تفسير سفر الخروج اصحاح 4 جـ1 Print

موسى يلتقي بشعبه

بعدما التقى موسى بالله خلال العُلِّيقة الملتهبة نارًا كان لابد لموسى النبي أن يترك مديان ليلتقي بهرون أخيه وبشعبه في مصر:

1. معجزات ثلاث لشعبه              [1-9].

2. أنا ثقيل الفم واللسان              [10-13].

3. هرون كسند لموسى              [14-17].

4. ترك مديان                        [18-23].

5. ختان ابن موسى                  [24-26].

6. بدء العمل                          [27-31].
1. معجزات ثلاث لشعبه:

كما ظهر الله لموسى خلال العُلِّيقة المُتَّقدة نارًا يعلن له سرّ الخلاص خلال التجسد الإلهي والميلاد البتولي والألم، كان لابد أن يمنح موسى إمكانية تقديم بعض المعجزات التي تحمل ظلاً لهذا السرّ أي الخلاص، خلال التجسد الإلهي والصليب. لقد وهبه ثلاث معجزات يمارسها أمام شعبه، ليس لمجرد إظهار قوة فائقة للطبيعة، وإنما تعلن عمل الله الفائق نحو الإنسان. هذه المعجزات هي: تحويل العصا إلى حية، وجعل يده اليمنى برصاء، تحويل الماء إلى دم.
أولاً: تحويل العصا إلى حية:

سأل الله موسى: ما هذه التي في يدك؟ فقال: "عصا" [2].

ألم يعلم الله ما بيد موسى، فلماذا سأله هكذا؟... يجيب القدِّيس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [حتى عندما يراها حية لا ينسى أنها هي التي كانت عصا، متذكرًا كلماته هو عنها فيتحير بسبب هذا الحدث[86]]. هذه هي طريقة الله في تعامله معنا كأن يسأل عن لعازر قائلاً: "أين وضعتموه؟" (يو 11: 34)، حتى متى أقامه يشهد اليهود أنفسهم أنه أقامه من القبر.

لقد أمر الرب موسى أن يُلقي عصاه، التي دُعيت فيما بعد عصا الله [20] على الأرض، فتصير حية تبتلع كل حيات المصريين. الله الكلمة هو عصا الله وقوته الذي نزل على الأرض من أجلنا، "هذا الذي لم يعرف خطية صار خطية لأجلنا" (2 كو 5: 21)، لكي يقتل كل خطايانا؛ أي حملت المعجزة ظلالاً لسريّ التجسد والصليب.

يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [ليت تحويل العصا إلى حية لا يقلق محبِّي المسيح، إن كنا نتقبل التعليم الخاص بالتجسد خلال حية غير لائقة، فإن الحق نفسه لم يرفض هذه المقارنة، إذ يقول: "وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا يُرفع ابن الإنسان" (تك 3: 14). فالتعليم واضح، لأنه إن كان والد الخطية دعاه الكتاب المقدس "حية"، فالمولود من الحية بالتأكيد هو حية، إذن فالخطية هي مرادف مشترك مع الذي يلدها. يشهد النطق الرسولي بأن الرب قد صار خطية لأجلنا، إذ لبس (شبه) طبيعتنا الخاطئة (2 كو 5: 21).

ينطبق هذا الرمز بحق على الرب، لأنه إن كانت الخطية هي حية، والرب صار خطية، إذن النتيجة المنطقية واضحة للجميع. بكونه صار خطية صار أيضًا حية، هذه التي ليست إلاَّ أنها خطية. من أجلنا صار حية لكي يلتهم حيَّات المصريين التي أوجدها السحرة ويقتلها[87]].

أيضًا يقول القدِّيس أغسطينوس: [إلى أي شيء أغرت الحية الإنسان؟ إلى الموت (تك 3: 1). لذلك فإن الموت جاء عن الحية... إذن فالعصا التي صارت حية هي المسيح الذي دخل إلى الموت...[88]].

وتحدث أيضًا القدِّيس إيرينئوس[89] والقدِّيس كيرلس الإسكندري[90] عن هذه العصا المتحولة إلى حية كرمز للتجسد الإلهي، والقدِّيس يوستين[91] والقدِّيس أمبروسيوس[92] كرمز للصليب. أما العلامة ترتليان[93] والقدِّيس أمبروسيوس[94] أيضًا فرأيا فيها رمزًا للقيامة، إذ يقول الأخير هل الذي جعل من العصا حية ألاَّ يقدر بإرادته الإلهية أن يعيد العظام، وتعود الحياة للموتى مرة أخرى؟!

ويعلق القدِّيس أغسطينوس على خوف موسى من العصا المتحولة إلى حية وهروبه منها قائلاً: [ما هذا أيها الإخوة إلاَّ ما نعرف أنه حدث في الإنجيل؟! فقد مات المسيح فخاف التلاميذ وهربوا[95]]. كما قارن القدِّيس يوحنا الذهبي الفم بين خوف موسى هنا وخوف التلاميذ عندما رأوا السيِّد ماشيًا على البحر (مت 14: 25-26)، فالإنسان يخاف ويرتعب عندما يدرك قوة العمل الإلهي[96].

العصا تُشير أيضًا إلى الإيمان، إذ يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [بهذه العصا - كلمة الإيمان - التي في يده، تغلَّب على حيَّات المصريين[97]]. إيماننا بكلمة الله المتجسد المصلوب، وإن كان في نظر اليونانيين جهالة وعند اليهود عثرة، لكنه ابتلع حكمة العالم وفلسفاته البشرية، مقدمًا شفاءً حقيقيًا لجراحات الإنسان. وكما يقول القدِّيس بولس الرسول: "لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة، استحسن الله أن يخلِّص المؤمنين بجهالة الكرازة... لأن جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوى من الناس" (1 كو 1: 21، 25).

ويتحدث القدِّيس أمبروسيوس عن قوة الإيمان الشافي خلال هذه الحية قائلاً: [هذا يعني أن الكلمة صار جسدًا ليُبيد سمّ الحيات القاتلة، لغفران الخطايا. لأن العصا تُمثل الكلمة. هذا حق، أنه عصا ملوكي صاحب سلطان ومجيد في حكمة. صارت العصا حية، لأن ابن الله المولود من الآب صار ابن الإنسان مولودًا من امرأة، ورُفع كالحية على الصليب، وسكب الدواء الشافي لجراحات الإنسان، كقول الرب نفسه: "وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا يرفع ابن الإنسان" (يو 3: 14)[98]].

أخيرًا، فإن عودة الحية إلى عصا مرة أخرى إنما تُشير إلى السيِّد المسيح الصاعد إلى السموات، إلى أمجاده بعدما مزق الصك الذي كان علينا، ليُقيمنا معه ويجلسنا معه في السمويات، شركاء معه في المجد، نستقر في حضن أبيه ببره.
ثانيا: يده اليمنى البرصاء:

يقول القدِّيس أمبروسيوس[99] إن يد الله الآب اليمنى أو يمين الآب إنما هو الابن الجالس عن يمينه، أي قوة الآب، هذا الذي في حضنه. لقد نزل إلينا حاملاً خطايانا (البرص يشير إلى الخطية) ليغسلنا ويُقدسنا، ثم يعود بنا إلى حضن أبيه أصحاء بلا خطية. وكأن هذه الآية إنما تؤكد الآية السابقة.

يرى القدِّيس جيروم في هذا المعجزة إعلانًا عن موت السيِّد المسيح بالجسد إذ صارت يده بيضاء، وقيامته إذ عادت يده إلى ما كانت عليه[100].

ويرى القدِّيس أغسطينوس في قول المرتل: "لماذا ترُد يدك ويمينك؟ إخرجها من وسط حضنك. إفنِ، والله ملكي منذ القدم فاعل الخلاص في وسط الأرض" (مز 74)، يرى إنها صرخات موجهة لله الآب حيث يطلب أن يرسل ابنه الوحيد "يمينه" الذي في وسط حضنه، ليفنِ الشر مقدمًا الخلاص في وسط كل الأمم. يقول القدِّيس: [لقد أُصيب اليهود بالعمى فلم يعرفوا السيِّد المسيح كمخلص حتى يكمِّل خلاص الأمم[101]].
ثالثًا: تحويل الماء إلى دم:

جاءت هذه المعجزة لتثبيت المعجزتين السابقتين، فإنه لا خلاص لنا إلاَّ خلال دم السيِّد المسيح، الذي يقدس مياه قلبنا الباردة.
2. أنا ثقيل الفم واللسان:

اعتذر موسى النبي عن الخدمة قائلاً: "استمع أيها السيِّد. لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس ولا من حين كلمت عبدك، بل أنا ثقيل الفم واللسان. فقال له الرب: "من صنع للإنسان فمًا أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيرًا أو أعمى، أما هو أنا الرب؟! فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به" [10-13].

متى شعر موسى أنه ثقيل الفم واللسان؟ حين كان في القصر ابنًا للأميرة ابنة فرعون، يتدرب بكل حكمة المصريين كان يشعر أنه قادر على الكلام، أما الآن إذ صار في حضرة الرب نفسه شعر أنه ثقيل الفم واللسان! وكما يقول العلامة أوريجانوس: [أثناء إقامته في مصر عندما تعلم بكل حكمة المصريين (أع 7: 22) لم يكن موسى ثقيل الفم واللسان، إذ كان يستخدم البلاغة حين يتحدث عن نفسه. كان في عيني المصريين الصوت المجلجل وصاحب البلاغة التي لا تُقارن. غير أنه إذ سمع صوت الله والوصايا الإلهية شعر أنه أخرس، وذلك حينما بدأ يدرك الكلمة الحقيقي الذي كان عند الله في البدء (يو 1:1). لتسهيل ذلك استخدم التشبيه التالي: أمام الحيوانات غير العاقلة يبدو الإنسان عاقلاً حتى وإن كان غير مثقف وغير متعلم فيظهر أنه بليغ، لأنه ليس للحيوانات صوت ولا عقل. لكنه إذا قورن بعلماء وأصحاب بلاغة يتكلمون بكل أنواع الكلام فيظهر عقيمًا وأخرس. هكذا حينما تتأمل كلمة الله ذاته وترفع عينيك نحو الحكمة الإلهية ذاتها، فإنه مهما كان عملك وحكمتك فستعترف أمام الله أنك كالحيوان الأخرس، بل وأكثر منه. هذا هو الشعور الذي انتاب داود الطوباوي نفسه حين قارن نفسه في ميدان الحكمة الإلهية فتال "أنا بليد ولا أعرف، صرت كبهيم عندك" (مز 22: 27). هذا ما قصده موسى أعظم الأنبياء بقوله "أنا ثقيل الفم واللسان" لا أقدر على الكلام. بالمقارنة مع الله الكلمة يصير الناس جميعًا ليس فقط بلا بلاغة بل وخرس[102]].

بالوقوف أمام الله أكتشف موسى النبي ثقل فمه ولسانه، انسحق في داخله معتذرًا عن الخدمة فتأهل بالأكثر لكي يملأ الله فمه ليخدم. وقد تحدث الآباء كثيرًا عن اتضاع موسى.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +