إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لكى تحتفظ بتواضعك أحتفظ بأستمرار بتلمذتك وإن شعرت أنك صرت صرت معلماً وأصبحت فوق مستوى التلمذة أعرف جيداً أنك بدأت تسقط فى الكبرياء

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر الخروج اصحاح 11 جـ1 PDF Print Email

الفصح
بين خروف الفصح وقيامة المسيَّا


إن كان الفصح يُعتبر نقطة تحول في تاريخ الشعب القديم، خلاله عبروا من أرض العبودية إلى البرية منطلقين نحو أرض الموعد، لذا حمل خروف الفصح بكل طقوسه مفهومًا خاصًا، يقام في أول شهور السنة (12: 2)، يعيدونه كل عام فريضة أبدية (12: 14)، تلتزم به كل الجماعة (12: 6)، حمل أيضًا مفهومًا روحيًا يمس حياة الجماعة الكنسية في علاقتنا بالله، فلم يكن خروف الفصح مجرد تذكار لقصة تاريخية حدثت في الماضي، لكنه يمثل عملاً حاضرًا ودائمًا لله في حياة شعبه. عيد الفصح أيضًا كان يعني وجود علاقة شخصية بين كل عضو في الجماعة والله نفسه، هذا فيما يخص خروف الفصح الرمزي، أما وقد قدم السيِّد المسيح نفسه "فصحًا" حقيقيًا عن العالم كله، صارت آلامه وصلبه ودفنه وقيامته فصحًا دائمًا ومستمرًا في حياة الكنيسة، تعيده الكنيسة ليس فقط مرة كل عام، بل وفي كل قداس إلهي، بل وتختبر قوته خلال حياتها اليومية، صار هذا العمل الفصحي الإلهي موضوع لهج كل مؤمن حقيقي، خلاله يعبر من مجد إلى مجد ليدخل بالروح القدس إلى حضن الآب.

هذا ما جعل الأصحاحين الحادي عشر والثاني عشر من سفر الخروج مركزًا للسفر كله، بل وبغير مبالغة للعهد القديم كله، كما أن صلب السيِّد المسيح وقيامته هما مركز الإنجيل، لذلك رأيت الضرورة ملحة إلى تقديم دراسة دقيقة ومختصرة قدر الإمكان لخروف الفصح على ضوء التقاليد المعروفة في ذلك الحين، وعلي ضوء التقليد اليهودي، وخلال آلام السيِّد وصلبه وقيامته، لنعرف أثره في حياة الكنيسة الجامعة وفي حياة كل عضو فيها.
الفصح والتقاليد القديمة:

في أيام آدم الأول، قدم ابناه تقدمتين مختلفتين: قدم هابيل - كرجل صيد - ذبيحة دموية كفارة عن خطاياه، تسلمها بلا شك عن والديه، وقدم قايين من محصولات الأرض بكونه رجل زراعة. على أي الأحوال تسلمت البشرية هذين العملين وشوهت صورتهما خلال انحراف البشرية عن الطريق الإلهي، فصارت قبائل البدو في العالم تلطخ خيامها بعلامة الدم اعتقادًا منها أنها تطرد الأرواح الشريرة فلا تؤذيهم. أما القبائل العاملة في الزراعة فصار لها تقليد مغاير، يمتنعون عن أكل الخبز المختمر لبضعة أيام في بداية المحصول الجديد، حتى لا يدخل الخمير الخاص بالمحصول القديم مع دقيق المحصول الجديد... بهذا يرون أنهم يبدءون عامًا جديدًا بطعام جديد وحياة جديدة.

ويلاحظ أن هذين الطقسين (رش الدم والامتناع عن الخمير) لهما أصل إيماني نقي، لكن البشرية انحرفت بهما عن مسارهما الإيماني، فجاء طقس الفصح يرد الطقسين إلى مسارهما السليم من جديد.

حمل الفصح طقس "علامة الدم"، بمفهوم المصالحة بين الله والإنسان خلال دمّ الفادي، حيث يشعر المؤمن أنه كالبدو يعيش غريبًا ليس له هنا موضع يستقر فيه، إنما هو دائم العبور، في تحرك مستمر نحو أورشليم العليا، بدهن العتبة العليا والقائمتين أي عقله وقلبه لا ليطرد الأرواح الشريرة، وإنما لكي يعبر بكل ذهنه وأحاسيسه إلى الأحضان الأبدية خلال اتحاده بالمخلص، غالبًا قوات الشر تحت قدميه.

أما الطقس الثاني الخاص بالفطير، ونزع كل خميرة من بيته، إنما يخص حياة المؤمن، الذي وإن كان في حركة دائمة نحو السمويات وفي حالة تغرب علي الأرض، لكنه يشعر في أعماقه أنه متكئ علي صدر الرب، مستريح في أحشاء الله، يعمل في كرم الرب في الأرض الجديدة، لذا يأكل الفطير سبعة أيام، أي يبقى كل أيام أسبوعه، أو كل أيام حياته لأكل الطعام الجديد الذي لا يصيبه القدم، ينعم علي الدوام بالحياة الجديدة، ويتمتع بخبز الملائكة، ويترنم بالتسبحة الجديدة، قائلاً مع الرسول: "هوذا الكل قد صار جديدا".

والعجيب أن الكنيسة في احتفالها بعيد الفصح "القيامة" مارست منذ العصور الأولي طقسين متكاملين ومتلازمين، هما طقس عماد الموعوظين وطقس الإفخارستيا[132]. ففي ليلة العيد يقوم الأسقف بعماد الموعوظين ليحملوا علامة الدم علي جباههم الداخلية وفي قلبهم، ينعمون بالمصالحة مع الله في ابنه يسوع المسيح بواسطة روحه القدوس. ويتنعمون بروح البنوة الذي يعينهم علي العبور نحو الأمجاد الإلهية، ثم يتقدمون مع بقية المؤمنين للاشتراك في الطقس الآخر- أي الإفخارمتيا - حيث تظهر الكنيسة المجاهدة علي الأرض وكأنها، وسط جهادها مستقرة حول مذبح الله الأبدي، فتأكل الفطير الجديد علي الدوام، تتمتع بالجسد والدم المقدسين اللذين لا يََقْدُما ولا يشيخا.

هذا هو فصحنا الجديد الذي حمل الفصح القديم ظلاً له ورمزًا.
فصح شخصي:

أمر الله أن تقوم كل الجماعة بتقديم الفصح، فهو فصح الكنيسة كلها المتحدة بعريسها، واشترط فيما بعد أن يقدم في أورشليم دون سواها، الموضع الذي فيه دُعي اسمه، لأنه فصح الرب.

هذه الصورة الجماعة الحيَّة لم تتجاهل الجانب الشخصي لكل عضو في الجماعة، بل ركزت عليها خلال اتحاد العضو بالجماعة، فلم يأمر الله أن يرش الدم على كل بيت فحسب، وإنما ألزم كل رجل وامرأة أن يأكلاه مشويًا بالنار. والأكل علامة العلاقة الشخصية والاشتراك الشخصي في ممارسة الطقس، حقًا لم يكن ممكنًا للأطفال الصغار جدًا والرضَّع أن يشتركوا في الأكل، لكنهم كانوا يحضرون الطقس ويفرحون به، بل وخلصوا من الهلاك خلال إيمان والديهم الذين يشتركون في أكل خروف الفصح.

لم يقف الأمر عند عبور الجماعة ككل وعبور كل عضو فيها: رجال ونساء وشيوخ وأطفال، لكنه حتى بعد العبور إذ كانوا يعيِّدونه سنويًا عبر الأجيال. أُعتبر كل مشترك في الاحتفال قد تمتع شخصيًا بشركة الإيمان مع الذين خلصوا، ونال نصيبًا في عمل الحرية التي عاشها الآباء السابقون، ففي سفر الخروج يقول: "تحفظ عيد الفطير... لأنه فيه خرجت (أنت) من مصر" (23: 15)، موجهًا الحديث إلى كل عضو في الجماعة كأنه قد خرج بنفسه من مصر. وفي سفر التثنية يقول: "أحفظ شهر أبيب واعمل فصحًا للرب إلهك، لأنه في شهر أبيب أخرجك الرب إلهك من مصر ليلاً" (16: 1)، هذه وصية موجهة لكل مؤمن عبر الأجيال كأنه خرج مع آبائه ليلاً...

هذا أيضًا ما أكده التقليد اليهودي، فعلى سبيل المثال جاء في الحجادة[133]: "لم يُخلص أسلافك وحدهم؛ بل وهو يُخلصهم خلصنا نحن أيضًا معهم، فهو ليس بعدو واحد الذي يقف ضدنا ليُبيدنا! القدوس المبارك يُخلصنا من أيديهم!".

إذن الاحتفال بعيد الفصح، حتى في الفكر اليهودي السليم، حمل اتجاهًا داخليًا يمس حياة المؤمن وعلاقته الشخصية مع الله خلال اتحاده بالجماعة. وهو ذات الأمر الذي تعنيه الكنيسة إذ تحتفل بالفصح الجديد ليدخل كل مؤمن إلى التمتع بالحياة المقامة الجديدة خلال عبوره واستقراره في حضن الله، كعضو حيّ في الجماعة المقدسة.
من الناموس إلى المسيَّا:

كان عشاء الفصح عند اليهود له طقسه الخاص الذي سجله لنا الأصحاح الثاني عثسر من سفر الخروج، مع بعض التقاليد الأخرى التي حملت صلوات بركة وتسابيح ومزامير معينة سجلت في المشنة[134]، وقد سبق أن ذكرت ملخصًا لها[135]. كان هذا العيد غنيًا في ذكرياته ووعوده التي حملت رعاية الله للإنسان خاصة خلال الخلاص المقدم بالمسيَّا. فكانوا يعرفون هذه الليلة أنها ذكرى سنوية لخلقة العالم ولختان إبراهيم وذبيحة إسحق وخروج يوسف من السجن والعتق المنتظر من السبي، وظهور المسيَّا، ومجيء موسى وإيليا وقيامة الآباء ونهاية العالم[136]... لهذا قدم السيِّد المسيح نفسه فصحًا للعالم في عيد الفصح، ليعلن أن الحقيقة تبتلع الرمز وتدخل به إلى كمال هدفه.

يقول  الأب ميليتو أسقف ساردس[137]:

*   [يتحقق سرّ الفصح في جسد الرب...

فقد اُقتيد كحمل، وذبح كشاه، مخلصًا إيَّانا من عبودية العالم (مصر)، ومحررنا من عبودية الشيطان كما من فرعون، خاتمًا نفوسنا بروحه، وأعضاءنا الجسدية بدمه...

إنه ذاك الواحد الذي خلصنا من العبودية إلى الحرية، ومن الظلمة إلى النور، ومن الموت إلى الحياة، ومن الظلم إلى الملكوت الأبدي...

إنه ذاك الذي (فصح) عبور خلاصنا...

هو الحمل الصامت... الذي أخذ من القطيع، واُقتيد للذبح في المساء، ودُفن بالليل.

من أجل هذا كان عيد الفطر مرًا، كما يقول كتابكم المقدس: تأكلون فطيرًا بأعشاب مرَّة،

مرَّة لكم هي المسامير التي استخدمت،

مُرّ هو اللسان الذي جدف،

مرَّة هي الشهادة الباطلة التي نطقتم بها ضده...

كما يقول أيضًا: [تأمل هذا أيها العزيز المحبوب، كيف أن سرّ الفصح جديد وقديم، أبدي وزائل، غير قابل للفساد وقابل للفساد، خالد ومائت!

إنه قديم حسب الناموس، وجديد حسب اللوغس (الكلمة الإلهي).

زائل خلال عبارات الرمز، وأبدي في عبارات النعمة.

قابل للفساد خلال موت الحملان، وغير قابل للفساد خلال حياة الرب...

هكذا ذبيحة الحملان وطقس الفصح وحرف الناموس، هذه قد تحققت في المسيح يسوع. عوض الناموس جاء اللوغوس، فصار القديم جديدًا، وصارت الوصية نعمة، والرمز حقيقة[138]].



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 


9 هاتور 1736 ش
19 نوفمبر 2019 م

اجتماع مجمع نيقية المسكونى الاول سنة 325 ميلادية
نياحة البابا أسحق البابا 41

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك