إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

نحن لا نحطم الطاقة الغضبية إنما نحسن توجيهها ، لأن الطاقة الغضبية يمكن أن تنتج الحماس والغيرة المقدسة والنخوة وإن تحطمت صار الإنسان خاملاً

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر الخروج

+ تفسير سفر الخروج +



تفسير سفر الخروج اصحاح 20 جـ3 PDF Print Email


نجيب على ذلك بالآتي:

أولاً: نحن لا ننكر أن الأبناء يحملون ثمار أخطاء آبائهم، فالجنين الذي يتغذى طوال فترة الحمل على دم أم غضوب وثائرة يحمل ثمرة هذا الغضب في صحته الجسدية والنفسية، فغالبًا ما يخرج حاملاً بعض الأمراض الجسدية والطبائع الفظة... لكن الله أكد لنا أنه لا يجازي الإنسان على أخطاء والديه، فكثيرون ممن لهم الطبائع الحارة بالتوبة صاروا قديسين فنالوا بركة أعظم مما لغيرهم.

أكد الله هذا الأمر على لسان إرميا النبي القائل: "في تلك الأيام لا يقولون بعد الآباء أكلوا حصرمًا، وأسنان الأبناء ضرست؛ بل كل واحد يموت بذنبه؛ كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه" (إر 31: 29-30).

وشرح حزقيال هذا الأمر بأكثر وضوح، قائلاً: "وكان إليَّ كلام الرب قائلاً: ما بالكم تضربون هذا المثل... قائلين: الأباء أكلوا الحصرم، وأسنان الأبناء ضرست. حتى أنا يقول السيِّد الرب، لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في إسرائيل. ها كل النفوس هي ليّ. نفس الأب كنفس الابن، كلاهما ليّ. النفس التي تخطئ هي تموت... الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن. برّ البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون" (خر 18: 1-25).

ثانيًا: كلمات الرب لا تعني أن الله ينتقم لنفسه في الأبناء عما فعله آباؤهم... لكنه يريد أن يؤكد طول أناته، فإنه يترك الأشرار للتوبة سنة فأخرى، وجيلاً فآخر، وإذ يصمم الإنسان على عمل الشر يؤدب في الجيل الثالث أو الرابع ليس من أجل خطايا آبائهم لكن من أجل إصرار الأبناء على السلوك الشرير بمنهج آبائهم.

في هذا يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [ليس معنى هذا أن إنسانًا يتحمل عقوبة جرائم ارتكبها غيره، ولكن مادام هذا الإنسان يرتكب خطايا كثيرة ولم ينصلح حاله، إنما يرتكب ما فعله آباؤه، فبعدل يستحق العقاب أيضًا[286]].

ويقول القدِّيس أغسطينوس: [من تغير حاله في المسيح كفّ عن أن يكون ابنًا للأب الشرير، إذ لم يعد يمتثل بشره، بهذا لا تفتقد شرور آبائه فيه[287]].

بهذا إذ قال اليهود: "دمه علينا وعلى أولادنا" صدقوا، إذ يتحمل أبناؤهم هذا الدم الذي سفكه آباؤهم ماداموا مُصرِّين على جحد هذا الدم، أما إن قبلوا المخلص فإنهم لا يعودوا أولادًا لسافكي دم المسيح بل أولادًا لله.

6. الوصية الثالثة: لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً[288]:

الوصيتان الأولى والثانية خاصَّتان بعبادة الله الحيّ بعيدًا عن كل انحراف وثني، أما الوصية الثالثة فتخص "اسم الله".

إذ خشى الله على شعبه أن يُقسموا بأسماء آلهة أخرى أعطاهم الرب أن يحلفوا باسمه، إعلانًا لاسم إلههم وتمييزًا لهم (تث 6: 13، 10: 20؛ إش 48: 1؛ مز 63: 1)؛ كما أمرهم: "لا تدخلوا إلى هؤلاء الشعوب... ولا تذكروا اسم آلهتهم، ولا تحلفوا بها، ولا تعبدوها ولا تسجدوا لها" (يش 23: 7).

وقد اشترط عليهم ألاَّ يحلفوا باسم الرب كذبًا (لا 19: 12)، وأن يوفرا ما قد حلفوا به باسم الرب.

هذا بالنسبة للقسَم، أما بالنسبة لترديد اسم الله، فقد طلب منهم أن لا يرددونه باطلاً، أي بلا سبب جوهري، فإن اسمه قدوس (لو 1: 49)، مهوب (مز 111: 9)، عظيم بين الأمم (ملا 1: 11)، عجيب في الأرض كلها (مز 8: 9)... علينا أن نهابه ونوقِّره، لا ننطق به إلاَّ في خشوع وبكل إجلال، فقد أمرنا موسى النبي قائلاً: "لتهاب هذا الاسم الجليل المرهوب، الرب إلهك" (تث 28: 58)، موضوع حبنا وشبعنا وصلواتنا: "باسمك أرفع يدي، فتشبع نفسي كما من لحم ودسم" (مز 63: 4)، "محبوب هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي" (مز 119: 97)...

أما في العهد الجديد فقد بلغ المؤمن إلى النضوج الروحي فيليق ألاَّ يحلف البتة كقول السيِّد: "ليكن كلامكم نعم نعم لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشرير" (مت 5: 37). وعرفنا اسم السيِّد المسيح المخلص، "فكل من يدعو باسم الرب يخلص" (رو 10: 13)، ومن أجل اسمه نحتمل بصبر ولا نكل (رؤ 2: 3)، ومن أجله نهان فنفرح ونُسرّ (أع 5: 14)، وباسمه تخرج الشياطين (مر 16: 17)، وتجرى آيات وعجائبها (أع 4: 29-0 3).


7. الوصية الرابعة: تقديس يوم السبت:

سبق أن تحدثنا عن هذه الوصية بشيء من التوسع، لذا أرجو الرجوع إلى هذا البحث منعًا من التكرار[289].

قلنا إنها وصية أبدية تلتزم الكنيسة بتنفيذها، بالدخول إلى "السبت" الحقيقي، أي "الراحة"، التي صارت لنا خلال قيامة السيِّد المسيح، فإن كان الله قد استراح في اليوم السابع بعد نهاية عمل الخليقة، صارت راحتنا ببداية الخليقة الجديدة التي صارت لنا بقيامتنا مع السيِّد المسيح. وفيما يلي بعض أقوال الآباء في هذا الشأن:

*   نحن نحفظ اليوم الثامن بفرح، اليوم الذي فيه قام الرب من الأموات، ليعلن عن نفسه أنه يصعد إلى السموات.

رسالة برنابا (القرن الثاني)[290]

*   أعطانا اليوم السابع راحة بسبب تعب الحياة، إذ لنا جسد يحتاج إلى راحة، أما الله فلا يتعب ولا يمسه ألم ولا عوز.

*   إننا نتمسك بالسبت الروحي (الأحد)، حتى مجيء المخلص، إذ استرحنا من الخطية.

القدِّيس  إكليمنضس السكندري[291]

*   الذين يعيشون حسب التدبير القديم الخاص بالأمور المستقبلة لا يحفظون السبت بل يحفظون يوم الرب، اليوم الذي فيه قامت حياتنا بواسطة المسيح بموته.

القدِّيس أغناطيوس[292]

يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [إن أمورًا كثيرة تسلمناها من التقليد الذي وضعه الرسل بجانب التعاليم المكتوبة من بينها تقديس اليوم الأول (الأحد) من الأسبوع. فقد اعتاد السيِّد المسيح أن يلتقي بتلاميذه - بعد قيامته - في اليوم الأول من الأسبوع (يو 20: 19، لو 24، يو 20: 26). وكان هذا اليوم هو يوم العبادة الجماعية للكنيسة في عصر الرسل (1 كو 16: 2، أع 20: 7).


8. الوصية الخامسة: إكرام الوالدين:

وضع الرب إكرام الوالدين في مقدمة الوصايا الخاصة بعلاقتنا بالآخرين، فيأمرنا بإكرامنا لهما قبل أن يوصينا "لا تقتل" أو "لا تزن" الخ... وهي الوصية الوحيدة والمقترنة بمكافأة أو وعد (أف 6: 2). وكانت الشريعة صارمة على من يكسر هذه الوصية: "من ضرب أباه أو أمه يُقتل قتلاً... ومن شتم أباه أو أمه يقتل قتلاً" (خر 21: 15-17). من يعاند ولا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه يرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت (تث 21: 18-21). ومن يستخف بأبيه أو أمه يصير تحت اللعنة (تث 27: 16).

يبدو أن اليهود إستغلوا هذه الوصايا فأساء البعض التصرف في معاملة أولاده، إذ أرادوا الطاعة المطلقة بلا اعتبار لنفسية الأولاد وشخصياتهم. فجاء السيِّد المسيح ليكشف المفاهيم العميقة لهذه الوصية، ففي الوقت الذي فيه كان السيِّد خاضعًا للقديسة مريم والقدِّيس يوسف (لو 2: 51)، هذا الذي تخضع له كل القوات السماوية (في 2: 10)، واهتم بأمه وهو على الصليب مشغولاً بخلاص العالم كله وساقطًا تحت الآلام، مسلمًا إيَّاها لتلميذه القدِّيس يوحنا (يو 19: 27)... إذ به يضع مفهومًا جديدًا لهذه الطاعة وذلك عندما عاتبته أمه قائلة: "يا بنيّ لماذا فعلت بنا هكذا؟! هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين" (لو 2: 48-49)، أجابها: "لماذا كنتما تطلبانني؟! ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي!" (لو 2: 49)... ويعلق الإنجيلي على هذه الإجابة قائلاً: "فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما" (لو 2: 50).

إجابة السيِّد المسيح كانت أشبه بثورة في عالم الطفولة، إذ أعطى للأبناء حق التفاهم مع الوالدين، والطاعة في الرب (أف 6: 1)، وليس الطاعة المطلقة كما فهمها اليهود، وكما كانت البشرية في ذلك الحين تفهمها.

هذا المفهوم الإنجيلي امتد للطاعة للأب الروحي، إذ يقول الرسول بولس: "إن بشرناكم نحن أو ملاك من السما بغير ما بشرناكم فليكن أناثيما" (غلا 1: 8)، معطيًا لأولاده الروحيين حق عدم الطاعة إن كانت ليست في الرب.



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 20 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 20 جـ4 PDF Print Email


يتحدث القدِّيس  جيروم عن الطاعة في الرب، قائلاً: [تقول الوصية "إكرم أباك" لكن فقط إن كان لا يفصلك عن أبيك الحقيقي. تذكر رباط الدم، ما دام والدك يعرف خالقه، أما إذا لم يفعل ذلك فسيرنم لك داود قائلاً: "اسمعي يا ابنتي وانظري وأميلي سمعك. انسي شعبك وبيت أبيك، فإن الملك اشتهى حسنك فهو ربك" (مز 44: 10-11). ففي هذه الحالة تكون المكافأة عظيمة لنسيانك الوالد إذ "اشتهى الملك حسنك"[293]].

أما مفهوم إكرام الوالدين فمتسع، يشمل الطاعة والخضوع وقد ضرب اسحق مثلاً حيًا لطاعة أبيه إبراهيم الذي أراد أن يقدمه ذبيحة للرب كأمر الله له؛ وأيضًا المحبة والاحترام ونرى في سليمان الحكيم مثلاً حيًا، إذ جاءته والدته "قام الملك للقائها وسجد لها وجلس على كرسيه ووضع كرسيًّا لأم الملك فجلست عن يمينه" (1 مل 2: 19)، والنجاح أيضًا نوع من إكرام الوالدين، إذ يقول الكتاب: "الابن الحكيم يُسر أباه، والابن الجاهل حزن أمه" (أم 10: 1). الإعالة هي تكريم عملي للوالدين، وكما يقول القدِّيس جيروم: [لا تفسر التكريم في كلمات مجردة... بل مدهم باحتياجاتهم الضرورية للحياة. لقد أمر الرب بإعالة الوالدين المحتاجين بواسطة أولادهم، وفاءً لأعمالهم الحسنة التي قدمت للأولاد في طفولتهم[294]]. وقد وبّخ السيِّد المسيح الفريسيين الذين وضعوا تقليدًا يخالف كلمة الله، فقد سمحوا للأبناء أن يقدموا ما يحتاج إليه الوالدان إلى الخزينة في الهيكل لحساب الفقراء، فإن سألهم الوالدان شيئًا يقولون: "قربان" (مت 15: 4)! فأبطلوا وصية الرب بتقليدهم الشرير[295].

أخيرًا إن كانت هذه الوصية حملت إكرام الوالدين حسب الجسد، والآباء الروحيين فبالأولى جدًا تنفيذها على الأبوين الروحيين يكون الله أبونا والكنيسة هي أمنا. ويرى القدِّيس إكليمنضس السكندري أن الأبوين هنا هما الله بكونه أب ورب لنا، والأم هي المعرفة الحقة والحكمة التي تلد الأبرار[296].

9. الوصية السادسة: عدم القتل:

لا يطيق الله أن يرى الدم البريء مسفوكًا بلا ذنب، إذ يقول لقايين: "صوت دم أخيك صارخ من الأرض" (تك 4: 11)، ولا يحتمل حتى سفك دم الشرير، إذ يقول: " كل من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه، وجعل الرب لقايين علامة لكي لا يقتله كل من وجده" (تك 4: 14-15). تظهر كراهيته لسفك الدم قوله لداود النبي المحبوب لديه: "قد سفكت دمًا كثيرًا وعملت حروبًا عظيمة، فلا تبني بيتًا لاسمي" (أي 22: 8).

الله الذي أوصى بعدم القتل صرح به بالنسبة للزناة (لا 20: 10-16)، وللقاتل نفسه (خر 21: 14)، ولضارب أبيه أو أمه أو شاتمهما (خر 21: 15، 17)، ولكاسر يوم السبت (خر 31: 15)، والمجدف على اسم الرب (لا 24: 16)... وأمر به في بعض الحروب مع الوثنيين. كان هذا كله يناسب العهد القديم، إذ لم يكن يستطيع الإنسان أن يميز بين الخاطئ والخطية، وعابد الأوثان وعبادة الأوثان، فبالقتل أراد أن يؤكد رفضه التام للخطية وعبادة الأوثان التي للأمم. أما في العهد الجديد، إذ دخل المؤمنون إلى النضوج الروحي لم يعد القتل عقوبة للخاطئ، إنما يلزم خلاصه من الخطية علة موته.

والقتل لا يعني مجرد سفك الدم، فهناك من يقتل بلسانه كقول الكتاب: "لسانهم سيف قتّال" (إر 9: 8)، "ألين من الزيت كلماته وهي سيف مسلول" (مز 55: 21). وهناك قتل بالنيَّة: "كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس" (1 يو 3: 15). وهناك قتل بالمسئولية كمن يترك إنسان ثوره النطَّاح ينطح آخر فيقتله (خر 21: 28-29). وهناك قتل للروح كقول الكتاب "الحرف يقتل" (2 كو 3: 6). وقد اعتبر القدِّيس إكليمنضس الإسكندري المبتدعين أشر من القتلة، إذ يقول: [القتل هو هلاك أكيد، فمن يرغب في استبعاد التعليم الحقيقي الخاص بالله والخلود... أكثر ضررًا من القاتل[297]].


10. الوصية السابعة: عدم الزنا[298]:

يقول الرسول: "اهربوا من الزنا؟ كل خطية يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد، لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده" (1 كو 6: 18).

بالزنا نسيء إلى أجسادنا التي هي أعضاء المسيح (1 كو 6: 15)، والتي هي هيكل الروح القدس (1 كو 6: 19).

ليست خطية بشعة يكرهها الله مثل الزنا، حتى دعيت في الكتاب "نجاسة" (2 بط 2: 10)، بها تتنجس النساء (خر 18: 11)، وينجس الرجل جسده (2 بط 2: 10). وتتنجس ثيابه (رؤ 3: 4)، وينجسون الأرض (إر 3: 6-9).

من فرط بشاعتها دعيت عبادة الأوثان زنًا (إر 3: 6-9)، وبسببها عاقب الرب الأرض بالطوفان (تك 6: 1-2)، وحرق سدوم وعمورة (تك 19: 24-25)، وكاد يفنى سبط بنيامين كله (قض 20)، وقدم الرسول بولس تأديبًا قاسيًا حتى كاد الزاني أن يُبتلع من الحزن المفرط (1 كو 5: 3، 5)، واعتبرها الرب السبب الوحيد لحل رباط الزوجية المقدس (مت 5).

وأراد السيِّد المسيح أن يحفظنا منها تمامًا فأوصانا ألاَّ نتطلع إلى امرأة لنشتهيها، وكأنه أراد أن يغلق الباب من بداية الطريق.

وجاءت القوانين الكنسية صارمة في هذا الأمر فعاقب الكاهن الذي يسقط فيها بالحرمان من عمله الكهنوتي كل أيام حياته.

ويرى القدِّيس إكليمنضس الإسكندري أن للزنا مفهوم أوسع من المعنى الدارج إذ يقول: [من يترك المعرفة الكنسية الحقيقية والإيمان بالله ويَجري وراء باطله فهو يزني...)[299].

وقد كتب الآباء كثيرًا عن حياة العفة والطهارة سواء بالنسبة للمتزوجين أو البتوليين[300].


11. الوصية الثامنة: عدم السرقة:

ليست السرقة هي أخذ مال الغير بل سلبه، فالتلاميذ لما جاعوا قطفوا السنابل من الحقل، والشريعة تقول: "إذا دخلت كرم صاحبك فكلْ عنبًا حسب شهوة نفسك، شبعتك، ولكن في وعائك لا تجعل. إذا دخلت زرع صاحبك، فاقطف سنابل بيدك، ولكن منجلاً لا ترفع على زرع صاحبك" (تث 23: 24-25).

أُعتبر إتهام يعقوب بسرقة آلهة لابان أمرًا بشعًا (تك 31: 30، 32)، وأيضًا اتهام إخوة يوسف بسرقة الكأس (تك 44: 7-9).

تزداد بشاعة هذه الخطية إن كان المسروق منه محتاجًا مثل الأرملة (مر 12: 40)، أو الإقراض بربا لمحتاج أو رهن ثياب أحد أو غطائه (خر 22: 25-27)، أو كان الشيء المسروق من المقدسات.

اعتبر الله من يمتنع عن دفع العشور سرقة (غلا 3: 7-10)!

واعتبر القدِّيس إكليمنضس الإسكندري أن كل من ينسب شيئًا لغير صاحبه فهو يسرق[301]، كمن يسرق أفكار الآخرين وينسبها لنفسه.


12. الوصية التاسعة: عدم الشهادة بالزور:

الشهادة بالزور تعني الكذب، ويعتبر الشيطان "كذابًا أبو الكذاب" (يو 8: 44)، فمن يكذب يعمل أعمال أبيه الشيطان.

لما كانت الشهادة الزور لها خطورتها على الجماعة وضعت الشريعة، "على فم شاهدين أو ثلاثة تقدم كل كلمة" (تث 19: 15).

وقد اهتم الكتاب المقدس بالصمت المقدس، لأن كثرة الكلام لا تخلو من معصية، والتسرع في الحديث قد يدفع الإنسان للكذب بغير عمد.


13. الوصية العاشرة: لا تشته:

"لا تشته امرأة قريبك.

ولا تشته بيت قريبك، ولا حقله، ولا عبده، ولا أمَته، ولا حماره، ولا شيئًا مما لقريبك" (خر 20: 17، تث 5: 21).

هذه الوصية كشفت عن عمق الناموس، إنه أراد أن يقتل الخطية من جذرها[302]، لكن اليهود لم يفهموا.

يتساءل البعض أوصى الناموس الموسوي "لا تشته"، وأوصى العهد الجديد بذات الوصية، فما الفارق؟ أوصى الناموس لكنه لم يعط العلاج، كشف عن عجز الإنسان عن تنفيذ الوصية لكي يطلب العلاج، أما العهد الجديد فأعطانا إمكانيات التنفيذ بالروح القدس العامل فينا. في هذا يقول القدِّيس أغسطينوس: [يقول الناموس: لا تشته، حتى أننا إذ نجد أنفسنا ساقطين في هذه الحالة المرضية نطلب العلاج. بهذه الوصية نعرف في أي اتجاه نهدف بجهادنا![303]]. كما يقول: [بناموس الأعمال يقول لنا الله إصنعوا ما آمركم به (لا تشته)، ولكن بناموس الإيمان نقول لله إعطنا ما أوصيت به[304]].

لا تقف الشهوة عند الأمور الخاصة بشهوات الجسد، وإنما شهوة الامتلاك أيضًا ومحبة المال، فيقول القدِّيس أمبروسيوس: [محبة المال رذيلة قديمة وعتيقة، أظهرت ذاتها حتى في إعلان الناموس، إذ جاء الناموس لكي يقمعها[305]].


14. خوف الشعب ورعدته:

تكلمنا في الأصحاح السابق عن البروق والرعود والجبل الذي كان يدخن، كما تحدثنا عن الضباب الذي اقترب إليه موسى حيث كان الله. هنا أكتفي بتقديم مقارنة بين رعدة الشعب وخوفه أثناء استلام موسى للشريعة، ومنظر العلية في العهد الجديد حيث حل الروح القدس على الكنيسة، على لسان القدِّيس أغسطينوس: [في العهد القديم منع الشعب خلال الرعب الفظيع من الاقتراب من المكان الذي فيه الناموس، أما في الحالة الثانية فحلّ الروح القدس على الذين اجتمعوا معًا في انتظار عطية الله التي وعد بها. هناك عمل إصبع الله على ألواح حجرية، أما هنا فعمل في قلوب البشر. هناك أعطى الناموس ظاهريًا حتى يرتعب الأشرار، أما هنا فأعطى سرًا لكي يتبرَّروا (أع 2: 1-47). لأن هذا: "لا تزن لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور لا تشته، وإن كانت وصية أخرى هي مجموعة في هذه الكلمة أن تحب قريبك كنفسك، المحبة لا تصنع شرًا للقريب، فالمحبة هي تُكمل الناموس" (رو 13: 109). والآن هذا ليس مكتوبًا على ألواح حجرية، بل "انسكب في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" (رو 5: 5). لذلك فإن المحبة هي ناموس الله... وإذ تنسكب المحبة نفسها في قلوب المؤمنين حينئذ يكون لدينا ناموس الإيمان والروح الذي يهب حياة لكي نحب[306]].


15. تأكيد ضد عبادة الأوثان:

كما افتتح الله حديثه في الوصايا بتأكيده إنه الله الواحد الذي لا يعبدون معه آخر غيره، هكذا بعد أن ختم الوصايا حذر الرب موسى لئلاَّ ينحرف بنو إسرائيل في عبادة الأوثان...



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 20 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 21 جـ1 PDF Print Email

الشريعة (يتبع)


1. العبد العبراني           [1-11].

2. القتل والضرب           [12-36].


1. العبد العبراني:

يتحدث هذا الأصحاح عن حقوق العبد العبراني، إذ تُميز الشريعة بين العبد العبراني والعبد الغريب (الأممي). ولكي نتفهم ما ورد في الشريعة يلزمنا أن نتفهم نظرة الوثنية لنظام الرق، وما هو موقف الشريعة اليهودية؟ وما هو دور المسيحية في ذلك الشأن؟
الوثنية ونظام الرق:

عرفت الشعوب الوثنية نظام الرق، يستوي في ذلك الشعوب المتخلفة مع المتحضرة كالإغريق والرومان... وقد أيَّد بعض فلاسفة العالم الوثني هذا النظام، كنظام طبيعي وضروري، وأعلن أرسطو أن جميع البرابرة (غير المتحضرين) عبيد بالمولد، ولا يصلحون إلاَّ لهذا العمل. ولم يعطِ القانون الروماني للعبيد أي حق مدني أو إنساني... إذ لا يُعاقب السيِّد أو يُحاسب إن عذب عبدًا (أو أمَة) أو قتله، أو صنع معه الفحشاء أو اغتصب منه زوجته لتكون محظيته أو لتصير عاهرة![307]
اليهودية ونظام الرق:

لم يكن ممكنًا للشريعة اليهودية أن تمنع هذا النظام دفعة واحدة، لهذا التزمت بتقديم قواعد ونظم تحفظ للعبد حقه الإنساني، وتنزع عنه -إلى حد كبير- جانب الإذلالي، ليعيش كإنسان وأخ تحت ظروفه القاسية. وقد عرف اليهود نوعين من العبودية: عبودية العبرانيين، وعبودية الأمميين.
أولاً: عبودية العبرانيين:

كانت تتم في أحد الظروف التالية:

أ. بسبب الفقر قد يبيع الإنسان نفسه (لا 25: 29)، أو أولاده (2 مل 4: 1).

ب. بسبب السرقة، إن لم يكن له ما يوفي فيباع بسرقته (خر 22: 3).

ج. قد يبيع الإنسان ابنه عبدًا أو ابنته أمَة (خر 21: 7، 17، نح 15: 5).

د. قد يصير الإنسان عبدًا بالميلاد إذا كان والده عبدًا.
أما الحقوق التي قدمتها الشريعة للعبد العبراني والأمَة العبرانية فهي:

أ. يُعامل العبد العبراني كأخٍ، ليس في مذلة "لا تُستعبده استعباد عبد، كأجير كنزيل يكون عندك... لأنهم عبيدي الذين أخرجتهم من أرض مصر لا يباعون بيع العبيد. لا تتسلط عليه بعنف، بل إخشَ إلهك" (لا 25: 39-43). بذلك قدمت الشريعة نظرة جديدة للعبد، أنه أخْ، شريك في العبودية لله الواحد.

ب. يتمتع العبد بالعتق من العبودية في السنة السابعة من عبوديته (أي بعد ست سنوات)، أي إن صح التعبير، في السنة السبتية، سنة الراحة. هذه إشارة إلى الحرية التي صارت لنا جميعًا بمجيء الرب في السنة السبتية، أي في ملء الزمان وقدم لنا ذاته "سرّ الراحة الحقيقية"، واضعًا حدًا لعبودية الخطية. في هذا يقول "إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا" (يو 8: 36).

للعبد حق الخيار أن يترك بيت سيِّده أو يطلب أن يبقى معه كل أيام حياته، فإن كان العبد يُحب سيِّده وزوجته وأولاده عليه أن يستعبد نفسه لسيِّده بمحض إرادته إلى النهاية، فيقدمه سيِّده إلى الباب ويثقب أذنه، علامة الطاعة الكاملة، كقول داود المرتل "أذني فتحت (ثقبت)" (مز 40: 6). هذا ما صنعه السيِّد المسيح الذي وهو الابن صار من أجلنا عبدًا، أحب أباه وعروسه وأولاده (أف 5: 25-27)، فحمل في جسده جراحات الصليب لأجل خلاصنا. صار عبدًا لكي يرفعنا من العبودية إلى البنوة لله.

ج. في سنة اليوبيل (لا 25: 39-40) يتحرر جميع هؤلاء العبيد حتى الذين لم يكملوا السنوات الست في خدمتهم لسادتهم، لأن اليوبيل يتم في السنة الخمسين، رمزًا لعمل الروح القدس الذي يهب الكنيسة كمال الحرية في استحقاقات دم المسيح. وبالروح القدس ننال غفران الخطايا، ونتمتع بالشركة مع الله في ابنه، ونحمل روح التبني الذي به نُنادي الله كأب لنا.

د. لا يخرج العبد فارغًا بعد تحرره، بل يأخذ معه من الغلات والقطيع ومن البَيْدر والمعصرة (لا 25: 43)، هكذا لم يحررنا السيِّد المسيح فحسب لكنه وهبنا غنى روحه القدوس، فننطلق حاملين بره وقداسته فينا.

ه. يمكن للعبد أن يتزوج ابنة سيِّده (1 أي 2: 35)، كما يمكن للسيِّد أن يتزوج الأمَة أو يعطيها زوجة لابنه، ولا يحق له أن يبيع العبد العبراني أو الأمَة لسيِّد أجنبي (خر 21: 7-11)... بهذا تصير الأَمَة من أهل البيت لها كل الحقوق كأحد أفراد الأسرة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هذه صورة حيّة لعمل الله معنا الذي قدمنا نحن عبيده كعروس لابنه، فصار لنا شركة أمجاده السماوية.

و. إن أهمل السيِّد أو ابنه في حق الأمة التي تزوجها، من جهة الطعام أو الملابس أو حقوقها الزوجية تصير الأمَة حرة!

أخيرًا، فقد أُلغيت عادة العبيد العبرانيين وحُرمت بعد العودة من السبي.
ثانيًا: عبودية الأممي:

غالبًا ما يكونون من أسرى الحرب (عد 31: 9، 2 مل 5: 2)، أو مشترين (تك 17: 27، 37: 28، 36؛ خر 27: 13؛ يؤ 3: 6، 8)، أو بالميلاد (تك 17: 12). لكننا لا نشتم من الكتاب المقدس ولا من التاريخ أنه وُجد سوق للرق عند اليهود[308].

قبل الشريعة الموسوية قدم لنا إبراهيم أب الآباء مثلاً حيًا في التعامل مع العبيد، فقد وضع في قلبه إن لم ينجب يترك ميراثه لأحد عبيده "اليعازر الدمشقي" (تك 15: 20)، الذي جعله وكيلاً على كل أمواله. وفي زواج اسحق برفقة (تك 24) ظهرت ثقة إبراهيم في عبده، وكان العبد في تصرفاته يكشف عن استحقاقه أن يكون موضع هذه الثقة.

وإذ جاءت الشريعة الموسوية قدمت للعبيد حقوقًا تحفظ لهم آدميتهم، منها:

أ. من يسرق إنسانًا ويبيعه أو يوجد في يده يقتل (خر 21: 16).

ب. جريمة قتل العبد تتساوي مع قتل الحرّ (لا 24: 17، 22).

ج. إذا فقد عبد عينه أو يده يُعتق (خر 21: 26-27).

د. أُعطت الشريعة للعبيد أن يعبدوا آلهتهم الخاصة، أي حرية العقيدة حتى وإن كانوا مخطئين، لكن من حق السيِّد العبراني أن يختن عبيده.

ه. أعطتهم حق الاشتراك مع سادتهم في الأعياد (خر 20: 10، 23: 12).
المسيحية ونظام الرق:

عالجت المسيحية مشكلة "نظام الرق" بطريقة موضوعية، إذ لم تشأ إثارة العبيد ضد سادتهم، الذين كانوا يمثلون في المملكة الرومانية نصف تعدادها، ويذكر بليني أن أحد الأثرياء الرومان يدعى كلوديوس إسيدورس في أيام أغسطس ترك بين ممتلكاته 4116 عبدًا[309]. إنما طالبت العبيد بالطاعة (أف 6: 5-8، كو 3: 22-25، 1 تي 6: 1-2؛ 1 بط 2: 18-21)، كما أنها آمنت حتى بإمكانية تأثير العبد على سيِّده خلال الحياة المقدسة في الرب. فلا نعجب إن رأينا القديس يوحنا الذهبي الفم يقول لحاضري اجتماعاته: [إن كل واحد منهم يُعلِّم الذين في الخارج أنه كان في صحبة السيرافيم، فالأب يُعلم ابنه والأم ابنتها، وأيضًا العبد سيِّده].

عملت الكنيسة على إعادة العبد الهارب إلى سيده فليمون، لكي يحرره بإرادته ويعفو عنه دون  ضغط أو إلزام.

لقد بدأ نظام الرق ينهار من جذوره، وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسية لهياج الدولة الرومانية على الكنيسة المسيحية[310]، أما سرّ انهياره فيكمن في الأسباب التالية:

أ. ألزمت الكنيسة أولادها أن يعاملوا العبيد إخوة لهم (1 كو 7: 21-22، غل 3: 28؛ كو 3: 11). ولا ننسى أن السيِّد المسيح قد أُسلم مقابل ثلاثين من الفضة كأنه بيع كعبد، فدخل إلى زمرة العبيد، ولم يأنف منهم بل قدّس حياة المؤمنين منهم.

ب. إن كان الرسول بولس قد ردّ العبد الهارب أنسيموس إلى سيِّده فليمون، فقد بعث معه برسالة تُعتبر أروع ما يمكن أن يُكتب من رسول بخصوص عبد هارب، إذ يلقِّبه "ابني أنسيموس، الذي ولدْته في قيودي، هو أحشائي، اقبله نظيري". كما جاء في الرسالة "لأنه ربما لأجل هذا افترق عنك إلى ساعة لكي يكون لك إلى الأبد، لا كعبد فيما بعد بل أفضل من عبد أخًا محبوبًا ولا سيما إليَّ".

ج. إذ عاش بعض السادة بروح الإنجيل التزموا بتحرير عبيدهم بواعز داخلي، دون وجود أمر صريح بذلك.

د. كثيرون ممن كانوا عبيدًا نالوا رتبًا عالية أو كرامة كنسية سامية، من هؤلاء من هم شهداء مثل بلاندينا وبابليس وفليكتاس، الذين كانت تذكرهم الكنيسة كأبطال إيمان[311]. ومن العبيد أيضًا صار أسقف مثل أنسيموس تلميذ القديس بولس، إذ صار أسقفًا على Borea بمكدونية[312]؛ وكالستوس أسقف روما في القرن الثالث.

ه. شجعت الكتابات الكنسية الأولى على انهيار هذا النظام، نذكر على سبيل المثال ما جاء في الديداكية: [لا تنتهر (بمرارة) عبدك أو أمتك اللذين يترجيان الله إلهك، لئلا يفقدا مخافة الله، الذي هو فوق الكل، وليس عنده محاباة الوجوه[313]].

يقول القديس إكليمنضس الإسكندري: [العبيد هم أناس مثلنا[314]].

ويقول الأب لاكتانتيوس: [العبيد ليسوا عبيدًا لنا، لكننا نحسبهم إخوة في الروح، وهم عبيد شركاء معنا في الدين[315]].

كما جاء في كتابات القديس أغناطيوس الأنطاكي: [لا تحتقر العبيد، ولا تدعهم ينتفخون في كبرياء، بل بالحرى يتضعون لأجل مجد الله[316]].

واعتبر القديس أغسطينوس أن ظهور العبودية إنما هو ثمرة الخطية، فإن المقاصد الإلهية لا تقبل أن يملك إنسان على زميله الإنسان ويسيطر عليه[317]. ونادى القديس يوحنا ذهبي الفم بذات الفكرة[318]، حيث قال: [إن العبودية ظهرت فقط حينما سقط كنعان تحت اللعنة (تك 9: 25)].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 21 جـ2 PDF Print Email

2. القتل والضرب:

أعلنت الوصايا العشر كراهية الله للقتل، فجاءت الوصية صريحة "لا تقتل". أما الشريعة فكشفت عن تفاصيل أكثر لهذه الوصية، وربطت بين القتل والضرب المؤدي إلى إصابات مستديمة في الجسم، تتلخص في الآتي:

أ. القتل عمدًا: عقوبته قتل القاتل، ولا يمكن أن يحميه شيء، حتى إن احتمى بمذبح الرب [14]، ويستوى قتل الحرّ كقتل العبد [16]. كما جعلت الشريعة ضرب أحد الوالدين [15] أو سبّه [17] نوعًا من القتل عقوبته أيضًا القتل.

وقد حرمت الشريعة افتداء القاتل المستحق القتل بالمال، لأن دم القتيل يُدنس الأرض (عد 35: 31-34)، بهذا ساوى بين الغني والفقير، وصاحب السلطان والمحتقر.

ولا يحكم بالموت على قاتل على شهادة شاهد واحد (عد 35: 30)، إنما بعد ثبوت الجريمة على فم شاهدين أو ثلاثة.

ب. القتل بالمسئولية: إن أهمل إنسان في ضبط ثوره النطاح مثلاً، ثم قتل الثور إنسانًا يُقتل الثور مع صاحبه، إذا قتل ذلك الثور حيوانًا يدفع صاحبه تعويضًا لذلك [36]. أما إذا لم يثبت إهمال صاحبه كأن يكون الثور غير نطاح فيقتل الثور، ويكون صاحبه بريئًا، وإذا قتل ثور إنسانًا آخرًا يُباع الثور الحيّ ويقتسم الاثنان ثمنه.

يخضع الإنسان لذات المسئولية إن حفر بئرًا وأهمل في تغطيتها [33]. كذلك إن أهمل في بناء سورٍ لسطح بيته وسقط إنسان عن السطح، فيعتبر صاحب البيت كقاتل (تث 22: 8)... هكذا جعل الرب الإهمال خطية يتحمل صاحبها المسئولية.

ج. القتل مع غير العمد [13]: كان للقاتل في هذه الحالة الحق في الهروب من أمام وجه وليّ الدم إلى إحدى مدن الملجأ، فلا يجوز قتله مادام داخل المدينة إلى أن يموت الكاهن العظيم، حينئذ يستطيع أن يخرج من المدينة ولا يجوز قتله (عد 35: 11، تث 19: 3، يش 2: 3). وكانت هذه المدن رمزًا للسيِّد المسيح، الملجأ الذي تلجأ إليه النفس التائبة فتحتمي فيه فلا تسقط تحت حكم الموت، أما إن خرجت عن الإيمان به وتركته فتهلك بخطيتها. وقد حدد الله مدن الملجأ وأمر بوضع علامات تُشير إليها حتى يمكن للهارب أن يهتدي بها... الأمور التي أرجو العودة إليها في دراستنا لسفر العدد.

هنا يظهر تقديس النظرة للحياة الإنسانية ضد القتل والضرب، فأمرت الشريعة بقتل القاتل عمدًا، ولا هروب لأجل ردع القتلة، وفي نفس الوقت حمت القاتل عن غير عمد لأنه بلا ذنب، إنما الله هو الذي سمح بموته، إذ يقول: "أوقع الله في يده" [13].

د. الضرب: تظهر نظرة الله المقدسة للحياة الإنسانية ليس فقط في عدم القتل، وإنما أيضًا في عدم احتماله أذية إنسان، أيًّا كان. فإن أُصيب عبد أو أمَة إصابة مستديمة يتحرر فورًا [26]، وإن حدثت أذية لإنسان حرّ فعين بعين وسن بسن ويد بيد ورجل برجل... حتى يتأدب الضارب ويتعظ الشعب كله. على أن الشريعة بهذا منعت المضروب أن ينتقم لنفسه بأكثر مما أصابه. فنحن نعلم أن الإنسان في طبعه البدائي لا يسكت غضبه إلاَّ بانتقام أشد، لأن الضارب هو الذي ابتدأ، لكن الشريعة أرادت أن تضع له حدًا، حتى متى نضج الإنسان روحيًا يعرف كيف يقابل الشر بالخير. وقد تحدث القديس أغسطينوس عن خمس درجات للحب والغضب هي[319]:

الدرجة الأولى: هي رغبة الإنسان في الاعتداء على أخيه بلا سبب، كما يحدث في القبائل البدائية التي تثورعلى بعضها البعض في أنانية.

الدرجة الثانية: هي ألاَّ يبتدئ الإنسان بالاعتداء، وإنما إن أُعتدى عليه يرد الاعتداء مضاعفًا.

الدرجة الثالثة: هي إذا أُعتدى على الإنسان يرد الاعتداء بذات الاعتداء، ولا يتجاوزه، أي عين بعين وسن بسن ويد بيد ورجل برجل... وقد رفعت الشريعة الموسوية الإنسان عن المرحلتين السابقتين ودخلت به إلى هذه المرحلة، وهي ليست بقليلة في ذلك الوقت. إنها لا تُلزم المضروب أن يرد العين بالعين لكن تمنعه من أن يرد العين بعينين! ليست تصريحًا برد الضرر بضرر مساوٍ له لكنها منعت من رده بضرر أكبر.

الدرجة الرابعة: رد الضرر بضرر أقل لأجل التأديب فقط.

الدرجة الخامسة: رد الضرر بالحب، ومقاومة الشر بالخير، ومعالجة المعتدي كمريض... وهذا ما رفعنا إليه السيِّد المسيح في عظته على الجبل (مت 5: 43-48)، فنمتثل بالله أبينا الذي يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين.

نعود للشريعة الموسوية لنجدها تعطي المضروب حق نوال تعويض عما أصابه، فيدفع له الضارب ثمن العلاج، وأيضًا تعويضًا عن بطالته [18-19].
إجهاض امرأة بسبب رجال متخاصمين:

"إذا تخاصم رجال وصدموا امرأة حبلى فسقط ولدها ولم تحصل أذية يُغرَّم كما يضع عليه زوج المرأة، ويدفع على يد قضاة. وإن حصلت أذية نفسًا بنفس، وعينًا بعين، وسنًا بسن، ويدًا بيد، ورجلاً برجل..." [22-25].

يُعلق العلامة أوريجانوس على هذا التشريع قائلاً: [المتخاصمون هم الذين يتناقشون في بعض النقط الخاصة بالناموس، مستخدمين ما تحدث عنه الرسول "مماحكات الكلام" (1 تي 6: 4). نحن نعلم أن هذه الخصومات كثيرة الحدوث بين الإخوة، لهذا يوصي الرسول قائلاً: "مناشدًا قدام الرب أن لا يتماحكوا بالكلام، الأمر غير النافع لشيء، لهدم السامعين" (2 تي 2: 14)، "المباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها، عالمًا أنها توَلِّد خصومات، وعبد الرب لا يجب أن يخاصم" (2 تي 2: 23). فإن الذين يتخاصمون في هذه الأمور يعملون ذلك لهدم السامعين، أي يضربون المرأة الحبلى فيسقط الجنين. هذه المرأة الحبلى هي النفس التي تحبل بكلمة الله. نقرأ عن هذا الحبل في موضع "حبلنا تلدينا" (إش 26: 18). الذين يحبلون ويلدون لا يُشبَّهون بالنساء بل بالرجال الكاملين. اسمعوا النبي يقول: "هل تمخض بلاد في يوم واحد؟ أو تولد أمَّة دفعة واحدة؟!" (إش 66: 8). هذا هو جيل الكاملين الذين يولدون في ذات اليوم الذي يحبلون فيه.

لا تظنوا إني أتحدث بشيء غريب حين أعلن أن الرجال يلدون فقد سبق أن قلت لكم بأي معنى ينبغي أن تؤخذ هذه الكلمات، متجنبين التفسير الجسدي، طالبين تفسير الإنسان الداخل...

اسمعوا أيضًا ما يقوله الرسول: "يا أولادي الذين أتمخض بهم إلى أن يتصوَّر المسيح فيهم" (غلا 4: 9). إذن الذين يلدون بعد الحبل مباشرة. إنهم رجال أقوياء وكاملون، هؤلاء الذين يثمرون بالعمل بكلمة الإيمان التي أخذوها. أما النفس التي تحبل وتحتفظ بالثمر في داخلها ولا تلده فتُدعى امرأة، كقول النبي: "الأجنَّة دنت إلى المولد ولا قوة على الولادة" (إش 37: 3). هذه هي النفس التي تُدعى امرأة بسبب ضعفها، تتعذب وتتعثّر عندما يتخاصم الرجال ويتضاربون. هذه هي النتيجة الحتمية للخصام، تدفع عنها كلمة الإيمان التي حبلت بها وترفضها. هذا هو الخصام الذي يؤدي إلى هدم السامعين.

إن كانت النفس التي تعثرت قد ألقت عنها الكلمة التي لم تكتمل بعد فيها، فعلى من أعثرها أن يتحمل العقاب.

أتُريد أن تعرف إن كانت هناك بعض النفوس قد تكونت فيها الكلمة أم لا؟!... يعلمنا الرسول: "حتى يتصور المسيح فيهم" (غلا 4: 19). المسيح هو كلمة الله. بهذا يُشير الرسول بولس أنه في وقت كتابته لم تكن كلمة الله قد تكونت فيهم، فإن رفضت الكلمة قبل أن تكتمل داخلها تستوجب الدينونة.

يُحدثنا الرسول بولس أيضًا عن عقاب المعلمين، إذ يقول: "إن احترق عمل أحد فسيخسر، أما هو فسيخلص لكن كما بنار" (1 كو 3: 15). والرب نفسه يقول في الإنجيل: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟!" (مت 16: 16)[320].

ويعلق العلامة أوريجانوس على العبارة "يُغرّمَ كما يضع عليه زوج المرأة" قائلاً: [إن زوج النفس التي تتعلم هو سيِّدها... المسيح الذي يرأس الكنيسة[321]]. هذا السيِّد يقطع المعلمين المعثرين عن جسد الكنيسة.

ماذا يعني أنه أصاب عينها أو أسنانها أو يدها أو رجلها أو أصابها بالكيّ؟... يرى العلامة أوريجانوس أن العين التي تُصاب لدى صغار النفوس هو إدراكها لله وبصيرتها الداخلية. أما الأسنان فتُشير إلى قدرتها على هضم كلمة الله وإدراك أسرارها والشبع بها. تُشير اليد إلى قدرة النفس على التمسك بالروحيات والتثبت فيها. أما الرجل فتُشير إلى القدرة على السير متجهًا نحو الله. أما الكيّ فتعني ما تُعانيه النفس التي تحترق بسبب حرمانها من الله. هذه هي العثرات التي يسقط فيها الصغار روحيًا بسبب المماحكات الغبية.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 22 PDF Print Email

الشريعة (يتبع)


1. السرقة                  [1-15].

2. الزنا                    [16-20].

3. الظلم                    [21-27].

4. السب                    [28].

5. سلب الله حقوقه         [29-31].
1. السرقة:


إعتبر الله نفسه مسئولاً ليس فقط عن حياة الإنسان وجسده وإنما أيضًا على ممتلكاته، فكل أنانية في حياة إنسان خلالها يُريد أن يقتني لنفسه شيئًا على حساب أخيه يعتبر خطية يرتكبها الإنسان في حق الله نفسه، وقد جاءت الشريعة فيما يخص السرقة والسارق والمعتدي عليه بالسرقة غاية في المرونة بالنسبة لذلك العصر، فعلى سبيل المثال:

أ. بالنسبة للص أو السارق نفسه الذي يعرض حياته وحريته وممتلكاته للضياع إن قتل أثناء سرقته ليلاً لا يعوض عنه بدم، وإذا سرق يلزم بتعويض المعتدي عليه بالضعف إن كانت السرقة في يده، أما إن كان قد تصرف فيها بالبيع أو الذبح فيرد الثور بخمسة ثيران والشاة بأربعة من البقر، ولو باع كل ممتلكاته، أو باع نفسه عبدًا!!

مع كل هذه الصرامة كانت "حياة اللص" موضع إهتمام الله، فإن ضبط اللص يسرق وضرب في النهار حتى مات يطلب دمه من القاتل. فإن الله لا يُريد روح الإنتقام بل التأديب! أما بالليل فيفترض أن صاحب الممتلكات كان يضربه في الظلام فإن مات اللص يكون اللص هو المسئول عن نفسه!

ب. لا تقف السرقة عند السطو، ولكنها تتم أيضًا خلال الإهمال، كأن يترك إنسان ماشيته في حقله بلا أسوار فترعى في حقل غيره، أو يوقد نارًا في شوك أرضه فتلتهم محاصيل جاره، أو يأتمنه إنسان على ذهب أو فضة أو حيوان فيهمل في الحفاظ على الأمانة، وهنا يقوم القضاء بالحكم.

ج. في حالة ضياع الأمانة أو موت ماشية مودعة كأمانة أو مستعارة يكون الحكم مرنًا، حسبما يقضي القضاة، وأيضًا حسب إمكانية صاحب الوديعة، فإن كان في عوز يلتزم المودع لديه بالتعويض.

د. إعتبر الله الإنسان ملتزمًا بالمحافظة على ممتلكات جاره خاصة في غيابه، فإذ لم توجد مخازن في بنوك وتأمينات، تعاون الجماعة يسند الكل، فلا يترك إنسان حيوانًا يرعى في حقل جاره ولا يهمل في إشعال نار تلحق الضرر بمحاصيل جاره.


2. الزنا:

سبق الحديث عن جريمة الزنا في الأصحاح العشرين "الوصية السادسة". (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هنا يتسع مفهوم الزنا ليشمل السحر والذبح لآلهة غريبة. فمن يستخدم السحر كمعين له يكون كالزوجة التي تترك زوجها لتبحث عن آخر يعولها. والذبح للأوثان يكون كالعروس التي عوض أن تقدم حياتها ذبيحة حب لعريسها الأوحد، تسلم قلبها ذبيحة شهوة ونجاسة لآخرين.

يظن البعض خطأ أن الزنا قد حرمه الله لأجل الإساءة إلى أحد الطرفين جسديًا أو إجتماعيًا أو معنويًا أو لطرف ثالث كزوج المعتدى عليها. لكن الشريعة تكشف خطورة الزنا بكونه دنس ونجاسة لا يحتملها الله، فيأمر بقتل من يصنع شرًا مع الحيوان، لأنه يدنس نفسه وجسده بل ويدنس الأرض.


3. الظلم:

لا يحتمل الله ظلم الإنسان لأخيه، خاصة إن كان المعتدي عليه غريبًا أو أرملة أو يتيمًا أو فقيرًا. وقد منع الربا [25]، لأنه لم تكن تستخدم القروض في أعمال تجارية لزيادة الدخل وإنما بسبب العوز حتى اضطر البعض أن يرهن ثوبه الذي يتغطى به... الله يريد رحمة، فلا يسمح لإنسان أن يترك ثوب أخيه رهينة لديه بعد غروب الشمس.

لقد حذرهم من الظلم وذكرهم بجانبين: أنهم ذاقوا الغربة وذلها، فكيف لا يشعرون بألم الغرباء؟! ثانيًا أنه لا يحتمل أن يسمع صرخات المتألمين والمحتاجين فيحمى غضبه على الظالمين.


4. عدم السب:

يقول: "لا تسب الله، ولا تلعن رئيسًا في شعبك" [28].

تقوم الكنيسة على الإحترام المتبادل وطاعة الصغير للكبير، فالمؤمن يشعر برعاية الله وعنايته فلا يخطئ إلى الله، وأيضًا يطيع الرؤساء في الرب.


5. سلب حقوق الله:

إذ يتحدث في هذا الأصحاح عن عدم إغتصاب ممتلكات الآخرين (السرقة) وعدم ظلم الغرباء والضعفاء والمحتاجين يتحدث عن عدم سلب حقه في البكور، ليس لأن الله في عوز، لكن لأجل الفقراء والمحتاجين.

تكلمنا قبلاً عن تقديم بكور البنين (راجع أصحاح 13) كعلامة تقديس كل الشعب الله.

والعجيب أنه ليس فقط بالبكور حتى يجد المحتاجين كفايتهم في بيت الرب، وإنما يهتم حتى بالكلاب، فيقول: "لحم فريسة في الصحراء لا تأكلوا، للكلاب تطرحونه" [31].

هذا من جانب ومن جانب آخر طالبنا بالتقديس له، إيجابيًا بتقديم بكورة البنين وبكورة الحيوانات والمحاصيل، وسلبيًا بالإمتناع عن المحرمات والأمور الدنسة: "لحم فريسة في الصحراء لا تأكلوا". وكأن المؤمن في شركته مع الله يُجاهد في عمل الفضيلة وأيضًا في الكف عن الرذيلة، يصنع الخير ويمتنع عن الشر.



+ إقرأ إصحاح 22 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 23 PDF Print Email

الشريعة (يتبع)

1. النفاق والعدالة                    [1-3].

2. مساعدة الآخرين والعدالة         [4-6].

3. الرشوة والعدالة                   [7-9].

4. السبت وحقوق الغير              [10-13].

5. الأعياد                            [14-19].

6. الحضرة الإلهية                   [20-23].

7. عدم مخالطة الأمم                [24-33].
1. النفاق وعدالة القضاء:

إهتمت الشريعة بتقديس الجماعة كما بتقديس كل عضو فيها، فإن كان من أجل الجماعة يلزم ألاَّ يتقبل العضو خبرًا كاذبًا ولا يشترك مع المنافق في ظلمة، فإنه أيضًا من أجل تقديس نفسه لا يجري وراء الجماعة إن انحرفت [2] ولا يتحدث بالكذب حتى لا يقتل بارًا [7].

كما يهتم الله بالفقير لئلا يظلمه الناس لحساب الغني: "لا تحرف حق فقيرك في دعواه" [6]، أيضًا يطالبنا في شفقتنا على الفقير لا نظلم الغني: "لا تحاب مع المسكين في دعواه" [3].
2. مساعدة الآخرين والعدالة:

مساعدة الآخرين ليست أمرًا إختياريًا لكنها وصية إلهية إلزامية، لا تقف عند حد الإنسان، وإنما مساندة حتى حمار العدو إن وقع تحت حمله.

إن كان الإنسان – تحت شريعة الناموس – يلتزم ألاَّ يستهين بحمار عدوه إن سقط فماذا تكون بالحري مسئوليته إن أهمل في مساندة نفس عدوه أو أخيه وهو في عهد النعمة؟ وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان الأمر هكذا بالنسبة لمن يستهين بحمار عدوه، فماذا يكون بالنسبة لمن يحتقر الحيوان المستخدم للأحمال ولا يحتقر نفس عدوه وهي تهلك إنما يستخف بنفس صديقه؟! كيف ينال غفرانًا؟![322]].
3. الرشوة والعدالة:

تحذر الشريعة من الرشوة، فإنها تُعمى بصيرة الحكماء (المبصرين) وتعوج كلام الأبرار [8].


4. السبت وحقوق الغير:

سمعنا عن السبت في جمع المن (أصحاح 16)، وفي الوصايا العشر (أصحاح 20)، لكنه هنا في الشريعة إذ يتحدث عن حقوق الآخرين يتكلم عن السبت من وجهة نظر جديدة، فليس السبت هنا تقديسًا لحياة الإنسان الذي فيه يذكر الله الذي استراح في اليوم السابع، ولا تذكارًا لخروجه من أرض مصر وأعمال الله معه لأجل دخوله إلى الراخة، وإنما يذكر السبت لأجل حق الآخرين عليك. فيُعطي للأرض سبتًا للراحة (السنة السابعة) فتستريح الأرض ويجد الفقراء طعامًا، وأيضًا وحوش البرية، كذلك يُعطي راحة في اليوم السابع ليس لنفسه وعائلته فحسب وإنما لإبن أمته والغريب ولثوره وحماره.
5. الأعياد:

يتحدث سفر اللاوين على الأعياد اليودية وطقوسها بأكثر تفصيل[323]، ولكنه هنا يركز على جانب معين، هو أهميتها في الحياة الإجتماعية، فقد تحدث عن ثلاثة أعياد وتحدث عن ثلاثة أمور:

أ. يأكلون الفطير ليس فقط في عيد الفطير وإنما أيضًا في العيدين الآخرين، وكما سبق أن تحدثنا (أصحاح 12) أن الفطير يُشير إلى "الحياة الجديدة"، وكأن العيد هو فرصة لمراجعة الإنسان حساباته الداخلية وعلاقاته بالآخرين لئلا يكون قد ظلم أحدًا، أو تجاهل حق الفقير أو الغريب.

ب. لا يبيت شحم عيد الرب إلى الغد. هنا يقول "عيدي" [18]، فهو ليس عيد الإنسان، ولكنه عيد الرب فيه يفرح الله بالإنسان. ولعله قصد بهذه الوصية أن يوزع كل ما يملكه بخصوص العيد في ذلك اليوم ولا يترك شيئًا لنفسه أو لعائلته بل يعطيه للمحتاجين.

ج. تقديم البكور وقد تحدثنا عنها قبلاً.

الأعياد الكبرى عند اليهود هي عيد الفطير الذي لا ينفصل عن الفصح (خر 12: 13؛ لا 23: 5)، وعيد الحصاد في بدء موسم الحصاد حيث يقدمون أبكار غلاتهم (لا 23: 15-22؛ عدد 28: 26-31، تث 16: 9-12). وعيد الجمع في نهاية الموسم (عد 29: 12 إلخ؛ لا 23: 34-43؛ تث 16: 13، 43).

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على وصية الشريعة: "لا يظهروا أمامي فارغين" [15] قائلاً: [إنها تعني ألاَّ تدخل الهيكل بلا ذبائح. فإنه لا يليق بك أن تدخل بيت الله بدون ذبائح؛ فلا تذهب الإجتماع غير مصطحب إخوتك، فإن هذه الذبيحة والتقدمة أفضل من تلك، متى قدمت لله نفسًا معك فى الكنيسة[324]].
6. الحضرة الإلهية:

وتعتبر هذه هي الوصية الوداعية، إنه يرسل ملاكه أمامهم ليحفظهم في الطريق ويدخل بهم إلى الموضع الذي أعده لهم [20]. هنا يتحدث عن حضور الله الذي يتنازل ليكون في وسطهم فيصير كملاك مرسل لحمايتهم وقيادتهم والدخول بهم إلى الوعود الإلهية. كلمة ملاك تعني "رسول"، أي يحمل رسالة، حينما ينزل الله إلينا إنما يحمل إلينا رسالة هي من قبله؛ وقد دعى "وجه يهوه" في (خر 33: 15-16).

في هذا إشارة إلى تجسد كلمة الله ونزوله إلينا ليقودنا إلى أورشليم العليا. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وكما ختمت الشريعة ووصاياها بهذا الوعد، هكذا ختم السيد حياته على الأرض بذات الوعد أنه يكون معنا إلى إنقضاء الدهر. وقد دلل القديس غريغوريوس أسقف نيصص[325] على أنه يقصد بملاكه، الرب نفسه، إذ يقول موسى بعد قليل "فليسر السيد في وسطنا" (3: 9) (راجع 33: 16) وكانت إجابة الرب "هذا الأمر الذي تكلمت عنه أفعله" (33: 17).
7. عدم مخالطة الأمم:

هي ليست وصية مستقلة لكنها إمتداد للوصية السابقة، فإن كان من الجانب الإجابي يقبلون حضرة الله في وسطهم وتسلمه قيادة حياتهم، فمن الجاني السلبي يرفضون مخالطة الأمم علامة رفضهم لآلهتم، إذ لم يكن يستطيع اليهود أن يميزوا بين الخاطئ والخطية، وبين الشعوب الأممية والحياة الوثنية.



+ إقرأ إصحاح 23 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 24 PDF Print Email

العهد الإلهي والتحرك الكنسي

في الأصحاحات السابقة نرى تحرك الله المستمر نحو شعبه، هو الذي هيأ لهم موسى منقذًا، وهو الذي حرك قلب فرعون، وهو الذي عبر بهم البحر الأحمر وأهلك عدوهم (إبليس وجنوده) وعالهم بالمن السماوي وحولّ مرارة المياه إلى عذوبة إلخ... وأخيرًا قدم لهم وصاياه وشرائعه سندًا لهم، والآن تلتزم الكنيسة بالتحرك نحو الله وبمساندته، فقد جاء هذا الأصحاح يكشف عن العمل الكنسي في الله، والذي يمكن تلخيصه فى النقاط التالية:
1. الروح الجماعية:

إن كان موسى "يقترب وحده إلى الرب" [2]، والشعب لا يصعد معه، لكن الله أمر موسى أن يصعد ومعه هرون وناداب وأبيهو وسبعون من الشيوخ [1]. فالكنيسة لا تعرف الإنفرادية، إنما يلزم أن تلقى القيادات الروحية بمواهبها المتعددة وأعمالها المتباينة بروح واحدة يلتقي موسى مستلم الشريعة مع هرون رئيس الكهنة وإبنيه ناداب وأبيهو ممثلين للكهنة واللاويين ومع السبعين شيخًا يمثلون أراخنة الشعب. في هذا يقول الرسول: "فإنه كما في جسد واحد لنا أعضاء كثيرة ولكن ليس جميع الأعضاء لها عمل واحد، هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضًا لبعض كل واحد للآخر. ولكن لنا مواهب مختلفة بحسب النقمة المعطاة لنا. أنبوة فبالنسبة للإيمان، أم خدمة ففي الخدمة، أم المعلم ففي التعليم، أم الواعظ ففي الوعظ. المعطي فبسخاء، المدبر فباجتهاد، الراحم فبسرور" (رو 12: 4-8).

هكذا يعمل الكل معًا بروح واحد مع اختلاف المواهب، ليس لأحد يفتخر بموهبته على الآخرين، ولا يزدري أيضًا بما وهبه الرب من وزنات! ليعمل لا بروح الكبرياء ولا بصغر نفس! وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليتنا نأخذ هذه الأمور في اعتبارنا فلا نحسد ولا نحقد على الذين لهم مواهب أعظم، وفي نفس الوقت لا نحتقر الذين لديهم مواهب أقل[326]].
2. رباط روحي لا جسدي:

لم يأخذ واحدًا من ابنيه، بل ولا سمعنا عن ابنيه أنهما تسلما مسئواية معينة، إنما أخذ معه هرون وابنيه ناداب وأبيهو [1]. هنا تظهر القيادة الروحية الحية التي تعمل من أجل الله وحده، فلا يسلم ابنيه حسب الجسد أي مسئولية هم غير قادرين عليها، لكنه إذ أمره الله أن يعمل أخوه هرون معه لم يمتنع.

ناداب هو ابن هرون البكر، واسمه يعني "كريم"، وكان أحد الذين كرسوا كهنة للرب، وأبيهو تعني "أب هو". وللأسف مات الإثنان عندما قدما نارًا غريبة أمام الرب (لا 10: 1، عد 26: 61)، ربما لأنهما في حالة سكر، على أي الأحوال صار هذان الرجلان مثلين مرعبين لكهنة الرب، فإنهما وإن صحبا موسى وهرون مع السبعين شيخًا ورأوا الرب [9] وتحت رجليه أمجاد سماوية، واشتركا في العمل الكهنوتي منذ بدء قيامه لكنهما حرما نفسيهما من التمتع بالله خلال تقديمهما نارًا غريبة. لهذا لا نعجب إن كان الرسول يحذرنا: "من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" (1 كو 10: 12)، كما يقول: "أقمع جسدي وأستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1 كو 9: 27).
3. دور الشعب:

إن كان قد صعد موسى قائد الشعب وهرون كاهنه وإبناه، والسبعون شيخًا أراخنة الشعب، لكن لا يمكن أن تقوم الحياة الكنسية على سلبية الشعب، فقبل أن يقدم موسى المحرقات وذبائح السلامة للرب وقبل أن يرش الدم على المذبح والشعب تحدث معهم عن "كل الأقوال التي تكلم بها الرب" وقبلوها بكل رضى [3]. من أجل الشعب جاء موسى، ومن أجلهم أقيم الكهنوت والأراخنة... لذلك فلهم الكلمة الأولى والمباشرة في علاقتهم مع الله.

في الكنيسة يقوم الشعب بدور إيجابي، فلا تعرف الكنيسة القداسات السرية، وإنما يلزم إشتراك الشعب علانية مع الكهنة في الخدمة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وكما يصلي الكاهن من أجل الشعب، يطلب الشماس من الشعب أن يصلوا عن الأب البطريرك وكل طغمات الكهنوت. ويلتزم الشعب بالشهادة أو الكرازة بالإنجيل بكونهم رسالة المسيح المقرؤة من جميع الناس[327].
4. دور الفتيان:

"وأرسل فتيان بني إسرائيل فأصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة للرب من الثيران" [5].

ليس فقط يقوم الشعب بدور إيجابي في الحياة الكنسية، وإنما أعطى موسى إهتمامًا بالفتيان الذين أرسلوا لإصعاد محرقات وذبائح سلامة للرب. فدور الفتيان لا يقف عند الإستماع والطاعة لكنهم يحملون عملاً أساسيًا في حياة الكنيسة.

الله يطلب محرقات الحب وذبائح السلامة منك في أيام شبابك، لذا يقول الكتاب: "أذكر خالقك في أيام شبابك" (جا 12: 1).
5. روح التلمذة:

"قام موسى ويشوع خادمه، وصعد موسى إلى جبل الله" [13].

رأى القديس أمبروسيوس في التصاق يشوع بموسى صورة حية للتلمذة، فإن القائد الناجح هو الذي يُقدم للكنيسة تلاميذ للرب، ويعرف نجاحه بعد رحيله إن كان قد ترك من يكمل الرسالة الإلهية أم انتهى عمله برحيله.

يقول القديس أمبروسيوس عن يشوع: [كان ملاصقًا لموسى الطوباوي في كل موضع، وسط كل الأعمال العجيبة والأسرار الرهيبة... ما أجمل الوحدة بين الشيخ والشاب. أعطى الأول شهادة (لوحي الشريعة) وقدم الآخر راحة (أرض الموعد). قدم الواحد قيادة والآخر سعادة... أحدهما تحكم في البحر والآخر في السماء (يشوع 10: 12)[328]].
6. العمل بروح الصلاة مع الحكمة:

التصق هرون بحور[329]، فكانا يعملان معًا حين كانا يسندان يديّ موسى أثناء حرب يشوع ضد عماليق (17: 12)، وها هما يعملان الآن في القضاء لدعاوي الشعب أثناء غياب موسى.

هرون يمثل الكهنوت، أما حور فهو من سبط يهوذا جد بصلئيل الذي قال عنه موسى: "دعا الرب بصلئيل بن أوري بن حور... وملأه من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة" (خر 35: 30-31). فكأن حور يمثل الحكمة الإلهية. فإن كان موسى يبسط يديه كان يمثل الصليب، فإن هذا الصليب قام على عمل المسيح الكهنوتي وحكمة الله لخلاصنا. هنا أيضًا في غياب موسى يترك هرون وحور للقضاء في دعاوي الشعب، وكأن الكنيسة يلزمها في رعايتها للشعب أن يجتمع العمل الكهنوتي المملوء حنوًا وترفقًا مع الحكمة في التدبير.
7. التقديس بالدم:

لا يمكن أن يقدم العمل الكنسي إلاَّ خلال المذبح والذبيحة، لهذا بكر موسى في الصباح وبنى مذبحًا في أسفل الجبل واثنى عشر عمودًا لأسباط إسرائيل الاثنى عشر، فلا وجود لهذه الأسباط إلاَّ خلال المذبح... ولا تقديس لهم إلاَّ برش نصف الدم على المذبح والنصف الآخر على الشعب. خلال دم الذبيحة الحقيقية، دم السيد المسيح يدخل الشعب إلى الأقداس، وكما يقول معلمنا بولس الرسول: "فإذ لنا أيها الأخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع، طريقًا كرسه لنا حديثًا حيًا بالحجاب أي جسده، وكاهن عظيم على بيت الله. لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشه قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي..." (عب 10: 19، 21).
8. ربط الحياة السماوية بالواقع الزمني:

ظهر لهم الرب وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة [10]، كأن الله أراد من العاملين في الكنيسة جميعًا أن يحملوا الطبيعة السماوية والفكر السماوي، لكن دون تجاهل لواقعهم الزمني واحتياجات أجسادهم، إذ يكمل الكتاب قائلاً: "فرأوا الله وأكلوا وشربوا" [11].

هكذا يليق بنا كخدام الله أن نراه ونتشبه له ونحمل أفكاره فينا، دون أن نتجاهل أحتياجات جسدنا الضرورية من مأكل ومشرب في حضرة الرب!!!
9. موسى على الجبل أربعين يومًا:

تحدثنا قبلاً عن السحاب وظهور مجد الله كنار آكلة، لكننا لننظر الآن إلى موسى وهو على الجبل "أربعين نهارًا وأربعين ليلة" [18].

يرى القديس أغسطينوس أن رقم 40 يُشير إلى كمال حياتنا الأرضية أو الزمنية، وكأنه يليق بالمؤمن أن يقضي كل أيام حياته على جبل الله، أي في شريعة الله ووصاياه، يتأمل مجد الرب وينعم باللقاء معه وجهًا لوجه. وكما صام موسى الأربعين يومًا هكذا يعيش المؤمن الحقيقي في حياة الزهد كل أيام غربته، ليس من أجل الزهد في ذاته إنما لأجل ارتفاع قلبه لحياة الشركة مع الله والتطلع المستمر له. أو بمعنى أدق نقول مع العلامة ترتليان: [صام موسى وإيليا أربعين يومًا وعاشا على الله وحده[330]]، أي صار طعامهما المشبع!


+ إقرأ إصحاح 24 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 25 جـ1 PDF Print Email

التابوت والمائدة والمنارة


1. بين الخيمة والكنيسة والسماء.

2. تقدمات المسكن                   [1-9].

3. التابوت                           [10-22].

4. مائدة خبز الوجوه                 [23-30].

5. المنارة وسرجها                  [31-39].
1. بين الخيمة والكنيسة والسماء:

سبق أن أصدرنا مجلدًا خاصًا بدراسة مبنى الكنيسة[331]، وتطوره من الفردوس حيث وُجد أبوانا الأولان حتى عبورنا إلى المدينة السماوية والدخول إلى قدس الأقداس الأبدي. تحدثنا فيه عن علاقة المبنى الكنسي بالجماعة الكنيسة والعبادة الليتروجية وحياة المؤمن الداخلية، كما تحدثنا عن تفاصيل محتويات المبنى وعلاقتها بما أحتوته خيمة الإجتماع والهيكل القديم على ضوء الفكر الإنجيلي وكتابات الآباء الأولين. لهذا أجد نفسي ملتزمًا بالإشارة إلى ضرورة الرجوع لهذا البحث لتكملة ما سأشير إليه أثناء تعرضنا للخيمة ومحتوياتها، منعًا من التكرار.

الآن، إذ نعود إلى الأصحاح الخامس والعشرين من سفر الخروج نرى موسى النبي وقد انفصل عن معوقات الرؤيا الإلهية إرتفع على جبل المعرفة المقدسة، فقدمت له الوصايا الإلهية والشريعة، والآن يقدم له الرب رؤيا جديدة هي "المقدس السماوي" الذي ليس من صنع إنسان، فيه يسكن الله مع خليقته المحبوبة لديه، وقد طلب منه أن يصنع ظلاً لصورة هذا المقدس. مثالاً له للذين هم عند سفح الجبل، لكي يسكن الله فى وسطهم ويهيئهم للدخول إلى المقدس السماوي. بمعنى آخر جاءت خيمة الإجتماع ظلاً لصورة السماء عينها حتى يجتاز الشعب إلى العهد الجديد فيدخلون صورة السماء أو عربونها، وأخيرًا ينطلقون في الحياة الأبدية إلى كمال المسكن السماوي.

هذا ما عبر عنه الأب ميثوديوس إذ قال: [تنبأ اليهود عن حالنا، أما نحن فنتنبأ عن السمويات؛ حيث أن الخيمة هي رمز للكنيسة، وأما الكنيسة فهي رمز السمويات[332]].

كما يقول: [أمر العبرانيون أن يزينوا الخيمة كمثال للكنيسة، حتى يستطيعوا خلال المحسوسات أن يعلنوا مقدمًا صورة الأمور الإلهية. فإن المثال الذي ظهر لموسى في الجبل، والذي التزم به عندما أقامها كان نوعًا من التمثيل الحقيقي للمسكن السماوي الذي نراه الآن بأكثر وضوح مما كان قبلاً خلال الرموز، لكنه يحسب قاتمًا عندما نرى الحقيقة كما هي. لأنه حتى الآن لا تسلم الحقيقة للبشرية كما هي في الحياة الحاضرة، لأنها لا تقدر على رؤية الأمور الخالدة النقية، كمن لا يستطيع التطلع إلى أشعة الشمس.

أُعلن لليهود ظلال صورة السمويات، فنالوا ثلث الحقيقة؛

أما نحن فعاينا صورة النظام السماوي،

ولكن بعد القيامة فتتمثل الحقيقة واضحة عندما نرى المسكن السماوي، المدينة التي صانعها وباركها الله (عب 11: 10)، نراها وجهًا لوجه وليس في الظلمة ولا خلال جزيئيات (1 كو 13: 12)[333]].

هذا ما كشفه لنا الرسول بولس في سفر العبرانيين عندما إقترب بالروح إلى الخيمة في خشوع وإجلال ليراها "شبه السمويات وظلها" (عب 8: 5)، تعلن أسرار عمل الله وسط شعبه، أمور لا يصوغ له أن يتكلم عنها بالتفصيل (عب 9: 5).
2. تقدمات المسكن:

طلب الله من موسى أن يسأل الشعب لكي يقدم كل إنسان حسبما يسمح قلبه (خر 35: 5)، أي قدرما تسمح محبته يساهم في التقدمة التي تستخدم في صنع "المقدس" الذي يسكن فيه الرب وسط شعبه: "من كل من يحثه قلبه تأخذون تقدمتي. وهذه هي التقدمة التي تأخذونها منهم: ذهب وفضة ونحاس واسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى وجلود كباش محمرة وجلود تخس وخشب سنط وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصدرة" [3-7].

ما هي هذه المواد التي نُساهم بها في المبنى الذي يصير في ملكية الله وفيه يجتمع الله معنا؟

لنأخذ أمثلة من هذه المواد ونتفهم معانيها الروحية:

أ. الذهب: يرى العلامة أوريجانوس أن الذهب هو الإيمان الذي يجعل من القلب سماءً، لذا يُشير الذهب إلى السمويات، كما يُشير إلى القديسين بكونهم سماء يسكن الله في قلبهم.

يقول: [إن آمنت تقدم قلبك وعقلك ذهبًا!... لأجل ذلك فإن موسى وهو يمثل الناموس الروحي يعلن "خذوا من عندكم" (35: 5). إن كنتم تستطيعون أن تأخذوا هذه الأشياء من عنكم، فهي إذن في داخلكم. تستطيع أن تقدم للرب شيئًا من مشاعرك، ومن كلماتك... الخ[334]].

ويرى الأب ميئوديوس أن الذهب يُشير إلى حياة البتولية، إذ يقول: [لقد أمر بالذهب (أن تصنع منه أدوات داخل قدس الأقداس) لسببين: أولاً أنه لا يصدأ، وثانيًا أن لونه إلى حدما يُقارب من لون الشمس. بهذا فهو يناسب البتولية التي لا تحمل شيئًا دنسًا أو غضنًا إنما تشع دائمًا بنور الكلمة. خلالها نقف قريبين من الله، داخل قدس الأقداس وأمام الحجاب بأيد غير دنسة كالبخور، نقدم الصلوات للرب رائحة ذكية مقبولة، في مجامر الأربعة وعشرين قسيسًا (الذهبية) التي هي صلوات القديسين[335]].

ب. الفضة: إن كان الذهب هو الإيمان القلبي، فإن الفضة هي كلمة الكرازة، لأن كلمة الله كالفضة مصفاة سبع مرات.

وإن كان الذهب يُشير إلى البتولية فالآباء يرون في الفضة إشارة إلى عفة الزواج.

ج. النحاس: يُشير إلى الصبر أو القوة. فالسيد المسيح، ظهرت يداه حلقتان من ذهب (نش 5: 14)، لأن أعماله سماوية، أما رجلاه فشبه النحاس النقي كأنهما محميتان في أتون (رؤ 1: 15)، بهما ندُكّ كل أشواك هذه الحياة وضيقات بلا خوف!

د. الخشب الذي لا يسوس: يُتشير إلى العلم أو العفة التي لا تشيخ[336] ولا تفسد.

ه . البوص (الكتان) المبروم: إذ يُشير البوص إلى الجسد، فكونه مبرومًا أي تحت الضبط والقمع[337]، كقول الرسول "أُقمع جسدي وأستعبده" (1 كو 9: 27). فكل جهاد لضبط الجسد والتحكم فيه في المسيح يسوع هو تقدمة لبيت الرب.

و. القرمز: أن كان الحبل القرمزي الذي أنقذ حياة راحاب وكل بيتها (يش 2: 18) يُشير إلى دم السيد المسيح المخلص، فإن القرمز الذي نقدمه هو شهادتنا له حتى الدم، إذ يقول الرسول "من أجلك نمات كل النهار"؛ كان القرمز يُشير إلى الإستشهاد سواء بسفك دم المؤمنين في عصور الإستشهاد أو حياة الإماتة اليومية من أجل الرب.

ز. الأرجوان: إن كان الأرجوان هو لباس الملوك، لذا عندما أرادوا الإستهزاء بالسيد المسيح كملك ألبسوه أرجوانًا، فإننا نلبس نحن الأرجوان، ثوب الملك، الذي هو "المحبة".

يرى العلامة أوريجانوس أنه يُشير إلى ضياء المحبة[338]، كما يُشير أيضًا إلى النار[339]. فالمسيحي الحقيقي يحمل في قلبه نارًا، هي نار الروح القدس الذي يُنير الطريق، والذي يحرق الأشواك الخانقة للنفس.

أكد السيد المسيح وجود هذه النار في قلوبنا إذ قال: "جئت لألقي نارًا على الأرض، فماذا أُريد لو اضرمت؟!" (لو 12: 39). وفي سفر أرميا يقول الرب: "هأنذا جاعل كلامي في فمك نارًا" (5: 14)، لأنه منقوش في القلب بالروح القدس الناري. لقد تقبل تلميذا عمواس نارًا إلهية عند سماعها كلمات المخلص، إذ قالا: "ألم يكن ملتهبًا فينا إذ كان يشرح لنا الكتب؟!" (لو 24: 32). وقبلت الكنيسة الألسنة النارية في يوم الخمسين (أع 2).

س. شعر المعزى: يُشير إلى الموت عن الخطية (خر 35: 6، لا 4: 23). يقول العلامة أوريجانوس: [تقديمه يُشير إلى تحطيم الخطية، وموتها فيه، فلا تملك بعد في أعضائه[340]].

ش. جلود الكباش: إن كانت المعزى تُشير إلى الخطية، فالكباش تُشير إلى الغضب، فمن يقدم جلودها إنما يعلن أنه قد مات الغضب فيه.

اشتراك الكل فى التقدمة:

يقول العلامة أوريجانوس: [إشتراك كل أحد في التقدمة أمر لا يهمله الرب. يا للكرامة التي تأخذها!... وعلى العكس يا للعار إن اكتشف الرب أنك لم تقدم شيئًا في بناء المسكن! فإنك إن عشت في عدم تقوى وبغير أمانة لا تترك لك ذكرى في مسكن الرب.

عندما يأتي رئيس العالم يبحث في قلوبنا لعله يجد شيئًا ملكًا له فيطالب به، أما الرب فإن وجد في قلبك تقدمة له فإنه يدافع عنك ويقيمك ملكًا.

ربي يسوع، هبني الإستحقاق أن أترك لنفسي ذكرى في مسكنك. فإنني أشتاق أن يكون ليّ نصيب في هذا الذهب الذي يصنع منه المذبح أو يُغطى به التابوت أو الذي تصنع منه المنارة أو السرج، وإن لم يكن ليّ شيء في هذا فهب ليّ الإستطاعة على الأقل أن يكون ليّ نصيب في الفضة التي تقدم للأعمدة أو قواعدها، أو حتى أستحق أن يكون أستحق أن يكون ليّ نصيب في تقديم نحاس المسكن الذي يصنع منه الدوائر والأشياء الأخرى المذكورة في الكتاب المقدس.

ليتني أكون أميرًا فأقدم الحجارة الكريمة للأفود وصدرة رئيس الكهنة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). إن كان ذلك فوق طاقتي لأقدم شيئًا آخر لمسكن الله كشعر المعزى، حتى لا أوجد عقيمًا بلا ثمر[341]!].

في الأصحاح الخامس والثلاثين يشهد أن الرجال والنساء جاءوا إلى موسى بتقدماتهم... الأمر الذي نتحدث عنه في حينه إن شاء الرب وعشنا.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 25 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 25 جـ2 PDF Print Email

3. التابوت:

كنا نتوقع في سفر الخروج أن يحدثنا بعد الدعوة للإشتراك في تقدمات بناء الخيمة أن يحدد أبعاد الخيمة ومواد بنائها وأقسامها وأخيرًا الأثاث الذي فيها، لكننا هنا نجده يبدأ بالحديث عن بعض أثاثها قبل حديثه عن الخيمة نفسها. فيحدثنا في هذا الأصحاح عن تابوت العهد ومائدة خبز الوجوه والمنارة، ولعله بهذا أراد أن يبدأ بالحديث عن أقدس الأمور في أقدس موضع في ذلك الحين؛ هذه الأشياء الثلاثة إنما تمثل سرّ حلول الله وسط شعبه (التابوت) وسرّ شبعهم بالله (مائدة خبز الوجوه) وسرّ استنارتهم به (المنارة الذهبية).

جاء الحديث عن هذه الأمور الثلاثة قبل الحديث عن المنارة نفسها وبعد استلام الوصايا العشر والشريعة، وكأن الله أراد بهذا أن يقدم لشعبه الإمكانيات التي تسندهم في تنفيذ هذه الوصايا الإلهية، لأن الإنسان بإرادته الحرة وحدها لا يقدر أن ينفذ الوصايا الإلهية، لكنه في حاجة إلى التابوت الذي هو حلول الله نفسه داخل القلب، ومائدة خبز الوجوه التي هي الشبع بخبز الملائكة، وبالمنارة التى هي الإستنارة بالروح القدس. بهذا ليس فقط تصير الوصايا ممكنة التنفيذ، لكنها تصبح طبيعية في حياة أولاد الله ومفرحة لنفوسهم.

والآن نتحدث عن تابوت العهد:

شكل التابوت ومادته:

يسمى بالعبرية "عارون"، وتعني الكلمة "صندوق". فقد كان أشبه بصندوق طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف وارتفاعه ذراع ونصف، مصنوع من خشب السنط ومغشى بصفائح ذهبية خالصة، من الداخل ومن الخارج [11]. يحيط برأسه إكليل من ذهب. فوقه غطاء من الذهب الخالص يسمى "كابورت"؛ هذا الاسم مشتق من "كافار" التي تعني "يغطي"، وكما تعني "يكفِّر". ويسمى أيضًا كرسي الرحمة حيث كان يمثل عرش الله المملوء حنوًا نحو أولاده. وفوقه كروبان، واحد من كل طرف، وهما من الذهب الخالص، يظللان الغطاء، باسطين أجنحتهما إلى فوق، ووجهاهما كل واحد نحو الآخر. وعلى كل من الجانبين حلقتان ذهبيتنان لكي يدخل في كل حلقتين عصا من خشب السنط المغشاه بالذهب، تُستخدم لحمل التابوت. وكان المنوط بحراسته وحمله بنوقهات من اللأويين (عد 3: 29-31).

تاريخ التابوت وعمله:

كان تابوت العهد يمثل الحضرة الإلهية، إذ يقول الرب: "وأنا أجتمع بك هناك وأتكلم معك على الغطاء من بين الكروبين اللذين على تابوت الشهادة بكل ما أوصيك به إلى بني إسرائيل" [22].

بهذا كان التابوت يسير أمام الشعب يتقدمه عمود السحاب نهارًا وعمود النار ليلاً، وكان متى حمل يُقال: "قم يا رب فلتتبدد أعداؤك ويهرب مبغضوك من أمامك"، وإذا حلّ في موضع يُقال: "إرجع يا رب إلى ربوات ألوف إسرائيل" (عد 10: 33-36).

عندما عبر الشعب الأردن حمل التابوت أمامهم فانشق النهر (يش 3: 14-17)، ثم بقى مدة في الخيمة في الجلجال، نقل بعده إلى شيلوه حيث بقى ما بين ثلاثة قرون وأربعة (إر 7: 12-15). وبسبب شر إبني عالي الكاهن وقع التابوت في يديّ الفلسطنيين في أفيق (1 صم 4) وجاؤا به إلى أشدود ووضعوه بجوار صنم داجون (1 صم 5: 2) فحلت بهم البلايا واضطروا إلى إرجاعه، فوضع في قرية يعاريم (1 صم 6: 7)، ثم نقله داود النبي إلى أورشليم، حتى بنى الهيكل (2 صم 6: 1-15، أي 15: 25-29).

التابوت والمذبح المسيحي[345]:

لا يُشير تابوت العهد إلى الحضرة الإلهية فحسب، وإنما يُشير إلى عمل الله الخلاصي خلال ذبيحة العهد، لذا جاء المذبح يكمل ما هدف إليه التابوت في كل تفاصيله ومحتوياته، نذكر على سبيل المثال:

أ. كان التابوت مصنوعًا من خشب السنط، إشارة إلى الصليب الخشبي، سرّ اتحادنا مع الله وعلة دخولنا إلى مقدساته الإلهية.

ب. مغشى بالذهب الخالص من الداخل والخارج، مع أن الداخل غير ظاهر للعيان، لكي يعمل عمل الذبيحة في أعماقنا الداخلية كما في تصرفاتنا الخارجية، فنحيا بروح سماوي (ذهبي).

ج. يحيط برأسه إكليل من الذهب، علامة دخولنا إلى الأمجاد السماوية خلال المذبح الإلهي.

د. يظلل الغطاء كروبان، علامة إنفتاحنا على الخليقة السماوية وشركتنا مع السيرافيم والكاروبيم في تسابيحهم وليتروجياتهم.

و. ظهور السحاب بين الكروبين وتراءي الله هناك وسماع صوته، وظهور لون أزرق (سماوي) عند الكروبين... هذا جميعه عن اسخاتولوجية (أخروية) ليتروجيتنا في المذبح الجديد، واتسامها بالطابع السماوي.

ز. يوجد في داخل التابوت لوحا العهد اللذان يشيران إلى كلمة الله الخلاصية التي نتقبلها خلال العمل الذبيحي، ووعاء المن الذي يُشير إلى جسد الرب المقدس، وعصا هرون التي تُشير إلى العمل الرعوي الكنسي وإرتباطه بالذبيحة.

التابوت والكنيسة:

حينما أتكلم عن الكنيسة لا أستطيع أن أفصل الكنيسة الجامعة عن كنيسة القلب إذ أن الأخير عضو في الجماعة المقدسة الكلية... وقد جاء التابوت يحمل رمزًا لهذه الكنيسة الواحدة، كنيسة الجماعة المقدسة، وكنيسة القلب.

يقول القديس جيروم: [يليق بعروس المسيح أن تكون كتابوت العهد مغشى بالذهب من الداخل والخارج، وأن تكون حارسة لشريعة الله (للوحي الشريعة)، وكما أن التابوت لا يحوي سوى لوحي الشريعة[346] (1 مل 8: 9) هكذا يليق بك ألاَّ يكون في ذهنك شيء خارج الشريعة إذ يُسر الله أن يجلس في ذهنك كما جلس على كرسي الرحمة والكاروبين[22]"[347]].

وإن كان التابوت يمثل الكنيسة، فهو يمثل أيضًا القديسة مريم العذراء بكونها حاملة للسيد المسيح، والعضو الأمثل في الكنيسة المقدسة.

لقد سبق فتحدثنا بأكثر تفصيل عن مدى التشابه بين تابوت العهد والقديسة مريم، إنها مغشاه بالبتولية (الذهب) الروحية والجسدية، من الداخل والخارج. وكما كان التابوت يبعث في الشعب فرحًا حتى رقص داود أمامه (2 صم 6)، هكذا زيارة القديسة مريم الحاملة للسيد في أحشائها أبهجت الجنين يوحنا المعمدان في أحشاء أمه فرقص (سكيرتان) بابتهاج[348]!.
4. مائدة خبز الوجوه:

كانت مائدة خبز الوجوه مصنوعة من خشب السنط، طولها ذراعين وعرضها ذراعًا واحدًا وارتفاعها ذراعًا ونصف؛ وكانت مغشاه بالذهب، وعلى حافتها العليا إكليل ذهبي. وبها أربعة حلقات ذهبية عند أطرافها ليوضع فيها عصوان لحملها.

وكانت الصحاف تستخدم في إحضار الخبز إلى المائدة ورفعها عنها، أما الصحون فتحوي البخور (لا 24: 7)، ويوضع في الكاسات الخمر للتقدمة، وتستخدم الجامات في صب الخمر وسكبه.

توضع مائدة خبز الوجوه في القدس بجوار الحائط الشمالي، أي عن يمين الداخل في الخيمة (خر 40: 22). وقد وُجد في هيكل سليمان عشر موائد حبز وجوه، كما وجد به عشر منائر ذهبية، لكنه يبدو أنه لم يكن يستخدم إلاَّ مائدة واحدة في وقت واحد، كما لا تستخدم إلاَّ منارة واحدة في وقت واحد (2 أي 4: 8، 19؛ 3: 11).

أما الهيكل الثاني فمائدته أخذها أنطيخوس أبيفانيوس، وقام يهوذا المكابي بعمل مائدة أخرى عوضًا عنها ( 1مك 22؛ 4: 49-51).

مصطلحات خبز الوجوه:

هناك مصطلحات كثيرة لهذا الخبز[349]، حملت معانٍ روحية تخص علاقتنا بالله، فهو يسمى خبز الوجوه Showbread, Shewbread أو خبز الخضرة Bread of Presence ( خر 25: 30؛ 35: 13)، والترجمة الحرفية للتعبير العبري هو خبز الوجه Bread of (the) face يُشير إلى وجود هذا الخبز أمام الله وفي حضرته. وكأن الله ملتزم شخصيًا باشباع احتياجات شعبه، لذلك كان عدد الخبز اثنى عشر علامة تعهده باشباع كل شعبه (جميع الأسباط). كما أن رقم 12 يُشير أيضًا إلى أشهر السنة، كأن الله يتعهد بإشباع شعبه طوال العام، لهذا يسمى "الخبز الدائم" (عد 4: 7)، كما يدعى "خبز الوجوه الدائم التقدمة" (2 أي 2: 4)... وكأن الديمومة هنا أيضًا تُشير إلى تقديمه بغير انقطاع، علامة وجود عهد دائم بين الله وكل الجماعة لا يتوقف. كما يسمى "الخبز المقدس" (1 صم 2: 14)، فلا يأكله إلاَّ الكهنة المقدسين للعمل، يأكلونه في الخيمة يوم السبت (الراحة) بعد أن يوضع خبز جديد ساخن، وكأنه لا يُشير إلى شبع مادي جسداني، لكنه يُشير إلى الشبع الروحي اللائق بحياة القداسة، يؤكل يوم السبت، أي يوم الراحة، كأنه يخص الراحة الأبدية!

طقس الخبز:

لهذا الخبز طقس دقيق جاء في اللاويين (24: 5-9)، فكان يصنع كل سبت حيث لا يجوز العمل، لأنه يُشير إلى الخبز السماوي الذي ليس من هذا العالم (أي المسيح نفسه السماوي)، يقدم على المائدة الذهبية ساخنًا، تأكيدًا لسمته السماوية وقلبه الملتهب حبًا لإشباعنا. يوضع الخبز على صفين أو جهين، ويوضع بخور فوق كل صف. وكما يقول يوسيفوس المؤرخ: [إنه كان يُقدم بخور على كاسات ذهبية[350]، يحرق يوم السبت[351]].

يرى يوسيفوس أن هذا الخبز كان فطيرًا بلا خمير[352]. كل خبزة عبارة عن عشرى إيفة من الدقيق الفاخر، الذي كان يستخدم لتقديمه للضيوف أصحاب الكرامة، وعلى مائدة الملك (تك 18: 6، 1 مل 4: 22)، كما كان يستخدم في بعض التقدمات.
5. المنارة وسرجها:

وضع الرب تصميمها وحدد مادتها ومقاييسها. بلغ ارتفاعها ستة أقدام، وتتكون من قاعدة وساق وست شُعب، تزينت كاسات وعجر وأزهار وملاقط ومنافض، كلها من الذهب تحمل سبعة أسرج، تضاء بزيت نقي جدًا، طول المساء (خر 25: 31؛ 37: 17، لا 24: 4، عدد 8: 2). كانت الملاقط الذهبية تستخدم في إصلاح الأسرجة، أما المنافض فتوضع فيها الأشرطة المحترقة.

لم تكن المنارة لمجرد الإضاءة فحسب، وإنما كانت جزءًا لا يتجزأ من الطقس التعبدي، لها مفاهيمها اللاهوتية الروحية. فالنور يذكرنا بالله الذي أوجده كأول أعمال خلقته (تك 1: 3) في النور يسكن الله (تك 24: 10)، وبه يلتحف (مو 10: 42). هو نور شعبه (إش 10: 27)، يضيئ عليه بمجيئه لخلاصه (إش 9: 2)، كما يضيئ على الأمم والشعوب (إش 42: 6، 49: 6)، ليحولهم من أبناء الظلمة إلى أبناء النور. لهذا ففي طقس العماد إذ يجحد طالب العماد الشيطان ينظر إلى الغرب، إشارة إلى مملكة الظلمة التي لإبليس، وإذ يعترف بعمل الله الخلاصي ينظر إلى الشرق، إشارة إلى مملكة النور التي لله.

وكما أن السيد المسيح هو نور العالم (يو 1: 41، 8: 12) فبإشراقه على تلاميذه جعلهم نورًا للعالم (مت 5: 14، 16)، بهذا نرى الكنائس في سفر الرؤيا في شكل منابر سبع (رؤ 1).

وجود السبعة أسرجة تُشير إلى عمل الروح القدس الناري، الذي يضيئ في الكنيسة ويلهبها بنار الحب الإلهي، يعمل في حياتها السرائرية (خلال الأسرار السبعة) بل وفي كل عمل روحي تمتد إليه يد الكنيسة لكي يعيش المؤمنون في استنارة دائمة.

النور في كنيسة العهد الجديد:

تسلمت الكنيسة عن التقليد اليهودي – التوراة والكتابات وطقوس العبادة – مفاهيم روحية للنور، واستخدمت كنيسة الرسل الأنوار أثناء العبادة، فلا يمكن لسفر أعمال الرسل أن يروي لنا عن وجود مصابيح كثيرة (20: 8) أثناء إقامة الإفخارستيا في ترواس بلا معنى، فلو إنها لمجرد الإضاءة، لكان هذا الامر طبيعيًا لا حاجة لذكره، لكن الكنيسة المسيحية منذ بدء انطلاقها رأت في الإضاءة طقسًا روحيًا يمس حياة العابدين. وقد سلكت الكنيسة بهذا الروح، فنجد الشاعر الأسباني Prudentius فى القرن الرابع يتحدث عن السرج المنيرة داخل الكنيسة وقد انعكست أضواؤها على زجاج الكنيسة النقي وكأنها السموات قد تلألأت بالنور. وفي نفس القرن قدم الأب بولينوس أسقف نولا شهادة مشابهة عن استخدام الأنوار أثناء العبادة.

سبق أن تحدثنا عن السراج المنير في الشرقية ليل نهار وكأنه نجم المشرق الذي ظهر للمجوس ليدخل بهم إلى المسيا المخلص[353]، وعن الشمعدانين حول المذبح وكأنهما الملاكان المرافقان لجسد السيد في القبر واحد عند الرأس والآخر عند القدمين[354]، والسراج التي تضيئ أمام أيقونات القديسين إذ صار القديسون بالمسيح يسوع ربنا نورًا في العالم وكواكب مضيئة في الفردوس.

في القداس الإلهي حسب الطقس البيزنطي يبارك الأسقف الشعب بشمعة ذات فرعين dikri أو ثلاثة فروع trikri[355]، أما في الطقس القبطي فيبارك الكاهن الخادم الشعب بالصليب يرافقه ثلاث شمعات أثناء رفع البخور وطلب الرحمة من الله. أثناء قراءة الإنجيل تضاء كل أنوار الكنيسة كما يحمل شماسان شمعتين عن يمين الإنجيل وعن يساره، كقول المرتل "كلامك سراج رجلي ونور لسبيلي" وإشارة لعمل الإنجيل في إنارة العالم[356]. وتستخدم الأنوار – المصابيح والمشاعل- كجزء من طقس صلاة الجنازات، كما جاء في أعمال إستشهاد القديس كبريانوس[357]، ووصف جنازة القديسة ماكرينا أخت القديس غريغوريوس أسقف نيصص[358]، وجنازة الإمبراطور قسطنطين[359]، إشارة إلى عبور النفس الراحلة إلى النور السماوي والفرح الإبدي.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 25 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 26 جـ1 PDF Print Email

خيمة الإجتماع

يروي لنا سفر الخروج أن الله أظهر لموسى مسكنًا ليقيم مثالاً له (خر 25: 9)، أي أظهر له الحقيقة لكي يصنع لها رمزًا على شبه الحقيقة. وقد أكد سفر الأعمال (7: 44) والرسالة إلى العبرانيين (8: 5، 9: 23) أنه رأى نموذجًا حقيقيًا. هذا يعني شيئًا واحدًا هو ان الله قد أراد أن تكون جميع تفاصيل المبنى ودقائقة ليست أمورّا للزينة بل رمزًا يعلن حقيقة واقعية وإشارة تتنبأ بحقيقة روحية مقبلة[360].

ولما كان موضوع خيمة الإجتماع قد شغل أكثر الأصحاحات الباقية من السفر لهذا رأيت تقديم فكرة مبسطة عنها من جهة أسمائها وأبعادها وأقسامها وموادها وأثاثاتها، تسند القارئ في فهم هذه الأصحاحات.


أسماء الخيمة:

1. المسكن [1]، لأن الله أمر موسى أن يقيمها لكي يسكن في وسطهم (خر 25: 8-9).

2. مسكن الشهادة (38: 21)، أو خيمة الشهادة (أع 7: 44) إذ يودع فيها كأمر أساسي تابوت العهد الذي يحوي لوحي الشهادة، وكأن الخيمة في جوهرها جاءت كشهادة عملية للعهد الذي أقامه الله مع شعبه، نقشه بأصبعه على لوحي الشهادة.

3. خيمة الإجتماع: دعيت هكذا ليس لأن الشعب يجتمع معًا فيها، وإنما لأن الله نفسه يجتمع مع شعبه خلالها (33: 7)، ليؤكد رعايته للشعب وحفظه لعهده معهم.

4. بيت الرب (خر 34، يش 6: 24)، إنه ليس مجرد موضع لقاء، لكنه المكان الذي يقدمه الشعب لله كتقدمة، فيتقبله الله مالئ السماء والأرض ليجعله في ملكيته بيتًا خاصًا له، هذا الذي لا يسكن في بيت، حتى يدخل إليه رجاله وأولاده كمن يدخلون السموات مسكن الله!


أبعاد المسكن:

كانت الخيمة على شكل متوازي مستطيلات، طوله 30 ذراعًا وعرضه 10

أذرع، وارتفاعه 10 أذرع، والمدخل في الشرق. يقوم الجانبان والمؤخرة على 48 لوحًا، عشرون لوحًا من كل جانب وثمانية ألواح في المؤخرة. طول اللوح عشرة أذرع وعرضه ذراعًا ونصف، مغشي بالذهب. لكل لوح طرفان من الفضة يدخلان في قاعدتين من الفضة. وكانت الألواح موصلة بعوارض من خشب السنط مصفحة بذهب تنفذ بحلقات  ذهبية [15-30].

المدخل في الشرق مفتوح لكنه مغطى بشقة (حجاب) من الكتان المبروم والأسمانجوني والأرجوان والقرمز، معلقة على خمسة أعمدة مغطاة بالذهب ومستقرة على قواعد من نحاس.


أقسام المسكن:

ينقسم المسكن من الداخل إلى قسمين بأربع أعمدة متشابهة تثبت على أساسات من فضة ومعلق عليها حجاب [31-32، 37] عبارة عن شقة مطرزة من أعلى المسكن إلى أسفله، من الكتان المبروم والأسمانجوني والأرجوان والقرمز، وعليها الكاروبيم برسم حاذق.

يسمى القسم الغربي قدس الأقداس، وهو أشبه بمكعب كل ضلع فيه طوله عشرة أذرع، يحوي في داخله تابوت العهد.

أما القسم الشرقي فيسمى القدس، أبعاده عشرون ذراعًا في الطول، وعشرة أذرع عرضًا، وعشرة أذرع إرتفاعًا (خر 26: 16، 18، 22-24)، يحوي مائدة خبز الوجوه على يمين الداخل للقدس، ويقابلها على اليسار المنارة الذهبية، وبينهما مذبح البخور الذهبي قبالة تابوت العهد (في قدس الأقداس).


مادة الخيمة وأغطيتها:

1. الخيمة في حقيقتها عبارة عن ستارة ضخمة تغطي السقف والجانبين والمؤخرة، لكنها لا تصل إلى الأرض بل ترتفع على الأرض ذراعًا واحدًا من الجانبين. هذه الستارة تتكون من عشر قطع من الكتن المبروم والأسمانجوني والأرجوان والقرمز مطرزة بالكاروبيم، طول الشقة 28 ذراعًا[361] وعرضها أربعة أذرع، موصلة في شكل شقتين، كل خمس شقق موصولة معًا. شقة منهما تمثل السقف وثلاثة جوانب قدس الأقداس، والأخرى تمثل سقف القدس وجانبيه. وتوصل الشقتين معًا خلال خمسين عروة من الأسمانجوني في كل منهما، تُربط العرى معًا خلال شظاظٍ من الذهب، فتصير كأن الخيمة كلها قطعة واحدة.

2. يصنع الغطاء الرئيسي للخيمة من شعر المعزى، ويتكون من 11 ستارة ضيقة كل منها 30 ذراعًا × 4 أذرع، بهذا يزيد طول الغطاء عن الستارة الداخلية ذراعين، أي ذراع من كل جانب ليغطي الخيمة حتى الأرض. هذه الستارة أيضًا موصولة معًا في شكل ستارتين، الصغيرة تتكون من خمس ستائر معًا تغطي السقف مع جوانب قدس الأقداس، والكبرى (6 ستائر) تغطي السقف وجوانب القدس مع جزء صغير من المدخل (7: 13).

3. غطاءان آخران من جلود الكباش المحمرة وجلود التيوس لوقاية المسكن من الشمس والمطر.


الدار الخارجية:

يحيط بالمسكن فناء على شكل مستطيل طوله 100 ذراع وعرضه 50 ذراعًا، والمسكن في موقعه يميل إلى الجانب الغربي من الفناء.

يحدد الفناء بعشرين عمودًا من كل جانب، وعشرة أعمدة في العرض، وارتفاعه خمشة أذرع، نصف ارتفاع المسكن. على الأعمدة تعلق شقق من الكتان المبروم. الأعمدة مغطاة بفضة وتستقر على قواعد من نحاس.

المدخل من جهة الشرق، إتساعه عشرون ذراعًا، مغلقًا بستارة من الأسمانجوني والأرجوان والقرمز والكتان المبروم، ومعلقة على أربعة أعمدة (خر 27: 9-18).

في الفناء، خارج المسكن توجد المرحضة وأيضًا مذبح المحرقة.


إقامتها وموقعها:

أقيمت الخيمة في اليوم الأول من السنة الثانية من خروجهم (40: 17)، وقد اشتغل الصناع تسعة أشهر في إقامتها، دشنت بعدها بشعائر دينية.

وكانت تنصب مدة السفر في البرية وسط المحلة، تحيط بها خيام الكهنة واللاويين، ثم خيام بقية الأسباط حواليهم في أربعة أقسام (عدد 2: 2-34).

في اليوم الذي أكملت فيه الخيمة أظهر الله ذاته في سحابة غطتها وملأتها، بعد ذلك تحولت السحابة إلى عمود كان يسير أمام الشعب في رحلاتهم. إذا وقف العمود فوق الخيمة ينزل الشعب، وإذا انتقل نقلت الخيمة وتبع الجمهور السحابة. بالليل كانت السحابة تتحول إلى عمود نار يسير أمامهم (40: 35-38، عد 9: 15-23).

ولما انتهوا من البرية، إستقرت الخيمة في الجلجال (يش 4: 19) ثم نقلت إلى شيلوه (يش 18: 1) وبقيت ما بين ثلاثة وأربعة قرون، ثم نقلت إلى نوب (1 صم 21: 1-9)، وفي أيام الملك داود نقلت إلى جبعون (1 أي 21: 29)، وكانت هناك في بدء حكم سليمان (2 أي 3: 13) حتى بنى الهيكل على نمطها وان يكون في أبعاده ضعفها طولاً وعرضًا وارتفاعًا.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 26 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 26 جـ2 PDF Print Email

الخيمة كرمز للسيد المسيح:

1. المواد التي تصنع منها الشقق هي التي يصنع منها الحجاب الذي يفصل قدس الأقداس عن القدس، وأيضًا ذات المواد التي تصنع منها الستارة التي في مدخل المسكن، وأيضًا ثياب هرون رئيس الكهنة، هي تمثل شخص السيد المسيح من جوانب أربع، وكأن السيد المسيح هو غاية كل هذه الرموز.

أ. الكتان المبروم يُشير إلى الطهارة والنقاوة الكاملة.

ب. الأسمانجوني، لونه سماوي، يُشير إلى كونه من السماء (يو 3: 13).

ج. الأرجوان، لباس الملوك، علامة ملكه (مز 2).

د. القرمز إشارة إلى عمله الخلاصي، بسفك دمه لأجل خلاصنا.

هذا هو الأساس الذي تقوم عليه الخيمة من كل جوانبها، إنها شخص السيد المسيح نفسه الذي فيه يلتقي الأب مع البشرية... إذ فيه تمت مصالحتنا معه!

2. تغطى هذه الشقق الرائعة الجمال بثلاث أغطية:

أ. الغطاء الأول من شعر معزى [7]، غطاء بلا جمال، إذ بقدر ما حمل السيد في اعماقه جماله الإلهي، كان خارجه يحمل أتعابًا وآلامًا. رآه إشعياء النبي بلا جمال وظهر له كأنه مضروب من الله والناس (إش 53)، لكنه هو حمل الله الذي عليه وضعت آثامنا وخطايانا.

ما نقوله عن شخص السيد نقوله أيضًا عن وصاياه وتعاليمه، فوصيته صعبة، طريقها كرب وبابها ضيق، لكن من يدخل إلى الوصية ويمارسها يجد السيد المسيح داخلها يفرح النفس ويهبها لذة فائقة!

وما نقوله عن السيد ووصيته ينطبق أيضًا على تابعيه، فمن يسلك مع المسيح لا يحمل حجالاً خارجيًا، إنما "مجد ابنة الملك من داخل" (مز 45)! من الخارج يحمل المسيحي أتعابًا وآلامًا وفي الداخل أمجادًا وأفراحًا!

ب. جلود كباش محمرة [14] ترمز لطاعة السيد المسيح للآب حتى الموت.

ج. جلود تخس [14] وهي فوق كل الأغطية، إذ ترمز للسمة البارزة في شخص السيد المسيح: ثباته في الشهادة حتى الموت!


الأعمدة والعرائض:

ما هي الأعمدة التي توضع عليها الشقق الموصولة، وما هي العرائض التي تربط الأعمدة معًا؟

يقول العلامة أوريجانوس: [يلزم أن يكون في الخيمة أعمدة، أي المعلمون الذين هو سفراؤها، هؤلاء يقول عنهم الرسول: "... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يعقوب وصفا ويوحنا المعتبرين أعمدة أعطوني وبرنابا يمين الشركة" (غل 2: 9).

في المسكن تجتمع الأعمدة معًا خلال العرائض المساعدة [19]، وذلك كما يتحد المعلمون معًا في الكنيسة.

قواعد الأعمدة من الفضة، لكل عمود قاعدتان... أما الفضة فتعلن عن كلمة الله ونوال موهبة الروح، إذ كلام الله نقي كفضة مصفاة في بوتقة[362].

أساس تبشير الرسل هو الأنبياء (القاعدة)، لأن الكنيسة تقوم على الرسل والأنبياء (أف 2: 20)، وبشهادتهم (الأنبياء) يتقوى الإيمان بالمسيح الذي هو تاج الأعمدة، الذي كما أظن عبّر عنه الرسول قائلاً أن رأس الرجل هو المسيح (1 كو 11: 3). أما العوارض التي تربط الأعمدة فكما رأينا – هي الأيدي المتشابكة خلال الشركة الرسولية][363].

باختصار نقول أن الخيمة وهي ترمز للسيد المسيح، ترمز أيضًا للكنيسة كجسد المسيح الذي على الرسل (الأعمدة) المتحدين بروح الحب والشركة (العوارض) الكارزين بما تنبأ عنه الأنبياء (القواعد الفضة) فهي كنيسة رسولية تسلك بالفكر الرسولي، ولا تتجاهل الناموس والأنبياء، بل تعتمد عليهما بروح إنجيلي.


أعمدة الحجاب وأعمدة المدخل:

يقوم الحجاب الذي يفصل قدس الأقداس عن القدس على أربعة أعمدة، فإن كان هذا الحجاب يمثل عزل الإنسان وحرمانه من الدخول إلى حضرة الله والتمتع برؤيته، فإنه في الحقيقة يمثل حبنا للعالم، أو شهوات الجسد الذي أخذ من التراب (العالم)، لذلك فإن الأربعة أعمدة هنا تُشير للعالم (أربعة جهات المسكونة) أو شهوات الجسد، الأمور التي أنهارت بارتفاع السيد المسيح على الصليب، حيث انشق حجاب الهيكل.

أما ستارة المدخل (السجف) فتقوم على خمسة أعمدة؛ ورقم خمسة يُشير غالبًا إلى الحواس الخمس، فلا دخول إلى المسكن إلاَّ بتقديس الحواس الخمس. لهذا شُبه ملكوت السموات بالخمس عذارى الحكيمات اللواتي حملن مصابيحهن المتقدة، أي لهن الحواس المقدسة والمستنيرة بالروح القدس، أما ملكوت إبليس فشبه بالخمس عذارى الجاهلات اللواتي لهن مصابيح غير موقدة، لأن حواسهن قد انطمست في الظلمة ولم تقدر على الدخول إلى العرس السماوي (مت 25).


الشقق:

الخيمة في جوهرها ستارة ضخمة تتكون من ستارتين متحدتين معًا، كل ستارة تتكون من. خمس شقق، كل شقة طولها 28 ذراعًا وعرضها 4 أذرع؛ هذه الشقق مصنوعة من الكتان المبروم والاسمانجوني والأرجوان والقرمز.

فالستارة الكلية التي تمثل الكنيسة الجامعة، بكونها خيمة المسيح وثوبه، عرضها 28 ذراعًا وطولها 40 ذراعًا (10 شقق × 4 عرض الشقة). هذه الأبعاد ليست بغير معنى، فأن رقم 28 يُشير إلى كنيسة العهد الجديد حيث رقم 7 يمثل الكمال كما رأينا قبلاً[364]، فإن الإنجيل إذ يُكرز به في العالم (4 جهات المسكونة) يكون كنيسة العهد الجديد رمزها 28. أما رقم 40 فتشير لعهد الناموس، حيث يُشير الرقم إلى الوصايا العشر منفذه في هذا العالم (10 × 4)، لذلك صام موسى 40 يومًا إيليا علامة ضرورة النسك كل أيام غربتنا، وأيضًا صام السيد المسيح أربعين يومًا. إذن فالستارة تُشير إلى كمال الكنيسة المتحدة خلال العهدين، القديم والجديد.

ويلاحظ أن الستارة الكلية التي تتكون منها الخيمة في حقيقتها ستارتان متحدتان معًا، كل منهما تتكون من خمس شقق، وكأن الخيمة في حقيقتها هي ثمرة إتحاد شعبين، الشعب اليهودي الذي قدّس حواسه الخمس ليتشبه بالعذارى الحكيمات الخمس، والشعب الأممي الذي قدّس كذلك حواسه الخمس متشبهًا بالعذارى الحكيمات. الشعبان يمثلان خيمة واحدة، هي جسد السيد المسيح المقدس.

تتحد الستارتان معًا خلال خميسن عروة في إحدى الجانبين من كل ستارة [4-5]، ترتبط العرى كلها بواسطة خمسين أشظة ذهبية. إذن فسرّ اتحاد الشعبين معًا هو رقم 50، أي حلول الروح القدس في يوم الخمسين، حيث وحدّ الشعب اليهودي مع الشعوب، معطيًا للتلاميذ موهبة التكلم بألسنة كل شعوب ذلك الزمان ليجتمع الكل معًا بلسان الوحدة والحب وشركة الروح القدس. أما كون الأشظة من الذهب. فذلك لأن سرّ الوحدة الذي يقدمه الروح القدس إنما يتم خلال تمتعنا بالفكر السماوي، إذ لا يوجد في السماء إنشقاق ولا إنقسام إنما وحدة وحب!

أما كون الشقق من الكتان والأسمانجوني والأرجوان والقرمز، فهذا يُشير إلى أن الكنيسة تتمثل بالمسيح يسوع رأسها الذي يرمز له بهذه المواد الأربعة معًا.

الحلقات الذهبية التي تربط الشقق معًا لتكون مشدودة على الأعمدة والعوارض تُشير إلى الإيمان الذي يسند الكنيسة[365].

الأغطية:

الخيمة في جوهرها تتكون من عشر شقق، إشارة إلى الوصية أو الناموس (10 وصايا) وكأن سكنى الله في وسطنا حفظنا لناموسه أو صاياه. بطاعتنا له ندخل فردوسه ونعيش معه كأولاد له.

أما الغطاء الذي من شعر معزى فيتكون من إحدى عشر شقة وليس عشر شقق [7]. وفي رأي القديس أغسطينوس أنه إن كان رقم 10 يُشير للناموس، فإن هناك وصية حادية عشر تعرف ضمنًا هي "حفظ الناموس ذاته"، فرقم 11 يُشير إلى عدم حفظنا للناموس نفسه أو كسرنا له، فإن اعترفنا بهذه الوصية إننا كاسرون للوصيا ننال – في إستحقاقات الدم – غفران الخطايا. بمعنى آخر يظهر من الخارج الإحدى عشر شقة إعلانًا عن ضرورة الإعتراف بخطايانا كشرط للدخول إلى هذا المسكن الإلهي.

ويرى القديس أغسطينوس في إجابة السيد المسيح على الرسول عن عدد المرات التي فيها يغفر لأخيه إنها سبعة وسبعون إشارة إلى كمال الغفران، فالخطايا (كسر الناموس) هو 11. ورقم الكمال 7. فلا نستطيع أن ننعم بكمال مراحم الله اللانهائية ما لم نغفر لإخوتنا كل أخطائهم.

ويلاحظ أن الغطاء أيضًا ينقسم إلى جزئين، إحداهما يتكون من خمس شقق والآخر من ست شقق، في كل جزء من طرف واحد وخمسون عرى، ويرتبط الجزءان معًا خلال العرى بخمسين شظاظًا نحاسيًا.

لعل الغطاءان هنا يشيران إلى العبادة الظاهرة للشعبين اليهودي والأممي، أحدهما له الذبائح الخمس مركز العبادة اليهودية، والشعب الآخر يرمز له في العبادة بالرقم 6، لأنها عبادة أرضية بشرية ناقصة. ففي تفسيرنا للوحش ورقم 666 في سفر الرؤيا قلنا أن رقم 7 يُشير للكمال ورقم 8 يعني الحياة الأخروية أو السماوية بكونها تعدت سبعة أيام الأسبوع ودخلت إلى الأسبوع الجديد أو الحياة الأخرى الجديدة، أما رقم 6 فيُشير إلى عدم الكمال، لذا رقم الوحش 666 أي كله نقص، ليس فيه صلاح. فالعبادة الأممية دخلتها الخزعبلات الشيطانية والأعمال الناقصة. لكن خلال العرى الخمسين، أي خلال عمل الروح القدس الذي حلّ على الكنيسة يوم الخمسين إنتهت الذبائح الموسوية القديمة (الخمس) وانتهت العبادات الوثنية الناقصة، وأعطى الروح القدس شركة إتحاد الشعوب في المسيح يسوع.

هنا الشظاظ من النحاس لأنه على الغطاء وليس من الذهب كما في شقق الخيمة ذاتها، فإن الذهب يُشير للمجد السماوي، يكون في الداخل، عميقًا في النفس، أما النحاس فيُشير إلى الجهاد.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 26 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 27 PDF Print Email

المذبح النحاسي


1. المذبح النحاسي         [1-8].

2. دار المسكن             [9-19].

3. إضاءة المنارة           [20-21].


1. المذبح النحاسي:

إن كنا قد تحدثنا عن المقدسات الداخلية في المسكن، سواء الخاصة بقدس الأقداس (تابوت العهد) أو القدس (مائدة خبز الوجوه والمنارة ومذبح البخور)، فإنه لا عبور إلى المقدسات إلاَّ خلال المذبح النحاسي والمرحضة. المذبح النحاسي إنما يعني سفك دم الحيوانات وتقديمها ذبائح للرب.

يقارن سفر العبرانيين بين المذبح النحاسي الدائم الإتقاد بالنار ليلتهم ذبائح يومية بلا إنقطاع وبين صليب السيد المسيح الذي حمل ذبيحة واحدة في آخر الأزمنة.

بالنسبة للمذبح النحاسي يقول الرسول أن رئيس الكهنة يدخل قدس الأقداس مرة واحدة في السنة، لكن "ليس بلا دم يقدمه عن نفسه وعن جهالات شعبه" (عب 9: 7). دخوله كل عام مرة علامة عجز العمل، وتقديم الذبائح، أو دم الحيوانات، عن خطاياه وجهالات شعبه علامة ضعفه المستمر. أما السيد المسيح، رئيس الكهنة الأعظم، فقد دخل لا إلى رموز المقدسات السماوية أو ظلالها بل إلى السماء عينها، لكن "ليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه، دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداءًا أبديًا" (عب 9: 12). قدم دم نفسه على الصليب فقدم إمكانية على مستوى أبدي، دون تكرار العملية الصليب! فرئيس الكهنة الأول كان يتألم مرارًا بتقديم دم حيوانات كل عام، علامة العجز عن إبطال الخطية أما رئيس الكهنة الجديد فبدم نفسه أبطل الخطية ودخل بنا إلى المقدسات عينها. وكما يقول الرسول "لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقة بل إلى السماء عينها ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا، ولا ليقدم نفسه مرارًا كثيرة كما يدخل رئيس الكهنة إلى الأقداس كل سنة بدم آخر، فإن ذاك كان يجب أن يتألم مراراً كثيرة منذ تأسيس العالم، ولكنه الآن قد أظهر مرة عند إنقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه" (عب 9: 24-27).

هذا عن رئيس الكهنة، أما الكهنة فكان عملهم اليومي "كل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مرارًا كثيرة تلك الذبائح عينها" (عب 10: 11)، ويرى الرسول في تكرار العمل يوميًا علامة عن عجز دم التيوس والعجول عن تطهير النفس بنزع الخطية (عب 10: 11) إنما تقدس إلى طهارة الجسد (9: 13)، أي حملت عملاً رمزيًا، حتى تقوم الذبيحة الواحدة القادرة على تطهير الضمائر (9: 14).

مادة المذبح وأبعاده:

يصنع المذبح من خشب السنط [1] بكونه رمزًا للصليب شجرة الحياة. يُغشى بالنحاس [2] لا الذهب، إذ على الصليب يتقبل الابن ثمن الخطية التي ارتكبناها في ثبات كامل، كالنحاس الذي هو علامة الصبر والمثابرة.

لا نجد للذهب أثرًا خارج المسكن، فإن الأمجاد السماوية تبقى في الداخل، لكننا نجد النحاس والفضة، النحاس [1-4، 6...] لكي نشارك السيد المسيح صبره وآلامه ومثابرته، إذ يظهر في سفر الرؤيا هكذا: "رجلاه شبه النحاس النقي كأنهما محميتان في أتون" (رؤ 1: 15). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). إذ نلبس السيد المسيح يكون لنا النحاس الذي به ندك كل الأتعاب والضيقات ونسير نحو السماء بمثابرة دون تراخٍ. أما وجود الفضة [10-11] فعلامة حاجتنا إلى كلمة الله كسند لنا في جهادنا ومثابرتنا.

المذبح مغشى بالنحس، وجميع آنيته من النحاس، وشباكه من النحاس وحلقاته من النحاس والعصوان لحمله مغشيتان بالنحاس.

طول النحاس خمسة أذرع وعرضه كذلك، وكأن الذبيحة مقدمة لأجل تقديس حواسنا الخمس، لكي نتهيآ للدخول إلى المقدسات الخفية.

رقم خمسة أيضًا يذكرنا بالذبائح والتقدمات التي وردت في سفر اللاويين، عددها خمس، لأن جميعها إنما ترمز لذبيحة الصليب، الأمر الذي سبق لنا شرحه في مقدمة سفر اللاويين.

ارتفاع المذبح النحاسي ثلاثة أذرع، وكأن المذبح لا يُشير إلى الصليب فحسب وإنما يحمل رمز القيامة (رقم 3)، فقوة الذبيحة أنها تدخل بنا إلى الصليب لكي تعبر بنا إلى القيامة، فتقوم أفكارنا وكلماتنا وأعمالنا (رقم 3)، أي نمارس سرّ رقم 3 بالدخول إلى الألم والدفن والقيامة، بهذا يرفعنا المذبح إلى ثلاثة أذرع.


2. دار المسكن:

سبق لنا وصفه فى الأصحاح السابق حيث عرفنا أن طوله 100 ذراع وعرضه 50 ذراعًا، تقوم ستائره الكتانية على ألواح أو أعمدة. عشرون عمودًا من كل جانب من الجانبين، 10 أعمدة في المؤخرة، أما من جهة الشرق فيوجد ثلاثة أعمدة على اليمين وثلاثة أعمدة على اليسار وتقوم ستارة المدخل على أربعة أعمدة.

يلاحظ في دار المسكن أنه لا وجود أيضًا للذهب، إنما تقوم الأعمدة على قواعد نحاسية، اما رززها وقضبانها فمن الفضة، لينطبق عليها ما قلناه عن المذبح النحاسي.

الستائر جميعها (فيما عدا ستارة الباب) من الكتان المبروم فقط، تقوم على أعمدة طول كل منها خمس أذرع، وكأن الدار الخارجية أرادت أن تركز على الطهارة (الكتان) والنقاوة القائمة على أعمدة المثابرة الدائمة والمتكئة على كلمة الله (الفضة). أما طول العمود فيُشير إلى ضرورة النقاوة في كل الحواس الخمس.

لم يكن ممكنا أن تكون ستارة الباب من الكتان وحده، بل من الأسمانجوني والأرجوان والقرمز مع الكتان، لأنه لا دخول إلى حياة الطهارة (الكتان) ولا قدرة على المثابرة (النحاس) ولا فهم لكلمة الله (الفضة) إلاَّ من خلال السيد المسيح الذي هو باب الحظيرة.

هذه الستارة التي ترمز لحياتنا في المسيح، أو دخولنا الدار خلال المسيح تقوم على أربعة أعمدة، إذ تتم خلال جهادنا على الأرض في المسكونة (أربعة أركان المسكونة)، لكننا إن تطلعنا يمينًا أو يسارًا نرى ثلاثة أعمدة، كأننا ونحن ندخل بالمسيح هنا على الأرض إلى المسكن الإلهي الروحي يلزمنا أن ندخل بقوة قيامته.


3. المنارة الذهبية:

يؤكد مرة أخرى أن المنارة ليست لمجرد الإضاءة لكنها علامة عهد فيه نتقبل الإستنارة الإلهية، إذ يأمر باستخدام "زيت زيتون مرضوض نقي"، وأن يكون ذلك "فريضة دهرية" [21].


+ إقرأ إصحاح 27 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 28 جـ1 PDF Print Email

الملابس الكهنوتية

1. تقريب هرون وبنيه كهنة         [1].

2. صنع ثياب كهنوتية                [2-5].

3. الرداء                             [6-14].

4. الصدرة                           [15-29].

5. الأوريم والتميم                    [30].

6. الجبة                             [31-35].

7. العمامة                           [36-38].

8. قميص مخرّم (منسوج)           [39].

9. المنطقة والقلنسوة والسروال      [40-43].
1. تقريب هرون وبنيه كهنة:


بعد أن أعلن الله لموسى النبي المسكن السماوي ليقيم له مثالاً هو خيمة الإجتماع، أمره ان يقرب هرون وبنيه كهنة له، فإن العبادة التي ترتبط ببيت الله هي عبادة مصالحة خلالها يظهر عمل السيد المسيح الكهنوتي في مصالحتنا مع الآب، وكما جاءت الخيمة في مجملها وتفاصيلها تشهد للسيد المسيح وعمله الرعوي معنا، فإن الكهنوت بكل تفاصيل ملابسه وطقس عبادته قد حمل صورة رائعة لذات الأمر.

هذا هو مفهومنا للكهنوت اليهودي، إنه رمز لكهنوت السيد المسيح، الكاهن الأعظم وأسقف نفوسنا (1 بط 2: 25)، أما الكهنوت المسيحي فهو إختفاء العاملين في بيته الروحي في هذا الكاهن الأعظم، الذي وحده في حضن الآب قادر بدمه الطاهر أن يشفع فينا ليدخل بنا إلى هذا الحضن الإلهي.

الكاهن المسيحي يعمل لحساب المسيح وباسمه وليس لحساب نفسه[366]. في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يقوم الوكيل بإدارة أمور موكله حسنًا، دون أن ينسب لنفسه ما لموكله، بل على العكس ينسب ما لديه لسيده... أتُريد أن ترى مثالاً لوكلاء أمناء؟ إسمع ما يقوله القديس بطرس الرسول: "لماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي؟!" (أع 3: 12). وعند كرنيليوس أيضًا قال: "قم أنا أيضًا إنسان"... والقديس بولس الرسول لا يقل عنه أمانة في قوله: "أنا تعبت أكثر من جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي" (1 كو 15: 10). وعندما قاوم الرسول أولئك الأشخاص غير الأمناء، قال: "وأي شيء لك لم تأخذه؟!" (1 كو 4: 7) [367]].


2. صنع ثياب كهنوتية:

لا يمكن أن تفهم هذه الثياب الكهنوتية المقدسة إلاَّ من خلال ربنا يسوع المسيح، فإنها صنعت "للمجد والبهاء" [2]، ليس لمجد الكاهن وبهائه الشخصي، وإنما لمجد السيد المسيح الذي يتمثل الكاهن به، يحمل سماته، ويختفي داخله.

سمع أحد الآباء عن نسك القديس باسيليوس أسقف قيصرية وتقشفه فذهب لزيارته، لكنه فوجئ به يلبس ثيابًا فاخرة أثناء التقديس. وإذ ظهر عليه علامات الدهشة إضطر القديس – بإرشاد إلهي – أن يكشف له حقيقة الأمر، أنه يلبس تحتها مسوحًا لكنه يرتدي الثياب الفاخرة من أجل بهاء كهنوت السيد المسيح نفسه!

يقارن القديس يوحنا الذهبي الفم بين بهاء الكهنة في العهد القديم خلال ملابسهم المقدسة وبهاء كهنة العهد الجديد، فيقول: [الأمور الخاصة بعد ما قبل النعمة مرعبة ومخيفة للغاية... مثل الرمان والحجارة التي على الصدرية والأفود والمنطقة والقلانس (وصفيحة) قدس الأقداس... أما من يرغب في اختبار الأمور الخاصة بعهد النعمة فسيجدها قليلة لكنها مخيفة ومملؤة رهبة. أنك ترى (في عهد النعمة) الرب كفدية ملقى على المذبح والكاهن يقف مصليًا للذبيحة وكل المتعبدين يتلمسون ذاك الدم الثمين. إذن هل تتصور – أيها الكاهن – أنك لازلت بين البشر، وأنك مازلت على الأرض واقفًا؟! أنا إجتزت إلى السماء باستقامة، قاطعًا كل فكر جسداني بعيدًا عن الروح؟! ألست أنت الآن بروح مجردة عن الجسد وفي عقل نقي متأملاً الأمور السمائية؟! آه!! يا لها من أعجوبة!! يا لعظم حب الله للإنسان!! إن الجالس في الأعالي مع الآب يُحمل في تلك الساعة في أيدي الكل، ويعطي ذاته للراغبين في احتضانه ونواله!!... هل يمكنك أن تزدري بهذه الأمور أو تفتخر عليها؟![368]].

ويرى القديس أثناسيوس الرسولي[369] أن هرون لبس ثيابًا كهنوتية ليعمل ككاهن، وكان هذا رمزًا لابن الله الذي لبس جسدًا حتى يخدم لحسابنا ككاهن يشفع فينا بدمه.


3. الرداء (الأفود):

هو الثوب الخارجي، يبدو انه كان قميصًا قصيرًا موصولا عند الكتفين فقط ومفتوحًا من الجانبين، مشدودًا بزنار مطرز متصل بالرداء نفسه [8].

والعجيب أن الراداء كما الزنار مصنوعان من نفس مواد الخيمة، أي من الكتان المبروم والأسمانجوني والأرجوان والقرمز مضافًا إليه مادة الذهب التي وجدت بكثرة في الخيمة. وكأن العمل الكهنوتي مرتبط بالكنيسة، يقدم صورة حية لسمات السيد المسيح نفسه، أي النقاوة (الكتان) والحياة السماوية (الأسمانجوني والذهب) والفكر الملكوكي (الأرجوان) والتقديس بدم الكريم (القرمز).

كلما أدرك الآباء هذه الحقيقة إرتعبوا وشعروا بخطورة سقوط كاهن ما في خطية، أقتبس هنا بعض كلماتهم:

*   إنه بالحقيقة لا يوجد في العالم وحش كهذا وقاسٍ نظير ذلك الكاهن القبيح السيرة الذي لا يشاء الإصلاح!

*   ان شرف الكهنوت عظيم، لكن إن أخطأ الكهنة فهلاكهم فظيع.

*   لا يخلص الكاهن لأجل شرفه، إنما إن سلك بما يليق بشرفه.

القديس إيرونيموس[370]

*   الله لا يُهان من أحد بقدر ما يُهان من أولئك المتلألئين بشرف الكهنوت إذ أخطأوا، لأن خطية الكاهن تزداد رداءة وثقلاً بسبب نكران الجميل الذي يبديه ضد الله المنعم عليه برفعة هذا مقدار سموها.

*   كيف لا يلزم أن تلمع بأشعة القداسة أكثر من الشمس، يد الكاهن التي تلمس جسد الرب، وذلك الفم الذي يمتلئ نارًا سمائية، وذاك اللسان الذي يصطبغ بدم المسيح؟!

القديس يوحنا الذهبي الفم[371]

*   الكاهن الذي يخدم المذبح الإلهي يلزمه قبل كل شيء أن يكون مزينًا بالطهارة.

العلامة أوريجانوس[372]

نعود إلى رداء رئيس الكهنة لنجد حجري الجزع موضوعين على كتفي الرداء، وقد نقش عليهما أسماء أسباط بني إسرائيل، وكأن رئيس الكهنة – كرمز للسيد المسيح – وقد وضع على كتفيه كل احتياجات شعبه؛ كل نفس تطلب منه! إنه أب يلتزم بالمسئولية عن أولاده. للقديس يوحنا الذهبي الفم أحاديث ممتعة وعملية عن هذه الأبوة الملزمة، جاءت ثمرة خبرة رعاية أمينة لسنوات طويلة[373].

الكاهن – مهما كانت شخصيته ومهما بلغت قدراته – لا يقدر أن يحمل أثقال شعبه على كتفيه، لهذا إذ يضع أسماءهم على كتفيه كجزء من الطقس التعبدي، إنما يدخل بها الثقل ليلقيه على كتفي المسيح شخصيًا. لهذا في كل قداس إلهي يصرخ الكاهن في قلبه أكثر من مرة، قائلاً: "أقبل هذه الذبيحة عن خطاياى وجهلات شعبك"، وكأنه يلقي بأثقال نفسه وأثقال شعبه على السيد الذي وحده يقدر أن يحتمل ويعين!


4. الصدرة:

قطعة مربعة من القماش عينه كالرداء [15]، مثنية إلى الخلف عند الطرف الأسفل ليكون سمكها مضاعفًا [16]. ترصع بأثنى عشر جدرًا كريمًا، ثلاثة حجارة في كل صف، وينقش على كل حجر إسم من أسباط بني إسرائيل، وكانت زاويتاها العلويتان مرتبطتين بالرداء بسلاسل ذهبية، ولم تكن الصدرة تنزع عن الرداء [28]، أما زاويتاها السفليتان فتربط به خلال الزنار. وكانت الحلقات وبقية أدوادت ربطها مصنوعة من ذهب أو تطريز وسميت "تذكارًا" [12، 29]، لأنها بهذا الوضع تكون الحجارة على صدر رئيس الكهنة أي في قلبه لا يقدر أن ينسى أحدًا منهم. إن كان حجرًا الجزع يشيران إلى المسئولية والتزامه باحتياجاتهم فالصدرة تُشير إلى حمله لهم في أحشائه الداخلية كقول الرسول بولس عن أنسيموس: "الذي هو أحشائي" (في 12).

وسميت أيضًا تذكارًا، لأنه كما ارتدى الكاهن هذه الملابس تذكر التزامه بالصلاة عن كل شعبه. إن كان السيد المسيح هو رئيس الكهنة والشفيع الدائم لشعبه (عب 7: 25) لدى الآب خلال دمه، فإن الكاهن وقد اختفى في السيد المسيح يدعى "برسفيتيروس" أي "شفيع" عمله الرئيسي الصلاة الدائمة عن أخوته وأولاده الروحيين. في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الكاهن بما أنه نائب الله، فيلزمه أن يهتم بسائر البشر، لكونه أب للعالم كله[374]]. كما يقول القديس ايروينموس: [المخلص بكى على أورشليم لأن سكانها لم يتوبوا (لو 19: 41)... وإرميا أيضًا ندب شعبه غير التائب قائلاً: "ياليت رأسي ماءً وعينيّ ينبوع دموع فأبكي نهارًا وليلاً قتلى بنت شعبي" (إر 9: 1)، معللاً سبب حزنه، قائلاً: "لا تبكوا ميتًا ولا تندبوه. إبكوا إبكوا من يمضي لأنه لا يرجع بعد" (إر 22: 10)... إذن فحرى بنا أن نبكي من أجل هؤلاء الذين بسبب جرائمهم وخطاياهم عزلوا أنفسهم عن الكنيسة... وفي هذا المعنى يدعو النبي خدام الكنيسة ملقبًا إياهم "اسوارًا وأبراجًا"، قائلاً لكل منهم: "يا سور... إبكي الدمع كالنهر" (مرا 2: 18)... فبدموعك تلين قلوب الخطاة حتى يبكواهم أيضًا[375]].

وفي العهد الجديد يلبس رئيس الكهنة صدرة، يرسم عليها الاثنا عشر تلميذًا في صفين عمودين، حتى يتشبه بالرسل والتلاميذ متذكرًا ضرورة ذكر شعبه بدموع، حاملاً إياهم في أحشائه.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 28 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 28 جـ2 PDF Print Email

5. الأوريم والتميم:

المعنى الحرفي للكلمتين هو "الأنوار والكمالات"، وقد رأى البعض أنهما شيئان صغيران (ربما حجران كريمان) يوضعان في الصدرة [30] لكي يعرف رئيس الكهنة إرادة الله في الأمور الهامة الكهنوتية والقومية. ويرجح البعض أن الكلمتين تشيران إلى أن نور الإرشاد وكماله يأتي من قبل الله، وأن هذا يتم خلال الاثنى عشر حجرًا المرصعة في الصدرة، لأنه حيث تذكر الحجارة لا يذكر الأوريم والتميم وأيضًا حيث يذكر الأوريم والتميم لا تذكر الحجارة (خر 29: 10، لا 8: 8).

يقول علماء اليهود أن الله كان يحدث الشعب بواسطة الأوريم والتميم في الخيمة، أما بعد بناء هيكل سليمان فصار يحدثهم بواسطة الأنبياء.

على أي الأحوال فإن "الأوريم والتميم" يؤكدان في حياة الكاهن ألاَّ يعتمد في خدمته على الأذرع البشرية والمشورات البشرية، لكنه يلجأ أولاً إلى المذبح، حيث ينسكب امام الله طالبًا نوره الإلهي يشرق في قلبه ويكمل كل ضعف فيه. فالتزامات الكاهن الكثيرة والخطيرة والمتشابكة، إذ يقوم بإرشاد الناس في أثمن ما لديهم – خلاص نفوسهم – وتعامله مع أنواع مختلفة من الناس، تحت ظروف متباينة، هذا الأمر الذي يجعله محتاجًا أن يكون على صلة مستمرة بالله مرشده حتى لا تهلك نفس بسبب جهله أو عجزه عن القيام بالعمل. وقد تحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن مسئولية الكاهن أو الراعي عن كل فشل يلحق بالخدمة أو خسارة تلحق بنفس ما بسبب عدم حكمته، ولا يقدر أن يقدم عذرًا، فشاول الملك لم يُقبل على الكرسي من ذاته وإذ تصرف في المملكة بغير حكمة لا يقدر أن يعتذر بأن صموئيل النبي رسمه دون وجود رغبة داخلية فيه لهذا؛ ولم يستطع عالي الكاهن أن يعتذر عن خطأ ابنيه بأنه ورث الكهنوت بغير إرادته، وموسى الطوباوي نفسه بالرغم من كل محاولاته للإفلات من العمل القيادي عندما أخطأ عند ماء مريبة لم تكن لمحاولاته هذه أن تشفع له، ولم يقدر يهوذا أن يخلص بالرغم من أن الرب هو الذي اختاره للرسولية... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لهذا يليق بالكاهن أن يكون حكيمًا يطلب المشورة الإلهية على الدوام حتى لا يسقط تحت الدينونة[376].


6. الجبة:

مصنوعة كلها من الأسمانجوني، يلبسها تحت الرداء مباشرة، وكأنها تُشير إلى طبيعة الكاهن، الداخلية، التي هي الفكر السماوي. يحمل السماء ليس مادة للوعظ أو الحديثت لكنها تملأ قلبه في الداخل وتشغل كل أفكاره. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يليق بمن يقوم بدور قيادي أن يكون أكثر بهاءّا من أي كوكب منير، فتكون حياته بلا عيب، يتطلع إليه الكل، ويقتدون بسلوكه[377]].

ربما كانت الجبة تصل تحت الركبتين بقليل، وكانت بدون أكمام ومفتوحة فقط من أعلى، ولعلها كانت منسوجة بدون خياطة [32].

كان بهدب الرداء رمانات من نسيج ذات ألوان بديعة يتخللها اجراس ذهبية [33-34]. تُشير الرمانات إلى ضرورة وجود الثمر في حياة الكاهن. فيظهر الكاهن مثمرًا في كلمات الوعظ العميقة، وفي صمته، وفي مناقشاته، وفي إرشاداته، وفي سلوكه مع كل أحد! وتُشير الأجراس إلى إعلان صوت الكرازة بالإنجيل أينما تحرك، منذرًا الكل بالتوبة من أجل ملكوت السموات.

يرى القديس يوستين أن عدد الأجراس اثنا عشر، إشارة إلى الاثنى عشر تلميذًا الذين اعتمدوا على قوة السيد المسيح الكاهن الأبدي، فبلغت أصواتهم إلى أقاصي الأرض بمجد الله ونشر كلمته ويرى العلامة أوريجانوس أن [هذه الأجراس يلزم أن تدق على الدوام رمزًا لعدم سكوت الكاهن عن التحدث عن الأزمنة الأخيرة ونهاية العالم[378]].


7. الصفيحة الذهبية:

ينقش على هذه الصفيحة "قدس للرب"، توضع على العمامة. ما هذه الصفيحة الذهية إلاَّ الإعلان عن السيد المسيح، الذي هو البكر الذي تقبله الآب نيابة عنا. لقد قدس السيد حياته للآب بإسمنا، لكي نصير أيضًا مقدسين فيه، إذ يقول "من أجلهم أقدس ذاتي لكي يكونوا هم أيضًا مقديسن في الحق".

يدخل الكاهن إلى الهيكل، العرش الإلهي، ليس عن برّ فيه ولا من أجل جهاده الذاتي، وإنما مختفيًا في ذاك الذي هو موضع سرور الآب. المسيا سرّ تقديسه. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حين تنظر الكاهن مقدم الذبيحة، تأمل يدّ السيد المسيح ممتدة بنوع غير ملحوظ[379]]. كما يقول القديس لأمبروسيوس: [آمن إذن أن الرب يسوع هو الحاضر أثناء صلوت الكاهن... لأنه إن كان قد قال "إن اجتمع اثنان أو ثلاثة بإسمي فهناك أكون في وسطهم" (مت 18: 20) فكم بالأكثر يهبنا حضوره عندما تجتمع الكنيسة وتتم الأسرار[380]؟!].


8. العمامة:

غايتها أن توضع عليها الصفيحة الذهبية السابقة، وكأن التاج الذي ينعم به الكاهن ويكلل به هو حمله للسيد المسيح نفسه، قدس الرب.

يقابل هذه العمامة التاج الذي يلبسه الأسقف، وهو غير معروف أصلاً في الكنيسة القبطية، لكنه أخذ عن الطقس البيزنطي.


9. القميص المخرّم (المنسوج):

يصنع من الكتان الأبيض، يلبسه تحت الجبة الزرقاء فلا يظهر إلاَّ على الذراعين وما بعد الجبة تحت القدمين. إم كانت الجبة الزرقاء تُشير إلى القلب السماوي الداخلي، فإن القميص الكتاني المنسوج يُشير إلى الحياة الطاهرة النقية الملائكية، التي تعمل في الداخل لكنها تظهر على الذراعين، أي تنعكس على التصرفات الخارجية، كما تظهر من تحت الحقوين حتى القدمين، وكأن الطهارة أيضًا تغطي كل مسلك الإنسان (القدمين)، أينما سار يسلك بنقاوة!
10. المنطقة والقلنسوة والسروال:

عند تقديم الذبيحة يلبس رئيس الكهنة المنطقة، وهي حزام من القماش للتمنطق وشدّ الوسط أثناء الخدمة، إشارة إلى ضرورة تيقظ الراعي (لو 22: 25، أف 6: 14، 1 بط 1: 13)، وقد سبق الحديث عن "التمنطق" أثناء أكل خروف الفصح.

التمنطق هو عمل العبيد الذين يخدمون سادتهم، وكأن الكاهن في خدمته يشعر أنه خادم لأولاد سيده وليس رئيسًا أو متسلطًا.

والتمنطق يُشير إلى عمل الجندية فالكاهن كجندي صالح يُجاهد روحيًا في جيش الخلاص.

التمنطق هو عمل المسافرين، إستعدادًا للرحيل. فيشعر الكاهن أنه غريب على الأرض، لا يطلب ما للأرضيات بل ما للسمويات.

وفي سفر الرؤيا رأينا الشعب يمثل المنطقة الذهبية المحيطة بصدر السيد المسيح (رؤ 1: 13) لكي يقتات على ثدييه أي العهدين الجديد والقديم. وهكذا يحمل الكاهن شعبه حول صدره ويقدم كل حياته في المسيح يسوع لشعبه.

أما السراويل فيعلن الله نفسه أنها لسترة الكاهن... لهذا يقول القديس أمبروسيوس: [لا يزال بعضنا يُلاحظ هذا، لكن الغالبية يفسرونه بطريقة روحية، ويفترضون أنها قليت لكي يراعي الكهنة الإحتشام ويحتفظون بالطهارة[381]].

فالسروال يُشير إلى احتشام الكاهن من جهة ملبسه فقط، لكنه يلزم أن يكون محتشمًا (1 تي 3) في كل تصرفاته وكلماته. وفيما يلي مقتطفين من أقوال الآباء عن هذا الأمر:

*   ينبغي ألاَّ يكون صوت الكاهن مترهلاً خافتًا أو "سيداتي" في نغمته، كما اعتاد الكثيرون.

القديس أمبروسيوس[382]

*   إن ساعة واحدة من الخلاعة جعلت نوحًا يتعرى بعد ما إستتر ستين عامًا بوقار.

القديس ايروينموس[383]



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 28 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 29 جـ1 PDF Print Email

تقديس الكهنة

1. الحاجة إلى التقديس                                  [1-3].

2. غسل الكهنة                                         [4].

3. إرتداء الملابس الكهنوتية ومسحهم بالدهن           [5-9].

4. تقديم ذبيحة خطية                                    [10-14].

5. تقديم ذبيحة محرقة للرب                             [15-19].

6. تقديم كبش ملء                                      [20-22].

7. ملء أيدي الكهنة والترديد                            [23-28].

8. مسح الثياب المقدسة                                [29-30].

9. الكهنة يأكلون عند باب الخيمة                       [31-35].

10. تقديس المذبح                                      [36-37].

11. التقدمة اليومية                                     [38-46].
1. الحاجة إلى التقديس:


دعى الله هرون وبنيه للعمل الكهنوتي، وحدد لهم الثياب التي يرتدونها حتى يدركوا أن سرّ القوة ليس فيهم بل في الله الذي دعاهم وسترهم بنفسه. والآن قبل أن يمارسوا أي عمل كهنوتي يقدم لهم الرب طقسًا طويلاً خاصًا بتقديسهم وتقديس ثيابهم الكهنوتية وتقديس المذبح الذي يخدمونه، وكأن الثلاثة يمثلون وحدة واحدة، فلا تقديس للكهنة مالم يلبسوا السيد المسيح نفسه (الثياب المقدسة) ويحملون سماتهم فيهم، ويخدموا المذبح المقدس (الصليب).

إختيار الكهنة ودعوتهم وتقديسهم كان إشارة إلى اختيار الابن الوحيد القدوس الذي قدّس ذاته لهذا العمل الخلاصي، فهو وإن كان القدوس الذي بلا عيب لكنه يقول "من أجلهم أقدس ذاتي لكي يكونوا هو أيضًا مقدسين في الحق"، ليس بمعنى أن يحمل قداسة جديدة، إنما قد قدم حياته المقدسة لهذا العمل، كاهنًا على طقس ملكي صادق (مز 110: 4، عب 5: 6، 7: 11). وكما التزم الكهنة أن يرتدوا الثياب الكهنوتية المقدسة لكي يقتربوا إلى المذبح، هكذا مع الفارق لبس ابن الله القدوس جسدنا وصار كواحد منا حتى يقترب إلى الصليب نيابة عنا ويتمم الفداء، أما تقديس المذبح إنما يُشير إلى الصليب الذي صار مقدسًا بالدم الثمين.


2. غسل الكهنة:

يتقدم هرون وبنوه إلى باب خيمة الإجتماع ويغسلهم (موسى) بماء [4]. وكأن اختيار الله لهم ودعوتهم لهذا العمل المقدس يلزمهم التطهير أولاً قبل الدخول إلى الخيمة أو ممارسة أي عمل كهنوتي. فالكاهن وأن كان قد نال شرف الصلاة عن شعبه لكن هذا لا يخلق فيه كبرياءً فلا يظن أنه قد صار أفضل منهم أو أكثر منهم برًا، بل بالعكس يحمله بالمسئولية أن يجاهد من أجل نفسه أيضًا حتى لا يهلك الشعب بسببه.

ففي القداس الإلهي يتعلم الكاهن أن يشرك نفسه في طلباته عن الشعب، قائلاً "إعط يا رب أن تكون مقبولة ذبيحتنا عن خطاياي وجهالات شعبك"[384]... يبقى في كل الصلوات السرية يطلب عن نفسه أولاً ليغفر الله خطاياه وعن شعب الله ليغفر لهم جهلاتهم، وكأنه يشعر إذ يخطئ إنما يفعل ذلك بمعرفة أما شعب الله فيفعل ذلك بغير معرفة.

لقد أدرك الآباء حاجتهم إلى رعاية الله المستمرة والتعليم الدائم مع شعب الله فيقول القديس أغسطينوس: [إننا كما لو كنا رعاة بالنسبة لكم، لكننا نحن أيضًا في رعاية الله، إذ نحن خراف زملاء لكم. إننا معلمون بالنسبة لكم، لكننا بالنسبة لله فهو السيد الواحد، ونحن زملاء لكم في مدرسته[385]].

دعوته للكهنوت تؤكد عضويته في جماعة الله المقدسة يبقى على الدوام طالبًا التطهير في إستحقاقات الدم والتعليم المستمر على يديّ الله. لهذا كتب الرسول بولس إلى تلميذه تيموثاوس يقول: "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا" (1 تي 1: 15). فلا ينظر الرسول إلى نفسه كرأس ومعلم ومدبر وإنما أولاً وقبل كل شيء أنه أول الخطاة يحتاج أن يبقى دومًا في أحضان مخلصة!

ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الله يسمح للكهنة بالشعور بالضعف حتى يترفقوا بالضعفاء إخوتهم!


3. إرتداء الملابس الكهنوتية ومسحهم بالدهن:

إرتداء الملابس الكهنوتية يعتبر جزءًا من طقس تقديس الكهنة كما رأينا سابقًا.

ما أن لبس رئيس الكهنة الصفيحة الذهبية أو الإكليل المقدس [6] الذي نقش عليه قدس للرب "حتى صار ممثلاً للسيد المسيح، لذلك سكب عليه الدهن المقدس [7] قبل تقديم أي ذبيحة، إشارة إلى حلول الروح القدس في السيد المسيح حلولاً أقنوميًا منذ الأزل بكونه روحه الأزلي، وليس نعمة ممنوحة له.

عاد هرون وبنيه الكهنة الذين لبسوا أقمصتهم ليتقدموا للمسحة المقدسة [21] حتى يعرف هرون وكهنة الله أنهم لا يمسحون كهنة إلاَّ بعد تقديم ذبائح عنهم ونضح دم السيد المسيح لتقديسهم. لقد أكد لهم الوحي الإلهي أنهم في حاجة إلى التقديس، فإنه ليس أحد من البشر بلا خطية ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض. وسنترك الحديث عن المسحة المقدسة للأصحاح القادم إن شاء الرب.


4. تقديم ذبيحة خطية:

جاءت تفاصيل هذه الذبيحة "ذبيحة الخطية" في تفاصيل كثيرة في سفر اللاويين (4، 5: 1-13) وقد حملت معانِ كثيرة رائعة لا يتسع المجال هنا للحديث عنها. إنما نستطيع أن نبرز هنا الجوانب التالية:

أ. هذه الذبيحة تعبر عن السيد المسيح الذي وضعنا عليه أيدينا لحمل خطايانا وسيق إلى الموت (1 بط 2: 24)، لهذا يضع هرون وبنوه أيديهم على رأس الثور ويذبح الثور أمام الرب عند باب خيمة الإجتماع [10-11]... فلا نسمع عنها إنها للرضى والمسرة كما في ذبيحة المحرقة، فهي تُشير إلى ثقل ومرارة ما يحمل السيد عنا، كهنة وشعبًا! لهذا كان السيد يكتئب ويصرخ: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت"!

ب. يأخذ من دم الثور ويجعله على قرون المذبح بأصبعه، وسائر الدم يصبه إلى أسفل المذبح، ويأخذ كل الشحم الذي يغشي الجوف وزيادة الكبد والكليتين والشحم الذي عليهما ويوقدها على المذبح [12-13]... وكأن الله أراد أن يؤكد للكهنة أنه قد جاء بكل خطاياهم حتى الخفية في الجوف وكفرّ عنها بدمه على المذبح ليعيشوا بالطهارة الداخلية.

ج. حرق لحم الثور وجلده وفرائه خارج المحلة [14] يُشير إلى تألم المسيح خارج المحلة، حتى يخرج الكهنة معه حاملين عاره (عب 3: 13) في خدمتهم لشعبه.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 29 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 29 جـ2 PDF Print Email


5. تقديم ذبيحة محرقة:

بعد تقديم ذبيحة الخطية يقدم كبش كذبيحة محرقة للرب "رائحة سرور، وقود هي للرب" [18]. هذه الذبيحة تقدم جانبًا آخر للصليب، فإن كانت الأولى تحمل ثقل خطايانا لذلك قدمت بآنات وصراخ، فإن هذه الذبيحة تعلن في الصليب جانب السرور ورائحة الرضا، إذ تكشف عن "الطاعة الكاملة للسيد المسيح نحو الآب" (عب 5: 5، 10: 7، يو 6: 38، في 2: 8)، الطاعة الإرادية غير الأضطرارية (يو 10: 18).

يضع هرون وبنوه أيديهم على رأس الكبش ليصيروا والذبيحة واحدًا، فيحملوا روح الطاعة الكاملة التي للسيد المسيح فيهم، فيشتم الله في كهنوتهم رائحة السرور والرضا (لا 1: 9، 13، 17). هكذا يلتصقون بالرب ليكونوا حاملين روحه (1 كو 6: 17).

يذبح الكبش ويرش دمه على المذبح من كل ناحية ويقطع ويغسل جوفه وأكارعه وتوضع على القطع والرأس، وكأنه بهذا تظهر كل أعماقه، فقد جاز السيد المسيح أمام الآب فوجد بلا عيب (لو 23: 22، إش 53: 9، يو 8: 46)، فقبله كموضع سروره. هكذا يليق بالكاهن أن يتقدس في أعماقه الداخلية، ليجتاز أمام الله بلا عيب ويكون موضع سروره ورضاه في المسيح يسوع.


6. تقديم كبش الملء:

يحمل هذا العمل صورة حية للتقديس، فبعدما يضع هرون وبنوه أياديهم على رأس الكبش، أي يعلنون إتحادهم معه، تقدم حياته فدية عنهم في دمه، الذي يرش على أجسادهم وثيابهم لتطهيرهم وتقديسهم بالكلية، فتكون حياتهم وأعمالهم كلها للرب.

يأخذ موسى من الدم ويجعله على شحم آذانهم اليمنى وإباهم أيديهم اليمنى وإباهم أرجلهم اليمنى [20]، وكأن آذانهم وأياديهم وأرجلهم قد تقدست وتكرست لخدمة الله تمامًا. كل كلمة يسمعها الكاهن وكل حركة وكل عمل إنما يكون لحساب موكله. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لقد تقدس له بالكامل، لذلك فإن هذه الذبيحة التي للتقديس هي "رائحة سرور أمام الرب، وقود هي للرب" [25].


7. ملء أيدي الكهنة والترديد:

إذ تقدست أيدي الكهنة يضع موسى فيها الأجزاء المقدسة من كبش الملء ويقومون بالترديد أي تقديمها للرب، وكأنها أول ذبيحة تمتد يدهم المقدسة لتقديمها أما الرب.


8. مسح الثياب المقدسة:

تقدس الثياب بالدم والمسحة (لا 8: 30)، ليلبسها الكاهن سبعة أيام، ولا يخرج من باب خيمة الإجتماع (لا 8: 33)، إذ يقول الرب "ولدى باب خيمة الإجتماع تقيمون نهارًا وليلاً سبعة أيام وتحفظون شعائر الرب فلا تموتون لأني هكذا أمرت" (لا 8: 35).

هذا إنذار خطير للكاهن الذي قدم حياته ذبيحة حب لله ولخدمته، فبعدما لبس الثياب الكهنوتية المقدسة، وتقدست كل حياته الداخلية وتصرفاته الظاهرة، يليق به أن يبقى كل أيام حياته (سبعة أيام) يحفظ شعائر الرب ولا يرتبك في أعمل زمني.


9. الكهنة يأكلون عند باب الخيمة:

يأمر الله هرون وبنيه أن يأكلوا عند باب الخيمة [3]. لعلها إشارة إلى الدخول في عهد معًا، الله يتعهدهم كخدام له، وهم يتعهدون بتكريس كل حياتهم له. ولعله أيضًا أراد أن يعلن لهم أنه حتى أكلهم وشربهم وكل تصرفاتهم فلتكن في حضرته، لأنهم نصيبه وهو نصيبهم.

يأكل هرون وبنوه لحم الكبش والخبز الذي في السلة، وهو ثلاث أنواع:

أ. خبز فطير من دقيق حنطة، وقد تحدثنا عن الفطير كرمز للحياة الجديدة[386]. فالكاهن لا يأكل خبزًا مخمرًا سبعة أيام، أي يبقى كل أيام حياته لا يحب الشر، ينسى الإنسان القديم وأعماله ليحيا على الدوام حسب أعمال الإنسان الجديد. حياته وأفكاره تتجدد كل يوم بالتوبة المستمرة بلا انقطاع.

ب. أقراص فطير ملتوتة بالزيت، تُشير إلى حياته التي امتزجت داخليًا بمواهب الروح القدس، فتحمل ثمرة على الدوام.

ج. رقاق فطير مدهونة بزيت، أي تظهر ثمار الروح القدس في حياتهم الخارجية أيضًا.

إن كانت الأقراص الملتوتة بالزيت تُشير إلى شهادة الذين في الداخل عنهم فإن الرقاق المدهون بالزيت يُشير إلى ضرورة شهادة الذين في الخارج عنهم (1 تي 3: 7)، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه حتى الوثنيين يوقرون الإنسان الذي بلا عيب... لذلك ليتنا نحن أيضًا نعيش هكذا حتى لا يقدر عدو أو غير مؤمن أن يتكلم عنا بشر. لأن من كانت حياته صالحة، يحترمه حتى هؤلاء، إذ بالحق يغلق أفواه حتى الأعداء[387]...]. ويقول القديس إيرينيؤس: [الأسقف المسيحي يلزم أن يكون هكذا، ان الذين يكابرون معه في العقيدة لا يقدرون أن يكابروا معه في حياته[388]].


10. تقديس المذبح:

"سبعة أيام تكفرّ على المذبح وتقدسه، فيكون المذبح قدس أقدس. كل ما مس المذبح يكون مقدسًا" [27].

هكذا يتقبل الله من شعبه هذا المذبح الذي يقدسه ويجعله قدس أقداس، خلاله تقبل الذبائح لتقديس شعبه والتكفير عنهم.


11. التقدمة اليومية:

أمر الله بتقدمة يومية بطقس خاص في الصباح والمساء، أما علة هذا الطقس فهو "وأجتمع هناك ببني إسرائيل فيتقدس بمجدي" [43]... إذ يتمجد الله في حياتهم وتصرفاتهم يتقدسون هم بإجتماعه في وسطهم. إنه يريد أن يسكن في وسطنا ليقدسنا له!



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 29 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 30 PDF Print Email

مذبح البخور والمرحضة

1. مذبح البخور            [1-10].

2. فضة الكفارة            [11-16].

3. المرحضة               [17-21].

4. دهن المسحة            [22-33].

5. البخور المقدس          [34-38].


1. مذبح البخور:

جاء الحديث عن مذبح البخور الذهبي بعد الحديث عن مذبح المحرقة النحاسي، فالخاطئ يلتقي في الدار بالمذبح النحاسي ليرى خطيته قد تحولت إلى رماد تحت المذبح، عندئذ يقدر خلال الكاهن الأعظم – السيد المسيح المخلص – أن يدخل إلى المقدسات الإلهية، يدخل إلى صدر القدس ليرى أمامه تابوت العهد في قدس الأقداس، ومائدة خبز الوجوه عن يمينه، والمنارة عن يساره، مقدمًا حياته على المذبح الذهبي رائحة بخور طيبة، يشتمها الآب رائحة سرور ورضى في المسيح يسوع. خلال المذبح النحاسي دفع الدين لكي ندخل إلى برّ المسيح في شركة معه نأكل خبز الملائكة ونستنير بالروح القدس، ونرى الأمجاد الإلهية فوق الكاروبيم...

لقد هزّ المنظر أعماق نفس العلامة أوريجانوس فقال:

[ليبحث كل منا كيف يمكن أن يبني في داخله مسكنًا لله!

ليكن للنفس في أعماق القلب مذبحًا للبخور حتى تستطيع أن تقول: نحن رائحة المسيح الذكية" (2 كو 2: 15). ليحمل فيه أيضًا تابوت العهد حيث لوحي الشريعة، فيلهج في ناموس الله نهارًا وليلاً (مز 1: 2). ليكن فكرها ذاته وتابوتًا ومكتبة تحفظ الكتب الإلهية، إذ يقول النبي: طوبى لمن يحفظ في قلبه ناموس الرب ليعمل به. ولتحمل في قلبها قسط المن، أي الإدراك الصحيح العذب لكلمة الله. وليكن لها عصا هرون أي التعليم الكهنوتي والتدقيق المستمر للتقوى. وفوق كل مجد لتحمل الزينة الكهنوتية، إذ يوجد في داخلها من يقوم بدور الكاهن... الذي يربطنا بالله، يسميه البعض القلب والبعض يسميه حاسة العقل وآخرون يدعونه الفكر.

ليكن في داخلنا زينة الملابس كالكاهن والحجارة الكريمة ونلبس أفودًا من الكتان؛ تنسدل حتى الرجلين وتغطي كل الجسد، مشيرًا بذلك إلى الفضيلة الأولى التي ينبغي أن نتحلى بها وهي العفة. لنأخذ الصدرة المرصعة بالحجارة التي تُشير إلى ضياء الأعمال: "حتى يروا الناس أعمالكم فيمجدوا أباكم الذي في السموات" (مت 5: 16)[389]...].

لنتحدث أيضًا عن مذبح البخور الداخلي، قائلاً: "النفس التي لا تعطي لعينها نومًا حتى تجد موضعًا للرب إله يعقوب (مز 81: 4) تقتني لها مذبحًا ثابتًا في وسط قلبها حتى تقدر أن تقرب لله[390].

ويرى الأب ميثوديوس في المذبح الذهبي رمزًا لجماعة البتوليين الأطهار في صدر الكنيسة يحملون رائحة المسيح البتول الذكية، إذ يقول: [تسلمنا أن مذبح الله غير الدموي يُشير إلى جماعة الأطهار، فتطهر البتولية كأمر عظيم وجيد، إذ يجب أن تحفظ بلا دنس نقية تمامًا، ليس لها نصيب مع دنس الجسد، بل تقوم في حضرة الشهادة، مذهّبة بالحكمة، في القدس، تبعث رائحة الحب الإلهي الذكي[391]].


2. فضة الكفارة:

إن كان البخور هو ذبيحة الحب التي كان الكهنة يقدمونها داخل القدس باسم الجماعة كلها، لكن الشعب التزم بتقديم مساهمة حب في نفقات الخيمة من كل الرجال (20 عامًا فما فوق)، دون تمييز بين غني وفقير [15]. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). تُشير إلى أن التقدمة وإن كانت تحمل روحًا جماعية لكنها أيضًا تحمل علاقة شخصية بين كل مؤمن وإلهه. خدمة الخيمة هي خدمة الجماعة كلها، دون أن تفقد المؤمن شخصيته كعضو حيّ له علاقة مباشرة مع الله، وفي نفس الوقت خلال اتحاده بالجماعة.

ويلاحظ أن التقدمة رمزية يقدر الجميع أم يقدمها (نصف شاقل) حتى لا يظن الأغنياء أن لهم دال على خدام الله على حساب دالة الفقراء عليهم، فالخلاص مجاني للجميع، وكل نفس متساوية لدى الله وخدامه.


3. المرحضة:

إناء نحاسي مستدير، يوجد في الدار الخارجية، فيه يغسل الكهنة أيديهم وأقدامهم قبل الخدمة، أو قبل الدخول إلى القدس، أما موقعها فهو بين المذبح وباب خيمة الإجتماع، وكأنها تُشير إلى المعمودية حيث لا يقدر أحد أن يتمتع بالقدسات الإلهية، أي يدخل خيمة الإجتماع، ويجتمع مع الله مالم يتطهر أولاً في مياه المعمودية. أما كونها بين المذبح وباب الخيمة فلأنه لا تطهير بمياه المعمودية إلاَّ خلال ذبيحة المسيح الكفارية.

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [عندما يسمع أحد عن المرحضة فليفهم هذه التي نغتسل خلالها من الخطايا المشينة بالمياه السرية[392]].


4. دهم المسحة:

يحتل دهن المسحة مكانًا خاصًا في وصايا الله لشعبه في العهد القديم، إذ يُشير إلى مسحة الروح القدس لأداء أعمال قيادية تحمل جوانبًا من عمل السيد المسيح نفسه. فكان الأنبياء والكهنة والملوك يمسحون، الأمور التي اجتمعت معًا في شخص السيد المسيح، والذي دعى "المسيح" لأنه ممسوح منذ الأزل لهذا العمل الخلاصي. وقد شهد له المرتل بقوله: "أحببت الحق وأبغضت الإثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الإبتهاج أكثر من رفقائك" (مز 44، عب 1: 9)... وقد سبق لنا الحديث عن هذه المسحة أثناء تفسيرنا لنشيد الأناشيد[393].

هذه المسحة أيضًا تشير إلى المسحة العامة التي تعطى للمسيحيين بعد العماد، والتي تدعى "مسحة الميرون"، إذ يقول القديس أمبروسيوس: [كل مؤمن يمسح كاهنًا وملكًا، غير أنه لا يصير ملكًا حقيقيًا ولا كاهنًا حقيقيًا بل ملكًا روحيًا وكاهنًا روحيًا، يقرب الله ذبائح روحية وتقدمات الشكر والتسبيح[394]]. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الذين كانوا يمسحون في العهد القديم إما كهنة وإما أنبياء أو ملوك. أما نحن المسيحيون أصحاب العهد الجديد، فيجب أن نمسح لكي نصير ملوكًا متسلطين على شهواتنا، وكهنة ذابحين أجسادنا ومقدسين إياها ذبيحة حية مقدسة مرضية عبادتنا العقلية، وأنبياء لإطلاعنا على أسرار عظيمة جدًا وهامة للغاية (خاصة بالأبدية) [395]. ويقول القديس أغسطينوس: [إن اسم "المسيح" جاء من المسحة، فكل مسيحي يقبل المسحة، يكون ذلك دلالة ليس فقط على أنه صار شريكًا في الملكوت، وإنما صار من المحاربين للشيطان[396]].


5. البخور المقدسة:

كما تحدثنا عن النور (المنارة الذهبية) أنه لم يكن مجرد وسيلة لإضاءة الخيمة بل طقسًا تعبديًا يحمل مفهومًا لاهوتيًا يخص علاقتنا بالله، هكذا أيضًا البخور، لم يكن القصد منه مجرد إيجاد رائحة طيبة في الخيمة، لكنه حمل مفهومًا لاهوتيًا يمس حياتنا في الله. لذلك حدد الله نوع البخور وكمياته، وموعد إيقاده، ومن الذين يقومون بهذا العمل. فحرم استخدامه (بذات النسب) خارج الخيمة، أو إيقاده بيدٍ غريبة!

في مناجاة السيد المسيح لعروسه قال لها: "من هذه الصاعدة من البرية، كأعمدة من دخان، معطرة بالمرّ وبكل أذرة التاجر" (نش 3: 6). وكأن دخان المذبح النحاسي (الذبائح اليومية) قد التحم مع البخور اليومي الصاعد من المذبح الذهبي، هكذا يلتحم عمل المسيح الذبيحي في حياتنا بصلوتنا فيشتمها الله رائحة رضا.

في دراستنا لبيت الله من الجانب الطقسي الروحي تعرضنا للبخور والتبخير في الكنيسة الأولى[397]، ورأينا كيف التحم الطقس اليهودي (خر 30: 34-38) بالطقس المسيحي (ملا 1: 10-11) وبالطقس السماوي (رؤ 8: 3-4). لقد قبلت كنيسة أورشليم البخور بسهولة إذ عرفته في خيمة الإجتماع وفي خدمة الهيكل كما عرفته كطقس هام في وجبة الشبورة، ورأت في نبوة ملاخي (1: 10-11) عن كنيسة العهد الجديد أنها تقدم تقدمة البخور من مشارق الشمس إلى مغاربها، كما رأت في العبادة السماوية البخور يقدمه السمائيون لله (رؤ 5: 8، 8: 4)، لكن كنائس الأمم تخوفت في بدء انطلاقها منه، لئلا يمزج المؤمنون الذين من أصل أممي بين البخور لله والبخور للوثن. لكننا سرعان ما رأينا في القداسات الأولى تأكيدات مستمرة لتقديم تقدمة البخور لله.



+ إقرأ إصحاح 30 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 31 PDF Print Email

الحديث الختامي

ختم الرب حديثه مع موسى النبي بتحديد اسمي العاملين للخيمة وكل أدواتها، وأخيرًا أكد له وصية تقديس يوم الرب، وسلمه اللوحين قبل أن ينزل للشعب.

1. العاملون في الخيمة              [1-11].

2. تقديس يوم الرب                  [12-17].

3. تسليمه اللوحين                   [18].


1. العاملون في الخيمة:

بعدما أوصى الله موسى بعمل الخيمة وأدواتها وحدد له تفاصيلها وآراه نموذجًا حيًا ليُقيم الخيمة على مثاله، لم يترك له الحرية في اختيار من يقوم بالعمل وإنما حدد له بصلئيل بن أوري بن حور من سبط يهوذا وملأه من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة، وجعل معه أهولياب بن أخيساماك من سبط دان يسنده في العمل، كما طلب تشغيل كل إنسان حكيم القلب في الشعب. ويلاحظ في هذه الوصية الآتي:

أ. اختار الله أناسًا سبق فأعطاهم حكمة في العمل، وها هو قد ملأهم من روحه بالحكمة والفهم والمعرفة، وهكذا كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تلتحم حكمة العبد التي وهبه الله له طبيعيًا بالحكمة السماوية التي تسنده في بناء بيت الرب[398].

لم يتجاهل الله الحكمة الطبيعية لأنها هي أيضًا من عنده، بل قدسها بروحه القدوس الذي يسند ويعين.

ب. إن كان الله قد اختار بصلئيل وملأه من روحه... [3] تأكيدًا بضرورة تدخل الله نفسه في اختيار الراعي، فقد اختار معه أيضًا أهولياب لكي يسنده. وكأن العمل الرعوي يقوم على روح الشركة والحب والمشورة، وليس بروح فردي. فالكاهن أو الخادم، أيًا كانت رتبته، سرّ نجاحه ليس في عمله الفردي وإنما في عمله مع أخوته بالروح الواحد.

ج. يقول الرب: "وفي قلب كل حكيم القلب جعلت حكمة ليصنعوا كل ما أمرتك" [6]. وكأن الله يعلن لموسى النبي أن يلتزم بتشغيل كل الطاقات، فقد وهب الله وسط الشعب حكماء القلب يسندون الرعاة في العمل الكرازي الرعوي.

د. يلاحظ في كل العاملين أن يدّ الله هي التي تتدخل في اختيار العاملين في كرمه إما بتحديد الأسماء علانية أو بطريقة غير مباشرة بتحديد سمات العاملين. هذا ما أكده السيد المسيح إذ سألنا أن نصلي لكي يرسل رب الحصاد فعلة لحصاده. ولهذا يصرخ الكاهن في كل قداس إلهي (القداس الباسيلي)، قائلاً: "الذين يُفصِّلون معه (أي مع الأب البطريرك) كلمة الحق باستقامة أنعم بهم يارب على بيعتك يرعون قطيعك بسلام".


2. تقديس يوم الرب:

من بين كل الوصايا والشرائع التي سلمها الله لموسى، اختار الرب هذه الوصية "تقديس يوم الرب" لتكون الوصية الختامية، وقد سبق لنا الحديث عنها في شرحنا الأصحاح العشرين.

هنا نلاحظ قول الرب لموسى: "سبوتي تحفظونها" [13]. لم يقل "السبوت" ولا قال "سبوتكم" بل نسبها لنفسه، قائلاً: "سبوتي". فإن كان السبت يعني "الراحة". فإننا بحفظ يوم الرب نستريح نحن فيه، إذ نلتقي بالله سرّ راحتنا الحقيقة، وفي نفس الوقت يستريح الله فينا، إذ يجد له موضعًا في قلبنا، نحن موضوع سروره ولذته. لهذا يدعوها هكذا: "سبوتي"، أي "راحتي".

ترى ماذا تكون هذه السبوت التي نحفظها إلاَّ السيد المسيح نفسه، الذي فيه وحده نجد راحتنا، وفيه يجد الآب راحته. فيه نستريح نحن إذ نجده الصديق والفادي والمخلص الذي يدخل بنا إلى حضن أبيه، وفيه يجد الآب راحته حيث صالحه معنا.

عن السبوت أيضًا يقول: "لأنه علامة بيني وبينكم في أجيالكم لتعلموا أني أنا الرب الذي يقدسكم" [13]. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فالسيد المسيح هو علامة العهد والمصالحة بيننا وبين الآب، فيه ننعم بالتقديس، إذ هو ربنا وقدستنا. ولهذا السبب كانت العقوبة قاسية للغاية: "من دنسه يقتل قتلاً، إن كان من صنع فيه عملاً تقطع تلك النفس من بين شعبها" [14]. من يزدري بالسيد المسيح يحرم من أبديته ويموت إلى الأبد، ويفقد عضويته في الملكوت الأبدي.

ركز الربّ في هذا الأصحاح على السبت كعهد أبدي [16-17]، لأنه يخص حياتنا الأبدية.


3. تسليمه اللوحين:

سلم الرب موسى لوحي الشريعة اللذين من الحجر والمكتوبين بأصبع الله، أي بالروح القدس[399]، الذي أوحى بالكتاب المقدس كله.

هذان اللوحان ينكسران خلال غضب الإنسان وضعفه ليحل محلهما لوحان جديدان يشيران إلى حلول النعمة عوض حرف الناموس، كقول الإنجيلي يوحنا: "لأن الناموس بموسى أعطى أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صار" (يو 1).



+ إقرأ إصحاح 31 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 32 جـ1 PDF Print Email

العجل الذهبي

1. إقامة العجل الذهبي                         [1-6].

2. غضب الله على شعب موسى               [7-14].

3. غضب موسى وكسر اللوحين               [15-19].

4. سحق العجل الذهبي                        [20].

5. تأديب موسى للشعب                       [21-29].

6. شفاعة موسى                              [30-35].


1. إقامة العجل الذهبي:


كان الشعب في مصر يعبد التيوس ويزني وراءها (لا 17: 7، يش 24: 14، خر 20: 8)، فاعتادوا أن يعبدوا إلهًا منظورًا مجسمًا أمامهم. وكان وجود موسى النبي قدامهم يقدم لهم على الدوام أعمال الله العجيبة الملموسة قد غطى إلى حين على حاجاتهم إله مجسم قدام أعينهم. لهذا إذ غاب موسى عنهم سألوا هرون، قائلين: "قم إصنع لنا إلهًا[400] يسير أمامنا، لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه" [1]. إنهم لم يقصدوا تجاهل الله الذي أخرجهم من أرض مصر، لكنهم أرادوا أن يعبدوا خلال العجل[401] الذي في قلبهم، يظهر ذلك من قول هرون: "غدًا عيد للرب (يهوه)" [5].

ومع ذلك فإننا لا نتجاهل أن ما صنعوه هو أثر عبادتهم القديمة للعجل، والتي كانت لا تزال في داخلهم، إذ يقول القديس مارافرام السرياني: [أستُبعد موسى عنهم إلى حين حتى يظهر العجل الذي كان قدامهم، فيعبدوه علانية، هذا الذي كانوا يعبدونه خفية في قلوبهم![402]]. كما قال: [أُخذ موسى عنهم لكي تظر عبادة الأوثان التي كانت داخلهم[403]].

والحق إنهم كانوا بلا عذر، فإن كان موسى قد تأخر، لكن أعمال الله خلال موسى لم تتوقف، كان المن ينزل عليهم كل صباح، والصخرة كانت تتبعهم، وعمود النور في الليل يرشدهم وعمود السحاب يظلل عليهم نهارًا... إنهم بلا عذر.

يعطي سفر التثنية تعليلاً آخرًا لهذا الإنحراف، وهو اهتمام باللذة الجسدية خلال الأكل والشرب واللهو، إذ يقول: "سمنت وغلظت واكتسبت شحمًا... ذبحوا لأوثان ليست لله... الصخرة الذي ولدك تركته ونسيت الله الذي أبدأك" (تث 32: 15-18).

ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الترف والسكر هما جذبا الشعب إلى عبادة الأوثان[404]. وكما أن "عيسو خلال النهم فقد بكوريته وصار قاتلاً لأخيه"[405]. ويستشهد القديس جيروم على قول الكتاب "جلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب" [6] على أثر النهم في إثارة الخطايا قائلاً: [إذ تحدث في البطن تخمة تثور عندئذ بقية الأعضاء[406]]، كما يعلق على هذا الحدث قائلاً: [لقد ضاع تعب أيام كثيرة كهذه خلال الشبع لمدة ساعة[407]]، وأيضًا قال: [بجسارة كسر موسى اللوحين إذ عرف أن السكارى لا يقدرون أن يسمعوا كلمة الله[408]].

أخيرًا، فإن هذا الشعب يمثل الطبيعة البشرية الفاسدة التي تُريد أن تقيم لنفسها إلهًا حسب أهوائها. تُريد إلهًا يرضي ضمائرها الشريرة ويترك لشهوات جسدها العنان، ولا تريد صليبًا وآلامًا!

2. غضب الله على شعب موسى:

إذ اختار الشعب لنفسه إلهًا آخرًا حسب أهوائه الشريرة لم يحتمل الرب أن ينسب هذا الشعب لنفسه، فلم يعد بعد يدعوه "شعبي" بل نراه يقول لموسى النبي: "إذهب إنزل، لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر" [7]. ويعلق العلامة أوريجانوس على ذلك قائلاً: [كما أن الشعب عندما لا يخطئ يحسب شعب الله، ولكنه إذ يخطئ لا يعود يتحدث عنه كشعب له، هكذا أيضًا الأعياد، عندما تكرهها نفس الله يدعوها أعياد الخطاة، مع أنه عندما قدم الشريعة الخاصة بها دعاها أعياد الرب[409]].

لقد غضب الله على ما بلغ إليه الإنسان، ومع ذلك يفتح الباب أمام موسى ليشفع فيه، إذ يقول له: "رأيت هذا الشعب، وإذ هو شعب صلب الرقبة، فالآن أتركني (وحدي) ليحمي غضبي عليهم وأفنيهم، فأصيرك شعبًا عظيمًا" [9-10]. ففي قوله: "أتركني" يترك له مجالاً للتشفع وإعلان حبه لشعبه، أي ممارسته لعمله الأبوي.

وبالفعل تشفع موسى عن شعبه لدى الله مقدمًا له ثلاث حجج، الأولى يذكر أنه شعبه الذي اهتم به قديمًا فأخرجه بقوة عظيمة ويد شديدة [11]، والثانية أن العدو يشمت بهزيمة أولاده فيقول: "أخرجهم بخبث ليقتلهم في الجبال ويفنيهم عن وجه الأرض" [12]، والثالثة يذكره بمواعيده لآبائهم إبراهيم وإسحق ويعقوب عبيد الرب، الذين أقسم الله لهم بنفسه أن يبارك نسلهم ويهبهم أرض الموعد [3].

أمام دالة موسى النبي يقول الكتاب "ندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه" سنترك الآن الحديث عن قلب موسى المحب الأبوي، لكنني أود أن أوضح أن الله ليس كسائر البشر يخطئ فيندم، إنما يحدثنا هنا بلغة بشرية، بالأسلوب الذي نفهمه، حين نقدم توبة نسقط تحت مراحم الله ورأفاته فلا نسقط تحت العقوبة (الشر).

3. غضب موسى وكسر اللوحين:

موسى النبي الذي لم يحتمل كلمات الرب على شعبه فتشفع فيهم حتى ندم الرب عما كان سيفعله بهم إذ نزل إلى سفح الجبل لم يحتمل رؤية الشعب وهو يرقص حول العجل، فحمى غضبه وطرح اللوحين من يديه وكسرهما [19]. على جبل المعرفة دخل موسى في الأمجاد وتسلم الوصية الإلهية، لكنه إذ نزل إلى سفح الجبل كسر اللوحين، هكذا يليق بنا أن نبقى دائمًا مرتفعين وصاعدين من مجد إلى مجد، أما النزول عند السفح فيجعلنا نكسر الوصية فنسقط تحت الغضب!

لقد تنبأ بموسى حتى في غضبه، فبكسره للوحين أعلن حال البشرية الساقطة تحت لعنة الناموس بسبب كسرها للوصية، وها هي تنتظر عمل النعمة الإلهية عوض الناموس، كقول القديس يوحنا: "لأن الناموس بموسى أعطى أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (يو 1). وقد جاء في رسالة برناباس: [طرح موسى اللوحين عن يديه، وانكسر عهدهما لكي يقوم عهد يسوع المحبوب مختومًا في قلبنا على الرجاء الذي ينبع من إيماننا به[410]].

بكسر اللوحين الحجريين ظهر ثقل الناموس ولعنته على البشرية العاجزة عن تنفيذه، لهذا كان لابد من رفع هذا الحجر أي حرف الناموس القاتل، لتحل محله نعمة السيد المسيح.

هذا ما أوضحه القديس أغسطينوس في تفسيره الرمزي لكلمات السيد المسيح: "إرفعوا الحجر" عند اقامة لعازر من القبر، إذ يقول: [ماذا تعني الكلمات "ارفعوا الحجر"؟ إنها تعني: إكرزوا بالنعمة. لأن الرسول بولس يدعو خدمة العهد الجديد خدمة الروح لا الحرف، إذ يقول "لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحيي" (2 كو 3: 6). الحرف الذي يقتل كالحجر الذي يحطم. لهذا يقول: ارفعوا الحجر. ارفعوا ثقل الناموس، واكرزوا بالنعمة. لأنه لو أعطى ناموس قادر أن يحيي لكان بالحقيقة يتحقق البر بالناموس. لكن الكتاب أغلق على الكل تحت الخطية ليعطي الموعد بإيمان يسوع المسيح للذين يؤمنون[411]].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 32 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 32 جـ2 PDF Print Email

4. سحق العجل الذهبي:

يقول الكتاب: "ثم أخذ العجل الذي صنعوا وأحرقه بالنار وطحنه حتى صار ناعمًا وذراه على وجه الماء وسقى بني إسرائيل" [20].

لماذا تصرف موسى هكذا؟

لقد أحرق العجل بالنار وسحقه وذراه على الماء لكي يشرب الشعب من هذا الماء الممتزج بالمسحوق علامة على أن كل إنسان يلتزم بأن يشرب ثمار خطاياه، وذلك كما أمرت الشريعة أن تشرب المرأة المشتبه في أمرها أنها حملت من رجل غير رجلها وليس من شاهد عليها أن تشرب ماء اللعنة المرّ، فإن كانت برئية تلد ولا يصيبها ضرر، وإن كانت قد تنجست يورم بطنها ويسقط فخذها وتصير لعنة وسط شعبها (عد 5: 11-28).

ويعلق القديس أغسطينوس على تصرف موسى النبي في العجل قائلاً: [رأس العجل هو سر عظيم، إذ هو رأس لجسد أناس أشرار يتشبهون بالعجل في أكلهم العشب، إذ يطلبون الأمور الأرضية كل يوم، لأن كل جسد كالعشب (إش 40: 6) [412]].

ألقاه (موسى) في النار حتى يزول شكله، ثم سحقه جزءًا جزءًا حتى يباد قليلاً قليلاً، وألقاه في الماء وقدمه للشعب لكي يشرب. ماذا يعني هذا إلاَّ أن المتعبدين للشيطان قد صاروا جسدًا متمثلاً به؟! وذلك كما أن الذين يعترفون بالمسيح يصيرون جسد المسيح، فيقال لهم: أنتم جسد المسيح وأعضاؤه" (1 كو 2: 27) [413].

يرى القديس أغسطينوس أن الشعب شرب هذا التمثال بسحقه وتذريته على الماء فاستهلكه، إشارة إلى إبادة جسد الشيطان بواسطة الإسرائليين، إذ يخرج منهم الرسل الذي يكرزون بين الأمم فيفقدون الشيطان أعضاءه[414].

5. تأديب موسى للشعب:

رأى موسى الشعب وقد تعرى بسبب شره، وصار هزءًا بين مقاوميه [25]. لقد تشفع عن الشعب قبل أن يرى بعينيه الشر وقبل الرب شفاعته [14]، لكنه في نفس الوقت أمر بحزم كل الذين للرب – بني لاوي – أن يقتلوا أخوتهم الذين خارج أبواب خيامهم، فقتلوا في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل [28]. لقد أخطأ الشعب، وكان لابد من التأديب. فالذين دخلوا خيامهم في خجل من خطيتهم نادمين نجوا من السيف، والدليل على ذلك أنهم إذ اجتمعوا بموسى في اليوم التالي قال لهم: "أنتم قد أخطأتم خطية عظيمة، فأصعد الآن إلى الرب لعلى أكفر خطيتكم" [20]، أما الذين لم يبالوا بما فعلوا وكانوا خارج خيامهم فقتلوا.

6. شفاعة موسى:

طلب الله من موسى أن يتركه ليحمي غضبه عليهم فيقتلهم [10] ويصيره شعبًا عظيمًا، ولكن القلب الأبوي رفض أن يترك شعبه – مهما بلغت قسوة قلوبهم – بل تشفع فيهم بقوة[415]، إذ قال: "الآن إن غفرت خطيتهم وإلاَّ فامحني من كتابك الذي كتبت" [32]... وبقيت هذه الشفاعة ينبوعًا حيًا يستقي منه الرعاة والخدام الحب الأبوي إلى يومنا هذا. وفيما يلي بعض تعليقات الآباء على هذه الشفاعة:

[قال (الله لموسى) "أصيرك شعبًا عظيمًا" (خر 32: 10)، لكنه لم يقبل، بل إلتصق بالخطاة وصلى من أجلهم. كيف أصلي؟ إنها علامة الحب يا إخوتي! كيف صلى؟ لاحظوا أن تصرفه كان كمن يحمل حنان الأم، الأمر الذي أتحدث عنه كثيرًا. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لقد هدد الله الشعب الذي دنس المقدسات، لكن قلب موسى اللطيف ارتعب، معرضًا نفسه لغضب الله بسببهم، إذ قال: "يا رب، والآن إن غفرت خطيتهم وإلاَّ فامحني من كتابك الذي كتبت" [32]. بهذا نظر إلى عدل الله ورحمته في نفس الوقت. فبكونه عادلاً لا يهلك الإنسان البار (أي موسى)، وبكونه رحيمًا يغفر للخطاة[416]].

[يا لقوة الحب! يا لكماله الذي يفوق كل  كمال!

العبد يكلم سيده بكل حرية، طالبًا العفو عن الشعب أو يهلك مع الجموع[417]].

[يا لعظم كماله، فإنه يود أن يموت مع الشعب ولا يخلص بمفرده![418]].

[يقول: سهل عليّ أن أهلك معهم عن أن أخلص بدونهم!

حقًا إنه حب حتى الجنون، إنه حب بلا حدود!

ماذا تقول يا موسى؟

أما تبالي بالسموات؟... نعم، فإني أحب الذين أخطأوا في حقي!

أتصلي أن يُمحي إسمك؟ نعم، فإنه ماذا أقدر أن أفعل أمام الحب[419]؟!].

[لقد نطق بهذا لكونه صديقًا لله، يحمل طابعه (الحب) [420]!].

[هكذا كان الاهتمام الأول للرجال العظماء النبلاء إنهم لا يطلبون ما لأنفسهم بل كل واحد ما لقريبه. بهذا ازدادوا ضياءًا وبهاءًا!

لقد صنع موسى عجائب وآيات كثيرة عظيمة، لكن أمر واحد جعله عظيمًا هكذا هو حديثه الطوباوي مع الله قائلاً: "إن غفرت خطيتهم وإلاَّ فامحني..."[421]].

[ماذا فعل موسى؟

أليس هذا هو الذي هرب بسبب خوفه من مصري واحد (فرعون) وذهب إلى منفى؟ ومع هذا فإن هذا الهارب الذي لم يحتمل تهديدات إنسان واحد، إذ ذاق عسل الحب بكل نبل ودون التزام من أحد تقدم ليموت مع محبوبيه قائلاً: "إن غفرت خطيتهم وإلاَّ فامحني من كتابك الذي كتبت" [32] [422]].

[هكذا هي أحشاء القديسين، أنهم يحسبون الموت مع أولادهم أعذب من الحياة بدونهم[423]].

يرى الآباء أيضًا أن موسى النبي كان متأكدًا من حب الله الذي يقبل شفاعته ولا يعرض حياته للموت، فيقول القديس أغسطينوس: [إذ عرف أنه يفعل ذلك أمام الرحيم الذي لن يمحِ إسمه قط إنما يغفر لهم من أجله[424]]. ويقول القديس أمبروسيوس: [لم يمحِ الله اسمه، بل فاضت عليه النعمة، إذ لم يوجد فيه شر[425]].

خلال هذا العمل صار موسى مثلاً حيًا للحب والوداعة والحلم حتى أن القديس يوحنا ذهبي الفم يرى في ظهوره مع إيليا عند تجلي السيد المسيح أمام تلاميذه، كان إعلانًا عما يجب أن يكون عليه التلاميذ من سمات فيحملون وداعة موسى وحلّمه الذي صرف غضب الله عن شعبه، وحزم إيليا وغيرته الذي طلب أن تحلّ المجاعة ثلاثة سنين ونصف للتأديب.

أما عن فاعلية شفاعة موسى في شعبه فيعلق عليها القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [حقًا إن صلوات القديسين لها قوتها العظيمة بشرط توبتنا وإصلاحنا لنفوسنا. فإنه حتى موسى الذي أنقذ أخاه وستمائة ألف رجل من غضب الله لم يستطيع أن يخلص أخته[426]].

وفي حديث القديس جيروم عن شفاعة القديسين يقول: [إن كان رجل واحد أي موسى كسب صفحًا من الله عن ستمائة ألف رجل حرب، واستفانوس الشهيد المسيحي توسل طالبًا المغفرة عن مضطهديه، فهل عندما يدخل هؤلاء بحياتهم إلى المسيح تكون قوتهم أقل من هذا؟![427]].

أخيرًا، مع قبول شفاعة موسى للشعب يقول الله لموسى: "والآن إذهب إهدِ الشعب إلى حيث كلّمتك. هوذا ملاكي يسير أمامك، ولكن في يوم افتقادي أفتقد منهم خطيتهم" [34]، فضرب الرب الشعب، لأنهم صنعوا العجل [35].

لقد قبل شفاعة موسى النبي فلا يفنيهم، بل يعطي العون حتى تتم وعوده مع الشعب، لكنه ليس بدون شرط، فإنهم إذ قبلوا الخطية حين يفتقدهم بالخلاص أيضًا يفتقد فيهم الخطية أي يؤدبهم، لذلك ضربهم بالتأديب حتى يعود ويعلن عمله الخلاصي في حياتهم.

حب الله أو رحمته لا تتعارض مع عدله، إن كان يغفر لكنه لا يقبل الإستهتار ولا يتحد مع الإنسان وهو بعد في خطيته. ولعله قصد بقوله "أفتقد فيهم خطيتهم" إشارة إلى دفعه ثمن الخطية وقبوله الموت عنهم في يوم افتقاده لهم على الصليب، حتى يعبر بهم أرض الموعد الحقيقية.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 32 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 33 جـ1 PDF Print Email

تجديد العهد

سقوط الشعب وعبادته للعجل الذهبي لم يكن بالأمر الهيِّن، لذا رأينا الله يسرع بإنزال موسى إليهم مصرحًا له أن يتركه ليفنيهم، فتشفع موسى لديه، وإذ عاد موسى إلى أسفل الجبل رأى الشعب ساقطًا في الخطية كسر اللوحين وقام بتأديب الشعب بمرارة، ثم عاد يشفع فيهم من جديد طالبًا إما أن يخلص مع شعبه أو يهلك هو معه، وقبل الرب الشفاعة... وكان لابد من الدخول في مناقشات جديدة تنتهي بتجديد العهد الذي كسرّ الشعب بخطيته، وتجسم في كسر اللوحين. هذا ما نراه في الأصحاحين الثالث والثلاثين والرابع والثلاثين.

وقد شمل الأصحاح الثالث والثلاثون الآتي:

1. عتاب إلهي مع الشعب                      [1-6].

2. مسكن موسى كخيمة اجتماع               [7-11].

3. استعطاف الله                               [12-17].

4. الصدقة الإلهية                             [18-23].


1. عتاب إلهي مع الشعب:


لقد قبل الله شفاعة خادمه موسى، وأكد له أنه يبقى أمينًا بالرغم من عدم أمانة الناس، إذ يقول له: "إذهب إصعد من هنا أنت والشعب الذي أصعدته من أرض مصر إلى الأرض التي حلفت لإبراهيم وإسحق ويعقوب قائلاً لنسلك أعطيها" [1]. إنه يحقق وعوده حسبما تعهد مع آبائهم، لكنه يغيِّر طريقة تحقيقها، إذ نلاحظ في حديثه:

أ. لا زال يحمل ألمًا من جهة هذا الشعب، فلا يدعوه "شعبي" ولا يتحدث بلغة الصداقة الأولى... ربما لكي لا يستسهل الشعب الخطية، ويستغل محبة الله ومراحمه.

ب. لا يعود يحلّ في وسطهم بنفسه، إذ يقول: "وأنا أرسل أمامك ملاكًا... فإني لا أصعد في وسطك لأنك شعب صلب الرقبة، لئلا أفنيك في الطريق" [3]. أنه يرسل "ملاكًا" للدفاع عنهم ومساندتهم مع إرشادهم، وهذا غير الملاك الذي تحدث عنه في الأصحاح الثالث والعشرون الذي هو الأقنوم الثاني إذ يقول "لأن اسمي فيه" (23: 21). فإن الله قد انسحب من وسط الشعب، لأنه أي شركة بين الله والإنسان صلب الرقبة (3: 5). الله لا يقبل ولا يمكن أن تتحق الشركة هكذا، والإنسان أيضًا لا يحتمل، إذ يقول: "قل لبني إسرائل أنتم شعب صلب الرقبة؛ إن صعدت لحظة واحد في وسطكم أفنيكم" [5]؛ وكأنه من رحمة الله عليهم ألاَّ يصعد في وسطهم وهم بعد في خطيتهم!

ج. فتح الرب باب الرجاء أمام موسى والشعب بحديثه عن التوبة قائلاً: "ولكن الآن أخلع زينتك عنك فأعلم ماذا أصنع بك" [5]، وكأنه يقول لهم: إخلعوا اتكالكم على ذواتكم، واتركوا شهوات جسدكم واعطوني فرصة للعمل في وسطكم!


2. مسكن موسى كخيمة إجتماع:

ناح الشعب ونزعوا زينتهم عنهم [4-6] كعلامة لحزنهم المقدس وتوبتهم، لكن الله لم يعد يجتمع مع موسى داخل المحلة التي تنجست بهذه الخطية البشعة والتزم موسى أن يأخذ خيمة وينصبها إلى خارج المحلة بعيدًا، ودعها خيمة الإجتماع [7].

هذه ليست خيمة الإجتماع التي أمر الله موسى بصنعها فإنها لم تكن بعد قد صنعت لكنها خيمة موسى الخاصة بعبادته، أي مخدع صلاته، خرج بها بعيدًا عن الشر حتى يلتقي بالله داخلها ويكلمه "وجهًا لوجه كما يكلم الرجل صاحبه" [11].

هذا لا يعني أن موسى رأى وجه الله، لكن العبارة هنا تعني أن الله كان يحدث موسى مباشرة وبصوت مسموع واضح وليس كما كان مع الشعب إذ يقفون بعيدًا جدًا كلٌ في باب خيمته ويرون عمود السحاب نازلاً عند باب خيمة الإجتماع. لقد دخل موسى خلال حبه لله ولشعبه في صداقة خاصة مع الله. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ كان موسى وديعًا وحليمًا جدًا كما قيل عنه "وكان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (12: 13)، لهذا كان مقبولاً لدى الله وموضع حبه حتى قيل أنه كان يتحدث مع الله وجهًا لوجه وفمًا لفم كمن يحدث صديقه[428]].

بهذه الخيمة هيأ الله الشعب لخيمة الإجتماع التي يقيمها موسى حسب الأمر الإلهي، إذ كانوا يرون مجد الله عند باب الخيمة، فكانوا يسجدون كل واحد في باب خيمته، بل إنهم صاروا يهابون موسى، فإذا خرج إلى الخيمة يقف كل واحد في باب خيمته وينظرون وراء موسى حتى يدخل الخيمة [8]. لقد أدركوا قدسية اللقاء مع الله وقدسية خدام الله!

وكما تتلمذ يشوع الشاب على يدي موسى خاصة على جبل المعرفة المقدس، إذ رافقه هناك لكنه لم يرتفع معه على قمته (خر 24: 13) هنا صار يتلمذه على روح العبادة، إذ يقول "وإذا رجع موسى إلى المحلة كان خادمه يشوع بن نون لا يبرح داخل الخيمة" [11]. فالتلمذة لا تقف عن المعرفة ولكن يلزم أن تمتزج بالحياة التعبدية التقوية.

لعل ترك يشوع في الخيمة كان لمساندة موسى أيضًا، فإذا ما خرج موسى من الخيمة للخدمة بقى يشوع في الخيمة يصلي من أجله، وكأن الكرازة والعبادة متكاملان، لا نجاح للخدمة إلاَّ بروح الصلاة والعبادة.

ويرى الأب أفراهات[429] أن عدم مفارقة يشوع بن نون للخيمة تعني التزامه بحياة البتولية، فالخيمة في ذلك لم يكن يخدم بها نساء أو تقترب إليها امرأة، فإذا أرادت النساء الصلاة يصلون عند الباب ولا يدخلونها، أما يشوع فبقى في الخيمة يكرس حياته كلها للعبادة غير منشغل حتى بالحياة العائلية.


3. استعطاف الله:

عرف موسى النبي كيف يتعامل مع الله بروح الاتضاع مع دالة الحب والجرأة... كان نهازًا للفرص، لا يترك فرصة إلاَّ ليدخل بالأكثر إلى الأحضان الإلهية يغتصب لنفسه ولشعبه رحمة وحبًا! لهذا يقول الرب نفسه: "ملكوت السموات يغصب والغاصبون يختطفونه" (مت 11: 12).

بعد أن غفر الله خطية هذا الشعب الشنيعة، وعاد الله يتحدث مع موسى وجهًا لوجه في خيمة الإجتماع المؤقته خارج المحلة، بدأ موسى يعاتب الرب في جرأة مع اتضاع: "أنظر، أنت قائل ليّ أصعد هذا الشعب وأنت لم تعرفنيّ من ترسل معي، وأنت قد قلت عرفتك باسمك. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ووجدت أيضًا نعمة في عينيك..." [12]. كأن موسى يقول للرب، هل تحتاج أن أستعطفك على شعبك؟ من الذي أرسل الآخر؟! أنت الذي أمرتني باصعاد هذا الشعب، فهل تتركني؟! لقد قلت ليّ أنك عرفتني باسمي وإنني وجدت نعمة في عينيك، إذن فلتسمع ليّ ولا تتركني في القيادة بمفردي.

في دالة يقول لله "أنظر" [12]، وفي دالة يقول له "أنت قلت عرفتك باسمك" وفي الترجمة السبعينية "عرفتك فوق الكل". الله يعرف الجميع، لأنه عالم بكل شيء، لكن المعرفة هنا ليست الفهم والإدراك إنما معرفة القبول والصداقة، كما يقول الرسول أن الرب يعرف الذين هم له (2 تي 2: 19)، أما الذين يفعلون الشر فيقول لهم الرب: لا أعرفكم (مت 7: 23) [430].

مرة أخرى في دالة الحب الحقيقي يقول له "علمني طريقك لكي أعرفك" [13]، فإن كنت أنت كإله قد عرفتني باسمي وأنعمت عليّ بهذا، فاسمح ليّ أن أعرف طريق معاملات حبك مع شعبك لكي أعرفك أنا أيضًا! كما تعرفني باسمي، أريد أن أعرفك باسمك ليست معرفة الفهم والإدراك بل معرفة الحب والصداقة!

مرة أخرى في دالة يكرر في حديثه مع الله كلمت "شعبك" [13، 16]، ثلاث مرات، كأنه يقول له إن كنت تدعوه "الشعب" فهو منسوب لك، وأنت أيها الرب قد خصصته لك، وكل الشعوب تعرف ذلك.

أخيرًا بعد دخوله إلى هذه الدالة العظيمة يقول الرب: "إن لم يسر وجهك فلا تصعدنا من هنا" [15]. لن نقبل عنك بديلاً، ولن نسترح بدونك! أمام هذا الحب وهذه الدالة يقول الرب لموسى: "وجهي يسير فأربحك... هذا الأمر أيضًا الذي تكلمت عنه أفعله!" [14، 17]. من يقدر أن يغتصب قلب الله هكذا حتى يشتاق الله أن يريحه، وما يتكلم به العبد يفعله الخالق؟!

ليتنا في كل عمل وقبل كل تصرف نصرخ مع موسى، قائلين: "إن لم يسر وجهك فلا تصعدنا من هنا". وجه الله هنا إشارة إلى الأقنوم الثاني الذي تأنس فصار بيننا يقود حياتنا ويصعد بنا إلى أحضان الآب.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 33 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 33 جـ2 PDF Print Email

4. الصداقة الإلهية:

لم تتقف طلبات موسى من إلهه؛ حقًا قد عادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل أن يخطئ الشعب بعبادته العجل، ووعد الله أن يفعل ما طلبه موسى، ويسير وجهه في وسطهم، لكن موسى يطمع في عطايا الله اللانهائية، فقد سأل في جرأة "أرني وجهك" [18].

تشجع موسى فسأل الله، طالبًا منه ما لم يتجاسر أحد من قبل على طلبه إذ التهب قلبه بنار الحب الإلهي أراد أن يرى الله كما هو... ماذ يكون؟! أراد أن يتعرف على ذاك الذي لا يدرك ويرى غير المنظور... فكانت إجابة الرب له هكذا: "أجيز كل جودتي قدامك، وأنادي باسم الرب قدامك، وأتراءف على من أتراءف وأرحم من أرحم[431]... لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش" [19-20].

كأن الله يُجيب موسى: لقد سألت أمرًا أنت لا تحتمله، فأنا لا أبخل على خليقتي، أني أقدم لك كل إحساناتي وخيراتي وأعلن اسمي لك وأتراءف وأرحم، أقدم كل شيء للإنسان، أما وجهي فلا يقدر الإنسان أن يراه ويعيش! إن هذه الرؤيا المجردة الكاملة للاهوت هي فوق كل طاقة بشرية!

في قول موسى "أرني وجهك" إعلان واضح أن معرفتنا لله لا تأتي بحكمة بشرية، إنما بقوة الله، إذ يقول القديس اكليمندس الإسكندري: [إقتنع موسى أن الله لا يُعرف بالحكمة البشرية... والتزم أن يدخل في الظلام الكثيف (السحاب) حيث كان صوت الله، ليبلغ إلى الأفكار الخاصة بوجود الله غير المدرك ولا منظور. الله ليس في ظلام ولا في مكان، إنما هو فوق المكان والزمان وفوق كل السمات[432]. كما يقول: [بقوله هذا أشارة بكل وضوح أن الله لا يمكن أن نتعلم عنه بواسطة إنسان، ولا أن نعبر عنه بكلمات، لكننا نعرفه خلال قوته[433]].

الله الذي لا يرى يعلن ذاته داخل النفس قدر ما تستطيع أن ترى، لكن جوهر لاهوته لا يقدر أحد أن يعاينه، إذ لا يعرف أحد الآب كما هو إلاَّ الابن (مت 11: 27، يو 6: 46)، ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن جميع الرؤيا التي تمتع بها الآباء والأنبياء هي من قبيل تنازل الله، معلنًا ذاته قدرما يحتملون، حتى الخليقة السماية بجميع طغماتها ترى الله هكذا. الابن وحده هو الذي يعرف جوهر الآب، وقد تجسد لا ليعلن الجوهر الإلهي إنما ليعلن عن ذاته خلال الناسوت[434].

عندما سأل فيلبس السيد المسيح: أرنا الآب وكفانا، أجابه السيد: "من رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 8). كانت إجابة السيد كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أشبه بهذا: يستحيل عليك أن تراه أو ترأني. لأن فيلبس ظن أنه يعرف الله خلال النظر، وحسب نفسه أنه قد عرف المسيح برؤيته له، فأراد أن يعرف الآب هكذا. لكن يسوع أوضح له أنه لم يَرَ بعد حتى المسيح نفسه[435]].

إننا نراه هنا خلال عمله فينا، نتمثل به فنصير خاصته وأصدقاء له، بهذا نعاينه لا في جوهر لاهوته لكن خلال علاقة الحب والشركة معه. يقول القديس اكليمنس الإسكندري: [من الواضح أنه لا يقدر أحد في هذه الحياة أن يدرك الله بوضوح، لكن أنقياء القلب يعانون الله (مت 5: 8)، إذ يبلغونه خلال الكمال النهائي[436]].

أخيرًا أجاب الرب موسى سؤاله بقوله: "هوذا عندي مكان، فتقف على الصخرة، ويكون متى اجتاز مجدي إني أضعك في نقرة من الصخرة وأسترك بيدي حتى أجتاز، ثم أرفع يدي فتنظر ورائي، وأما وجهي فلا يرى" [21-23].

هذا الحديث يُشير[437] إلى التجسد الإلهي، فقوله "هوذا عندي مكان، كأنما يعني، لقد حققت طلبك بالقدر الذي تحتمله، فإني أحملك إلى سرّ التجسد فتقف على الصخرة، أي ترتكز على السيد المسيح (الصخرة الحقيقية). أما قوله تنظر ورائي فيُشير إلى نهاية الأزمنة حيث يجتاز الله على العالم معلنًا حبه فنرى الله خلال التجسد الإلهي، كمن هو في سترة يد الله (المسيح) يرى مجد اللاهوت (في نقرة من الصخرة)، فيقول مع الرسول يوحنا: "ورأينا مجد مجدًا كما لوحيد من الآب" (يو 1: 14).

وللقديس باسيليوس تفسير روحي لإجابة الرب، إذ يقول: [ماذا يعني بقوله عندي مكان سوى الرؤيا في الروح؟ التي لما صار موسى فيها استطاع أن يرى الله ظاهرًا له بطريقة تمكنه من التعرف عليه. هذا هو المكان الخاص بالعبادة الحقيقية، فقد قال: "إحترز من أن تصعد محرقاتك في كل مكان تراه، بل في المكان الذي يختاره الرب" (تث 12: 13). إذن ما هي المحرقة الروحية؟ ذبيحة التسبيح. في أي مكان نقدمها إلاَّ في الروح القدس؟! ممن تعلمنا هذا؟ من المسيح نفسه القائل: "الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق" (يو 4: 23). ولما رأى يعقوب هذا المكان قال: "حقًا إن الرب في هذا المكان" (تك 28: 16). الروح هو مكان القديسين، والقديسون هم مكان خاص بالروح، إذ يقدمون أنفسهم لسكن الله ويسمون هيكل الله. وذلك كما يتحدث بولس عن السيد المسيح قائلاً انه يتكلم في حضرة الله، كذلك يتكلم في الروح بالأسرار والروح يتكلم أيضًا فيه[438]].

 

السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 33 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 34 PDF Print Email

تجديد العهد (يتبع)

1. لوحان آخران للعهد                        [1-4].

2. نزول الرب وحديثه مع موسى              [5-10].

3. شرطا التجديد                               [11-26].

4. صوم موسى                                [27-28].

5. لمعان وجه موسى                         [29-35]


1. لوحان آخران للعهد:

في المرة الأولى قدم الله اللوحين منحوتين ومنقوشة الوصايا عليها، لكن في هذه المرة طلب الله من موسى أن ينحت اللوحين مثل الأولين، ويكتب الله عليهما. لقد جدد الله العهد مع شعبه الساقط، لكن الشعب فقد اللوحين اللذين من عمل الله.


2. نزول الرب وحديثه مع موسى:

لقد حقق الله وعده لموسى: "ويكون متى اجناز مجدي..." (33: 22)، إذ نراه هنا قد "إجتاز الرب قدامه" [6]، وأعلن الرب عن طبيعته أنه "إله رحيم ورؤوف بطئ الغضب وكثير الإحسان والوفاء، حافظ الإحسان إلى ألوف، غافر الإثم والمعصية والخطية، ولكنه لن يبرئ إبراءً، مفتقد إثم الآباء في الأبناء وفي أبناء الأبناء في الجيل الثالث والرابع" (6: 7).

إنه يحقق أيضًا وعده: "أنادي باسم الرب قدامك، وأتراءف على من أتراءف وأرحم من أرحم" [19]. لقد أوضح ماذا يعني أنه يتراءف على من يتراءف ويرحم من يرحم، إنها ليس كما تبدو لأول وهلة إن الله لديه محاباه يرحم من يشاء حتى وإن كان غير تائب، ويقسو على من يشاء حتى وإن كان تائبًا! إنما أحكامه فوق الفكر البشري، هو يرحم متى رأى الإنسان قدم توبة، أو مشتاقًا إلى التوبة. هوذا الآن يعلن رحمته بتجديد العهد، لكن ليس بغير عدل إنما بعد أن قدموا توبة صادقة، ونزعوا عنهم زينتهم (33: 6) وناحوا (33: 4).

قوله "أرحم من أرحم" تشبه قول الرسول بولس: "أنا غرست وأبولس سقى لكن الله كان ينمي" (1 كو 3: 6). حقًا الله هو الذي يهب النمو لكرمه أي الكنيسة، لكن هل يعمل الله من غير أن يغرس الرعاة ويسقوا الكرمو؟! أو هل يتوقف الرعاة عن العمل لأن الله هو الذي ينمي؟! هم يبذلون ما في استطاعتهم لكن لا حياة بدونه! هكذا نحن نقدم التوبة لكن لا رحمة من أجل برّ فينا إنما من أجل الله الذي يرحم من يرحم. وكما يقول القديس أغسطينوس: [من يظن أن في الله ظلمًا لكونه يؤدب تأديبًا عادلاً على من يستحق ذلك أو يطيل أناته ورحمته... فهو غبي[439]].

استخدم الرسول بولس هذه العبارة في رسالته إلى أهل رومية، إذ يقول: "فماذا نقول؟! ألعل عند الله ظلمًا؟! حاشا. لأنه يقول لموسى إني أرحم من أرحم وأتراءف على من أتراءف، فإذًا ليس من يشاء ولا لمن يسعى بل لله الذي يرحم" (رو 9: 14-16). ماذا يعني هذا، هل أننا لا نشاء ولا نسعى لأنه هو الذي يرحم أو يقسو كما يشاء؟! يستحيل. لكن يُريد الرسول أن يؤكد أن رحمة الله مجانية وحبه من أجل طبيعته، أنه يهب الذين يشاءون التوبة ويسعون إليه لكنه ليس من أجل حبه ورحمته وخلاصه المجاني. وقد أراد الرسول في هذا الأصحاح أن يوضح إن كان الرب قد قبل شعب إسرائيل ورحمه قديمًا فليس له فضل في ذلك، وإن كان الأمم قد اشتهوا الخلاص وآمنوا أيضًا ليس لهم فضل، الله الذي يرحم إسرائيل قبلاً يرحم كل الأمم حاليًا، فليس لإسرائيل أن يعترض!! فقد سبق وتنبأ هوشع النبي بلسان الرب قائلاً: "سأدعو الذي ليس شعبي شعبي والتي ليست محبوبة محبوبة" (رو 9: 25)، ليس على حساب الشعب القديم وإنما لأن الشعب القديم قد رفض والأمم قبلوا![440].

أما قوله انه يفتقد إثم الآباء في الأبناء، فقد شرحناه قبلاً أثناء الحديث عن الوصية الأولى (أصحاح 20).

إذ سمع موسى صوت الرب "أسرع وخرّ إلى الأرض وسجد" [8]، مقدمًا الخضوع والتوبة نيابة عن الشعب كله فجدد الرب العهد قائلاً: "ها أنا أقطع عهدًا..." [10].


3. شرطا التجديد:

إذا يقطع الرب عهدًا مع الشعب بعد سقوطه في عبادة الأوثان قدم لهما شرطين أساسيين:

أ. شرط سلبي: هو تحطيم الخطية بكل صورها، إذ يقول "إحترز من أن تقطع عهدًا مع سكان الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصيروا فخًا في وسطك، بل تهدمون مذبحهم وتكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهم، فإنك لا تسجد لإله آخر، لأن الرب إسمه غيور. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). إله غيور هو...". وكما قلنا قبلاً لم يكن ممكنًا للشعب أن يميز بين الخطية والخطاة، فإبادة كل ما يتعلق بالخطاة كان رمزًا لإبادة الخطية في حياتنا.

ب. شرط إيجابي: لا يكفي الهروب من الشر، ولكن الجانب الإيجابي ضروري في العهد، كحفظ الأعياد وتقديم الأبكار وتقديس يوم الرب... الأمور التي تلهب قلب الإنسان بنار محبة الله، تعطيه فرحًا وراحة! وقد سبق الحديث عن هذه الأمور.


4. صوم موسى:

إمتزج العهد بالصوم، إذ "كان هناك عند الرب أربعين نهارًا وأربعين ليلة لم يأكل خبزًا ولم يشرب ماءً" [28].

إذ كان عند الرب لم يحتاج إلى خبز أو ماء، إذ كان الرب هو شعبه وسرّ ارتوائه. وقد رأينا قبلاً أن رقم 40 يُشير إلى الحياة الزمنية، وكان الإنسان في تمتعه بلذة الوصية والشركة مع كلمة الله يلزم أن يقضي حياته بعيدًا عن حياة الترف.


5. لمعان وجه موسى:

إذ وقف موسى أمام الله صار "جلد وجهه يلمع في كلامه معه" [28]، الأمر الذي لم يحدث طوال السنوات السابقة، أثناء لقائه معه خلال العليقة الملتهبة أو عند تسلم الوصايا العشر في المرة الأولي أو الشريعة... وكأن الله أراد أن يكافئه في هذه المرة لقاء حبه الشديد لشعبه، فإن كان بالحب قبل أن يمحى إسمه من الكتاب الأبدي، فإنه بالحب صار وجهه يضئ وهو بعد على الأرض! هذا هو بهاء حياة الحب الحقيقية ومجدها!

يرى القديس اكليمندس الإسكندري في لمعان وجه موسى رمزًا للإنسان الغنوسي أي صاحب المعرفة الحقيقية العملية، فإنه يتمجد هنا على الأرض كما حدث لموسى، فيحمل جسده سمات النفس البارة[441]. يرى العلامة ترتليان في هذا الحدث إعلانًا لعمل الله في القيامة، فإن كان موسى هو بعينيه قد تمجد حتى لم يستطع الشعب أن ينظر إلى وجهه المضيئ، هكذا يكون حالنا في القيامة[442].

أما البرقع الذي وضعه موسى حين كان يتحدث مع الشعب حتى يقدر أن يقف بينهم ويحدثهم، فهو ذاك الذي أزاله السيد المسيح بنوالنا نعمته (2 كو 3: 13-14)، وكما يقول القديس بولس أن البرقع لا يزال موجودًا لدى اليهود على قلوبهم غير المؤمنة (2 كو 3: 7)، لهذا لا يستطيعوا إدراك أسرار الناموس وروحه الخفي!

يتحدث العلامة أوريجانوس عن هذا البرقع قائلاً:

[إن قرأنا بإهمال بلا غيرة للفهم أو الإدراك يكون الكتاب كله مُغطى بالبرقع حتى الأناجيل والرسائل[443]].

[يأتي بعضكم بعد القراءة مباشرة، والبعض لا يناقش ما يسمعه، ولا ينطق به، هؤلاء لا يتذكرون وصايا الناموس الإلهي القائلة: "إسأل أباك فيخبرك وشيوخك فيقولوا لك" (تث 32: 7). والبعض لا ينتظر حتى نهاية القراءة في الكنيسة، وآخرون لا يهتمون إن كانت القراءات قد تليت أم لا... أقول عن هؤلاء أنه عند قراءة موسى ليس فقط لا يوضع برقع بل يوضع حائط وسور في قلبهم[444]].

[لا تكفي الدراسة لمعرفة الكتب المقدسة إنما يليق بنا أن نتضرع إلى الرب ونتوسل إليه نهارًا وليلاً حتى يأتي الحمل الذي من سبط يهوذا ويمسك الكتاب المختوم ويفك ختومه (رؤ 5: 5). هذا الذي لما شرح الكتب لتلميذيه إلتهب قلباهما فقالا: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يشرح لنا الكتب" (لو 24: 32). ليتحنن الرب علينا الآن، إذ قيل: الرب هو روح، وحيث روح الرب هناك الحرية (2 كو 3: 17) حتى تثبت حرية المعرفة ونخلص من عبودية البرقع، لهذا أضاف الرسول قائلاً: "ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف"... ولكن كيف يمكن أن نجد هذه الحرية إن كنا لا نزال عبيدًا للعالم والمال وشهوات الجسد؟![445]].


+ إقرأ إصحاح 34 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 35 - 40 PDF Print Email

صنع الخيمة واقامتها وتكريسها

قدمت لنا هذه الأصحاحات (35: 40) صورة تفصيلة لعمل الخيمة وإقامتها وتكريسها حيث أعلن الله مجده فيها، وقد سبق لنا الحديث عن الخيمة وأدواتها (ص 25، 26، 27، 30، 31)، لذا سأكتفي هنا بالملاحظات البسيطة التالية:


1. لماذا ذكرت تفصيلات الخيمة بإسهاب مرة أخرى؟

أ. أراد الكتاب المقدس أن يؤكد أن الصناع قد اتزموا بالدقة الشديدة في عمل الخيمة وكل أدواتها حسب المثال الذي أمر به الله موسى. فإن الله الذي يهتم بإقامة مسكن روحي في داخلنا يُريد فينا الدقة في تنفيذ الوصية.

ب. تسجيل أعمال الطاعة التي قام بها هذا الشعب لتصير جزءًا حيًا من كلمة الله، إنما يعلن لنا أننا – خلال أعمال الطاعة – تصير حياتنا مسجلة في سفر الحياة ويُكتب لنا الخلود.


2. التقدمات:

رأينا قبلاً قول الكتاب "خذوا من عندكم تقدمة للرب" (35: 5)، إنها قد حملت تقدمة داخلية، فيقدم الإنسان حياته وقلبه ومشاعره وفكره... لهذا تنوعت التقدمات لكننا لا نجد فيها "رصاصًا" لأنه يُشير للخطية، إنما نجد الذهب والفضة والنحاس... حتى شعر الماعز وجلود الكباش والتخس التي تُشير إلى حياة الإماتة وضبط شهوات الجسد.

يؤكد الكتاب: "جاء الرجال مع النساء كل سموح القلب..." هذه الشركة في العطاء تُشير إلى إشتراك النفس مع الجسد، والفكر مع العاطفة، أي تقديس الإنسان كله كوحدة واحدة. وكما يقول العلامة أوريجانوس: [النساء هن صالحات يَطعن رجالهن، بمعنى أن الجسد صالح لا يتمرد على الروح بل يطيعها وينسق العمل معها[446]].

كما أن الجسد يمكن أن يحطم النفس بمقاومته لها خلال الشهوات الشريرة، فيحرم الأثنان معًا من الأمجاد الإلهية، هكذا بخضوعه يعمل مع النفس تحت قيادة السيد المسيح بواسطة روحه القدوس لينالا معًا الإكليل السماوي. وكما يقول العلامة أوريجانوس أنه إذ يتم التنسيق بين النفس والجسد والوحدة بينهما في العمل الروحي يسكن الله في الإنسان كقول الرب: "إن اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون في وسطهم" (مت 18: 19).

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى نجد أيضًا في هذا العمل صورة حية للكنيسة الحية التي يعمل فيها الرجال مع النساء ويشترك الشيوخ أيضًا... الكل يقدم شيئًا، ليس من خاملٍ ولا من عقيم فى أعضاء جسد السيد المسيح.

تخصص الرؤساء في تقديم حجارة الجزع وحجارة الترصيع للرداء والصدرة وتقديم الطيب والزيت للضوء ولدهن المسحة وللبخور العطر [27-28]، هؤلاء الرؤساء يشيرون للعمل القيادي لذا قدموا الحجارة التي تحدثنا عنها قبلاً والتي تُشير إلى حمل الشعب على الكتفين والصدر للدخول بهما إلى هيكل الرب بروح أبوي، نحمل مسئوليتهم ونصلي عنهم! هؤلاء يملأون أيضًا السراج بالزيت حتى تضيئ حياتهم العملية بنور الإيمان العملي الحيّ فيشهدوا لله أمام الجميع، ويقدموا دهن المسحة لتكون أعمالهم ممسوحة بالروح القدس، أما البخور والعطور فلأن سرّ نجاحهم هو "الصلاة الدائمة" وتقديم حياتهم ذبيحة حب رائحة بخور زكية لدى الله.


3. الحكمة في العمل والتبرع:

يلزمنا إذ نملك مواد الخيمة أن تكون لنا الحكمة في بناء الخيمة، وكما يقول العلامة أوريجانوس: [ماذا ينفعك لو أنك ملكت هذه المواد ولا تستطيع أن تستعملها، وتجهل إبراز قيمتها في الوقت المناسب وبالطريقة اللائقة؟! لهذا يليق بنا أن نجاهد لنصير حكماء، لكي نقدر أن نستخدم الأشياء التي نتعلمها من الكتب المقدسة في حينها، ونضعها في مكانها المناسب، فنبني بها مسكن الله ونزينه[447]].


4. التبكير في العطاء:

كان الشعب يقدم عطاياه كل صباح (36: 3)، والصناع يقدمون أعمالهم، ليس كحماس مؤقت ولكن بروح مثابر دائم حتى صار هناك فيض فوق الحاجة. هذه صورة الحياة العاملة التي تقدم للرب حياتها الداخلية وأعمالها كل صباح، أي في وقت مبكر، ولا تنتظر لتقدم للرب ما يتبقى منها في آخر النهار. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). إنها تعطيه الأولوية في كل حياتها، الله أولاً وقبل كل إنسان وقبل كل عمل! لهذا تقول الحكمة (الرب): "أنا أحب الذين يحبونني والذين يبكرون إليّ" (أم 8: 17). ويقول المرتل: "يا الله إلهي أنت. إليك أبكر. عطشت إليك نفسي، يشتاق إليك جسدي في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء لكي أبصر قوتك ومجدك كما قد رأيتك في قدسك" (مز 63: 1-2).

تقديمهم عطاياهم في الصباح لا يعني فقط أنهم يقدمون من أعوازهم، لكنهم أيضًا يقدمون بفرح وابتهاج بغير تردد ولا تأجيل، وكأنهم يتمثلون بمريم المجدلية التي خرجت في الصباح الباكر تحمل أطياب الحب لتلتقي بالسيد المسيح القائم من الأموات.


5. تدشين الخيمة (ص 40):

إذ أطاع الشعب أوامر الله بكل دقة أُقيمت الخيمة، وتقبلها الله الذي تسعه السموات والأرض لتكون مسكنًا له وسط شعبه!

كان يومًا مفرحًا إذ سيم الكهنة ودشنت كل الخيمة وأدواتها "ثم غطت السحابة خيمة الإجتماع وملأ بهاء الرب المسكن، فلم يقدر موسى أن يدخل خيمة الإجتماع، لأن السحابة حلت عليها وبهاء الرب ملأ المسكن" [34-35]. هنا موسى بكل ما بلغ إليه من دالة لدى الله عجز عن الدخول إلى الخيمة لأن السحابة حلت عليها وبهاء الرب ملأ المسكن، وكأنه أراد أن يعلن لشعبه أنه قدم الرمز كاملاً وترك الطريق للابن الوحيد الذي في حضن الآب، وهو وحده الذي يدخل قدس الأقداس، يحملنا فيه لننعم بسحابة الروح القدس التي تملأ المسكن وندخل به إلى بهاء الرب وشركة أمجاده إلى الأبد.



+ إقرأ إصحاح 35 إلى 40 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
<< Start < Prev 1 2 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


3 هاتور 1736 ش
13 نوفمبر 2019 م

نياحة القديس كرياكوس الكبير من أهل كورنثوس عضو مجمع القسطنطينية
استشهاد القديس أثناسيوس وأخته إيرينى من القرن الثانى الميلادى
استشهاد القديس أغاثون

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك