إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الضمير هو مجرد صوت يوجه الإرادة نحو الخير ويبعدها عنها الشر ولكنه لا يملك أن يرغمها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر الخروج اصحاح 21 جـ1 PDF Print Email

الشريعة (يتبع)


1. العبد العبراني           [1-11].

2. القتل والضرب           [12-36].


1. العبد العبراني:

يتحدث هذا الأصحاح عن حقوق العبد العبراني، إذ تُميز الشريعة بين العبد العبراني والعبد الغريب (الأممي). ولكي نتفهم ما ورد في الشريعة يلزمنا أن نتفهم نظرة الوثنية لنظام الرق، وما هو موقف الشريعة اليهودية؟ وما هو دور المسيحية في ذلك الشأن؟
الوثنية ونظام الرق:

عرفت الشعوب الوثنية نظام الرق، يستوي في ذلك الشعوب المتخلفة مع المتحضرة كالإغريق والرومان... وقد أيَّد بعض فلاسفة العالم الوثني هذا النظام، كنظام طبيعي وضروري، وأعلن أرسطو أن جميع البرابرة (غير المتحضرين) عبيد بالمولد، ولا يصلحون إلاَّ لهذا العمل. ولم يعطِ القانون الروماني للعبيد أي حق مدني أو إنساني... إذ لا يُعاقب السيِّد أو يُحاسب إن عذب عبدًا (أو أمَة) أو قتله، أو صنع معه الفحشاء أو اغتصب منه زوجته لتكون محظيته أو لتصير عاهرة![307]
اليهودية ونظام الرق:

لم يكن ممكنًا للشريعة اليهودية أن تمنع هذا النظام دفعة واحدة، لهذا التزمت بتقديم قواعد ونظم تحفظ للعبد حقه الإنساني، وتنزع عنه -إلى حد كبير- جانب الإذلالي، ليعيش كإنسان وأخ تحت ظروفه القاسية. وقد عرف اليهود نوعين من العبودية: عبودية العبرانيين، وعبودية الأمميين.
أولاً: عبودية العبرانيين:

كانت تتم في أحد الظروف التالية:

أ. بسبب الفقر قد يبيع الإنسان نفسه (لا 25: 29)، أو أولاده (2 مل 4: 1).

ب. بسبب السرقة، إن لم يكن له ما يوفي فيباع بسرقته (خر 22: 3).

ج. قد يبيع الإنسان ابنه عبدًا أو ابنته أمَة (خر 21: 7، 17، نح 15: 5).

د. قد يصير الإنسان عبدًا بالميلاد إذا كان والده عبدًا.
أما الحقوق التي قدمتها الشريعة للعبد العبراني والأمَة العبرانية فهي:

أ. يُعامل العبد العبراني كأخٍ، ليس في مذلة "لا تُستعبده استعباد عبد، كأجير كنزيل يكون عندك... لأنهم عبيدي الذين أخرجتهم من أرض مصر لا يباعون بيع العبيد. لا تتسلط عليه بعنف، بل إخشَ إلهك" (لا 25: 39-43). بذلك قدمت الشريعة نظرة جديدة للعبد، أنه أخْ، شريك في العبودية لله الواحد.

ب. يتمتع العبد بالعتق من العبودية في السنة السابعة من عبوديته (أي بعد ست سنوات)، أي إن صح التعبير، في السنة السبتية، سنة الراحة. هذه إشارة إلى الحرية التي صارت لنا جميعًا بمجيء الرب في السنة السبتية، أي في ملء الزمان وقدم لنا ذاته "سرّ الراحة الحقيقية"، واضعًا حدًا لعبودية الخطية. في هذا يقول "إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا" (يو 8: 36).

للعبد حق الخيار أن يترك بيت سيِّده أو يطلب أن يبقى معه كل أيام حياته، فإن كان العبد يُحب سيِّده وزوجته وأولاده عليه أن يستعبد نفسه لسيِّده بمحض إرادته إلى النهاية، فيقدمه سيِّده إلى الباب ويثقب أذنه، علامة الطاعة الكاملة، كقول داود المرتل "أذني فتحت (ثقبت)" (مز 40: 6). هذا ما صنعه السيِّد المسيح الذي وهو الابن صار من أجلنا عبدًا، أحب أباه وعروسه وأولاده (أف 5: 25-27)، فحمل في جسده جراحات الصليب لأجل خلاصنا. صار عبدًا لكي يرفعنا من العبودية إلى البنوة لله.

ج. في سنة اليوبيل (لا 25: 39-40) يتحرر جميع هؤلاء العبيد حتى الذين لم يكملوا السنوات الست في خدمتهم لسادتهم، لأن اليوبيل يتم في السنة الخمسين، رمزًا لعمل الروح القدس الذي يهب الكنيسة كمال الحرية في استحقاقات دم المسيح. وبالروح القدس ننال غفران الخطايا، ونتمتع بالشركة مع الله في ابنه، ونحمل روح التبني الذي به نُنادي الله كأب لنا.

د. لا يخرج العبد فارغًا بعد تحرره، بل يأخذ معه من الغلات والقطيع ومن البَيْدر والمعصرة (لا 25: 43)، هكذا لم يحررنا السيِّد المسيح فحسب لكنه وهبنا غنى روحه القدوس، فننطلق حاملين بره وقداسته فينا.

ه. يمكن للعبد أن يتزوج ابنة سيِّده (1 أي 2: 35)، كما يمكن للسيِّد أن يتزوج الأمَة أو يعطيها زوجة لابنه، ولا يحق له أن يبيع العبد العبراني أو الأمَة لسيِّد أجنبي (خر 21: 7-11)... بهذا تصير الأَمَة من أهل البيت لها كل الحقوق كأحد أفراد الأسرة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هذه صورة حيّة لعمل الله معنا الذي قدمنا نحن عبيده كعروس لابنه، فصار لنا شركة أمجاده السماوية.

و. إن أهمل السيِّد أو ابنه في حق الأمة التي تزوجها، من جهة الطعام أو الملابس أو حقوقها الزوجية تصير الأمَة حرة!

أخيرًا، فقد أُلغيت عادة العبيد العبرانيين وحُرمت بعد العودة من السبي.
ثانيًا: عبودية الأممي:

غالبًا ما يكونون من أسرى الحرب (عد 31: 9، 2 مل 5: 2)، أو مشترين (تك 17: 27، 37: 28، 36؛ خر 27: 13؛ يؤ 3: 6، 8)، أو بالميلاد (تك 17: 12). لكننا لا نشتم من الكتاب المقدس ولا من التاريخ أنه وُجد سوق للرق عند اليهود[308].

قبل الشريعة الموسوية قدم لنا إبراهيم أب الآباء مثلاً حيًا في التعامل مع العبيد، فقد وضع في قلبه إن لم ينجب يترك ميراثه لأحد عبيده "اليعازر الدمشقي" (تك 15: 20)، الذي جعله وكيلاً على كل أمواله. وفي زواج اسحق برفقة (تك 24) ظهرت ثقة إبراهيم في عبده، وكان العبد في تصرفاته يكشف عن استحقاقه أن يكون موضع هذه الثقة.

وإذ جاءت الشريعة الموسوية قدمت للعبيد حقوقًا تحفظ لهم آدميتهم، منها:

أ. من يسرق إنسانًا ويبيعه أو يوجد في يده يقتل (خر 21: 16).

ب. جريمة قتل العبد تتساوي مع قتل الحرّ (لا 24: 17، 22).

ج. إذا فقد عبد عينه أو يده يُعتق (خر 21: 26-27).

د. أُعطت الشريعة للعبيد أن يعبدوا آلهتهم الخاصة، أي حرية العقيدة حتى وإن كانوا مخطئين، لكن من حق السيِّد العبراني أن يختن عبيده.

ه. أعطتهم حق الاشتراك مع سادتهم في الأعياد (خر 20: 10، 23: 12).
المسيحية ونظام الرق:

عالجت المسيحية مشكلة "نظام الرق" بطريقة موضوعية، إذ لم تشأ إثارة العبيد ضد سادتهم، الذين كانوا يمثلون في المملكة الرومانية نصف تعدادها، ويذكر بليني أن أحد الأثرياء الرومان يدعى كلوديوس إسيدورس في أيام أغسطس ترك بين ممتلكاته 4116 عبدًا[309]. إنما طالبت العبيد بالطاعة (أف 6: 5-8، كو 3: 22-25، 1 تي 6: 1-2؛ 1 بط 2: 18-21)، كما أنها آمنت حتى بإمكانية تأثير العبد على سيِّده خلال الحياة المقدسة في الرب. فلا نعجب إن رأينا القديس يوحنا الذهبي الفم يقول لحاضري اجتماعاته: [إن كل واحد منهم يُعلِّم الذين في الخارج أنه كان في صحبة السيرافيم، فالأب يُعلم ابنه والأم ابنتها، وأيضًا العبد سيِّده].

عملت الكنيسة على إعادة العبد الهارب إلى سيده فليمون، لكي يحرره بإرادته ويعفو عنه دون  ضغط أو إلزام.

لقد بدأ نظام الرق ينهار من جذوره، وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسية لهياج الدولة الرومانية على الكنيسة المسيحية[310]، أما سرّ انهياره فيكمن في الأسباب التالية:

أ. ألزمت الكنيسة أولادها أن يعاملوا العبيد إخوة لهم (1 كو 7: 21-22، غل 3: 28؛ كو 3: 11). ولا ننسى أن السيِّد المسيح قد أُسلم مقابل ثلاثين من الفضة كأنه بيع كعبد، فدخل إلى زمرة العبيد، ولم يأنف منهم بل قدّس حياة المؤمنين منهم.

ب. إن كان الرسول بولس قد ردّ العبد الهارب أنسيموس إلى سيِّده فليمون، فقد بعث معه برسالة تُعتبر أروع ما يمكن أن يُكتب من رسول بخصوص عبد هارب، إذ يلقِّبه "ابني أنسيموس، الذي ولدْته في قيودي، هو أحشائي، اقبله نظيري". كما جاء في الرسالة "لأنه ربما لأجل هذا افترق عنك إلى ساعة لكي يكون لك إلى الأبد، لا كعبد فيما بعد بل أفضل من عبد أخًا محبوبًا ولا سيما إليَّ".

ج. إذ عاش بعض السادة بروح الإنجيل التزموا بتحرير عبيدهم بواعز داخلي، دون وجود أمر صريح بذلك.

د. كثيرون ممن كانوا عبيدًا نالوا رتبًا عالية أو كرامة كنسية سامية، من هؤلاء من هم شهداء مثل بلاندينا وبابليس وفليكتاس، الذين كانت تذكرهم الكنيسة كأبطال إيمان[311]. ومن العبيد أيضًا صار أسقف مثل أنسيموس تلميذ القديس بولس، إذ صار أسقفًا على Borea بمكدونية[312]؛ وكالستوس أسقف روما في القرن الثالث.

ه. شجعت الكتابات الكنسية الأولى على انهيار هذا النظام، نذكر على سبيل المثال ما جاء في الديداكية: [لا تنتهر (بمرارة) عبدك أو أمتك اللذين يترجيان الله إلهك، لئلا يفقدا مخافة الله، الذي هو فوق الكل، وليس عنده محاباة الوجوه[313]].

يقول القديس إكليمنضس الإسكندري: [العبيد هم أناس مثلنا[314]].

ويقول الأب لاكتانتيوس: [العبيد ليسوا عبيدًا لنا، لكننا نحسبهم إخوة في الروح، وهم عبيد شركاء معنا في الدين[315]].

كما جاء في كتابات القديس أغناطيوس الأنطاكي: [لا تحتقر العبيد، ولا تدعهم ينتفخون في كبرياء، بل بالحرى يتضعون لأجل مجد الله[316]].

واعتبر القديس أغسطينوس أن ظهور العبودية إنما هو ثمرة الخطية، فإن المقاصد الإلهية لا تقبل أن يملك إنسان على زميله الإنسان ويسيطر عليه[317]. ونادى القديس يوحنا ذهبي الفم بذات الفكرة[318]، حيث قال: [إن العبودية ظهرت فقط حينما سقط كنعان تحت اللعنة (تك 9: 25)].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 


16 طوبه 1736 ش
25 يناير 2020 م

استشهاد القديس فيلوثيؤس من إنطاكية
نياحة البابا يوأنس الرابع ال48

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك