تفسير سفر العدد اصحاح 21 جـ3 Print


أما كون سيحون "متشامخ" رمزًا للشيطان، فواضح من كلمات الكتاب المقدس نفسه، إذ يقول العلامة أوريجينوس: [إنه ذاك الذي قال "بقدرة يدي وبحكمتي لأني فهيم. ونقلت تخوم شعوب ونهبت ذخائرهم وحططت الملوك كبطل، فأصابت يدي ثروة الشعوب كعش" (إش 10: 13-14). بروح متشامخة يقول "أصعد إلى السموات أرفع كرسي فوق كواكب الله وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال. أصعد فوق مرتفعات السحاب. أصير مثل العلي" (إش 14: 13-14). هل لا زلت تسأل إن كان متشامخًا ومتكبرًا؟ نعم إنه متشامخ ومتكبر مثل ابنه الوحيد الذي كتب عنه "لا يخدعكم أحد على طريقة ما، لأنه لا يأتي إن لم يأتِ الارتداد أولاً ويستعلن إنسان الخطيّة ابن الهلاك، المقاوم والمرتفع على كل ما يُدعى إلهًا أو معبودًا حتى أنه يجلس في هيكل الله كإله مظهرًا نفسه إنه إله" (2 تس 2: 3-4). كل من يكون متشامخًا ومتكبرًا إنما يكون ابنًا لهذا الروح المتكبر أو تلميذًا له وممتثلاً به. لهذا السبب يتحدث الرسول عن البعض قائلاً: "لئلا يتصلف فيسقط في دينونة إبليس" (1 تي 3: 6)، مظهرًا أن كل تصلف يُحاكم بدينونة تماثل دينونة إبليس[184]].

بماذا أرسل الشعب إلى سيحون؟ لقد طلب أن يمر في أرضه ولا يتأخر معه، أي لا يبقى عنده، بل يسلك في طريق الملك حتى يتجاوز تخومه دون أن يميل إلى حقل أو كرم أو يشرب من بئر له. هذا هو العهد الذي تعهدنا به عند المعموديّة، حين جحدنا الشيطان وكل أعماله الشريرة وإغراءاته وعبوديته. كأننا نقول له: لن نميل إلى حقل من حقولك ولا إلى كرم لك ولا نشرب قطرة ماء من آبارك. يقول العلامة أوريجينوس: [لا يأخذ المؤمن قطرة من علم الشيطان، الفلك والسحر وغير ذلك من العلوم المقاومة للتقوى في الله. إنما له ينابيعه، يشرب من ينابيع إسرائيل، ينابيع الخلاص، لا من بئر سيحون. إنه لا يترك ينبوع الحياة ليكنز في الآبار المشققة (إر 2: 13). إنه يعلن أنه يسير في الطريق الملوكي، طريق ذاك الذي قال: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6). إنه طريق ملوكي إذ قال عنه النبي "اللهم اعطِ أحكامك للملك" (مز 72: 1). يليق بنا أن نتبع طريق الملك دون أن نميل من أي ناحية، لا إلى حقل ولا إلى الأعمال والأفكار الشيطانيّة[185]].

سبق فرأينا أن المؤمن لا يميل عن الطريق الملوكي يمينًا أو يسارًا، فلا ينحرف بضربة يمينيّة (البر الذاتي) ولا بضربة شماليّة (الخطيئة). كما رأينا أن السلوك في الطريق الملوكي إنما يعني السلوك متجهين نحو الله لا عن خوف كالعبيد ولا من أجل المكافأة كالأجراء بل من أجل الله نفسه كأبناء، بهذا لا ننحرف يمينًا ولا يسارًا[186]. لهذا يقول القدِّيس إغريغوريوس النزينزي: [ليتك تسير في الطريق الملوكي، لا تنحرف يمينًا ولا يسارًا بل يقودك الروح في الممر المستقيم[187]].

ويتحدَّث القدِّيس إغريغوريوس أسقف نيصص عن هذا الطريق الملوكي قائلاً: [يتطلب الناموس من الإنسان الذي يسلك فيه ألاَّ ينحرف شمالاً ولا يمينًا عن الطريق الذي هو ضيق وكرب كما يقول الرب (مت 7: 14). هذا التعليم يوضح أن الفضيلة تتميز بالاعتدال. فإن كل شر يعمل بطريقة طبيعيّة خلال نقص الفضيلة أو المبالغة فيها. ففي فضيلة الشجاعة، الجبن هو نقص للفضيلة والتهور هو مبالغة فيها. أما الأمر النقي لكل منهما فيرى خلال الطريق الوسط بين الشرين المتقاربين، فيحسب ذلك فضيلة، وهكذا كل الأمور الأخرى التي تصارع لأجل الحالة الأفضل إنما تكون باتخاذ الطريق المعتدل بين الشرين المتقاربين. الحكمة تأخذ الطريق الوسطى بين المكر والبساطة، فلا تمدح حكمة الحيات ولا بساطة الحمامة إن اختار إنسان ما إحداهما وحدها دون الأخرى. بالحرى يحسب التدبير فضيلة إذا اتحدت الاثنان معًا في اعتدال. الإنسان الذي يفقد العفة يحسب فاسقًا، أما الذي يتعدى العفة فيحسب ضميره موسومًا كقول الرسول (1 تي 4: 2). فإن الواحد يسلم نفسه للشهوات بلا ضابط والآخر ينجس الزواج كأنه زنى. إذ يكون التدبير معتدلاً بين الاثنين يحسب ذلك اعتدالاً[188]].

يطلب المؤمنون أن يعبروا هذا العالم في سلام، لكن سيحون الحقيقي، أي الشيطان المتكبر يغضب بالأكثر لأنهم لا يريدوا أن يمكثوا معه ولا أن ينشغلوا بشيء من أموره أو يلمسوا شيئًا من ممتلكاته أو يشربوا قطرة من بئره، إذ تزداد كراهيته لهم ويثور كبرياؤه بالغضب عليهم ويهيج عليهم خلال جنوده، أي الأرواح الشريرة، الذين هم الأموريين ليبثوا كل مرارة ضد المؤمنين. لهذا يقول الكتاب: "جمع سيحون جميع قومه وخرج للقاء إسرائيل" [23]. إنها الحرب الروحيّة التي يثيرها الشيطان ضد مملكة الله!

أما موقع الحرب أو ميدانها فهو "ياهص" التي في رأي العلامة أوريجينوس تعني إتمام الوصايا. فإننا حيث ندخل إلى تحقيق الوصايا الإلهيّة لا يحتمل الشيطان ذلك بل يشرع في قتالنا بأرواحه الشريرة، لكن المعركة تنتهي بنصرة المؤمن على الشيطان كقول الرسول "وإله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا" (رو 16: 20)، إذ أكد لنا السيد: "ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء" (لو 10: 19). فإن هذه جميعها لن تضرنا إن دخلنا إلى "ياهص" أي حفظنا الوصايا الإلهيّة.

ويرى البعض أن "ياهص" تعني موضعًا مطروقًا بالأقدام أو مفتوحًا[189]، وكأن المؤمنين ينبغي أن يسلكوا بروح آبائهم، الطريق الذي سبق فسلكوه، الطريق المفتوح قبلاً يدخلون في حرب مع الشيطان لكنهم يغلبون. جاء في سفر إرميا "هكذا قال الرب: قفوا على الطرق وانظروا واسألوا عن السبل القديمة أين هو الطريق الصالح وسيروا فيه فتجدوا راحة لنفوسكم" (إر 6: 16).

انتهت حياة سيحون، الذي يمثل الشيطان المتكبر بضربه بالسيف، الذي هو كلمة الله، إذ يقول الرسول "سيف الروح الذي هو كلمة الله" (أف 6: 17). هكذا إذ يختص المؤمن في كلمة الله ووصيته يهلك إبليس وتتبدد كل حيله.

قُتل سيحون بالسيف واستولى المؤمنون على أرضه كلها من أرنون إلى يبوق، على جميع المدن خاصة العاصمة حشبون.

أرنون هو نهر كان يفصل بين حدود الأموريّين شمالاً والموآبيّين جنوبًا، فيما بعد صار الفاصل بين سبط رأوبين شمالاً وموآب جنوبًا (تث 3: 8، يش 13: 16). وكان لأرنون معابر (إش 16: 2).

"يبوق" هو فرع شرقي لنهر الأردن، في ذلك الموضع صارع يعقوب مع الرب حتى الفجر بعد أن أجاز زوجتيه وأولاده (تك 32: 22). يُعرف الآن بنهر الزرقاء، وكان يمثل الحد الغربي لبني عمون ويفصلهم عن الأموريّين، وفيما بعد يفصلهم عن سبط جاد. وهو يشطر جلعاد إلى قسمين: القسم الجنوبي كان تبعًا لسيحون والذي صار لجاد، أما الجزء الشمالي فكان يملك عوج الذي أخذه منه نصف سبط مَنَسَّى (تث 2: 36-37، 3: 12-13، 16، يش 12: 2-6).

أما حشبون، مدينة سيحون ملك الأموريين، والتي هي في الأصل أُخذت من الموآبيّين. لقد عينها موسى لتكون من نصيب سبط رأوبين، وقد أعاد هذا السبط بناءها (عد 32: 37، يش 13: 17)، وقد صارت حدًا بين رأوبين وجاد (يش 13: 26)، امتلكها بعد ذلك جاد وقد عُينت كمدينة لجاد وُهبت للاويّين (يش 21: 39، 1 أي 6: 81). استولى عليها بنو موآب في أيام إشعياء النبي وإرميا النبي (إش 65: 4، 16: 8-9، إر 48: 2، 33-34). استولى عليها فيما بعد اسكندريانيوس وهيرودس الكبير[190]. لا تزال تُعرف باسم حسبان مدين مهدمة على تل معزول بين أرنون ويبوق، على بعد حوالي 6 أميال شمال ميدَبَا.

يرى العلامة أوريجينوس أن أرنون تعني "لعنات"، أما يبوق فتعني "صراع" حيث فيها صارع يعقوب مع الله. وكأن حدود مملكة الشيطان تبدأ باللعنات وتنتهي بالصراع. إذ يدخل الإنسان أرضه يمتليء لعنات ويبقى هكذا حتى يخرج منها خلال صراعه كيعقوب لتحل عليه البركة ويتحرر من مملكة إبليس، إنه يقول: [مملكة سيحون المتكبر والعقيم تبدأ باللعنات وتنتهي في يبوق أي الصراع. كل من يريد أن يخرج من مملكة الشيطان ويهرب منها يجد الصراع... فإن صارع وغلب تكف يبوق عن أن تكون مدينة لسيحون، وتتحوَّل إلى إسرائيل[191]...].

أما عاصمة مملكته فهي حشبون أي "حساب"، فمن يفكر بحساب مادي زمني يصير فكره هذا هو مركز مملكة إبليس في حياته، أما إن تحررت بالرب وصارت حساباته روحيّة، يحمل فكرًا إيمانيًا، حاسبًا حساب النفقة فيصير فكره هذا هو مركز حياته الجديدة في المسيح يسوع. يتحول الفكر من مملكة إبليس إلى مملكة المسيح. لعل هذا هو ما جعل العلامة أوريجينوس يقول أن حشبون تشير إلى "التفكير". يقول: [لماذا تدعى عاصمة ملك سيحون حشبون؟ لأن حشبون تعني التفكير، وهو الجزء الأكثر أهمية في مملكة الشيطان، هو أساس قدرته. وقد قال السيد المسيح "لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة: زنى فسق قتل سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل، وجميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان" (مر 7: 21-23). لهذا لابد من إضرام النار في هذه المدينة وحرقها بالنار، بالتأكيد النار التي قال عنها المخلص "جئت لألقي نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت[192]؟" (لو 12: 49)].

جاء بعد هذا: "يقول أصحاب الأمثال: ايتوا إلى حشبون فتُبنى وتُصلح مدينة سيحون، لأن نارًا خرجت من حشبون، لهيبًا من قرية سيحون. أكلت عار موآب، أهل مرتفعات أرنون. ويل لك يا موآب. هلكت يا أمة كموش" [27-29]. من هم أصحاب الأمثال الذين يرون نار الروح القدس التي أضرمها السيد المسيح على الأرض التي ملكها سيحون زمانًا، مشتهين أن يعاد بنائها وإصلاحها؟ أصحاب الأمثال بلا شك هم الشريعة وجماعة الأنبياء الذين رأوا خلال الرموز كيف تهدم مملكة إبليس لكي تقوم مملكة المسيح بروحه القدوس الناري، أما الذين يفهمون هذه الأمثال فهم رجال العهد الجديد الذين أدركوا الحق وتكشف لهم ما كان قبلاً رمزًا ولغزًا. يقول العلامة أوريجينوس: [من الذي تحدث بالأمثال إلاَّ الناموس والأنبياء؟ اسمع كيف يُعبِّر داود النبي عن ذلك قائلاً: "أفتح بمثل فمي، أُذيع ألغازًا من القِدَم" (مز 78: 2). بألغاز يعلن أيضًا كاتب آخر هو إشعياء: "وصارت لكم رؤيا الكل مثل كلام السفر المختوم الذي يدفعونه لعارف الكتابة قائلين: اقرأ هذا، فيقول لا أستطيع لأنه مختوم، أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له: اقرأ هذا، فيقول لا أعرف الكتاب" (إش 29: 11-12). إنه كتاب مختوم لأنه مملوء بالأمثال ومغلف بالألغاز.

أصحاب الأمثال هؤلاء يقولون: "ايتوا إلى حشبون فتُبنى". لقد سقطت حشبون الأولى. ماذا أقول؟ إنها ضُربت واحترقت، لذا يجب أن تُبنى من جديد، لتُبنى حشبون أخرى. كيف يتحقق ذلك؟ أوضح هذا بمثال: إن رأيت وثنيًا يعيش في عار وضلال ديني تقول عنه بغير تردد أنه مدينة حشبون الواقعة في مملكة سيحون، إذ يتسلط عليها الملك العقيم والمتكبر في أفكاره. فإن اقترب هذا الرجل إلى إسرائيل (الجديد) وصار ابنًا للكنيسة، فيلقي عنه كل مقاومة لكلام الله، حاملاً ضد ذلك سيف الروح (أف 6: 16)، تنهدم فيه كل المتاريس أي العقائد الوثنيّة، ويحترق كبرياء إدراكه بنار الحق. بهذا يُقال أن حشبون مدينة ملك سيحون قد دُمرت، لكنها لا تترك كصحراء مهجورة هذه التي نزعت عنها عقائد الوثنيّين... إنما لتبنِ في قلبه الأفكار الصالحة والشعور بالتقوى وتوضع فيه مباديء الحق ويتعلم الطقوس الدينية وأسس الحياة وتُقام فيه العادات التي تطابق الشريعة. حينئذٍ يقول بحق أصحاب الأمثال الواحد للآخر: "ايتوا إلى حشبون فتُبنى، التي هي مدينة سيحون". لقد دُعي أبناء الكنيسة أيضًا أصحاب الأمثال لأنهم يفهمون بالروح رموز الشريعة والألغاز. هذا ما عناه إرميا النبي في حديث رمزي عندما قال له السيد الرب: "ها قد جعلت كلامي في فمك. انظر، قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتنقض وتبني وتغرس" (إر 1: 9-10). ماذا يقلع؟ وماذا يهدم؟ مدينة حشبون التي كان يملكها ملك سيحون. أي شيء يقلعه أو يهدمه؟ أفكار الكفر والنجاسة! ماذا يبني فيها من جديد؟ أو يغرس فيها؟ أفكار التقوى والعفاف. يجب أن تكف حشبون عن أن تكون مدينة الأموريّين لتصبح مدينة أبناء إسرائيل (الروحي[193])].

6. نصرتهم على عوج ملك باشان:

يُعلِّق على هذا العلامة أوريجينوس قائلاً: [إذ تسلطوا على مدن الأموريّين "تحوَّلوا وصعدوا في طريق باشان" لكنهم لم ينزلوا إليها ولا بعثوا رسلاً كما لم يطلبوا المرور في أرضها، إنما شرعوا في الحال في محاربته (عوج) حيث هزموه هو وبنيه. ما هي باشان؟ باشان تعني "عار". إنه بحق لم يبعث برسل إلى هذا القوم ولا طلب المرور على أرضه، لأنه يجب ألاَّ يكون لنا هناك أي ممر أو طريق يدخل بنا إلى العار. يلزمنا أن نهاجمها ونحترس منها دائمًا. من ناحية أخرى فإن "عوج" الذي هو ملك باشان يعني "إعوجاج" أو "عائق"، فهو يمثل الأمور الجسديّة، هذه التي محبتها تعوق النفس وتبعدها عن الله. لهذا يجب إشهار الحرب ضد عوج (أي ضد محبة الزمنيات[194])].

كما يقول: [بخصوص مملكة حشبون لم يكتب "لم يبقَ له شارد" [35]، ولا أيضًا بخصوص مملكة موآب، لأنه ربما نحتاج إلى بعض سكانها، ربما يلزم وجود بعضهم لكفاحنا وتدريبنا، "وإلا فيلزمكم أن تخرجوا من العالم" (1 كو 5: 10). أما عن باشان، أي العار، فلا حاجة لنا بشيء منها. لا يترك فيها شيء يعيش بل يجب إبادة كل أعمال العار، فإنه لا يُحسب العار صالحًا عند أحد[195]].


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر العدد +
+ عودة لتفسير سفر العدد +