتع بالحضرة الإلهية في الهيكل[315].

"قلت للرب أنت ربي،

ولا تحتاج إلى خيراتي" [2].

إذ تلتقي النفس بالله مصدر حمايتها تدخل كما في عهد فتقول له "أنت ربي"، وتعلن ثقتها فيه بكونه ربها، وأنها ليست ملكًا لذاتها ولا سيدة نفسها، بل سلمت حياتها له بكونه ربها وقائد حياتها.

إذ نثق به، يحفظنا فيه كملجأ لنا، ويتعامل معنا بكوننا خاصته وهو خاص بنا (ربي). هو ليس في حاجة إلى صلاحنا. إذ لا نقدم لله القدير شيئاً ما ننفعه به (أي 22: 2-3؛ 35: 7-8؛ لو 17: 10)، لا يمكن أن نقدم له أية عطية، لا نعطيه إلا مما هو له (1 أي 29: 14). إنه يطلب قلوبنا وحبنا بكوننا أولاده، من خلال هذا الحب يكشف عن ضعفنا، لا ليُديننا بل ليُصلح طبيعتنا.

حتى بالنسبة للسيد المسيح كممثل لنا فإنه لم يتجسد ولا مات ليعلن عن عطفه نحو الآب إنما نحو الخطاة، كاشفًا عن حب الآب وابنه لهم. ما قدمه من خير إنما لحساب الخاطئ لا لحساب الآب الذي نخطئ في حقه، إذ يقول: "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 13: 6).

*   لا يحتاج (الله) إلى صلاحنا، بل نحن نحتاج إلى صلاحه، وكما يقول النبي: "لا تحتاج إلى خيراتي"[316].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

*   كما يقول المرتل "لا تحتاج إلى خيراتي"؛ قل لي: ما هو نفع الله أن أكون بارًا (عادلاً)؟!، وماذا يضيره أن أكون شريرًا؟! أليست طبيعته غير قابلة للفساد؟ لا يصيبها ضررًا وفوق أي الأم؟ ليس لدى العبيد مهما كانوا أغنياء شيء ما من عندياتهم، بل ما لديهم هو من سادتهم[317]...

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن المتحدث هنا في هذا المزمور هو السيد المسيح، إذ يقول: [مكتوب أن الرب قال للرب "أنت ربي"... هنا يشير إلى الأقانيم من ذات الجوهر... فأننا لا نفهم وجود جوهرين مختلفين عن بعضهما البعضن بل أقانيم، كلها من ذات الطبيعة[318]].

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. يكشف الله أسراره لقديسيه:

"أظهر عجائبه لقديسيه الذين في أرضه،

وصنع فيهم كل مشيئاته" [3]


تستمد كلمة "قديسيه" معناها من أصلها، من مفهوم الشعب المقدس الذي أفرزه الله له أو عزله له، دعاه ليُعلن قداسة الله ومجده للعالم من خلال معاملات الله معهم وشهادتهم له[319].

يقول العلامة أوريجانوس: [إن المؤمنين الذين يسعون في طلب القداسة يُدعون "قديسين"، بسبب تَقدمهم في حياة القداسة وإن لم يدركوها تمامًا في كمالها. إنهم يتمتعون بالحياة المقدسة خلال الشركة مع السيد المسيح القدوس، يغتسلون بدمه من خطاياهم وضعفاتهم، ويتسربلون ببره وقداسته بعمل روحه القدوس فيهم].

هؤلاء القديسون يعيشون في "أرضه"؛ إنهم يسلكون في ذات العالم الذي فيه يعيش الأشرار وعلى ذات الأرض، لكن القديسين يرون في هذا العالم وهذه المسكونة بصمات الله صانع المستحيلات لأجلهم، فيدركون أنهم إنما في أرض إلههم، كمن هم في بيت أبيهم المصون. بهذا يرون أنفسهم في كنيسته المقدسة "أرض المخلص"، فتستريح نفوسهم حتى ترتفع إلى سماواته لتراه وجهاً لوجه.

حقًا ما أحوجنا أن ندرك أننا تحت مظلة مخلصنا الذي يقدس عالمنا بالرغم مما يصنعه الأشرار، وننعم بالسكنى في أرض الله أو كنيسته!

يعلن الرب "عجائبه" في حياتنا، فيحوّل حتى شر الأشرار إلى نفعنا، يخرج من الآكل أُكلاً، ومن الجافي حلاوة... عندئذ ونحن في أرضه ليس فقط نتعرف على مشيئته بل يعمل هو كل مشيئته فينا، إذ يقول المرتل: "صنع فيهم كل مشيئته"، محققًا كل خطته الخلاصية فينا لننعم بشركة أمجاده.

ما هي عجائب كل مشيئته في قديسيه إلا عمله الخلاصي، خاصة قيامته وصعوده ومجيئه الأخير، أمور تُستعلن لقديسيه. أنهم أحباؤه الأخصاء الذين يمنحهم ذاته لينعموا بحياته المقامة كحياة جديدة، فتنسجم مشيئتهم المقدسة مع مشيئته... يشتهون الصعود معه والتمتع بمجد يوم الرب العظيم.

من هم هؤلاء القديسون الذين في أرض الرب؟

*   القديسون الذين بسرور يضعون رجاءهم في أرض الأحياء؛ هم مواطنو أورشليم السماوية، الذين تتثبت سيرتهم الروحية بمرساة الرجاء في تلك المدينة التي تُدعى بحق أرض الله، مع أنهم لا يزالون يسلكون على هذه الأرض وهم في الجسد. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هؤلاء القديسون هم تلاميذ المسيح والمريمات وآخرون تمتعوا بظهورات المسيح القائم من الأموات. كان الصلب عامّاً، فقد عاين اليهود والأمم المسيح المصلوب، لذلك هم بلا عذر. أما القيامة فتُمنح كهبة إلهية لمن يسعى إلى طلب الحياة الأبدية، ويصبح المسيح القائم نصيبًا لهم وميراثًا. "الرب هو نصيب ميراثي وكأسي" [5].

القديس أغسطينوس

هكذا يكشف المخلص الرب أسرار قيامته في قلوب قديسيه ليتمتعوا به نصيبًا وميراثًا، يشبع نفوسهم بالمجد الأبدي، مقدسًا حتى الأرض التي يسيرون عليها لتُحسب أرضه... وكأنه يهب قديسيه قيامته كحياة مقامة لهم ويأخذ أرضهم (أجسادهم) لينسبها له؛ بمعنى آخر يدخل ربنا مع قديسيه في حب مشترك خلاله يصير ما لنا له وما له لنا، بل نصير نحن أنفسنا له، وهو لنا. أما عن الأشرار فقيل:

"كثرت أمراضهم،

ومن بعد هذا أسرعوا" [3].

يسمح لهم بالأوجاع والأمراض لعلهم بأمراضهم الجسدية يدركوا مرضهم الداخلي، فيلجأوا مسرعين إلى المخلص، طبيب الأجساد والنفوس القدوس.

*   "كثرت أمراضهم"، لا لكي تُبيدهم بل لكي يصرخوا طالبين الطبيب!

القديس أغسطينوس

أجاب الرب قائلاً: "أقول لك حتى سبعين مرة سبع مرات"، فإنه حتى الآنبياء بعد مسحهم بالروح القدس أخطأوا بكلمات... كتب القديس أغناطيوس الرسولي والشهيد في جسارة: [اختار الرب رسلاً كانوا خطاة أكثر من الكل]. وبسبب سرعة تحولهم يتغنى المرتل قائلاً: "كثرت أمراضهم، ومن بعد هذا أسرعوا"[320].

القديس جيروم

يسمح للأشرار بالضيق لعلهم يبحثون بالتوبة عن الله كطبيب ومخلص، ويسمح لقديسيه بها لتزكيتهم ونموهم ومجدهم.

يرى القديس كيرلس الكبير أن هذه النبوة قد تحققت إذ قبلت الأمم الإيمان بالسيد المسيح كشافي لجراحاتها.

*   كثيرة كانت ضعفاتهم، لكنهم أسرعوا بعد ذلك [4]. بالحقيقة كانت معاصيهم كثيرة التي يُتهمون بها، هذه التي دعاها بلطف "ضعفات"؛ فإنهم كانوا تائهين في الخطأ، مذنبين بجرائم شنيعة، ليس في طريق واحدة بل بطرق كثيرة، لكنهم أسرعوا إلى الإيمان، أي لم يتباطؤا في قبول وصايا المسيح، بل باستعدادٍ اعتنقوا الإيمان. لهذا اقتنصتهم شبكة المسيح، وهو يعلمكم قائلاً بلسان أحد الآنبياء القديسين: "لذلك فانتظروني يقول الرب إلى يوم أقوم إلى السلب، لأن حكمي هو يجمع الأمم" (صف 3: 8)[321].

القديس كيرلس الكبير

إن كان الله يعلن أسراره لقديسيه، وفي نفس الوقت يطلب عودة الأشرار إليه كطبيب يشفي جراحات نفوسهم، فإن القديسين من جانبهم يتحاشوا شركة الأشرار في شرهم، خاصة في عبادتهم...

"لا أجمع مجامعهم من الدماء،

ولا أذكر أسماءهم بشفتيَّ" [4].

كان من عادة الوثنيين أن يشربوا كأسًا من الدم كتقدمة وكنوع من العبادة. وربما قصد بالدم هنا تقديم دم الضحايا البشرية كجزء من الطقوس الوثنية. أما ذكر أسمائهم فربما قصد به أسماء الآلهة، إذ قيل: "لا تذكروا إسم آلهة أخرى ولا يُسمع من فمك" (خر 23: 13)؛ "تقطعون تماثيل آلهتهم وتمحون إسمهم من ذلك المكان" (تث 12: 3). "وانزع اسماء البعليم من فمها فلا تذكر أيضًا باسمائها" (هو 2: 17). كأن الله أراد لشعبه أن يتقدس تمامًا فلا يدنس فمه بمجرد ذكر اسماء الآلهة الوثنية.

تحت ضغط الظروف اضطر داود النبي أن يهرب إلى جت حيث أقام هناك (1 صم 27: 3)، كما ذهب مرة أخرى إلى أرض موآب (1 صم 22: 3-4). وقد استغل أعداؤه ذلك ليتهموه بأنه اشترك مع الوثنيين في حياتهم واجتماعاتهم وعباداتهم، وأنه تدنس بنجاساتهم، لذا يبرر المرتل نفسه من هذا الاتهام، فإنه وإن التجأ إليهم، لكنه لم يشاركهم في اجتماعاتهم الدموية ولا دنَّس شفتيه بذكر أسماء آلهتهم. يرى البعض أنه ربما عرض هؤلاء الوثنيون على داود أن يشاركهم عبادتهم، كما يظهر من حديثه مع شاول عندما ألتقى به في برية زيف: "والآن فليسمع سيدي الملك كلام عبده، فإن كان الرب قد أهاجك ضدي فليشتَم تقدمةً، وإن كان بنو الناس فليكونوا ملعونين أمام الرب، لأنهم قد طردوني اليوم من الانضمام إلى نصيب الرب، قائلين: "اذهب أُعبد آلهة أخرى" (1 صم 26: 9).

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. يمنحنا الله ذاته كأسًا لنا ويكون نصيبنا:

"الرب هو نصيب ميراثي وكأسي.

أنت الذي ترد إليّ ميراثي" [5].

لغة هذا العدد وما يليه مستمدة بلا شك من تقسيم الأرض في كنعان، إذ كان كل شخص ينال نصيبه من الميراث بالقرعة، وتوضع خطوط لتحديد الموضع؛ هكذا بالقرعة تم تقسيم الأرض وتوزيعها أما الكهنة واللاويون فلم يُعط لهم نصيب، إذ كان الله نفسه هو نصيبهم وميراث قسمتهم. لهذا يقول داود - الذي من سبط يهوذا لكنه لم ينشغل بالميراث الأرضي - أن الله هو نصيبه، وأكد ذلك في مواضع أخرى (مز 119: 26) كما أكد آساف نفس الأمر (مز 73: 26)[322].

هذه هي غبطة التمتع بالشركة مع الله؛ ربما الكأس هنا هي كأس عيد الله التي كانت تمر على الحاضرين في وليمة تعبدية للاشتراك في العيد، وهي رمز وعربون نعمة الله الخلاصية[323].

ظن إبليس أنه قادر أن يطغى ابن الإنسان بوعده أن يعطيه كل ممالك العالم إن سجد له (مت 4: 8-9)؛ وقد رفض ابن الإنسان ذلك لأنه ما جاء ليملك على الأرض بل على القلوب، مفضلاً أن يكون الآب نصيبه وميراثه وكأسه... إذ قال "لتكن إرادتك لا إرادتي"، مع أنه واحد معه في ذات الأرادة الإلهية. رفض أن يتسلم الكأس من يد العدو ليشرب كأس الصليب، مطيعًا حتى الموت موت الصليب، بكونه كأس الطاعة للآب وكأس الحب للبشرية!

*   ليختْر آخرون أنصبة لأنفسهم، أنصبة أرضية زائلة، ليتمتعوا بها. أما نصيب القديسين فهو الرب، نصيب أبدي.

ليشرب آخرون من المسرات المميته، أما نصيب قسمتي وكأسي فهو الرب.

"حبال المساحة وقعت لي من الأماكن المجيدة (الأعزاء)". وقعت حبال تقسيم حدود نصيبي في مجدك كما بقرعةٍ، هكذا كما كان الله هو مِلكْ الكهنة واللاويين ونصيبهم (عد 18: 20).

القديس أغسطينوس

*   أطع أمر الرب "اتبعني"؛ وخذ رب العالم مِلكًا ونصيبًا لك، لكي تُسبّح مع النبي: "الرب نصيبي"، وكلاويٍّ حقيقي لا تملك ميراثًا أرضيًا[324].

القديس جيروم

*   الآن، من كان بشخصه هو نصيب الرب أو يكون الرب نفسه نصيبًا له، ينبغي عليه أن يسلك كمن صار في ملكية الرب ومن مَلَك الرب. فإن من يملك الرب يقول مع المرتل: "الرب نصيبي". لا يملك مع الرب شيئًا؛ فإنه إن امتلك شيئًا معه لا يكون الرب نصيبه[325].

القديس جيروم

*   تحوي الكأس كل الخمور القوية، وهي أيضًا "سرّ" فيه يعلن المسيح ذاته[326].

القديس مارافرام السرياني

*   حين نحصل على لقب "لاوي"، الذي يعني "هو ذاته مِلكي" أو "هو لي"، حينئذ تعظم كرامتنا، إذ يقول الله للإنسان: "أنت لي"، أو كما قيل لبطرس عن الأستار الذي وجده في فم السمكة: "اعطهم عني وعنك" (مت 17: 27) [327].

القديس امبروسيوس

"حبال المساحة وقعت لي في الأماكن الفضلى (من الأعزاء)،

وإن ميراثي لثابت لي" [6].


يبدو أن داود كان فرحًا جدًا بنصيبه في أرض الميعاد التي هي عربون كنعان السماوية. حتى مياه مدينته بدت له أفضل من أية مياه في مواضع أخرى (2 صم 23: 15؛ 1 أي 11: 17). المؤمنون الحقيقيون الذين يختبرون عطية الخلاص يشعرون بفرح شديد الآن لما تمتعوا به من قِبل الله. وأيضًا من أجل ما ينتظرونه في الدهر الأتي. بالإيمان يعاينون هنا السيد المسيح حالّ في قلوبهم مشبع للكنيسة، وهناك يرونه وجهًا لوجه. ميراثنا الأبدي يفرح قلوبنا أثناء جهادنا في هذا العالم، اذ ننعم بالعربون داخلنا كمجد داخلي لابنة الملك.

ميراثنا ثابت لنا [6]، لا يستطيع أن يسبحه، إذ هو "ميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل، محفوظ في السموات لأجلهم" (1 بط 1: 4).

 

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


4. يهبنا الله حكمة وفهمًا:

"أبارك الرب الذي أفهمني،

وأيضًا إلى الليل أدَّبتني كليتاي" [7].

كثيرًا ما كان البابا كيرلس السادس يردد هذه العبارة، ويكتبها لابنائه الأحباء... فإن الحكمة أو الفهم أثمن ما يقدمه الله للإنسان، بكوَّنْ كلمة الله نفسه هو "الحكمة". فلا نعجب إن شهد الإنجيل عن السيد المسيح أنه تهلل بالروح مسبحًا الآب من أجل تمتع الكنيسة البسيطة بالفهم الروحي، إذ قيل: "تهلل يسوع بالروح وقال: أحمدك أيها الآب، رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال؛ نعم أيها الآب، لأن هكذا صارت المسرة أمامك" (لو 10: 21). يتهلل كلمة الله لتمتع الكنيسة بالفهم السماوي المخفي عمَّن ظنوا أنفسهم حكماء وفهماء، ويُسر الآب بكنيسته الحكيمة بالروح والحق.

سبق لنا الحديث في أكثر من موضع أن مدرسة الإسكندرية حسبت المعرفة "الغنوسية gnosis" الروحية هبة إلهية توهب للمؤمنين خلال حياة التأمل والممارسة العملية للوصية والسلوك بالروح الكنسي أو الحياة الصالحة في الرب[328].

كان القديس أكليمندس الإسكندري يدعو المسيحي الروحي "غنوسيًا". ويقول: [إن الغنوسية - التي هي المعرفة وإدراك الأمور الحاضرة والمستقبلة والماضية كأمور أكيدة وموثوق فيها - يمنحها ابن الله الذي هو "الحكمة" ويعلنها[329]. كما أوضح أن السيد المسيح يهب الغنوسية خلال قراءة الكتاب المقدس[330] بروح كنسي حتى لا نسيء فهمها كالهراطقة. بهذا نحمل الكمال بسلوكنا الإنجيلي الكامل، كما يؤكد أن المعمودية تجعل الغنوسية ممكنة بالنسبة لنا، باستنارة عيوننا الداخلية[331].

إذ ترتبط المعرفة الحقة بالعمل الروحي، خاصة التوبة، يقول المرتل: "وأيضًا إلى الليل أدَّبتني كليتاي"... غالبًا ما تتم التوبة بالليل حيث السكون، فيرجع الإنسان إلى نفسه ويكتشف خطاياه، متكئًا على رب المجد كمخلص الخطاة. كما تنقي الكلية الدم هكذا تنقي التوبة المستمرة النفس لتؤهل للميراث الأبدي الذي بلا دنس. ولعل الليل يشير إلى ظلمة الخطية، فإننا بالتوبة نشعر بمرارة ظلمتنا، متطلعين برجاء إلى شمس البر الذي يشرق في أعماقنا ببهائه.

غالبًا ما ينكشف الإنسان في أعماقه أثناء هدوء الليل، فالأشرار يجدون في الليل مجإلا للهو وممارسة الشر وتدبير مؤامرات، والقديسون يجدون في الليل مجالاً للصلاة والتأمل وانطلاقة النفس بالحب نحو السماويات.

*   حينما علَّق (أوريجانوس) على كلمات المرتل: "وأيضًا إلى الليل أدَّبتني كليتاي" قال: [إذا ما بلغ إنسان قديس مثلك حد الكمال يتحرر من الضعفات البشرية حتى في الليل ولا يجربه فكر شرير[332]...

القديس جيروم

يحدثنا القديس أكليمندس الإسكندري عن ارتباط المعرفة الروحية الحقة بالتوبة والجهاد، قائلاً: [الغنوسي إنسان تقي يهتم أولاً بنفسه (بخلاصها)، وبعد ذلك بقريبه حتى يكون الكل صالحًا جدًا. فإن الابن يفرح أباه الصالح بظهوره صالحًا على شبه أبيه... في مقدورنا أن نؤمن وأن نطيع[333]]. فالمعرفة لا تكون بالذهن فقط وإنما بخبرة الحياة التي نعيشها لنتشبه بالله أبينا. يقول القديس أكليمندس: [الغنوسي كمحب للحق الواحد الحقيقي يكون إنسانًا كاملاً، صديقًا لله، ويُحسب ابنا[334]].

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


5. يمنحنا الله رؤيته الدائمة:

"تقدمت فرأيت الرب أمامي في كل حين،

لأنه عن يميني كي لا أتزعزع" [8]

إن كان الله يهب مؤمنيه المعرفة ليتمتعوا بحبه ويسلكوا حسب مشيئته، فإن غاية هذه المعرفة العملية أن نراه هنا بالإيمان كعربون لرؤيته في الدهر الأتي بالعيان. نراه هنا في كل شيء، نهارًا وليلاً، ونحن سائرين وأيضًا ونحن جالسين، نراه في كل ما نصنعه وفي كل ما نحتمله من آلام.

رؤية الله أمامنا علامة قيادته لنا وإرشادنا كما كان يظهر كعمود نور في البرية يقود شعبه؛ ونراه عن يميننا أي سرّ قوتنا فلا نتزعزع.

*   يوجه المسيحي كل عمل - صغيرًا كان أم عظيمًا - حسب مشيئة الله، متممًا إياه بكل حرص ودقة، ويحفظ أفكاره مثبتة في (الله) الواحد الذي وهبه العمل لكي يتممه، بهذه الكيفية يتم القول: "تقدمت فرأيت الرب أمامي في كل حين، لأنه عن يميني كي لا أتزعزع"[335].

القديس باسيليوس الكبير

تعبير "عن يمين" يشير إلى القوة، لهذا قيل عند صعود السيد المسيح أنه جلس على يمين الآب، أي يحمل قوة الآب، بكونه واحدًا معه، ولا يعني هذا أن للآب يمين ويسار بطريقة مادية مكانية.

*   إذن الجلوس عن اليمين لا يعني أن الآب عن يساره[336] ؛ لكن كل ما هو يمين في الآب وثمين فهو للابن القائل: "كل ما للآب هو لي" (يو 16: 15). من ثم إذ يجلس الابن عن اليمين يُرى الآب أيضًا عن اليمين، فإنه إذ صار (الابن) إنسانًا يقول: "رأيت الرب أمامي في كل حين، لأنه عن يميني كي لا أتزعزع". هذا أيضًا يكشف أن الابن في الآب، والآب في الابن، لأن الآب عن اليمين والابن أيضًا عن اليمين. وبينما يجلس الابن عن يمين الآب إذا بالآب في للابن[337].

البابا أثناسيوس الرسولي


+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +

6. يقف الله بجوارنا فلا نتزعزع [1]:

نحن واثقون في عونه، أيا كان الخطر أو كانت الضيقة، واثقون في مشورته وإرشاده لنتخذ قرارات سليمة.

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


7 . يهبنا التهليل في رجاء

"من أجل هذا فرح قلبي،

وتهلل لساني؛

وأيضًا جسدي يسكن على الرجاء

لأنك لا تترك نفسي في الجحيم.

ولا تدع صفيَّك أن يرى فسادًا" [9-10].

الله كمصدر شبع للنفس البشرية يقدم لنا "التهليل" هبة من عنده لمن هم في شركة معه، فتمتلئ قلوبنا فرحًا وسعادة، إذ نشعر بالآمان ما دمنا بين ذراعي الله.

القلب في الداخل يفرح واللسان الخارجي يتهلل، وكأن كل كيان الإنسان       - الداخلي والخارجي - يتجاوب مع عمل نعمة الله بالفرح والتهليل.

الجسد والنفس يمجدان الله؛ مع أن الجسد يمارس الأصوام والنسك وما يبدو من حرمان وتعب، لكنه يسكن على رجاء القيامة... يدرك وسط الآلام أنه يعبر حتى القبر ليقوم جسدًا روحيًا؛ أما النفس فتدرك عُرسها الأبدي مع مخلصها الذي يهبها الخلود الدائم...

في مقدمة السفر رأينا كيف أشارت هذه العبارة إلى قيامة السيد المسيح.

ربما يقول قائل: ما دامت هذه العبارة هي نبوة عن حياة المخلص، فلماذا تتحدث عن الفرح؟ حقًا لقد إتسمت حياته على الأرض في معظمها بالدموع والأحزان، لكنه أيضًا تهلل بالروح من أجل ما تتمتع به الكنيسة من معرفة وفهم وحكمة فيه (لو 10: 21)؛ وفي وسط الآمه القاسية كان هناك إدراك سري بالخيرات القادمة خلال صليبه. فمن أجل هذا السرور الموضوع أمامه حسب كثرة الآلام كأنها لا شيء؛ لقد إستهان بالخزي (عب 12: 2). وعندما يفرح القلب - يتمتع بالمجد الداخلي - يتهلل لسانه[338].

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


8. يعرفنا طرق الحياة:

"قد عرفتني طرق الحياة،

تملأني فرحًا مع وجهك

البهجة في يمينك إلى الأنقضاء" [11]

ورد تعبير "طرق الحياة" مرة واحدة هنا في سفر المزامير، وتكرر ثلاث مرات في سفر الأمثال (2: 19؛ 5: 6؛ 15: 24)، وهو تعبير يقابل "الهاوية" Sheol و"الموت". لا يمكن فهمه إلا بأنه حياة معاشة في شركة مع الله، تستمر إلى ما بعد الموت[339].

إذ سبق فتحدث عن قيامة السيد المسيح في العدد السابق [10]، ها هو يعلن "طريق الحياة" أو "طريق المجد الأبدي" خلال الصعود، لنرى وجه الله فنمتلئ فرحًا، ونعيش مع السيد المسيح عن يمينه أبديًا. لقد صعد الرب وجلس عن يمين الآب، فاتحًا طريق السماء والمجد لكنيسته لترتفع معه كملكة وتراه وتجلس عن يمينه... بهذا تتحول أحزان الكنيسة الزمنية إلى علة مجد أبدي!

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


إلهي... أنت كفايتي وفرحي

*   ربي... أنت هو نصيبي وكأسي... سرّ شبعي وتهليل نفسي

امتلكتني بحبك الباذل، علمني كيف أقتنيك، ولا أطلب معك شيئًا!

*   هب لي أن أسرّ بشركة القديسين كما تُسر أنت بهم،

واسمح لي ألا أشارك الاشرار مشوراتهم أو كلماتهم أو تصرفاتهم!

*   أنت قائدي... أتكل عليك فتحفظني!

تكشف لي أسرارك وتتمم إرادتك فيّ!

تهبني عربون ميراثك، وتدخل بي إلى أمجادك الخفية!

هب لي حكمة أيها الحكمة الإلهي!

متعني برؤيتك الدائمة، ولتكن أنت قوتي ويميني!

اعلن حضورك الإلهي  في داخلي فلا أتزعزع!

عرفني قوة قيامتك واحملني إلى سمواتك كما في طريق الحياة الملوكي!

مشتاق أن أرى وجهك فأسبح متهللاً مع ملائكتك أبديًا!

+ إقرأ مزمور 16 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 17 PDF Print Email

التأديب يقود إلى رؤية الله

هذا المزمور هو مرثاة قدمها إنسان متهم ظلمًا فاحتمى بالهيكل ينتظر حكم الله في قضيته[340]. ربما صلى به داود حين ضايقه الأعداء؛ وقد سجله عندما كان في برية معون، حينما قام شاول ورجاله على مسيح الرب (1 صم 23: 25).

يقول C. Stuhlmueller: [نحتاج إلى المزمور 17 كاحتياجنا إلى آلامنا السرية ونحن أبرياء، لا لننطلق إلى ما وراء آفاق تلك الأرض فنبلغ الأبدية فحسب، وإنما لكي ندخل إلى قلب يسوع الذي أُتهم ظلماً (يو 8: 46)، البريء الذي "لم يعرف خطية صار خطية لأجلنا" (2 كو 5: 21). وحينما نتلو المزمور 17 نصلي أيضًا من أجل الأوقات التي فيها نحن قد اسأنا الحكم وظلمنا أبرياءً: نصلي من أجل كل ضحايا الظلم[341]].

يعتقد البعض أن هذا المزمور يماثل المزمور 16 حتى ليحسبوا المزمورين كتوأمين.

يكشف لنا هذا المزمور عما حلَّ بداود النبي، أنه كمن أُلقي في أتون نار ملتهب، لكنه عوض أن يهلك خرج منه ليس فقط دون أن يلحق به ضرر وإنما خرج ينعم بالاحتماء تحت ظل جناحي الرب، ويعاين بهاء وجهه الإلهي!

+ إقرأ مزمور 17 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مزمور مسياني:

يرى البعض أن المزامير 16-24 تمثل مجموعة مسيانية متكاملة، كل مزمور منها يقدم نبوة واضحة عن السيد المسيح المخلص. ولعل أروع هذه النبوات ما ورد عن الصليب وآلام الرب المجيدة في المزمور 22.

يقول Gaebelein عن المزمور 17: [عند قراءة هذه الصلاة الثمينة يشعر الإنسان في الحال أنها تخص شفتي من هو أعظم من داود. بينما كتب هذه الصلاة بروح الله - كما كتب كل الصلوات الأخرى - بما فيها من صلوات اللعنات (ضد الأعداء)، فإن سمة هذه الطلبة الموجهة لله لا تخص داود... كلماتها أولاً وقبل كل شيء تنطبق على المسيح. هو الكامل والبار... هو الشفيع عن شعبه. إذ يتقدم بدعواهم يطلب ذلك خلال بره هو وكماله. والآب يسمع دائمًا لتشفعاته[342]].

طبَّق القديس جيروم كل ما ورد في هذا المزمور على السيد المسيح. وبعض الآباء الآخرين مثل القديس أغسطينوس حسبوا أن كل ما جاء في المزمور يخص السيد المسيح وشعبه. إذ يقول القديس أغسطينوس: [يجدر بنا أن ننسب هذا المزمور لشخص ربنا المتحد مع الكنيسة التي هي جسده].

+ إقرأ مزمور 17 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


العنوان:

"صلاة لداود". توجد أربعة مزامير أخرى تحمل ذات العنوان، وهي (مز 86، 90، 102، 142). وقد دُعيت صلوات لأنها مفعمة بالتوسلات، فهي من خصائصها وعناصرها الأساسية[343].

لقد أتقن داود النبي فن الصلاة، حتى دعى نفسه "صلاة". عرف كيف يلجأ إليها على الدوام، خاصة وأنه رجل آلام وأوجاع، يشعر أنه في حاجة إلى الله كملجأ له من أعدائه الأشرار ومن ضعفاته الشخصية وسقطاته، لكي يتأهل خلال مراحم الله أن يرتفع فوق التأديبات إلى الحياة السماوية المفرحة.

+ إقرأ مزمور 17 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الإطار العام:

1.  اللجوء إلى الله لتأكيد براءته      [1-5].

2.  طلبة من أجل الرحمة             [6-12].

3.  توسل ضد الأشرار               [13-14].

4.  تمجيد لله                         [15].

+ إقرأ مزمور 17 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. اللجوء إلى الله لتأكيد براءته:

جاءت افتتاحية المزمور صلاة لتبرئته [1-5] يليها تثبيت هذه البراءة [3-5].

يترجى المرتل في الله أن يبرئه، واثقًا في برّ الله الذي لا يحابي الوجوه، ومعتمدًا على صلاح ضميره.

"استمع يا الله عدلي (برّي)،

واصغ إلى طلبتي،

وانصت إلى صلاتي فليست هي بشفتين غاشتين" [1]

يطلب المرتل من الله أن يستمع إليه ويصغى وينصت، مكررًا ثلاث مرات في هذا العدد طالبًا من القاضي أن ينصفه. هذا التكرار لا يُقدم منه باطلاً وإنما دليل اللجاجة وعدم اللجوء إلى آخر غيره.

كان داود بارًا بلا عيب، يتبع الحق والعدل من جانبه، بريئًا من الأخطاء المُتهم بها؛ غير أن السمات الواردة هنا (عدلي (بريّ)، بشفتين بلا غش) تنطبق على السيد المسيح أولاً وقبل كل شيء، إذ هو البار الكامل، وشفتاه بلا غش (1 بط 2: 22)، يشفع ببره عن شعبه، ويستمع الآب على الدوام إلى شفاعته.

السيد المسيح هو المتضرع، الذي يصلي كرأس من أجل جسده، الكنيسة، حاسبًا قضية شعبه قضيته الخاصة به، متشفعًا لأجل قديسيه، لأنه "في كل ضيقهم تضايق" (إش 63: 9)، قائلاً لشاول: "شاول شاول، لماذا تضطهدني؟" (أع 9: 4).

ونحن أيضًا كأعضاء في جسد المسيح يليق بنا أن نحيا بالبر، لأن الآب لا يمكنه أن يتعامل معنا ما لم نكن أمناء معه بالتمام، لنا برّ المسيح. هو يعرف دوافعنا الحقيقية؛ قد نخدع أنفسنا أحيانًا، لكننا لا نقدر أن نحدع الله.

ويلاحظ في المزمور الذي بين أيدينا الآتي:

أ. لا يمكننا فهم الدفاع بالبر هنا كتعبير ساذج عن البر الذاتي، فهو ليس مجرد تأكيد من جانب الإنسان العابد على خلوه من الخطية، إنما هي محاولة لتبرير الإنسان من إتهامات معينة ظالمة[344]. فبقولنا: "استمع يا الله عدلي (بري)"، لا نعني أننا بلا خطية، وإنما نعني أن صوت دم السيد المسيح واستحقاقاته أعظم من صوت الاتهامات الباطلة ضدنا بل ومن صوت الخطية التي تشهد ضدنا، صوته فينا أقوى، لأنه صوت برّ المسيح، الحق الإلهي!

في برّ المسيح نسمع صوت الرسول: "طلبة البار تقتدر كثيرًا في فعلها، كان إيليا إنسانًا تحت الآلام مثلنا وصلى صلاة أن لا تمطر فلم تمطر على الأرض ثلاث سنين وستة أشهر..." (يع 5: 16-17) وكأنه ببر المسيح نحمل مفتاح السماء، ويستجيب لنا الآب نفسه!

ب. بقوله: "فليست هي بشفتين غاشتين" يعلن المرتل أنه لا ينطق في صلاته بالشفاة المجردة، وإنما خلال إنسجام الشفتين مع إخلاص القلب الداخلي، وأمانة العمل؛ وكأن المرتل يعلن أن صلاته تخرج من كيانه كله: الفكر الداخلي أو نية القلب والكلمات مع العمل.

صاحب الشفتين الغير غاشتين يحمل إخلاصًا داخليًا وصدقًا في تصرفاته الظاهرة، فلا يسقط تحت التوبيخ الإلهي: "جبهة امرأة زانية كانت لكِ... ألست من الآن تدعينني يا أبي أليف صباي أنت... ها قد تكلمتِ وعملتِ شروراً واستطعتِ" (إر 3: 3-5). شفتا الغش مكروهة عند الناس فكم بالحري تكون مكروهة لدى الرب؟! الله لا يطلب صلوات الشفاة الغاشة، وإنما يطلب سكب النفس (1 صم 1: 15) وسكب القلب (مز 62: 8).

ج. إذ يلجأ المرتل إلى الله يجد في الحضرة الإلهية راحته، فيطلب منه أن يتسلم بنفسه قضيته ويعلن أحكامه فيها علانية، لأنها أحكام عادلة ومستقيمة.

"من وجهك ليخرج قضائي،

عيناي لتنظرا الإستقامة" [2].


*   ليت قضائي لا يصدر عن الشفاة الغاشة (التي للأشرار) وإنما عن حضورك البهي، لكي لا أنطق بخلاف ما أكتشفه فيك.

ليت عيناي - عينا القلب بالطبع - تعاينان الأمور المستقيمة.

القديس أغسطينوس

ماذا يعني المرتل بوجه الآب إلا الابن الذي خبَّرنا عن الآب، وأعلن بالصليب كمال الحب الإلهي، فإننا خلال عمله الخلاصي ننعم ببهاء الوجه الإلهي، ويحق لنا الدخول إلى الأحضان الأبوية، معاينين كل ما هو حق ومستقيم.

د. استقامة حياته الداخلية:

"جرَّبت قلبي وتعهدته ليلاً،

واحميتني فلم تجد فيّ ظلمًا.

لكيما لا يتكلم فمي بأعمال الشر" [3]
.

كلمة "جربت" تستخدم للتعبير عن امتحان الذهب بالنار (زك 13: 9)، الأمر الذي يفوق حدود الفحص العادي إلى التفتيش في الأعماق داخل النفس البشرية.

ربما عنى المرتل بطلبته هذه أن يقدم قلبه لله ليلاً حينما يترك كل من هم حوله ليكشف للرب أعماق قلبه وصدق نيته بعيدًا عن أعمال البشر والانشغال معهم في أحاديثهم... يرى الله في داخله إخلاصًا صادقًا، لا يحمل كراهية أو بغضة أو ظلمًا حتى ضد المفترين عليه. يرى الله في قلبه إشتياقًا حقًا ألا ينشغل المرتل بكلمات الناس بالرغم من عدم إنعزالهم عنه جسديًا؛ هو يتحدث معهم ويعاملهم لكنه كمن هو غريب يطلب أن ينطق بأعمال الله لا الناس.

وربما أراد المرتل أن يعلن أنه ما أسهل على البشر أن يحكموا ضده، بإساءة فهم كلماته أو تصرفاته، أما الله فيحكم حسب أعماقه. وكأنه يقول مع الرسول بطرس بعد إنكاره للرب: "يارب أنت تعلم كل شيء، أنت تعرف إني أحبك" (يو 21: 17).

ما أحوجنا أن نتعهد قلوبنا ليلاً، فيشرق مسيحنا علينا ويحول ظلمتنا إلى بهاء نوره!

ربما يقول "تعهدته ليلاً، لأن الليل هو ترمومتر الحياة الروحية، فيه تنكشف القلوب. الإنسان الملتهب قلبه بالحب طول نهاره عندما يحل الليل يجد لذته في التمتع بالصلاة ودراسة الكتاب المقدس والتأملات الروحية، وحينما يضع رأسه يردد في قلبه: "إني لا أدخل إلى مسكن بيتي، ولا أصعد على سرير فراشي، ولا أعطي لعينَّي نومًا أو لأجفاني نعاسًا، ولا راحة لصدغي، إلى أن أجد موضعًا للرب" (مز 132 صلاة النوم). يضع رأسه على وسادته ليهيم فكره في السماويات حيث يوجد قلبه ويكون هناك كنزه. أما من ارتبك بهموم الحياة فلا يجد في الليل لذة بل يعاني من الأرق ويزداد قلقه، ويصير الليل لا للراحة بل لاختبار عربون الجحيم الذي لا يُطاق. والذي يقضي يومه في الملذات الجسدية والتسيّب من جهة حواسه، فمتى حلّ الليل ينغمس بالأكثر في أحلام اليقظة المثيرة لجسده وأفكاره... وهكذا يكشف الليل للإنسان حاله الداخلي.

في الليل تنفتح السماء أمام عيني المرتل ليهيم في حب الله ويصلي من أجل أخوته!

ه. ضبط لسانه:

"لكيما لا يتكلم فمي بأعمال البشر" [3].

لقد تهيأ المرتل تمامًا لتقديم أفكاره وكلماته وأعماله لفحص دقيق جدًا من قبل الله، وفي نفس الوقت أدرك الغبطة التي يتمتع بها الإنسان الذي يصرخ إلى الله ليهبه كمال القلب والحديث والعمل.

*   "لكيما لا يتكلم فمي بأعمال الشر"، أي لئلا يفلت من شفتي كلام إثم، بل يخرج منهما كل ما يليق بمجدك وحمدك، وليس كتعديات البشر المقاومين مشيئتك.

القديس أغسطينوس.

*   لا تزعج نفسك بأمور العالم التي لا ينفعك منها شيء صالح لحياتك، إذ كُتب "لكيما لا يتكلم فمي بأعمال البشر". فالإنسان المولع بالحديث عن الخطاة وأعمالهم سرعان ما تثور فيه شهوة الإستهتار. بالحري يلزمك أن تنشغل بحياة الصالحين، فإن هذا يعود عليك بشيء من النفع[345].

*   تعلمت أن أصلي حتى لا يتكلم فمي بأعمال البشر[346].

القديس باسيليوس الكبير

*   لا تبحث في فكرك عن أخطاء الغير، ولا تدنس لسانك باتهام قريبك؛ فإن القول "لا يتكلم فمي بأعمال الناس" أمر له تقديره! [347].

الأب بابي (السرياني)

وربما قصد المرتل بقوله: "لا يتكلم فمي بأعمال البشر"، أو في النص العبري: "لا يتعدى فمي..." أنه وإن مرّ به فكر إدانة من جهة إنسان - حتى وإن كان عدوه - فإن هذا الفكر لا يمكن أن يجتاز فمه، أي لا يتحول إلى كلمات وبالتالي إلى عمل، إنما يحبسه ليقتله بعمل الله فيه. فقد وضع الله حافظًا لفمه وبابًا حصينًا لشفتيه كي لا يخطئ بلسانه.

و. سالك في طريق الله الضيّق:

"من أجل كلام شفتيك أنا حفظت طُرقًا صعبة.

ثبت خطواتي في سبلك لئلا تزل قدماي" [4-5].

تحدث داود النبي عن قلبه الصالح ثم عن لسانه وأخيرًا عن أعماله. فمن جهة أعماله حفظ نفسه من الطرق الشريرة ليسلك طريق الله، أي ليعيش حسب مشيئته الإلهية؛ لم يتحقق هذا بقدرته الشخصية وإنما بارشاد الله ومعونته حتى لا تزل قدميه.

في هذا المزمور يكشف المرتل عن كلام الأشرار وكلام الأبرار وأيضًا كلام الله. فشفتا الأشرار تُصدران افتراءات واتهامات باطلة ضد أولاد الله، لهذا يلجأ المرتل إلى الله كي يبرره فيها. وشفتا المرتل (الأبرار) تتحفظان من أعمال الناس لكي لا يوجد فيهما غش بل يحملان صدقًا وإخلاصًا وإنسجامًا مع صدق القلب والعمل. أما شفتا الله فتحفظان أولاده، إذ تقدمان كلامه روحًا وحياة؛ تقودانهم إلى الطرق الإلهية التي تبدو صعبة لكن بلا زلّة أو سقوط. شفتاه ترشداننا وتهبانا قوة وثباتًا في الطريق. كلمات شفتيه إنما هي ميثاق الله ووعوده لنا القادرة أن تثبتنا فيه أبديًا.

*   "ثبت خطواتي في طرقك" حتى تبلغ الكنيسة كمال الرحمة خلال الطرق الضيقة التي تقود إلى راحتك.

"لئلا تزل قدمي"، حتى تصير آثار رحلاتي مطبوعة كآثار الأقدام في الأسرار وفي كتابات الرسل، فلا تمحى أبدًا، بل تصير ظاهرة يلاحظها كل الذين يتبعونني. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). أو ربما تعني أن قدميَّ قد سلكتا تلك الطرق الوعرة وكملت السعي في طرقك الضيقة لكي أسكن أبديًا في الحياة الأبدية.

القديس أغسطينوس

طريق الله ضيق ووعر لكنه مستقيم، إن زلت قدماي فبسبب ضعفي وخطيتي، إذ كثيرون يتعثرون في وصية الله كما يتعثرون في التجارب، لهذا فإنني في حاجة إلى العون الإلهي ليس فقط لأدخل الطريق وإنما لكي اثبت فيه حتى النهاية، هو الذي يبدأ وهو الذي يكمل وهو الذي يبلغ بي إلى النهاية. هذا ما دفع المرتل أن يصرخ إلى الله الذي ينتظر سؤالنا لكي يستجيب!

+ إقرأ مزمور 17 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2.  طلبة من أجل الرحمة:

يثق المرتل في رحمة الله كعون إلهي له:

أ. نزول الله إلينا:

"أنا صرخت إليك لأنك سمعتني يا الله.

أمِل أذنيك يارب، واستمع كلامي" [6].

صرخة داود النبي تنبع عن خبراته القديمة مع الله أنه يشتاق أن يستمع ليستجيب.

ماذا يطلب المرتل في صرخته؟ أن يُميل الله أذنيه؟ أذن الآب التي تميل إليّ إنما هو ابن الله المتجسد، الذي نزل إليّ ليسمع صوتي ويستجيب. في خطايانا نيأس ولا نقدر على الصلاة، لكن ربنا الذي يمثلنا لدى الآب يصرخ عنا (1 كو 1: 30؛ رو 8: 34)، فيستجيب الآب؛ وهكذا تنفتح أبواب الرجاء أمامنا!

السيد المسيح هو أذن الآب خلاله يسمع صوتي، فيدخل الصوت مُبررًا، مقبولاً لدى الآب، موضع سروره! هو ينزل إليً لأن صوتي وحده عاجز عن أن يرتفع إلى الآب.

ب. إعلان خلاصه ومراحمه للذين عن يمينه:

"عجب مراحمك يا مخلص المتكلين عليه من الذين يقاومون يمينك" [7].

إذ ينزل مسيحنا إلينا يعلن مراحم الله العجيبة خلال دمه الثمين، واهب الخلاص للذين يؤمنون به ويتكلون عليه في حياتهم العملية اليومية. بالمسيح يسوع صرنا عن يمين الآب، نحمل قوته... الأمر الذي يثير عدو الخير فيقاومنا بشدة، وهنا يظهر عجب مراحم الله التي تحوّل المقاومة إلى نصرة!

تمتعنا بيمين الله لا ينزع الحرب عنا بل يثيرها بالأكثر، وفي الحرب نطلب نعمة الله بالأكثر لننال الغلبة ونكلل أبديًا!

ج. حفظه إيانا مثل حدقة العين:

"احفظنى يارب مثل حدقة العين" [8].

لا يوجد جزء من جسم الإنسان يحتاج إلى رعاية وعناية مثل العين، وقد وضعها الله في مكان أمين، إذ هي مستريحة بين عظام بارزة كحصن لها، وكأنها بأورشليم التي تحوط بها الجبال من كل جانب، غايتها التمتع بالرؤيا الصادقة لتدير الجسم كله في الوضع السليم، تنذر الجسم بالمخاطر وتكشف له عن الطريق. هكذا يحفظ الله النفس كالعين، يحوطها بكلماته كعظام قوية، أو كجبال الله المقدسة، وإذ تتقدس النفس (البصيرة الداخلية) يسلك الإنسان في طريق الله بلا لوم.

أحاط الله العين بغطاء الجفن وسياج الرموش، هكذا يسيج الرب بنعمته حولنا ويحمينا من زوابع البشر.

يتصرف المرتل هنا كطفل يحمل مشاعر رقيقة نحو الله، إذ يرى نفسه كالعين المحبوبة يحتضنها الله ويرعاها بنفسه.

تستطيع العين أن تُغمض عن شهوات العالم وملذاته الباطلة، فهى لا تحتمل أدنى الأتربة أو الغبار. هكذا يليق بالمسيحي أن يكره أقل دنس الخطية.

حدقة العين هي التي توجه النظر، تمكننا من التمييز بين النور والظلمة.

الخادم الحقيقي الذي يعمل بروح الرب يرى في شعب الله أنهم كحدقة عينه، كنور عينيه، لا يقدر أن يفقدهم. فلا نعجب أن سمعنا القديس يوحنا الذهبي الفم يقول:

[ليس شيء أحب إليّ أكثر منكم؛ لا، ولا حتى النور!

إني أود أن أقدم بكل سرور عينيَّ ربوات المرات وأكثر - إن أمكن - من أجل توبة نفوسكم!

عزيز عليّ جدًا خلاصكم، أكثر من النور نفسه! لأنه ماذا تفيدني الشمس إن أظلم الحزن عيني بسببكم؟![348]].

د. ستره لنا تحت جناحيه:

"وبظل جناحيك استرني من وجه المنافقين الذين اضعفوني" [8].

المحبة والرحمة هما جناحا الله، وكما يقول القديس أغسطينوس: [لتحمني مجبتك ورحمتك واهبة النعم كدرع!] ظل جناحي الله هما تشبيه للطائر الأم (إش 49: 2؛ هو 14: 7؛ مرا 4: 20)، أو إشارة إلى جناحي الكاروبيم المظللين على تابوت العهد المقدس، للحضرة الإلهية مع شعبه (خر 25: 20-22)، حيث يظهر الله على الكاروبيم ويجلس على عرشه هناك.

*   كثيرًا ما سمعت في الكتاب المقدس نسبة الأجنحة لله (مز 17: 8؛ 91: 4؛ تث 32: 11؛ مت 23: 37). جناحا الله يمثلان قوة الله وبركاته وعدم فساده وما إلى ذلك. كل هذه الخصائص الإلهية وُجدت في الإنسان حينما كان يشبه الله في كل شيء، لكن انحرافنا إلى الشر سلبنا أجنحتنا، ومن ثم أُعلنت نعمة الله لنا وأنارتنا. برفضنا الفساد والشهوات العالمية ينمو فينا جناحا القداسة والبر من جديد[349].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

ه. حمايته لنا من الأعداء الأشرار:

"والآن أحاطوا بي.

نصبوا أعينهم ليميلوا في الأرض

أخذوني مثل الأسد المتهيء للصيد وكالأشبال التي تأوى في أماكن حفية" [10].

يرى داود النبي نفسه كمدينة تحوط بها الأعداء من كل جانب، لقد أغلقوا عليه كل منفذ ولم يطلبوا أقل من تحطيم حياته تمامًا؛ لم يكن أمامه إلا أن يرفع عينيه إلى فوق ليجد معونة من قِبل الله. يرى نفسه ومن معه أشبه بالفريسة التي يتعقب الصياد خطواتها لكي يصطادها؛ أو كفريسة يخطط الأسد لينقضّ عليها ويفترسها.

بعدما تحدث النبي بصيغة الفرد عاد وتحدث بصيغة الجماعة، وكأنه كرمز للسيد المسيح يعلن أن العدو لا يطلب مسيح الرب وحده وإنما يريد أن يلتهم كل كنيسته.

يرى بعض الآباء أن الأشرار هنا هم صالبوا ربنا يسوع المسيح الذين سمن قلبهم بالترف والطمع وقد انغلق عن معرفة الحق، لهم القلب السمين الضيق، أما أفواههم فتنطق بالكبرياء عوض تمجيد إسم الله.

v   هكذا انطلقت ألسنتهم باستهزاء وقح، قائلين: "السلام لك يا ملك اليهود" (مت 27: 29)...

من مدينتهم طردوني، وها هم يحيطون بي وأنا على الصليب... "أخذوني مثل الأسد المتهيء للصيد" [12]. أحكموا الخناق عليّ مثل العدو المنقض على فريسته: "وكالأشبال التي تأوى في أماكن خفية" [12].

إنهم ذرية (إبليس) وهم بشر، قيل عنهم: "أنتم من أب هو إبليس" (يو 8: 44)؛ لهذا دبروا مؤامراتهم ليُباغتوا البار ويهلكوه.

القديس أغسطينوس

في اختصار، هؤلاء الأعداء الأشرار:

أ. لا يهدفون إلى التمتع بنفع خاص بهم بل بالحري تدمير حياة الآخرين بلا سبب.

ب. هم منغلقون داخل قلوبهم السمينة [12]؛ هذا تعبير يشير إلى الغرور والترف. لا همّ لهم إلا الحياة المدللة المرفهة، ضيقوا الأفق والقلب بسبب قساوتهم وافتقارهم إلى الحب.

ج. متكبرون حتى في أحاديثهم، لأنه من فضلة قلوبهم القاسية تتكلم ألسنتهم.

د. ينصبون فخاخًا لاصطياد الآخرين [11].

ه. المضطهدون وحوش مرعبة... وقد دعى القديس بولس نيرون أسدًا (2 تي 4: 17).

و. عداوتهم وعنفهم ليس عن احتياج، لأن الله لا يحرم حتى الأشرار من عطاياه الأرضية. بل على العكس يعيشون في ترف، بطونهم مملؤة بخيرات الله، يتركون فضلاتهم لأطفالهم [14].

+ إقرأ مزمور 17 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. توسل ضد الأشرار:

يقارن المرتل بين نصيب القديسين ونصيب الأشرار. نصيب القديسين هو الرب نفسه. يرونه وجهًا لوجه، يشبعون بلقائه ويصيرون مثله، إذ ينعمون بالشركة معه في قلوبهم كعربون للتمتع بالملكوت الأبدي. أما نصيب الأشرار فهو الانقسام في حياتهم:

أ. الله نفسه هو الذي يحارب عن قديسيه:

"قم يارب ادركهم وعرقلهم.

نج نفسي من المنافق وسيفك من أعداء يديك" [13].

أحاط الأعداء بالمرتل كوحوش مفترسة، لكنه يدرك أن عون الإنسان باطل، ولا رجاء له ما لم يظهر الله نفسه.

ب. سيف الله [13] هو كلمته التي تُستخدم كأداة للتأديب.

ج. رؤية الله أو نظر وجهه هبة إلهية ننالها خلال بره الذي يصيّر مؤمنيه على مثاله.

+ إقرأ مزمور 17 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


4. تمجيد لله:

"وأنا بالبر أترآى لوجهك

وأشبع عندما يظهر مجدك" [15].

تتحقق رؤية الله على الأرض بالإيمان، وفي السماء بالعيان وجهًا لوجه. نحن هنا نعاين مجد الرب كما في مرآة سميكة معتمة، كعربون لرؤيته في مجده خلال رؤى الخلود.

*   من يشترك في الإلهيات يعود إليها دائمًا جائعًا، والجائع ينال مواهب دون أن يخزى، وكما وعد الحكمة قائلاً: "لا يُجيع الرب نفس الصديق" (أم 10: 3)؛ ووعد في المزامير: "طعامها أبارك بركة، مساكنها أشبع خبزًا" (مز 132: 15). ونسمع صوت مخلصنا أيضًا: "طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون" (مت 5: 6)[350].

البابا أثناسيوس الرسولي

هكذا يختم المرتل المزمور بالتمتع برؤية الله والشبع بمجده الإلهي، فإن هذا هو غاية إيماننا، أن نراه ونشترك في أمجاده...

*   التأمل في الله وجهًا لوجه قد وعد به لنا ليكون نهاية سعينا ومنتهى مسراتنا.

القديس أغسطينوس

*   كل عقل حسب مقدار تدرجه يستنير بكمية محدودة من النور.

مار اسحق السرياني

+ إقرأ مزمور 17 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صلاة

*   بك وحدك أتبرر، وبدونك أهلك، يا مخلصي!

*   تعهد قلبي ليلاً، كي لا يعرف النوم ولا التراخي،

أنره بروحك القدوس فلا اكون ابنًا لليل ولا للظلمة!

*   لتسندني كلمات شفتيك، ولتقدني وعودك الإلهية،

فأسلك طريقك الضيق الآمن، أعبر فيه إلى حضن أبيك!

*   أشكرك لأنك تحفظني كحدقة العين من تراب العالم،

وتسترني بظل جناحيك من ضربات العدو.

*   أيها الأسد الخارج من سبط يهوذا حطم أنياب إبليس،

الأسد المزمجر ليفترسني.

*   أرني وجهك، إشبعني بجمالك الإلهي!

 

+ إقرأ مزمور 17 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 18 PDF Print Email

نعمة الملوكية

هذا المزمور، الذي يطابق (2 صم 22) هو مزمور شكر ملوكي، ليس من أجل انتصار عسكري ناله المرتل مرة واحدة، وإنما من أجل كّمٍ هائل من تدخلات الله المملؤة رأفات، من أجل حياة كاملة غنية باختبارات محبة الله المترفقة. إنها قصيدة انتصار سجلها داود في أواخر حياته بعد أن استراح من جميع أعدائه، وعلى رأسهم شاول، وقد أنقذه الرب من بين يديه. فبالرغم من إخلاص داود له لم يكف عن أن يتعقبه بلا شفقة.

عند كتابة هذا المزمور كان قد مرّ على موت شاول زمن طويل، ربما ثلاثون عامًا، ومع هذا يتحدث داود عن هذه الواقعة كأنها أمر حديث. هكذا يليق بنا إلا ننسى خطايانا ولا مراحم الله علينا مع مرور الزمن[351].

هذا المزمور ليس فقط يمثل قطعة رئيسية في ليتورجية إلهيكل الخاصة بالأحتفالأت الملوكية وإنما أيضًا يقدم فرصة جيدة للتعرف على إحدى القصائد الأصيلة الشهيرة لداود الملك... مع أنها كُتبت كأغنية شكر شخصية، لكن سرعان ما صارت في ملكية الجماعة تستخدمها في الصلاة والعبادة[352]...

يذكّرنا هذا المزمور بأن كل معركة روحية شخصية، حتى تلك التي تدور في ساحة ضميرنا الخفي، بلإضافة إلى كل معركة تدور في العالم لأجل العدالة، تمس تأسيس ملكوت الله الأبدي في حياتنا الداخلية.

+ إقرأ مزمور 18 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مزمور مسياني ملوكي:

اقتبس القديس بولس هذا المزمور مرتين بكونه يخص السيد المسيح (رو 15: 9؛ عب 2: 13). ويطبق بعض المفسرين المزمور كله على السيد المسيح. وهو يُصنَّف كمزمور مسياني، إذ أوضح داود أن مُلكِه إنما كان صورة ورمزًا لمملكة المسيح. لقد اكتشف أن الخلاص الحقيقي لا يتحقق بهلاك شاول ورجاله بل بهلاك إبليس وجنوده الروحيين، خلال نصرة المسيح وموته وقيامته ومجده وملكوته. لقد أقامنا ملوكًا روحيين (رؤ 1: 6).

يحتوي هذا المزمور على ذروة الشكر المسياني.

يلقب وايزر Weiser هذا المزمور "نعمة الملوكية". في نظره أنه نشيد عسكري خاص بالسيد المسيح المحارب، ملك الملوك، الذي يحارب ليقيم طريقه - خلال عالم متمرد - بأسلحة الإيمان والحب، حتى يأتي في ملكوته ويضم الكل إليه كملوك روحيين. وكأنه في المسيح يسوع تنشد الكنيسة هذه التسبحة كمزمور نصرتها الملوكية الروحية.

يرى البابا أثناسيوس الرسولي أن المزمور يتضمن سبعة أمور:

1. مقاومة الأعداء لنا.

2. الأستعانة بالله.

3. نزول السيد المسيح إلينا ليخلصنا.

4. صعود الرب إلى السماء.

5. الله ينقذ الإنسان من الأعداء.

6. رفض اليهود (فقدان كرامة البنوة لله وصيرورتهم غرباء).

7. قبول الأمم (قبولهم نعمة الملوكية بالإيمان خلال السماع).

+ إقرأ مزمور 18 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


عنوان المزمور:

1. حسب النص العبري: "لإمام المغنين، لعبد الرب، داود الذي كلم الرب بكلام هذا النشيد في اليوم الذي أنقذه فيه الرب من أيدي كل أعدائه ومن يد شاول".

أ. يدعو داود نفسه "عبد الرب"؛ فإنه إذ يتحدث عن "نعمة الملوكية"، فإن هذه النعمة ترفعه إلى حضن ملك الملوك، لا ليتشامخ ولا ليمارس سلطانًا وسطوة، وإنما بالحري ليحمل روحه الوديع المتضع، فيرى في نفسه عبدًا للرب، منسحقًا، ومحتاجًا إلى العون الإلهي. لقد أقامه الرب ملكًا على شعبه ليعيش عبدًا للرب يخدم أفراد شعبه بروح الحب والرعاية!

ب. يقول "كلم الرب"، إذ وضع هذه التسبحة لا لإرضاء الناس، ولا للافتخار بنصراته، وإنما كذبيحة شكر لله واهب النصرات المستمرة... إنه مدين للرب بكل نجاح!

ج. وُضع المزمور بعد نواله نصرات كثيرة... وكان يردده في مناسبات مختلفة كلما تذكر لمسات يدّ الله الحانية، فلا نعجب إن تكرر أيضًا في (2 صم 22).

2. جاء العنوان في الترجمة السبعينية: "على النجاز (التمام) لداود، إذ يتحدث عن تمام الخلاص الذي تحقق بنزول كلمة الله وصعوده وتقديم نعمة الملوكية للأمم.

+ إقرأ مزمور 18 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الإطار العام:

يُقسّم بعض الدارسين مثل Hans Schmidt المزمور إلى صلاتين مستقلتين، فيروا أن الجزء الأول [1-30] يتناول نجاة الملك من خطر هائل في يوم بليته [14]؛ بينما يبدو أن الجزء الثاني [31-50] يغطي فترة زمنية أطول ويذكرنا بعدة أحداث وليس بحدث واحد (عدد 43 غالبًا ما يشير إلى نزعات قامت بين جماعات شعب داود الملك فيما بينهم). وقد رفض آخرون هذا التقسيم، فيقول Weiser: [على أي الأحوال، لم نتبع نحن تقسيم المزمور إلى صلاتين مستقلتين؛ حيث يمثل المنهجان الرئيسيان (للقسمين) وحدة واحدة كما يظهر في العددين 43، 48؛ وقد أُستخدم ذات القياس في القسمين... إنهما يشبهان منارتي كاتدرائية مرتفعتان، فيحلّق الجزءان من هذه التسبحة الرائعة في السماء، بكونهما تسبحة حمد لمجد الله، الذي يظهر كمعين للمتعبد (المرتل) وسط بليّته [1-30]، يرفعه [عدد 46] ليُعظّم بركات مَلِكه [5]... مع أن كل جزء من جزئي المزمور له سمته الخاصة به، والتي تناسب الموضوع الذي يتناوله، ولكنهما لا يقدمان أثرهما الكامل للشهادة التامة لقوة الله الحيّ الملوكية ولثقة المرتل الملك الثابتة حيث هو متأكد من بركات الله ومتهلل بها، ما لم يُنظر إلى الجزئين كوحدة واحدة[353]].

الجزء الأول: الخلاص


1. خلاص من براثن الموت           [1-5].

2. قوة القيامة                         [6-18].

3. عطية المجد                       [19-30].


الجزء الثاني: نعمة الملوكية


1. الإعداد لها                         [31-36].

2. استسلام الأعداء                   [37-42].

3. رئاسة على الأمم                  [43-45].

4. حمد وشكر                        [46-50].


الكلمة الأسترشادية (مفتاح المزمور):

مفتاح المزمور هو كلمة "برّ"، التي تأتي كمحور المزمور [20]. إنها تنشد تبرئة داود؛ لكن داود لم يكن يدافع عن بره الذاتي، إنما هي نعمة الله العاملة في حياته. أما ربنا يسوع المسيح فقد صارع ضد الشر حتى سفك دمه على الصليب لكي يهبنا بره، مصارعًا ضد الأعداء الشرسين كاموت والشياطين والعالم الشرير والخطية (رو 7: 24-25؛ 1 كو 15: 20-28). معركتنا من أجل البر ليست ضد البشر، وإنما ضد أجناد الشر الروحيين في السماويات (أف 6: 12).

+ إقرأ مزمور 18 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الجزء الأول: الخلاص
1. خلاص من براثن الموت:

هذه هي تسبحتنا، إذ نعرف أننا في المسيح نستطيع أن نعبر من براثن الموت إلى شركة الأمجاد السماوية. هنا نجد قائمة تكاد تكون كاملة للإستعارات المختلفة الخاصة التي تعبّر عن قوة الله وخلاصه الواردة في المزامير مثل الصخرة (لا يمكن تسلقها ولا مهاجمتها)، والسرعة (لا يمكن تعقبها)، والدرع (كجندي)، وقرن الخلاص (كالحيوان القوي)، وملجأ (يتعذر بلوغه).

"أحبك يارب قوتي.

الرب هو ثباتي (صخرتي) وملجأي ومخلصي،

إلهي عوني وعليه أتكل.

عاضدي وقرن خلاصي وناصري" [1-2].


علاقتي بالله شخصية هذا الذي أُحبه بكونه "قوتي" بكل ما لهذه الكلمة من معنى؛ إنه يسندني، ويمنحني الشجاعة والنجاح والاستقرار.

أنا بذاتي لا أستطيع أن أعمل شيئًا، لكن الله يهبني الحماية الكافية والسند والخلاص. هو صخرتي، صخرة الخلاص (نت 32: 4، 15)، صخرة شعبه (تك 49: 24)؛ يشير هذا اللقب "صخرة" إلى الصلابة والقوة وعدم التغيُّر. إنه ملجأي (في العبرية: حصني)، وهو منقذي. كلمة "منقذ" تعني من يحملني بعيدًا سالمًا أو يقدم لي مجإلا للهروب[354].

*   لم يتضرع داود إلى أحد سوى الله نفسه من أجل خلاصه[355].

البابا أثناسيوس الرسولي

*   "أحبك يارب قوتي؛ الرب صخرتي وحصني ومنقذي".

نعم، أعنِّي كي أحبك؛ فأنت هو إلهي، حاميَّ؛ أنت حصني المنيع؛ أنت رجائي العذب وسط ضيقاتي...

لألتصق بك، فأنت هو الخير وحدك، وبدونك ليس للخير وجود!

لتكن أنت كل سعادتي، يا كُلَّي الصلاح...

أيها الحياة، لمجدك يحيا كل مخلوق. لقد وهبتني الحياة، وفيك حياتي. بك أحيا، وبدونك أموت...

أتوسل إليك: أخبرني أين أنت؟! أين ألقاك، فأختفي فيك بالكلية، ولا أوجد إلا فيك!

القديس أغسطينوس

*   "أدعو الرب بتسابيح الحمد، فأنجو من أعدائي" [3]. أدعوه ليس طلبًا لمجدي بل لمجد الرب عندئذ لا يوجد ما يدعوني للخوف من حماقة الأشرار.

القديس أغسطينوس

يقول Weiser: [بإنه في العدد 3 يتغير طابع التسبحة إلى شكل قصصي ويستمر هكذا حتى عدد 19. غاية القصة تُقديم الأحداث السابقة في شكل ليتورجي كأحداث حاضرة. هكذا تدخل بنا الأحداث إلى خبرة الحضرة الإلهية الحالية وعمل خلاصي في ثوب تعبدي. هذا الهدف يوضح علّة إستخدام صيغ أفعال مختلفة بطريقة مذهلة، فيستخدم المرتل الماضي التام ثم الماضي الناقص على التوالي... ويستمر تغير الأفعال خلال المزمور بغية التعبير عن أن ما حدث في الماضي هو واقع تحقق في الماضي لكنه فعّال في الحاضر[356]].

يتصور المرتل نفسه وقد إرتحل بالفعل إلى العالم السفلي، تحيط به حبال الموت، فيقول: "اكتنفتني أمخاض الموت... أدركتني فخاخ (حبال) الموت: [4، 5]. هكذا يصور الموت كمارد يقيد ضحيته أو كصياد يمسك بفريسته.

الكلمة العبرية Chabel المترجمة "محاض" تعني "من يتلوى ألمًا" كإمرأة في حالة مخاض. هكذا يقول المرتل إن المتاعب قد أحاطت به كإمرأة تلد، لا حول لها ولا قوةً، تتعرض لخطر الموت.

ويرى البعض في قوله "أمخاض الموت" إشارة إلى أن الموت يحيط بالإنسان حتى قبل تمام ولادته، وهو في بطن أمه تتمخض به، يتابعه ليلحق به في طفولته وصبوته وشبابه وشيخوخته حتى يدخل به إلى الجحيم.

الفعل "اكتنفتني" أُستخدم أولاً في (هو 6: 3، 6) في وصف عملية إحاطة مدينة لتدميرها.

إن كانت نفس المؤمن أشبه بامرأة حبلِى فإن كل ما تفعله الضيقة إنها تدخل بها إلى آلام الولادة لتنجب حياة جديدة وثمرًا مقدسًا. إنها كالمدينة العامرة، يود العدو أن يحولها إلى خراب وقفر.

عمل العدو أن يهلك ويدمر، أن يقتل ويميت، أما عمل الله الحيّ فهو أن يهب القيامة ويرد الحياة من جديد!

+ إقرأ مزمور 18 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. قوة القيامة:

"وفي شدتي دعوت الرب، وإلى إلهي صرخت.

فسمع صوتي من هيكل قدسه.

وصراخي قدامه يدخل في أذنيه.

تزلزلت الأرض وصارت مرتعدة.

اضطربت أساسات الجبال وتزعزعت،

لأن الرب سخط عليها [6-7].


سماع الله للصلاة ليس أمرًا جديدًا، إذ يُسر الله أن يسمع صرخات مؤمنيه الصادرة من الأعماق. سمع الله لداود من الهيكل، أي من الخيمة حيث يوجد التابوت، أو من السماء عينها، لأن الهيكل الأرضي رمز للسماوي.

إن كان العدو قد ألقى بحبال الموت كشبكة تصطاد المرتل وتسحبه إلى القبر، يُدفن ولا يقوم، إذا بالسيد المسيح القائم من بين الأموات يستجيب لصرخاته كما من السماء، ينزل إليه إلى القبر ويحمله كغنيمة ويصعد به إلى مقدسه.

لعل المرتل - في ضيقته - عاين بروح النبوة السيد المسيح، ابن  داود، في صلبه... لقد صرخ إلى الآب أبيه وسُمع له من أجل تقواه، عندئذ تزلزلت الأرض وارتعدت وتشققت الصخور، كما روى لنا الإنجيليون، وقام أجساد كثير من القديسين ودخلوا المدينة.

يروي لنا المرتل عن حدوث معجزة عظيمة، حيث ظهر الله كما في هيكل قدسه - على تابوت العهد - لينقذه في محنته، في هذا يرمز للمخلص الذي دخل إلى تجربة الصليب لتُعلن قوة قيامته. وما قدمه المخلص في شخصه إنما لحسابن ا كي ننعم نحن أيضًا بقوة قيامته أو شركة الحياة المُقامة. فلنرتل نحن أيضًا ذات التسبحة، مفتكرين أننا نسبح بها ونحن ملتصقون بمخلصنا القائم من الأموات. إننا لا نيأس قط، إذ ننعم بقوة قيامته، فليس من ضيق كهذا إلا ويخلصنا منه.

*   "في شدتي دعوت الرب، وإلى إلهي صرخت". يعلن القديس بولس عن هذه الصرخة الموجهة إلى الآب، قائلاً: "الذي في أيام جسده، إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلص من الموت، وسُمع له من أجل تقواه" (عب 5: 7). سُمعت صرخته بإقامته من الأموات ونواله المجد والملكوت.

*   "فسمع صوتي من هيكله المقدس". سمع صوتي من مسكنه داخل قلبي! "وصراخي قدامه يدخل في أذنيه"، هذا الصراخ الخاص بي لا تسمعه أذن إنسان، فإنني إذ أنطق به في داخلي في حضرته، يبلغ إلى أذنيه!

القديس أغسطينوس

يقول المرتل إن الموت لا يستطيع أن يحطم نفسه باليأس، لأن قيامة المسيح قدمت له رجاءً حيًا وعمليًا... ما عليه إلا أن يدعو ويصرخ من أعماق قلبه ليجد صرخته قد اخترقت أبواب أورشليم اللؤلؤية (رؤ 21: 21)، تبلغ إلى الموت الذي لا يُدنى منه؛ فيميل الله بأذنيه ليسمع هذه الصرخات القادمة مع صلوات السمائيين وتسابيحهم! هنا تتزلزل كل أرض أمامه وتتزعزع أساسات الجبال... يضطرب الأعداء المحبون للعالم (الأرضيات)، الذين يظنون في أنفسهم أنهم جبابرة ليس من يقدر أن يهز كيانهم، راسخون كأساسات الجبال!

الله الكلّي الحب، الكلي الوداعة، يعلن ذاته نارًا آكلة للعدو المقاوم للمجد الإلهي أو لشعبه المسكين، لهذا يقول المرتل:

"ارتفع الدخان برجزه،

والنار التهبت من أمام وجهه،

والجمر اشتعل منه" [8].

هذا التصوير يعلن غضب الله لا كانفعال للإنتقام ولكن بكونه العدالة التي لا تقبل الظلم، والقداسة التي لا تطيق الخطية. يقول الرسول بولس: "فعمل كل واحد سيصير ظاهرًا، لأن اليوم سيبينه، لأنه بنار يستعلن، وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو، إن بقى عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أجرة، إن احترق عمل أحد فسيخسر وأما هو فسيخلص ولكن كما بنار" (1 كو 3: 13-15).

دينونة الله وعدالته نار تزيد الذهب والفضة بهاءً ونقاوة، وتحرق الخشب والعشب. أيضًا كلمة الله نارًا آكلة، تحرق فينا الأشواك الخانقة للنفس وكل ما هو شر لتلهب القلب بنار الحب الإلهي، فلا تقدر مياه العالم أن تطفئها. وقد جاء الروح القدس على شكل ألسنة نارية ليحول التلاميذ والرسل إلى خدام الله الملتهبين نارًا، فيشعلوا البشرية بنار الحب الإلهي بعدما يحرقون الشر في قلوب المؤمنين بروح الله واهب القداسة. هذا هو غاية المصلوب القائم من الأموات، القائل: "جئت لألقي نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟!" (لو 12: 49).

يرى بعض الدارسين في صعود الدخان برجزه أن المرتل يقارن غضب الله على الشر بالضباب الذي يعتم الجو كدخان قاتم يتصاعد من أنف من يغضب، أو من الوحوش الثائرة التي تصير كادخان تكتم النفس عندما تثور!

*   "ارتفع الدخان برجزه". يسكب البشر الدموع ويقدمون التوسلات حين يمتلئون ندامة بسبب تهديدات الله ضد الأشرار (أي أن غاية هذه التهديدات هي رجوع الأشرار عن شرهم فلا يلحق بهم الغضب الإلهي!).

"والنار التهبت من أمام وجهه". يعقب التوبة اشتعال الحب خلال معرفة الله.

"والجمر اشتعل منه"، هؤلاء الذين سبقوا فماتوا غير مبالين بلهيب الرغبة المقدسة أو نور العدل، غارقين في برودة الظلمة صاروا ينعمون (في المسيح) بالدفء والنور وإعادة الحياة من جديد.

القديس أغسطينوس

"طأطأ السموات ونزل،

والضباب كان تحت رجليه" [9].

ما كان ممكنًا للإنسان وقد إنحدر إلى الموت أن يلتهب بنار الحب الإلهي، وتشتعل فيه الجمرة المقدسة، ما لم ينزل السماوي نفسه إليه، يطأطئ السموات ليلتقي بنا على أرضنا، فيهبنا روحه القدوس الناري. نزل إلينا متجسدًا، فأخفى بهاء لاهوته، لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد (1 كو 2: 8)... هذا ما عبَّر عنه المرتل بقوله: "الضباب كان تحت رجليه". اختفى مجده وانحجب عن الأعين البشرية كما بضباب قاتم...

*   "طأطأ السموات ونزل، والضباب كان تحت رجليه". اتضع العادل، الذي انحنى إلى أسفل من أجل ضعف البشر.

"والضباب تحت رجليه"، الذين أُعمت عيونهم بشرورهم؛ هؤلاء الأشرار الذين لا يبالون إلا بالأرضيات لم يقدروا أن يعرفوه، لأن الأرض تسقط تحت رجليه مرتبطة بموطئ القدمين.

القديس أغسطينوس

لعل المرتل أيضًا أراد أن يعلن قوة الصلاة والصرخات الداخلية؛ فإن كان العدو يُشبه بالأرض وأساسات الجبال الراسخة، فإن الله ليس فقط يميل أذنيه ليسمع للمرتل، إنما ينزل بنفسه إليه متخفيًا كما في الضباب ليقتنص العدو وينزل به إلى قدمي المرتل نفسه.

يرى بعض الدارسين أن قول المرتل هنا فيه وصف دقيق وتصوير رائع تفصيلي عن الظهور الإلهي الأول في جبل سيناء (خر 19: 8؛ قض 5: 4؛ حب 3: 3-15)، إذ لا يوجد دليل على أن داود قد تمتع بما ورد هنا بصورة حرفية، أي لم يتمتع برؤية عينيه للحضرة الإلهية مثل موسى، لا عندما كان هاربًا من وجه شاول ولا أثناء حروبه ومعاركه وهو ملك. لكنه يرى أن ما يتمتع به من نصرات أشبه بعبور يختلف في مضمونه عن العبور الوارد في سفر الخروج من جهة الشكل لكنه يطابقه من جهة قوة التأثير والفاعلية. فإن حقيقة الخلاص لا تتوقف على الشكل الذي نتخذه[357].

خبرة المؤمنين من جهة الشكل التقليدي الثابت بخصوص الظهور الإلهي في سيناء هي أن الله حاضر الآن أمامهم، يستطيعون أن يروه ويسمعوه، وكأن التقليد في كماله يتحقق معه كحدث حاضر حيّ.

رآه موسى خلال العبور حين حلَّ الضيق بشعبه وسمع صوته بطريقة ملموسة وسط الضباب، وكأن الله قد نزل إليه ليعين شعبه. وبالإيمان رآه داود النبي وسط آلامه حين كان الموت يلاحقه خلال ثورة شاول الطاغية ضده؛ وتحقق النزول في كماله في ملء الزمان حين نزل رب المجد يسوع ليخلص العالم من إبليس وقد أحاط نزوله بالضباب؛ وها هو مستعد أن يحل في قلب المؤمن وسط آلامه ليعلن له قوة الصليب!

وكأن الظهور الإلهي تحقق هكذا:

أ. مع موسى عند إستلام الناموس، خلال الظلال.

ب. مع داود بالإيمان خلال تمتعه بنصرات دائمة هي عمل الله في حياته.

ج. مع السيد المسيح بكونه الابن  الوحيد الجنس، الذي أعلن عن أبيه الواحد معه في الجوهر... كأعظم إعلان إلهي!

د. مع مؤمني العهد الجديد، خلال إتحادهم بالابن .

ليس عجيبًا أن تتحقق كل الإعلانات عبر العصور وتتجلى الحضرة الإلهية عندما تشتد التجارب والضيقات؛ حينما يبدو الموت أمرًا محققًا ليس من يقدر أن يهرب منه يتجلى واهب القيامة. حتى مسيحنا - الواحد مع الآب - لم يعلن مجده إلا خلال طريق الصليب.

مع كل ضيقة يستطيع المؤمن أن يتمتع بالجالس على المركبة الشاروبيمية، واهب الخلاص، إذ يقول المرتل:

"ركب على الشاروبيم وطار،

طار على أجنحة الرياح" [10]


ذُكر الشاروبيم لأول مرة في سفر التكوين (3: 24)؛ وتكرر ذلك في (مز 68: 4، 33؛ 104: 3)، مقترنًا إلى حد ما بالكاروبين اللذين على غطاء تابوت العهد. فقد أُطلق هذا الاسم على الشكلين الواقفين عليه (خر 25: 18-20) حيث يقومان على كرسي (عرش) الرحمة، بينهما الشاكيناه، حيث تُعلن حضرة الرب الدائمة وسط شعبه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). في حزقيال 10 نجد أكمل تقرير لدينا عن الشاروبيم، وهي كائنات سماوية، خليقة مملؤة حياة، تتسم بالسرعة الشديدة والقوة والشجاعة؛ صوت أجنحتها كصوت القدير حين يتكلم.

*   "ركب على الشاروبيم وطار"، أي ركب بعيدًا فوق حدود كمال المعرفة، مظهرًا أنه لا يقدر أحد أن يقترب منه إلا بالحب؛ لأن المحبة هي تكميل الوصايا (رو 13: 10).

القديس أغسطينوس

إن كان الشاروبيم ممتلئون أعينًا، ولكل واحد منهم ستة أجنحة، فإن المؤمن إذ تكون له البصيرة الروحية (المعرفة) المقدسة، يحلق كما بأجنحة الروح نحو السمويات، يصير مركبة إلهية؛ فيقال عنه أن الرب قد ركب كما على شاروب ناري، يتمتع بالحضرة الإلهية، وتكون معرفته لله خلال خبرة تلاقٍ حقيقية.

يقول: "طار على أجنحة الريح" [10]، إعلانًا عن سرعة مجيئه لخلاص أولادهن دون أن يوجد عائق في الطريق. وكما جاء في المزمور (104: 3) "الذي جعل مسالكه على السحاب؛ الماشي على أجنحة الرياح".

"جعل الظلمة حجابه، تحوط مظلته" [10].

نزل إلينا ليخلصنا بنفسه، لكنه احتجب في الناسوت، لكي نقبله بالإيمان؛ فإن كانت البصيرة الخارجية يصعب أن تخترق الضباب المحيط به كمظلة لتدرك أسراره، فإنه بالإيمان تستنير بصيرتنا الداخلية القادرة أن تدخل إلى الأعماق وتلتقي به وتتعرف على أسراره الخفية. يقول إشعياء النبي: "حقًا أنت إله محتجب" (45: 15)، يقول المرتل: "السحاب والضباب حوله" (مز 97: 2).

تشير الظلمة هنا إلى عجز، لا الخليقة الأرضية وحدها عن رؤية طبيعة الله، بل والخليقة السماوية لا تقدر على معاينتها في كمالها. تعاين كل خليقة الله قدر استطاعتها أو قدر قامتها الروحية، وليس كما هو!

*   "جعل الظلمة حجابه". حيث اختار ظلمة الأسرار، الرجاء الخفي في قلوب المؤمنين هناك حيث يحجب نفسه دون أن يتخلى عنهم.

القديس أغسطينوس

*   تريد النفوس المتكبرة في جسارة وتهور أن تنبش في الظلام، وبالتدريج خطوة فخطوة تلتحف بظلمة الخطأ الكثيفة والملموسة.

الأب قيصريوس أسقف آرل

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السحاب هو المركبة الملوكية التي ارسلت إلى الملك السماوي، يسوع المسيح، عند صعوده[358]. أما قوله جعل "الظلمة حجابه"، فلأن صعوده كان مخفيًا عن العالم، يتمتع بها من يتتلمذ على يديه فتصعد أفكاره معه كما في الخفاء. وبقوله "تحوط مظلته"، ربما يشير إلى تلاميذه أو الكنيسة ككل، إذ يختفي فيها الصاعد إلى السموات كمظلة له، يسكن داخلها دون أن يعاينه العالم!

لا يوجد وصف لهيئة الله في أي موضع في الكتاب المقدس. إنما يتحدث الكتاب عن قرب الله من الإنسان وعظمته التي لا يُدنى منها، وذلك من خلال الرموز؛ من جهة قُربه يتحدث عن بهاء نوره، ومن جهة عظمته الخفية فيتحدث عن السحاب والظلمة... طبيعة الله غير مدركة، لكنها تُعرف خلال عملها وفاعليتها في حياة الإنسان.

v   القديس يوحنا الجليل الذي اخترق الظلمة المنيرة يقول: "الله لم يره أحد قط" (يو 1: 18)، مؤكدًا عدم إمكانية بلوغ الجوهر السماوي بواسطة البشر، بل وأيضًا بواسطة كل الخليقة العاقلة. لذلك، عندما نما موسى في المعرفة أعلن أنه رأى الله في الظلام، بمعنى أنه أتى إلى معرفة ما هو إلهي، ما هو فوق كل معرفة أو إدراك، إذ جاء النص: "أما موسى فاقترب إلى الضباب حيث كان الله" (خر 20: 21). أي إله؟ ذاك الذي جعل الظلمة حجابه كقول داود، الذي تعرَّف على الأسرار في ذات المقدِس الداخلي[359].

القديس غريغوريوس النيصي

السحابة هي مركبة للاهوت (إش 19: 1؛ مز 104: 3)؛ نزل من السماء المملؤة سحابًا التي أحناها إلى الأرض، نزل في عاصفة، راكبًا على شاروب.

"من لميع وجهه جازت السُحب،

قدامه بردًا وجمر نار" [12].


يرى البعض أن المرتل هنا يصف البرق، أسهم الله التي تنتشر وتهزم أعداء داود؛ فإن الله لا تنقصه الوسيلة ليحقق غضبه ونشر قوته الخلاصية. وكأنه يمزق السحاب إربًا، ويرسل سهامه التي لا يعوقها السحاب بل تقتحم السحاب كأنه غير موجود. تنفتح السماء بأكملها كما يحدث أثناء البرق (حيث يبدو كأنه يمزق السحب). غالبًا ما يكون البرق مسحوبًا بالبرد والبَرَدْ. وكثيرًا ما يعاقب الله الأشرار بحجارة من البَرَدْ والنار (خر 9: 24-25؛ يش 10: 11؛ مز 78: 47-48؛ 105: 32؛ حجي 2: 17) [360].

كأن الله المحتجب في الضباب يفتح أبواب السماء ليقذف الأشرار المصرّين على شرهم بحجارةٍ من البرد والنار.

من جانب آخر إن كان السحاب يشير إلى القديسين (عب 12: 1)، من بينهم الأنبياء، فقد أرسل الله نبواته خلالهم كقذائف من البَرَدْ والنار، تحطم عدو الخير إبليس وتحقق الخلاص للمؤمنين. لهذا يكمل المرتل قائلاً:

"أرعد الرب من السماء،

والعلي أعطى صوته" [13].

هكذا نتقبل كلمة الله، خاصة النبوات التي سبق فتحدثت عن الخلاص كرعد صدر من السماء... يتكلم الله فتهتز السماء والأرض، يتحدث بكلماته كما بأعماله. بالنسبة له ليس شيء ما مستحيلاً، ليس شيء ما شاقًا[361]. من يستطيع الوقوف أمامه؟! من يقدر أن يتحمل صوته الذي يرعد؟!

قوله: "أرعد من السموات" يشير إلى صعود السيد المسيح، إذ قيل: "صعد الله بتهليل (هتاف)، والرب بصوت البوق" (مز 47: 5). خلال هذا الصعود تحقق الوعد الإلهي الخاص بإرسال الروح القدس كينابيع مياه حيّة، يتمتع به المؤمنون خلال مياه المعمودية، وظهر الرسل الأطهار والتلاميذ القديسون كأساس للبناء المسكوني الجديد (أف 2: 20)، إذ يقول:

"ظهرت عيون المياه،

وانكشفت أساسات المسكونة،

من انتهارك يارب،

ومن نسمة ريح رجزك" [15].

ما هي عيون المياه التي ظهرت إلا المعمودية، إذ يقول إشعياء النبي: "فتستقون مياهًا بفرح من ينابيع الخلاص" (12: 3). مياه المعمودية تبعث بهجة وفرحًا في قلوب المؤمنين وهلاكًا لعدو الخير وكل أعماله الشريرة.

في مياه المعمودية صوت الرب يرعد، فينتزع من عدو الخير مملكته فينا، ويملك هو في قلوبنا أبديًا.

أما أساسات المسكونة، أي التلاميذ، فيتكئون على السيد المسيح حجر الزاوية الذي رفضه البناؤون في البداية، وعلقوه على خشبة، فصار ذلك خلاصًا لكنيسة الله وبنيانًا لها على مستوى سماوي.

يرى بعض المفسرين أن هذا العدد [13] فيه تلميح لمعجزة البحر الأحمر الذي انشق فظهرت أعماق المياه وانكشفت أساسات المسكونة! وكأن المرتل يقول إن الله يخلصه بطريقة مؤكدة وبوضوح كما سبق وصنع مع شعبه عند هروبهم من وجه فرعون وجنوده. ويرى آخرون أن المرتل يحسب نفسه كمن هو مدفون في أعماق المياه كما في (مز 144: 7)، حيث يصلي، قائلاً: "انقذني ونجني من المياه الكثيرة، ومن أيدي بني الغرباء". لهذا يكمل المرتل في المزمور الذي بين أيدينا:

"أرسل من العلاء فأخذني،

وانتشلني من مياه كثيرة،

ينجيني من أعدائي الأقوياء،

ومن أيدي الذين يبغضونني" [16-17].

إن كانت أمواج العالم وتياراته كادت أن تبتلعني، فقد نزل من السماء ليأخذني فيه ويحملني إلى سمواته؛ يحطم بصليبه أبواب الجحيم، وينجيني من الموت ومن كل قوات الظلمة الذين يبغضون نفسي ويطلبون هلاكها أبديًا. إن كان الشيطان وكل جنوده أقوياء، لكنه يوجد من يخلصني من أيديهم، ويصعد نفسي معه.

يرى المرتل نفسه وقد هاج الأعداء الأقوياء ضده، فصار كمن هو في مياه كثيرة؛ في عجزه البشري لم يكن ممكنًا أن يخلص، لكن الله وهبه النصرة على جليات الجبار، ثم على شاول وأقربائه ورجاله، ثم على الفلسطينيين والسوريين وشعوب أخرى، وأخيرًا على ابنه المتمرد أبشالوم؛ هذا كله كان رمزًا لما عانته نفس داود حين أدركت أن أبواب الجحيم تُطبق عليها بواسطة الأعداء الحقيقيين مثل الشيطان وجنوده والخطايا والحكم عليه بالموت الأبدي... الأمر الذي لا يقدر أن يخلصه منه إلا السيد المسيح غالب الموت، ومخرج النفوس من الجحيم إلى حرية الفردوس.

+ إقرأ مزمور 18 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. عطية المجد:

"وكان الرب سندي، وأخرجني إلى السعة (الرحب)،

ينجيني لأنه أرادني (سُرّ بي)" [19].


يعلن الله عن حبه للإنسان ورغبته في اقتنائه خلال تدخله الإلهي وقت الضيق. فقد سمح ليوسف أن يعيش إلى حين كعبد في بيت فوطيفار بل وكنزيل في بيت السجن، وكان الرب سنده أعطاه نعمة في أعين كل من هم حوله، حتى في عينيّ رئيس السجن... لقد أخرجه الله ليعيش في القصر في السعة هو ووالديه وإخوته. الله هو سنده لأنه "أراده" أو "سُرّ به"، أن يكون رمزًا للسيد المسيح. هكذا كان داود في مغارة عدلام هاربًا من وجه الطاغية شاول ورجاله ليرتقي به إلى العرش؛ لقد أراده الرب وسُرّ به. ما أمتع السعة بعد الضيق، لا لأجل السعة في ذاتها ولكن لأجل بصمات حب الله ورعايته الفائقة لنا. فإن للرب الذي يُسر بأولاده هدفه الخاص في ضيقهم كما في تمتعهم بالسعة.

مسيحنا يدخل بنا إلى شركة آلامه لكي يعبر بنا إلى سعة القيامة ورحبها. إنه يعبر بنا من ضيق الجحيم إلى سعة الفردوس. وفي حبه يخلصنا من ضيق قلوبنا المتقوقع حول الأنا لينفتح بسعة على الله وعلى السمائيين وكل بني البشر في حب صادق مقدس.

حكم عليه الأعداء ظلمًا أن يدخل إلى الضيق، لذا يستغيث المرتل بالله، قائلاً:

"يجازيني الرب مثل بري،

مثل طهارة يدي يكافئني

لأني حفظت طُرق الرب،

ولم أنافق على إلهي.

لأن جميع أحكامه قدامي،

وحقوقه لم أبعدها عني.

وأكون معه بلا عيب،

واتحفظ من إثمي" [20-23].


ماذا يعني داود ببره، وطهارة يده، وحفظه طرق الرب وأن يكون مع الرب بلا عيب، متحظًا من إثمه؟ اتهمه أعداؤه بالتمرد والخيانة والنهب والسلب والتحريض على الفتنة والعصيان والوحشية وأعمال أخرى كثيرة شائنة. وها هو داود يعلن براءته من كل هذه الاتهامات. لقد وضعه الرب في طريق الارتقاء على العرش ومع ذلك ترك قضيته في يد الله دون إتخاذ أي إجراء شرير ليحقق ذلك[362].

*   أية طهارة هذه التي في عيني (الله)؟

إنه يطالبنا بالقداسة التي يمكن لعيني الله أن تنظرها[363].

القديس يوحنا الذهبي الفم

هذه الكلمات هي أيضًا نبوة مسيانية، لأن السيد المسيح هو ابن  الإنسان الوحيد في كماله (الإله المتأنس)، الذي أطاع الآب حتى الموت؛ هذه الطاعة حتى الموت دفعته إلى المجد. "لذلك رفعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل إسم" (في 2: 9).

يبقى الله أمينًا بطبيعته بكونه "الحب"، هذه الأمانة تعمل بطرق مختلفة حسب تجاوب الإنسان معه. فالصالح يمكنه أن يوقن بمحبة الله له خلال حبه هو لله. فتتحقق وعود الله في حياة هؤلاء الذين ينتمون إلى زمرة الصالحين. ومن ناحية أخرى، فإن الذين يسيئون استخدام وصايا العهد الإلهي ويعصونها يبدو لهم الله كأنه مضاد لهم. يرونه هكذا ضدًا لهم، لأنه إذ يواجههم كعصاة يحقق حكمه وينفذه.

"مع البار بارًا تكون،

ومع الرجل الزكي تكون زكيًا.

ومع المختار تكون مختارًا،

ومع المعوج تتعوج" [25-26].

الله في محبته يريد أن جميع الناس يخلصون، لكن لا يعطي الكل لأنفسهم الفرصة لإدراك نعمته. الرحوم يَنعم برحمة الله، والحنون يتمتع بحنانه الإلهي، والكريم يختبر كرم الله، أما الذي يُصرّ على أن يكون قاسيًا فيُترك لتصرفاته، ويحرم نفسه من لطف الله، وهكذا يبدو الله بالنسبة له كأنه قاسي وغير رحيم... جاء في (لا 26: 21) "وإن سلكتم معي بالخلاف ولم تشاءوا أن تسمعوا لي أزيد عليكم ضربات سبعة أضعاف حسب خطاياكم".

هكذا الرحوم يتجاوب مع مراحم الله ليتفهمها ويَتنعم بها، والإنسان المقدس يتفهم قداسة الله، مصدر كل قداسة، فيدركه كقدوس.

*   "مع القديس تكون قدوسًا"...

بالحق الله لا يضر أحدًا، إنما يُمسك كل شرير بحبال خطيته (أم 5: 22).

القديس أغسطينوس

إن كان الرحوم يتعرف على رحمة الله ويتجاوب معها، هكذا حتى في علاقتنا مع بعضنا البعض، فأننا نتفاعل معًا... الملتصق بالرحماء ينعم بالحياة الرحيمة، والملتصق بالقديسين ينعم معهم بالقداسة التي هي عطية الله لهم. لذلك يقول القديس أكليمندس الإسكندري: [ينبغي علينا أن نلتصق بالقديسين [25-26]، لأن من يلتصق بهم يتقدس[364]].

وكأن سرّ مجدنا هو التجاوب مع الله وقديسيه خلال الحياة الرحيمة الطاهرة؛ وذلك بروح الاتضاع والخضوع لعمل نعمته الإلهية.

"لأنك أنت يارب تنجي شعبًا متواضعًا،

وتذل عيون المتعظمين" [27].

ما ورد في العددين 25، 26 يخصان معاملات الله مع الأفراد، الآن يطبق ذات المبدأ على مستوى شعب الله ككل؛ فإنهم إذ يخضعون معًا بروح الاتضاع لإرادة الله يختبرون الله كمعين لهم، أما الذين يتكبرون في عجب باطل فيضعهم الله[365]؛ لأن طبيعة الله وخطته هي أن يمنح الخلاص للمعوزين والودعاء والمتضعين، بينما يكره الله الكبرياء في أي كائن!

بالاتضاع يتقبل المؤمن نعمة الله واهبة الاستنارة:

"لأنك أنت تنير سراجي،

إلهي يضيء ظلمتي" [28].

يفيض قلب المرتل بالشكر والثقة معترفًا أن الله يضيء سراجه، بمعنى أن الله يهبه الحياة الحقة، إذ لا انفصال بين الاستنارة والحياة، فعندما تعرض داود في أواخر أيامه للقتل أشار عليه رجاله ألا يعود يخرج إلى الحرب حتى لا ينطفئ سراج إسرائيل (2 صم 22: 17).

أدرك المرتل أنه ليس إلا سراجًا لا يستطيع أن يضيء بذاته إنما يحتاج إلى زيت النعمة الإلهية، يحتاج إلى السيد المسيح "نور العالم" أن يعلن ذاته فيه نورًا يبدد كل ظلمة قاتلة، منعمًا عليه بحيوية جديدة. وكأنه مع كل ظلمة آلام يصرخ إلى مخلصه لتفسح له الآلام الطريق لبهجة متجددة وتذوُّق جديد لحياة الاتحاد مع الله تحثه على ممارسة أعمال صالحة أكثر[366].

*   "لأنك أنت تنير سراجي"
. ضياؤنا لا يصدر عن أنفسنا، بل أنت يارب الذي تنير سراجي.

"إلهي يضيء ظلمتي". إننا في ظلمة الخطية؛ ولكن آه يارب، أنت تضيء ظلمتي.

القديس أغسطينوس

* مصباحًا واحدًا أنظر، وبنوره أستضيء، والآن أنا في ذهول، أبتهج روحيًا، إذ في داخلي ينبوع الحياة، ذاك الذي هو غاية العالم غير المحسوس.

* إحمل نير ربك بقلبك، وعجب عظمته في عقلك دائمًا، فتسكب فيك نور ربك الوهج الذي يضيء قلبك.

القديس يوحنا سابا "الشيخ الروحاني"

* أيها النور الحقيقي، الذي تمتع به طوبيا عند تعليمه ابنه، مع أنه كان أعمى!

أيها النور، الذي جعل اسحق - فاقد البصر - يعلن لابنه عن مستقبله!

أيها النور غير المنظور، يا من ترى أعماق القلب البشري!

أنت هو النور، الذي أنا عقل يعقوب، فكشف لأولاده عن الأمور المختلفة!...

أنت هو الكلمة القائل: "ليكن نور"، فكان نور. قل هذه العبارة الآن أيضًا، حتى تستنير عيناي بالنور الحقيقي، وأميّزه عن غيره من النور...

نعم، خارج ضياءك، تهرب الحقيقة مني، ويقترب الخطأ إليّ. يملأني الزهو، وتهرب الحقيقة مني!

القديس أغسطينوس

إذ يضيء الرب النفس - أرض المعركة الروحية - لا يقوى عدو الخير بكونه مصدر الظلمة الداخلية أن يقف أمامه، إذ يقول المرتل:

"لأني بك أنجو من البلوى (التجربة).

وبإلهي أثب السور" [29].


وبحسب النص العبري: "لأني بك اقتحمت جيشًا، وبإلهي تسوَّرت أسوارًا". المؤمن ضعيف جدًا بذاته، لكنه يتسلق الأسوار بل ويثب عليها؛ هذه الأسوار يضعها العدو كعوائق ضد ثقته بالله. بالله يجتاز المرتل كل تجربة وكل ضيقة بنصرات متجددة، محطمًا مدن العدو الحصينة.

*   ليس بقوتي الشخصية لكن بقوتك أنت وحدك أتغلب على التجربة...

بمعونة الله وليس بقدرتي أقفز (أو أثب) على السور الذي أقامته الخطية بين الإنسان وأورشليم السماوية.

القديس أغسطينوس

*   مكتوب: "بإلهي أثب السور"، سور الشر الذي يفرق الإخوة ويثير الانقسامات بينهم، ويحيد بهم عن الحق[367].

البابا أثناسيوس الرسولي

*   لقد عرف (المرتل) أن قوة المؤمنين تكمن في تقديم الشكر لله، إذ بفرحهم يقفزون فوق أسوار الأعداء، وذلك مثل القديسين القائلين: "... بإلهي أثب السور"[368].

البابا أثناسيوس الرسولي

إلهنا هو يضيء حياتنا، ويرفعنا فوق كل تجربة فلا نتحطم، ويثب بنا فوق كل الحواجز... طريقه طريق ضيِّق وصعب لكنه عذب ومملوء أمانًا، لذا يقول المرتل:

"إلهي طريقه نقية،

كلام الرب مُختبر بالنار،

وهو ناصر جميع المتكلين عليه" [30].


طريق الرب الضيق نقي، من يدخله يدرك كمال الطريق من جهة الحب والرحمة والعدالة والقداسة والصلاح والأمان والضمان والنجاح. علينا أن نبدأ الطريق الإلهي وننتظر لنرى نهايته. الله في معاملاته مع شعبه كجماعة كما مع كل عضو منها بعيدة كل البعد عن الخطأ إذ هو أمين في عهده، وقادر على تحقيق وعوده في اللحظات الحاسمة، واهب النصرة الأكيدة للمتكلين عليه.

*   عندما يتخلى إنسان عن إرادته الذاتية يتطلع في الحال إلى طريق الله بكونها بلا عيب، ليس فيها عوائق، أما إذا اعتدّ الإنسان بإرادته الذاتية فأنه لا يرى طريق الرب بلا عيب أو بدون عوائق[369].

الأب دوروثيؤس من غزة

*   "هو ناصر جميع المتكلين عليه". كل من يتكل على المسيح لا على الأنا، يجتاز التجربة بسلام، لأن الإيمان يوّلد رجاءً.                         

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 18 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الجزء الثاني: نعمة الملوكية
1. الاعداد لنعمة الملوكية:

يبدأ الجزء الثاني من المزمور باعلان يترنّم به مجموعة من المرتلين في العبادة الجماعية، يسبحون به الله في شكل سؤال بلاغي: "لأن مَن إله غير الرب؟! أو من هو إله سوى إلهنا؟!" [31]. هنا يقارن المرتل بين الله "يهوه" والآلهة الأخرى التي يتعبد لها الأمم، ممجدًا سموه العالي.

في الأعداد [32-36] أُعد داود لاعتلاء مركزه، حيث ينال نعمة الملوكية.

الله هو المعلم والمدافع عن البطل الملك داود؛ إذ يمنحه قوة لا تُقهر، وسرعة حركة فيطأ المرتفعات بخطوات واسعة في ثقة بإلهه (تث 33: 29؛عا 4: 13؛ ميخا 1: 3). الله هو الذي يدرب الملك فيحسن استخدام الأسلحة، يهبه الحماية بالترس الإلهي، فلا تخور قوته، يعضده بقدرته الإلهية "يمينه". غير أن تمتع المرتل بنعمة الملوكية وقوة النصرة لا تدفعه إلى الكبرياء والاعتداد بذاته، إذ هو يعلم ضعف بشريته.

"الله الذي يمنطقني بالقوة

وجعل طريقي بلا عيب" [32].

إذ يقيم الله الإنسان ملكًا روحيًا يمنطق حقويه بالقوة، فيمتلئ حيوية وحقًا وقداسة! يسير في طريق الله الملوكي الذي بلا عيب كأنه طريقه هو، يحمل قوة الله عاملة فيه وأيضًا بره وقداسته. بهذا ينطلق إلى أرض المعركة بلا خوف، لأنه ليس للعدو - إبليس - موضع في قلبه. الخطية التي نزعت عن الإنسان كرامة الملوكية وسلطانها يحطمها الله المخلص ليرد إليه نعمة الملوكية الكاملة والغالبة.

"ويثبت رجليّ كالإيل،

ويقيمني على أعاليه" [32].

الإيل أو أنثى الظبي مدهشة في حركتها ورشاقتها، تستطيع أن تقفز إلى مسافات كبيرة، وتجري بسرعة عظيمة، ورغم خجلها بطبيعتها لكن عند إثارتها للمباراة تصير مقاتلاً مدهشاً يقاتل بالقائمتين. الاشارة هنا إلى سرعة هذا الحيوان يستخدمها داود النبي ليس فقط ليعلن عما وهبه الله من سرعة الحركة فلا يكون في متناول يد أعدائه، وإنما ليشير

أيضًا إلى هجومه على العدو الشرير[370].

نلاحظ هنا في نعمة الملوكية لا يقف الإنسان مدافعًا ضد العدو وإنما أيضًا يهاجمه، لأنه جندي صالح لحساب ملكوت الله. "يكون الهجوم بالحب والصلاة الدائمة ضد الشر لا ضد نفوس الخطاة". وقد عبّر المرتل عن الصلاة الهجومية والحب الغالب بقوله: "بإلهي أثب السور" [29]؛ أي يقفز بالحب والصلاة إلى مدينة العدو ليحطم الشر وينقذ النفوس الأسيرة.

خلال نعمة الملوكية يتحرك المؤمن كالإيل بسرعة فائقة في محبة المسيح وفي الشهادة له وفي ممارسة كل فضيلة خاصة حب الآخرين، ومع نهاية كل حركة يقيمه الله على مرتفعاته (أعاليه) فلا يلحق به إبليس ولا يمسه شر!

*   "ويثبت رجليّ كالإيل". جعل حبي كاملاً فأستطيع القفز فوق أشراك هذا العالم الشائكة الشريرة. "ويقيمني على أعاليه"، أي يركز نظراتي على المسكن السماوي حتى أبلغ إلى ملء الله (أف 3: 19).

القديس أغسطينوس

مع كل حركة حب وجهاد في الرب يرفعني بتعزياته الإلهية كما إلى جبله المقدس ليعلن لي بهاء مجده داخلي، فأعود من جديد لأدخل في معركة جديدة روحية، لا ضد لحم ودم بل ضد أجناد الشر الروحية في السمويات (أف 6: 12)، لذا يكمل المرتل: قائلاً:

"الذي يُعلّم يديَّ القتال،

وجعل ساعديَّ أقواسًا من نحاس.

ومنحني نصرة خلاصي،

ويمينك عضدَّتني" [34-35].

*   يعلمني الله أن أكون ماهرًا في القتال ضد المقاومين (الشياطين) الذين يهدفون إلى إقامة حاجز يحجبني عن ملكوت السموات.

القديس أغسطينوس

إنها سلسلة لا تنقطع من الحروب، يتبعها نصرات متتالية، وتمتع متجدد بقوة الله الغالبة بنا وفينا. يقول الرسول: "إذ أسلحة محاربتنا ليست جسدية، بل قادرة بالله على هدم حصون، هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح" (2 كو 10: 3-5). ويقول المرتل: "يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات، وأنت لا يقتربون إليك" (مز 91: 7).

+ إقرأ مزمور 18 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. استسلام الأعداء:

مع كل خبرة جديدة يتشدد قلب المؤمن ليجاهد خلال نعمة الملوكية حتى المنتهى، قائلاً:

"أوسعت خطواتي تحتي

وعقباي لم يضعفا.

أطرد أعدائي فأدركهم،

ولا أرجع حتى يفنوا" [36-37].

*   إذ أتقوى بقوتك لذلك أنطق بالكلمات التالية بجسارة: "أطرد أعدائي فأدركهم ولا أرجع حتى يفنوا"[371].

القديس يوحنا كاسيان

توسيع الخطوات أو مكان الوقوف يعطي ثباتًا وشجاعة لا يمكن أن يهزهما شيء ما.

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن القديس بولس يشبه داود النبي في قتاله ضد عدوه، فكان يجري بسرعة من أمامه. [هكذا كان بولس مقاتلاً سريع الحركة ورشيقًا، وكان داود يوسّع خطواته أثناء تعقبه عدوه، وأيضًا العريس في سفر النشيد يشبه الظبي يقفز بسرعة على الجبال، طافرًا على التلال (نش 2: 8-9)[372]].

ظن العمالقة أنهم غلبوا وانتصروا إذ هربوا بالأسرى والغنيمة بعدما أحرقوا صقلع بالنار، لكن داود النبي استشار الرب وانطلق يتقبهم حتى أدركهم وكسرهم واسترد كل ما أخذوه (1 صم 30). وهكذا إذ نسلك حسب مشورة الله ونستند على نعمته الغنية تهرب الخطايا وتذوب قلوب الشياطين من أمامنا، نلحق بهم ونسترد كل ما قد فقدناه!

بقوله: "لا أرجع حتى يفنوا" يعلن المرتل أنه لم يقف عند نواله نصرة ما أو حتى سلسلة نصرات، إنما يجاهد حتى يبلغ كمال النصرة، حتى يتدمر العدو تمامًا... الأمر الذي لم يتحقق بداود – بصورة كاملة - وإنما بالسيد المسيح ابن داود، الذي غلب مملكة الظلمة، واهبًا هذه النصرة لمؤمنيه، حتى بصليبه لا يُترك في قلوبهم أو أفكارهم أو كلماتهم أو أعمالهم أثرًا للخطية، فيترنم كل واحد منهم قائلاً: "أطرد أعدائي فأدركهم، ولا أرجع حتى يفنوا" وكما يقول القديس بولس: "إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا" (رو 16: 20).

*   لا تكف عن ملاحقتي حتى يفنى شري، وأعود إلى رجُلي الأول، الذي يعطيني صوفي وكتاني، زيتي ودقيقي، ويقوتني بأغنى الأطعمة. إنه هو الذي سيَّج حولي، وأغلق عليّ طرقي الشريرة، حتى أجده بكونه الطريق الحقيقي، القائل في الإنجيل: "أنا هو الطريق والحق والحياة"[373].

القديس جيروم

*   ليس المصارعون وحدهم هم الذين أحيانًا يلقون آخرين أرضًا وأحيانًا يسقطون هم بدورهم، فإن الشياطين أيضًا تصارع ضدنا، أحيانًا تلقينا إلى أسفل وأخرى نلقيهم نحن إلى أسفل. يقول المرتل: "أضيّق عليهم (أسحقهم) فلا يستطيعون الوقوف" [38]، وأيضًا: "عندما يقترب مني الأشرار ليأكلوا لحمي، الذين يضايقونني وأعدائي هم ضعفوا وسقطوا"[374].

القديس أوغريس من بنطس

*   إذا صليت ضد آلامك (شهواتك الشريرة) والشياطين التي تهاجمك، تتذكر ذاك الإنسان القائل: "أطرد أعدائي فأدركهم، ولا أرجع حتى يسقط جميعهم. أسحقهم فلا يستطيعون الوقوف، يسقطون تحت قدميَّ إلخ..." تقول هذا في الحظة الحاسمة التي فيها تتسلح ضد خصمك بالاتضاع[375].

القديس أوغريس من بنطس

*   "أذريهم كالهباء أمام وجه الريح" [42]. أحوّلهم إلى غبار، لأنهم رفضوا اغداق نعمة الله عليهم. إنهم مختالون بأنفسهم ومتعجرفون بكبريائهم، فحُرموا من صلابة الرجاء الذي لا يتزعزع، صاروا كغبار يُدفع بعيدًا عن الأرض الصلبة الثابتة.

القديس أغسطينوس

هكذا بعدما أعلن المرتل أن الله هو سرّ قوته ونصرته، فلا يهرب من ساحة القتال بل يهاجم الخطايا ويبث الحرب على الشياطين، يحطم أسوارهم الواهية، ويبدد طاقتهم، ويقتفي آثارهم حتى يهلكهم تمامًا... الآن يكشف عن ضعف العدو المعتدّ بذاته ومتعجرف حتى على الله نفسه.

يصور المرتل حال العدو هكذا:

أ. إنهم هاربون أمامه في غاية الضعف: "يجعل الرب أعداءك القائمين عليك منهزمين أمامك، في طريق واحدة يخرجون عليك، وفي سبع طرق يهربون أمامك" (تث 28: 7).

ب. يسقطون واحد وراء الآخر حتى يفنى الكل [38]، ويستأصلهم الرب [41].

ج. يصيرن في مذلة تحت قدميه.

د. يصرخون وليس من يخلص أو يستجيب [42].

ه. يصيرون كالهباء ليس لهم قيمة ولا موضع استقرار، يود الكل أن يتخلص منهم؛ ومثل طين الشوارع يدوسهم المرتل [42]. بينما يصير المؤمن كالجبل العالي المستقر المرتفع نحو السماويات يصير العدو كطين الشوارع تحت الأقدام!

+ إقرأ مزمور 18 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. رئاسة على الأمم:

"نجني من مقاومات الشعب،

وتقيمني رأسًا على الأمم.

الشعب الذي لم أعرفه تعبدّ لي.

وبسمع الآذان أطاعني.

أبناء الغرباء كذبوني.

أبناء الغرباء تعتقوا وتعرجوا من سبلهم" [ 43-45].

لا يمكن أن تتحقق هذه الكلمات بالكامل إلا في شخص ربنا يسوع المسيح، ابن  داود، الذي نزل إلى عالمنا، وصار ملكًا على جميع المؤمنين القادمين من الأمم؛ هو ملك الملوك (رؤ 17: 14). الشعب المذكور هنا هو كنيسة العهد الجديد، أما أبناء الغرباء فهم اليهود الذين صاروا غرباء. لقد أراد السيد المسيح أن يجددهم خلال العهد الجديد، لكنهم تمسكوا بالإنسان العتيق (تعتقوا) (يو 8: 34-59). لهذا لا يدعون بعد شعب الله ولا أمة مقدسة بل حكام سدوم وشعب عمورة، بل فاقوا بهذا إثم سدوم، لذلك قيل: "سدوم مبررة أمامي" (حز 16: 48؛ مرا 4: 6).

*   "وبسمع الآذان أطاعني"؛ لم تراني أعينهم قط، لكنهم بقبولهم الكارزين بي أطاعوا أول نداء لصوتي.

القديس أغسطينوس

*   "أبناء الغرباء تعتقوا". أبناء لا يستحقون أن ينسبوا لي، بل هم غرباء وبحق دعوا هكذا... صار هؤلاء البنون غرباء، هؤلاء الذين أردت أن أجدد شبابهم حسب تدبير العهد الجديد، لكنهم لبثوا في إنسانهم العتيق. إنهم "تعرجوا من سبلهم". يزحفون بقدم واحد (كعرج) مكتفين بالعهد القديم، رافضين العهد الجديد بشدة، فصاروا عُرجًا. حتى في اتباعهم الناموس القديم فضَّلوا تقليداتهم الخاصة بهم عن تقليدات الله؛ حسبوا عدم غسل الأيدي جريمة، وما إلى ذلك من طرق سلكوها، متجاهلين طريق وصايا الله.

القديس أغسطينوس

*   حقًا إنه لأمر يدعونا للعجب، كيف أن الذين نشأوا على (معرفة) الكتب النبوية، الذين كانوا يسمعون موسى كل يوم يخبرهم عشرة آلاف أمرًا يخص مجيء المسيح، ثم جاء الأنبياء الآخرون من بعده، وقد عاينوا المسيح نفسه يصنع المعجزات كل يوم في وسطهم، مكرسًا كل وقته لهم وحدهم، ولم يكن قد سمح بعد لتلاميذه أن يسلكوا في طريق الكرازة للأمم، أو الدخول إلى مدينة السامريين، كما لم يفعل هو ذلك، معلنًا في كل موضع أنه قد أُرسل إلى خراف بيت إسرائيل الضالة (مت 10: 5)... (أقول) كيف أنهم بالرغم من رؤيتهم للعلامات وسماعهم للأنبياء وكيف كان يذكّرهم المسيح بنفسه باستمرار، مع ذلك صيَّروا أنفسهم عميانًا وأغبياءً تمامًا فإن كل هذه الأمور لم تأتِ بهم إلى الإيمان بالمسيح (مت 15: 24). أما الأمم الذين لم يتمتعوا بشيء من هذه الأمور، إذ لم يسمعوا صوت الوحي الإلهي قط، أو كما يقول قائل، ولا حتى في حلم، بل كانوا دومًا مبلين بشعرائهم الأغبياء، مستعبدين للأصنام والحجارة، ولم يقتنوا شيئًا ذات معنى أو صالحًا لا في عقائدهم ولا في أحاديثهم... وبالرغم من سقوطهم كما إلى أعماق الشر، فجأة كما لو كان بقوة آلية ظهروا أمامنا مضيئين من العلاء، ومن أعلى قمة السماء؟![376].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   قدم الأنبياء الاعلان؛ لكن ما هو هذا "الشعب" الذي كان يجهل الله، إلا شعبنا الذي لم يعرف الله في الماضي؟ والشعب الذي انتبه إلى الله عندما سمع عنه بالآذن، فتحولنا إليه بعدما هجرنا الأوثان؟[377].

العلامة ترتليان

هكذا دُعي اليهود للتمتع بالبنوة لله لكن الذين جحدوا المسيح ورفضو النبوات صاروا أبناء الشيطان... وكما يقول القديس إيريناؤس: [الذين لا يؤمنون ولا يطيعون إرادة الله هم أبناء الشيطان وملائكته، إذ يصنعون أعماله. هذا هو الحال كما أعلن الله في إشعياء: "ربيت بنين ونشأتهم؛ أما هم فعصوا عليّ" (إش 1: 2). مرة أخرى يقول إن هؤلاء البنين صاروا بني الغرباء يكذبون عليّ [45]. فبحسب الطبيعة هم أبناء، إذ هكذا خُلقوا، لكن حسب أعمالهم لم يعودوا أبناء له[378]].

+ إقرأ مزمور 18 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


4. حمد وشكر:

تقدم الحرب الروحية خبرات جديدة للنصرة بالرب، تدفع القلب كله إلى حياة التهليل. وكأن تسبيح الرب والتهليل إنما يتحقق خلال الحرب الروحية، فيقول المؤمن المجاهد مع المرتل:

"حيّ هو الرب، ومبارك هو إلهي،

ويتعالى إله خلاصي...

من أجل هذا اعترف لك يارب في الأمم.

وأُرتل لاسمك يا معظم خلاص ملكه.

وصانع الرحمة بمسيحه، داود وزرعه إلى الأبد" [46-50].

هكذا يسبح داود النبي الله الذي وهبه نعمة الملوكية، وسنده بنصرات متوالية. إنه يمجد الله ويرتل لاسمه، مخبرًا بأعماله العجيبة الكريمة، التي رفعته ليعتلي العرش.

هنا يعترف داود كملك أنه "ملك لله"، على خلاف شاول الذي رفضه الله.

ليتنا نتهلل بالله واهبنا نعمة الملوكية، هذا الذي مسحنا بروحه القدوس لنصير ملوكه هو!

+ إقرأ مزمور 18 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


نعمة الملوكية

*   أشكرك يا مخلصي يسوع، يا ملك الملوك.

لقد هاج الأعداء عليّ حتى الموت، أما أنت فوهبتني الحياة والغلبة!

توَّجتني بالمجد والكرامة، واهبًا إياي نعمة الملوكية،

أقمتني ملكًا، وأعطيتني سلطانًا، فلا أعيش بعد أسيرًا في مذلة العبيد!

*   كن ناصري، بك أتبع العدو إبليس وكل أعماله الشريرة حتى أدركهم وبك أفنيهم!

هب لي قوة من لدنك، فأهاجم العدو وأثب على أسواره لأحطمه!

*   مع كل معركة هب لي نصرة تدخل بي إلى التهليل!

لأسبحك كل أيام حياتي وأشهد لك أمام الكل.

*   أجتذبُ الغرباء إليك، فيصيروا معي أهل بيت الله!

 

+ إقرأ مزمور 18 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 19 PDF Print Email

الله يعلن عن ذاته

مناسبة كتابية:
ربما كان داود يتأمل جمال السموات وقت السحر حين أُلهم بكتابة هذا المزمور.

يرى بعض الدارسين أن هذا المزمور يحوي تسبحتين منفصلتين[379] [1-6؛ 7-14]، بينما يؤكد آخرون وحدة المزمور. فهو يظهر أن الله يعلن عن نفسه بإصدار ثلاثة كتب لتثقيف ابن ائه، هي: الخليقة، والكتاب المقدس، والخبرة اليومية أو معاملات الله معنا كل يوم.

تعلن الخليقة عن قدرة الله ومجده، أما كلمته فتعرفنا حب الله الخلاصي من أجل تقديسنا، أي تعلن عن قداسته. ومن خلال خبرتنا اليومية نكتشف العلاقة الشخصية بين الله وكل عضو من أعضاء الكنيسة، التي تتحقق خلال نعمته الإلهية.

هذا المزمور هو تسبحة حمد لإله الكون "الوهيم" [1-6]، الذي يُظهر صدى كلمته السرية وبهاء لاهوته في السماء والأرض. يمجد المزمور الرب "يهوه" الذي له علاقة فريدة بشعبه تحيي كل جانب من جوانب وجودهم وتُضفي عليهم بالبهاء، بكونهم كنيسته الواحدة [7-11] وكأعضاء فيها [12-14].

يقول Stuhlmueller:

[يحمل مزمور 19 تفاؤلاً روحيًا واتجاهًا مسكونيًا قويًا.

1. يتضمن تقديرًا خاصًا للكون في كليته؛ عالمنا يتخلله مجد الله!

2. يجب ألا يفسر سرّ الكون ولا يطبق فقط على حياتنا اليومية خلال القوانين الطبيعية، إذ يلزم ألا يضيع سرّه أو يتلاشى في موكب الحياة. فالمزمور يطلب منا أن نحفظ سرّ الإيمان في كل تعاليمنا وتفسيرنا للكون.

3. يجب أن يوجد صدى (أو تفاعل) بين ليتورجية الكون وليتورجية الهيكل (كأن الطبيعة في شهادتها لعمل الله لا تنفصل عن عبادتنا في الكنيسة).

4. الخطية ليست دائمًا هي ثمرة الإرادة الشريرة، لكنها قد تلقى بظلالها حتى على المثاليات والصلاح في ضمير الإنسان المرهف الحس[380]].

+ إقرأ مزمور 19 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الإطار العام:

1. إعلان الخليقة            [1-6].

2. إعلان الكتاب المقدس    [7-11].

3. إعلان الحياة اليومية     [12-14].

+ إقرأ مزمور 19 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. إعلان الله في الخليقة:

تحمل خلقة الله العجيبة شهادة له كخالق. يقول القديس بولس: "لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته" (رو 1: 20). الخلقة هي الشاهد الأول لله عند البشر، خليقته، بكونها لغة يفهمها الطفل ويستمتع بها الفيلسوف والعالم. لا توجد قطعة شعرية تحمل دلائل ضد الإلحاد أروع وأفضل مما ورد في هذا المزمور. في عودة نابليون من مصر خلال البحر الأبيض المتوسط سمع أحد ضباطه يتفوه بصراحة بكلمات إلحادية، عندئذ أشار نابليون إلى النجوم، وقال: "من صنع هذه؟" ولم يكن للإلحاد إجابة[381].

أعمال الله في الخليقة تشهد لله ليس بكونه القدير وكلي الحكمة فحسب بل بكونه الآب الذي يهتم بالكبائر والصغائر.

قيل إن إلهنا قد أصدر كتابين: كتاب الخليقة فيه نقرأ عن قدرة الخالق ولاهوته؛ والكتاب المقدس الذي يعرفنا إرادة الله[382].

كانت الخطورة الكبرى في العصور الأولى أن يؤلّه الإنسان في ضعفه قوى الطبيعة التي لم يعرف كيف يتحكم فيها؛ أما اليوم إذ يظن الإنسان أنه قادر على ذلك يؤلّه نفسه؛ أما المرتل فقد أدرك بوضوح قوة الله وحكمته في الطبيعة[383].

الأعداد [1-6] هي "مزمور الطبيعة"، يشبه المزمور 8، مع تركيز أعظم على إظهار إبداع الله، متأملاً في شيء من الرهبة جلال الله المعلن في الخليقة. انعكاس فكر كاتب المزمور 8 يكمن بالأكثر في لبعلاقة بين الخالق وخليقته، أما موضوع المزمور (19: 1-6) فقد ركز بالأكثر على إعلان الله في الخليقة. كل الخليقة هي في خدمة الله، واجبها أن تتغنى بحمد الله وأن تكون أداة للاعلان عنه. السموات والجَلَد والنهار والليل كلها شهود وُهبت القدرة على الحديث عن الجلال الإلهي وعظمة عمل الخالق. فالسيد يُعرف خلال عمله[384].

v أعطى الله بواسطة كلمته، للكون ترتيبه وتدبيره، حتى يمكن للبشر أن يتعرفوا عليه بطريقة ما خلال أعماله ما دام هو بطبعه غير منظور. غالبًا ما يُعرف الفنان بأعماله حتى وإن لم يره الشخص[385].

البابا أثناسيوس الرسولي

v ربما تصمت السموات، لكن التطلع إليها يصدر صوتًا أعلى من صوت البوق، يثقفنا لا بسماع الأذن وإنما باستخدام العين، فإن الأخيرة (تقدم معلومات) أكثر تأكيدًا ودقة من الأولى[386].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لا يذكر "الله" في هذا القسم [1-6] إلا مرة واحدة. وقد استخدم إسم "إل EL"، أي القدير، بكونه إسم الله كخالق. أما في الأقسام التالية للمزمور حيث يعلن الله عن ذاته خلال كلمته وخبرتنا اليومية، فيستخدم إسم "يهوه"، الاسم الخاص به كإله يقيم عهدًا. وقد رفض Gaebelein النظريات القائلة بوجود كتَّاب لأسفار موسى الخمسة استخدموا لقب الله "الوهيم" وآخرين استخدموا "يهوه"، وكأنه على الأقل يوجد كتابين لكل سفر أو مصدرين مختلفين للسفر الواحد مصدر الوهيمي والآخر Jehovish، الأمر الذي أثاره النقاد لمحاولة إنكار أن كاتب هذه الأسفار هو موسى النبي. يقول Gaebelein: [في الأصحاح الأول من الكتاب المقدس الذي يحتوي على بيان تاريخي للخليقة، جاء اسم الله "الوهيم" جمع "إل"، بينما في الأصحاح الثاني حيث يُرى الله مع الإنسان - خليقته - أُضيف استخدام "يهوه"[387]].

"السموات تذيع مجد الله" [1]. السموات هي الكتاب الذي يمكن للعالم كله أن يستقي منه معرفته بالله. يكشف علم الفلك عن بعض عجائب السموات غير المدركة. القليل الذي نعرفه عن ملايين النجوم والمجموعات الشمسية يكشف عن مجد الله، كما يقدم لنا شعورًا بالفرح إذ خلق الله الكون كله لأجلنا. فنحن الخليقة الترابة ننظر إلى فوق نحو السموات، متأملين أعمال الله، ممجدين إياه، لا نعيش كالحيوانات متطلعين بأنظارنا إلى أسفل نحو الرض.

v ألا تسمع السموات وهي تبعث صوتًا خلال الرؤية (أي تتحدث معنا خلال تطلعنا إليها)، بينما ينطق النظام العجيب في كل الأمور بأكثر وضوح من بوقٍ؟

ألا ترى ساعات الليل والنهار مترابطة معًا بلا توقف، النظام البديع للشتاء والربيع وغيرهما من فصول السنة كأمر ثابت أكيد، والتزام البحر حدوده رغم دواماته وأمواجه؟ هكذا ترتبط كل الأمور بنظام مع جمالٍ وإبداع، كارزة بالخالق بصوت عالٍ[388]!

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   التناغم الرائع الذي للسموات يعلن عن الحكمة التي تشع في الخليقة وتبرز عظمة مجد الله من خلال الأمور المنظورة[389].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

v إن كانت المخلوقات عظيمة هكذا فكم تكون عظمة الخالق؟ إن كان هكذا جمال الأشياء المصنوعة، كم بالحري يكون جمال المهندس الأعظم صانع الكون؟![390].

ثيؤدورت أسقف قورش

يبدأ هذا المزمور بالسموات؛ ويرى القديس أغسطينوس أن السموات هي البشيريين والرسل الذين يغيرون حياتنا الأرضية إلى حياة سماوية بقوة الروح القدس. الجَلَد الذي يخبر بعمل يدي الله، هو الحياة السماوية التي يتمتع بها المخلَّصون.

السموات هي الكنيسة الحقيقية المقدسة هي التي يسكنها المخلص السماوي. إنها تشترك في التسابيح الملائكية وفي الشركة مع السمائيين. بحياتها السماوية تحمل قوة الشهادة لمخلصها المؤثرة أكثر من أي جدال آخر.

v "السموات تحدث بمجد الله" [1]. الإنجيليون القديسون، الذين يسكن الله في داخلهم كما في السموات يعلنون عن مجد ربنا يسوع المسيح، أو ربما المجد الذي قدمه الابن للآب في حياته على الأرض.

*   السموات هي القديسون، الذين يرفرفون فوق الأرض، حاملين الرب.

v إننا عمله، مخلوقون في المسيح يسوع لأعمال صالحة (أف 2: 10)؛ حقًا خلقنا الله ولم نخلق أنفسنا، ليس بشرًا فحسب وإنما خلقنا أناسًا أبرارًا إن كنا هكذا.
القديس أغسطينوس

يقول إشعياء النبي: "إرفعوا إلى العلاء عيونكم وانظروا من خلق هذه؛ من الذي يُخرج بعدد جندها يدعو كلها بأسماء، لكثرة القوة وكونه شديد القدرة لا يُفقد أحد" (إش 40: 26).

v إن كنت تشك في عناية الله سلْ الأرض والسماء والشمس والقمر. سلْ الكائنات غير العاقلة والزروع... سلْ الصخور والجبال والكثبان الرملية والتلال. سلْ الليل والنهار؛ فإن عناية الله أوضح من الشمس وأشعتها، في كل مكان: في البراري والمدن المسكونة، على الأرض وفي البحار... أينما ذهبت تسمع شهادة ناطقة بهذه العناية الفائقة[391].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v حقًا إن السموات بجمالها وعظمتها وما إلى ذلك تُدهش المتطلع إليها، وتجتاز به إلى العجب بالخالق؛ أما بالنسبة للنهار والليل، هل يمكن لهما أن يقدما لنا ذات الشيء؟ بلا شك، لا يقدما ذات الأمر، لكن ما يقدماه ليس بأقل مما تقدمه السموات، مثل التناسق والنظام الذي يتبعاه بدقة[392].

القديس يوحنا الذهبي الفم

"يوم إلى يوم يبدي كلمة،

وليل إلى ليل يظهر علمًا" [2].


كل الأيام والليالي هي ينابيع تفيض بمجد الله وتعلن مراحم الله ورعايته المتجددة في حياتنا. تفتح قلوبنا بالحب المتجاوب مع حب الله فنسمع صوته الإلهي إلينا بكلمة خاصة بنا، وينير أذهاننا بالعلم الروحي والمعرفة.

مع كل نهار إذ يشرق شمس البّر ينطق المؤمنون بكلمات جديدة تعكس تجديدهم

المستمر وخبرتهم مع الثالوث القدوس. تصير حياتهم ينبوعًا يفيض مياه حية بلا توقف.

لا يعبر يوم إلا ويُظهر الله شهادة واضحة عن قدرته وحنِّوه. يساهم كل يوم في تقديم برهان جديد على أبّوة الله الحانية لنا.

ونحن من جانبنا نشهد لإلهنا نهارًا وليلاً، أعني في الفرج والضيق. نشكر إلهنا على عطاياه، ونصلي إليه بثقة عندما يحل بنا ضيق. النهار والليل ينطقان معًا في حياتنا، معلنين حب الله.

يمكننا أيضًا القول بإننا نمجد إلهنا نهارًا وليلاً، يكون النهار رمزًا للعمل والليل رمزًا للتأمل في الله... نمجده بجهادنا بنعمته وأيضًا بتأملنا في أسراره؛ وإن كان العمل والتأمل يمثلان حياة واحدة متكاملة.

يرى القديس أغسطينوس أن النهار يشير إلى الروحانيين وأن الليل يشير إلى الجسدانيين؛ بالإيمان الحيّ يتمجد الله في هؤلاء وأولئك...

*   "يوم إلى يوم يبدي الكلمة". يعلن الروح للروحيين عن "حكمة الله" غير المتغير في كماله، وأن الكلمة الذي كان مع الله من البدء هو الله (يو 1: 1).

"وليل إلى ليل يظهر علمًا"؛ هذا الجسد القابل للموت الذي يقدم الإيمان إلى غير الروحيين يصرخ إليهم كما لو كانوا واقفين بعيدًا عن المعرفة التي تتبع الإيمان.

القديس أغسطينوس

"ليس أقوال ولا كلام،

الذي لا تُسمع أصواتهم،

في كل الأرض خرج منطقهم،

وإلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم" [3-4].


تشهد الكنيسة للإنجيل بحياتها أكثر مما بكلماتها. إذ يسكن كلمة الله في حياتنا الداخلية ينطق للآخرين حتى بصمتنا. بالحياة المقدسة في المسيح نعلن عن الأخبار السارة خلال الصمت كما بالكلمات.

*   كل جنس وكل لسان يسمع إعلانات الليل والنهار. لسان يختلف عن لسان، ولكن الطبيعة واحدة وتقدم ذات الدرس بالنهار كما بالليل[393].

ثيؤدورث أسقف قورش

*   من لم يسمع أصوات الرسل وهم يكرزون بالإيمان بكل لسان؟!

القديس أغسطينوس

v بينما في تلك الأيام كان يُكرز بالناموس من دان إلى بئر سبع، الآن "في كل الأرض خرج منطقهم" (رو 10: 18؛ مز 19: 3)، وعَبَدَ الأمم المسيح، وبه عرفوا الآب[394].

القديس أثناسيوس الإسكندري

*   بلغ صوت الرسل إلى كل الأرض، وبلغت أقوالهم إلى أقاصي العالم[395].

القديس جيروم

*   لقد سُمع عنه في كل أقطار العالم وآمنوا به كما سبق فأظهر النبي، قائلاً: "بلغت أقوالهم إلى أقاصي العالم"[396].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   بمن آمنت أمم العالم إلا بالمسيح الذي جاء فعلاً؟!

v مرة أخرى يقول داود في المزامير: "تعالوا إلى الله يا مدن الأمم، وذلك بلا شك لأنه "إلى كل الأرض" بلغت كرازة الرسل. قدموا للرب مجدًا وكرامة، قدموا لله ذبائح لاسمه، خذوا ذبائح وادخلوا إلى دياره"[397].

v لديكم نبوة عن عمل الرسل: "ما أجمل أقدام المبشرين بإنجيل السلام، تجلب الأخبار الصالحة، وليس أخبار حرب أو أخبار شر". "في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقطار المسكونة بلغت كلماتهم"، بمعنى أن كلماتهم التي حوت الشريعة الصادرة من صهيون وكلمة الرب الصادرة من أورشليم قد انتشرت كما كتب: "الذين كانوا بعيدين عن بِرّي صاروا قريبين من بِرّي ومن الحق"[398].

العلامة ترتليان

"جعل في الشمس مظلته (مَقدِسَه)،

وهو مثل العريس الخارج من خدره" [5].


الشمس في العبرية كما في الآرامية "مذكر"، لهذا تقارن الشمس بالعريس. السيد المسيح - العريس السماوي - هو شمس البر الذي يشرق والشفاء في أجنحته (ملا 3).

في كبد السماء نصبت الشمس خيمتها، وتبدو كأنها تسير مثل ملك جبار في موكب علني عالمي، تشع ببهائها على مشارق الأرض ومغاربها... إنها كملك يرحل، يضرب خيمته ثم سرعام ما يخلعها ويرحل إلى موضع آخر.

تشرق الشمس بنورها وتبعث حرارتها لتهب حياة، هكذا جاء شمس البر يشرق على نفوس مؤمنيه في المشارق والمغارب ليهبهم إستنارة ودفئًا روحيًا وحياة متجددة على الدوام.

*   إنه هو الذي يعد خيمته - الكنيسة - في الشمس، على مرأى من جميع الناس.

القديس أغسطينوس

v إن كانت (الشمس) تظهر هكذا، لكن (المؤمنين) يظهرون في أكثر مجد، فإن الشمس تشرق لتنير العالم بالنور الطبيعي أما هم فينيرون العالم بطريقة أخرى، أقصد أنهم ينيرونها روحيًا[399].

القديس يوحنا الذهب الفم

الظلمة في العهد القديم تمثل الخطية والتشويش الكامل، لهذا ساهمت الشمس بصفة خاصة في إبراز غلبة الله. على أي الأحوال، فإن الشمس لا تحمل معنى لاهوتيًا، إنما هي أحد خلائق الله التي يعتني هو بها.

v من ثَم، فأنه جاء في المزمور: "كالعريس الخارج من خدره". لقد خطبنا عروسًا له خلال إعادة ميلادنا سريًا، نحن الذين كنا كفتاة ارتكبت الزنا مع الأوثان (حز 23: 37)، وقد غيّر طبيعتنا إلى عذراوية غير قابلة للفساد. مراسيم الزواج لم تكمل بعد؛ لقد زُفت الكنيسة إلى الكلمة، كما قال يوحنا: "من له العروس فهو العريس" (يو 3: 29). دخلت حِجال العُرسِ السرَّي، وها الملائكة تترقب عودة ملكهم الذي يقود الكنيسة إلى تلك الطوباوية اللائقة بطبيعتها[400].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

يرسل شمس البر حرارة روحه القدوس إلى قلوبنا لكي يلهبها بالحب الإلهي.

يليق بنا أن نلاحظ أن المرتل يرى العريس السماوي كالجبار المسرع فرحًا. إنه يهب المؤمن به فرحه الأبدي، بينما يظهر كجبار أمام الشرير الذي لا يقدر أن يلتقي معه أو يرى مخافيه. أما المؤمنون الذين يتحدون مع العريس فيشاركونه سماته: تصير حياتهم عذبة جدًا ومفرحة وفي نفس الوقت ينالون قوة وسلطانًا للغلبة على الأعداء حتى الموت نفسه. في عبادتنا ننعم بعريسنا المرتبك جدًا بحياتنا الداخلية، إذ نتحد نحن معه؛ وفي ذات الوقت نعبده بمخافة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بإن المؤمن إذ ينعم بالتبني للآب يتشبه بالابن الوحيد، يبعث أشعة روحية في هذا العالم بالمسيح الساكن فيه.

*   ما قيل عن الشمس "كالعريس الخارج من خدره" يمكننا بالحري أن نقوله الآن عن المؤمنين الذين يبعثون أشعة أكثر بهاءًا من الشمس[401].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*   لقد نادوا بالحق ذاته الخاص بصعوده إلى الموضع الذي نزل منه، وأنه لا يمكن لأحد أن يهرب من دينونته العادلة[402].

القديس إيريناؤس

مسيحنا شمس البر يبعث دفء المحبة وأشعتها في قلوبنا لتذيب ثليج جفافنا الداخلي الذي أقامته الخطية في داخلنا ليس فقط من جهة الله والناس بل وحتى من جهة نفوسنا ذاتها، فلا نبالي بنموها ومجدها وأبديتها.

*   تبرد محبة الكثيرين من أجل برود خطاياهم المتزايدة، الذين يصيرون جامدين كالثلج، على أي الأحوال إذ يحل دفء الرحمة الإلهية بهم يذوبون[403].

الأب قيصريوس أسقف آرل

يقول المرتل: "يبتهج مثل الجبار... كالعريس الخارج من خدره" يبرز جانبين متكاملين في عمل السيد المسيح الخلاصي هما البهجة والقوة. أنه يبتهج كعريس يقدم حياته مبذولة عن العالم كله ليقيم باشعة محبته عروسه من كل أمة ولسان، هذه البهجة العاملة إنما هي نصرة على عدو الخير والخطية... يدخل المعركة ليقود مؤمنيه إلى حياة الغلبة. وباتحادنا بعريسنا نحمل روح البهجة مع الغلبة، إذ يقيم داخلنا فردوسًا مبهجًا ومملكة فرح وفي نفس الوقت يقيمنا جنودًا أمناء لا نكف عن مقاومة إبليس وأعماله الشريرة بأسلحة الروح التي تعطينا سلطانًا أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوات العدو.

+ إقرأ مزمور 19 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. شهادة الكتاب المقدس لله:

إن كان الإنسان لا يقدر أن يعيش بدون الشمس التي خلقها الله لأجله، بل أقام الكون كله لأجله، لكنه بالأحرى يجد في كلمة الله ما هو أهم وأعظم. الطبيعة تحدث الإنسان عن مركزه كمخلوق يحتل المركز الأسمى على الأرض، أما كلمة الله فتعلن عن مركز الإنسان كابن لله. في مديح الناموس إنما يمجد المرتل الله نفسه المتجلي في الناموس.

الأعداد الثلاثة الأولى [7-9] أشبه بقطعة ليتورجية، تمجد ناموس الله بكونه هبة إلهية تنير وتقود. كلمة الله كاملة، أمينة، مستقيمة، نقية...

يقدم المرتل ستة ألقاب لكلمة الله، ربما ليشير إلى ستة أيام العمل، وكأنه يليق بنا في جهادنا اليومي أن ننعم بكلمة الله كما بلقب جديد، وبتذوق جديد. كلمة الله لن تشيخ مطلقًا. أما في اليوم السابع، أي السبت والراحة، ففيها نلتقي بكلمة الله نفسه وجهًا لوجه بطريقة لا يُنطق بها.

ألقاب كلمة الله الستة الواردة في هذا المزمور هي: ناموس الرب، شهادة الرب، فرائض الرب، وصية الرب، خشية الرب، أحكام الرب.

"ناموس الرب بلا عيب، يرد النفوس.

شهادة الرب صادقة، تعلم الأطفال" [7].


يقول القديس بولس: "فإننا نعلم أن الناموس روحي، وأما أنا فجسدي، مبيع تحت الخطية" (رو 7: 14). إن كلمة الله ترد النفس حيث تكشف عن الخطايا وتشير إلى طريق الخلاص منها بنعمة الله المجانية ومن جانب آخر فهي تهب المؤمنين البسطاء حكمة من فوق. "وأنك منذ الطفولة تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع" (1 تي 3: 15).

إن كنا قد فسدنا بالخطية فلم يعد فينا أي في جسدنا شيء صالح، كقول الرسول

بولس، فإن ناموس الرب أو كلمة الله بلا عيب، تحمل النفس الفاسدة إلى الصليب لتنهل من الدم الكفاري، فتصير هي أيضًا بلا عيب.

وراء الكلمة المكتوبة يختفي مسيحنا الذي بلا خطية وحده، الكامل، الذي بلا عيب، نتحد به بروحه القدوس فنحمل سماته فينا ونُحسب في عيني الآب بلا لوم، إذ يرى صورة ابنه الوحيد الجنس مطبوعة في أعماقنا.

يقول القديس مرقس الناسك: [إن السيد المسيح "كلمة الله" مخفي وراء الوصية، فمن يدخل إلى الوصية بحياته العملية إنما يلتقي بالمسيح نفسه].

*   ناموس الرب ليس إلا الرب نفسه، الذي جاء لكي يكمل الناموس، وليس لكي ينقضه (مت 5: 17).

القديس أغسطينوس

*   عرف القديسون أن النفس تتطهر والعقل يستنير بحفظ الوصايا[404].

الأب دوروثيؤوس من غزة

تُعلَن إرادة الله في الناموس لكي تعلم وتخلص، لهذا فإن الناموس هو أساس الثقة الثابتة في حب الله المترفق. هكذا نجد صدى الثقة المفرحة لأولاد الله في كل عبارة من عبارات المزمور.

"شهادة الرب صادقة، تعلم الأطفال" [7].

كلمة الرب صادقة، تدعى "شهادة الرب"، تشهد عن مرارة الخطية، وعن صدق وعود الله بالخلاص التي تُقدم للنفوس الواثقة في الرب، كثقة الأطفال البسطاء في والديهم، الذين يلتقون على صدورهم كما على صخرة الحب، يتمتعون بعهده الإلهي الصادق.

"فرائض الرب مستقيمة تفرح القلب،

وصية الرب مضيئة، تنير العينين عن بعد" [8].


كلمة الرب ليست أوامر ونواهٍ تسبب مرارة للنفس، إنما هي علامة حب بين الله والإنسان، تبعث الفرح الداخلي... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لاحظ كيف بدأ المرتل برجوع النفس إلى الله (ترد النفس) ثم تلاها بالتعليم (تعلم الأطفال)، بعد ذلك فرح القلب. عندما تقود الكلمة النفس تردها بالتوبة إلى الحضن الأبوي، فيتعلم كطفل صغير كيف يثق في مشيئة أبيه، ويفرح داخليًا بتحقيق إرادة الله أبيه فيه. أفراح العالم تقف إلى حد ما عند الشفتين وإلى حين أما فرح الرب فيهز أعماق النفس الداخلية، لذا قال "يفرّح القلب". تفيض تعزيات الروح في أعماق الإنسان إذ يجد أنه بكلمة الله قد إرتد إلى الحضن الأبوي، وتغيرت طبيعته من أعماقها، وتمتع بأسرار الله خلال اتحاده معه!

إن كانت الخطية قد أظلمت بصيرتنا الداخلية فصار الله بالنسبة لنا مرعبًا ومخيفًا، نهرب منه كما فعل أبوانا الأولان حين سمعا صوت الله ماشيًا في الجنة، فإن كلمة الله الخلاصية تفرّح القلب وتنزع عنه الحزن القاتل وتنيره بروح الفرح والرجاء فترى في الله إلهها المخلص. تنفتح البصيرة لا لمعرفة الخير والشر وإنما لإدراك وخبرة عربون الحياة الجديدة السماوية والميراث الأبدي. لذلك يترنم داود النبي، قائلاً: "وصية الرب مضيئة، تنير العينين من البعد"، أي تهبهما أبعاد جديدة في النظر... ترفع العينين إلى السماء عينها لتعاين الأمور غير المنظورة.

"خشية الرب زكية، دائمة إلى أبد الأبد.

أحكام الرب أحكام حق وعادلة معًا" [9].

يدعو كلمة الرب "خشية الرب" أو مخافته... وكما سبق فقلنا أن مخافة الرب هنا لا تعني خوف العبيد إنما روح التقوى. فإن كانت الكلمة الإلهية تحملنا للاتحاد مع الله في ابنه الكلمة المتجسد، فإننا إذ ننال - في مياه المعمودية - البنوة لله نحمل خشية البنين الذين يحرصون ألا يجرحوا مشاعر أبيهم المترفق بأولاده. بالمخافة نحرص ألا نخطئ، ونمتنع عن أن نخطئ بفعل النعمة الإلهية، فنثبت في الكلمة الأبدي، ونصير معه وبه خالدين، نعيش معه في سمواته إلى الأبد.

يرى القديس أكلمندس الإسكندري أن الخوف يحفظنا من إرتكاب الخطية وأما الحب فيدفعنا إلى ممارسة الصلاح تلقائيًا كأبناء محبين لأبيهم القدوس الصالح.

v أما بالنسبة لهؤلاء الذين بدافع الخوف يتحولون إلى الإيمان والبر، يبقى فيهم الخوف إلى الأبد. يُولّد الخوف إمتناعًا عن الشر، أما الحب فيدفع إلى ممارسة الفضيلة بالبناء تلقائيًا، حتى يُسمع قول الله: "لست أدعوكم عبيدًا بل أحباءً، ويمكن للإنسان عندئذ أن يتقدم إلى الصلاة بثقة[405].

القديس أكليمندس الإسكندري

لئلا يُساء فهم الخوف فيظن أحد أن كلمة الله تبعث في النفس خوفًا يحطم فرحها، أو إلزامًا يفقدها الشعور بالحرية الإنسانية، ابرز المرتل شوق المؤمن للكلمة وتقديره لها وإحساسه بعذوبتها، إذ يقول:

"شهوات قلبه مختارة أفضل من الذهب والحجر الكثير الثمن،

وأحلى من العسل والشهد.

وأن عبدك يحفظها، وفي حفظها مجازاة كثيرة" [10-11].

الكلمة الإلهية الشاهدة عن أبوة الله وحنانه ليست فرضًا نتغصَّبه، وإنما هي أولاً "شهوة قلب"، تطلبها الأعماق إذ تجد فيها شبعها الحقيقي، وهي الغنى الحق أفضل من الذهب والحجر الكريم، وعذبة أحلى من العسل والشهد، بجانب هذا كله تقدم مجازاة كثيرة... أبدية لا يُعبر عنها. إنها فوق كل غنى العالم وقِيمِه وملذاته الأرضية.

إذ يرتبط المؤمن بكلمة الله التي هي أفضل من الذهب والحجر الكثير الثمن، يصير هو بدوره ذهبًا وحجرًا كريمًا مُمتحنًا بالنار، محفوظًا ككنز إلهي مخفي، يحب كلمة الرب وأحكامه أكثر من حبه لنفسه أو لحياته الزمنية، مفضلاً إرادة الله عن إرادته الذاتية.

v "أحلى من العسل والشهد" [10]. إذ تلتزم النفس بأن تصير عسلاً نقيًا، متحررة من رباطات الحياة المائتة، تنتظر في بساطة بركات الوليمة الإلهية؛ أو أنها تكون في قرص الشهد، ملتحفة بهذه الحياة كما في خلايا شمع العسل التي تملأها دون أن تصير مثلها (أي دون أن تصير شمعًا). وهي في هذا تحتاج إلى معونة يد الله التي تضغط لا لتحطم بل لكي تقطر عسلاً. تصير أحكام الله بالنسبة لمثل هذه النفس أحلى من كيانها هي ذاته، أحلى من العسل والشهد.

القديس أغسطينوس

*   أي شيء أكثر بهاءً وسموًا من المعرفة الإلهية؟! أي شيء أكثر عذوبة وبهجة من كلمات الرب التي هي أعلى من قطر الشهد وعسله؟!

*   يجلب مَنّ كلمة الله لفمك التذوُّق الذي تشتهيه. على أي الأحوال، إذا ما تقبله إنسان ما بغير إيمان، فأخفاه عوض أن يأكله يُدوِّد.

أتظن أننا نصل إلى التفكير بأن كلمة الله تصير "دودة"؟ ليت سماعك هنا لا يقلقك، إنما إصغ إلى النبي القائل في شخص ربنا "أما أنا فدودة لا إنسان" (مز 22: 6). إذ صار هو نفسه مصدرًا لهلاك البعض (بعدم إيمانهم) ووسيلة القيامة لآخرين، هكذا صار المن هو العسل الحلو للمؤمنين ودود لغير المؤمنين[406].

الأب قيصريوس أسقف آرل

سبق فتحدث عن كلمة الله بكونها "خشية الرب" الزكية والثابتة إلى الأبد، تهب للنفس رائحة المسيح الزكية وخلودًا أبديًا بقيامته العاملة فينا، وها هنا يتحدث عن الحب الذي لا ينفصل عن مخافة الرب، الكلمة تهب حبًا يعطي للنفس عذوبة، فتحب كلمة الله أكثر من حياتها الأرضية!

*   إذ تختلط الكلمة بالحب تنطفئ في الحال شهواتنا ونتطهر من خطايانا؛ ويبدو القول "أحلى من العسل" في مجرى الحديث يخص الكلمة[407]...

v عذبة هي الكلمة التي تهبنا نورًا، إنها أثمن من الذهب والحجارة الكريمة، وأشهى من العسل والشهد. كيف لا تشتهيها وهي التي تنير العقل الذي دُفن في الظلمة، وتهب حذاقة لعيني النفس المستنيرة بها؟"[408].

القديس أكليمندس الإسكندري

v إذا ما ترنم شخص بالمزامير مهتمًا فقط بعذوبة الأصوات وتنظيم الكلمات، دون مبالاة بالمعاني تنتعش أذناه، أما كلمة الله فلا تدخل قلبه. بمعنى أنه يمضغ شمعًا نقيًا ولا يتذوق عذوبة العسل قط! [409]

الأب قيصريوس أسقف آرل

المسيح كلمة الله:
حينما نتحدث عن الشريعة أو كلمة الله يليق بنا أن ندرك أن ربنا يسوع المسيح هو كلمة الله السرَّمدي، الحق الأبدي، الذي يعلن لنا الأسرار الإلهية.

v اقبل المسيح، اقبل البصيرة الداخلية، تَقبّل نورك حتى يمكنك أن ترى الله والناس حسنًا. "عذبة هي الكلمة التي تهبنا نورًا، إنها أثمن من الذهب والحجارة الكريمة، وأشهى من العسل والشهد"[410].

القديس أكليمندس الإسكندري

*   لا نعني بكلمات المسيح تلك الكلمات التي نطق بها عندما صار إنسانًا والتحف جسدنا، فقد (تكلم) السيد المسيح قبلاً في موسى والأنبياء[411].

v مخلصنا هو صورة الله غير المنظور؛ إذا قورن بالآب نفسه فهو الحق، وإذا قورن بنا نحن الذين أعلن لهم الآب فهو الصورة التي تأتي بنا إلى معرفة الآب، المعرفة التي ليست إلا للابن، والتي سُرَّ الابن أن يعلنها[412].

العلامة أوريجانوس

*   أتحب المتعة والملذات؟ تطلَّع إلى وصايا الرب، فهي بالنسبة للنفس السوية أحلى من العسل والشهد! [413].

القديس باسيليوس الكبير

+ إقرأ مزمور 19 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. إعلان الله في خبرتنا اليومية:

هذا القسم عبارة عن صلاة ومرثاة؛ فإنه إذ يتعرف المرتل على الناموس الإلهي كنور يصير أكثر حساسية للخطية حتى بالنسبة للصادرة عن سهو أو بغير إرادة، فيكتشف الإنسان بكلمة الله ظلمات نفسه. فإنه كلما اشتدت الإضاءة صار الظل أكثر وضوحًا.

لقد كشف المرتل عن عظمة المكافأة لمن يحفظ الوصايا... لكن من يقدر أن يتبرر أمام الله؟ من يقدر أن يهرب من السهوات؟... في كل يوم نختبر الله في رحمته كمخلص من الضعفات وغافر للخطايا... هذا ما يؤكده المرتل بقوله:

"وإن عبدك يحفظها، وفي حفظها مجازاة كثيرة.

من يقدر أن يتفهم الهفوات؟!

طهرني يارب من خفياتي

ومن الغرباء اشفق على عبدك" [11-12].


يحدثنا القديس باسيليوس الكبير عن مكافأة حفظ وصايا الرب، قائلاً: [توجد مكافأة عظيمة للذين يحفظون الوصايا، مجازاة جزيلة، أكاليل عدل، مسكن دائم، حياة بلا نهاية، فرح لا يُنطق به، مواضع لا تفنى مع الآب والابن والروح القدس الإله الحق في السموات، لقاء وجه لوجه، طرب في صحبة الملائكة والآباء والأنبياء والرسل والشهداء والمعترفين وكل الذين يرضون الله منذ البدء[414]].

هذا هو المجد العظيم الذي سيُستعلن فينا كأولاد لله حافظين بالحب وصيته... لكنه من يقدر أن يحفظ الوصية؟! بأنفسنا نحن ضعفاء وعاجزون، نحتاج إلى خبرة أعمال محبة الله اليومية معنا، فتشهد نعمته الغافرة للخطايا عن وجوده في حياتنا. يقول المرتل: "من يقدر أن يتفهم الهفوات؟! طهرني يارب من خفياتي، ومن الغرباء اشفق على عبدك" [12]. كأنه يقول: "أنت يارب تجد فيّ الخطايا التي اختفت فيّ. ما أكثر الخطايا التي تحاربني خفيةً كغرباء وتقتل نفسي دون أن أدري لولا مراحمك عليّ؟!" خبرتي اليومية هي التلاقي مع مخلصي غافر الخطية بدمه الكفاري!

*   هكذا يعرف القديسون أن برّ الإنسان ضعيف وناقص ويطلبون مراحم الله على الدوام[415].

الأب ثيوناس

v "من يقدر أن يتفهم أخطاءه؟!... إن أمكن رؤية الظلمة لأمكن فهم الخطايا. الآن عندما نتوب عن خطايانا، عندئذ فقط يمكننا أن ننعم أخيرًا بالنور؛ لأنه إذ يلتحف الإنسان بخطاياه يُقال أن عينيه تظلمّان وتصابان بعمى بالغ، ولا يقدر أن يرى خطاياه، كما هو الحال بالنسبة لعينيك الجسديتين عندما تكونان معصوبتين، فإنهما لا يقدران أن ينظرا شيئًا بسبب العصابة.

القديس أغسطينوس

v من يستطيع أن يتفهم معاصيه؟... قدم أيوب المعروف بصبره الشديد ذبائح عن الخطايا غير المعروفة، أو بالحري عن خطايا ابنائه، واضعًا في إعتباره أنه ربما أخطأ ابناؤه وجدفوا على الله في قلوبهم (أي 1: 5). ونحن نتذكر أيضًا بولس الحكيم جدًا عندما كتب: "فأني لست أشعر بشيء في ذاتي، لكنني لست بذلك مبررًا، ولكن الذي يحكم فيّ هو الرب" (1 كو 4: 4)[416].

القديس كيرلس الإسكندري

*   "إن لم يتسلطوا عليّ فحينئذ أكون بلا عيب، واتنقى من خطية عظيمة" [13].

لا تخف إن كنت مسيحيًا، لا تخف من تسلّط أي إنسان من الخارج، إنما خف الله على الدوام. خف الشر الذي في داخلك، وشهواتك الدنيئة التي لم يصنعها الله بداخلك إنما هي من صنعك أنت. لقد خلقك الله عبدًا أمينًا، لكنك خلقت لنفسك سيدًا شريرًا في قلبك. حقًا لقد صرت مستحقًا للخضوع للشر، تأهلت للخضوع للسيد الذي خلقته أنت لنفسك، إذ رفضت الخضوع لمن خلقك.

v "واتنقى من خطية عظيمة"؛ أية خطية؟ بالتأكيد الكبرياء. لا توجد خطية أخطر منها تفصل الإنسان عن الله، فقد بدأت الخطية في الإنسان بالكبرياء.

v لأنه ما لم أتبرأ من الخطية العظيمة تكون كلماتي موضع إعجاب في نظر البشرية وليس في نظرك (يا الله). النفس المتكبرة تود أن تشرق في عيني البشر، أما المتضعة فتشرق سرًا حيث يعاينها الله.

إن كان أحد يرضي الناس بعمله الصالح فليفرح لأجلهم أي الذين يسرون بالعمل الصالح لكنه لا يفرح بنفسه (أي لا يفتخر بذاته)، ففي الحقيقة إن ممارسة العمل الصالح مشبع في ذاته (ولا يحتاج الإنسان إلى رضاء الناس).

القديس أغسطينوس

هكذا يرى القديس أغسطينوس أن الخطية العظيمة هي حب إرضاء الناس بالعمل الصالح؛ قد يفرحون بهم فليكن ونحن نفرح بهذا لكن لا نفتخر ولا نُعجب برضائهم إذ الله هو العامل فينا... إن ما يرضينا لا رضى الناس إنما العمل الصالح الذي تهبه نعمة الله فينا. بهذا نسر ونفرح، إذ يقول المرتل:

"وتكون جميع أقوال فمي بمسرة.

وتلاوة قلبي أمامك في كل حين.

يارب أنت معيني ومخلصي" [14].


هكذا يختم المرتل المزمور بالسرور والفرح المعلنين بالفم والقلب، خلال التسبيح العلني والخفي، لأن الله هو معيننا في كل عمل صالح ومخلصنا غافر الخطية!

+ إقرأ مزمور 19 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صلاة
اقبل حياتي شاهدة لك يا الله!

*   لتُقم يارب ملكوتك في داخلي، فتعلن سمواتك فيّ!

هب لي أن أتحدث بحبك وعمل خلاصك خلال حبي وحياتي!

*   أيها العريس شمس البر الجبّار،

هب لنفسي بهجتك فلا ينزع العالم فرحك من أعماقي!

هب لها قوة فتجاهد بنعمتك ضد إبليس وظلمته!

*   اغرس أحكامك فيّ فتشبع نفسي وتغتني بك،

أجدك أثمن من كل العالم، وأشهى من كل عذوبة!

*   إسترني من خطاياي الخفية والظاهرة،

واحفظني من عدو الخير الغريب!

هب لي برك فيمتلئ لساني تهليلاً وقلبي فرحًا!

+ إقرأ مزمور 19 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 20 PDF Print Email

الله يخلص الملك

مناسبة المزمور:

هذا المزمور ملوكي، ليتورجي، ومسيّاني. كان يخص طقس الهيكل للملوك، خاصة في وقت الحرب.

نظمه داود ليُصلى به عند نجاح حملته ضد بني عمون وآرام الذين جاءوا بعدد عظيم من الخيل والمركبات لمحاربته (2 صم 10: 6، 8؛ 1 أي 19: 7). بمعنى آخر، وضع داود المزمور كصيحة قتال، به يحث نفسه والشعب ويدفعهم إلى الصلاة[417].

ربما كان المزمور يُرتل بطريقة ليتورجية، كجزء من ليتورجية الذبيحة، تُؤَدَّى قبل خروج الملك إلى أرض المعركة. فقد اعتاد الشعب أن يجتمع في الهيكل للصلاة، لكي ما يَهَب الله نصرة للملك ولجيشه (أنظر 1 صم 7: 9؛ 13: 9؛ 1 مل 8: 44؛ 2 أي 20: 18 إلخ...)[418]. أما المزمور 21 فيُتلى كخدمة شكر بعد نوال النصرة.

يُرى الملك في المقدس يقدم ذبائح [3]، بينما يجتمع الشعب في الدار الخارجية للصلاة لأجله. فإنه من واجب الشعب الصلاة لأجل ازدهار المسيّا الملك (ازدهار كنيسته المتحدة معه كجسده)، الخارج إلى المعركة ضد إبليس لأجل خلاص البشرية. لقد قدم السيد المسيح نفسه ذبيحة لأجل العالم كله؛ لكن من واجب الكنيسة - كهنة وشعبًا - الصلاة والعمل لأجل خلاص البشر.

يقول ابن عزرا (اليهودي) إن البعض يفسرون هذا المزمور كمزمور خاص بالمسيّا. ويرى كثير من آباء الكنيسة أنه نبوة عن آلام السيد المسيح وأعماله الخلاصية من أيدي أعدائنا، إذ تنتصر مع مسيحها!

هذا الملك الغالب في المعركة هو المؤمن (رؤ 1: 6)، المدعو جندي المسيح. وكما يقول القديس بولس: "فاشترِكْ أنت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح" (2 تي 2: 3). يلزمه أن يتلو هذا المزمور طول اليوم، مصليًا إلى الله الذي يَهَبه النصرة الروحية في استحقاقات المسيح الذبيح.

يقرن بعض المفسرين هذا المزمور بليتورجية ثابتة، هي ليتورجية بدء العام الجديد حيث يتمجد الله كملك[419] مع بداية كل عام جديد، أي يحسب بدء العام هو عيد تجليس الله ملكًا على شعبه، وفي قلوبهم، كملك غالب حطّم مملكة الظلمة من داخلنا.

التزم داود النبي أن يدخل معارك كثيرة منذ صباه... ومع كل معركة نال خبرة جديدة عبّر عنها بتقديم مزامير، صارت سرّ قوة وفرح ورجاء للمؤمنين في معركتهم ضد إبليس؛ وهكذا يُخرِج الله من الضيقات عذوبة لا للمؤمن وحده بل وللكنيسة كلها.

+ إقرأ مزمور 20 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


هيكل المزمور:

1. تشفع من أجل الملك [1-7].

* صلاة الجماعة أو الكاهن من أجل الملك [1]، وذلك عند وصوله إلى المقدس.

* تسبحة يترنّم بها حورس المرتلين [2-3]، عند تقديم الذبائح.

* تسبحة يترنّم بها خورس المرتلين [4-5 (أ)] عندما تُحمل الرايات والنُصُب التذكارية في موكب.

* صلاة الجماعة [5 (ب)] عندما يقف الملك في الوسط.

2. صلاة شكر تتنبأ عن نصرة الملك [6-8].

* قول ينطق به رئيس الكهنة أو نبي.

* استجابة الملك [6]: هنا فقط يتكلم الملك، إذ قد تشجع بصلوات شعبه، وتسنده الذبيحة التي قُدِمّت عنه، وتسابيح الخورس؛ لذا ينطق بباعث من الإيمان بعمل الله الأكيد معه.

* تأكيد النصر [7-8] ينطق به رئيس الكهنة أو نبي في حضور الملك وجنوده.

3. ختام [9].

* تسبحة يرتلها الشعب [9]، ربما تتكرّر عدة مرات أثناء هذا الاحتفال.

+ إقرأ مزمور 20 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الإطار العام:

1. صلاة نبوية عن المسيح           [1-3].

2. اشتياق قلب المسيح               [4-6].

3. نمو ملكوت المسيح               [7-9].

+ إقرأ مزمور 20 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. صلاة نبوية عن المسيح:

"يستجيب لك الرب في يوم شدتك" [1]. مسرة الله أن يستجيب صلوات مؤمنيه الذين يثقون فيه، واهبًا إياهم نصرة وحماية وسرورًا.

حياتنا ككل لها وجهان متكاملان، فهي "يوم شدة" وفي نفس الوقت "يوم فرح داخلي". هي يوم شدة بسبب وجود عدو لا ينام، يحاربنا لكي ينتزعنا من أيدي إلهنا. وهي يوم فرح داخلي لأننا ننعم فيها بعربون الحياة الأبدية خلال شركتنا مع المسيح كنزنا وسلامنا.

لقد تعلم داود الملك بما لديه من خبرة كرجل حرب أن يضع ثقته في الله، ليس فقط برفع صلاة لله في مخدعه أو حتى أمام تابوت العهد، وإنما أيضًا بطلبه الصلاة لأجله من الكهنة والشعب، وأن يقدموا ذبائح عنه. وكأن العبادة الشخصية والجماعية متكاملة.

يتعرض أعظم الرجال - حتى الرسل والقديسون والملوك المقتدرون - للألم والضيق، ويحتاجون إلى صلوات الغير عنهم، ليعينهم الله نفسه. ففي الليتورجيات القبطية يصلي الكاهن من أجل الشعب والشعب أيضًا من أجل الكاهن. الكنيسة المصلية معًا     - كهنة وشعبًا - لا يُستهان بها في السماء!

يلتزم كل مؤمن - كاهنًا أو من الشعب - ألا يحتقرَ صلوات الغير لأجله، بل يطلبها في جدّية، حتى من الذين يَبْدون أقل منه في كل الوجوه. غير أن هذه الصلوات لا تفيد كثيرًا - حتى إن قَدَّمها قديسون - ما لم يُصَلِّ الإنسان نفسه أيضًا. فداود كان ملكًا، ورجل حرب، وقاضيًا إلخ... وكان لديه كهنة وأنبياء بل وكان الشعب أيضًا يصلي لأجله، ومع هذا لم يُعْفِ نفسه من الصلاة.

ما هو يوم الشدة؟ إنه اليوم الذي فيه حمل ربنا يسوع خطايانا، محتملاً الموت، موت الصليب، لأجلنا. لقد اجتاز ربنا يسوع هذا اليوم، ومات على الصليب، ودُفن في القبر، وقام ثانية، وصعد إلى السموات، لكي يهبنا شركة مجده... هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، إنه يوم شدة، لكنه مصدر فرح وبهجة.

الحياة الحاضرة هي "يوم شدة"، أو "وادي الدموع"، لأن الكنيسة كعروس للمصلوب تشارك عريسها آلامه، وتصارع بنعمته ضد الظلمة، وتجاهد حتى يتمتع كل واحدٍ بنعمة الخلاص.

"ينصرك إسم إله يعقوب" [1].

سبق أن تحدَّثنا عن أهمية "الاسم"، بكونه يمثل صاحبه ويحمل قوته. فإننا ننعم بالنصرة ليس بواسطة "إله مجهول" كما شاهد الرسول بولس أثناء تجوّله في أثينا، لكننا ننالها (أي النصرة) خلال إله عرفناه، نعرف اسمه، ونختبر سِماته، وننعم بالشركة معه خلال الصليب.

إسم الله ليس تعويذةً سحرية بها ننال الغلبة، وإنما هي تتمتع بالحضرة الإلهية واهبة النعم؛ ترديدنا إسمه إنما يعني ثقتنا في حضرته في داخلنا، ويقيننا أنه وحده يقدر أن يَفْدينا.

أما ذِكْرُهُ "يعقوب" هنا فيعني أن الله العامل فينا والحاضر في حياتنا إنما هو رب الكنيسة كلها، بكْونِ يعقوب أب الأسباط كلها. وكأن المرتل يقول: إن كان لك لقاءٌ شخصيٌ مع الله فلتتيقّنْ أن رب الكنيسة كلها يدافع عنك أنت شخصيًا. ولما كان إبراهيم يمثل "الأبوة" وإسحق "الطاعة" ويعقوب "الصراع" فإن الله الذي ينصرك مجانًا إنما يعمل فيك وأنت تصارع ضد الخطية؛ فهو لا ينصر المتراخين في حياتهم والمتهاونين في جهادهم الروحي... إنه إله كل يعقوب مصارع!

"يرسل لك عونًا من قدسه،

ومن صهيون يعضدك" [2].


قُدْس الرب أو هيكله المقدس على الأرض هو رمز للمُقَدَّسات السماوية، أو سمواته عينها، حيث يسمع الله صلوات شعبه الصاعدة كرائحة بخور طيبة ويستجيب لها. الله القدوس الساكن في السموات يستجيب للطلبات التي تصدر عن قلب مقدس متفقة مع إرادته المقدسة... لذلك يُقال في ذات المزمور: "واستجاب له من سماء قدسه" [6].

إن كان الشعب يصلي لأجل مساندة الملك في حربه، فإن الله القدوس مالئ السماء والأرض يقدّم عونًا للملك من خلال مَقدسه أو من خلال تابوت العهد، كتجاوب أو كتحقيق لوعده الإلهي وميثاقه مع شعبه المقدس المحبوب لديه. والآن إذ قدم السيد المسيح نفسه ذبيحة إنفتحت أبواب السماء أمام الكنيسة لتعيش في السماء عينها أثناء خدمة ليتورجية الافخارستيا، فيرفع روح الله القدوس صلواتنا بل ونفوسنا إلى السماء فتنال العوْن الإلهي. هذا ما دفع المرتل للقول: "ومن صهيون يعضدك"، أي من كنيسة المسيح، صهيون السماوية، حيث يسكن المسيح السماوي الذبيح.

إذا ما أقام الرب ملكوته في داخلنا (لو 17: 21)، نَصيرُ قُدْسه وصهيون الجديد... لذا نقدم صلواتنا لله الساكن فينا لنجد إستجابته السريعة تصدر من أعماقنا، ننعم بعونه، واهبًا إيانا النصرة في حربنا ضد عدو الخير.

تحقق هذا القول في صورة فريدة رائعة مع ابن الإنسان حين أَحْنَي رأسه ليحمل خطايانا؛ فدخل إلى الضيقة، وكانت نفسه حزينة جدًا حتى الموت. وأرسل الآب ملاكًا من السماء يُعْلِن ما للإبن من مجٍد حتى في أَمرّ لحظات الألم. كانت آلامه مجدًا ونصرة لملك الملوك، فيه ننال كملوك نصرة من المقادس في صهيون السماوية!

بقوله: "ومن صهيون يعضدك" يؤكد الوحي الإلهي دَوْر الجماعة المقدسة، وفاعلية صلواتها، فقد تمتع بطرس الرسول ببركة صلوات الكنيسة المجتمعة في العلية التي تصلي بلجاجة من أجله (أع 12: 5 إلخ).

"يذكر جميع ذبائحك،

ويَسْتسْمِن محرقاتك" [3].

يُشير المرتل هنا إلى الذبائح التي كانت تُقدّم أثناء التسبيح بهذا المزمور قبل ذهاب الملك إلى المعركة... تقديم الذبائح يُشير إلى أن سرّ النصرة يكمن في المصالحة مع الله بالدم، والمحرقات علامة الثقة وعربون النصرة؛ إذ يُقدّمُ الكل قلوبهم ذبائح محرقة ملتهبة بنار الحب الإلهي.

والمؤمن في حربه اليومية يجد نصرته في ذبيحة المسيح، وقبول صليبه كقوة الخلاص. يقول الرسول: "ولكننا نكرز بالمسيح مصلوبًا... فبالمسيح قوة الله وحكمة الله... لأني لم أعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلا يسوع وإياه مصلوبًا" (1 كو 1: 23-24؛ 2: 2).

لنعرف أن الله يقبل محرقاتنا الروحية، إذا ما أشعل في نفوسنا بروحه القدوس نار الحب الإلهي التي تلهب قلوبنا داخلنا، ولا تقدر مياه كثيرة أن تطفئها... يهب داخلنا قوة القيامة ونصرتها على الموت وبهجتها الأبدية.

*   ليت الصليب الذي قدمت عليه ذاتك كمحرقة كاملة لله (الآب)، يتحول إلى بهجة القيامة.

القديس أغسطينوس

هكذا تحدث المرتل عن السيد المسيح المتألم، الذي دخل في شدة، ليحملنا إلى كنيسته "صهيونه" مقدمًا حياته ذبيحة محرقة لأجلنا... لكي فيه نقدم حياتنا ذبائح مقدسة، الآن يتحدث عنه كملك واهب الخلاص.

+ إقرأ مزمور 20 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. اشتياق قلب المسيح:

"يتمم كل مشورتك" [5].

ما هي شهوة قلب السيد المسيح؟ خلاص البشر الذي استدعى موته الذبيحي وقيامته وصعوده إلى الأمجاد، ليملك على القلوب.

*   "نعترف لك يارب بخلاصك" [5]. إننا نبتهج، لأنه لم يكن ممكنًا للموت أن يؤذيك بأي حال من الأحوال؛ ولهذا أنت تبرهن لنا أنه لا يقدر أن يؤذينا نحن أيضًا.

القديس أغسطينوس

كان سُؤْل قلب المسيح - خلاص البشرية - قد تحقق بقيامته، وبقيامتنا نحن به وفيه، فنصير جسده المصلوب القائم من الأموات، نشاركه ميراثه وأمجاده. ونحن أيضًا إذ يصير لنا ذات شهوة قلب السيد المسيح يحقق الآب سُؤْل قلبنا ويهبنا طلبتنا، مٌقدّمًا لنا بهجة الخلاص في حياتنا كما في حياة الغير.

لقد وهب الله داود سُؤْل قلبه، لأن قلبه كان مثل قلب الله، ولم يهدف قط إلاّ إلى ما يُرضيه. وهكذا مَنْ يسلكون حسب مشورة الله وإرادته يتمم الله سُؤْل قلبهم ويحقق لهم إرادتهم، واهبًا إياهم الفرح الحقيقي.

"نعترف لك يارب بخلاصك" [5].

الذين يُثّبتون أنظارهم على خلاص الرب لا ينشغلون بالنصر في ذاته بل بالرب وعمله الخلاصي؛ يبتهجون به ويعترفون له بعمله العجيب المملوء حبًا.

"وباسم إلهنا ننمو" [5] وفي النص العبري: "وباسم إلهنا نرفع رايتنا". ربما يعني رفع رايات النصرة التي تُرفرف أمام الجند. وكأنه في البركة التي يتمتع بها الملك قبل المعركة يُعِلن بهجةً برفع الرايات متأكدًا من عمله معه.

جاءت فكرة رفع الراية عن عادة قديمة سادت في الشرق، وهي أنه في حالة حدوث جريمة قتل، يحمل ابن القتيل أو عائلته نوعًا من الضغينة ضد القاتل وعائلته، وتبقى الرغبة في الأخذ بالثأر إلى أجيال عديدة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يشعر أبناء القتيل وأحفاده بالالتزام بالثأر وإلا فقدوا كرامتهم ورجولتهم. أحيانًا كان يلجأ المطلوب قتله (أي القاتل نفسه أو ابنه) إلى مدينة ما ليطلب الحماية والرحمة من شخص له وزنه وتقديره؛ فإذا ما وافق الرجل وعفا عنه يقوم بمصالحته مع عائلة القتيل. وإذا ما تحقق ذلك تجتمع مجموعة من الرجال، وتجول في المدينة لتُعْلِن هذا النبأ السار بخلاص من كان يُطلَب قتله بحمل مَنْ تمتّع بالعفو راية فوق رأسه، ويصرخ داعيًا المدينة كلها كي تأتي وترى الإنسان الذي باسمه تمتع بالحرية وعُتِق من حكم الموت. هكذا نحن كنا تحت حكم الموت، وقد صرخنا طالبين الخلاص باسم المسيح الحسن، فوهبنا غفرانًا لنفوسنا وخلصنا من حكم الموت الأبدي، لذلك صار علينا التزامٌ أدبيٌ وروحيٌ أن نشهد أمام العالم كله بهذا الخبر السار، معترفين ومبتهجين بخلاصه، ممجدين اسمه لأنه استجاب لتوسلاتنا، فباسم إلهنا نرفع رايتنا، لكي يأتي الجميع ويروا ذاك الذي باسمه نحيا، وننعم بالخلاص العظيم[420].

"يارب خلص مَلِكَكْ واستجب لنا يوم ندعوك" [6].

يرى كثير من آباء الكنيسة أن الملك المنسوب للآب، "مَلِكَهْ" إنما هو السيد المسيح، ملك الملوك، يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [لقد خلص الله المسيح بأن أقامه من الموت[421]].

+ إقرأ مزمور 20 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. نُموّ ملكوت المسيح:

"هؤلاء بمركبات، وهؤلاء بخيل

ونحن باسم الرب إلهنا ننمو.

هم عثروا وسقطوا،

ونحن قمنا واستقمنا.

يارب خلص مَلِكَكْ، وإستجب لنا يوم ندعوك" [7-9].

هذه خاتمة رائعة لهذا المزمور المسيّاني، فإننا قمنا فيه. أدركنا الحياة الجديدة بعد موت الخطية. نحن ننعم بالاستقامة خلال صلاحه، فينمو ملكوته خلال خلاصنا.

يكرز الأنبياء على الدوام مُعْلِنين أن إرادة الله لا أن يتنافس شعبه مع الأمم الأخرى، واضعين ثقتهم في أفضل أسلحة الحرب كالمركبات والخيل (تث 17: 16؛ هو 1: 7؛ 14: 4؛ ميخا 5: 9؛ إش 31: 1؛ زك 8: 9؛ مز 33: 16 إلخ؛ 147: 10 إلخ...) إنما سلاحهم هو الرب نفسه. تفتخر الأمم بقوتها الكامنة في المركبات والخيل وكل المظاهر الجذابة، أما كنيسة المسيح فتجد قوتها في عمانوئيل السماوي الذي جاء متواضعًا ووديعًا ليحملنا فيه إلى سمواته.

*   بالصلوات كانوا ينطلقون بالرب[422].

البابا أثناسيوس الرسولي

*   عندما أراد ربك أن يدخل أورشليم منتصرًا، لم يكن يملك حتى جحشًا، كما جاء في الكتب، هؤلاء بمركبات وهؤلاء بخيل ونحن باسم الرب إلهنا نجد عوننا[423].

العلامة ترتليان

يمكن أن تحترق المركبات ويموت الخيل فينهار المتكلون عليها أما المتكلون على ذراع الرب الأبدي وإسمه فلا يسقطون قط ولا يُخْزَون بل يتمتعون بالخلاص الأبدي.

بدأ المرتل بالحديث عن آلام السيد المسيح، والدخول بنا إلى كنيسته للتمتع بعمله الذبيحي، ليملك بدمه الثمين على قلوبنا، واهبًا إيانا النصرة والغلبة باسمه وليس بالإمكانيات البشرية... وها هو يختتم المزمور بنصرتنا نحن فيه وإستقامتنا ببره.

+ إقرأ مزمور 20 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


صلاة

*   أيها القائد الحقيقي، لتدخل بنا إلى معركة الصليب، واهبًا إيانا الغلبة والنصرة على قوات الظلمة.

*   هب لنا التمتع بصليبك، قوة الله وحكمته، فلا نتكل على ذراع بشري، بل على عملك الإلهي!

*   اِمْلك يارب في قلوبنا، وأقِمْ ملكوتك في داخلنا، ولا يكون للعدو موضع فينا!v

+ إقرأ مزمور 20 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 21 PDF Print Email

نشيد نصرة الملك

مزمور ملوكي:

هو مزمور ملوكي وصلاة ليتورجية من أجل انتصار الملك. يشبه المزمور السابق بكونه يركز على الملك؛ وهو يناسب أي احتفال ملوكي أو أي تذكار خاص بالملك. يرى بعض الدارسين أن المزمور السابق يُنشد قبل المعركة، أما هذا المزمور فهو تسبحة حمد لله تُرنَّم بعد المعركة من أجل استجابة الصلاة الواردة في المزمور السابق. وضعة داود الملك وهو في قمة الفرح بروح الشكر لله الذي وهبه النصرة، ربما في معركته ضد بنى عمون في رِبَّه (2 صم 12: 26-31).

يعتقد البعض أن هذا المزمور يعكس احتفالاً في الهيكل قيبل المُضِيّ إلى الحرب كالزمور السابق؛ وأن الاختلاف الأساسى بينهما هو أن المزمور 20 يهتم  بطلب العون والنجاح في الحرب بينما يُشير المزمور 21 إلى دائرة المواهب الإلهية ككل الممنوحة  لمسيح الرب[424].

ينفرد ثيؤدورت باقتراض أن المزمور كُتِب بمناسبة مرض الملك حزقيا وشفائه.

يقول  L. Sabourin: [ربما كان المزمور جزءًا من طقس تتويج الملك (راجع عدد 4 - الترجمة السبعينية)؛ ربما كان الكاهن - في حضرة الملك - يتلو كلاً من تقديم البركات بطريقة تعبدية [2-7] والصلاة [9-13]، بينما يردد الشعب العددان [8، 14] أنتيفون (قرار) مثل (مز 60: 6)... هذا المزمور هو ليتروجية خاصة بتتويج الملك، يشبه في هذا المزامير (5، 16، 23، 27، 42-43، 61، 63، 84، 91، 101)[425].

+ إقرأ مزمور 21 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مزمور مسيّاني:

يقول R.J. Clifford: [بعدما توقف النظام الملكي في إسرائيل بعد القرن السادس ق.م.، صارت لغة (هذا المزمور) مُستِخْدمة عن ابن داود المقبل[426]].

ويقول Gaebelein: [هذا المزمور مسيّاني. يُعلم الترجوم (الصيغة الكلدانية للعهد القديم) والتلمود بأن الملك المذكور في هذا المزمور المسيَّا. قبل العاِلم العظيم المتخصص في التلمود الحاخام سليمان اسحق المعروف باسم راشي (وُلد عام 1040م) هذا التفسير فاقترح أن يُتَرك هذا المزمور لحساب المسيحين لاستخدامه برهانًا على أن يسوع الناصري هو المسيّا...

لعدة قرون استخدم الطقسيون هذا المزمور بحق في الاحتفال بعيد الصعود، كذكرى لعودة ربنا إلى المجد ودوره كرئيس كهنتنا الأعظم... قبل العصر المسيحي، استُخِدم المزمور دون  شك في العبادة الهيكلية].

بعض أجزاء من هذا المزمور [مثل عدد 4] لا يمكن أن تنطبق حرفيًا إلا على المسيَّا[427]، مع هذا لم يُقْتَبس هذا المزمور قط في العهد الجديد، وإن كان قد أُشير إليه بالتلميح مرتين في (عب 2: 9، 12: 2).

إن كان هذا المزمور هو "نشيد نصرة الملك"، حيث نترنم بحب المسيَّا، ملك الملوك الممجد، الذي يهبنا فيه شركة الأمجاد، فإنه يقودنا إلى المزمور التالي (22)، مزمور "آلام المسيح المجيدة"، يقودنا إلى رابية الجلجثة، ويدخل بنا إلى أعتاب عرشه.

يحثنا هذا المزمور على تكريس حياتنا تكريسًا كاملاً لحساب ربنا يسوع، في طاعة مطلقة لإرادة الله، وفي ثقة شديدة في أمانة الله من نحونا.


الكلمة الاسترشادية (مفتاح السفر):

الكمة الاسترشادية هي "قوة" [1، 13]؛ ويليق بنا هنا أن نشير إلى كلمة أخرى لها صلة بالقوة جاءت في العدد [7]: "وبرحمة (الحب الثابت) العلي لا يتزعزع"، تُفسرّ لنا مصدر كل قوة توجد في الميثاق بين الرب وشعبه، رباط الحب الشديد، الإخلاص خلال دم المسيح الخلاصي، المتأصل في الرب.

+ إقرأ مزمور 21 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الإطار العام:

1. نصرات المسيح الملك الماضية    [1- 7].

2. نصرات المسيح المقبلة             [8- 12].

3. تسبيح وحمد الشعب                [13].

+ إقرأ مزمور 21 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. نصرات المسيح الملك الماضية:

هذا القسم [1-7] هو شكر من أجل الأمتيازات التي قُدّمت للملك وكما قلنا أن هذا الملك هو ابن داود الذي يصوره المرتل كملك مقاتل يُحارب إبليس وجنوده الأشرار لحسابنا.

ونحن أيضًا كأعضاء جسد المسيح صرنا  ملوكًا محاربين، نتلقى العون من ملك الملوك في حربنا الروحية. لذلك أُستُخِدم الكثير من عبارات هذا المزمور عن القديسين في الليتورجيات مثل  Desiderium cordis euis tribuistiei[428].

أولاً: شكر لله من أجل قوته وخلاصه.

"يارب بقوتك يفرح الملك،

وبخلاصك يتهلل جدًا" [1].


إذ سأل بيلاطس السيد المسيح: "أنت ملك اليهود"، أجابه: "أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني؟!... أنت تقول إني ملك. لهذا قد وُلدت أنا، ولهذا قد أتيت إلى العاَلم لأشهد للحق" (يو 18: 23-27). إنه ليس مجرد ملك، لكنه "الملك"، الذي ارتفع على الصليب بالحب كعرش له، ليقيم مملكته في القلوب وداخل النفوس. يمكننا القول إن المزمور السابق هو نشيد الملك في البستان حيث يدخل معركة الصليب "يوم الشدة"، مُقدّمًا حياته ذبيحة محرقة، وقد استجاب الآب طلبته وشفاعته الكفارية عن جميع مؤمنيه، الآن يُترنَّم بتسبحة القيامة، بكونها قوة الملك الغالب الموت، واهب الفرح والتهليل لكل المتمتعين بحياته المُقامة.

لم يفرح داود بعرشة ولا بقوة جيشة وإنما بقوة الرب وخلاصه المجانى. ونحن أيضًا إذ نتحد مع ابن داود نملك على أهوائنا، لنعيش بحياته المُقامة، غالبين ومنتصرين. وكما يقول القديس بولس: "لكن شكرًا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين ويُظهِر بنا رائحة معرفته في كل مكان" (2 كو 2: 14).

اختبر داود الملك أن كل خلاص إنما يتحقق بالله، متى قدم خلاصًا يُقهر كل عدو.

لماذا يفرح داود بخلاص الله؟

أ. خلاص الله فعَّال، به يظهر كل الأعداء عاجزين عن أن يسببوا لنا ضررًا، إذ لا حول لهم ولا قوة أمام المخلص.

v لما نظر الله الكائن في كل أحد، كيف مسك الشيطان البشر وقادهم في جميع طرقه الممتلئة عثرات... شفق وتحنن هو برحمته التي لا قياس لها، ورأى بحكمته ومحبته التي لا تدرك أن يكسر افتخار الشيطان وشموخه، ويُظهر ويفضح غشه... أتى إلينا وشفانا وشجعنا وقوّانا ونصرنا... وأشركنا مع عظمته، ورفعنا إلى عالمه الحقيقي ومملكته الأمينة[429].

القديس يوحنا التبايسي

*   الآن (بقيامة السيد المسيح) يا أحبائى... قد ذُبح الشيطان، ذلك الطاغية الذي هو ضد العالم كله...

الآن إذ نأكل "كلمة" الآب، وتُمسح قلوبنا بدم العهد الجديد نعرف النعمة التي يهبنا إياها المخلص، الذي قال: "ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو" (لو 10: 19). لأنه لا يعود يملك الموت، بل تتسلط الحياة عوض الموت، إذ يقول الرب: "أنا هو الحياة" (يو 14: 6)، حتى أن كل شيء قد إمتلأ بالفرح والسعادة، كما هو مكتوب: "الرب قد ملك فلتفرح الأرض"[430].

البابا أثناسيوس الرسولي

لقد صار اسم "يسوع" سرّ قوة للمؤمن وغلبه على الخطية والشيطان وكل قوات الظلمة. يقول العلامة أوريجانوس: [باسمه كثيرًا ما تُطرد الشياطين من البشر، خاصة إن رُدد بطريقة سليمة وبكل ثقة. عظيم هو إسم يسوع!... إسم يسوع يشفي المتألمين ذهنيًا، ويطرد أرواح الظلمة، ويهب شفاءً للمرضى[431]].

ب. يتحقق الخلاص بطرق لم تكن في الحسبان.

ج. يتم الخلاص في أحلك اللحظات؛ الله لا يتأخر لحظة واحدة في تقديم مراحمه، لكنه أحيانا ينتظر حتى اللحظة الأخيرة[432].

د. لم يكن فرح داود بالنصرة في ذاتها بل في قوة الله وخلاصه. لم يفتخر داود بإمكانياته ولا بنصرة جيوشه، معطيًا كل المجد والكرامة لمخلصه.

ه. كانت انتصارات داود ظلاً لانتصارات ابن داود التي تحققت بالصليب. يقول القديس بولس: "الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزى، فجلس عن يمين عرش الله" (عب 12: 2). كنائب عنا، تألم وصُلب لحسابنا؛ فيه قمنا وفيه ارتفع إنساننا الداخلي إلى السموات معه (أف 3: 6)، لهذا يتهلل السيد المسيح نفسه بخلاص الآب الذي تممه فيه، ولعمله الفدائي... إذ "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16). لذا قيل: "يارب بقوتك يفرح الملك، وبخلاصك يتهلل جدًا". ونحن أيضًا إذ صرنا ملوكًا نفرح بالشركة معه في صلبه، لأن ما يُسِرُّ الملك (المسيح) يُفرّحنا نحن أيضًا (1 صم 3: 16). في المسيح يسوع نتهلل حين نتمتع بعمله الفدائي في حياتنا اليومية وعند رؤيتنا الآخرين يَنْعمون معنا بذات النعمة التي نتمتع بها.

ثانيًا: الشكر لاستجابة الله سُوٌْل قلبنا.

"شهوة قلبه أعطيه،

وسؤال شفتيه لم تعدمه" [2].


يبدأ المرتل بشهوة القلب ثم يُكمل بسؤال الشفتين، لأن شهوة القلب تسبق سؤال الشفتين ويَلزم أن تتفق معه، ليعمل الداخل والخارج حسب إرادة الله... عندئذ نجد استجابة الله السريعة للقلب كما للفم.

لقد صلى مسيحنا بشفتيه: "مَجِدّ ابنك فيُمجِدك ابنك أيضًا" (يو 17: 1)، وجاءت كلماته تتفق مع شهوة قلبه، وقد استُجِيبَت.

*   اشتهي المسيح أن يأكل الفصح (لو 22: 15)، وأن يبذل حياته ليضعها بإرادته ويأخذها أيضًا بإرادته (يو 10: 18)، وقد تحققت شهوته.
القديس أغسطينوس

أعلن مسيحنا شهوة قلبه الداخلية بالصلاة المسموعة، بالكلمات وأيضًا بالآلام... وقد تحققت شهوة قلبه ولا تزال تتحقق في كنيسته إلى أن يتم جهاد كل المختارين وينعموا بشركة الميراث معه.

ثالثًا: الشكر لله الذي يمجد ابنه.

"لأنك أدركته ببركات صلاحك،

ووضعت على رأسه إكليلاً من حجر كريم" [3].

في النص العبري: "لأنك تتقدمه ببركات خير"، فقد سبقت بركات صلاحه أو خيره فأُعْلِنت حتى قبل تجسده، فقد رأى إبراهيم يوم الرب فتهلل وفرح (يو 8: 56)، وتمتع رجال العهد القديم بالخلاص خلال رموزه وظلاله وعلى رجاء موته.

ونحن أيضًا في العهد الجديد تمتعنا ببركات صلاحه، فنلنا الكثير من العطايا الإلهية قبل أن نسأله أو نطلبها مثل نعمة الوجود، وتمتعنا بالإيمان المسيحي، ونوالنا العماد وسمحة الميرون وسكنى الروح القدس في قلوبنا مع أمور كثيره لا تُحصَى وُهِبت لنا كما أنعم لداود بالعرش دون فضل من جانبه. لم يطلب أحد ما مخلصًا إنما هو من قبيل حب الله جاء الوعد بنسل المرأة الذي يسحق رأس الحية. وكأن عطايا الله للبشر هي من قبيل حبه وصلاحه، يبادر بالحب حتى قبلما أن نوجد أو نتعرف عليه.

رأى المرتل مسيحنا مكللاً على الصليب كملك، فقال: "وضعتَ على رأسه إكليلاً من حجر كريم". حسب الظاهر وُضِع على رأسه إكليل شوك لا أحجار كريمة  ليدفع ثمن خطايانا، أما في الداخل فقد توَّجنا معه ملوكًا لنَنْعم بأكاليل سماوية ثمينة.

v إن كانت الملائكة تفرح متى رأت إنسانًا خاطئًا يرجع إلى الله تائبًا، فكيف لا يمتلئون فرحًا عظيمًا عندما يرون الطبيعة البشرية كلها - في بكرها - تصعد اليوم إلى السماء؟![433].

القديس يوحنا ذهبي الفم

"مجده عظيم بخلاصك.

مجدًا وبهاءً عظيمًا جعلت عليه،

لأنك تعطهِ بركة إلى أبد الأبد" [5].

لأجلنا أخلى ذاته عن مجده ولأجلنا تمجّد، نال من الآب الكرامة والمجد (1 بط 1: 17)، المجد الذي كان له من قبل تأسيس العالم (يو 17: 5).

ربنا يسوع - ملك الملوك - يضع التيجان الملوكية على رؤوس مؤمنيه الأتقياء بيده. ما من درجة من الكرامة مهما علت لا يمكن لله أن يرفعنا إليها إذا أراد ذلك؛ فهو يرفع المسكين من المزبلة، ويقيمه وسط الأشراف (مز 113: 7-8) "الملوك الروحيين". فقد أخذ الرب داود من بين أغنامه وأقامه ملكًا متوجًا على أعظم  عرش في المسكونة كلها في ذلك الحين.

في استحقاقات الدم الثمين وهبنا ربنا يسوع المسيح روحه القدوس، الذي يشكل إنساننا الداخلي لنحمل شركة المجد والبهاء بصورة فائقة:

*   الابن يجعل الذين يقبلونه مشابهين له بواسطة الروح القدس[434].

v حينما تتجدد صورتنا بالقداسة يفعل هذا الروح، فنحن في الواقع نتغير إلى صورة الله، وهذا هو ما يقوله الرسول: "يا أولادي الذين اتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم" فالمسيح فينا بالروح القدس الذي يجدد شكلنا بحسب الله[435].

*   المسيح يتصور فينا بفعل الروح القدس الذي يرسم في نفوسنا صورة إلهية في البر والقداسة[436].

القديس كيرلس الكبير

رابعًا: الشكر لله من أجل الحياة المقامة.

"حياة سألك فأعطيته،

طول الأيام إلى أبد الأبد" [4].


لعل من أعمق الأسباب لتقديم الشكر لله هو تمتعنا بالحياة الجديدة الغالبة للموت. ربما قدم داود الشكر لله لأنه منذ صباه وحتى شيخوخته تعرض لتجارب كثيرة جعلته حسب المنطق البشري على عتبة أبواب الموت، وفي كل مرة كان خلاصة من الموت هو عطية من قبل الله، وليس بعمل بشري. شعر داود الملك أنه مدين لله بكل حياته. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). إن انطلقنا إلى ابن داود نجده وقد أطاع حتى الموت موت الصليب تقبل القيامة من الآب مع كونه هو "القيامة"، وبسلطانه وضع نفسه وأخذها... بالطاعة نال إرادة الآب أن يقوم. ونحن أيضًا إذ صرنا أعضاء جسد المسيح القائم من الأموات ننال هذه الحياة الجديدة فيه.

v "حياة سألك فأعطيته"، أي القيامة التي اِنْجلَت في كلماته: "أيها الآب مَجِدّ ابنك" (يو 14: 7)، وقد أعطيتها له. "طول الأيام إلى أبد الأبد"، أي تلك السنين التي تعيشها الكنيسة

في العالم الآن، وستبقى فيما بعد إلى الدهر الذي بلا نهاية.

القديس أغسطينوس

لقد فُسِرَتْ بركة "طول الأيام إلى أبد الأبد"، في العصور اليهودية المتأخرة وبعض المفسرين المسيحين بأنها بركة مسيّانية، تشير إلى المُلْك الأبدي لنسل داود[437].

خامسًا: الشكر لله من أجل البركات الإلهية.

"لأنك تعطيه بركة إلى أبد الأبد" [6].

السيد المسيح المُبارك، مصدر كل بركة؛ بالصليب بسط يديه فاتحًا أحضانه لكل الأمم كي تَنْعَم بالبركات الإلهية؛ فيجد الكل فيه كفايتهم وشبعهم.

سادسًا: شكر لله من أجل الفرح برؤية الله.

"أبهجته بفرح مع وجهك" [6].


نشكر الله من أجل قوّته وخلاصه اللذين يملاّننا فرحًا، وتهليلاً، ومن أجل تحقيق شهوة قلوبنا وسُؤْل شفاهنا في صلواتنا، من أجل المجد الذي نلناه في الداخل باتحادنا معه، ولتمتُّعِنا بالحياة الجديدة في المسيح يسوع، ومن أجل فيض بركاته، أما تاج هذا كله فهو دخولنا إلى ملكوت الفرح بتمتُّعِنا بوجه إلهنا حيث نَنْعم برؤيته.

+ إقرأ مزمور 21 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. نصرات المسيح المقبلة:

الشكر الحقيقي الذي يقدمه المَلِك والشعب لا يكمن في تمجيد الماضي وإنما بالحري من أجل الثقة في عمل الله معهم في المستقبل. لقد عَلَّم المرتل شعبه أن يتطلعوا إلى الماضي بفرح مُمَجّدين عمل الله معهم حتى يثقوا في الله الذي يهب الخلاص من الأعداء مهما بلغت قوتهم. هو الذي خلصهم ويُخلصهم ويبقى يُخلصهم في المستقبل. لذا يصف المرتل هنا الأعداء وتخطيطاتهم ومصيرهم:

"تظفر يدك بجميع أعدائك،

ويمينك تظفر بجميع مبغضيك

تجعلهم مثل تنور نار في آوان وجهك.

يارب بغضبك تُقلقهم، وتأكلهم النار" [8-9].

إن كان الرب بصليبه قد مزق صك خطايانا، وشّهَّر بعدو الخير وكل قواته؛ عند مجيئه الأخير سيحطم مملكته تمامًا. يجعله كأتون النار لأنفسهم، وذلك " في أوان وجهك"، أي في زمان مجيء الرب للدينونة؛ زمان الغضب.

شَبَّه أعداء الملِك والذين هم أنفسهم أعداء الله، بالعُشْب الجاف والكلأ، الذي يُوقد به في التنور (الفرن)، ويُلقى في نيرانه. وقد تكررت الكلمة المقابلة للتنور oven 15 مرة في النص العبري والكلمة التي تقابل فرن furnace أربع مرات، هذه الصور تُعبّر عن هلاك أعداء الله، إذ يبيدون كقطع خشبية قد زُجَّت في الفرن، فيهلكون تمامًا[438].

وتُستخدم كلمة "نار" في الكتاب المقدس أحيانًا للتعبير عن غضب الله (راجع تث 4: 12؛ 5: 22-25؛ مز 18: 14) وعن يوم الرب الانقضائي (الاسخاتولوجي) (عا 1: 4-14؛ 2: 2-5؛ ملا 3: 2؛ 4: 1)[439]. ويقول سفر الرؤيا عن الأشرار: "يتصاعد دخان عذاباتهم إلى الأبد".

لا يعني غضب الله كراهية أو انتقامًا لنفسه، وإنما يختار الأشرار لأنفسهم أن يكونوا عشبًا زائلاً ويرفضوا أن يَنْعموا بموضع في الحضن الإلهي. إنهم يعدون أنفسهم بمحض إرادتهم ألا يقبلوا مراحم الله ليشتركوا في أمجاده.

"وثمرتهم من الأرض تهلك،

ونسلهم من بني البشر" [10].


جاءت كلمة "ثمرة" في العبرية "أولاد" فالحديث عن الأولاد كثمر هو حديث قديم جدًا (راجع تك 30: 2؛ تث 7: 13؛ 28: 4؛ مز 127: 3؛ 132: 11؛ إش 13: 18؛ مرا 2: 20؛ هو 9: 16؛ مي 6: 7). في المسيح يسوع ربنا تهلك ثمرة إبليس وكل أبنائه، أي الخطايا التي تربض في القلب كما في الأرض. بنعمة الله لا يُتْرك لهم أثر في قلوبنا أو أفكارنا أو عواطفنا، فنقول مع موسى النبي: "لا يبقى ظلف" (خر 10: 26).

إذ يُحوّل الرب قلوبنا إلى السماء تتبدد ظلمة إبليس وكل أعماله، فلا يوجد في داخلنا تراب أو أررض يمكن للعدو أن يركض فيها، لذا قيل "ثمرتهم من الأرض تهلك".

ربما يعني بالأرض الجسد، فلا يكون للعدو ثمر في جسدنا كما لا مكان له في نفوسنا؛ إذ يتقدس الإنسان بكُليّته: الجسد والنفس معًا.

"لأنهم أمالوا عليك شرورًا،

وتشاوروا مشورة لم يستطيعوا إقامتها" [11].


أعداء المسيح أقوياء لكنهم أمامه ضعفاء للغاية. إنهم مملؤون دهاءً وشرًا، يدبرون بالخبث مكائدهم ضده وضد كنيسته، لكنه أخيرًا يفشلون إذ "لا يستطيعون إقامتها". إنهم كالأفعى تحمل سمًّا لكن رأسه مهشم، وكالأسد يزأر لكنه أسير!

يقول الأب قيصريوس أسقف آرل: [إن هذه النبوة قد تحققت عندما زعم الجنود الأشرار أن التلاميذ جاءوا ليلاً وسرقوا جسد السيد المسيح وهم نائمون، لأنهم لو كانوا مستيقظين لحرسوا القبر؟ ولكن إن كانوا نائمين فكيف علموا ما حدث؟[440] بقولهم هذا أكدَّوا القيامة وهم لا يدرون؟

+ إقرأ مزمور 21 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. تسبيح وحمد الشعب:

"ارتفع يارب بقوتك،

نسبح ونرتل لجبروتك" [13].

جاءت الخاتمة مشابهة للأفتتاحية إلى حد كبير ومماثلة لختام (ذكصولوجية) الصلاة الربانية[441]. هكذا تنتهي آلامنا إلى إعلان مجد الله المفرح في حياتنا وفي لقائنا معه أبديًا!


صلاة

*   يدك يا إلهي لا تقصر عن أن تعمل في حياة أولادك!

*   أنت الذي خلَّصتَ وتُخلّص وستُخلّص حتى تدخل بنا جميعًا إلى شركة أمجادك.

*   اقبل يارب شكرنا وتهليلاتنا لأنك أتيت وخلصتنا؛

تسمع نبضات قلبنا وتستجيب لكلمات شفاهنا؛

تسكب بهاءك علينا فنصلح لمملكة؛

تهبنا حياتك سرّ القيامة التي لا يُحطمها الموت؛

تُفيض علينا بينبوع بركات لا يجف؛

وأخيرًا تُعلن ذاتك فنعرف ونراك وجهًا لوجه!

*   حَطّم يارب ثمر العدو في قلوبنا،

ولتُقِمْ ملكوتك داخلنا؛

ولتتمجَّد فينا إلى الأبد!

 

 

+ إقرأ مزمور 21 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 22 PDF Print Email

آلام المسيح المجيدة

من الآلام إلى الأمجاد:

يعتبر هذا المزمور بالنسبة للمسيحين "قدس الاقداس". استخدم مخلصنا كلماته الأفتتاحية في صلاته على الصليب وهو يروي لنا في شيء من التفصيل الصلب والقيامة وتأسيس مملكة المسيح الروحية من الأمم.

نسمع في هذا المزمور ربنا يسوع - خلال فم داود النبي - يتغنى بتسبحة الألم ليحوّل آلامنا إلى تسبيح! وكما يقول القديس بولس: "ناظرين إلى... يسوع، الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزى فجلس عن يمين عرش الله" (عب 12: 2).

+ إقرأ مزمور 22 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مزمور مسياني:

هيكل هذا المزمور فريد في نوعة يراه البعض مرثاة لها قوتها الخاصة[442]، ويحسبه آخرون تجميعًا لثلاثة مزامير منفصلة[443]، أو على الأقل لمزمورين: واحد مرثاة [1-21]، والآخر شكر [22-31]. هذان المزموران أو القسمان متمايزان عن بعضهما البعض، لاختلافهم من جهة نفسية المرتل، وأفكاره وأسلوبه[444]. يظن بعض الداريسن أن هذين القسمين كُتبا منفصلين بعد اجتياز المرتل خبرة مُرَّةً رهيبة، وأُضيفا فيما بعد إلى بعضما البعض لاستخدامهما في الهيكل للعبادة، وقد فُسرا معًا كمزمور مستقبلي يحمل فهمًا مسيانيًا[445].

يتطلع آباء الكنيسة إلى هذا المزمور كمزمور مسياني، يروى بتناغم وتوافق أحداث الصلب المؤلمة جنبًا إلى جنب مع أحداث القيامة المبهجة، وأخبار الكرازة بالإنجيل (الأخبار السارة) بين الأمم لأقامة كنيسة المسيح، مملكة المجيدة‍!

لا يمكن لمسيحي أن يقرأ هذا المزمور إلا ويلتقي بالصلب في حيوية وقوة. "النبوة" ربما هي الموضوع الوحيد لهذا المزمور (1 بط 1: 10-11؛ لو 24: 25-26)، إذ يُحسب إحدى النبوات الكاملة عن آلام المسيح واتضاعة ومملكته المجيدة غير المحدودة بين الأمم.

ورد في العهد الجديد اقتباسات من هذا المزمور 13 مرة، منها 9 مرات في قصة الآلام وحدها. وقد اتخذ منه تلاميذ ربنا يسوع المسيح مادة للكرازة بالرسالة الخلاصية لصلب السيد المسيح وموته وقيامته.

مع شعور المرتل بالعزلة التامة والتخلي عنه، غير أنه يعيش في مملكة السلام. لا نجده يُلمِّح وهو متألم إلى خطية ما، ولا يناشد بتبرئة نفسه، ولا يدافع قط ضد اتهامات باطلة، ولا ينفث غضبًا ضد أعدائه. لا نجد ذكرًا مباشرًا للأعداء، ولا طلب اللعنة عليهم كما في معظم المراثي[446].

+ إقرأ مزمور 22 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


العنوان:

"لإمام المغنين على أيلة الصبح (سحر الصباح) Aijeleth Sahar؛ مزمور داود".

ماذا يعني تعبير "أيلة الصبح"؟


1. يصف عمل السيد المسيح الفدائي: آلام القدوس وقيامته. إذ تتألم الأيل الجريحة وهي بريئة ليأتي عليها السحر بالفرج. هكذا تألم مسيحنا وجُرح على الصليب، ليعلن مجده في فجر الأحد بقيامته. مسيحنا مثل غُفْرِ الأيائل على جبال الأطياب (نش 8: 14)، مثل الظبية المحبوبة والوعلة الزهية لدى جميع المؤمنين (أم 5: 19)، ينطق بأقوال حسنة كنفتالي الذي يشبه "أيلة مسبية" (تك 49: 21).

2. بحسب التقليد اليهودي القديم، هذا التعبير يعني الشكناه، أي السحابة المجيدة التي كانت تظهر وسط شعب الله.

بحسب التقليد كان الحمل يُقدم كذبيحة صباحية بمجرد أن يرى الرقيب من فوق قبة الهيكل أشعة الفجر (السحر) الأولى، فيصرخ قائلاً: "انظروا ها هي أشعة النهار الأولى قد سطعت". هكذا يتحقق إشراق الفداء المقدس خلال آلام المسيح حمل الله التي نراها في هذا المزمور[447].

3. يرى آخرون أن هذا التعبير يشير إلى مجرد النغمة التي تستخدم للتسبيح بالمزمور.

+ إقرأ مزمور 22 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


أقسام المزمور:

1. المسيح المتألم            [1-21].

2. المسيح الممجد            [22-31].

+ إقرأ مزمور 22 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. المسيح المتألم:

ورد هنا وصف كامل لقصة الصلب الرهيبة، التي تحققت تمامًا وبطريقة حرفية خلال آلام السيد المسيح.

1. أعلنت كلمات المزمور الأولى عن تكلفة فدائنا:

"إلهي إلهي لماذا تركتني؟! بعيدًا عن خلاصي عن كلام زفيري (عن ثقل خطاياي)" [1].

ربما يقول أحد إن كلمات الأفتتاحية هذه تناقض نفسها، إذ كيف يمكن لأحد أن يقول "إلهي" لذاك الإله الذي ترك عبده؟! إلا أننا لا نشعر أننا متروكون من الغرباء إنما فقط يكون لنا هذا الشعور نحو الملاصقين لنا.

إنها صرخة يائسة اقتبسها ربنا على الصليب، مظهرًا أنه يختبر ما ورد في هذا المزمور.

لقد حُسب ربنا- كمثل للبشرية- كأنه متروك من الآب إلى حين، لأنه صار لعنة لأجلنا (غلا 3: 13)، وصار خطية من أجلنا ذاك الذي لم يعرف خطية (2 كو 5: 21) حتى لا نصير نحن متروكين من الآب أبديًا. جاء في إشعياء "لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة أجمعك، بفيضان الغضب حجبت وجهي عنك لحظة، وبإحسان أبدي أرحمك" (إش 54: 7). شاركنا مخلصنا خبرتنا المُرّة إذ نشعر أن الله تركنا. صارع حتى الموت ليقيم نفسه جسرًا يقودنا خارج ضيقاتنا وينطلق بنا إلى حضن الآب. أُظهر لنا على الصليب مقدار بعدنا عن الله وانفصالنا عنه، هذا الذي هو علّة وجودنا كله.

تدخل بنا هذه الكلمات وجهًا لوجه مع أعماق عمل المسيح غير المدرك الحامل لخطايانا، هذا الذي وضع عليه إثم جميعنا. يسوع الذي صار خطية لأجلنا، وفي خضوع وضع نفسه تحت غضب الآب وكراهيته للخطية. "أما الرب فسُرَّ بأن يسحقه بالحزن" (إش 53: 10).

*   لم يكن المسيح متروكًا من الآب ولا من لاهوته كما يظن البعض، أو كما لو كان

خائفًا من الآلام فانفصل بلاهوته عن ناسوته أثناء آلامه...؛ وإنما كما قلت إنه كان ينوب عنا في شخصه. نحن كنا قبلاً متروكين ومرذولين، أما الآن فبآلام ذاك الذي لا يسوغ له أن يتألم (حسب اللاهوت) أقامنا وخلصنا[448].

القديس غرغوريوس النزيزى

v   ماذا يعني ربنا؟ الله لم يتركه إذ هو نفسه الله... فلماذا استخدم هذه الكلمات لو لم نكن نحن حاضرين (فيه)، لأن الكنيسة هي جسد المسيح (أف 1: 23)؟ ماذا يقصد بقوله: "إلهي إلهي لماذا تركتني" إلا أن يستلفت أنظارنا، قائلاً لنا: "هذا المزمور إنما كُتب عني؟"

القديس أغسطينوس

*   الصلاة التي أنطق بها ليست صلاة رجل بار، إنما تليق بمن حمل الخطايا. من يُصلي هكذا هو ذاك الذي الذي يسُمّر على الصليب إنساننا العتيق الذي لا يُدرك حتى لماذا تركه الله.

القديس أغسطينوس

*   بكونه إنسانًا يتكلم حاملاً مخاوفي، فإننا إذ نكون في وسط المخاطر نظن أن الله قد تركنا. لهذا كإنسان اكتأب، وكإنسان بكى، وكإنسان صُلب[449].

القديس أمبروسيوس

*   صنع المسيح نفسه هذا (صرخ على الصليب) كي نتعلم أنه حتى النفس الأخير كان يكرم أبيه، وأنه ليس ضد الله[450]

القديس يوحنا الذهبى الفم

أجاب المخلص المصلوب على هذا السؤال بنفسه، قائلاً: "أنت القدوس" [4]. هذه هي الإجابة: القداسة الإلهية؛ لأنه كان يجب أن يسدد بالكمل ثمن الخطية، الثمن الذي لا يمكننا إدراكه.

قداسة الله تكشف الفرق الشاسع بين عظمة الله وبيننا نحن. خلال الصليب صرنا ملتصقين بالله الذي لا يُدنى منه، إذ ننال الشركة مع الابن الذي هو بِرُّنا وتقديسنا، وفيه نصير قديسين.

2. يُظهر المزمور صورة الصليب بآلامه وعاره.

يقول المرتل إن آباءه اتكلوا على الرب [5-6]، أما حالته فميئوس منها، لأنه دودة لا إنسان.

"أما أنا فدودة لا إنسان،

عار عند البشر ومحتقر الشعب" [6].

هذه هي كلمات السيد المسيح الذي صار مهانًا ومُحتقر الشعب. صار في عيني الأعداء مرزولاً من الله، كدودة مدوسة بالأقدام!

الكلمة العبرية المقابلة ل "دودة" تُستخدم للحشرة الصغيرة cocus التي يستخرج منها الصبغة القرمزية اللون أو الأرجوانية، تنتج عن موت الحشرة. هذا اللون كان لازمًا في خيمة الاجتماع. هكذا مات السيد المسيح حتى تصير خطايانا التي كالقرمز بيضاء كالثلج.

*   "وأما أنا فدودة" ... الآن لا أتكلم كآدم، إنما أنا يسوع المسيح أتحدث باسمى الخاص. لقد وُلدت حاملاً الجسد البشري دون زرع بشر، حتى بكوني إنسنًا أصير فوق البشر؛ بهذا أُخضع الكبرياء البشري بامتثالهم لاتضاعي.

*   لماذا "... لا إنسان"؟ لأنه هو الله. لماذا وضع نفسه هكذا حتى قال إنه "دودة"؟ هل لأن الدودة تولد من جسم دون اتصال جسدي، كما جاء السيد المسيح من العذراء مريم؟ ... فقد وُلد من جسد لكن دون زرع بشري.

القديس أغسطينوس

استخدم العلامة ترتليان هذه الآية في مناظرته ضد أتباع فالنتنيان. منكري ناسوت المسيح قائلاً: [إنهم ينكرون ناسوت المسيح، هذا الذي أعلن عن نفسه أنه "دورة لا إنسان"، والذي قال عنه إشعياء النبي أيضًا: "لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه، محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع... وكمستَّرٍ عنه وجوهنا، محتقرٌ فلم نعتدَّ به" (إش 53: 3)[451]].

يرى القديس باسيليوس الكبير في كلمات المرتل داود "أنا دودة لا إنسان" دعوة للاتضاع، إذ يقول: [هل احتقرك (إنسان) واستخف بك؟! أذكر أنك قد خُلقت من التراب (تك 3: 19)... إن دعاك وضيعًا، حقيرًا، كلا شيء، قل في نفسك إنك تراب ورماد. فإنك لست أعظم من أبينا إبراهيم الذي اعتاد أن يستخدم هذا الأسلوب مع نفسه (تك 18: 27). إن قال لك عدوك إنك حقير وشحاذ وتافه، قل في نفسك مع داود: "أنا دودة" وُجدت في الحمأة[452]].

هكذا في اتضاع ندرك حقيقة ضعفنا، لكي بالإيمان نتمتع بكرامة مسيحنا المتضع، ونُحسب بحق أولاد الله المكرمين حتى بين السمائيين!.

*   "عار عند البشر ومحقر الشعب" [6]. اتضاعي جعلي موضع سخرية البشر، فيستطيعون القول باستخفاف وبروح الإساءة: "أنت تلميذ ذاك" (يو 9: 28)، وهكذا يقودون الغوغاء إلى احتقاره.

"كل الذين يرونني يسهزئون بي" [7]. كنت أضحوكة كل من ينظر إليّ.

"يفغرون الشفاه ويُنغِضون الرأس" [7]. صمتت قلوبهم، فنطقوا بشفاههم وحدها.

القديس أغسطينوس

"يفغرون الشفاه" إشارة إلى فتح الفم أو الضحك... "يُنغِضون الرأس" علامة الاستهزاء بحركة الرأس. في الحركتين استهزاء وسخرية (مت 27: 39؛ مر 15: 29). فقد حسبوه شريرًا، ومجدفًا على الله، كاسر السبت، شرِّيب خمر، نبيًا كذابًا، عدوًا لقيصر، متحالفًا مع سلطان الشياطين.

*   يقول في المزمور: "لأنك أنت جذبتني من البطن" [9]، مشيرًا إلى أنه وُلد بغير زرع بشر، بكونه أُخذ من بطن العذراء وجسدها، لأن أسلوب الولادة (هنا) مختلف عن أسلوب أولئك الذين يولدون عن طريق الزواج[453].

القديس كيرلس الأورشليمي

3. لقد تخلى عنه أصدقاؤه (لا مُعين) [11]. إذ داس المعصرة وحده.

4. يظهر مقاوموه - في المزمور - بوضوح أكثر من أي شيء آخر كعلة لآلامه [6، 7، 8، 12، 13، 16، 17، 18]. استخدم المرتل حديثًا مَجازيًّا لوصف أعدائه: الثيران، الكلاب، الأسود، قادة اليهود الأشرار اضطهدوا السيد المسيح كثيرانٍ وأسود متعجرفة بغيضة، وآخرون أقل منهم في المراكز شبههم بالكلاب، الدنسة، الجشعة، لا يكفون عن الحط منه.

الشيطان نفسه، الأسد، هو العدو الحقيقي: "خلصني من فم الأسد" [21]. هذا المقاوم الخطير الذي له سلطان الموت قد تحطم بالموت (1 بط 5: 8؛ 2 تي 4: 17؛ عب 2: 14).

*   أنا نفسي كنت فريسة الأسد، عندما أمسك بي وقادني للموت، وهو يزأر: "أصلبه أصلبه" (يو 19: 6).

القديس أغسطينوس

*   "أحاطت بي ثيران كثيرة، أقوياء باشان اكتنفتني" [12]. هؤلاء هم الشعب وقادته؛ الشعب أو الثيران التي بلا عدو؛ وقادتهم الثيران القوية.

القديس أغسطينوس

اكتنفته الثيران العنيفة التي من باشان، حيث المراعي الخصبة شرقي عدن، المعروفة بسلالتها القوية وتربية الأغنام (تث 32: 14، عا 4: 1).

5. "وإلى تراب الموت تضعني" [15]: الموت الذي اجتازه كان بحسب إرادة الآب، كعمل طاعة من جانبه.

6. يصف هذا المزمور موت السيد المسيح على الصليب، هذه الوسيلة التي لم تكن متبعة قط عند اليهود،  إنما ابتكرتها الإمبراطورية الرومانية.

هنا يصور لنا هذا الموت الرهيب:

أ. يشير إلى الظلمة [2] التي غطت الأرض عندما صُلب ربنا.

ب. "كالماء انسكبتُ" [14]. عندما طُعن جنب ربنا خرج من الجرح دم وماء.

ج. "انفصلت كل عظامي" [14]. عندما عُلق السيد المسيح على الصليب ارهقت العضلات وانفصلت المفاصل عن مكانها.

*   لا توجد كلمات تصف تمدد جسد (المسيح) فوق الشجرة أفضل من هذه: "أُحصى كل عظامي".

القديس أغسطينوس

يرى العلامة أوريجانوس أن هذه العظام من الجانب الرمزي تشير إلى تلاميذ السيد المسيح وجماعة المؤمنين فقد تبعثروا في ضعف في لحظات الصلب لكنه بالقيامة اجتمعوا كجسد واحد لم تنكسر منه عظمة واحدة.

*   "تبعثرت كل عظامي" [14]. بالرغم من أن عظام جسمه لم تتبعثر، ولم يُكسر منها واحدة.  لكنه إذ تحققت القيامة، قيامة جسد المسيح الكامل الحق، فإنه يجتمع معًا أعضاء جسد المسيح الذين يكونون في ذلك الوقت عظامًا جافة، كل عظم من عظمه، فيلتصق الكل ويرتبط معًا (لأن من كان عاجزًا عن الترابط معًا لن يبلغ الإنسان الكامل)، وهكذا يبلغون إلى قياس ملء قامة المسيح. حينئذ يصير الأعضاء الكثيرون جسد واحد، مع كثرتهم يصير الكل أعضاء الجسد الواحد[454].

العلامة أوريجانوس

يرى كثير من الآباء أن المؤمنين الحقيقيين - عظام السيد المسيح - حتى إن ضعفوا في لحظات الضيق والاستشهاد لكن نعمة الله تسندهم، ولا ينكسر واحد منهم.

عظام السيد المسيح هي إيماننا الداخلي به، فإننا كثيرًا ما نئن عندما تشتد التجربة، صارخين في أعماقنا: "إلى متى يارب تنساني؟!... إلى متى تحجب وجهك عني؟ إلى متى أردد هذه المشورات في نفسي وهذه الأوجاع في قلبي؟" (مز 13: 1-2). كأن الله قد فارقنا أو إيماننا قد ضعف... لكن سرعان ما يعمل الله فينا بنعمته لنكمل صرخات المرتل: "يبتهج قلبي بخلاصك" (مز 13: 5)، معلنين أن عظامه فينا لا تنكسر وإن تبعثرت إلى حين!

د. "ثقبوا يديّ ورجلي" [16].

*   بعدما سمعت النبوات الخاصة بموته، تسأل: ماذا يُقال عن صليبه؟... "ثقبوا يدي ورجلي. أحصى كل عظامي" [16]. هذا عن موت يتحقق برفع الشخص وتعليقه على شجرة، لا يمكن أن يتحقق إلا بالصليب. أيضًا ثقب اليدين والرجلين لا يتم بموتٍ آخر غير الصليب[455].

البابا أثناسيوس الرسولي

*   "وهو مجروح لأجل معصينا" (إش 53: 5). ويقول المزمور "ثقبوا يديّ ورجلي"، لكي يشفي جراحاتنا بجرحه. "مسحوق" أي "ضعيف"، "لأجل آثامنا" (إش 53: 5). لكي يخلصنا من الإهانة باحتماله الإهانة[456].

القديس جيروم

ه. "صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي" [14].

*   أحشاؤه ترمز إلى الضعفاء في الكنيسة. كيف صار قلبه كالشمع؟؟ قلبه هو إنجيله، أو بالأكثر حكمته المذخرة في الكتب المقدسة. الكتاب المقدس مغلق لا يفهمه أحد. عندما صلب ربنا ذاب الكتاب المقدس مثل الشمع، فصار حتى الضعفاء قادرين على الدخول إلى معانيه. لذلك انشق حجاب الهيكل (مت 27: 15)، لأن ما كان محجوبًا صار ظاهرًا.

القديس أغسطينوس

"صار قلبي كالشمع"، ذاب لكي تنطبع فيه صورة غضب الله ضد الخطية التي حملها السيد المسيح لننال الرضى. ذاب قلبي فصرت كشخص ميت، نازعًا قساوة القلب واهبًا إياه لطفًا وليونة.

و. "ويبست مثل شقفة قوتي" [15].

ز. "ولصق لساني بحنكي" [15].

ح. "وهم ينظرون ويتفرسون فيّ" [17].

ط. "ويقسِمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون" [18].

*   لقد عرفنا أنه يتألم. عظامه قد أُحصيت، أُستهِزئَ به، ثيابه قد قُسَّمت.

ألقوا قرعة على لباسه، أحاط به الرجال وهم مملؤون غضبًا وعظامه تبعثرت. إننا نستمع إلى القصة ونقرأ عنها في الأنجيل.

القديس أغسطينوس

لقد عُرَّىَ؛  فإن عار العِرْى هو ثمرة مباشرة للخطية، لهذا تجرد ربنا يسوع من ثيابه عندما صُلب لكي يكسونا بثوب بره، ولكي يسترنا من عار عرينا.

"أنقِذْ من السيف نفسي" [20]. إنه السيف الملتهب الذي للغضب المقدس، الذي يتحرك في كل اتجاه.

+ إقرأ مزمور 22 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. المسيح الممجد:

يتكون هذا القسم من أغنيتين للشكر متكاملتين [22-26؛ 27-31]. في الأولى يمجد المرتل الرب ويدعو المساكين للمشاركة في الوليمة الذبيحية (ذبيحة التسبيح)، بينما في الثانية يتنبأ عن إقامة المملكة المسيَّانية. إنهما تُظهران حياة المرتل الممتدة، إذ صارت مرثاته صلاة شكر وسط الجماعة العظيمة من "المساكين". إنهما تُعلنان قوة قيامة المسيح ومجدها وبهجتها: فقد تحطم سلطان الظلمة [1-21]. وجاء العيد، وانتشر الفرح وتحققت المملكة اللانهائية.

كما أن الكلمات الأولى للمرثاة [1]. استخدمها السيد المسيح على الصليب. هكذا نُسبت الكلمة الأولى لأغنية النصرة إلى السيد بوضوح (عب 2: 12).

في هذا القسم يشير المرتل إلى الشبع والنصرة الذين يهبهما المخلص في آلامه، بإعلانه عن حضرته وسط كنيسته المملؤة فرحًا وشبعًا:

1. أُُقيمت الكنيسة بإعلان "اسم الله" [22]. قال مخلصنا في صلاته الوداعية: "وعرَّفتهم اسمك وسأعرفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم" (يو 17: 26). لقد تعرفنا عليه خلال حبه الإلهي على الصليب.

عمل الكنيسة في كل عبادتها التمتع بالمعرفة الإلهية ومنحها للمؤمنين. فالمعمودية مثلاً تُدعى "سرّ الاستنارة"، وفي الأفخارستيا ننال معرفة عملية جديدة[457].

2. المدعون (للعضوية في كنيسة المسيح) يدخلون في علاقة قرب شديدة للسيد المسيح، فيُحسبون "إخوته".

"أُخبْر باسمك إخوتي،

في وسط الجماعة أسبحك" [22].


بينما رأيناه على الصليب وحيدًا، لا نراه هكذا بعد، بل يظهر وسط إخوته. في يوم قيامته قدم الرسالة المفرحة: "اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (يو 20: 17). نسمعه يخاطب تلاميذه كإخوته وذلك في يوم قيامته المجيدة بعدما اجتاز آلامه. فإننا إذ نتقدس بعمله الخلاصي (آلام الصليب)، ليس فقط لا يخجل بل يُسر جدًا أن يدعوهم هكذا "إخوته" (عب 2: 12).

*   إننا أقرباء الرب حسب الجسد، لذا يقول: "أخبر باسمك إخوتي" (عب 2: 12؛ مز 22: 22). وكما أن الأغصان واحدة مع الكرمة (الأصل) وهي منها (يو 15: 1) هكذا نحن أيضًا جسد واحد متجانس مع جسد الرب، ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا (يو 1: 16)، ولنا هذا الجسد كأصل لقيامتنا وخلاصنا[458].

القديس أثناسيوس الرسولي

3. هذه الكنيسة هي جماعة فرح وشكر وتسبيح. نترنم للآب، بصوت المسيح نفسه الساكن في قلوبنا، هذا الذي يمنحنا حياة شاكرة مسبَّحة. يقول: "في وسط الجماعة أُسّبِحُك" [22]. السيد المسيح هو موضع سرور الآب، يُسَرُّ الآب بسماع صوته خلال كنيسته.

*   بفرح أعلن مجدك في أركان كنيستي.

القديس أغسطينوس

4. الكنيسة هي جماعة حب، لأن أعضاءها هم إخوة السيد المسيح. وهي في ذات الوقت جماعة "خائفي الرب" [23]، فإن كان السيد المسيح يدعونا أحباءه إلا أننا نحن نحسب أنفسنا عبيدًا له.

الحب ومخافة الرب هنا متكاملان في حياة المؤمنين. بهما يُعد المؤمنين زرع يعقوب وإسرائيل، وعليه تحل بركة إبراهيم [23].

5. هؤلاء الإخوة الذين ينالون الحب مع مخافة الرب المقدسين يلزمهم أن ينضموا في الجماعة العظيمة [25]، الكنيسة الجامعة. فالكنيسة كمملكة الله يليق بها أن تمتد إلى كل أركان الأرض [27-28].

تنبأ عن خلاص الأمم قائلاً: "تَذكُر وترجِعُ إلى الرب كل أقاصي الأرض" [27]، يأتى العالم ليعبد الرب.

"الجماعية" كموضوع هذا المزمور موحاه من (مز 18: 44) في اختصار، ومن مزمور 87 بأكثر توسع[459].

*   ستتعبد له كل أجناس المسكونة داخل قلوبهم، "لأن للرب المُلْك، وهو المتسلط على الأمم" [28]. المملكة هي للرب لا للإنسان المتكبر، وهو يتسلط على الأمم.

القديس أغسطينوس

الخلاص الشخصي: الخلاص مقدم للعالم كله، يتمتع به كل عضو في الكنيسة بكونه خلاصه الشخصي. لذا يقول المرتل "ليت نفسي تحيا به" [29].

*   إن نفسي التي تستهين بهذا العالم يبدو كميت في نظر الإنسان، تنسى ذاتها لتعيش في (المسيح).

القديس أغسطينوس

6. كنيسة مملؤة شعبًا وفرحًا: افتقر السيد المسيح - رأس الكنيسة - وصار مسكينا لأجلنا، لكي يمنحنا غناه وسلامه. "يأكل الودعاءُ ويَشبعون" [26].

يصير المساكين بالروح أغنياء بالبركات الروحية، ويشبع الجياع بالخيرات، لأن السيد المسيح نفسه هو شبعهم!

يرى القديس أكليمندس الإسكندري في العبارة: "تحيا قلوبكم إلى الأبد" [26] أن سرّ الشبع والحياة هي المعرفة الروحية التي وُهبت لنا بالسيد المسيح.

*   الذين يطلبونه بالحق مسبحين الرب يمتلئون معرفة، وتحيا نفوسهم، فإن يُقال عن النفس "قلبًا" من قبيل الرمز، هذا الذي يدبر الحياة[460].

القديس أكليمندس الإسكندرى

7. كنيسة مقدسة، تعلن صلاح المسيح في حياته [31].

8. يليق بالكنيسة أن تستمر حتى النهاية، عبر الأجيال. "تحيا قلوبُكُم إلى الأبد" [26]. لأننا في المسيح يسوع المُقام لن نعرف الموت قط إنما نعيش فيه أبديًا، نشاركه أمجاده.

عندما نترنّم بهذا المزمور نتأمل في آلام السيد المسيح وقيامته، نشاركه صلبه ونبلغ قوة قيامته ومجدها، كمصدر نصرتنا على الموت وتمتعنا بالمجد السماوي.

 

+ إقرأ مزمور 22 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 23 PDF Print Email

مزمور الراعي
أو مزمور الباراقليط

تسبحة ثقة:

يُعتبر هذا المزمور من أعذب ما ورد في سفر المزامير، بكونه تسبحة ثقة؛ فالسمة الغالبة عليه هي اليقين والثقة في الله حيث يرتمي المرتل على صدر الله كطفل وقت السِلْم والسكون[461]. في هذا المزمور يختفي بوق الحرب لتظهر قيثارة السلام التي لا تعود تُصْدِر لحنًا حزينًا بل سيمفونية حب مفرحة تتغنى بالله كراعٍ صالح قائد حكيم وصديق شخصي للنفس البشرية.

يحب اليهود الأرثوذكس هذا المزمور، ويستخدمه اليهود المصلحون Jews Reformed  للعبادة في المجمع.

وجد آباء الكنيسة الأوائل  بهجتهم وسرورهم وتهليلهم فيه، إذ رأوا فيه رعاية الراعي الصالح وعنايتة بقطيعه. حسنًا اختاره القديس أغسطينوس كتسبحة للشهداء[462].

يعتقد كثيرون أن هذا المزمور هو أحد المزامير الأولى التي نظمها داود النبي؛ وتُشكّل عادات حياته الأولى كراعٍ للغنم لتصورات الجزء الأول من المزمور. يُعتَبر داود بحق هو أنسب شخصية تكتب مزمورًا تقويًا رعويًا كهذا[463].

يقول الأسقف وايرز Weiswe: [إن المؤلف اختبر خلال الخدمة الإلهية بركات الشركة مع الله. إذ كان يسترجع حياته الماضية فيراها وقد عبرت تحت رعاية الله اليقظة الساهرة وسط كل أنواع الضيقات. هذه الرعاية الإلهية أو قيادة الراعي تحتضن كل عضو من شعب الله بل وكل الشعب كجماعة. ويمكن لهذه الخدمة الإلهية أن تصير تسبحة حمدٍ لله، حيث قاد الراعي (مز 80: 1) الشعب المتمتع  بالعهد وعَبَر به خلال تاريخ الخلاص، خاصة في نصرة الخروج التي انتهت بما ناله الشعب من سلام في أرض الرب أو أرض الموعد (إش 40: 11؛ 63: 14؛ حز 34؛ مز 95: 7؛ 100: 3)].

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مزمور ملوكي ليتروجي:

يرى  A.L. Merrilأن هذا المزمور يصف طقس تتويج الملك، يتضمن موكبًا يبدأ من الهيكل ويستمر إلى الينبوع، وربما يشمل الطوف حول المدينة المقدسة (مز 48: 13 الخ). ربما يُستخدم هذا المزمور في تجليس الملك (مَن نسل داود) أولاً بكون هذا التجليس ليس إلا رمزًا لرعاية السيد المسيح نفسه (ابن داود) الملك الراعي المحب لشعبه، غير المتسلط. ثانيًا، لكي يتأكد الشعب عند تجليس الملك أن الراعي الحقيقي ليس الملِك ولا القيادات المدنية أو الكنسية إنما الله نفسه الذي يرعى الكل ويهتم بالنفس والجسد معًا.

يرى E. Vogt أن هذا المزمور مرتبط بذبيحة الشكر التي يقدمها زائر للأماكن المقدسة من أجل تمتّعه ببركة معينة، فيكون كمن عَبَر بوادٍ مظلم [4] ليدخل  إلى بيت الله[464]. ومع كل عطية نتمتع بها نرى يدّ الله الحانية ورعايته الفائقة لنا، إذ يقودنا في وادي هذا العالم لنسكن معه أبديًا في مَقْدسه السماوي [6].


ارتباطه بالمزمور السابق:

في المزمور السابق نرى صورة رائعة للراعي المتألم، وهنا نجد صورة مبهجة للقطيع المملوء فرحًا وشَبَعًا.

في المزمور السابق نرى الراعي وقد عُلّق على الشجرة لكي يحمل أتعاب شعبه، ويَعْبر بهم خلال صليبه إلى الأمجاد... هنا يتقدم الراعي قطيعه ليدخل بهم في استحقاقات دمه إلى مراعٍ خضراء، هي فردوسه المشبع للروح، يدخل بهم إلى جداول مياه مُنسابة وسط المراعي، هي جداول روحه القدوس المروي للأعماق الداخلية.

ما كان يمكننا أن نتمتع بهذا المزمور "جوهرة المزامير" ما لم نَتقبَّل  عمل المسيح الخلاصي وندخل إلى المزمور السابق بكونه "قدس الأقداس". ما كنا نختبر عذوبة رعاية المسيح ما لم نتعرف على دمه المهراق لأجلنا.

لا يمكن للنفس أن تترنم "مسكني في بيت الرب طول الأيام" [6]. ما لم يصرخ المخلص: "إلهي إلهي لماذ تركتني؟!" (مز 22: 1). صار متروكًا حتى كما من الآب وهو واحد معه في الجوهر ومساوٍ له، لا ينفصل عنه لكي نصير نحن غير متروكين منه أبديًا.

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مزمور سرائري:

يختفي وراء بساطة هذا المزمور العمقُ مع القوة. لقد وجد المسيحيون الأوائل في هذا المزمور رمزًا لأعمال السيد المسيح القدسية السرائرية. لهذا جعلوه من صُلْب ليتورجيا العماد، ففي ليلة عيد القيامة (الفصح المسيحي) كان المعمدون حديثًا غالبًا يترنمون به بعد نوالهم سرى العماد والميرون، وقد لبسوا الثياب البيضاء وحملوا المشاعل، مُسرعين تجاه مذبح الرب بالفرح يشتركون في المائدة السماوية.

ومازالت كنيستنا تترنم بهذا المزمور يوميًا أثناء تسبحة الساعة الثالثة، تذكارًا لحلول الروح القدس على التلاميذ في تلك الساعة، هذا الروح الذي لا يزال عاملاً في الكنيسة، خاصة في الأسرار الإلهية المقدسة.

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الخطوط العريضة للمزمور:

يبرز هذا المزمور الله المخلص من جوانب ثلاثة: المخلص كراعٍ صالح، المخلص كقائد يدخل بنا في سُبًل البرّ، المخلص كصديق يستقبلنا في بيته المقدس كل أيام حياتنا.

1. راعيّ [1-3 ( أ )]:
يمثل داود ربنا، المسيّا الراعي، يهوه الراعي. يُستَهلُّ المزمور في سطوره الأولى بإلقاء الضوء على أكثر الصور شعبية في الكتاب المقدس: صورة الراعي (تك 49: 24؛ حز 34: 11-16). في لفظة "راعٍ" يستخِدم داود أكثر التشبيهات الإيضاحية التي تكشف عن التصاق الراعي برعيته، فهو يعيش مع قطيعه، وهو كل شيءٍ بالنسبة للقطيع: يقُوته ويغذيه ويقوده ويوجهه ويعالجه ويحميه. نرى في كل تشبيهات المزمور رقة وعذوبة تخترقان القلوب التي تتلامس مع النعمة الإلهية الحانية. فما هو أعذب وأحلى من تقديم الله كراعٍ؟!

2. قائدي في سبُلُ البر [3 ب-4]:
السبُلُ التي يسلكها القطيع إما أن تكون مَعيبة أو تُبرّئ اسم راعيها الصالح. تتحقق وعود الراعي وإرادته المقدسة خلال عنايته وحمايته اللتين يُظهرهما المرتل، وهكذا يُعلِن الله عن ذاته خلالهما.

3. صديقي ومضيفي [5-6]:
لقد أُعدَّ وليمة عائلية بذبيحة نفسه لكي يُشبِعني ويهبني فرحًا مبهجًا.

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


راعيّ:

"الرب راعيّ فلا يُعوزني شيء" [1].

اعتادت الأمم الشرقية أن تدعو حكامها وملوكها الصالحين "رعاة".

عندما يدعو الكتاب المقدس الله "ربنا" و"ملكنا" و "الخالق" الخ... فإننا عادة نشعر بقدرته وقوته ومجده في خوف ورعدة، لكن بتَسْميته "الراعي" نتذوَّق بالحري حلاوته ورقّته وتعزيته لنا وعنايته بنا - وبنفس الشيء تقريبًا عندما ندعوه "أبانا".

إنني بلا شك لا أعتاز شيئًا البتة، إذ هو بنفسه يصير طعامي وشرابي وملبسي وحمايتي وسلامي وكل عوني لحياة كلها بهجة. حضوره الواهب النِعَمْ في قلبي يهبني شبعًا وكفاية.

إذ يقبل الموعظ (طالبُ العماد) الرب راعيًا له، ويصير من قطيعه، يشترك في جسده ودمه المبذولين، فماذا يحتاج بعد ذلك؟ في المسيح يسوع لا يحتاج المؤمن شيئًا، إلا ما يجده في المسيح، أو بمعنى أدق يحتاج إلى السيد المسيح نفسه.

هذه هي أحاسيس القديس امبروسيوس[465] وهو يرى الكنيسة - ليلة عيد القيامة- وقد صارت سماءً، وجموع المعمَّدين حديثًا قد نالوا روح التبنّي، يُسْرِعون مع صفوف المؤمنين بالتسبيح والترنيم نحو المائدة الإلهية، يَنْعمون بما تشتهي الملائكة أن تطَّلِع إليه!

*   هناك حِمْلٌ واحد حَمَلْتَه على كتفيك، "طبيعتنا البشرية[466].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

يتحدث داود النبي بلغة اليقين: "الراب راعيّ"، فقد صار حملاً لكي يَحِلَّ في وسطنا كواحدٍ منا، لكنه يلتزم في حبه اللانهائي برعايتنا، إنْ اتحدنا به وصرنا حُمْلانا لا ذئاب، فهور راعي الخراف لا الذئاب. لقد دفع دمه الثمين ثمنًا لقبولنا رعايته، به نصير رعيته المحبوبة وهو راعينا الساهر علينا.

يحدثنا العلامة أوريجانوس عن عناية الله ورعايته الفائقة، بكونها رعاية دائمة وشاملة ودقيقة تحتضن كل شيء حتى شعور رؤوسنا، بل ومن أجلنا يهتم الله حتى بالخليقة غير العاقلة:

*   إنه بعنايته يهتم بنا يوميًا، بصفة عامة وعلى وجه الخصوص، علنًا وخفية، حتى وإن كنا لا ندرك ذلك[467].

*   إننا نعترف بعقيدة أكيدة وثابتة، أن الله يعتني بالأشياء القابلة للموت، وليس شيء ما في السماء أو على الأرض ليس تحت عنايته[468].

*   العناية الإلهية تضم الخليقة العاقلة أولاً، ولكن نتيجة لذلك فهي تضم الحيوانات غير العاقلة لأجل نفع الإنسان[469].

v ما يحدث في حياة البشر... لا يتم بمحض الصدفة، ولا بطريقة عشوائية، وإنما بهدفٍ سامٍ محسوب، يشمل حتى شعر الرأس (مت 10: 3). هذا الأمر لا يخص القديسين وحدهم كما يظن البعض، وإنما يشمل كل البشر. فإن العناية الإلهية تمتد لتشمل العصفورين اللذين يُباعان بفلس (مت 10: 29)، سواء فهِمْنا مثل العصفورين بطريقة روحية أو رمزية[470].

*   تحتضن العناية الإلهية كل شيء حتى أن شعور رؤوسنا محصاة لدى الله[471].

العلامة أوريجانوس


والآن ماذا يقدم لنا الراعي؟

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. "في مراعٍ خُضْرٍ يُرْبِضني"

إنه يقود الموعوظين إلى تلك المراعي التي فيها يتهيأون لنوال المعمودية. وإذ ينالون روح التبني تبقى نفوسهم تغتذي يوميًا من مرّعْي كلمة الله الذي لا يجف. هذا المرعى هو إنجيل خلاصنا الذي يردُّنا إلى الفردوس الحق. يرعى الحمَل هناك، وهو حيوان مُجْتر (يأكل كثيرًا ثم يَجْتَرُّ ما أكله ليُعيد مضغه من جديد).

*   المراعي الخضراء هي الفردوس الذي سقطنا منه، فقادنا إليه السيد المسيح، وأقامنا فيه بمياه الراحة، أي المعمودية.

القديس كيرلس الإسكندري

المراعي الخضراء ليست بركات خارجية بل بالحري هي تمتع بِسُكْنَى السيد المسيح فينا، فيهبنا "طبيعة الاكتفاء" في أعماقنا، فلا نكون في عوز. فقد يكون أغنى إنسان في المدينة هو أفقرهم، إذ يفتقد سُكْنَى الراعي في داخله، فيشعر بفراغ داخلي لا يستطيع العالم كله أن يملأه. وربما يكون أفقرُ المؤمنين أغناهم، إذ يكون السيد المسيح نفسه مِلْكًا له، يتقبَّل من يديه الشعور بالكفاية والشبع، بجانب بهجته لمشاركته السيد المسيح في فقره مُتَرجّيًا أن يشاركه أيضًا في مجده.

من أجلنا افتقر السيد المسيح لكي نغتني به؛ وفي فقره لم يشعر قط بالعوز. لقد صنع عجائب ومعجزات لراحة أحبائه لا لمجده الذاتي ولا لراحته الخاصة. بهذه الروح يسلك كل مسيحي ارتبط بمسيحه كعضو في جسده.

مسيحنا يهبنا حياته مَرْعَى لا يجف؛ إذ قد يموت الوالدان الأرضيان في أية لحظة، أما راعينا الصالح فلن يموت!

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. "إلى مياه الراحة يوُرِدني" [2].

إذ ينال القطيع قسطًا وافرًا من الطعام يقتاده الراعي إلى مَجْرَى مائي أو إلى ينبوع يفيض مياها عذبة متجددة ليشرب الكل ويرتوا منها، ويتقوى كيانهم وينتعشوا.

لا يستطيع القطيع أن يذهب إلى ينابيع المياه من تلقاء نفسه إنما يحتاج إلى قيادة الراعي حيث يُورِد قطيعه أو يهديه إلى ما يناسبه.

ما هي مياه الراحة؟ لقد دُعِى الهيكل "بيت قرار" (1 أي 28: 2)، أي "منزل الراحة" أو "مكان الراحة" حيث يستقر فيه تابوت الرب (مز 132: 8، 14). ومن تمَّ فأنَّ ماء الراحة يشير إلى الله الراعي الذي يستضيف المرتل في بيته الخاص به ليُرويه ويهبه راحة.

المعمودية هي بلا شك مياه الراحة، التي ترفع ثقل أحمال الخطية. يقول القديس أغسطينوس: [يوردنا على مياه المعمودية حيث يُقيمنا ويدربنا ويرعانا، هذه التي تهب صحة وقوة لمن سبق له أن فقدهما]. ويقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [إننا في هذه المياه نجد راحتنا[472]، بدفننا مع المسيح في شِبه موته، لكننا لا ندخل إلى الموت بل إلى ظلّه كقول المرتل [3].

v يوجد أيضًا ماء نضعه في جرن نفوسنا، ماء صادر عن الجزَّة المذكورة في سفر القضاة (قض 6: 37)، وماء ورد في سفر المزامير [2]. إنها مياه رسالة السماء.

ليت هذا الماء، أيها الرب يسوع، يأتي إلى نفسي، وإلى جسدي، حتى أنه خلال رطوبة ذلك الغيث (مز 75: 11) تخْضرُّ وديان عقولنا ومراعي قلوبنا. لتأتي عليّ قطراتك فتهبني نعمة وخلودًا.

اغْسل درجات عقلي فلا أخطئ إليك.

اغْسل أعماق نفسي فأستطيع أن أمحو اللعنة، ولا أعاني من لدغة الحية (تك 3: 15) في عَقِبْ نفسي؛ فقد أمرت الذين يتبعونك قائلاً لهم أن يدسوا الحيات والعقارب (لو 10: 19) بأقدام لا يُصيبها ضرٌر. لقد فديْت العالم فَافْدِ نفسَ خاطئٍ واحدٍ[473].

القديس أمبروسيوس

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. "يَهديني إلى سُبُل البِرّ" [3].

في الانتقال من مَرْعّى إلى مَرْعّى يقودني عابرًا بيّ البرية القاحلة الجرداء. إنه يُجنّبُني الشقوق حتى لا تزِلَّ رجلي وينكسر ساقي، أو يقودني بعيدًا عن المناطق المملوءة أشواكًا حتى لا يمسك بالصوف فأرتمي بين الأشواك. حقًا إنه يَهديني إلى السُبُل السليمة بعيدًا عن الحفر والفخاخ. وهو يفعل هذا من أجل اسمه بكوننا نحن جسده.

ما هي سُبُل البِرّ هذه إلا بِرّ المسيح. فإنه يقودني إلى ذاته، بكونه "الطريق". لأدركه كصلاحي الذي يقودني ضد قوة الخطية. يجتذبني إليه بحبال محبته الإلهية، ويهبني شركة طبيعته: القداسة والنقاوة والحب والاتضاع الخ...

مسيحنا هو "سُبُل البر" أو "الطريق" الآمِنُ الذي يحملنا بروحه القدوس إلى حضن الآب دون أن يصيبنا ضرُر أو نعتاز إلى شيء، إنما ننمو في النعمة والحكمة.

v النمو في الحكمة يجده الساعون نحو خلاصهم، فتتحقق رغبتهم خلال فهمهم للحق الذي في الكلمة الإلهية، وسلوكهم في البِرِّ الحقيقي. هذا يقودنا إلى إدراك كيف يكون المسيح هو الطريق.

في هذا الطريق لا نأخذ معنا زادًا ولا مِزْودًا ولا ثوبًا، ولا نحمل عصا، ولا تكون لنا أحذية في أرجلنا (مت 10: 10)؛ فإن الطريق نفسه مُشْبع لكل احتياجات رحلتنا؛ مَنْ يسير فيه لا يعتاز إلى شيء.

مَنْ يسير فيه يلتحف بثوب يليق بدعوة العرس.

وفي هذا الطريق لا يجد الإنسان ما يُزْعِجه، إذ يقول سليمان الحكيم إنه لا يجد "طريق حية على صخرة" (أم 30: 19). وأنا أضيف أنه لا يجد طريقًا لأي حيوان مفترس. لهذا فلا حاجة إلى عصا مادامت لا توجد آثار خليقة معادية.

وبسبب صلابته يُدعى الطريق "صخرة، حتى لا يمكن لأي كائن ضار أن يَلْحق به[474].

العلامة أوريجانوس

v إنه الطريق الصالح الذي يقود الإنسان الصالح إلى الآب الصالح. يقود الإنسان الذي من كنز قلبه الصالح يُخرِج الصالحات، يقود العبد الأمين الصالح.

حقًا إن هذا الطريق ضيق، إذ لا يقدر كثيرون أن يحتملوا السير فيه، لأنهم مُحبّون لأجسادهم[475].

العلامة أوريحانوس

مسيحنا القدوس هو الطريق الذي يقوم على تقديس نفوسنا، ففي كل الكتاب المقدس تظهر القداسة أساسًا للخلاص. مَنْ يحلم أنه قادر على الدخول إلى السماء دون طهارة القلب وبِرّ الحياة وقداسة الجسد يموت في هذا الوهم ليستيقظ فيجد نفسه في خِزْي وعارٍ أبدي[476].

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +



4. "وأيضًا إذ سرت في وادي ظل الموت،

لا أخاف شرًا،

لأنك أنت معي" [3].


نحن ندخل مع المسيح في موته بغير خوف إذ هو معنا...، ونبقى دومًا نختبر الموت مع المسيح بفرح إن مارسنا سرّ التوبة والاعتراف بمفهومه الحق، أي بتسليم النفس بين يدّي الروح القدوس الذي يُبكّتنا ويُتوّبنا ويردنا إلى سُبُل البرّ لأجل إسمه.

ما هو معنَى ظل الموت؟

أ. بما أن الموت هو أسوأ الشرور في نظر الناس، فإن ظله يُشير إلى زمان الحزن العظيم والظلمة والتجارب، أو قد يعني ظلُّ الموت المعاناةَ من الآلام. فالمتاعب – مهما اشتدت – لا توقف مسيرتنا نحو الأبدية، ولا تُرْهِبنا، ولا تحكم رجاءنا بالخوف، مادمنا نتمتع بالمعية مع المخلّص.

هنا يتحدث المرتل بدقة عجيبة، فهو في حالة "سَيْر"، لا يعرف التوقف... إنه دائم التقدم بخطىً ثابتة في الطريق الملوكي، مهما اشتدت الضيقات.

وهو يسير في "وادٍ" وليس على قمم الجبال... فالسير في الوادي هو عبور في هدوء... إذ يشعر المؤمن بنوع من الهدوء والسلام مع الآمان.

يُدعى الوادي "ظل الموت" وليس "موتًا"، إذ بَطَل سلطان الموت.

أخيرًا ما يشغل قلب المؤمن هو معية الله أو الحضرة الإلهية كعربون للقاء مع الله وجهًا لوجه بعد عبوره الحياة الزمنية.

ب. حديث المرتل يشير إلى نوع من التحالف بين المؤمن والموت نفسه، فهو لا يهابه بل يتحالف معه أو يدخل معه في عهد كي يَعْبر خلاله إلى الحياة الأبدية؛ يحسبه طريقًا للتمتع بالحياة الأخرى.

ج. يُشير ظل الموت إلى شركتنا في موت المسيح، إذ نقبله بفرح لنوالنا قوة قيامته ومجدها. بقوله: "إذ سرت" يقصد سلوك المؤمن أو مَسَار حياته كزمن قصير. فالسيد المسيح الراعي الصالح سار بنفسه في ظل الموت في أيام تجسده، ودخل القبر ذاته حتى نقبل أن نسلك معه ذات الطريق.

v لأنه كما سار الرب في وادي ظل الموت حيث وُجِدتْ نفوس الموتي؛ لكنه قام بالجسد بعد ذلك؛ ومن بعد القيامة صعد بها إلى السموات، فمن الجَلّى أن نفوس تلاميذه أيضًا التي لحسابها عانى الرب كل ما عاناه سوف تنطق إلى ذات الموضع غير المنظور الذي عَيَّنه لهم الله. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وهناك تبقى حتى القيامة تنتظر ذلك الحدث. ثم تَسْتَلِم أجسادهم، وتقوم بكليّتها، أي بالجسد، كما قام الرب، وهكذا يأتي التلاميذ إلى حضرة الله[477].

القديس إيريناؤس

v إننا على الدوام نحمل في جسدنا إماتة الرب يسوع وهكذا نحصد الفائدة السريعة: "لكي تظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا المائت" (2 كو 4: 11)[478].

العلامة أوريجانوس

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


5. "عصاك وعكازك هما يُعزيّانني".

العصا هي للقيادة والدفاع أم العكاز فهي للسند.

يرى e أنها عصا التعليم، عصا القوة التي أرسلها الرب من صهيون (مز 110: 2): [هكذا هي عصا قوة التعليم: مقدَّسة ومُلَطّفة ومُخلّصة[479]].

v كيف تِخلّص الحكمة نفس الشاب من الموت؟ ما هي نصيحتها له كي لا يموت؟... تقول: "إنْ ضرَبْتُه بعصا لا يموت" (أم 23: 13)... ويخبرنا العظيم داود أن تلك العصا تُعزّى ولا تَجْرح!

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

يتطَلَّع القديس أمبروسيوس[480] إلى الرعي الصالح الذي يقودنا بعصاه، ويسندنا بعكازه، هذين اللذين هما ختم صليبه الذي قبِلناه في سِرّ الميرون مُنْعِمًا علينا بمسحة البارقليط (المعزّي) التي تُرهِب الشياطين...

في الشرق الأوسط عادة ما يكون للراعي الآتي:

أ. ثوب بسيط يستخدمه أثناء الرعاية بخلاف ثوبه الذي يحضر به الحفلات أو عندما يشترك في المجاملات... هذا الثوب يُشير إلى إخلاء السيد المسيح ذاته إذ أخلَى ذاته عن مجده ليحمل طبيعتنا البشرية ويحتلّ مركز العبد حتى يضمنا نحن العبيد فيه ويّدخل بنا إلى شركة مجده.

ب. عصا تُسْتَخدم في حماية القطيع من الحيات والحيوانات المفترسة. وهي تُشير إلى صليب رب المجد الذي به حَطَّم سلطان عدو الخير، وقتل الخطية، وأفسد سلطان الموت.

ج. عكاز يستخدمه للاستناد عليه، وأيضًا ليمسك به خروفًا جامحًا يحاول الهروب بعيدًا عن القطيع... يُشير إلى تأديب المخلص مؤمنيه بعصا الأبوة الحانية الحازمة.

د. آنية زيت، ليُطبّب بها جراحات خرافه، تُشير إلى المسحة المقدسة.

ه. مزمار يعزف عليه ليعلن بهجته بعمله الرعوي، إشارة إلى الفرح في المسيح يسوع، حيث تُسبّحه النفس مع الجسد كما على قيثارة الحب.

و. سكين يستخدمها عند الضرورة، تُشير إلى عمل الروح القدس الذي يفصل الخير عن الشر.

"عصاك وعكازك هما يُعزيّانني": إذ يملك الرب على شعبه بالصليب كما بقضيب مُلْكِه – يثق المرتل كل الثقة في قيادة الراعي الإلهية، حتى إنْ قاده في سُبُل الجبال الخطرة!

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


6. "تُرتّب قدامي مائدة تجاه مضايقي" [5].

ربما عنى المرتل بأن الله الذي يهتم بنا إذ يرى العدو قائمًا ضدنا يُعِدُّ بنفسه لنا المائدة لكي نأكل في غير عجلة، دون ارتباك أو اضطراب، ويُجْلِسنا لنَنْعم بالقوت دون أن نخاف العدو الذي يَطرِق أبوابنا... إنه يهبنا سلامًا وشبعًا وسط المعركة الروحية بكوننا خاصته المحبوبة!

في حبه لنا يُقدّم لنا المائدة بنفسه بعدما يغسل أرجلنا مع تلاميذه.

الراعي الذي وهب شعبه خروجًا منتصرًا يقدم لهم مائدة أثناء تِرْحالهم ألا وهي المنّ. لقد حاول الأعداء إعاقة الرحلة نحو المسكن الإلهي، لكنهم خزوا حين رأوا نعمة الله المقدمة لشعبه.

في مواضع أخرى في سفر المزامير كثيرًا ما يُقدّم الشكر ويتبعه أو يصحبه وجبة ذبيحية أي مائدة مقدسة (مز 22: 26؛ 63: 6) أو ذبائح (مز 66: 13 الخ؛ 116: 17 الخ). ربما كان مقاومو داود يجولون في الهيكل بينما كان هو يُقدم ذبيحة الشكر لله لذا صار يردد هذه العبارة: "هيأت قدامي مائدة تجاه مضايقي".

يمنحنا ربنا يسوع المسيح مائدة جسده ودمه المبذولين التي تُخزِى الأعداء المقاومين. وكأن وجود عدو الخير لا يُزعجنا ولا يَحرمنا من التمتع بالوليمة المقدسة.

v عندما يقول الإنسان لله: "رتَّبتَ قدامي مائدة"، فإلى أي شيء يُشير سوى هذه المائدة السرائرية الروحية التي رتبها الله لنا؟! رتبها قبالة الأرواح النجسة!

حقًا لأن تلك (مائدة الشياطين) هي اختلاط بالشياطين، أما هذه فهي شركة مع الرب![481].

القديس كيرلس الأورشليمي

*   المائدة السرائرية هي جسد الرب الذي يعضدنا قبالة شهواتنا وضد الشيطان. حقًا يرتعد الشيطان من الذين يشتركون في هذه الأسرار بوقار.

القديس كيرلس الإسكندري

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


7. "مسحت بالدهن رأسي" [5].

المسيح بالدهن يُشير إلى وجود علاقة شخصية بين الراعي وقطيعه، كما يكشف عن حالة فرح وشبع. قديمًا متى كان الناس في حزن كانوا يغطون أنفسهم بالتراب والرماد، وإذا ما فرحوا كانوا يغتسلون ويدهنون أنفسهم بالزيت (أي 2: 12؛ 42: 16؛ صم 12: 20). وكان مسح الضيوف بالزيت علامة تكريم لهم وترحيب بهم؛ وكأن المرتل يقول لراعيه: "إنك تعاملني كضيف نال القبول عند مائدتك التي أَعْدَدْتَها لي". هذا وقد كانت عادة دهن الرأس شائعة (مز 92: 10؛ عا 6: 6؛ مت 6: 17؛ لو 7: 38، 46).

تحقق مسح هرون كرئيس كهنة أثناء الرحلة في البرية حيث كان الله الراعي قائدًا لشعبه نحو أرض الموعد. بهذه المسحة اعلن الله عن عنايته الإلهية، إذ قبل الله الإنسان خلال الكهنوت كنصيبه الخاص، وقدم نفسه نصيبًا للإنسان.

الآن، في سرّ المسحة (الميرون) يُمْسَح كل مؤمن ككاهن عام ليصير في ملكية الله، ويقبل الله ملكًا له ونصيبه الخاص. خلال هذه المسحة يَتقبَّل من يدّي الله روح الفرحة والبهجة بعمل الروح القدس فيه، بإعلان إنجيل المسيح كأخبار سارة عاملة في حياتهم كل يوم، وكتجديد مستمر وتقديس دائم للإنسان الداخلي وكل أعضاء الجسم لحساب ملكوت الله.

v   مَسَح بالزيت رأسك على الجبهة، لأن الختم الذي أخذته هو من الله، حفر الختم قداسة الله.

القديس كيرلس الأورشليمي

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


8. "كأس سكرك، ما أمجدها؟!" [5].

تُستخدم الكؤوس في رعاية الغنم؛ والكأس عادة هو كتلة حجرية منحوتة ومجوفة طولها 30 بوصة وعرضها حوالي 18 بوصة وارتفاعها 18 بوصة. توجد الكؤوس في مواضع كثيرة عند الآباء والينابيع المنتشرة في برية يهوذا. يجرف الرعاة الماء ويسكبونه في الكأس، ولأن الكأس تتعرض للشمس يكرر الراعي سَكْب الماء فيها حتى تفيض، فتبرد الكأس، ثم يدعو خرافه لتشرب دون أن يتوقف عن صب الماء. بهذا يتأكد أن الماء يبقى باردًا، وأنَّ لدى الخراف ما يكفيها ويزيد من الماء. حتى إذا ما تراجعت الخراف لتستريح قليلاً يحتفظ الراعي بالكأس ذات الماء الجاري حتى تشرب خرافه ميأهًا عذبة... ربما هذا ما يعنيه النص العبري "كأسي رَيَّا". ولعل هذه الكأس ذات الماء الدائم التجديد يُشير إلى مراحم راعينا الصالح الجديدة كل صباح وخيراته اليومية (مرا 3: 23؛ مز 68: 19)[482].

الإنسان الذي يتقبَّل مع كل صباح مراحم الله وخيراته الجديدة يفيض شكرًا وتسبيحًا حتى وإنْ كانم لا يملك إلا لقمة يابسة، أما مَنْ لا يتلمّسُ هذه البركات فإنه وإنْ اقتنى العالم كله بين يديه تكون كأسه مشققة لا تضبط ماءً.

جاءت الترجمة السبعينية هكذا: "كأس سكرك، ما أمجدها؟!" الخمر تفرح قلب الإنسان كرمز لحضور روح الله واهب النعم، الذي يحيّي نفس المؤمن ويحركها نحو السماء. لقد انسكب الروح على التلاميذ أو على الكنيسة في يوم الخمسين فملأها وفاض كأسها، وظن اليهود أنهم سَكْرَى (أع 2: 15).

*   تُسْكِرنا كأس الرب، إذ تُنْسينا فكرنا (في الزمنيات)، وتقود النفس إلى الحكمة الروحية... إنها تحرر النفس، وتَنزع الغم!... إنها تهب راحة للنفس، إذ تقدم لها فرح الصلاح الإلهي عوض كآبة القلب القائم بسبب ثقل أحمال الخطية[483].

القديس كبريانوس

9. أخيرًا، فإننا ننعم بهذه البركات الإلهية والأسرار المقدسة في بيت الرب، حيث يترنم، قائلاً: "مسكني في بيت الرب مدى الأيام" [6].

هل يحيا الحَمَل في بيت الراعي؟ نعم. حينما وبخ ناثان داود على خطيته قدم له مثلاً خاصًا بالفقير الذي لم يكن لديه سوى نعجة واحدة صغيرة اشتراها ورباها وكبرت معه ومع بنيه جميعًا. كانت تأكل من لقمته، وتشرب من كأسه، وتنام في حضنه، وكانت له كإبنة (2 صم 12: 1-3). هكذا اِقْتنانا الراعي وقَبِلنا كابنته الوحيدة، وأعدَّ لنا في بيته موضعًا، حتى نتعبه أينما ذهب.

يُعلِن المرتل أنه يسكن في بيت الراعي، الكنيسة، أيقونة ملكوته السماوي الأبدي وعربونه. يجد المؤمن بهجته أنْ يتعبَّد ويخدم ويسكن مع ربه المحبوب في الكنيسة وكأنما يسكن معه في سمواته أبديًا. غاية رعايته لنا أن نستقر معه في مَقْدسه الإلهي!

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


راعيّ الصالح

*   أيها الراعي الصالح،

يا من تملك على القلب بالحب لا بالسلطة،

اِحْملني إلى مرعاك فلا اعتاز شيئًا!

*   صليبك فتح لي مَرْعَي الفردوس، وحَصَّن أبوابه ضد كل عدو!

جنبك المفتوح أفاض له مياه الراحة،  

أغْتسِل بكُليّتِي فأحمل شركة الطبيعة الإلهية بمعموديتك،

وأشرب فتلتهب أحشائي بنار حبك!

*   صرتَ لي الطريق، تحملني إلى حِضْن أبيك!

قدمتَ لي صليبك عصا وعكازًا لحمايتي ومعونتي!

تمسحني بدهنك فأتقدس لك بكُليّتِي

*   تحملني في ضعفي على مِنكبيك!

تقودني وسط آلام الحياة بنفسك،

وأخيرًا تستقر بي في بيتك السماوي لأُوجد معك أبديًا!

 

 

+ إقرأ مزمور 23 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 24 PDF Print Email

ملك المجد يدخل مقدسة

في هذا المزمور إذ يرى المؤمن الله وقد خلق المسكونة وكل ما فيها لأجله يتطلع إلى موكب ملك المجد الصاعد لأجله إلى مقدسه السماوي. تذوب نفس المؤمن حبًا ويلتهب قلبه بنار علوية مشتاقًا أن ينضم إلى هذا الموكب الفريد لكي يعبر خلال أبواب السماء المفتوحة مع مخلصه إلى حضن الآب.

أنه مزمور الحب المجيد، بالحب خلق الله كل شيء لأجل الإنسان، وبه يهبه التقديس لينضم إلى موكب القدوس، وبه يصعد بالإنسان إلى السماء المفتوحة بغلبه الصليب! بمعنى آخر يرى المؤمن الحق متعته وتهليل نفسه في الله بكونه الخالق القدوس واهب الغلبة.

+ إقرأ مزمور 24 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


مناسبة المزمور:

1. يعتقد البعض أن هذا المزمور الملوكي الليتروجي (التعبدي)، أُنشد عند إصعاد تابوت العهد من بيت عوبيد آدوم إلى جبل صهيون (2 صم 6: 12-17). يقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس أن سبعة خوارس (فرق) من المرتلين والموسيقيين كانوا يتقدمون التابوت في هذه المناسبة، حيث كان المزمور يُرتل بصورة رائعة. كان التابوت وهو يمثل الحضرة الإلهية أو المخلص ملك المجد في موكب يعبر من مناطق نفوذ الملك ليرتفع إلى مدينة الله المقدسة على قمم الجبال العالية.

2. يرى آخرون أن داود نظم هذه التسبحة لتُرنم في مناسبة تكريس الهيكل الذي عرف بروح سليمان ابنه سيبنيه[484].

3. يظن آخرون أن هذا المزمور لم يضعه داود، وهو أنشودة نصرة يترنم به الغالبون عند عودتهم منتصرين، حيث يُفترض صعودهم إلى الهيكل كما كان الرومان يفعلون في العاصمة[485]؛ وهناك يمجدون تابوت العهد واهب النصرة.


علاقته بالمزمورين السابقين:

يوجد نوع من التكامل بين المزامير (22، 23، 24). فالمزمور 22 يعلن عن المسيا باعتباره المخلص المتألم، والمزمور 23 الراعي الصالح الذي خلال عمله الخلاصي يدخل بالرعية إلى الفردوس "المراعي الخضرة" للتتمتع بمياه الراحة وتسكن معه كل الأيام، أما المزمور 24 فيتحدث عن الملك الممجد الذي لا يقف عند سكنى شعبه معه في بيته أو سكناه في وسطهم وإنما يدخل بهم كموكبه المقدس الغالب خلال أبواب السماء المفتوحة، يصعد بهم إلى أمجاده الأبدية السماوية لينعموا بحضن الآب.

بمعنى آخر مزمور 22 هو تسبحة الجلجثة، ومزمور 23 هو تسبحة الكنيسة المفدية، ومزمور 24 هو تسبحة السماء المفتوحة. وبحسب التقليد فإن المزمور 24 يُشد في عيدَيْ القيامة والصعود. وحاليًا في الكنيسة القبطية في ليتورجيا عيد القيامة يدخل الكاهن والشمامسة في حوار مأخوذ عن هذا المزمور يعلن عن مجد المسيح القائم، وانتصاره على الموت، وقدرته على رفعنا معه إلى مجده.

يلاحظ القارئ أيضًا تشابهًا بين هذا المزمور والمزمور 15؛ وإن كانت العبادات مختلفة ربما استخدمت في خدمة الهيكل في ذات الفترة.

+ إقرأ مزمور 24 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


التفسير المسيَّاني:

يحوي هذا المزمور نبوة خاصة بصعود رئيس كهنتنا الأعظم إلى بلاط صهيون السماوية وإلى مجد ملكوته. وكأن اصعاد التابوت إلى بيت الله (خيمة الشهادة أو الهيكل) هو رمز لصعود السيد المسيح إلى السماء، وصعودنا نحن فيه كأعضاء مقدسة في جسده.

يبدأ المزمور باعلان ملكوت الرب على كل الخليقة [1-2]، ثم يكشف عن صعودنا إلى مقدس الرب [3-6]، وأخيرًا صعود السيد المسيح إلى السماء [7-10]. بمعنى آخر نزل الملك إلى عالمنا ليحكم خلال الصليب، وهو يقدس حياتنا واهبًا إيانا استحقاق الدخول إلى موضع قدسه، وبصعوده رفعنا إلى سمواته، سائلآً كل خورس السمائيين أن يفتحوا أبواب السماء للبشر. هنا يظهر المخلص كملك محارب، لأن دخولنا إلى السماء يحتاج نصرة على أعدائنا الروحيين. لهذا يدعى الرب هنا: "ملك المجد"، "رب الصباؤوات" أو "رب الجنود" [10].

+ إقرأ مزمور 24 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الهيكل العام للمزمور:

يرى البعض أنه يحتمل أن يكون ترتيب طقس الترنم بهذا المزمور في أثناء الدخول إلى هيكل هكذا:

1. في الموكب: يترنم الزائرون أو خورس الموكب المقطع الأول [عدد 1، 2]. هذا المقطع يمثل تسبحة للزائرين وهم خارج الهيكل في طريق دخولهم إليه، حيث يحتفلون بعظمة الله الخالق.

2. حوار بين قائد المجموعة وحارس الباب:

* قائد المجموعة [3]: يسأل عن السَّمات اللازمة فيمن يصعد إلى بيت الرب.

* حارس الباب [4-5]: يجيب على السؤال مقدمًا السمات الروحية التي تليق بمن يرغب في التمتع ببركة الشركة مع الله في بيته المقدس.

* القائد [6]: يمجد من يتمتع ببركات الرب ونعمة الخلاص.

3. تسبيح الجوقات (الخوارس) قبل دخولهم في الهيكل: الاعلان عن الله بكونه ملكًا. ربما يعنون أنهم إنما جاءوا كموكب ملوكي، يمجدون الله الملك الحق، بحياتهم وسلوكهم الخفي والظاهر... ففي زيارتهم ودخولهم الهيكل يركزون أنفسهم على الله وحده.

* خورس (جوقة) الموكب [7]: يطلبون فتح الأبواب الدهرية، لا من أجلهم وإنما من أجل ملك المجد، إذ هم موكبه.

* خورس الهيكل (صوت من داخل الأبواب) [7]: من هو ملك المجد؟

* خورس الموكب [9]: الرب العزيز (القدير) الجبار، الرب القوي في الحروب... فقد دخل المعركة حتى إلى الجحيم وقام وأقام غنيمته، وها هو يصعد بها إلى سمواته!

* خورس الهيكل [10]: يكرر السؤال: من هو هذا ملك المجد؟

* موكب اللاويين [10]: رب القوات هذا هو ملك المجد.

هكذا يحمل الحوار الرائع كشفًا عن شوق المختفين في المسيح الغالب نحو الصعود معه خلال الأبواب الدهرية، ودهشة السماء عينها أمام عمل رب المجد الخلاصي الذي وهب البشرية أمورًا لا يُنطق بها!

+ إقرأ مزمور 24 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


عنوان المزمور:

بحسب الترجمة السبعينية: "لأول أيام الأسبوع"، أي ينشد في اليوم الأول بعد السبت، وهذا ما كان يحدث بالفعل[486].

*   "مزمور لداود نفسه في أول أيام الأسبوع". مزمور لداود نفسه يتناول تمجيد ربنا وقيامته التي تمت باكرًا في أول أيام الأسبوع، ولذلك عرف بيوم الرب.

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 24 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. خالق الكل:

"للرب الأرض وملؤها،

المسكونة وكل الساكنين فيها.

على البحار أسسها،

وعلى الأنهار ثبتها" [1-2].

تتحدث الآيتان 1، 2 عن قدرة الرب في خلق المسكونة بكونه الخالق والملك والديان. ويُعتبر الخلق في العهد القديم هو أساس سيادة الله على المسكونة كلها أي سيادة جامعية (مز 24؛ 74: 16؛ 89: 11 الخ؛ 95: 4 الخ؛ 1 صم 4: 8) [487].

يُطالب الله - الذي به كان كل شيء - بحقه في الخليقة كلها، لا ليسيطر عليها، وإنما ليضم الكل إليه ويجدد خلقتهم فيملك بالحب على كل المسكونة. لقد جاء يوم تتويجه بالصليب، ليأخذ الأمم ميراثًا له، وأقاصي الأرض ملكًا (مز 2).

عند إصعاد داود تابوت العهد بموكب مجيد وتسابيح وأفراح ارتفع فكره بروح النبوة ليرى كنيسة العهد الجديد التي تضم مؤمنين من كل الأمم ومن كل الشعوب والألسنة، يرى العالم الجديد أو الأرض الجديدة التي تسكن الرب نفسه فيها، فترنَّم قائلآً: "للرب الأرض وملؤها..." [1].

يقدم لنا المرتل صورة دقيقة عن الكنيسة المقدسة:

أ. الكنيسة هي سكني الله وسط شعبه: "للرب الأرض وملؤها". الكنيسة الكائنة هنا على الأرض إنما هي كنيسة الرب، كل برها وقداستها من عند الرب.

يعترف المؤمنون أنه حتى الأرض ذاتها التي يمشون عليها هي أرض ربهم ومخلصهم وليست أرضهم. للرب حق السيادة والملوكية. حقًا، فقد دُعي إبليس إله هذا العالم، لكن كمغتصب، بمساندة الأشرار أبنائه. أما بالنسبة للمؤمنين فليست له حق حتى على الأرض التي يمشون عليها، لأن الله يقدس حياتهم كلها حتى ملابسهم بل وظلهم، فكانت الأمراض تُشفي بخرق ولفائف القديس بولس والشياطين يخرجون بعبور ظل القديس بطرس على الساقطين تحت سلطانهم. أولاد الله يدركون أنهم إن كانوا يأكلون أو يشربون أو أيا كانوا يفعلون، فإنهم يجب أن يضعوا كل شيء لمجد الله، لأنه يملك على الجميع (1 كو 10: 25-31).

الأرض أيضًا هي رمز لجسدنا الذي خُلق منها، فهي ملك الله، الذي يقدس أرضنا (جسدنا) بكل حواسه وعواطفه وطاقاته كأمور صالحة من عندياته.

*   يقول الكتاب: "للرب الأرض وملؤها"، بذلك يعلمنا أن كل الأمور الصالحة هي من عند الله يقدمها للبشر بقوته الإلهية وقدراته ويقوم بتوزيعها لمساندة الإنسان[488].

القديس أكليمندس الاسكندري

يقول المرتل: "سماء السموت للرب، وأما الأرض فأعطاها لبني البشر" (مز 115: 16). وهبنا الأرض لكي نملك كملوك ووكلاء الله، لكن إذ فقدنا سلطاننا وكرامتنا نزل هو لكي يملك على الأرض كلها، حتى يصلح من شأنها فيه، واهبًا إيانا نعمة الملوكية (رؤ 1: 6).

بالخطية صرنا أرضًا، فجاء ربنا يملك علينا ويسكن فينا كعالم خاص به، فيحولنا من أرض إلى سماء!

إذ يملك السيد المسيح على القلوب لا يقبل قط أن يشاركه ملك آخر في مملكته. إنه يسألنا أن نقدمة له ملء حياتنا بكونها ملكًا خاصًا به، إذ يشتاق من جانبه أن يهبنا حياته.

ب. أعضاء الكنيسة من كل الأمم، من كل المسكونة [1].

لم يكن ممكنًا لليهود أن يقبلوا أبواب الكنيسة المفتوحة أمام الأمم، لذا غضبوا عندما قال الرب لهم: "إن أرامل كثيرة كنَّ في إسرائيل في أيام إيليا حين أُغلقت السماء مدة ثلاث سنين وستة أشهر...، ولم يُرسل إيليا إلى واحدة منها، إلا إلى امرأة أرملة، إلى صرفة صيدا. وبرص كثيرون كانوا في إسرائيل في رمان إليشع النبي، ولم يطهر واحدُ منهم إلا نعمان السرياني" (لو 4: 25-26). كما غضبوا على القديس بولس عندما أعلن أمامهم أن الرب قد أرسله إلى الأمم، وأنه في المسيح يسوع ليس يهودي أو أممي (رو 3: 29).

*   كل البشر مِلك الله، لأنه "للرب الأرض وملؤها، المسكونة وكل الساكنين فيها" [1]. لهذا يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية: "لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله والمقاومين سيأخذون لأنفسهم دينونة" (رو 13: 1-7)[489].

القديس إيريناؤس

*   المسيح ليس محصورًا في موضع واحد بعينه[490]

القديس جيروم

*   لا يُحاكم مؤمن حسب مكان إقامته إن كان هنا أو هناك بل حسب استحقاقات إيمانه[491].

القديس جيروم

ج. الكنيسة مؤسسة على مياه المعمودية [2]: يقول المرتل: "لأنه على البحار أسسها، وعلى الأنهار ثبتها". في بداية الخليقة كان روح الله يرف على وجه المياه ليخلق ويُبدِع من أجل محبوبه الإنسان، ليتمتع بالإرض وكل إمكانياتها. وفي العهد الجديد يؤسس الرب كنيسته كخليقة جديدة تقوم على بحار المعمودية التي ضمت الأرض الجديدة من كل العالم.

د. كنيسة مقدسة [3-6].

ه. كنيسة سماوية منتصرة [7-10].

+ إقرأ مزمور 24 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. كلي القداسة:

الرب خالق المسكونة كلها يقدم حياته المبذولة من أجل خلاص العالم كله، كقول الرسول يوحنا: "هو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضًا" (1 يو 2: 2)، فيضم إلى جسده أعضاء من كل الأمم والشعوب والألسنة خلال الإيمان به ونوال البنوة في مياه المعمودية. الآن إذ يعلن المرتل عن الله الكلي القداسة إنما يكشف عن التزام الكنيسة وكل عضو فيها أن يحيا في الحياة المقدسة اللائقة بعريس النفس القدوس.

"من يصعد إلى جبل الرب؟" [3].

ترفع الكنيسة كما على الجبل (السيد المسيح)، السماوي، البار؛ بكونها الجسد المقدس للقدوس.

*   من يصعد إلى قمة جبل برّ الله؟ أو "من يقوم في موضع قدسه؟" عند بلوغ ذلك المكان المقدس المؤسس على البحار والمُثبت على الأنهار، من يقدر أن يُثبت هذا الأساس؟

القديس أغسطينوس

الحياة الكنسية هي حالة "صعود" مستمرة، لا تعرف التوقف ولا الانحدار. مع كل يوم ينعم المؤمن بخبرة شركة مع السيد المسيح الجبل القدوس، حيث نرتفع بالروح القدوس فيه وننعم بمرتفعات المجد.

لم نصل بعد إلى القمة حيث ننعم بالصورة الكاملة للسيد المسيح مُشَكَّلةً في أعماقنا ومعلنة في حياتنا العملية، لكننا نترجى في يقين أننا نبقي دائمًا صاعدين.

التمتع بالحياة الكنسية الإنجيلية هي نعمة إلهية لا فضل لنا فيها، والثبوت فيها والنمو الدائم هما من عمل روح الله الساكن فيها، لذا يقول المرتل: "من يقوم في موضع قدسه؟" من ذا الذي يقدر أن يبقى هناك؟

يعجز الناموس أن يثبتنا في الشركة مع الله أو حتى الاقتراب منه، لكن نعمة الله الغنية تؤهلنا للوجود في الحضرة الإلهية. روح الله القدوس الذي يحملنا إلى مياه المعمودية لننال البنوة لله ويقدس أعضاءنا بالمسحة المقدسة، يهبنا دموع التوبة غسلآً دائمًا لخطايانا وتطهيرًا لأعماقنا؛ وهو بعينه يهبنا خلال سرّ الافخارستيا الثبوت في المسيح بتناولنا جسده ودمه المبذولين عنا. روح الله يهبنا الثمر الروحي الذي يفرح النفس بالله ويفتح القلب بالحب ليتسع لكل البشرية، ويقدس الإنسان بكليته.

الكنيسة مقدسة [3]، ويلتزم أعضاؤها بالطهارة [4]، لا يفكرون في الباطل [4]، بل في السمويات، ويحبون بعضهم بعضًا. بدون قداسة لا يعاين أحد الرب؛ وحيث لا توجد نقاوة لا توجد كنيسة‍!

الخروف ليست جداءً، حتى وإن اختلطت بالجداء. فعند الله الحظ الفاصل بين القديسين والأشرار، ومتسع اتساع الأرض عينها[492].

يلزم التعبير عن قداسة الكنيسة بالأعمال بجانب المشاعر الداخلية والارادة. لذا يقول المرتل: "الطاهر اليدين (الأعمال)، التقي بقلبه" [4]. إنها تمس علاقتنا بالله وباخوتنا كما بأنفسنا: "الذي لم يأخذ نفسه باطلآً، ولم يحلف لقريبة بغش" [4].

"الطاهر اليدين": في لغة الكتاب المقدس يُحسب طاهر اليدين من لم يدنسهما بالدماء أو بالعنف أو الرشوة أو الربح القبيح أو صنع الشر بأية صورة نحو الله أو الإنسان. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). الأيادي هي وسيلة لتحقيق الأعمال، لكن الذي يحركها ويحكمها هو القلب، لذا وجب أن يكون نقيًا.

طهارة اليدين لا تعني مجرد التطهيرات الظاهرة؛ لئلا نغسل خارج الكأس والصفحة بينما يبقى الدالخل دنسًا. لا تعني الاغتسال بالماء كما فعل بيلاطس البنطي أثناء محاكمة السيد المسيح.

طهارة اليدين تؤكد مفهومنا للإيمان الحيّ، الإيمان العامل بالمحبة (غل 5: 6).

"الذي لم يأخذ نفسه باطلآً": يليق بمن يود الصعود إلى بيت الرب أو التمتع بالشركة مع الله القدوس ألا يأخذ نفسه باطلآً، أي لا ينشغل بملذات العالم الباطلة، إنما تنسحب نفسه إلى السماويات، إلى الأفراح الأبدية.

"ولم يحلف لقريبة بغش" علامة الحياة المقدسة في المسيح الحق، أن تكون كلمة المؤمن صادقة وأقوى من أي قسم. ينطق بالحق لأنه متحد بالمسيح الحق، وقد صار ابنًا للحق. أما من يرتبط بإبليس الكذاب وأبي الكذابين فإنه غالبًا ما ينطق بالكذب حتى وإن حلف بقَسَم.

الآن ما هو ثمر هذه الحياة الكنيسة المقدسة؟

"هذا ينال بركة من الرب،

ورحمة من الله مخلصه.

هذا جيل الذين يطلبون الرب

ويبتغون وجه إله يعقوب" [5-6].

المؤمنون الذين يسلكون في حياة مقدسة يصعدون إلى جبل الرب ويثبتون في موضع قدسه، يبدأون بالروح ولا يكملون بالجسد بل يلتهبون بالروح وينمون.

إنهم "ينالون بركة من الرب"، فهم لا يصعدون لكي يعطوا بل ينالوا؛ إن قدموا قرابين إنما هي من عند الرب، مما أعطاهم... لكنهم ينالون السيد المسيح نفسه برّهم وفرحهم وشبع نفوسهم ومجدهم الأبدي.

ينالون رحمة من الله مخلصهم، فيختبرون الرحمة خلال عمل الله الخلاصي... يتمتعون بالله كمخلص لهم، ليس فقط يغفر لهم خطاياهم إنما يقبلونه هو شخصيًا مجدًا لهم!.

يُحسب المؤمنون جيلآً طالبًا الرب ومبتغيًا وجه إله يعقوب... بصعودهم بيت الرب يزدادون عطشًا نحو الله، فيطلبونه لا لأجل عطاياه وإنما لمعاينته وجهًا لوجه.

يقول القديس أغسطينوس: [إنهم يطلبون وجه هذا الإله الذي أعطى حق البكورية للإبن الأصغر (يعقوب) (تك 25: 23)]. بمعنى أننا نطلب وجه الله الذي هو ربنا يسوع المسيح، إذ ونحن صغار جعلنا كنيسة أبكار، لنا حق الميراث الأبدي.

يرى القديس أكليمندس الإسكندرى أن داود قد أوضح أن الله هو مخلصه، وقد دُعي وجه إله يعقوب لأنه هو رسم جوهر آلاب (عب 1: 3) الذي أعلن الحق الخاص بالآب، موضحًا الحقيقة أن القدير هو الله الواحد الوحيد الآب الذي لا يعرفه إلا الابن ومن يُعلِن له الابن (مت 11: 27) [493]. 

+ إقرأ مزمور 24 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. كلي النصرة:

بعدما قدم المرتل الله بكونه الملك الخالق [1، 2] والملك القدوس [3-6] يقدمه الملك المجيد الغالب، الذي تنفتح أو ترتفع أمامه الأبواب الدهرية [7-10].

"ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم.

وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية

ويدخل ملك المجد" [7].


يبدو أن داود النبي وقد رأى إصعاد التابوت إلى جبل صهيون تطلع بعين النبوة إلى الرب الذي صار إنسانا يصعد إلى سمواته، صهيون الأبدية؛ فاستخدم لغة عسكرية ليرحب بالرب في نصرته. هذا التصوير مقتبس عن تقليد مبكر بأن الرب ملك محارب يقهر أعداء شعبه، هذا الذي اخرج شعبه سالمًا من عبودية فرعون وعبر بهم البرية (عد 10: 35-36) ودخل بهم إلى أرض الموعد.

يقدم لنا سفر الرؤيا في أكثر من موضع تصويرًا رائعًا للمخلص واهب النصرة لشعبه:

"فنظرت وإذا فرس أبيض، والجالس عليه معه قوس، وقد أُعطى إكليلآً، وخرج غالبًا ولكي يغلب" (رؤ 6: 2).

"ثم رأيت السماء المفتوحة، وإذا فرس أبيض والجالس عليه يُدعى أمينًا وصادقًا، وبالعدل يحكم ويحارب، وعيناه كلهيب نار، وعلى رأسه تيجان كثيرة، وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفة إلا هو... والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل أبيض لابسين بزًا أبيض ونقيًا" (رؤ 19: 11-14).

لقد تجسد كلمة الله لكي يدخل إلى عالمنا كمحارب، يحارب باسمنا ولحسابنا، وفي كل معارك صار يغلب. في معركة الصليب شهّر بالعدو وحطم سلطانه، وأُعلنت تمام نصرته بقيامته وصعوده إلى السماء، حيث انطلق ملك المجد يحملنا فيه إلى سمواته.

يقول القديس أغسطينوس: [إن المرتل يشير في هذا المزمور إلى صعود المخلص بالجسد إلى السماء يُنادي الملائكة المرافقون للصاعد إلى السماء، على القوات الملائكية والسلاطين المسئولين عن الأبواب لكي يفتحوا تلك الأبواب السماوية فيدخل ملك المجد. أنهم يخاطبون الأبواب التي تفتح على الأبدية.

وبصعود السيد المسيح انفتحت الأبواب السماوية أمام المؤمنين، لأن رأسهم السماوي قد صعد، وحيث يوجد الرأس يكون الجسد أيضًا.

"ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم.

وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية.

ويدخل ملك المجد" [9].


لا يمكن لأبواب الهيكل أن تُسمى "الأبواب الدهرية". لذا يلزمنا أن نبحث عن مفهوم أسمى من مجرد إصعاد تابوت العهد إلى صهيون. فإن لغة النبي تسمو إلى ما هو أعظم مما نراه هنا على الأرض. لقد عبر بفكره إلى الأمور التي قدم تابوت العهد وخيمة والهيكل ظلالآً لها، إذ كانت هذه رموزًا للسيد المسيح والسماء. إصعاد التابوت إلى جبل صهيون ليس إلا ظلآً باهتًا لصعود السيد المسيح ملك المجد إلى حيث يستقبل الذين تفتح لهم السموات أبوابها الدهرية[494].

*   أغلق المسيح أبواب الموت، وفتح لنفسه السموات، محققًا وعده الإلهي: "افرحوا، أنا قد غلبت العالم" (مز 16: 33). وقد دُفع المجد بالكامل... حينما صارع الرب الموت وغلب ظافرًا به.

ارتفعي أيتها الأبواب: أبواب العدالة الدهرية والمحبة والتعاطف، حيث تتحد النفس مع الله الواحد وحده الحقيقي، وترفض أن تمارس عبادة الزنا لتلك الآلهة العديدة الزائفة.

"ويدخل ملك المجد". أجل، يدخل ملك المجد هذا الذي يجلس عن يمين الآب يشفع من أجلنا.

القديس أغسطينوس

*   هنا لم تُغلق عنه (عن المسيح) الأبواب، إذ هو الرب وخالق الجميع، لكن كُتب ذلك لأجلنا، نحن الذين أُغلق عنهم باب الفردوس. ومن ثَمَّ فمن خلال العلاقة الجسدية، بسبب الجسد الذي أخذه، قيل عنه: "إرتفعي أيتها الأبواب" فإنه "يدخل" كما لو أن إنسانًا ما يدخل. لكن من جهة لاهوته قيل من الجانب الآخر: "الكلمة كان الله" فهو الرب وملك المجد[495].

*   رُفعت أبواب السماء لتنظر ذاك "القادم من آدوم" (إش 63: 1)[496].

*   لم يكن الكلمة ذاته محتاجًا إلى فتح الأبواب، فإنه رب الكل؛ وما كان يمكن لأي عمل أن يُعاق أمام صانعه، لكننا نحن احتجنا إلى ذلك. هو حمل الجسد الخاص بهم (بالبشر)، لأنه إذ قدم جسده للموت نيابة عن الجميع، هكذا به مهَّد لنا الطريق إلى السموات مرة أخرى[497].

البابا أثناسيوس الرسولي

*   يقول العريس: إن كنت ترغب أن تُفتح الباب وأن ترتفع أبواب نفسك ليدخل ملك المجد، يلزمك أن تقبل اشتياقاتي في نفسك. كما يقول الإنجيلي: "من يصنَع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي" (مت 12: 50). يليق بك أن تقترب إلى الحق، وتصير شريكه حتى لا تنفصل عنه.

القديس غريغوريس أسقف نيصص

*   من بين ما قيل عنه أنه هجع واستغرق في النوم، كما قيل عن استيقاظه ثانية لأن الرب عضده (مز 3: 5) هو الذي يأمر الرؤساء في السماء ليفتحوا الأبواب الدهرية فيدخل ملك المجد، معلنا مُقدمًا عن قيامته من الأموات... واستقباله في السماء[498].

" من هو هذا ملك المجد؟

رب القوات (الصباؤوت) هذا هو ملك المجد" [10].

هذا الحوار الرائع الذي دار في المزمور يكشف أنه لا يستطيع أحد أن يعبر الأبواب الدهرية، ويدخل المقادس السماوية، إلا الرب القوي الجبار، رب الجنود أو القوات، ملك المجد. له وحده تفتح أبواب المدينة السماوية، الأبواب الدهرية، أبواب الهيكل التي لم تُصنع بأيٍد بشرية. أنه يهوه المخلص، القدير، رب الأرباب وملك الملوك (رؤ 1: 8؛ 19: 16)، القادر في الحروب، رئيس خلاصنا الذي لا يُقهر.

(رب الصباؤوت) لقب مجيد خُص به الرب مرتين في في العهد الجديد (رؤ 9: 29 ؛ يع 5: 4).

 

+ إقرأ مزمور 24 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الأبواب المفتوحة

*   افتح أبواب قلبي لتدخل وتملك، يا من تفتح أبواب السماء أمامي!

*   أيها القدوس وحدك قدسني بروحك،

فأتأهل للسكنى في جبل قدسك،

وأثبت في موضع قدسك!

*   أيها الصاعد إلى سمواتك، أرفع قلبي إلى عرش نعمتك!

اقبلني في موكب نصرتك فأعبر معك وبك الأبواب الدهرية!

*   يارب الصباؤوت، ملك المجد،

اسكب بهاءك على نفسي،

فتصير ملكة وتصلح لمملكة (حز 16).

 

 

+ إقرأ مزمور 24 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 25 PDF Print Email

الرب معلمنا

هو أحد المزامير المرتبة ترتيبًا أبجديًا، حيث تبدأ كل آية بحرف مختلف من الأبجدية العبرية المشتملة على 22 حرفًا[499]، غير أن الترتيب الهجائي لهذا المزمور ليس كاملاً، فيظهر عدم الانتظام في الآيات (2، 5، 18، 22).

يمكن تصنيفه مع مزامير الحكمة وأيضًا مع المراثي الشخصية، خصوصًا حين يكون الإنسان حزينًا بسبب شعوره الشخصي بالعزلة والاضطهاد.

من الواضح أن داود النبي كتبه في أواخر أيامه، لأنه يتحدث عن خطايا صباه [7]، ويشير إلى شدائد كثيرة لحقت به وإلى أعداء كثيرين يقفون ضده. يعتقد البعض أنه نظمه أثناء تمرد أبشالوم ضده؛ ويظن بعض الدارسين الرافضين نسبته لداود، والمتجاهلين ما ورد في عنوانه، أنه يخص حالة الأسر البابلي حيث شكوى الأسرى من قهر أعدائهم[500].

يُعتبر هذا المزمور مثالاً طيبًا لكيفية الصلاة لله في تضرعات يومية، منه نتعلم[501]:

- ماهية الصلاة [1، 15]، رفع القلب والعينين إلى الله.

- ما الذي ينبغي أن نصلي لأجله: طلب غفران الخطية [6، 7، 18]، توجيهنا نحو طريق الألتزام [4، 5]، طلب عطف الله [16]، الخلاص من أتعابنا [17، 18]، وحفظنا من أعدائنا [20، 21]، وخلاص كنيسة الله [22].

- كيفية تضرعنا لله في الصلاة: ثقتنا في الله [2، 3، 5، 20، 28]، مرارتنا وظلم أعدائنا لنا [17، 19]، إخلاصنا [21].

- ما هي المواعيد الثمينة المقدمة لنا لتشجيعنا على الصلاة، لإرشادنا وتوجيهنا [8، 9، 12]، ومنافع العهد مع الله [10] وبهجة الشركة معه [13، 14].

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


المسيح المعلم:

لهذا المزمور طابعه الخاص، إذ يتحدث عن السيد المسيح بكونه المعلم، وقد ركز على سمة المعلم كما كشف لنا عن دور التعليم في حياة المؤمنين. فالمعلم - في عينيّ داود المتالم - لا يقدم معلمومات عقلانية أو معرفة ذهنية مجردة، إنما هو أولاً وقبل كل شيء مخلص وأب وراعي وصديق وطبيب.

كان داود النبي يعاني من الشعور من العزلة، إذ صرخ: "انظر إليّ وارحمني، لأني ابن وحيد وفقير أنا"... شعور بالعزلة مع العوز أو احساس بالنقص!

عانى أيضًا من الخطايا خاصة تلك التي لحقت به أيام صباه: "خطايا شبابي وجهلاتي لا تذكرها".

أدرك أيضًا أنه محاط بأعداء يستهزئون به: "لا تُضحك بي أعدائي"، "انظر أعدائي، فإنهم قد كثروا وبغضًا ظلمًا أبغضوني".

في مرارته شعر بمرارة الشعب ككل: "يا الله انقذ إسرائيل من جميع شدائده".

بمعنى آخر كان داود محتاجًا إلى المعلم الحقيقي ابن داود الذي وحده يحل كل مشاكله ومشاكل الشعب:

- فهو معلم شخصي لكل مؤمن خاصة المتألم، وهو معلم الجماعة ككل ينقذها من شدائدها.

- معلم مُشبع، فيه كل الكفاية ينزع عن النفس شعورها بالعزلة، بحلوله داخلها، ويعالج شعورها بالفقر إذ افتقر ليغنيها بذاته كنز الحكمة والمعرفة.

- معلم قادر أن يغفر الخطايا ويستر بدمه الآثام.

- معلم قوي، يحصن النفس ضد الأعداء الروحيين غير المنظورين.

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


الكلمات الاسترشادية (مفتاح المزمور):

1. مع أن هذه القصيدة هي شكوى لكن الفكرة الأساسية فيها هي "طرق الرب" التي يتضرع المرتل طالبًا أن يتعرف عليها ويسلك فيها[502].

2. الكلمات الاسترشادية الأخرى هي "إياك انتظرت النهار كله"، لأن الذين يعترفون بأن الرب هو معلمهم ينتظرونه ليرشدهم إلى سبله الملوكية.

يقول القديس أغسطينوس: [يتحدث المسيح هنا باسم كنيسته، لأن مضمون المزمور ينطبق بالحرى على الشعب المسيحي الذي رجع فعلاً، إلى الله].

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


أقسامه:


1. الصلاة والاتكال على الله [1-3].

2. الرب مخلّصي ومعلمي            [4-21].

أ. يهبني المعرفة.

ب. يدربني في الحق.

ج. يقدم لي كنز الوعود والعهود.

د. غافر خطاياي.

ه. يهبني استقرارًا في الخير.

و. ينقذني من الشباك الخفية.

يُعرّف داود الصلاة بأنها رفع نفسه إلى الرب، فقد اعتاد أن يرفع نفسه وقلبه إلى الله مع رفع يديه وعينيه، تشترك النفس مع الجسد، والقلب مع الفكر... يتقدم الإنسان بكليته كحمامة تطير لتستقر في حضن الله. أما من يرفع يديه وعينيه دون قلبه فيسمع توبيخ الرب إليه مع شعب بني إسرائيل: "هوذا الشعب قد أقترب إليّ بفمه، وأكرمني بشفتيه، وأما قلبه فقد أبعده عني" (إش 29: 13). الصلاة هي رحلة صعود كما على سلم يعقوب، تاركين وراءنا كل الهموم والمتاعب لتحلق النفس على قمة السلم وتتمتع بالحضن الإلهي.

الصلاة ليست واجبًا نلتزم به ولا رسميات، لكنها تحرير القلب من التراب، ليرتفع من مجد إلى مجد... يبقى الإنسان بجسده على الأرض أما قلبه فينطلق بجناحي الروح القدس كحمامة تطير في السماويات.

بالصلاة يختبر المؤمن في كل يوم أنه غريب على الأرض، يعيش تحت الآلام، محاط بالأعداء، لكنه متهلل بالروح، سعيد بعربون السماء، ينعم بخبرات جديدة في شركته مع الله.

*   الصلاة هي رفع العقل إلى الله.

الأب يوحنا الدمشقي

*   الصلاة هي تحول القلوب اللحمية إلى قلوب روحانية، والقلوب الفاترة إلى قلوب غيورة، والقلوب البشرية إلى قلوب سماوية.

القديس يوحنا ذهبي الفم

*   يا من وقفت لتصلي اعط قلبك لله. قلبك الحقيقي الذي به تحب: به تحب أولادك، وبه تحب أباك وأمك، وبه تحب أصدقاءك ومريديك، وبه تحس عذوبة الحب الطاهر بغير رياء.

الأب يوحنا كرونستادت

في كل ليتروجيا أفخارستيا يطلب الكاهن من الشعب: "ارفعو قلوبكم"، فيجيبونه: "هي عند الرب".

*   يُطلب منكم أولاً: "ارفعوا قلوبكم"، فإن هذا يليق بأعضاء السيد المسيح. إذ تصيرون أعضاء المسيح، أين هو رأسكم؟... إنه في السماء! لذلك عندما يُقال لكم: "ارفعوا قلوبكم"، تجيبون: "هي (رُفعت) عند الرب".

رفع القلب عند الرب هي هبة إلهية، فلكي لا تنسوا هذا لقوتكم أو استحقاقكم أو أعمالكم، لهذا بعدما تجيبون: "هي رُفعت عند الرب" يقول الأسقف أو الكاهن الخديم: "فلنشكر الرب"، إذ ارتفعت قلوبنا عنده.

فلنشكره، لأنه لو لم يهبنا نعمته لبقيت قلوبنا متشبثة بالأرض.

ها أنتم تشهدون بذلك، إذ تقولون: "مستحق وعادل"، أي نشكر ذاك الذي رفع قلوبنا إلى حيث يوجد رأسنا[503].

القديس أغسطينوس

عمل العدو أن يمزح نفسي في الترب بالشهوات الدنسة؛ وقد انجرفت نفسي إلى هذا الضعف البشري، لذا فأنا في حاجة إلى العون الإلهي ليرفع نفسي.

2. استخدم لفظ "اتكال" في بداية المزمور، لكن نفس الاتجاه أو الروح عبر كل المزمور عند حديثه عن الله [5، 8-10، 14 الخ]. وبتأكيده انتظاره الرب [3، 5، 21]. فالانتظار معناه قبول توقيت الرب وبالتالي حكمته. هذا ما يميز موقف داود عن موقف شاول من نحو الله (1 صم 26: 10 الخ؛ 13: 8-14)، وموقف إشعياء عن موقف الشعب (إش 30: 15- 18).

كلما كثرت متاعبنا تزذاذ ثقتنا في الله، إذ يجب أن تدفعنا المخاطر بعيدًا عن ذواتنا، فسعى طالبين عون الله. يشهد ضمير داود له بأنه لا يتكل على ذاته ولا على أي مخلوق بل على إلهه، فلا يتزعزع ولا يخزى بهذا الاتكال.

"جميع الذين ينتظرونك لا يخزون.

ليخز الذين يصنعون الإثم باطلاً" [2-3].


ليست الضيقات هي التي تجلب الخزى والعار بل صنع الإثم.

كان داود في مرارة بسبب اضطهاد الأعداء له لكنه كان في مجد، لأنه يتكىء على صدر الله مخلصه، فيحول الضيق إلى خبرة شركة مع الله. أما الأعداء فكانوا يخططون لقتل داود بلا سبب، أي يصنعون الإثم باطلاً، ومع ما لهم من امكانيات وسلطان بشري كانوا في خزي.

إن كانت الخطية تجلب العار، فبالتوبة يرد لنا الله مجدنا الداخلي، فلا نخزى. ليس في الكتاب المقدس من وعد سلبي أكثر قيمة وأهمية من أن شعب الله لا يسقط في خزي أو عار.

"لا تُضحك بي أعدائي" [2].

كان الأعداء يُعيّرون داود، حاسبين أنه في ضعف، لن يفلت من أيديهم.

*   لا تدعهم يشمتون بي هؤلاء الذين نصبوا فخاخًا بمقترحاتهم السامة المميتة، والذين في سخرية يصرخون: "نعّمًا، نعّمًا" فيسحبونني في سخرية. لكن "جميع الذين ينتظرونك لا يخزون"

القديس أوغسطينوس

 

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. الرب مخلصي ومعلمي:

مزمور 25 من سفر المزامير
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


أ. يهبني المعرفة.

"اظهر لي يارب طرقك، وعلمني سبلك،

اهدني إلى عدلك وعلمني.

لأنك أنت هو الله مخلصي،

وأياك انتظرت النهار كله" [4-5].

يُصلي المرتل إلى الله في جدية لكي يظهر له الطريق ويعلمه ويدربه بروح الحب الأبوي كمخلص، أما من جانبه فهو ينتظر كل النهار ليتعرف على سبل الله ويسلك فيها بروح الطاعة. يدعوه المرتل معمله أو مدربه الرحوم الأبدي الذي يدخل به إلى سبله المقدسة.

يتباهى الخطاة بطرقهم، أما المتواضعون فيقولون مع السيد المسيح: "ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت" (مت 26: 39). من الحكمة أن نلتجىء إلى الله ليكشف لنا إرادته، ونحسبها رحمة عظيمة أن ربنا كإله خلاصنا يهبنا أن نتفهم مشيئته وندركها، هذه التي يعلنها لنا في الكتاب المقدس وخلال عنايته الإلهية.

ما أحسن أن نسلم كل طرقنا لله، أن نتوسل إليه لكي يعرفنا طريقه، ويأخذ بيدنا الضعيفة ويقودنا بنفسه، نتوسل إليه أن يعمل كل شيء من أجلنا، فنعيش نحن لأجله. ما أضعفنا! بدونه لا نستطيع أن نعرف الطريق ولا أن نجدها أو نسلك فيها.

*   الحق أن القديسين لا يقولون بإنهم بلغوا الطريق الذي يسلكونه بتقدم وكمال في الفضيلة بجهادهم الذاتي، وإنما بفضل الله، قائلين: "دربني في حقك" [5] [504].

القديس بفنوتيوس

المسيحي في نظر مدرسة الإسكندرية هو غنوسي، أي مؤمن صاحب معرفة  gnosis روحية، يشتاق إليها ويطلبها من الله كهبة إلهية.

*   يجب على الغنوسي أن يكون غزير المعرفة[505].

*   قد يقول قائل بأن اليونانيين اكتشفوا الفلسفة خلال الفهم البشري، لكننى أجد الكتاب المقدس يقول بإن الفهم هو من عند الله، لذلك يصرخ المرتل، قائلاً: "أنا عبدك فهمني" (مز 119: 125) [506].

القديس أكليمندس الإسكندري

خلال هذا المفهوم ارتبطت دراسة الكتاب المقدس في ذهن آباء الكنيسة الأولى بالعبادة، فلا إدراك لمفاهيم كلمة الله ولا تمتع بمعرفة أسرار الإنجيل دون الصلاة والطلبة مع الشكر والتسبيع لأجل ما يهبه الله لنا من معرفة.

كان كثير من معلمي مدرسة الإسكندرية يقضون أغلب ساعات النهار في التدريس، بينما يقضون اغلب لياليهم يقرأون الكتاب وهم راكعين للصلاة. أحيانًا إذ يجدوا عبارة غامضة أثناء التدريس يطلبون من تلاميذهم الاشتراك معهم في الصلاة لكي يهبهم الله فهمًا واستنارة ومعرفة.

وفي العبادة، خاصة في الاشتراك في ليتروجيا الأفخارستيا، تشكر الكنيسة الرب من أجل ما يهبها من معرفة:

*   نشكر يا أبانا،

من أجل الحياة،

والمعرفة التي أعلنتها لنا بيسوع ابنك،

لك المجد إلى الأبد[507].

الديداكية

*   هب لأجسادنا نموًا في النقاوة،

ولنفوسنا نموًا في الفهم والمعرفة...

خلال تناولنا الجسد والدم[508].

القديس الأسقف سرابيون

 

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


ب. يدربني في الحق:

"علمني سبلك.

اهدني إلى عدلك وعلمني" [4-5].

يكشف الرب الحق ويقدس أفكارنا، فنبقى في حق الله، وننال التدريب والارشاد من السماء، هكذا تتحول المعرفة الإلهية إلى تدريب حيّ في حياتنا وحياة معاشة، ولا تكون مجالاً للحوار والمناقشة الفلسفية البحتة.

يدربنا الرب نفسه في الحق، فنجد تعاليمه عملية [5]. وكأن طريقه أو سبيله هو أسلوب الحياة التي ترضيه. نحن ننال هذه الحياة بدخولنا مع الله في عهد نعمته، متقبلين ارشاده الإلهي ومتمتعين بنعمته.

*   يتذوق الغنوسي إرادة الله، فلا ينصت للمكتوب بأذنيه إنما بنفسه.

*   الغنوسي كمحب للحق الواحد الحقيقي يكون إنسانًا كاملاً، صديقًا لله، ويُحسب ابنًا.

القديس أكليمندس الإسكندري

ما أسهل أن يدرب الإنسان الطيور لتتكلم والحيوانات المفترسة لتصير أليفه، أما نفسه فلا يقدر أحد أن يدربها إلا الله وحده، مدرب النفوس البشرية، ومقدس الأجساد، وضابط الفكر بروحه القدوس.

*   كل الحكمة والفهم هما منه، ومعرفة كل الخير تأتينا من فوق من العرش العلوي الفائق، كما من ينبوع. وما من إنسان يقدر أن يفعل شيئًا يستحق المديح ما لم ينل قوة منه؛ وهو يعلمنا ذلك بنفسه، قائلاً: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا"[509].

*   ينبوع كل بركة هو المسيح، "الذي من الله قد صار لنا حكمة"، لأننا فيه نصير حكماء مملوئين بالمواهب الروحية. الآن كل من هو ذي عقل راجح يؤكد أن معرفة تلك الأمور التي بها نتقدم في كل طريق للحياة المقدسة الفائقة ونتقدم في الفضيلة، هو عطية من الله، وقد أعطانا الله أن يؤهلنا حسنا للغلبة.

نجد إنسانًا يطلب ذلك من الله، قائلاً: "اظهر لي يارب طرقك، علمني سبلك". الآن، فإن السبل التي تقود أولئك إلى التقدم في الحياة التي بلا فساد هؤلاء الذين يتقدمون فيها بشوق بالغ هي سبل متعددة، إحداهما على وجه الخصوص: الصلاة، وهي نافعة لمن يمارسها. وكان المخلص نفسه حريصًا أن يعلمنا ذلك بتقديم نفسه مثالاً موضوعًا أمامنا، حتى نجاهد مقتدين به. لأنه كما هو مكتوب أنه قال مثلاً كي يصلي الناس على الدوام ولا يملوا[510].

القديس كيرلس الإسكندرى

إن كان من جانب المعلم الإلهي العطاء بفيض، يهب الاستنارة والفهم مع الارشاد والتدريب للتمتع بمعرفة وممارسٍة حقه كحياة معاشة، فعلينا من جانبنا أن نلتزم بروح الوداعة والاتضاع، فتتهيأ نفوسنا لقبول عطاياه الروحية، إذ يقول المرتل:

"يهدي الودعاء بالحكم،

يعلم الودعاء طرقه" [9].


كل خدام الله الحقيقيين هم مساكين بالروح، متضعون، ودعاء، منسحقوا الفكر والقلب بسبب خطاياهم السابقة وجهالاتهم، أيضًا بسبب ضعفاتهم الحاضرة، طالبين من الله عمل نعمته الإلهية التي تحفظهم مستقبلاً من الخطية. بهذا الروح الوديع يتمتع الودعاء بعمل الله وعطاياه.

*   تُستعلن الأسرار للودعاء والمتضعين. هذا يعني أن الودعاء يتأهلون لنوال روح الاعلان في نفوسهم يفسر لهم الأسرار. لهذا يقول القديسون بإن الوداعة تكمل النفس بالاستعلانات الإلهية[511].

مار اسحق السرياني

v   حقًا إن الاتضاع لهو شيء عظيم، لأن كل صلاح إنما يتقدمه الاتضاع؛ وبممارسته تختصر الرحلة... لأن الاتضاع وحده يحضرنا إلى الحياة الروحية حتى وإن كان ببطء[512].

الأب دوروثيئوس من غزة

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


ج. يقدم لي كنز الوعود والعهود:

"اذكر يارب رأفاتك ومراحمك،

لأنها ثابتة منذ الأبد...

جميع طرق الرب رحمة وحق،

للذين يبتغون عهده وشهادته" [6، 10].

المزمور كله مزيج من صرخات القلب الخارجة من أعماق المرتل والوعود الإلهية، فإنني لا أستطيع أن اصرخ إلى إلهي ما لم اكتشف كتابه ككنز يضم وعود الله الصادقة والأمينة. وكما أصرخ قلبيًا اتمتع باستنارة فاكتشف بالأكثر الوعود الإلهية كوعود شخصية تخص حياتي... إنها سلسلة من صرخات القلب والتعرف على وعود الله وعهده مع كنيسته التي أنا عضو حيّ فيها.

في هذا المزمور يتحدث المرتل عن المعلم العجيب الذي يقدم له رأفاته ومراحمه ليست كأمور خارجية إنما هي من صميم سماته الإلهية، إذ هي أزلية.

الله هو المعلم الأب، طبيعته حب، لا يحتاج إلى من يذكره بمراحمه، لكن داود النبي يقول: "أذكر يارب رأفاتك"... إنه يُسر بأن يطالبه الابن بحقه في المراحم والرأفات، بكونه منبع الحب الأزلي. إذ نصرخ: "اذكر يارب" إنما ينير هو أعماقنا لنذكر نحن رأفاته ومراحمه، يعلنها لنا، فنطلبها بروح النبوة الواثقة والمترجية دون يأس.

ينبوع الحب الأزلي، مصدر الرأفات والمراحم، يقدم لنا عهدًا، بدأ مع آدم، ووضع عند تجديد العالم بعد الطوفان مع نوح، وتأكيد مع إبراهيم أب الآباء... وأخيرًا تحقق في أكمل صورة على الصليب، حيث كتب الرب ميثاقه في جسده بالدم الثمين، عهد الرحمة والحق... على الصليب تعانق الحب الإلهي مع العدل، وانكشفت رحمة الله التي لا تنفصل قط عن عدالته. لذا يقول المرتل: "جميع طرق الرب رحمة وحق للذين يبتغون عهده وشهادته" [10].

طرق الرب رحمة وحق لمؤمنيه الحقيقيين الذين يطلبون عهده ليحفظوه، ويكونوا أمناء في ارتباطهم به، ليصيروا بالحق ملكًا له. هؤء يبتغون الحياة المقدسة والطاعة للوصية الإلهية، مجاهدين وساعين لإدراك ذلك بقوة القدوس. أما إذا أخطأوا عن ضعف فهذا لا يحرمهم من تمتعهم بمواعيد العهد.

يرى القديس أغسطينوس أن الذين يبتغون العهد الإلهي ينعمون بالرحمة التي أعلنها ربنا ذبيحة نفسه في مجيئة الأول وأيضًا ينعمون بالحق الذي سيعلنه في مجيئه الثاني، في يوم المجازاة... وإن كان الحق يرافق الرحمة والرحمة تلازم الحق.

*   لأن أولئك الذين في وداعة ولطف يبحثون عن العهد الذي به افتدانا ربنا إلى جدة الحياة بدمه، ويدرسون شهاداته في الأنبياء والإنجيليين، هؤلاء يدركون رحمته في المجيء الأول وحقه في مجيئه الثاني.

القديس أغسطينوس


+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


د. غافر الخطاياي:

هذا المعلم الفريد الذي أعلن حبه الأزلي خلال عهده ومواعيده التي تجلب خلال ذبيحة الصليب، وحده قادر أن يغفر خطاياي، لذا يقول المرتل:

"خطايا شبابي وجهالاتي لا تذكر،

كمثل رحمتك أذكرني أنت من أجل صلاحك يارب،

لأنه صالحًا ومستقيمًا هو الرب.

لذلك يصنع ناموسًا للذين يخطئون في الطريق" [7-8].

ما كان يمكن لداود النبي أن يعترف بخطاياه وجهالاته، خاصة التي ارتكبها في أيام شبابه لو لم يكشف له الرب عن رأفاته ومراحمه الأزلية. حب الله وأبوته الحانية هما

سندنا في الاعتراف بخطايانا.

يطلب داود النبي من المعلم ألا يذكر خطاياه وإنما يذكره هو كخليقة الله المحبوبة لديه، والتي لها تقديرها الخاص لا لفضل فيها وإنما من أجل مراحم الله وصلاحه ولأجل اسمه القدوس. طلب اللص اليمين من المعلم الحق أن يذكره متى جاء في ملكوته، فلم يذكر جرائمه ولا خطاياه، بل حمل نفسه إلى الفردوس، مبّررة في استحقاقات الدم الثمين. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هكذا إذ نطلب من الرب أن يذكرنا يجيب قائلاً: "أنا أنا هو الماحي ذنوبك لأجل نفسي وخطاياك لا أذكرها" (إش 43: 25).

لا يسأل داود النبي من أجل غفران خطاياه التي ارتكبها سابقًا في شبابه فحسب وإنما لأنه يعرف ضعفه يطلب من أجل خطاياه الحالية لأنها كثيرة. وهو في هذا يحتمي في اسم الله القدوس كي لا يرجع خائبًا، إذ يقول: "من أجل اسمك يارب تغفر لي خطيئتي لأنها كثيرة" [10].

من يبتغي عهد الله منتظرًا المكافآة الأبداية، يعترف بكثرة خطاياه طالبًا المغفرة، لا من أجل استحقاق شخصي، وإنما لأجل اسم الرب ورحمته. خطاياه الكثيرة تحتاج إلى فيض من النعمة الإلهية.

طريق التوبة ضيق لكنه آمن، به نرجع إلى الله أبينا، وننعم برأفاته.

*    (طرقك) ليس بواسعة ولا تقود الكثيرين إلى الهلاك؛ علمني الطرق الضيق التي لك والتي يعرفها قليلون (مت 7: 13).

* ''دربني في حقك" فاتجنب الخطأ.

"علمني"، فإنني بذاتي لا أتعلم إلا البطلان.

"لأنك أنت هو الله مخلصي، وإياك انتظرت النهار كله"
. منذ أن طردتني من الفردوس (تك 3: 23)، سافرت إلى كورة بعيدة (لو 15: 13)، ولم استطع العودة إليك ما لم تتقابل أنت مع الشارد. وخلال رحلة حياتي في الأرض تعتمد عودتي إليك على مراحمك: "أذكر يارب رأفاتك" [6].

أذكر يارب أعمالك التي تفيض إنعامًا، لأن الناس يتهمونك بأنك على ما تبدو أنك نسيتنا!...

فوق هذا كله لا تنسي أن مراحمك هي منذ الأزل. حقًا إنها لا تنفصل عنك.  منذ خضع الخاطئ الساقط للباطل لم تتركه بدون رجاء (رو 8: 20). لقد أغدقت على خليقتك

بالكثير من تعزياتك العظيمة.

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


ه. يهبني استقرار في الخير:

بروح الوداعة ننعم بالتوبة ونغتصب مراحم الله ونختبر أبوته الغافرة الحانية، وبمخافة الرب تصير إرادتنا الإلهية. والطريق الذي نختاره برضانا هو طريقه... لذا لا تجد النفس نفسها في صراع بين إرادة شريرة في داخلها ووصية صالحة إلهية، إنما توافقًا وانسجامًا بين أعماقها وطرق الرب فتثبت في الخير الإلهي، وتستقر وتبيت فيه. هذا ما عبّر عنه المرتل بقوله:

"من هو الإنسان الخائف من الرب؟

يضع له ناموسًا في الطريق التي ارتضاها.

نفسه في الخيرات تثبت (تبيت)،

ونسله يرث الأرض" [12-13].

ربما كان المعنى هكذا: "أرني إنسانًا يخاف الرب بروح التقوى أيّا كان، فإن الله يختار له طريقًا يرشده فيه يجد فيه المؤمن رضاه. الله يقدم طريق وصيته لخائفيه الذين يجدون هم أيضًا مسرتهم فيه. بالمخافة الإلهية اختار شاول المجدف والمُضطهد أن يُصلي ويتعبد ويكرز ويُضطهد كرسول... وذلك بفضل النعمة الإلهية.

من يخاف الله يستقر في الطريق الملوكي فلا يخاف أحدًا ولا يخشى شيئًا، بل تثبت نفسه وتستقر كما بين ذراعي الرب، ليس هو وحده وإنما يحمل معه من يجتذبهم إلى الحياة الإنجيلية المقدسة، يُحسبون كنسل له يتمتعون بالكنيسة كأرض مقدسة في هذا العالم. لذا يقول المرتل: "ونسله يرث الأرض" [13].

لا يقف الأمر عند استقرار نفسه ونفوس مخدوميه في الأحضان الإلهية وإنما يتمتع خائف الرب بمجد الرب وقوته، كقول المرتل "الرب عزَّ لخائفيه" [14]. يصير الله نفسه عزّه وقوته.

*   قد يبدو الخوف لائقًا فقط بالضعيف، لكن الرب يعضد خائفيه بقوة. اسم الرب الممجد في العالم يسند المتطلعين إليه والراجعين إليه في كل الأمور؛ فهو يجعل عهده مستعلنًا لهم، لأن الأمم وأقاصي المسكونة هي ميراث المسيح.

القديس أغسطينوس

في النسخة العبرية قيل: "سرّ الرب لخائفيه وعهده لتعليمهم" [14]، وفي الترجمة السبعينية: "الرب عزُّ لخائفيه، واسم الرب لأتقيائه، وعهده يوضحه لهم" [14]. إنه يكشف لهم عن أسرار الله ومشوراته وعهده مع شعبه، كأنهم خاصته المقربة إليه جدًا. وإذا كان داود النبي واحدًا من خائفي الرب، يشتاق أن يُقاد مع أصدقاء الله في الطريق الملوكي.

في اختصار يقدم المعلم الإلهي لخائفية البركات التالية:

- طريقًا ملوكيًا ووصية مقدسة ترضي نفس خائف الرب.

- استقرارًا في الله الخير الاعظم.

- ميراثًا مقدسًا لمخدوميه.

- كشفًا عن الأسرار الإلهية كصديق شخصي لله.

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


و. ينقذني من الشباك الخفية:

"عيناي تنظران إلى الرب في كل حين، لأنه يجتذب من الفخ رجليّ" [15].

الذين يثبّتون عيونهم على الرب دائمًا لن تبقى أرجلهم في الفخاخ طويلاً. بنعمة الله تهرب نفوسنا من الشبكة التي تربكها في اهتمامات العالم وملذاته الشريرة، فتستريح مع فادينا الممجد.

*   لا أخاف شيئًا من مهالك الأرض طالما لا أحدق طويلاً في تلك الأرضيات، لأن ذاك الذي أُثبت عليه عيناي يخرج من الفخ رجلىّ.

القديس أغسطينوس

إذ نركز أنظارنا على التراب نسقط في الفخاخ المخيفة، أما إن ركزناها على السماوي فإنه يرفعنا بروحه القدوس فلا نسقط في الفخ، وإن كنا قد سقطنا قبلاً يرفعنا منها إليه.

الله حاضر في كل مكان، لكن عيوننا لا تقدر أن تنظراه على الدوام ما لم تستنر به... لذا يقول المرتل: "بنورك يارب نعاين النور".

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


ز. يخلصني من العزلة:

"أنظر إليّ وارحمني،

لأني ابن وحيد وفقير أنا" [16].

يشعر داود النبي أنه وحيد وبائس في ضيقته، لأن خدامه وجيشه لا يقدرون على إنقاذه. في ضيقته يشعر أن والديه قد تركاه، وليس من يقوى أن يخلصه سوى ربه.

لعل أول المشاكل التي يُعاني منها الإنسان هو شعوره بالعزلة والوحدة، حتى وإن أحاط به الناس من كل جانب، بل أحيانًا وهو في أحضان أبويه. إنه محتاج أن يلتفت الرب نفسه إليه، يدخل إلى قلبه، ويملأ فراغه، فلا يشعر بالعزلة ولا بالفقر.

سبق المرتل فقال: "عيناي تنظران إلى الرب في كل حين"، والآن يقول: "انظر إليّ"، فإنه يتطلع في أعماقه نحو الرب على الدوام إنما يرى الله متطلعًا إليه. تطلع سمعان بطرس إلى السيد المسيح أثناء محاكمته فرآه يتطلع إليه... حينئذ صار يبكي بكاءًا مرًا. نظراته تلين القلب، وتعطي النفس انسحاقًا وتوبة، وتفجر ينابيع دموعنا المقدسة.

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


ح. يخلصني من الأعداء:

نظرات الرب تهبنا توبة ورحمة لنتخلص من العدو الداخلي، الخطية. لذا يكمل المرتل طلبته:

"أحزان قلبي قد كثرت.

اخرجني من شدائدي...

واغفر ليّ جميع خطاياي" [17-18].

يشعر المرتل بثقل الخطية المقاومة له لذا يصرخ طالبًا الخلاص منها، كما يطلب الخلاص من الأعداء الخارجيين أيضًا: "أنظر إلى أعدائي، فإنهم قد كثروا وبغضًا ظلمًا ابغضوني" [19]. فإن هذا هو عمل المعلم – الراعي الصالح – إنه يهتم بالخراف التي في وسط ذئاب. أنه لا يهلك الذئاب بل يقتل طبيعتها الشريرة فتصير حملانًا، أو كما يقول النبي: "فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي... والبقرة والدبة ترعيان" (إش 11: 6-7).

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


ط. يهبني الكمال:

عمل المعلم القدوس الكامل أن يهبنا الحياة المقدسة الكاملة: "احفظ نفسي ونجني...

الذين لا شر فيهم والمستقيمون لصقوا بي" [20-21]
. يتقدس المؤمن ويرتبط بالنفوس المقدسة كرعية واحدة مقدسة للراعي القدوس.

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. قرار يُردده الخورس:

كان داود النبي جادًا جدًا في طلبه أن يخلصه الرب من ضيقاته... لكنه وسط آلامه لم ينس آلام الجماعة ككل. صلى لأجل نفسه وها هو يطلب من أجل الجماعة لكي ينقذها، إسرائيل الجديد، الذي ليس هو بدولة إسرائيل بل كنيسة العهد الجديد.

*   "يا الله انقذ إسرائيل من جميع شدائده"

خلص شعبك، لا من الضيقات التي تحاصرهم من الخارج بل أيضًا ومن تلك التي يعانون منها في الداخل، لأنك أنت يا الله قد أعددت شعبك لينعموا برؤيتك.

القديس أغسطينوس

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


أيها المعلم عرفني طريقك

*   عرفني يارب طريقك لأثبت فيك!

دربني في حقك فاتمتع بملكوتك!

احملني إلى صليبك فأتمتع بعهدك الأبدي!

اغفر خطاياي، وهب لنفسي استقرارًا!

احماني إليك أيها الخيّر الأعظم.

*   ثبت نظراتي فيك، ولتتطلع أنت إليّ!

ارفعني عن التراب، ولا تترك رجليّ في الفخاخ!

*   خلصني من عزلتي وانزع عني بؤسي،

فأنت شبعي وكنزي!

*   خلصني من خطيتي،

وانزع عداوة الأعداء فيصيروا لي أحباء!

*   هب لي كمالاً واستقامة مع شعبك!

اعطِ خلاصًا لكل كنيستك، وراحة لشعبك!

 

 

+ إقرأ مزمور 25 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +
 
تفسير سفر المزامير - مزمور 26 PDF Print Email

السلوك بالاستقامة

مناسبة المزمور:
هذا المزمور كمزمور البراءة  Psalm of innocenceوكمرثاة شخصية لمن اتهم ظلمًا بجريمة خطيرة يمكن أن يرتبط بالمزمورين 7 و17.

يعتقد البعض أن هذا المزمور قيل أثناء ثورة أبشالوم ضد أبيه داود أو اضطهاد شاول له، بسبب وشايات أناس السوء (مجمع الأشرار) والمنافقين (الماكرين) [4]. ففي هاتين المناسبتين صوّر الأعداء داود كإنسان شرير جدًا، واتهموه زورًا بعدة جرائم، أهمها:

1. خيانة وطنه وأمته، إذ اضطر إلى الهروب إلى أمم أخرى.

2. استخفافه بالعبادة الجماعية والتمتع بالسكنى في بيت الرب... لأنه هرب من وسط الشعب.

3. اشتراكه مع الوثنيين في عبادتهم الوثنية وممارساتهم الخاطئة.

4. يظن البعض أن داود اتهم بتدبير مقتل ايشبوشث بن شاول بيد بعنة وركاب (2 صم 4: 5-12)، لذلك وجه هذا النداء للسماء يعلن تبرئته عن هذه الجريمة.

يرى بعض الدارسين أن هذا المزمور هو مرثاة جماعية، يتحدث المرتل بصيغة المفرد كممثل للجماعة بكونها وحده واحدة[513].

يُحتمل أن يكون هذا المزمور، تسبحة الكهنة الذين بحسب الطقس كانوا يغتسلون قبل تقديمهم الذبائح كما جاء في (خر 30: 20، 21) "عند اقترابهم إلى المذبح للخدمة ليوقدوا وقودًا للرب، يغسلون أيديهم وأرجلهم لئلا يموتوا".

يقول بعض الدارسين أن ما ورد هنا ليس تنبيهًا للكهنة وإنما هو صوت الشخص الزائر لبيت الرب يعلن أنه قد حقق تمامًا شروط قبوله بالمقدس[514]. هذا المزمور يُناسب من ينشد حماية الله أثناء دخوله الهيكل[515].

الاحتجاج من أجل براءة (الداخل إلى الهيكل) يمكن اعتباره طقسًا فعالاً يُمارس قبل دخول الهيكل أو على الأقل قبل الاسترسال في ممارسة الشعائر الدينية في الهيكل، فيه اعتراف شخصي يؤهله للاشتراك في العبادة، كما يُحسب أيضًا كإحدى الصلوات الجماعية، حيث تعلن الجماعة ككل استعدادها للعبادة المقدسة. كثير من عبارات هذا المزمور يمكن الترنم بها باسم الجماعة.

هذا ويعبر المرتل هنا عن المعنى الباطني للطقس، ألا وهو الفرح أمام الله الذي لا يُقترب منه إذ يقترب هو إلينا[516].


+ إقرأ مزمور 26 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +

مزمور مسياني:

يرمز داود النبي في هذا المزمور إلى ملكنا يسوع المسيح الذي صار عارًا للبشر.

ربنا يسوع المسيح هو خير من يتلو احتجاج البراءة هذا بكونه "رئيس كهنة... بلا شر، بلا دنس، قد انفصل عن الخطاة" (عب 7: 26)، ويمكننا أن نتلوه نحن أيضًا عندما نكون في شركة مع السيد المسيح. يقول القديس أغسطينوس: [داود هنا يمثل لا الوسيط الإنسان يسوع المسيح (فحسب)، بل الكنيسة كلها القائمة بالكمال في المسيح].


المزامير (26-28):

يترأى بيت الرب في المزامير (26، 27، 28).

ففي المزمور 26 يقترب العابد إلى لله بالنقاوة والتسبيح مع الاخلاص في التمتع بجمال هيكله؛ وفي الأعداد الأخيرة يعلن عن بهجته وتهليل قلبه إذ دنا من الرب.

وفي المزمور 27 يرى في هذا البيت ملجأ له من أعدائه، والمكان الذي يتراءى له الرب فيه، فيلتقي معه وجهًا لوجه.

وفي المزمور 28 يقدم المرتل تضرعاته، باسطًا يديه، متوسلاً وهو متجه نحو قدس الأقداس ليتلقى إجابة الرب لسؤاله.

+ إقرأ مزمور 26 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


أقسام المزمور:

1. دفاعه عن كماله                             [1-3].

2. دفاعه عن تركه الشعب وبيت الرب          [4-8].

3. طلب الخلاص والرحمة                     [9-12].

+ إقرأ مزمور 26 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


1. دفاعه عن كماله:

تصف الآيات [1-3] إنسانًا سلك بكمال؛ لذا يرى البعض أن لغة هذا المزمور تبدو غريبة وغير جذابة بالنسبة لكثير من المسيحيين[517]، إذ يظنون أن ثقة المرتل هذه تقوم على اتكاله على الأنا والبر الذاتي وأعماله الصالحة الذاتية، ينتقدونه بسبب افتخاره، ويقارنوه بالفريسي المذكور في مثل الفريسي والعشار (لو 18: 9 الخ) [518].

يجدر بنا ملاحظة الآتي:

1. الكمال هنا يعني مجرد تبرئته من الاتهامات الموجهة إليه والسابقة الاشارة إليها. كما يعني أيضًا أنه بصلاح قلبه وبنواياه الصادقة كان خاليًا من كل نية شريرة، إنما يسلك بنقاوة وبراءة. هكذا وصف الرب نفسه سلوك داود عندما ظهر لسليمان في المرة الثانية، إذ ذكَّره بداود أبيه بالكلمات التالية: "وأنت إن سلكت أمامي كما سلك داود أبوك بسلامة قلبه واستقامة، وعملت حسب كل ما أوصيتك، وحفظت فرائضي وأحكامي، فإني أقيم كرسي ملكك" (1 مل 9: 4-5). سلك داود بكمال بالرغم من كونه خاطئًا وابتعد عن أن يكون كاملاً، أما ابنه سليمان فسقط بائسًا. لكنه يوجد ابن آخر لداود، هو أصل داود وذريته، ابن داود وربه، ربنا يسوع المسيح؛ هو بلا خطية، وكما قال بنفسه: "أن رئيس هذا العالم آت وليس له فيّ شيء" (يو 14: 30). هو وحده يقدر أن يقدم هذا الاحتجاج بطريقة كاملة!

2. يرى البعض أن طلبة المرتل: "احكم لي" إنما تعني "دافع عني"[519]. المعنى الفعلي هو: "احكم لكي تدافع عني"؛ فإنه يُحكم على المؤمنين الأبرار ظلمًا حتى الذروة، لكن لهم الله وحده، ديّان الكل، ومخلصهم والمحامي المدافع عنهم.

3. في الآية [11]: "وأنا بدعتي سلكت، انقذني وارحمني" لم يغب عن المرتل حاجته الملحة إلى الفداء، واعتماده على نعمة الله ورحمته[520].

إن كان داود النبي يطلب من الله أن يفحص قلبه وكليتيه، هذا لا يعني نوعًا من الكبرياء، لأن ما يفعله داود من برّ هو عطية إلهية، إذ يقول: "على الرب توكلت فلا أضعف".  ونحن أيضًا من جانبنا انكارنا حقيقة عمل السيد المسيح في حياتنا كأولاد لله لا يحسب ذلك اتضاعًا، إذ يليق بنا أن نشهد عن قوة الله ومحبته باستعلان عمله الخلاصي الكفاري فينا، فنشهد بالكلام كما بالسلوك.

4. في دفاع المرتل عن نفسه ربما قصد رفع العثرة عن الشعب حتى لا يهلكوا بسببه.

بالمثل نرى القديس بولس لم يشأ أن يدافع عن نفسه ولا أن يفتخر بنفسه، إذ يقول: "وأما أنا فأقل شيء عندي أن يُحكم فيّ منكم أو من يوم بشر" (1 كو 4: 3)، "نحن جُهال من أجل المسيح وأما أنتم فحكماء في المسيح؛ نحن ضعفاء وأما أنتم فأقوياء، أنتم مكرمون وأما نحن فبلا كرامة" (1 كو 4: 10)، لكنه إذ شعر أن الاتهامات الموجهة ضده وضد حقه في الرسولية وضد تعاليمه الإنجيلية اضطر أن يدافع بقوة، قائلاً: "اقبلوني ولو كغبي لأفتخر أنا أيضًا قليلاً" (2 كو 11: 6)، "قد صرت كغبي وأنا أفتخر" (2 كو 12: 11).

"احكم لي يارب

فإني بدعتي سلكت.

وعلى الرب توكلت فلا أضعف" [1].


لم يكن أمام داود النبي – وقد وجه إليه الأعداء اتهامات باطلة تمس إيمانه وحياته وتعثر شعبه فيه – إلا أن يستغيث أمام محكمة العدل الإلهي، حيث يقوم بالفصل في الأمور الله نفسه فاحص القلوب والعالم بكل الظروف الخفية والظاهرة، وها هو يقدم ضميره شاهدًا على نقاوة قلبه واخلاصه.

يؤكد المرتل أنه حفظ ضميره صالحًا، ووضع رجاءه واتكاله على الرب، لهذا يتوسل من أجل أن يتفحص الرب قضيته، طالبًا منه أن يكون قاضيًا بينه وبين الذين يتهمونه. أنه لا يستطيع أن يبرر نفسه أمام اتهام الخطية، لكنه خلال الحب الإلهي يستطيع الله أن يبرره من الاتهامات الباطلة. الله هو الشاهد على صدق قلبه ونواياه.

يرى القديس أغسطينوس أن المرتل يقول: "على الرب توكلت" لأنه أتهم بأنه قد صار في شركة مع الوثنيين، مستهينًا بخدمة بيت الرب الجماعية... كأنه يقول لست أتكل حتى على أي ذراع بشري سواء لمؤمن أو غير مؤمن، إنما اتكالي هو على الرب وحده. إن كنت أعيش مع الوثنيين الأشرار بالجسد لكنني بالروح منفصل عنهم، لأني لا اتكل عليهم ولا على غيرهم.

*   الرغبة في أن يُحاكم الإنسان أمر خطير وجاد ويصعب أن يفكر الإنسان فيه من جهة نفسه، فما هي هذه المحاكمة التي يتوق إليها؟ انفصاله عن الأشرار...

ما معنى العبارة: "وعلى الرب توكلت"؟ من يترنح بين الأشرار هو إنسان لا يضع ثقته في الرب، فإن مثل هؤلاء (الأشرار) يثيرون شقاقات... هل وضعت ثقتك في إنسان؟ إذن، فإنك ستتذبذب كلما تذبذب هذا الإنسان، وتسقط عندما يسقط الإنسان، لكنني إذ توكلت على الرب أبقى ثابتًا.

القديس أغسطينوس

"ابلني (افحصني) يارب وجربني،

إحمِ قلبي وكليتيَّ" [2].


جاءت الكلمة المرادفة للفحص هنا بما يخص امتحان المعادن وفحصها بالنار (مز 12: 6؛ 17: 3)؛ فقد اشتاق المرتل أن يمتحنه الله مرة ومرات، إذ يعلم براءته فيما نُسب إليه باطلاً، طالبًا من الله أن يثبت ذلك بنفسه ويعلنه[521]، فإن الفحص الإلهي إنما يزيده تزكية وبهاءً ومجدًا.

*   إذ أخاف لئلا تفلت مني بعض الأخطاء السرية امتحني يارب وجربني. اكشف (ما بداخلي) ليس أمامك يا من ترى كل شيء، بل أمام نفسي وأمام العبيد زملائي... أعطِ داوءً لرغباتي وأفكاري الدفينة حتى تطهر كما بلهيب.

*   افحص رغباتي الدفينة بالنار، جرب أفكاري، امتحن أفكاري مؤكدًا أنها لا تعيش في الشر، وأن الشر لا يثيرها.

أية نيران تفحص قلبي؟ نار كلمتك.

أية نيران تجرب قلبي؟ لهيب روحك.

هذه هي النار وُصفت في موضع آخر بالكلمات: "لا شيء يختفي من حرها" (مز 19: 7). كما قال الرب بدوره عن هذه النار: "قد جئت لألقي نارًا على الأرض" (لو 12: 49).

القديس أغسطينوس

*   من أجل هذا التطهير الواهب الحياة يُصلي داود، قائلاً: "جربني يارب وامتحني، افحص كليتي وقلبي"[522].

الأب ثيؤدور

في الوقت الذي فيه يعلن المرتل اقتناعه ببرائته التي بلا شك هي ثمرة عمل الله في حياته نجده يطلب رحمة الله التي لا تفارق عينيه.

"لأن رحمتك أمام عينيّ هي،

وقد أرضيتك بحقك" [3].


يتذكر داود النبي مراحم الله في الماضي، وهو يُعوّل عليها في حاضره وأفكاره الحالية، ويترجاها في أيامه القادمة. تقواه (أو براءته) تقوم على أساس الآراء الصحيحة الخاصة بسمات الله وعنايته الإلهية نحو شعبه بوجه عام ونحو داود بوجه خاص، ومن ثم كان الفيض المبهج للتقوى والرحمة والرأفة المملؤة حبًا، لهذا كان داود في كل أفكاره يركز على هذا الجانب من شخصية الله[523].

بقوله "أرضيتك (ابتهج) بحقك" ربما يشير المرتل إلى اتهامه بعبادة الأوثان، فيعلن أنه وإن كان قد اضطر إلى الهروب من وسط شعبه إلى شعب وثني لكنه لم يحد قط عن الحق الإلهي إلى زيف الأوثان، علاوة على أنه يبتهج من أعماق قلبه بالله الحقيقي.

+ إقرأ مزمور 26 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


2. دفاعه عن تركه الشعب وبيت الرب:

"لم أجلس مع محفل باطل،

ومع مخالفي الناموس لم أدخل.

أبغضت مجمع الأشرار،

ومع المنافقين لم أجلس" [4، 5].


جميع الأمم تتفق في أن الناس يُعرفون من أصدقائهم الذين يختارونهم. إن كان داود النبي قد اضطر إلى الهروب من وسط شعب الله إلى بلد وثني، لكن ليس له رفقة مع أعمال الظلمة غير المثمرة ولا يماثل الأشرار في خطاياهم. حقًا أن الوثنيين هم محفل باطل ومخالفوا الناموس ومجمع أشرار ومنافقون، وقد التجأ إليهم لكنه لا يحمل شركة عمل أو فكر معهم؛ لم يجلس معهم في مشوراتهم ولم يدخل معهم في عهود ولا أحب تصرفاتهم.

وجودنا في العالم يُلزمنا إلا نعتزل بالكلية أهل العالم، وإلا كان يلزمنا الخروج من العالم (1 كو 5: 10)، لكن يجب ألا نشاركهم فكرهم الشرير وتصرفاتهم الدنسة.

يجب أن يُنزع الدنس فنصير في حضن الله ونحب السكنى في بيته، حيث يوجد مجده. يلزم اعتزال الأشرار (من جهة شرهم) حتى ندخل حضرة القدوس. لهذا وُضعت المرحضة بين خيمة الاجتماع والمذبح، ليغسل فيها الكهنة أيديهم وأقدامهم قبل اقترابهم من المذبح والخيمة (خر 40: 30-32).

*   "لم أجلس مع محفل باطل" [4]... إلى أي شيء يرمز الجلوس؟ أن يكون الشخص بقلب واحدٍ مع من يعاشرهم. إن لم يكن قلبك هناك على الرغم من وجودك معهم، فأنت لا تجلس معهم، أما إن كان قلبك هناك فأنت تجلس معهم حتى وإن كنت غائبًا عنهم (بالجسد)

القديس أغسطينوس

كان داود النبي محرومًا من شعبه ومن بيت الله بهروبه إلى بلد وثني، لكنه كان بقلبه يجلس مع أتقياء شعبه ويشارك العابدين بالروح والحق.

هرب الابن الضال من بيت أبيه يطلب الجلوس في محفل الأشرار، فإذا به يشارك الخنازير خرنوبهم، وإذ رجع بقلبه إلى حضن أبيه تمتع بمحفل بهيج وكريم.

نهرب من محافل الأشرار، لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم" (رو 1: 18)، ولنعتزل جماعتهم لئلا نسقط تحت الضربات معهم (رؤ 18: 4)... ونحرم من المحفل السماوي أو الوليمة الإلهية.

اعتزالنا الأشرار قد يدفعهم إلى التوبة عن شرورهم، أما اختلاطنا بهم في شرورهم وتهاوننا في تقديس حياتنا، فبجانب ما يسببه لنا من هلاك، لا يعطيهم فرصة أن يفطنوا إلى خطورة حالتهم.

"أبغضت مجمع الأشرار" [5]
. ربما يجد البعض في هذا التعبير نوعًا من القسوة؛ لكن المرتل وقد تلامس مع الله الحالّ في مجمع الآلهة (الأبرار) يدرك أن الشيطان يحل في مجمع الأشرار كمجمع خاص به ليستخدمهم أدوات عمله وآلات موت لحساب الشر. وكأن المرتل يعلن أنه قد اختار كنيسة الله لينعم بالحضرة الإلهية مبغضًا مجمع الشيطان، اختار جماعة القديسين لا مجلس الأشرار، اختار أورشليم العليا لا بابل الزانية، اختار نسل المرأة ليرفض نسل الحية... فإنه لا شركة بين النور والظلمة!


كاهن روحي:

لم يكن داود النبي كاهنًا ولا لاويًا... لكنه وقد التزم بالهروب من وسط شعبه ومن العبادة الجماعية في بيت الرب المقدس يُعلن من الجانب السلبي أنه لا يشترك مع الأشرار مخالفي الناموس المنافقين حياتهم الشريرة؛ وأما من الجانب الإيجابي فقد أدرك أنه وهو اشبه بالطريد يحضر بقلبه ليس فقط وسط شعب الله وإنما يشارك الكهنة خدمتهم المقدسة، إنه حاضر بالروح في الخيمة يغسل يديه مع الكهنة لا بمياه المرحضة وإنما بنقاوة القلب الداخلي، ويطوف حول المذبح لا بجسده وإنما بشوقه الداخلي وحبه الناري الملتهب، يسمع التسبيح السماوي بأذنيه الروحيتين، ويتحدث عن عجائب الله... وكأنه لا توجد قوة ما أن تمنعه من التمتع بجمال بيت الله والوجود في موضع مسكن مجد الله. هذا ما عبّر عنه بقوله:

"أغسل يديَّ بالنقاوة.

وأطوف بمذبحك يارب.

لكيما أسمع صوت تسبيحك،

وانطق بجميع عجائبك

يارب أحببت جمال بيتك

وموضع مسكن مجدك [6-8].


تدل هذه العبارة على أنه حفظ نفسه من خطية عبادة الأوثان. كان داود النبي يغسل يديْ نفسه أمام الله قلبيًا، كما كان ملاصقًا لمذبح الله الروحي.

كانت عادة الكهنة أن يطوفوا حول المذبح أثناء تقديم الذبيحة، وغالبًا ما كان مقدموا الذبيحة أيضًا يمارسون ذات الفعل من بُعد، مشيرين بهذا إلى اجتهادهم وجديتهم بخصوص ما يُفعل (تقديم الذبيحة عنهم)، وأنهم يصغون بجدية إلى خدمة الرب[524].

كان غسل الأيدي عملاً رمزيًا للنقاوة، لكن غالبية اليهود ركزوا كثيرًا على ذات الفعل في ذاته. فقد قيل بين اليهود: "كل من يحتقر غسل الأيدي يُقطع من المجمع، ويصيبه الفقر، وسوف يُنتزع من العالم!" وفي قول آخر: "كل من كان له مقعد في أرض إسرائيل، ويأكل طعامه العام بطهارة (يدين)، وينطق باللغة المقدسة، ويردد صلواته صباحًا ومساءً، فليتيقن أنه سينال حياة الدهر الآتي". ويخبرنا اليهود أن أحد أفاضلهم R.Aquiba إذ كان في السجن ولم يكن لديه ماء كافٍ ليشرب ويغسل يديه اختار أن يمارس العمل الأخير، قائلاً: "من الأفضل لي أن أموت عطشانًا عن أن أتعدى التقليد"[525].

ربما عنى داود النبي بغسل يديه بالنقاوة إظهار براءته من الاتهامات الموجهة ضده، ومن الجرائم التي نُسبت إليه ظلمًا. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ونحن أيضًا إذ نلتقي بالسيد المسيح المصلوب نغسل أيدي نفوسنا من الماء والدم اللذين يفيضان من جنبه، فإن مياه العالم كله لا تقدر أن تُطهر الأعماق، بل مياه المعمودية المرتبطة بالإيمان بدم المسيح الكفاري تجدد طبيعتنا وتُطهر أعماقنا.

مادمنا في العالم نحتاج إلى غسل مستمر خلال التوبة "المعمودية الثانية"، وذلك بفعل كلمة الله وروحه القدوس. كلام الله روح وحياة... قادر أن يخترق النفس إلى أعماقها ليهبها نقاوة وتقديسًا...

*   "أغسل يديَّ بالنقاوة"، وليس بماءٍ منظور.

إنك تغسل يديك عندما تنجز أعمالك خلال أفكار مقدسة ونقية في عينيْ الله، فإنه يوجد مذبح أمام عينيْ الله، الذي يدخل إليه الكاهن (المسيح) الذي قدم نفسه أولاً ذبيحة من أجلنا. هذا المذبح عالٍ، لا يستطيع أحد أن يدركه إلا من يغسل يديه بالنقاوة.

القديس أغسطينوس

*   تلاحظون أن الشماس يقدم ماءً للكاهن ليغتسل كما أيضًا للكهنة الذين هم حول المذبح الإلهي؛ وهو بالتأكيد لا يقدمه بسبب افتقادهم للطهارة الجسدانية، فليس هذا هو السبب، إذ نحن بلا دنس جسدي عند دخولنا الكنيسة. لكن الغسل هو رمز للنقاوة من كل أعمال خاطئة وتعديات؛ فاليدان هما رمز للعمل، وبغسلهما ندخل إلى الطهارة والسلوك بلا لوم. ألم تسمعوا تلك الافتتاحية المطوّبة لهذا السرّ ذاته، إذ يقول: "أغسل يدي وسط الأبرياء فأطوف بمذبحك يارب"؟ فغسيل الأيدي هو من ثم رمز للحصانة ضد الخطية[526].

القديس كيرلس الأورشليمي

إذ يتمتع المؤمن بنقاوة القلب وطهارة اليدين، أي قداسة الأعماق والأعمال، تستطيع أذناه الداخليتان أن تسمعا صوت التسبيح الملائكي وتتجاوب معه بالفرح الداخلي وتهليل النفس ولهج اللسان بالتسبيح والتماجيد حيث يعلن الإنسان بحياته الداخلية وسلوكه عن عجائب الله معه، فيقول:

"لكيما أسمع صوت تسبيحك،

وانطق بجميع عجائبك" [7].

لعل داود النبي يُريد أن يقول بأنه وسط كل افتراءات الأعداء لا تميل اذناه إلى كلماتهم ولا ينشغل فكره حتى بالدفاع عن نفسه أمامهم، لأن صوت التسبيح المفرح يملأ كل كيانه ويشبع حياته، فعوض الشكوى ضد الأعداء أو التذمر على ما يحل به، يتحدث عن كل أعمال الله العجيبة التي ترفعه كما إلى الحياة السمائية بالروح القدس.

يرى القديس أغسطينوس أن الآية "لكيما أسمع صوت تسبيحك" تعني أن صوت الروح القدس في تماجيد الكنيسة يعلمني كيف أُمجدك. كما يقول أيضًا: [إن تسمع الله لا يعني أن تلتقط الأصوات المسموعة. كم من أناس صُمّ لا يسمعون الله! يلزمك أن تسمع صوت التمجيد هكذا بأنك لا تمجّد ذاتك قط، مهما كُنت صالحًا. الاتضاع يجعلك صالحًا والكبرياء يجعلك خاطئًا[527]].

"لكيما أسمع صوت التسبحة"... كثيرون لهم آذان، لكنهم ليست تلك الآذان التي تحدث عنها يسوع عندما صرخ قائلاً: "من له أذان للسمع فليسمع" (مت 13: 9)...

أن تسمع صوت التسبحة يعني أن تدرك داخليًا أن كل ما كان فاسدًا فيك بالخطية مصدره ذاتك، وأن كل ما هو جيد، كل ما يُعمل للصلاح مصدره الله. هكذا يجب عليك أن تسمع صوت التسبيح بأن لا تمجد ذاتك قط، مهما كانت فضيلتك وإلا تصير ملومًا...

القديس أغسطينوس

تتقدس الآذان الداخلية فتسمع صوت التسبيح، عندئذ ينفتح لسان القلب ليشترك في تمجيد الله والحديث عن كل عظائمه دون أن ينسب مجدًا ما للذات أو الأنا. وأيضًا تتقدس البصيرة فتعاين مجد بيت الرب، عندئذ ينفتح القلب بالحب مشتاقًا أن يكون له موضع في مسكن مجده، إذ يقول المرتل:

"يارب أحببت جمال بيتك،

وموضع مسكن مجدك" [8].


يقصد داود النبي بالبيت هنا الخيمة، لأن الهيكل لم يكن قد بُني بعد. وكأن داود الطريد يشتهي ألا يُحرم من الخيمة المقدسة وتابوت العهد رمز الحضرة الإلهية، وألاّ يُطرد من بين شعب الله، وفي نفس الوقت يطلب بيت الله المقدس والبهي في أعماق قلبه!

*   يتجلى جمال بيت الله في الذين كُللوا بجمال القداسة داخل الكنيسة[528].

القديس أثناسيوس الرسولي

*   هذا الحب (حبنا لله) بدونه لن يقوم التركيب الخاص بالبناء الروحي الذي مهندسه بولس، مهما كانت المهارة ممتازة؛ ولا نستطيع أن يكون لنا المنزل الجميل الذي اشتاق إليه الطوباوي داود في قلبه لكي يُنقيه للرب، قائلاً: "يارب احببت جمال بيتك وموضع مسكن مجدك" [8].

بدون الحب يقيم الإنسان في قلبه – بغير بصيرة – منزلاً غير جميل لا يليق بالروح القدس، ولا يكون له شرف استقبال القدوس الذي يقطن (في القلب)، إنما يسقط في الحال وينهدم البناء في بؤس[529].

الأب إبراهيم

*   يشتهي الله أن نصنع له مسكنًا، واعدًا إيانا برؤيته كمقابل لذلك... أما مسكن الرب الذي يُريدنا أن نقيمه فهو القداسة... بهذا يقدر كل إنسان أن يقيم لله خيمة داخل قلبه[530].

العلامة أوريجينوس

+ إقرأ مزمور 26 من سفر المزامير +
+ عودة لتفسير سفر المزامير +


3. طلب الخلاص والرحمة:

بعد أن قدم داود النبي البراهين على كماله، يُصلي بحرارة حتى لا يُدفع بقوة ليكون بعيدًا عن جماعة شعب الله الذين هم موضع أمانة الله وحبه، فيُحسب كمجرم بين الخطاه وسافكي الدماء الذين تدنست أيديهم بالشر وامتلأت رشوة[531]، وبالتالي لا يكون مصيره مع الأشرار. رجاؤه في الله ألا يسمح له أن يُعاني مع الذين انفصل عن مجتمعهم. لقد اشتهى ألا يكون له نصيب مع الأشرار في وجوده ولا حتى في مجرى حياته المؤقته (الزمنية) ولا في نهاية حياته الموقرة ولا في وجوده بعد القبر! الاسباب التي دفعته إلى مثل هذه الصلاة تكمن في الاختلاف من جهة السِمات والطلبات والاشتياقات والعادات والغايات والمقاصد والأهداف بين القديسين والخطاة. فهم لا يحملون فكرًا متشابهًا، ولا شعورًا مماثلاً، ولا يتحدثون بذات الكلمات، وليس لهم ذات السلوك، ولا يعيشون بذات النمط، ولا يمشون بنفس الطريقة، أو يرتحلون في نفس الطريق، لذلك اشتاق داود أن يكون موضوع تذكر الله وعنايته ولكن ألاّ يجتمع مع الأشرار[532].

*   "فلا تهلك مع المنافقين نفسي" [6]. لا تهلك نفسي التي أحببت بيتك بكل جماله مع أولئك الذين يبغضوك. ولا تفنى حياتي مع رجال الدماء مع من يحتقر جاره، فإنه بكلى الوصيتين يتجمل بيتك (في داخلي).

القديس أغسطينوس

المنافقون ورجال الدماء هنا هم الذين يتعبدون لآلهة كثيرة وللأوثان.