إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر العدد اصحاح 11 جـ2 PDF Print Email


4. اختيار سبعين شيخًا:

إذ استثقل موسى المسئوليّة طلب الله منه أن يجمع سبعين شيخًا يعلم أنهم شيوخ الشعب وعرفاؤه (ع 16)، يقفوا معه في العمل، فلا يحمل ثقل الشعب وحده (ع 17).

استخدم الله لحظات الضعف في نبيه لبنيان الجماعة فأقام السبعين شيخًا حتى يكتمل التنظيم الكنسي لا بوجود النبي ورئيس الكهنة والكهنة واللاويّين ورؤساء الأسباط فقط وإنما أيضًا بإقامة سبعين شيخًا من العلمانيّين يهبهم روحه القدوس ليشتركوا في التدبير، وكأن الله منذ القديم أراد تأكيد دور العلمانيّين- إن صح هذا التعبير- سواء عن طريق رؤساء الأسباط أو السبعين شيخًا.

في الوقت الذي ترك فيه لموسى حرية اختيار السبعين شيخًا ألزمه أن يكونوا بحق شيوخًا وعرفاء للشعب (ع 16). فالشيخ ليس بكثرة السنين ولا بشيبة الشعر بل بالحكمة والمعرفة. لهذا كتب القدِّيس ﭽيروم في إحدى رسائله هكذا: [أخي المحبوب، لا تُقدِّر استحقاقي بعدد السنوات فإن شيب الشعر ليس حكمة بل الحكمة صالحة كشيب الشعر. يقول سليمان "الحكمة هي شيب الشعر" (حك 4: 9). موسى في اختياره السبعين شيخًا ليكونوا معه التزم أن يختار من يعرف أنهم شيوخ بحق لا حسب أعمارهم بل حسب تمييزهم. فإن دانيال دان شيوخًا وهو ولد، وحكم على عدم طهارة شيوخ وهو صبي (قصة سوسنة)[41]].

يقول الرب لموسى: "آخذ من الروح الذي عليك وأضع عليهم فيحملون معك ثقل الشعب فلا تحمل أنت وحدك" [17]. ماذا قصد الرب بهذه الكلمات؟ يرى البعض أنه في هذه العبارة قد خسر موسى شيئًا من بهاء إكليله، فإن الله هو العامل سواء كان موسى وحده أو معه السبعين شيخًا، العمل لا يتغير، لأن الله هو الراعي الخفي. فلو لم يختار هؤلاء الرجال لتعب موسى أكثر لكان إكليله كان يزداد بهاءً. ما كان الله سيعمله بموسى وحده يعمله الآن به ومعه الرجال السبعون. على أن هذه العبارة لا تعني أن موسى قد فقد شيئًا من قوة الله أو سحب منه شيء، إنما تعني أن الله الذي أعطى موسى أن يعمل بروحه أعطى هؤلاء الرجال، فيسلكون معه بالروح الواحد. يقول العلامة أوريجينوس: [كان موسى بالروح الذي عليه كمصباح ساطع للغاية، منه أنار الله السبعين الآخرين، إذ بسط لمعان الأول على المصابيح الأخرى دون أن يضعف المصدر[42]]. ويقول القدِّيس أغسطينوس: [هذا يعني أعطيهم الروح القدس الذي سبق فأعطيته لك[43]].

يُعلِّق العلامة أوريجينوس على حلول الروح القدس على السبعين شيخًا هكذا: [الروح- كما جاء في الكتاب المقدَّس- لا يحل على أي إنسان بل على القدِّيسين والطوباويّين، إذ يحل على أنقياء القلب (مت 5: 8) الذين يتطهرون من الخطيئة. وبالعكس لا يسكن الروح في جسد تتسلط عليه الخطيئة، حتى وإن سكن في هذا الجسد إلى حين. الروح القدس لا يمكنه احتمال المشاركة مع روح الشر، فإنه بلا شك في لحظة الخطيئة يكون روح الشر داخل نفس الخاطيء يلعب دوره فيها. عندما نترك المجال لروح الشر أن يدخل، ونستقبله فينا بأفكار دنسة ورغبات نجسة فإن الروح القدس وهو مملوء حزنًا وضيقًا يُطرد منا، إن أمكنني التجاسر والقول بهذا التعبير. لهذا يقدم الرسول النصيحة "لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء" (أف 4: 30)... بالخطيئة نجعل الروح القدس يحزن، وخلال الحياة الصالحة المقدَّسة نمهد مكانًا ليعمل الروح القدس فينا[44]].

لا يمكننا قبول هذا الرأي كما هو خاصة خلال العهد الجديد، فإنه بالسيد المسيح- ممثل البشريّة- صار لنا أن نتقبل الروح القدس فينا خلال سرَّي العماد والميرون، إذ تهيئنا المعموديّة لنكون هيكلاً مقدسًا له وبالميرون يحلّ الروح علينا ويستقر فينا. بالمسيح يسوع الابن الوحيد، الذي وحده لن ينفصل عنه الروح القدس لأنه روحه، صرنا نحن أيضًا هيكلاً للروح، يقدِّسنا على الدوام، فإن أخطأنا يحزن لكنه لا يفارقنا. يرى القدِّيس فيلوكسينوس أن روح الرب لن يفارق المؤمن إلاَّ عند إنكاره الإيمان. إنه يرى الروح القدس أشبه بالطيب الذي لا ييأس قط من شفاء المريض، بل يلازمه لكي يسنده ويشفيه.

يقول القدِّيس فيلوكسينوس: [لا توجد خطيئة سواء بالفعل أم بالفكر تقدر على أن تدمر هيكل الله. على ثمة فارق بين الخطايا التي ترتكب بالفعل وبين الارتداد عن الله. وذلك أنه إذا فعلنا خطيّة، فإن إيماننا بالله يظل سليمًا فلا نفقد بنوتنا لله مثل الابن حسب الطبيعة الذي مهما أخطأ في حق والده وأغضبه كثيرًا فإن هذا لا يحرمه من أن يُدعى ابنًا. ومهما أخطأ الابن وارتكب من هفوات فإن ذلك لا يفقده كرامته كابن لا سيما إذا كان أبوه لا يهدف إلى حرمانه منها...].

[قد يقال أن الروح القدس يفارقنا بسبب بعض الخطايا وعندما نتوب عنها يعود إلينا... ما هذا الكلام؟ فإنه إذا ما فارقنا الروح، فمن الذي يعمل فينا لكي نتوب عن خطايانا؟ فإن التوبة لا تحدث بدون الروح القدس، وكل ما نفعله بقوة الروح القدس في الصوم والسهر والصلاة والصدقة وتوبيخ القلب والدموع التائبة والتنهد...].

[وهكذا فإن الروح القدس يسكن فينا، أي في الذين اعتمدوا إلاَّ أنه لا يرغم بالقوة أي إنسان يريد أن يخطيء، بل يعلمه ويحذره من السقوط].

[ليس صحيحًا القول بمفارقة الروح للنفس ساعة الخطيّة وعودته ساعة التوبة، واعتباره هكذا ضعيفًا ومترددًا وجبانًا، يقف بعيدًا يرقبنا منتظرًا أن نتوب عن خطايانا ونعود إلى حالة التبرير كي يعود يسكن فينا. وبكل يقين، فما هي الفائدة التي ستعود عليَّ إذا عاد إليَّ وسكن فيَّ عندما أتبرر في حين أنه في ساعة السقوط لم يقف إلى جواري، لكي يمد لي يدّ المساعدة ويقيمني على قدمي؟].

[إن من يلبس الروح في مياه المعموديّة إنما يلبسه ولا يخلعه إلاَّ بالارتداد عن الإيمان. لأنه إذا كان بالإيمان يلبس الإنسان الروح، فبإنكار الإيمان يفارق الروح القدس النفس، لأن الإيمان والارتداد ضدان مثل النور والظلمة[45]].

يرى الكثيرون أن الروح القدس لن يفارق المؤمن قط ليس فقط عندما يخطيء وإنما أيضًا عندما يرتد عن الإيمان، لهذا إذا رجع إلى الكنيسة مرة أخرى لا تعيد المعموديّة ولا مسحة الميرون. من أصحاب هذا الرأي القدِّيس أغسطينوس[46].

إن عدنا إلى السبعين شيخًا فبلا شك كان هؤلاء الرجال على علاقة بموسى النبي وأدركوا الكثير من أعمال الله معه، لكنهم لا يقدرون أن يسندوه أو يرافقوه في العمل ما لم يهبهم الرب قوة الروح العامل في موسى النبي. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وكأن التلمذة في حقيقتها ليست مجرد اقتداء بالمعلم أو امتثال به في تصرفاته وسلوكه، وإنما في جوهرها هي تلمذة للرب نفسه خلال المعلم لكي يحمل التلميذ روح الرب نفسه العامل في المعلم.

5. ألْداد وميداد يتنبآن:

غالبًا هما أخوان، الأول يُدعى ألْداد أي "من يحبه الرب"، والثاني ميداد أي "محبوب". لقد اختارهما موسى بين السبعين شيخًا لكنهما لم يخرجا مع بقية الشيوخ حوالي الخيمة بل بقيا في المَحَلَّة، فحلّ عليهما الروح وتنبآ مثل بقية الشيوخ.

لقد سمح الله بهذا ليؤكد للشعب أن الروح الذي حلّ على الشيوخ هو عطيّة الله نفسه وليس عطيّة موسى، لهذا وهبه حتى لغير الحاضرين. بهذا لا يساء فهم القول: "أخذ من الروح الذي حلّ عليه وجعل على السبعين رجلاً الشيوخ" [25].

يُعلِّق القدِّيس كيرلس الأورشليمي على هذا الأمر قائلاً: [اندهش يشوع بن نون الذي خلف موسى، فأتى إليه وسأل: ألم تسمع أن ألْداد وميداد يتنبآن؟ لقد دُعيا ولم يأتيا يا سيدي موسى، اردعهما! أجاب موسى: لا أستطيع أن أردعهما لأن هذه النعمة من السماء! كلا! حاشا لي أن أمنعهم، بل أشكر الله على ذلك. إنني لست أظن أنك قلت هذا عن حسد، هل أنت تغار لي لأنهما يتنبآن وأنت لا تتنبأ إلى الآن؟ انتظر الوقت المناسب. ياليت كل شعب الرب يكونون أنبياء حين يجعل الرب روحه عليهم.

لقد نطق بهذا متنبأ "حين يجعل روحه عليهم"... لقد لمح في السرّ ما كان مزمعًا أن يحدث بيننا في يوم البنطيقستي، لأن الروح القدس بنفسه حلَّ بيننا[47]].

كأن ما حدث لألْداد وميداد كان نبوءة لحلول روح الله القدس على كنيسة الأمم التي كانت قبلاً خارج المَحَلَّة، لقد ضم الرب إليه الذين كانوا قبلاً في الخارج.

مرة ثانية يعلق القدِّيس كيرلس الأورشليمي على هذا الأمر هكذا: [ليس بمعنى أن الروح القدس قد انقسم إنما وزع نعمته حسب الأواني وسعة القابلين. كان حاضرًا ثمانية وستون شيخًا فتنبأوا، أما ألْداد وميداد فلم يكونا حاضرين. من هنا يظهر أنه ليس موسى واهب العطيّة بل الروح هو الذي عمل. إن ألْداد وميداد اللذين دُعيا مع عدم حضورهما في ذلك تنبآ أيضًا[48]].

لعل الله اختار هذين الشيخين بالذات لنوال هذه النعمة الإلهيّة لأن الأول اسمه يعني "من يحبه الرب" والثاني "محبوب"، وكأن عطيّة الروح القدس إنما هي عطيّة المحبة، قدَّمها الله لكنيسته من أجل محبته لها. إنها محبوبته تتقبل روحه الذي يقدسها ويهيئها عروسًا سماويّة تدخل إلى حجاله الأبدي تشاركه أمجاده الأبديّة.

6. الله يطعم شعبه:

استصعب موسى النبي الأمر حين أمر الله أن يتقدس الشعب ليعطيهم سؤل قلبهم فيأكلون لحمًا لا يومًا واحدًا ولا يومين ولا خمسة أيام ولا عشرة أيام ولا عشرين يومًا بل شهرًا من الزمان (ع 19-20) إن كان عدد الرجال المشاة حوالي ست مائة ألف نسمة بخلاف النساء والأطفال واللاويّين... وكأن تعدادهم يبلغ حوالي 2 مليون نسمة، كيف يأكل هؤلاء جميعًا لحمًا في البريّة لمدة شهر من الزمان؟ قال موسى: "أيذبح لهم غنم وبقر ليكفيهم أم يجمع لهم كل سمك البحر ليكفيهم؟" [22]. وكأنه يقول إن الأمر يحتاج إلى ذبح كل المواشي أو صيد كل سمك البحر... لكن الرب أجابه: "هل تقصر يدّ الرب؟ الآن ترى أيوافيك كلامي أم لا" [23]. لقد أشبعهم الرب لحمًا لا بذبح مواشي ولا بصيد أسماك، إنما أرسل لهم طيرًا صغيرًا "السلوى" أو "السمّان" ساقها إليهم بريح نحو المَحَلَّة. هكذا يعطينا الله أكثر مما نسأل وفوق ما نطلب وبطريقة لا نتوقعها معلنًا أن يده لا تقصر، قائلاً: "لا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحي قال رب الجنود" (زك 4: 6).

يرى البعض في تصرف الله أن هذا الإنسان ينبغي أن يشبع كل احتياجات طفله ولا يحرمه من شيء حتى لا يشتهي شيئًا، فقد أشبع الله الشعب وأعطاهم أكثر مما يطلبون، غير أن الرأي المضاد يرى أن الإنسان إذ يعتاد على حياة الترف في طفولته لا يقدر أن يتخلى عنها[49].

لقد قدَّم الله لهم لحمًا بكثرة، وإذ انقضوا عليها بشراهة وشهوة غضب الرب عليهم وضربهم ضربة عظيمة جدًا (ع 33)، ليس لأنهم يأكلون اللحم ولكن من أجل الشهوة التي تملكت عليهم، وكما يقول المرتل "بل اشتهوا شهوة في البريّة وجربوا الله في القفر، فأعطاهم سؤلهم وأرسل الله هزالاً في أنفسهم" (مز 106: 15).

قبل أن ننهي الأصحاح نذكر تعليق العلامة أوريجينوس على قول الوحي: "خرج موسى وكلَّم الشعب بكلام الرب" [24]: "مادام موسى يصغي إلى كلام الرب ويستلم التعاليم يكون في الداخل، يعيش في خلوة أكثر سرية، لكنه عندما يتكلم مع الجموع لا يقدر أن يبقى في الداخل بل يقول الكتاب أنه خرج... أظن أن بولس أيضًا كان يفعل هكذا، فإنه كان في الداخل عندما قال: "نعلم بحكمة بين الكاملين ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر، ولا من عظماء هذا الدهر" (1 كو 2: 6). انظر كيف كان بولس في الداخل ينظر إلى أسرار الحكمة الإلهيّة الداخليّة أثناء تسلمه هذه التعاليم. لكنه عندما يخرج للشعب اسمع بماذا يعلم: "لا تخرج كلمة رديئة من أفواهكم" (أف 4: 29)، "لا يسرق السارق فيما بعد" (أف 4: 28) الخ... هذه الكلمات وما على نمطها إنما هي تعاليم الرسول ينطق بها حين يخرج خارجًا ليعلم الشعب كما فعل موسى النبي[50].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من سفر العدد +
+ عودة لتفسير سفر العدد +
 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك