تفسير سفر الخروج اصحاح 15 جـ2 Print

"تجيء بهم وتغرسهم في جبل ميراثك" [17].

يقول العلامة أوريجانوس: [الله لا يريد أن يغرسنا في مصر (محبة العالم)، ولا في أماكن فاسدة وشريرة، لكنه يريد أن يُقيمنا في جبل ميراثه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ألا تبدو الكلمات "وتجيء بهم وتغرسهم"، كأنما يتحدث عن أطفال يقودهم إلى المدرسة حتى يتثقَّفوا بكل أنواع العلوم... لنفهم كيف يفعل هذا؟ "كرمة من مصر نُقلت، طَرَدت أممًا وغرستها. هيأت قدامها فأصَّلت أصولها فملأت الأرض. غطى الجبال ظلها وأغصانها أرز الله" (مز 80: 9-11)... إنه لا يغرسها في الوديان بل على الجبال، في أماكن مرتفعة وعالية. لا يريد أن يترك الخارجين من مصر في الحضيض إنما يقودهم من العالم إلى الإيمان. يريد أن يقيمهم في المرتفعات. يُريدنا أن نسكن في الأعالي، لا أن نزحف على الأرض. لا يريد كرمته تلمس ثمارها الأرض بل أن تنمو دون أن تشتبك فروعها مع أي شجيرة، إنما تلتصق بأرز الله العالي المرتفع (مز 80: 11). أرز الله في رأيي هم الأنبياء والرسل، فإننا إن التصقنا بهم نحن الكرمة التي نقلها الله من مصر تنمو أغصانها مع أغصانهم. إن كنا نتكئ عليهم نصير أغصانًا مغروسة برباطات الحب المتبادل ونأتي بلا شك بثمر كثير[207]].

"المقْدس الذي هيَّأته يداك يا رب" [17].

يقول العلامة أوريجانوس: [ما هو المقْدس الذي لم يقمه إنسان بل هيَّأه الرب؟ "الحكمة بَنت بيتها" (أم 9: 3). هذا الأمر إنما يخص تجسد الرب، فإن الجسد الذي أخذه ليس من زرع إنسان، إنما قام البناء في العذراء كما تنبأ دانيال "قُطع حجر بغير يدين... أما الحجر فصار جبلاً كبيرًا" (دا 2: 34، 35). هذا هو المقْدس الذي ظهر في الجسد، الذي قُطع بغير يدين، أي ليس من صنع إنسان[208]].

"مشوا على اليابسة في وسط البحر" [19].

يقول العلامة أوريجانوس: [إن كنت أنت أيضًا من بني إسرائيل (الجديد) تستطيع أن تمشي على اليابسة وسط البحر. إن وجدت نفسك وسط جيل معوج وملتوي تُضيئ بينهم كأنوار في العالم متمسكًا بكلمة الحياة لإفتخاري (في 2: 15-16). قد تسير وسط الخطاة دون أن تصيبك مياه الخطيئة، قد تسير وسط هذا العالم دون أن ترتد عليك مياه الشهوة...

من يتبع المسيح يسير مثله (على المياه)، فتكون له المياه سورًا عن يمينه ويساره [22]. يسير على اليابسة حتى يبلغ الحرية مترنمًا للرب بتسبحة النصرة، قائلاً: "أُرنم للرب فإنه قد تعظم" [1][209]].

2. مريم المُرنِّمة:

يرى القديس جيروم في مريم أخت هرون كقائدة روحية للنساء في ذلك الوقت، صورة حيّة لعمل المرأة في الكنيسة، هذه التي تُكرِّس حياتها لتسبيح الرب وتعليم الأخريات هذا العمل. ففي رسالة بعثها للأرملة فيوريا Furia التي فكرت في الزواج ثم عدلت عنه، كتب إليها: [علَّمت مريم صاحباتها أن يكُنَّ موسيقيَّات لكن للمسيح، يضربن العود لكن للمخلص. تقضي في هذا العمل النهار والليل فتصنع بهذا زيتًا في المصابيح وتستعد منتظرة مجيء العريس[210]].

كما رأى فيها القديس أمبروسيوس صورة رمزية للكنيسة المترنمة للرب على الدوام ففي حديثه عن العذارى، قال: [ألم تكن رمزًا للكنيسة البتول بروح بلا عيب تجمع الجماهير المتدينة لتُنشد الأناشيد الإلهية؟! إذ نسمع أنه كان يوجد عذارى مهتمات بذلك في الهيكل بأورشليم[211]؟!].

وفي نفس المقال[212] تحدث أيضًا عن تصرف مريم مع النساء أنهن يمثلن مركب السماء، وقد تهلل السمائيون إذ رأوا الأرضيين خرجوا منطلقين نحو السماء.

3. من مارة إلى إيليم:

طريق البرية هو طريق الدخول في ضيقات كثيرة، بل بالحرى هو طريق خبرة العمل الإلهي في حياتنا وسط الآلام، وانفتاح القلب نحو السمويات.

ما أن عبر الشعب وفرح وتهلل، حتى تحولت أفراحه إلى مرارة وضيق، إذ شعروا بالعطش فتذمروا على موسى [24]، إذ وجدوا ماءً مرًا لا يقدر أن يرويهم. ألقى موسى النبي بالشجرة في المياه المرة فصارت حلوة.

ما هي هذه المياه المرة إلاَّ وصايا الناموس، التي أُعطت مرارة للإنسان بسبب عجزه عن التنفيذ، لكن دخل السيِّد المسيح - شجرة الحياة[213] - في الوصية، فصيَّر الناموس روحيًا وجعله مُرويًا للنفس. في هذا يقول العلامة أوريجانوس: [كأس الناموس مرّ... لكن إن كنا نلقي فيه شجرة حكمة المسيح الذي يكشف لنا كيف يجب أن نفهم الختان والسبوت، ونحفظ شريعة البرص، ونميز بين النجس والطاهر، حينئذ تصير مياه مارة عذبة، وتتحول حرفية الناموس إلى عذوبة المعنى الروحي، حينئذ يقدر شعب الله أن يشرب[214]]. كما يقول: [إن كان أحد يُريد أن يشرب من حرفية الناموس بعيدًا عن شجرة الحياة، أي بعيدًا عن أسرار الصليب، بعيدًا عن الإيمان بالمسيح والإدراك الروحي، فإنه يهلك من هول المرارة. لقد أدرك بولس هذه الحقيقة فقال: "الحرف يقتل" أي أن المياه المارة تقتل إن شربت كما هي قبل أن تصير عذبة[215]]. ويقول: [عندما دخلت خشبة الصليب إلى الوصية جعلتها عذبة، إذ صارت تُنفذ روحيًا، وبالتالي صارت نفس هذه الوصايا للحياة[216]].

يرى كثير من الآباء في الشجرة رمزًا للصليب الذي يعمل في مياه المعمودية، فتتحول حياتنا من المرارة إلى العذوبة، وعوض ما نحمله من أعمال الإنسان القديم نتمتع بالطبيعة الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسوع[217].

يقول القديس أمبروسيوس: [ كانت مارة عين ماء شديدة المرارة، فلما طَرح فيها موسى الشجرة أصبحت مياهًا عذبة. لأن الماء بدون الكرازة بصليب الرب لا فائدة منه للخلاص العتيد. ولكن بعد أن تكرس بسرّ صليب الخلاص يصبح مناسبًا لاستعماله في الجرن الروحي، وكأس الخلاص، إذ أنه كما ألقى موسى النبي الخشبة في تلك العين هكذا أيضًا ينطق الكاهن على جرن المعمودية بشهادة صليب الرب فيصبح الماء عذبًا بسبب عمل النعمة[218]].

ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص في الخشبة: "سرّ القيامة" خلال صليب السيِّد، حيث تتحول الحياة الفاضلة بما فيها من جهاد ومرارة إلى حياة سهلة وعذبة، إذ يقول: [الإنسان الذي يترك خلفه الملذات (المصرية) التي كان يخدمها قبل عبوره البحر، فإن الحياة التى كانت تبدو له أنها بدون هذه الملذات صعبة وغير مقبولة، متى ألقيت فيها الخشبة، أي يتقبل سرّ القيامة الذي يبدأ بالخشبة - حيث تفهم بالخشبة الصليب طبعًا - عندئذ تصير الحياة الفاضلة عذبة خلال الرجاء في الأمور العتيدة، بل أكثر حلاوة وعذوبة من تلك التي تختبرها الحواس خلال الملذات[219]].

إن كانت مارة حملت إشارة إلى الناموس الذي صار بالصليب روحيًا، والمعمودية بما فيها من عمل الصليب وقوة القيامة، كان لزامًا للشعب أن يعبر من مارة إلى إيليم [27]، أي يعبروا من الناموس إلى العهد الجديد، إذ وجدوا فيه اثنتى عشر عين ماء وسبعين نخلة، إشارة إلى الاثنى عشر تلميذًا والسبعين رسولاً.

في هذا يقول العلامة أوريجانوس: [لقد قصد الله ألاَّ يأتي بالشعب إلى إيليم منذ البداية حيث يوجد اثنا عشر عين ماء خالية من كل مرارة تمامًا. وحيث يوجد موضع للراحة في ظلال النخيل...

عندما تُصير مرارة الناموس عذبة بواسطة شجرة الحياة (أم 3: 18)، حينئذ نفهم الناموس روحيًا، ويتم العبور من العهد القديم إلى العهد الجديد. وبهذا نصل إلى الاثنى عشر عين ماء الرسولية، ونجد في نفس الوقت سبعين نخلة...

لا يكفي لشعب الله أن يشرب مياه مارة بعد أن صارت عذبة بواسطة شجرة الحياة، وخلال سمو الصليب فقدت مرارة الحرف، فإن العهد القديم وحده لا يكفي للشرب وإنما يلزم أن نأتي إلى العهد الجديد لنشرب منه بلا صعوبة[220]...].

ويقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [سرّ الخشبة التي تصير خلاله مياه الفضيلة مبهجة للعطاشى يقودنا إلى الإثنى عشر ينبوع ماء والسبعين شجرة، أي إلى تعاليم الإنجيل[221]].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +