تفسير سفر الخروج اصحاح 1 جـ1 Print

 

أحداث الخلاص في مصر

 

(1: 1-12: 36)


الحاجة إلى مخلص

يحدثنا هذا الأصحاح عن:

1. نشأة بني إسرائيل في مصر       [1-7].

2. خضوعهم للعبودية                [8-14].

3. قتل الذكور                        [15-22].

قصة العبودية:


يروي لنا هذا السفر قصة العبودية في كثير من التفاصيل، أولاً لأنها تمثل قصة عبوديتنا للخطية لتي من أجلها جاء السيِّد المسيح لتحريرنا. وثانيًا لأن هذه التفاصيل تمثل جوانب حيَّة تمس حياتنا وعلاقتنا مع الله. أما السبب الثالث فهو أننا كثيرًا ما ننسى أو نتناسى هذه العبودية القاتلة، لذلك عندما أعلن السيِّد المسيح رسالته،  قائلاً: "تعرفون الحق والحق يحرركم" (يو 8: 32)، أجابه اليهود: "إننا ذرية إبراهيم ولم نستعبد لأحد قط. كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحرارًا؟!" ويعلق القدِّيس أغسطينوس على هذه الإجابة  قائلاً:

*  [حتى إن نظرنا إلى الحرية التي في العالم (وليس التحرر من الخطية) فأين الحق في قولهم أننا ذرية إبراهيم ولم نستعبد لأحد قط؟ ألم يبع يوسف (تك 37: 28)؟ ألم يؤخذ الأنبياء القدِّيسون إلى السبي (2 مل 24، حزقيال 1: 1)؟ وأيضًا أليسوا هم تلك الأمة التي كانت تخضع لحكام قساة فيصنعون اللَبْن في مصر، يخدمون ليس فقط في الذهب والفضة وإنما في الطين؟ لو أنكم لم تستعبدوا لأحد قط فلماذا يُذكِّركم الله على الدوام أنه هو الذي خلّصكم من بيت العبودية؟![20]].

والعجيب أنهم ينطقون بهذا في الوقت الذي فيه كانوا مستعبدين للحكم الروماني، فإن هذه هي طبيعة الإنسان، يستسلم للعبودية ويخضع خانعًا لها ويظن أنه في حرية... لذا سجلت عبودية هذا الشعب وتحريرهم، حتى نذكر دومًا حاجتنا إلى السيِّد المسيح كمحرر لنفوسنا من أسر الخطية.
1. نشأة بني إسرائيل في مصر:

إن كان قد دخل يعقوب وبنوه وأحفاده إلى مصر كعائلة واحدة، فقد نشأت الأمة اليهودية في مصر، وصار لها أول قيادة (موسى النبي). لقد ترعرعت بعد موت يوسف [7]، وسقطت تحت ظلم فرعون وعبودية المصريين، لكن الله أعد موسى ودعاه للنضال ضد فرعون ليخرج الشعب خلال ذبيحة الفصح.

نزل يعقوب إلى مصر ومعه من صلبه الاثني عشر أبًا ليتغربوا كقول إشعياء النبي: "هكذا قال السيِّد الرب: إلى مصر نزل شعبي أولاً ليتغرب هناك، ثم ظلمه أشور بلا سبب" (52: 4). تغربوا وسقطوا تحت الذل والعبودية لكننا نجد أسماءهم في سفر الرؤيا قد سُجلت على أبواب أورشليم السماوية (21: 12)، كما أُحصيَ عدد المختومين من كل سبط كأولاد الله ينعمون بالأمجاد السماوية. إذن فليَظلِم أشور بغير سبب، أما الله فحافظ لأولاده، يحصيهم وينقش أسمائهم في سفر الحياة.

يعلق العلامة أوريجانوس على قول الكتاب: "وكان جميع نفوس الخارجين من صلب يعقوب سبعين نفسًا" [5]، قائلاً[21] إن الإنسان لا يلد نفسًا، ولا تخرج النفس من صلبه، ففي بدء الخليقة ماذا يقول آدم عن حواء؟ "هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي" (تك 2: 23)، لكنه لا يقول "هذه نفس من نفسي". أيضًا لابان ليعقوب: "إنما أنت عظمي ولحمي" (تك 29: 14)، ولم يجسر أن يتحدث عن قرابة النفس بل على القرابة الجسدية حسب اللحم والعظم. أما هنا فيقول: "جميع نفوس الخارجين من صلب يعقوب"، وكأنما أراد أن يعلن عن نوع جديد من القرابة فوق مستوى الجسد، أراد أن يحمل إلينا قرابة روحية نهتم بها.

النفس لا تلد إلاَّ إذا بلغت مستوى القائل: "لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس لكم آباء كثيرون، لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1 كو 4: 15). هؤلاء هم الذين يلدوا نفوسًا لتعيش في العالم بروح الإنجيل، حاملين سمات السيِّد المسيح فيهم، إذ يقول في موضع أخر: "أولادي الذين أتمخض بهم إلى أن يتصوَّر المسيح فيهم" (غل 4: 19)

هذه هي سمة إسرائيل الجديد، أي الكنيسة، إنها أم ولوّد، تنجب نفوسًا مقدسة تحمل سمات السيِّد المسيح.

أما سرّ النمو فيكمن في العبارة التالية:  

"ومات يوسف وكل إخوته وجميع ذلك الجيل. وأما بنو إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيرًا جدًا، وامتلأت الأرض منهم" [6-7].

يربط هذا النص بين موت يوسف وإثمار بني إسرائيل وتكاثرهم جدًا وامتلاء الأرض منهم. فإن كان يوسف قد حمل رمزًا للسيِّد المسيح في جوانب كثيرة، فإنه لا نمو للكنيسة - إسرائيل الجديد - إلاَّ خلال موت السيِّد المسيح بالصليب. هذا وأن بني إسرائيل يرمزون أيضًا إلى الفضائل التي تسكن في القلب، فلا نمو في الحياة الفاضلة ولا امتلاء للقلب من الفضائل إلاَّ بإعلان قوة موت المسيح وصلبه في داخله.

يعلق العلامة أوريجانوس على هذا النص، قائلاً: [قبل موت يوسف الذي باعه يهوذا أحد إخوته بثلاثين من الفضة كان عدد بني إسرائيل ضئيلاً للغاية، لكنه إذ ذاق الموت لأجل الجميع إنما "لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس" (عب 2: 14)، تكاثر الشعب المؤمن... فإنه ما كان للكنيسة أن تثمر وتأتي بهذا الحصاد في كل الأرض لو لم تقع حبة الحنطة على الأرض وتموت (يو 12: 24). لقد سقطت في الأرض وماتت، وخلالها جاء كل هذا المحصول من المؤمنين، إذ خرج صوت الرسل يملأ الأرض كلها وبلغ إلى كل المسكونة (مز 19: 4)... وكما هو مكتوب "كانت كلمة الله تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا" (أع 6: 7)...

هذا هو التفسير الروحي، لكن لا يفوتنا أن نذكر الجانب التعليمي، لأنه يبني نفوس السامعين: "إن مات يوسف فيك، أُريد أن أقول إن حملت في جسدك إماتة الرب يسوع" (2 كو 4: 10)؛ إن ماتت أعضاؤك عن الخصية، يتكاثر داخلك بنو إسرائيل أي الارتباطات الروحية السامية. بإماتة الشهوات الجسدية تنمو رباطات الروح. بالإماتة اليومية عن خطاياك تكثر فضائلك، وتمتلئ الأرض، بالأعمال الصالحة، أي تنمو داخل الجسد.

أتُريد أن أثبت لك هذا من الكتاب المقدس، من الذي أثمرت فيه الأرض؟[22]. أنظر كلمات الرسول بولس: "ولكن إن كانت الحياة في الجسد هي لي ثمر عملي فماذا أختار لست أدري... فإني محصور من الاثنين: لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا، ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم" (في 1: 22-24). هل عرفت كيف أثمرت فيه الأرض؟ فإنه ما دام في الأرض - أي في الجسد - يحمل ثمار تأسيس الكنائس ويربح شعبًا لله مبشرًا بالإنجيل[23]].




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +