إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

ليس الطموح خطية بل هو طاقة مقدسة به يتجه الإنسان إلى الكمال كصورة الله

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر الخروج

+ تفسير سفر الخروج +



تفسير سفر الخروج اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

 

أحداث الخلاص في مصر

 

(1: 1-12: 36)


الحاجة إلى مخلص

يحدثنا هذا الأصحاح عن:

1. نشأة بني إسرائيل في مصر       [1-7].

2. خضوعهم للعبودية                [8-14].

3. قتل الذكور                        [15-22].

قصة العبودية:


يروي لنا هذا السفر قصة العبودية في كثير من التفاصيل، أولاً لأنها تمثل قصة عبوديتنا للخطية لتي من أجلها جاء السيِّد المسيح لتحريرنا. وثانيًا لأن هذه التفاصيل تمثل جوانب حيَّة تمس حياتنا وعلاقتنا مع الله. أما السبب الثالث فهو أننا كثيرًا ما ننسى أو نتناسى هذه العبودية القاتلة، لذلك عندما أعلن السيِّد المسيح رسالته،  قائلاً: "تعرفون الحق والحق يحرركم" (يو 8: 32)، أجابه اليهود: "إننا ذرية إبراهيم ولم نستعبد لأحد قط. كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحرارًا؟!" ويعلق القدِّيس أغسطينوس على هذه الإجابة  قائلاً:

*  [حتى إن نظرنا إلى الحرية التي في العالم (وليس التحرر من الخطية) فأين الحق في قولهم أننا ذرية إبراهيم ولم نستعبد لأحد قط؟ ألم يبع يوسف (تك 37: 28)؟ ألم يؤخذ الأنبياء القدِّيسون إلى السبي (2 مل 24، حزقيال 1: 1)؟ وأيضًا أليسوا هم تلك الأمة التي كانت تخضع لحكام قساة فيصنعون اللَبْن في مصر، يخدمون ليس فقط في الذهب والفضة وإنما في الطين؟ لو أنكم لم تستعبدوا لأحد قط فلماذا يُذكِّركم الله على الدوام أنه هو الذي خلّصكم من بيت العبودية؟![20]].

والعجيب أنهم ينطقون بهذا في الوقت الذي فيه كانوا مستعبدين للحكم الروماني، فإن هذه هي طبيعة الإنسان، يستسلم للعبودية ويخضع خانعًا لها ويظن أنه في حرية... لذا سجلت عبودية هذا الشعب وتحريرهم، حتى نذكر دومًا حاجتنا إلى السيِّد المسيح كمحرر لنفوسنا من أسر الخطية.
1. نشأة بني إسرائيل في مصر:

إن كان قد دخل يعقوب وبنوه وأحفاده إلى مصر كعائلة واحدة، فقد نشأت الأمة اليهودية في مصر، وصار لها أول قيادة (موسى النبي). لقد ترعرعت بعد موت يوسف [7]، وسقطت تحت ظلم فرعون وعبودية المصريين، لكن الله أعد موسى ودعاه للنضال ضد فرعون ليخرج الشعب خلال ذبيحة الفصح.

نزل يعقوب إلى مصر ومعه من صلبه الاثني عشر أبًا ليتغربوا كقول إشعياء النبي: "هكذا قال السيِّد الرب: إلى مصر نزل شعبي أولاً ليتغرب هناك، ثم ظلمه أشور بلا سبب" (52: 4). تغربوا وسقطوا تحت الذل والعبودية لكننا نجد أسماءهم في سفر الرؤيا قد سُجلت على أبواب أورشليم السماوية (21: 12)، كما أُحصيَ عدد المختومين من كل سبط كأولاد الله ينعمون بالأمجاد السماوية. إذن فليَظلِم أشور بغير سبب، أما الله فحافظ لأولاده، يحصيهم وينقش أسمائهم في سفر الحياة.

يعلق العلامة أوريجانوس على قول الكتاب: "وكان جميع نفوس الخارجين من صلب يعقوب سبعين نفسًا" [5]، قائلاً[21] إن الإنسان لا يلد نفسًا، ولا تخرج النفس من صلبه، ففي بدء الخليقة ماذا يقول آدم عن حواء؟ "هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي" (تك 2: 23)، لكنه لا يقول "هذه نفس من نفسي". أيضًا لابان ليعقوب: "إنما أنت عظمي ولحمي" (تك 29: 14)، ولم يجسر أن يتحدث عن قرابة النفس بل على القرابة الجسدية حسب اللحم والعظم. أما هنا فيقول: "جميع نفوس الخارجين من صلب يعقوب"، وكأنما أراد أن يعلن عن نوع جديد من القرابة فوق مستوى الجسد، أراد أن يحمل إلينا قرابة روحية نهتم بها.

النفس لا تلد إلاَّ إذا بلغت مستوى القائل: "لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس لكم آباء كثيرون، لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1 كو 4: 15). هؤلاء هم الذين يلدوا نفوسًا لتعيش في العالم بروح الإنجيل، حاملين سمات السيِّد المسيح فيهم، إذ يقول في موضع أخر: "أولادي الذين أتمخض بهم إلى أن يتصوَّر المسيح فيهم" (غل 4: 19)

هذه هي سمة إسرائيل الجديد، أي الكنيسة، إنها أم ولوّد، تنجب نفوسًا مقدسة تحمل سمات السيِّد المسيح.

أما سرّ النمو فيكمن في العبارة التالية:  

"ومات يوسف وكل إخوته وجميع ذلك الجيل. وأما بنو إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيرًا جدًا، وامتلأت الأرض منهم" [6-7].

يربط هذا النص بين موت يوسف وإثمار بني إسرائيل وتكاثرهم جدًا وامتلاء الأرض منهم. فإن كان يوسف قد حمل رمزًا للسيِّد المسيح في جوانب كثيرة، فإنه لا نمو للكنيسة - إسرائيل الجديد - إلاَّ خلال موت السيِّد المسيح بالصليب. هذا وأن بني إسرائيل يرمزون أيضًا إلى الفضائل التي تسكن في القلب، فلا نمو في الحياة الفاضلة ولا امتلاء للقلب من الفضائل إلاَّ بإعلان قوة موت المسيح وصلبه في داخله.

يعلق العلامة أوريجانوس على هذا النص، قائلاً: [قبل موت يوسف الذي باعه يهوذا أحد إخوته بثلاثين من الفضة كان عدد بني إسرائيل ضئيلاً للغاية، لكنه إذ ذاق الموت لأجل الجميع إنما "لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس" (عب 2: 14)، تكاثر الشعب المؤمن... فإنه ما كان للكنيسة أن تثمر وتأتي بهذا الحصاد في كل الأرض لو لم تقع حبة الحنطة على الأرض وتموت (يو 12: 24). لقد سقطت في الأرض وماتت، وخلالها جاء كل هذا المحصول من المؤمنين، إذ خرج صوت الرسل يملأ الأرض كلها وبلغ إلى كل المسكونة (مز 19: 4)... وكما هو مكتوب "كانت كلمة الله تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا" (أع 6: 7)...

هذا هو التفسير الروحي، لكن لا يفوتنا أن نذكر الجانب التعليمي، لأنه يبني نفوس السامعين: "إن مات يوسف فيك، أُريد أن أقول إن حملت في جسدك إماتة الرب يسوع" (2 كو 4: 10)؛ إن ماتت أعضاؤك عن الخصية، يتكاثر داخلك بنو إسرائيل أي الارتباطات الروحية السامية. بإماتة الشهوات الجسدية تنمو رباطات الروح. بالإماتة اليومية عن خطاياك تكثر فضائلك، وتمتلئ الأرض، بالأعمال الصالحة، أي تنمو داخل الجسد.

أتُريد أن أثبت لك هذا من الكتاب المقدس، من الذي أثمرت فيه الأرض؟[22]. أنظر كلمات الرسول بولس: "ولكن إن كانت الحياة في الجسد هي لي ثمر عملي فماذا أختار لست أدري... فإني محصور من الاثنين: لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا، ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم" (في 1: 22-24). هل عرفت كيف أثمرت فيه الأرض؟ فإنه ما دام في الأرض - أي في الجسد - يحمل ثمار تأسيس الكنائس ويربح شعبًا لله مبشرًا بالإنجيل[23]].




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email


2. خضوعهم للعبودية:

النتيجة الطبيعية للنمو المتزايد خلاص صلب المسيح وموته هو هياج عدو الخير وثورته، إذ يقول الكتاب: "ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف، فقال لشعبه: هوذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا. هلم نحتال لهم لئلاَّ ينموا فيكون إذا حدثت حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ويصعدون من الأرض. فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم" [8-11].

مَن هو هذا الملك الجديد إلاَّ إبليس الذي يرتعب كلما رأى الرب يملك على قلوب أولاده، يبذل كل طاقاته لتكريس جنوده وإمكانياته الشريرة لاستعباد البشر وإذلالهم بالعمل في الطين، أي يجعلهم يرّتبكون في الأعمال الأرضية.

يرى العلامة أوريجانوس، إبليس في حالة رعب من تبعيتنا للمصلوب الذي جرده من كل رئاسة وسلطان وشهَّر به (كو 2: 5)، فيقول: [هذا التفكير يجعله مرتعبًا، فيقول: لئلاَّ يُحاربوننا ويصعدون من الأرض [10]؛ فهو لا يريدنا نصعد عن الأرض، بل يُريدنا أن نظل على صورة الترابي (1 كو 15: 49). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). إذن، إن كنا قد عبرنا إلى عدوه، هذا الذي يدخلنا ملكوت السموات يلزمنا أن نترك صورة الإنسان الترابي ونأخذ صورة السماوي[24]].

إن كان الشيطان يُقيم رؤساء تسخير لإذلالنا، للعمل في الطين، فقد أقامنا ربنا يسوع رؤساء من نوع آخر لتعليمنا حتى نترك الطين، أي نخلع أعمال الإنسان القديم ونحيا حسب الإنسان الجديد على صورة ملكنا الحقيقي.
بناء مدينتي فيثوم ورعمسيس:

"فبنوا لفرعون مدينتي فيثوم ورعمسيس" [11].


يرى العلامة أوريجانوس أن "رعمسيس" تعني (بلد الفساد). وكأن عدو الخير يُريد إذلالنا بالعمل في الطين لحساب "الفساد" والشر. وهنا يثور أمامنا السؤال التالي:
لماذا يسمح الله لأولاده بالضيق؟!

أ. للاشتياق للحياة الأفضل، فلو بقى الشعب في راحة لما انطلقوا إلى كنعان. هكذا يسمح الله لنا بالضيقات والأتعاب ليعدنا للحياة الفضلى والتمتع بكنعان السماوية. يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [الله صالح ومحب، ليس فقط عندما يعطي عطايا، بل وعندما يؤدبنا أيضًا. فإنه حتى تأديباته وعقوباته هي من قبيل جوده، ومظهر عظيم من مظاهر عونه لنا[25]].

ب. ليلتصقوا بالرب، فالضيق يشعرنا باحتياجنا إلى عمل الله فينا ومعنا.

ج. إن كان الله قد بدا كأنه قد ترك شعبه للمذلة، لكن الكتاب يؤكد "بحسبما أذلوهم هكذا نموا وامتدوا" [12]. إن كانت يد العبودية قد قست لكن الله لم يتركهم، وعمل على خلاصهم بكل الطرق.
3. قتل الذكور:

استدعى فرعون قابلتي العبرانيات شفرة وفوعة، وطلب منهما أن يقتلا كل طفل ذكر عند ولادته ويستبقيا البنات. وكان هذا الأمر سهلاً، فقد كانت العادة المتبعة في مصر في ذلك الحين أن تتم الولادة على كرسي خاص، فتستطيع القابلة أن تقتل الطفل قبل أن يراه أحد، لكن القابلتان خافتا الله واستبقتا الذكور والإناث.

العبرانيين: لقد دُعي الشعب اليهودي بالعبرانيين، نسبة إلى عابر أحد أجداد إبراهيم (تك 10: 12)، لذلك كانت كلمة "عبراني" تشير إلى اليهودي الأصيل وتميزه عن اليهودي الدخيل من الأمم[26]. ويدعى المؤمنون عبرانيين أيضًا، لأن طبيعة حياتهم "العبور" المستمر. يشعر أنه غريب ومنطلق على الدوام من الأرضيات نحو السماويات.

قابلتا العبرانيات: يرى القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص أن "القابلة" التي تولِّد العبرانيات إنما تشير إلى الإرادة الحرة التي تنجب الفضيلة في حياة المؤمنين وسط آلام المخاض المرّة[27]. فإن المؤمن وإن كان يعمل بالله، لكن لا ثمر له بغير إرادته، وكأن فرعون الذي هو إبليس عدونا لا يطيق "إرادتنا الحرة" التي وهبها الله لنا، والعاملة بالمسيح يسوع لنموِّنا.

أما العلامة أوريجانوس[28] فيرى في القابلتين "المعرفة" التي تسند أولاد الله في ولادة الذكور كما الإناث، أي يكون لهم ثمر في التأمل العقلي الإلهي، وفي تقديس العواطف. لأن الذكور يشيرون إلى العقل والإناث إلى العاطفة.

وتشير القابلتان أيضًا إلى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، خلالهما ينعم أولاد الله بالثمر المتزايد عقليًا وعاطفيًا، أو روحيًا وجسديًا.

اسما القابلتين: شفرة وفوعة، كلمتان عبريتان، ربما تعنيان جمال وفتاة، لكن العلامة أوريجانوس يرى كلمة شفرة "صفُّورة" تعني عصفور أو طائر، وفوعة تعني "عفيفة" أو "حياء"؛ وكأن القابلتين يعملان معًا في الكنيسة لإثمارها، أولاً برفع القلب وتحليقه في السماء كالعصفور الطائر، وثانيًا بروح الحياء والتعفف.

إن كانت القابلتان تشيران إلى العهدين، فإن العهد الأول يجب أن نتقبله كعصفور، أي نتفهم العهد القديم بطريقة روحية وليس خلال الحرف القاتل. أما العهد الجديد فيمثل الحياء (اِحمرار الوجه) علامة الرش بدم السيِّد المسيح الذي خلاله تكون لنا المعرفة المثمرة في العالم [10].

قتل الذكور واستبقاء الإناث: قلنا إن الذكور يشيرون إلى العقل أو الروح بينما الإناث يشرّن إلى الجسد أو العواطف[29]، فقد أراد فرعون أن تُقتل المعرفة الفهم العقلي للكتاب المقدس أو الإدراك الروحي، ونهتم فقط بالجانب المادي... فتصير معرفتنا الإنجيلية جافة وقاتلة.

هذا وأن حرب الشيطان ضد أولاد الله هو أن يفقدهم التفكير العقلي المتزن، ويثير فيهم العاطفة الجسدية، أما المعرفة الأمينة الإنجيلية فتربط الاثنين معًا: الجانب العقلي مع العاطفي، تقديس الروح والجسد معًا، أي نستبقي الذكور والإناث معًا!

مجازاة الله للقابلتين: يقول الكتاب "وكان إذ خافت القابلتان الله أنه صنع الله لهما بيوتًا" [21]، فهل يصنع الله بيوتًا؟! إذ تشير القابلتان إلى الكتاب المقدس، فإنه إذ يُدرس بمخافة إلهية ويعيشهما المؤمنون كما يجب، يقيم الله للكتاب موضعًا في أماكن كثيرة، أي ينفتح مجال الخدمة وتُقام بيوت لله. هكذا يحتاج العالم أن يرى فينا كلمة الله عاملة في قلبنا بخوف إلهي، فيجد الإنجيل له موضع في كل قلب.

وقد أثار هذا النص جدلاً: لماذا يكافئ الله القابلتين وقد كذبتا على فرعون؟... فهل يجوز الكذب كما فعلت أيضًا راحاب الزانية؟... لقد أفرد القدِّيس أغسطينوس مقالين عن "الكذب" أوضح فيهما أنه لا يجوز إستخدام الكذب حتى ولو كان فيه نفع للآخرين، لأن "الفم الكاذب يقتل النفس" (حك 1: 11)، وقد أوصانا السيِّد المسيح نفسه "ليكن كلامكم نعم نعم لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشرير" (مت 5: 37)، كما يحذرنا الرسول بولس قائلاً: "لذلك اطرحوا عنكم الكذب وتكلموا بالصدق كل واحد على قريبه" (أف 4: 25). وقد علل القديس مكافأة الرب للقابلتين أنه عاملهما حسب درجتهما الروحية وقدرتهما على التصرف[30]. ومن ناحية أخرى يقول إنه كافأهما "ليس لأنهما كذبتا، وإنما لأنهما صنعتا رحمة بشعب الله. لم يُكافأ فيهما خداعهما (لفرعون)، بل معروفهما وحنو ذهنها وليس خطأهما بالكذب[31]".
طرح الأطفال في النهر: يقول الكتاب "ثم أمر فرعون جميع شعبه قائلاً: كل ابن يولد تطرحونه في النهر، لكن كل بنت تستحيونها" [22]، ويعلق على ذلك العلامة أوريجانوس قائلاً: [أترون بماذا يأمر رئيس هذا العالم خدامه؟ إنه يأمر بسرقة أولادنا وإلقائهم في النهر، ونصب الشباك على الدوام منذ ولادتهم. يأمر بالهجوم عليهم منذ يبدءون في لمس ثدييى الكنيسة ويطلب نزعهم عنها ومطاردتهم حتى تبتلعهم أمواج العالم...

تأمل الخطر الذي يهددك منذ ولادتك، بل بالحرى منذ ولادتك الجديدة، أي منذ نوالك المعمودية مباشرةً... فقد أُصعد يسوع إلى البرية من الروح ليُجرب من إبليس (مت 4: 1). هذا هو أمر فرعون لشعبه بخصوص العبرانيين، أي الهجوم عليهم واقتناصهم في لحظة ولادتهم وإغراقهم... لكن المسيح إنتصر حتى يفتح لك طريق النصرة، إنتصر وهو صائم حتى تدرك أنت أيضًا كيف تُخرج هذا الجنس بالصوم والصلاة (مر 9: 29)[32].




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 2 PDF Print Email

إعداد موسى للخدمة

بعد أن كشف الأصحاح الأول عن الحاجة إلى مخلص جاءت الأصحاحات [2-4] تتحدث عن إعداد موسى النبي للخدمة.

1. موسى في النهر                  [1-4].

2. موسى في القصر                 [5-10].

3. موسى يخدم بغيرة بشرية         [11-15].

4. موسى في أرض مديان           [16-25].
1. موسى في النهر:


سمحت العناية الإلهية للشعب بتجربة قاسية، وفي نفس الوقت كانت تعد لهم المنقذ (1 كو 10: 13). أعد الله لهم موسى ودربه في فترة ثمانين عامًا، حيث مرّ به في مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: حيث عاش موسى في قصر ابنة فرعون أربعين عامًا يتثقف بحكمة المصريين وعِلمهم، وفي نفس الوقت كان يرضع لبن شعبه العبراني. في هذه الفترة ظن أنه قادر أن يخدم الله معتمدًا على فصاحة لسانه وقدرة تدبيره وحكمته... لكنه فشل.

والمرحلة الثانية: قضاها في البرية لمدة أربعين عامًا يتدرب فيها على معرفة نفسه، أنه بدون الله لا يساوي شيئًا... عرف فيها نفسه أنه ثقيل الفم واللسان (4: 10)، عاجز عن العمل بذاته (4: 14).

أما المرحلة الثالثة: فبدأت بلقائه مع العُلِّيقة المشوكة الملتهبة نارًا، وتعرف على الله الذي يعمل في اللاشئ ليقيم أعمالاً مجيدة.

نعود بعد هذه المقدمة إلى موسى في طفولته، فيتحدث معلمنا بولس الرسول عن والديه كبطلي إيمان قائلاً: "بالإيمان موسى بعدما وُلد أخذه أبواه ثلاثة أشهر لأنهما رأيا الصبي جميلاً ولم يخشيا أمر الملك" (عب 11: 23). ونحن أيضًا بالله الذي ينظر فى الخفاء إلى أعمالنا يلزمنا أن نخفي كل فضيلة حتى لا تصير فريسة لفرعون (إبليس) وتبتلعها أمواج النهر.

يرى القدِّيس يوحنا الذهبي الفم[33] كيف أخرج الله من أمر فرعون بركة لموسى، إذ يقول: [لو لم يلقَ الأطفال في النهر لما خلص موسى، ولا نشأ داخل القصر حين كان في أمان لم يكن في كرامة]. لكنه حينما أُلقي به في النهر صار في كرامة ورأى القدِّيس في كل الأحداث حتى العنيفة ضد أولاد الله استخدمها الرب كجزء من خطته لخلاصهم.

سفط من البردي: يقول الكتاب: "ولما لم يمكنها أن تخبئه بعد، أخذت له سفطًا من البردي وطلته بالحمرة والزفت، ووضعت الولد فيه ووضعته بين الحلفاء على حافة النهر" [3].

يرى القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص أن موسى وهو يمثل الحياة الفاضلة التي تلدها الإرادة الحرة خلال ألم الطلق والمرارة، لابد أن يوضع في سفط من البردي أو في تابوت من ألواح متنوعة، لكي تبقى هذه الحياة الفاضلة في أمان من أمواج النهر[34]. هذا السفط هو "التعلم"، فالإنسان الذي يهتم على الدوام أن يتعلم ويكون له شوق للمعرفة الروحية المتجددة النامية، إنما يكون كموسى محفوظًا من كل التيارات المهلكة. لا تقدر الأمواج أن تبتلعه بل تدفعه نحو الشاطئ بعيدًا عن الاضطرابات[35].

دموع أمه: كان السفط هو الحافظ الظاهر للطفل، أما دموع أمه فكانت الحافظ المستتر. في هذا يقول القدِّيس غريغرريوس النيسي: [من يهرب من مثل هذه الأمور يلزمه أن يقتدي بموسى، ولا يكف عن الدموع، فإنه إن كان في أمان داخل التابوت، لكن تبقى الدموع هي الحارس القوي لمن خلص بالفضيلة[36]]، إن دموع التوبة هي الحارس لكل فضيلة خفية داخل القلب، والسند لها حتى لا يفترسها عدو الخير.
2. موسى في القصر:

ابنة فرعون: يرى القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص أن ابنة فرعون إنما تمثل الفلسفات الزمنية، فهي عقيمة وغير مثمرة، كابنة فرعون العاقر، تتمخض لكنها لا تلد[37]. حقًا كالأميرة ابنة فرعون لها جمالها وسلطانها وغناها وجاذبيتها وتردد الكثيرون عليها ويطلبون رضاءها، لكنا كعاقر لا تشبع النفس. وفي نفس الوقت لا تقف الكنيسة موقف العداء منها، وإنما كما دخل موسى قصرها وإن كان قد نشأ يرضع لبن أمه، هكذا نتقبل الفلسفات والعلوم ولا نحتقرها، لكننا نتمسك بتقليد الكنيسة أمنا وإنجيلها وتعاليمها وفكرها وكل حياتها.

وقد اهتمت مدرسة الإسكندرية المسيحية منذ بدء انطلاقها بهذا العمل، أي قبول الفلسفة دون الانحراف عن الفكر الإنجيلي، إذ يقول المؤرخ شاف: [هدف اللاهوت الإسكندري إلى مصالحة المسيحية مع الفلسفة... مقيمًا هذه الوحدة على أساس الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة][38]. فقد رأي القدِّيس إكليمنضس الإسكندري أنه لا عداوة بين المسيحية والفلسفة[39]، وأن الفلسفة ليست عملاً من أعمال الظلمة، بل في كل مذهب من مذاهبها يشرق عليها شعاع نور[40] من اللوغوس، منتقدًا القائلين أن الفلسفة شر[41]. لقد أوضح أن الله استخدام الفلسفة عند اليونانيين ليدخل بهم إلى معرفة المسيح "الحق".

ويرى العلامة أوريجانوس أن ابنة فرعون تشير أيضًا إلى كنيسة الأمم التي تقبلت موسى (الناموس) من اليهود خلال النهر(المعمودية) وأدركته بمفهوم جديد، إذ حملته معها إلى قصرها. في هذا يقول: [أعتقد أن ابنة فرعون تمثل الكنيسة التي تجتمع من كل الأمم. فإنه وإن كان أبوها ظالمًا ووثنيًا لكنه قيل لها: "اسمعي يا ابنة وانظري واصغي وانسي شعبك وبيت أبيك، لأن الملك قد اشتهى حسنك" (مز 44: 1). إنها تخرج من بيت أبيها، وتأتي إلى المياه لتغتسل من خطاياها التي اقترفتها في بيت أبيها، حينئذ تقتني "أحشاء رأفات" وترْقَ للطفل. هذه هي الكنيسة القادمة من الأمم لتجد في النهر موسى الذي رفضه خاصته. إنها تأتي إليه بمرضعة من بني جنسه حيث يقضي فترة طفولته ويكبر. يُقدم إليها موسى فتتبناه. كثيرًا ما شرحت أن موسى يمثل الناموس، فبحضور الكنيسة إلى مياه المعمودية تأخذ الناموس الذي كان مخفيًا في سفط من البردي مطليًا بالحمرة والقار... إذ كان الناموس نائمًا في مثل هذا الموضع أسير حواس اليهود (الجسدية) الملوثة، حتى جاءت كنيسة الأمم لتجتذبه من وسط الحمرة وتسكنه في بلاط قصر الحكمة الملوكي. وهكذا عبر الناموس من خاصته لأنهم لا يعرفون كيف يسمعونه روحيًا وهو صغير كطفل يرضع اللبن. لكنه إذ قُدم للكنيسة ودخل البيت كبر وتقوى فلم يلبس ثوب الضعة والحقارة، إنما صار يلبس كل ما هو عظيم وسامٍ وجميل. ما هي هذه العظمة إلاَّ السمو في الروحيات؟!...

إذن فلنصل لربنا يسوع المسيح ليكشف لنا ذاته ويرينا أيضًا عظمة موسى وسموه[42]].

أما من جهة الاسم، فقد دعته ابنة فرعون "موسى"، الذي يعني بالمصرية "ماء" [10]، وهو الاسم الذي دعاه به الله نفسه، وكما يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [لم يستنكف الله أن يدعو خادمه بهذا الاسم، ولا حسبه أمرًا غير لائق أن يترك له الاسم الذي أعطته إيَّاه امرأة أجنبية ليعبر عما يناسب النبي[43]].

ويرى القدِّيس إكليمنضس الإسكندري[44] أن "موسى" هو الاسم المصري ويعني المنتشل من الماء، أما اسمه العبراني عند ختانه فهو يهوياقيم، وله اسم ثالث في السماء في نظر الرمزيين هو "ملكي" (تث 23: 5).
3. موسى يخدم بغيرة بشرية:

إذ تثقف موسى بحكمة المصريين قرابة أربعين عامًا ظن أنه قادر أن يخدم الله، معتمدًا على فصاحته وحكمته. ظن في نفسه أنه شيء فارتبك في خدمته، "إذ التفت إلى هنا وهناك" [12]، مهتمًا بنظرة الناس إليه، مع أن خادم الله لا يهتم ببُغض الناس أو رضائهم عن خدمته، ما دام يعلم أن الله هو الذي أرسله... موسى خرج إلى الخدمة معتمدًا على كفاءته الخاصة فخاف وهرب من الخدمة [15].

هذا ويلاحظ أن ما تعرض له موسى إنما يتعرض له كل من يضع في قلبه أن يكرس حياته لله، فيواجه حربين: حرب شمالية وأخرى يمينية.

أ. الحرب الشمالية: وهي الحرب ضد الشر الواضح، وذلك كما رأى موسى الصراع بين رجل غريب الجنس وآخر من بني جنسه، فضرب الأول ضربة قاضية وطمره في الرمل، هكذا حمل ذلك صورة رمزية للمؤمن الذي لا يضرب إنسانًا، وإنما يضرب كل شرّ في قلبه ويدفنه، حتى لا يكون للخطية الغريبة عن طبعنا موضع داخلنا.

ب. الحرب اليمينية: وهي حرب مع البر الذاتي، حين يظن الإنسان في نفسه أنه قد صار بارًا أفضل من الآخرين، ليست له خطايا واضحة. وهذه حرب أمرّ بين العبراني وأخيه، أي بين الإنسان وذاته "الأنا".

كذلك يواجه المؤمن حربين: حرب ضد الخطية ظاهرة وسهلة نسبيًا، وحرب الانقسام الداخلي في الكنيسة وهي أخطر وأقسى... تؤدي إلى هروب الكثيرين من الخدمة، كما اضطر موسى إلى ذلك.

ويعلق القدِّيس يوحنا الذهبي الفم عل كلمات العبراني "من جعلك رئيسًا وقاضيًا علينا؟! أمفتكر أنت بقتلي؟!" [14]، قائلاً[45]: [إن الشعب كان أشبه بمريض يرى الطبيب الماهر قد أمسك بمشرط في يده، ففي ثورته وخوفه قال: من أقامك طبيبًا وأعطاك مشرطًا لتستخدمه؟!]. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد استخدم الله هذا الأمر لنفع موسى حتى يهرب ليتعلم الفلسفة في البرية وينظر الرؤيا[46].
4. موسى في أرض مديان:

بعد أربعين عامًا انتقل موسى إلى البرية ليتدرب على معرفة حقيقة نفسه أنه لا شيء... إذ يقول: "من أنا حتى أذهب إلى فرعون؟!" (3: 12) وبهذا تأهل لنوال قوة إلهية.

ما أحوج الخادم إلى ترك موقع الخدمة والانطلاق نحو "حياة الوحدة" يمارس اتحاده مع الله حتى يتأهل لاتساع القلب بالأكثر ليحب المخدومين.

هناك في البرية سكن رعوئيل الذي تفسيره "الله صديق" وتزوج بصَفُّورة التي تعني "عصفورة" وأنجب منها جرشوم الذي يعني غريب. وكأن موسى هنا يمثل الخادم الذي في وحدته يلتقي بالله صديقًا له، وتتحد حياته بالعصفورة أي بالفكر السماوي الطائر في العلويات، ويلد الشعور الدائم بالغربة...

ويلاحظ أن حميه رعوئيل دُعيَ يثرون (خر 3: 1)، غالبًا كلقب شرف بكونه كاهن مديان، والتي تعني "المتقدم في السمو"[47]، كما دُعيَ في سفر العدد 10: 9، "حوباب بن يثرون"، وربما حوباب تعني رعوئيل أيضًا، ويرجح أنه من نسل إبراهيم وقطورة (تك 25: 2).

أما عمل موسى فكان رعاية الغنم، وقد رأي القدِّيس إكليمنضس الإسكندري[48] والعلامة أوريجانوس[49] في هذا العمل صورة السيِّد المسيح الراعي الصالح الذي يرعى حركات النفس الداخلية كقطيع.


+ إقرأ إصحاح 2 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

العُلِّيقة المُتَّقدة نارًا

يتحدث هذا الأصحاح عن:

1. العُلِّيقة المُتَّقدة نارًا                [1-4].

2. خلع الحذاء                        [5].

3. دعوة موسى للخدمة              [6-10].

4. اعتذار موسى                    [11–13].

5. اسم الله                            [14–17].

6. سرّ الأيام الثلاثة                  [18].

7. يد الله القوية                      [19–22].
1. العُلِّيقة المُتَّقدة نارًا:

بينما كان موسى يرعى غنم حميه يثرون ساق الغنم إلى وراء البرية وجاء إلى جبل الله حوريب، إذا به يرى عُلِّيقة تتقد نارًا ولا تحترق فقال: "أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم" [3]. هنا دخل موسى النبي إلى مرحلة جديدة هي مرحلة اللقاء مع الله الذي هو سرّ القوة، والراعي الخفي الذي يعمل لخلاص العالم وبنيان الكنيسة.

والآن إلى أي شيء تشير هذه العُلِّيقة المُتَّقدة؟

أ. إن كلمة "العُلِّيقة" بالعبرية كما جاءت في العددين [2، 3] تعني "العُلِّيقة المملوءة شوكًا The thorny bush"[50]، لذا رأى اليهود في هذه العُلِّيقة رمزًا لإسرائيل وقد أحاطت به الأشواك والأتعاب التي تلحق به[51]. وقد أخذ بعض الآباء الأولين ذات الفكر، فرأى العلامة ترتليان[52] في العُلِّيقة إشارة إلى الكنيسة التي تشتعل فيها نار الاضطهاد ولا تُبيدها، ونادى بذات الرأي القدِّيس هيلاري أسقف بواتييه[53].

كما يقول القدِّيس هيبوليتس الروماني: [يتحدث الله مع قديسيه في الكنيسة كما في العُلِّيقة[54]]. وكأن موسى النبي رأى في العُلِّيقة كنيسة السيِّد المسيح المتألمة تحوط بها الأشواك، لكنها ملتهبة بنار الروح الإلهي فلا يصيبها الموت... هذه هي الخدمة التي دُعي إليها!

ب. يرى القدِّيس أغسطينوس أنها تشير إلى مجد الله الذي حلَّ في الشعب اليهودي لكنه لم يبيد قساوة قلبهم المملوءة أشواكًا[55].

ج. يرى القدِّيس إكليمنضس الإسكندري[56] في العُلِّيقة إعلانًا عن الميلاد البتولي، فقد وُلد السيِّد المسيح من البتول، وبميلاده لم تُحل بتولية العذراء. هذا أيضًا ما عناه القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص إذ قال: [نور اللاهوت الذي أشرق منها نحو الحياة البشرية خلال ميلادها (ليسوع المسيح) لم يحرق العُلِّيقة المُتَّقدة، وذلك كما أن زهرة البتولية فيها لم تذبل بإنجابها الطفل[57]]. وفد نادى ثيؤدورت أيضًا بذات الرأي[58].

د. يرى القدِّيس كيرلس الإسكندري[59] أن العُلِّيقة حملت سرّ "التجسد الإلهي"، فقد اتحد اللاهوت بالناسوت دون أن يُبتلع الناسوت. فإنه ما كان يمكن لموسى النبي أن يبدأ هذا العمل الخلاصي ما لم يتلمس ظلال التجسد الإلهي، فيتعرف على "الكلمة الإلهي" المتجسد كصديق للبشرية، صار واحدًا منا، عاش بيننا يحمل جسدنا وإنسانيتنا حتى يدخل بنا إلى أمجاده الإلهية. في هذا يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [لم يشرق النور خلال كوكب مضيء بل خلال عُلِّيقة أرضية، لكنه كان يفوق في بهائه الأنوار السماوية، وفي نفس الوقت لكي لا يظن أحد أنه ليس صادرًا عن مادة ملموسة[60]]، أي لئلاَّ ينكر حقيقة تجسده.

ه. أخيرًا رأي القدِّيس يوحنا الذهبي الفم في العُلِّيقة صورة حيَّة لقيامة السيِّد المسيح، الذي حمل جسدًا حقيقيًا، ومات فعلاً، لكنه لم يُمسك في الموت على الدوام[61].

وفي هذه المناسبة نذكر ما كتبه القدِّيس جيروم إلى أبيفانيوس كاهن Beatrice بأسبانيا يواسيه لأنه كفيف لا يبصر، قائلاً: [يليق بك ألاَّ تحزن لأنك حُرمت من الأعين الجسدية التي يشترك فيها النمل والحشرات الطائرة والزواحف مع الإنسان، بل بالأحرى تفرح أن لك العين المذكورة في سفر نشيد الأناشيد... هذه التي بها تنظر الله، والتي أشار إليها موسى حين قال: "أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم" [3][62].

ويلاحظ أن الكتاب يقول: "وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عُلِّيقة" [2]. وهنا كلمة ملاك تعني "مرسل"، وتشير إلى الأقنوم الثاني، الابن الذي أُرسل من قبل الآب ليعلن هذا العمل ويرسل موسى النبي... فلو أن الذي ظهر ملاك وليس الأقنوم الثاني لما قال: "ناداه الله من وسط العُلِّيقة... ثم قال: أنا إله أبيك إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب. فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله" [4-6].

يرى بعض الآباء أن الآب لا يُرى، لكن كلمته تُعلن هنا في العُلِّيقة كنار ملتهبة، وهو بعينه الذي يأتي في آخر الأزمنة متجسدًا "لكي يخبر" عن الآب!
2. خلع الحذاء:

يقول الرب لموسى: "لا تقترب إلى هنا. اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليها أرض مقدسة" [5].

في حديثنا عن قدسية الهيكل[63] قلنا أننا إلى يومنا هذا ندخل الهيكل حفاة الأقدام كوصية الرب لموسى النبي. وخلع الحذاء يشير إلى الشعور بعدم تأهلنا حتى للوقوف في هذا الموضع المقدس الذي فيه تقدم الذبيحة المخوفة التي تشتهي الملائكة أن تطلع إليها. خلع الحذاء أيضًا - عند الآباء - يحمل معانٍ أخرى كثيرة وعميقة، نذكر منها:

أ. كانت الأحذية في القديم تصنع من جلد الحيوان الميت، وكأن الله بوصيته هذه يطلب منا أن نخلع عنا محبة الأمور الزمنية الميتة لنلتصق بالسمويات الخالدة حتى نلتقي به. هذا ما نادى به العلامة أوريجانوس، وأخذ عنه كثير من الآباء. فيقول القدِّيس أغسطينوس: [أي أرض مقدسة مثل كنيسة الله؟! إذن لنقف فيها ونحن خالعين أحذيتنا، أي رافضين الأعمال الميتة[64]]. ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [كان موسى رمزًا للشعب لم يحتذي بحذاء الرب (مت 3: 11)، بل بنعل رجليه! لذا أمره الرب بخلعه حتى يحرر خطوات قلبه وروحه من قيود ورباطات الجسد، ويسير في طريق الروح[65]]. ويقول القدِّيس غريغوريوس النزينزي: [ليت من يقترب إلى الأرض المقدسة التي هي قدس الله يخلع نعليه كما فعل موسى حتى لا يدخل بشيء ميت إلى هناك، ولا يكون بينه وبين الله شيء... أما من يهرب من مصر(محبة العالم) والأشياء التي بها فليحتذي لأجل سلامته، حتى لا تلدغه العقارب والحيات الكثيرة الموجودة بها، فلا تؤذه تلك التي تطلب عقبه (تك 3: 15) وإنما كما أُوصى يطأها بقدميه (لو 10: 19)[66]].

ب. الجلد الذي تصنع منه الأحذية - كما يقول العلامة أوريجانوس - يستخدم في الطبول. هنا إشارة إلى عدم استخدام الطبول أو حب الظهور في العبادة، إنما خلال الجهاد الروحي المملوء اتضاعًا يمكن للنفس أن تدخل إلى المقدسات الإلهية وتلتقي بإلهها.

ج. يرى العلامة أوريجانوس أيضًا أن خالع النعلين مرتبط بما ورد في العهد القديم، أنه إن رفض إنسان أن يتزوج أرملة أخيه كوصية الله ليقيم لأخيه الميت نسلاً، تأتي الأرملة إليه في حضرة الشيوخ وتخلع حذاءه من رجليه، ويسمى "بيت مخلوع النعلين" (تث 25: 5-10)، هكذا إذ خلع موسى نعليه أعلن أنه ليس بعريس الكنيسة. وفي كل مرة يخلع الأسقف أو الكاهن أو الشماس حذاءه عند دخوله الهيكل إنما يدرك حقيقة نفسه أنه ليس عريس الكنيسة الحقيقي بل صديق العريس وخادمه.

أخذ القدِّيس أمبروسيوس ذات الرأي عن العلامة الإسكندري أوريجين فقال: [لم يكن موسى العريس لذلك قيل له: "اخلع حذاءك من رجليك" حتى يترك المكان لربه. ولا يشوع بن نون كان العريس لذا قيل له؟ "اخلع نعلك من رجلك" (يش 5: 16)، لئلاَّ بسبب تشابهه مع الاسم (يسوع) يظن في نفسه أنه يسوع المسيح عريس الكنيسة. ليس أحد هو العريس إلاَّ السيِّد المسيح الذي وحده قال عنه يوحنا: "من له العروس فهو العريس" (يو 3: 29). لذا خلع هؤلاء أحذيتهم من أرجلهم، أما حذاء السيِّد المسيح فلا يمكن أن يُحل إذ قال القدِّيس يوحنا: "لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه" (يو 1: 27)[67]].

د. ربط القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص بين خلع الحذاء الجلدي وثوبيّ الجلد اللذين لبسهما آدم وحواء (تك 3: 21) بعد سقوطهما في العصيان، إذ يقول: [يعلمنا هذا النور(الذي للعُلِّيقة) أنه يليق بنا أن نقف أمام النور الحقيقي. لكن الأقدام التي بها أحذية لا تقدر أن ترتفع إلى العلو الذي من خلاله ترى الحق. لهذا يلزمنا أن نخلع عن قدمي النفس الغطاء الجلدي الأرضي الميت، الذي وُضع حول طبيعتنا في البداية حين تعرينا بسبب عصياننا للإرادة الإلهية. بهذا تكون لنا معرفة الحق التي تعلن عن ذاتها لنا، فنتحقق كمال المعرفة للأمور الموجودة (الحق)، بتطهير أفكارنا عن الأمور غير الموجودة (غير الحق أو الشر)[68]]. وقد احتل تعليم القدِّيس غريغوريوس عن "ثوبي الجلد" مركزًا هامًا في كتاباته، فيقول مثلاً: [الختان يعني خلع الجلد الميت الذي لبسناه حين طُردنا من الحياة الفائقة الطبيعة بعد عصياننا[69]]. لذا فالعمودية في نظره هي خلع هذا الثوب الجلدي المحيط بطبيعتنا، أي خلع أعمال الإنسان القديم، هذا الذي يعلن عن موتنا وشهواتنا التي دخلت إلينا بعدما كنا على صورة الله[70].
3. دعوة موسى:

من خلال العُلِّيقة الملتهبة نارًا دُعيَ موسى وهو واقف حافي القدمين ليتسلم خدمة شعب الله، وهنا نلاحظ:

أ. تطلع موسى النبي إلى العُلِّيقة وإذا كلها أشواك، لكن النار الإلهية ملتهبة خلالها دون أن تحترق... لعله رأى في ذلك عمل الله الناري الذي يستخدمنا بكل ما فينا من أشواك، يلهب قلوبنا ويعمل بنا بالرغم من كل ضعفاتنا. وكما يقول القدِّيس أمبروسيوس: [لماذا نيأس، إن الله يتحدث في البشر، هذا الذي تكلم في العُلِّيقة المملوءة أشواكًا ؟! إنه لم يحتقر العُلِّيقة! إنه يضيئ في أشواكي![71]].

حقًا إن المتحدث نار آكلة (إش 10: 7)، والدعوة صدرت عن النار الإلهية، لكنها لا تؤذي موسى بل تسنده وتلهبه... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). كما فعل الروح القدوس الناري في التلاميذ، الذي أحرق ضعفاتهم وأعطاهم قوة للحياة الجديدة الكارزة (مت 3: 11، أع 2).

ب. إذ دعى الله موسى النبي لم يحدثه عن مؤهلاته للخدمة وإمكانياته البشرية بل حدثه عن نفسه، الإمكانيات الإلهية المقدمة له، قائلاً له: "أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب" [6]. وكانت هذه الكلمات تخرج بسلطان وقوة نارية حتى "غطَّى موسى وجهه لأنه خاف" [7]. تحدث أيضًا عن قيامه هو بالخلاص، فقد رأى وسمع وعلِم مذلة شعبه، لذا فهو ينزل لإنقاذهم...

أما سرّ قوة موسى النبي فهو "إني أكون معك" [12]. وهو ذات الوعد الذي يعطيه لجميع أنبيائه ورسله وكل العاملين في كرمه. فيقول ليشوع بن نون: "كما كنت مع موسى أكون معك. لا أهملك ولا أتركك" (يش 1: 5)، ويؤكد لإرميا النبي "لأني أنا معك يقول الرب لأنقذك" (إر 1: 16)، ويقول لتلاميذه: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مت 28: 20).



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email

4. اعتذار موسى:

أراد موسى أن يعتذر عن الخدمة قائلاً: "من أنا حتى أذهب إلى فرعون، وحتى أُخرج بنى إسرائيل من مصر؟!" [11].

طبيعة موسى الضعيفة بالرغم من كونه من رجال الإيمان جعلته يتردد في قبول الدعوة، وربما كان ذلك من آثار فشله الأول حين خرج إلى الخدمة متكلاً على ذراعه البشري. فما كان له أن يقول: "من أنا؟!" بعد أن عرف أن الله نفسه هو الذي يرسله وهو الذي ينزل ليخلص.

أصر موسى على إعفائه أكثر من مرة، تارة يضع أسئلة واعتراضات، كأن يقول: "فإذا قالوا ما اسمه، فماذا أقول لهم" [13]، والرب يُجيبه، وأخرى يقول: "ولكن ها هم لا يُصدقونني" (4: 1). فيعطيه الرب إمكانية عمل آيات ومعجزات... الخ، وثالثة يعترض بسبب ضعفه الشخصي قائلاً: "أنا ثقيل الفم واللسان" (4: 10). والله يؤكد له أنه هو خالق الفم واللسان "إذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به" (4: 12). إذ لا يجد أي حجة يقول: "استمع أيها السيِّد، إرسل بيد من ترسل" (4: 13)، حتى حميَ غضب الله (4: 14) فأعطاه هرون شريكًا معه في الخدمة.

هكذا إذ يدعونا الله للخدمة لا يتركنا نستعفى بل يقدم لنا إجابات عملية لكل تساؤلاتنا، ويسند كل ضعف فينا، ويكمل كل نقص في إمكانياتنا، فهو الراعي الخفي لقطيعه المقدس.
5. اسم الله:

عرف موسى أن الذي يحدثه هو الله، فسأله عن اسمه "فقال الله لموسى أهيه الذي أهيه، وقال هكذا قل لبني إسرائيل أهيه أرسلني إليكم... إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق إله يعقوب أرسلني إليكم" [14، 15].

حملت إجابة الله لموسى شقين:

أولاً: "أن الله غير مُدرَك وفوق كل تسمية" أهيه أي أنا هو".

ثانيًا: أنه الله المنتسب للبشرية، مُنتسب لخاصته الأحباء "إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب".
أولاً: أهيه الذي أهيه AHIAH:

يرى فيلون اليهودي الإسكندري أن هذا الاسم "أهيه" يكشف عن جانبين في الله: أولاً أنه هو الكائن وحده الذي بجواره يكون الكل كأنه غير موجود. ثانيًا أنه ليس اسم يقدر أن يعبَّر عنه. في هذا يقول: [إخبرهم أولاً إني أنا هو الكائن حتى يعرفوا الفارق بين من هو كائن وما هو ليس بموجود. كما قدم لهم الدرس الآخر أنه لا يمكن لاسم ما أن يُستخدم ليليق بي أنا الذي إليه وحده ينسب الوجود[72]].

ويرى القدِّيس أغسطينوس أن هذه العبارة تعني أنه إذا قورنت كل الأمور الزمنية بالله تصير "باطلاً"[73] أو "لا شيء"، وأنها تعلن عن الله بكونه الوجود الأول والسامي غير المتغير[74].

هذه العبارة تُظهر الله أنه حاضر على الدوام، ليس فيه ماضٍ انتهى ولا مستقبل منتظر، لكنه فوق الزمن "حاضر دائم"... في هذا الحاضر الدائم، أو الأبدية الحاضرة "نجد لنا ملجأ، فنهرب إليه من كل تغيرات الزمن ونبقى فيه إلى الأبد"[75].

إن كان الله هو الوجود الدائم، [إذن من يأخذ الاتجاه المضاد لله إنما يسير نحو العدم[76]].

في حديث الآب ميثوديوس عن البتولية وعظمة البر المسيحي يقول: [لا يقدر أحد أن يرى بعينيه عظمة أو شكل أو جمال البرّ ذاته أو الفهم أو السلام، إنما تظهر هذه جميعها كاملة وواضحة في ذاك الذي قال أن اسمه "أنا هو"[77]].
ثانيًا: إله آبائكم:

قول الله لموسى: "إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب" [15]. وتكرارها ثلاث مرات في هذا اللقاء بين الله وأول قائد للشعب [6، 15، 16] سحب قلب آباء الكنيسة، فقد رأي القدِّيس إكليمنضس الإسكندري علامة الصداقة الإلهية الإنسانية فمع أن الله هو إله العالم كله، إله السمائيين والأرضيين، لكنه ينسب نفسه للأخصاء أصدقائه. إنه لا يود أن يكون سيِّدًا بل صديقًا فنراه يكلم موسى وجهًا لوجه كما يُكلم الصديق صاحبه (خر 33: 11)، ويطلب منه "قف عندي هناك" (34: 2). ويقول القدِّيس أفراهات: [أسماء الله متعددة ومكرمة... أما الاسم الذي تمسك به والذي هو عظيم ومكرم فليس ما يخص بره، إنما ما يخص علاقته بالبشر كخليقته "الخاصة به"[78]]. ويقول القدِّيس أغسطينوس: [برحمته ربط نعمته بالبشر قائلاً: "أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب"، حتى يُفهم من هذا أن هؤلاء الذين هو إلههم إنما يعيشون معه إلى الأبد. إنه ينطق بهذا حتى يفهم أولاده أنه يلزمهم بقوة الحب أن يعرفوا كيف يطلبون وجهه إلى الأبد، ويدركوا قدر ما يستطيعون هذا الذي هو "أهيه الذي هو أهيه"[79]].

والآن إذ نربط الاسمين معًا "أهيه"، "إله أبائكم"  نقول إن الله غير المدرَك ولا متغير، الذي فوق كل حدود الزمن، يقدم ذاته للبشرية ليتعرفوا عليه كإلههم الخاص، المشبع لكل احتياجاتهم. لذا لم يتحدث قط أي نبي عن نفسه كأنه شيء يقتنونه، أما السيِّد المسيح فهو "كلمة الله" الذي جاء يقدم ذاته في أكثر من موضع، قائلاً: "أنا هو"... قدم نفسه الصديق والعريس، والأخ البكر والمخلص، والخبز النازل من السماء والينبوع الحيِّ، والقيامة والباب، والطريق والحق والحياة، وأخيرًا قال "أنا هو الألف والياء" أي مشبع كل حياتنا[80].

وأخيرًا، نلاحظ أن السيِّد المسيح استخدم الاسم الثاني ليؤكد للصدوقيين القيامة، فإن الله إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب، إله أحياء وليس إله أموات: (مت  22: 31-32). فإن كان الله هو الحيّ إنما ينسب لنا، واهبًا إيَّانا الحياة لنبقى معه إلى الأبد[81].
6. سرّ الأيام الثلاثة:

أمر الله موسى أن يطلب مع الشيوخ من فرعون قائلين: "الرب إله العبرانيين إلتقانا، فالآن نمضي سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا" [18].

لقد طلب الرب منهم أن يخرجوا سفر ثلاثة أيام في البرية ويذبحوا للرب، وكان فرعون يطلب من موسى وهرون أن تقدم الذبائح في أرض مصر، لكن موسى أجابه "لا يصلح أن نفعل هكذا... نذهب سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا كما يقول لنا" (8: 26، 27). وأخيرًا سمح لهم بالخروج، لكنه كان يقول لهم "لا تذهبوا بعيدًا" (8: 28)، أما موسى فأصر على السفر ثلاثة أيام... لماذا؟

الطريق الذي يخرج فيه الشعب ليقدم لله ذبيحة إنما هو السيِّد المسيح نفسه الذي قام في اليوم الثالث، وخلال قيامته تقبل كل عبادة وتقدمة منا للآب.

للعلامة أوريجانوس أحاديث طويلة عن سرّ الأيام الثلاثة، نقتطف منها العبارات التالية: [يلزمنا أن نخرج من مصر ونترك العالم إن كنا نريد أن نخدمه! لا نتركه جسمانيًا بل نتركه من جهة أفكارنا؛ ليس بالخروج من الطرق العادية الملموسة وإنما بالتحرك الإيماني. اسمعوا ما يقوله القدِّيس يوحنا في هذا الشأن: "يا أولادي لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم، لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون" (1 يو 2: 15-16)...

ماذا يقول موسى؟ "نذهب سفر ثلاثة أيام في البرية نذبح للرب إلهنا" (5: 3). ما هو هذا الطريق الذي يقطعه في ثلاثة أيام للخروج من مصر والذهاب إلى الموضع الذي ينبغي أن نذبح فيه للرب؟ إنه الرب نفسه القائل: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6). ينبغي أن نسير في هذا الطريق ثلاثة أيام، لأنك "إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت" (رو 10: 9). هذه هي الأيام الثلاثة التي تقطعها في الطريق لتصل إلى الموضع الذي يُذبح فيه للرب وتُقدم "ذبيحة التسبيح" (مز 49: 14).

هذا هو المعنى السري، أما المعنى السلوكي (الأخلاقي) وهو أهم، فإننا نترك مصر مسيرة ثلاثة أيام حين نكون أنقياء في الجسد والروح، كقول الرسول: "إحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم إلى ظهور ربنا يسوع المسيح" (1 تي 6: 14). إننا نترك مصر مسيرة ثلاثة أيام حين نفصل عقلنا وطبيعتنا وإحساساتنا عن أمور هذه الحياة لنلتصق بوصايا الله. نترك مصر ثلاثة أيام حين تتنقى أفعالنا وكلماتنا وأفكارنا، إذ توجد ثلاث فرص للخطية (خلال العمل والكلام والفكر)[82]].

يُريد إبليس (فرعرن) ألاَّ نبتعد كثيرًا، فلا نسير ثلاثة أيام (8: 28)... لأن عمل عدو الخير هو حرماننا من التمتع بقوة قيامة السيِّد المسيح في داخلنا. هذا من جانب، ومن جانب آخر ألاَّ نسير في الرب ثلاثة أيام، أي لا نتنقى في أفعالنا وكلماتنا وأفكارنا، إنما يريد أن يكون له موضع فينا إن لم يكن بالعمل فبالكلام، وإن لم يكن باللسان فبالفكر. وعلى حد تعبير العلامة أوريجانوس: [يريد أن يضمن أنهم يخطئوا إن لم يكن بالفعل فليكن بالقول وإلاِّ فعلى الأقل بفكرهم. إنه لا يريدهم أن يبتعدوا عنه ثلاثة أيام كاملة. يريد أن يرى له فينا ولو يوم واحد على الأقل، إذ له في بعض الأشخاص يومان وفي الآخرين له الأيام الثلاثة كلها. لكن طوبى لمن ينفصل عنه الأيام الثلاثة بأكملها، ولا يكون له فيه يوم واحد[83]].

بخروجنا ثلاثة أيام ندخل إلى معرفة "القيامة" فتستنير بصيرتنا الداخلية بنور المعرفة الحقيقية. فإن كان فرعون يمثل إبليس "رئيس ظلمة هذا العالم" (أف 6: 12)، فإنه لا يُريدك أن تخرج من دائرة الظلمة إلى نور المعرفة. إنما يُريدك أن تبقى في ظلمة القبر ولا تنعم بنور القيامة. لذا نجده في حديثه مع موسى يعترف بعدم معرفته أي بظلمته قائلاً: "لا أعرف الرب" (5: 2).

خبرة الأيام الثلاثة أي القيامة مع السيِّد المسيح اختبرها قبلاً إبراهيم أب الآباء، هذا الذي خرج من بيته ثلاثة أيام وعندئذ رأى العلامة فقدّم ابنه ذبيحة حب لله (تك 22: 4)، ما هي هذه العلامة التي خلالها يقدم إبراهيم ابنه الوحيد إسحق إلاَّ علامة قيامة المصلوب، لذا يقول معلمنًا بولس الرسول عنه إنه: "آمن بالله القادر على الإقامة من الأموات" (عب 11: 19). رأي قيامة السيِّد المسيح فقدم ابنه إسحق مؤمنًا أن الله قادر أن يقيمه من الأموات.
7. يدّ الله القوية:

من حين إلى آخر يؤكد الله لموسى قدرته على الخلاص قائلاً: "فأمدّ يديّ وأضرب مصر بكل عجائبي التي أصنع فيها وبعد ذلك يطلقكم" [25].

وفي خروجهم لا يخرجهم فارغين، بل يعطيهم نعمة في أعين الشعب فيُعيروهم أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابًا [22]... أولاً إشارة إلى قوة الخلاص في حياة المؤمن، ليس فقط نفسه تتقدس، لكنه في خروجه نحو كنعان السماوية يحمل معه غنائم كثيرة، طاقاته الداخلية وعواطفه وأحاسيسه ودوافعه، يصير كل ما في داخله مما كان مكرسًا للشر وعلّة موت له مقدسًا ومباركًا. ومن جهة أخرى إن كان الشعب قد سلبت أُجرتهم وأذلوهم في السخرة وبناء بيوت لهم، فإن الله يعطيهم نعمة في أعينهم لكي يقدموا لهم بإرادتهم هذه الأمور: ذهبًا وفضة وثيابًا[84].

أما غاية هذا العمل الإلهي الخلاصي فهو "أصعدكم... إلى أرض تفيض لبنًا وعسلاً" [17]، يجد الأطفال البسطاء قوتهم، والناضجون الأقوياء غذاءهم. فاللبن والعسل إنما هما إشارة إلى حياة الشبع واللذة الروحية، لهذا كان المعمَّدون في الكنيسة الأولى يشربون أثناء طقس المعمودية لبنًا ويأكلون عسلاً، إذ بالمعمودية صار لهم حق الدخول إلى كنعان السماوية الموعود بها[85].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

موسى يلتقي بشعبه

بعدما التقى موسى بالله خلال العُلِّيقة الملتهبة نارًا كان لابد لموسى النبي أن يترك مديان ليلتقي بهرون أخيه وبشعبه في مصر:

1. معجزات ثلاث لشعبه              [1-9].

2. أنا ثقيل الفم واللسان              [10-13].

3. هرون كسند لموسى              [14-17].

4. ترك مديان                        [18-23].

5. ختان ابن موسى                  [24-26].

6. بدء العمل                          [27-31].
1. معجزات ثلاث لشعبه:

كما ظهر الله لموسى خلال العُلِّيقة المُتَّقدة نارًا يعلن له سرّ الخلاص خلال التجسد الإلهي والميلاد البتولي والألم، كان لابد أن يمنح موسى إمكانية تقديم بعض المعجزات التي تحمل ظلاً لهذا السرّ أي الخلاص، خلال التجسد الإلهي والصليب. لقد وهبه ثلاث معجزات يمارسها أمام شعبه، ليس لمجرد إظهار قوة فائقة للطبيعة، وإنما تعلن عمل الله الفائق نحو الإنسان. هذه المعجزات هي: تحويل العصا إلى حية، وجعل يده اليمنى برصاء، تحويل الماء إلى دم.
أولاً: تحويل العصا إلى حية:

سأل الله موسى: ما هذه التي في يدك؟ فقال: "عصا" [2].

ألم يعلم الله ما بيد موسى، فلماذا سأله هكذا؟... يجيب القدِّيس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [حتى عندما يراها حية لا ينسى أنها هي التي كانت عصا، متذكرًا كلماته هو عنها فيتحير بسبب هذا الحدث[86]]. هذه هي طريقة الله في تعامله معنا كأن يسأل عن لعازر قائلاً: "أين وضعتموه؟" (يو 11: 34)، حتى متى أقامه يشهد اليهود أنفسهم أنه أقامه من القبر.

لقد أمر الرب موسى أن يُلقي عصاه، التي دُعيت فيما بعد عصا الله [20] على الأرض، فتصير حية تبتلع كل حيات المصريين. الله الكلمة هو عصا الله وقوته الذي نزل على الأرض من أجلنا، "هذا الذي لم يعرف خطية صار خطية لأجلنا" (2 كو 5: 21)، لكي يقتل كل خطايانا؛ أي حملت المعجزة ظلالاً لسريّ التجسد والصليب.

يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [ليت تحويل العصا إلى حية لا يقلق محبِّي المسيح، إن كنا نتقبل التعليم الخاص بالتجسد خلال حية غير لائقة، فإن الحق نفسه لم يرفض هذه المقارنة، إذ يقول: "وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا يُرفع ابن الإنسان" (تك 3: 14). فالتعليم واضح، لأنه إن كان والد الخطية دعاه الكتاب المقدس "حية"، فالمولود من الحية بالتأكيد هو حية، إذن فالخطية هي مرادف مشترك مع الذي يلدها. يشهد النطق الرسولي بأن الرب قد صار خطية لأجلنا، إذ لبس (شبه) طبيعتنا الخاطئة (2 كو 5: 21).

ينطبق هذا الرمز بحق على الرب، لأنه إن كانت الخطية هي حية، والرب صار خطية، إذن النتيجة المنطقية واضحة للجميع. بكونه صار خطية صار أيضًا حية، هذه التي ليست إلاَّ أنها خطية. من أجلنا صار حية لكي يلتهم حيَّات المصريين التي أوجدها السحرة ويقتلها[87]].

أيضًا يقول القدِّيس أغسطينوس: [إلى أي شيء أغرت الحية الإنسان؟ إلى الموت (تك 3: 1). لذلك فإن الموت جاء عن الحية... إذن فالعصا التي صارت حية هي المسيح الذي دخل إلى الموت...[88]].

وتحدث أيضًا القدِّيس إيرينئوس[89] والقدِّيس كيرلس الإسكندري[90] عن هذه العصا المتحولة إلى حية كرمز للتجسد الإلهي، والقدِّيس يوستين[91] والقدِّيس أمبروسيوس[92] كرمز للصليب. أما العلامة ترتليان[93] والقدِّيس أمبروسيوس[94] أيضًا فرأيا فيها رمزًا للقيامة، إذ يقول الأخير هل الذي جعل من العصا حية ألاَّ يقدر بإرادته الإلهية أن يعيد العظام، وتعود الحياة للموتى مرة أخرى؟!

ويعلق القدِّيس أغسطينوس على خوف موسى من العصا المتحولة إلى حية وهروبه منها قائلاً: [ما هذا أيها الإخوة إلاَّ ما نعرف أنه حدث في الإنجيل؟! فقد مات المسيح فخاف التلاميذ وهربوا[95]]. كما قارن القدِّيس يوحنا الذهبي الفم بين خوف موسى هنا وخوف التلاميذ عندما رأوا السيِّد ماشيًا على البحر (مت 14: 25-26)، فالإنسان يخاف ويرتعب عندما يدرك قوة العمل الإلهي[96].

العصا تُشير أيضًا إلى الإيمان، إذ يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [بهذه العصا - كلمة الإيمان - التي في يده، تغلَّب على حيَّات المصريين[97]]. إيماننا بكلمة الله المتجسد المصلوب، وإن كان في نظر اليونانيين جهالة وعند اليهود عثرة، لكنه ابتلع حكمة العالم وفلسفاته البشرية، مقدمًا شفاءً حقيقيًا لجراحات الإنسان. وكما يقول القدِّيس بولس الرسول: "لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة، استحسن الله أن يخلِّص المؤمنين بجهالة الكرازة... لأن جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوى من الناس" (1 كو 1: 21، 25).

ويتحدث القدِّيس أمبروسيوس عن قوة الإيمان الشافي خلال هذه الحية قائلاً: [هذا يعني أن الكلمة صار جسدًا ليُبيد سمّ الحيات القاتلة، لغفران الخطايا. لأن العصا تُمثل الكلمة. هذا حق، أنه عصا ملوكي صاحب سلطان ومجيد في حكمة. صارت العصا حية، لأن ابن الله المولود من الآب صار ابن الإنسان مولودًا من امرأة، ورُفع كالحية على الصليب، وسكب الدواء الشافي لجراحات الإنسان، كقول الرب نفسه: "وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا يرفع ابن الإنسان" (يو 3: 14)[98]].

أخيرًا، فإن عودة الحية إلى عصا مرة أخرى إنما تُشير إلى السيِّد المسيح الصاعد إلى السموات، إلى أمجاده بعدما مزق الصك الذي كان علينا، ليُقيمنا معه ويجلسنا معه في السمويات، شركاء معه في المجد، نستقر في حضن أبيه ببره.
ثانيا: يده اليمنى البرصاء:

يقول القدِّيس أمبروسيوس[99] إن يد الله الآب اليمنى أو يمين الآب إنما هو الابن الجالس عن يمينه، أي قوة الآب، هذا الذي في حضنه. لقد نزل إلينا حاملاً خطايانا (البرص يشير إلى الخطية) ليغسلنا ويُقدسنا، ثم يعود بنا إلى حضن أبيه أصحاء بلا خطية. وكأن هذه الآية إنما تؤكد الآية السابقة.

يرى القدِّيس جيروم في هذا المعجزة إعلانًا عن موت السيِّد المسيح بالجسد إذ صارت يده بيضاء، وقيامته إذ عادت يده إلى ما كانت عليه[100].

ويرى القدِّيس أغسطينوس في قول المرتل: "لماذا ترُد يدك ويمينك؟ إخرجها من وسط حضنك. إفنِ، والله ملكي منذ القدم فاعل الخلاص في وسط الأرض" (مز 74)، يرى إنها صرخات موجهة لله الآب حيث يطلب أن يرسل ابنه الوحيد "يمينه" الذي في وسط حضنه، ليفنِ الشر مقدمًا الخلاص في وسط كل الأمم. يقول القدِّيس: [لقد أُصيب اليهود بالعمى فلم يعرفوا السيِّد المسيح كمخلص حتى يكمِّل خلاص الأمم[101]].
ثالثًا: تحويل الماء إلى دم:

جاءت هذه المعجزة لتثبيت المعجزتين السابقتين، فإنه لا خلاص لنا إلاَّ خلال دم السيِّد المسيح، الذي يقدس مياه قلبنا الباردة.
2. أنا ثقيل الفم واللسان:

اعتذر موسى النبي عن الخدمة قائلاً: "استمع أيها السيِّد. لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس ولا من حين كلمت عبدك، بل أنا ثقيل الفم واللسان. فقال له الرب: "من صنع للإنسان فمًا أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيرًا أو أعمى، أما هو أنا الرب؟! فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به" [10-13].

متى شعر موسى أنه ثقيل الفم واللسان؟ حين كان في القصر ابنًا للأميرة ابنة فرعون، يتدرب بكل حكمة المصريين كان يشعر أنه قادر على الكلام، أما الآن إذ صار في حضرة الرب نفسه شعر أنه ثقيل الفم واللسان! وكما يقول العلامة أوريجانوس: [أثناء إقامته في مصر عندما تعلم بكل حكمة المصريين (أع 7: 22) لم يكن موسى ثقيل الفم واللسان، إذ كان يستخدم البلاغة حين يتحدث عن نفسه. كان في عيني المصريين الصوت المجلجل وصاحب البلاغة التي لا تُقارن. غير أنه إذ سمع صوت الله والوصايا الإلهية شعر أنه أخرس، وذلك حينما بدأ يدرك الكلمة الحقيقي الذي كان عند الله في البدء (يو 1:1). لتسهيل ذلك استخدم التشبيه التالي: أمام الحيوانات غير العاقلة يبدو الإنسان عاقلاً حتى وإن كان غير مثقف وغير متعلم فيظهر أنه بليغ، لأنه ليس للحيوانات صوت ولا عقل. لكنه إذا قورن بعلماء وأصحاب بلاغة يتكلمون بكل أنواع الكلام فيظهر عقيمًا وأخرس. هكذا حينما تتأمل كلمة الله ذاته وترفع عينيك نحو الحكمة الإلهية ذاتها، فإنه مهما كان عملك وحكمتك فستعترف أمام الله أنك كالحيوان الأخرس، بل وأكثر منه. هذا هو الشعور الذي انتاب داود الطوباوي نفسه حين قارن نفسه في ميدان الحكمة الإلهية فتال "أنا بليد ولا أعرف، صرت كبهيم عندك" (مز 22: 27). هذا ما قصده موسى أعظم الأنبياء بقوله "أنا ثقيل الفم واللسان" لا أقدر على الكلام. بالمقارنة مع الله الكلمة يصير الناس جميعًا ليس فقط بلا بلاغة بل وخرس[102]].

بالوقوف أمام الله أكتشف موسى النبي ثقل فمه ولسانه، انسحق في داخله معتذرًا عن الخدمة فتأهل بالأكثر لكي يملأ الله فمه ليخدم. وقد تحدث الآباء كثيرًا عن اتضاع موسى.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email



يقول القديس إكليمنضس الروماني: [دُعيَ موسى أمينًا في كل بيت الله (عد 12: 7؛ عب 3: 2)... مع أنه نال كرامة عظيمة هكذا لكنه لم يستخدم أسلوب العظمة، وإنما حين سمع القول الإلهي من العُلِّيقة قال: "من أنا حتى أذهب؟ أنا ثقيل الفم واللسان" (خر 3: 11، 4: 10)، كما يقول: "أنا ليس إلاَّ دخان زق"[103]].

كما يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [جيد لك أن تتراجع عن الله إلي حين (في دعوته لك للخدمة) كما فعل قديمًا موسى العظيم (خر 4: 10)، وإرميا (إر 1: 6)، بعد ذلك تجري في الحال إليه كما فعل هرون (خر 4: 27)، وإشعياء (إش 1: 6)، لكنه يلزمنا أن ننفذ الأمرين بروح الخضوع، ننفذ الأمر الأول بشعور الحاجة إلي القوة، وننفذ الأمر الثاني بسبب قدرة ذاك الذي دعانا[104]...].

يقول أيضًا: [هرون كان مشتاقًا (للخدمة) أما موسى فقاوم. إشعياء خضع للحال أما إرميا فكان خائفًا بسبب صغر سنه ولم يجسر أن يتنبأ، حتى يتقبل من الله وعدًا وقوة تفوق سنه[105]].

ويقول أيضًا العلامة أوريجانوس: [إذ بلغ (موسى) عمق الفهم الذي هو "معرفته لنفسه"... كافأته النعمة بمواهب عظيمة كهذه: "أنا أكون معك وأعلمك ما تتكلم به" [22]. طوبى للذين يفتح الله أفواههم ليتكلموا! إنه يفتح أفواه الأنبياء ويملأها من بلاغته كما قيل هنا... وكما قال الله بفم داود: "إفغر فاك وأنا أملأه" (مز 81: 11)، وبنفس المعنى يقول القديس بولس الرسول: "إنه يعطي لي كلامًا عند افتتاح فمي" (أف 6: 9). إذن الله هو الذي يفتح فم الذين ينطقون بالكلمات الإلهية[106]].

لم ينفتح فم موسى وحده ليتكلم الله فيه، وإنما أيضًا انفتح فم أخيه هرون، هذا الذي التقى مع موسى عند جبل الله [27]. وكأن كل من يريد أن ينفتح فمه ويتمتع بكلمات الرب والمعرفة الإلهية يلزمه أن يلتقي بموسى (الناموس) روحيًا عل جبل الله أي داخل الكنيسة المقدسة الإلهية. في هذا يقول العلامة أوريجانوس: [صعد بطرس ويعقوب ويوحنا على جبل الله ليتأهلوا لرؤية يسوع متجليًا ومعه موسى وإيليا في المجد. وأنت أيضًا إن كنت لا تصعد على جبل الله وتتقابل مع موسى، أي إن كنت لا ترتفع إلي الفهم الروحي للناموس، إن كنت لا تبلغ قمة الإدراك الروحي فلن يفتح الرب فمك. أما إن توقفت عند المعنى الحرفي البغيض، وتختلط بالسرد التاريخي لتفاصيل الأحداث اليهودية فإنك لن تلحق بموسى علي جبل الله، ولا يفتح الله فاك ولا يعلمك ما تقوله[107]].

الله لا يفتح فقط أفواهنا ليملأها بكلماته وإنما يفتح أيضًا عيوننا لتستنير بالروح القدس وترى الأمجاد الإلهية، ويفتح الآذان لتسمع صوته الإلهي بغير عناد، ويفتح حواسنا وطاقاتنا الداخلية لكي تُبتلع بالكامل في الإلهيات. يقول العلامة أوريجانوس: [كما يفتح الله أفواه القديسين كذلك يفتح آذانهم ليسمعوا الكلمات الإلهية. يشهد بذلك إشعياء النبي القائل: "السيِّد الرب فتح لي أذنًا وأنا لم أعاند" (إش 50: 5)... كذلك يفتح الرب الأعين كما فتح عيني هاجر لتبصر بئر المياه الحية، وكما قال إليشع النبي: "يا رب افتح عينيه فيبصر، ففتح الرب عينيّ الغلام فابصر، وإذا الجبل مملوء خيلاً ومركبات نار حول إليشع" (2 مل 6: 15)... إذن يفتح الله الفم والأذنين والعينين حتى نتكلم ونسمع ونبصر الأمور الإلهية[108]].

وكما يفتح أولاد الله حواسهم وأعماقهم ليتقبلوا عمل الله فيهم، هكذا يفتح أيضًا أولاد إبليس حواسهم وأعماقهم لأبيهم ليتقبلوا عمله فيه ولحسابه. يقول العلامة أوريجانوس: [أُنظر، ماذا كُتب عن يهوذا؟ "دخله شيطان" (لو 22: 4). لقد فتح فمه ليتكلم مع رؤساء الكهنة وقواد الجند كيف يسلمه إليهم بعدما أخذ الفضة[109]].

ربما يتساءل أحد: من الذي يفتح فمنا؟ هل نحن نفتحه والله يملأه، أم هو الذي يفتحه وهو الذي يملأه؟ في رد القديس أغسطينوس علي رسالتين للبيلاجيين يقول: [مع أننا بدون معونته لا نقدر أن نفعل شيئًا، فلا نقدر أن نفتح أفواهنا، لكننا نفتحها بمعونته مع قيامنا بدور من جانبنا، لكن الله هو الذي يملأه دون أن يكون لنا دور في ذلك[110]].
3. هرون كسند لموسى:

بالرغم من كل تأكيدات الله  لموسى أنه هو الذي يعمل فيه، وهو ملتزم بإنجاح طريقه، لكن موسى عاد ليقول: "استمع أيها السيِّد. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). إرسل بيد من ترسل". حقًا ما أتعب القلب البشري حين يتعب! لقد حمي غضب الله [14]، فخسر موسى إنفراده بالرسالة، وقدم له الله شريكًا، حقًا إن الشركة في الخدمة جميلة ومبهجة فقد أرسل الرب تلاميذه إثنين إثنين، لكن ما حدث مع موسى كان ثمرة ضعفه وإصراره على الهروب من المسئولية.

على أي الأحوال، حوَّل الله حتى هذا الضعف للخير، إذ صار هرون سندًا لموسى، ورمزًا للملاك الحارس. فكما كان لموسى ملاك شرير (فرعون الذي يمثل إبليس) يقاومه، كان له أيضًا الملاك الحارس كأخ له، هرون الذي صار كاهنًا يشفع في الشعب ويسند موسى في خدمته. وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [هناك تعليم يستمد قوته من تقليد الآباء القائل بأن الله لم يهمل طبيعتنا بعد سقوطها في الخطية بل سندها بعنايته. فمن ناحية أقام ملاكًا يحمل طبيعة غير فاسدة يسند حياة الإنسان، ومن الناحية الأخرى أقام أيضًا المفسد الذي هو شيطان شرير وقاتل يُقاوم طبيعة الإنسان. هكذا يجد الإنسان نفسه بين هذين الاثنين اللذين يحملان غرضين متناقضين ففي مقدوره أن يغلِّب أحدهما علي الآخر. الملاك الصالح بتعقله يكشف عن فوائد الفضيلة ليملأ بالرجاء السالكين باستقامة، أما خصمه فيبرز الملذات الملموسة التي لا تعطي رجاءً في الخيرات العتيدة... فإن انسحب إنسان من الذين يغرونه نحو الشر، مستخدمًا عقله ومرتدًا نحو الحياة الفضلى معطيًا للشر ظهره، ومنطلقًا نحو الرجاء في الخيرات كمن ينظر في مرآة، مثل هذا تنطبع على نفسه النقية صور وانطباعات الفضيلة التي يعلنها الله له. مثل هذا يقدم له أخوه (هرون) عونًا ويرافقه، لأن الملاك الذي بطريقه ما هو إلاَّ أخ للنفس العاقلة المتزنة يظهر له ويقف معه عندما يقترب من فرعون[111]].

هرون أيضًا يُشير إلى العمل الكهنوتي التعبُدي، التصاقه بموسى إنما يرمز إلى التحام الوصية بالعبادة للعمل بروح الرب من أجل خلاص العالم. فالكرازة تقوم على إعلان الوصية أو الكلمة الإلهية بروح العبادة التقوية.
4. ترك مديان:

إذ أمر الله موسى أن يرجع إلى مصر ليُخرج الشعب قال له: "أنظر جميع العجائب التي جعلتها في يدك، واصنعها قدام فرعون. ولكنني أُشدد قلبه حتى لا يطلق الشعب" [21]. هكذا سبق فأعلن الله له الإمكانيات التي وهبه إيَّاها وأيضًا بالتجارب التي تُحيط به حتى لا يخور في طريق الجهاد. هذا ما فعله السيِّد المسيح معنا، أكد لنا "ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33)، وفي نفس الوقت قال: "ها أنا أرسلكم كحملان في وسط ذئاب" (مت 10: 16).

هل يُشدد الله القلب؟ يظهر من قول الكتاب (8: 32) أن فرعرن يُقسي قلبه بكمال حرية إرادته، أما هنا فيقول الرب أنه يُقسي قلب فرعون، بهذا نعرف أن الله بحكمه العادل يترك فرعون لينفذ إرادته الحرة التي هي قساوة القلب ولا يمنعه حتى يتمجد فيه، وحسب كلمات الرسول "أسلمه الله إلى شهوات قلبه وإلى ذهنه المرفوض"  (راجع رو 1: 24، 28).
5. ختان ابن موسى:

يبدو أن زوجة موسى الغريبة الجنس، صفُّورة ابنة يثرون، خافت علي ابنها من الختان، وقد خضع موسى النبي لرأيها... هكذا حتى العمالقة في حياتهم الروحية يتعرضون لضعفات قد تدفع بهم إلى هلاكهم تمامًا.

كان لزامًا علي موسى أن ينطلق بزوجته من مديان ليعمل في كرم الرب، وكان لزامًا عليه أن يختن الابن ثمرة اتحاده بهذه الزوجة. هذه صورة حيّة للكنيسة التي لم تحتقر الزوجة غريبة الجنس، فلم تقف في عداوة مع الفلسفات، لكنها احتضنتها والتزمت أن تنطلق بها من بيت أبيها وتختتن ثمرة إتحادها معها، فتُنزع عنها نقائصها وتطرد ما فيها من أخطاء حتى لا يهلك المؤمنون. في هذا يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [المرأة الغريبة تتبعه، إذ هناك بعض الأمور في التعليم الزمني لا نحتقرها، إذ تهدف إلى إنجاب الفضيلة. حقًا قد تصير الفلسفة الأخلاقية والطبيعية في وقت ما رفيقًا وصديقًا وملازمًا للحياة العلوية بشرط ألاَّ يدخل ثمرة الاتحاد معها شيء دنس غريب[112]]. كما يقول: [إذ كان ابنه لم يُختتن بعد، أي لم يُنزع عنه بالكامل كل ما هو ضار ودنس أرعبهما الملاك الذي التقى بهما، لكن زوجته هدأت الملاك بتقديم ابنها طاهرًا، إذ نزعت عنه العلامة الخاصة بالغرباء (الغرلة) تمامًا[113]].

وقد أخذ القديس غريغوريوس هذا الفكر عن العلامة أوريجانوس السكندري الذي رأى في الزواج بالغريبات رمزًا لاستخدام الفلسفة[114].
6. بدء العمل:

التقى موسى وهرون أي الوصية الإلهية مع العبادة الورعة الكهنوتية، وتلاقيا مع جميع الشيوخ، الذين خضعوا لعمل الله وكلماته، أما الشعب فإذ سمعوا "خروا وسجدوا" [27]. إنها صورة حية لخضوع كل طاقات النفس والجسد للعمل الإلهي خلال قبول كلمة الله والعبادة.

حقًا ما أحوجنا أن نعمل في القلب، كرّم الله المقدس، خلال كلمة الله وبروح تعبدي ليُصير القلب كله مقدسًا للرب، خاضعًا له!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 5 PDF Print Email

لقاء مع فرعون

التقى موسى بالله خلال العُلِّيقة، ثم التقى بهرون في جبل الله، وخرج الاثنان إلى جميع الشيوخ وكل الشعب، والآن لابد أن يَدخُلا إلى فرعون نفسه ليلتقيا مع الأسد في عرينه.

1. لقاء داخل القصر                  [5: 1-5].

2. تشديد السُخرة                     [5: 6-15].

3. تذمر الشعب                       [5: 16-23].

4. تأكيدات الرب لموسى              [6: 1-13].

5. رؤساء بيوت الآباء               [6: 14-28].

6. أنا أغلف الشفتين                 [6: 29-30].
1. لقاء داخل القصر:

أ. إذ طلب موسى وهرون من فرعون أن يطلق الشعب ليتعبد له علي مسيرة ثلاثة أيام، أي خلال قوة قيامة الرب، هاج فرعون قائلاً: "من هو الرب حتى أسمع له؟!... لا أعرف الرب" [2]. أليس هذا هو ذات الروح الذي نطق به المجمع حين دعى الرسولين بطرس ويوحنا "وأوصوهما أن لا ينطقا البتة ولا يعلِّما باسم يسوع" (أع 4: 8). وكما كتب الفيلسوف أثيناغوراس إلى الإمبراطورين مرقس أوريليوس أنطونيوس وكرمودوس أن الاتهام الحقيقي ضد المسيحيين هو "الاسم"، إنهم يحملون اسم السيِّد المسيح عليهم، الأمر الذي لا يطيقه العالم.

ب. سبق فرأينا أن حديث فرعون هذا "لا أعرف الرب" يكشف عن ظُلمة الجهل التي يعيش فيه عدو الخير...

ج. يرى العلامة أوريجانوس في شكوى فرعون أن موسى وهرون يبطلان الشعب [4]. هي شكوى عدو الخير في كل جيل، إذ يرى الكثيرون أن تكريس الشباب حياتهم للعبادة والخدمة هو مضيعة للطاقة البشرية. ففرعون إنسان مادي لا يعرف إلاَّ اللبن والطين، يود أن يغمس حياة الكل فيها، أما مَن تحرر فكره إلى الروحيات فهو إنسان يبطل وقته!
2. تشديد السُخرة:

بدلاً من إطلاق الشعب ليعبد الرب شدد فرعون أوامره ضد الشعب لإذلالهم، متهمًا إيَّاهم أنهم متكاسلون. ويعلق العلامة أوريجانوس علي ذلك قائلاً: [حقًا قبل أن تُعرف الكرازة لا توجد الضيقات والتجارب. لا تبدأ الحرب قبل أن يبوَّق بالبوق. لكن ما أن يبوَّق بوق الكرازة حتى تُعطى العلامة للحرب (الروحية) وتحل الضيقة[115]].

يقول أيضًا: [قبل أن تبدأ معارك الفضائل ضد الرذائل... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). تعيش الرذائل في سلامٍ داخل نفسك. لكن إذ تبدأ محاكمة كل رذيلة تحدث حركة واسعة وتتولد داخلك حرب بلا هوادة، لأنه أي خلطة للبرّ مع الإثم، للزنا مع العفة، للحق مع الضلال؟!... إذن لا تضطرب كثيرًا إن كانت رائحتنا قد أنتنت أمام فرعون، لأن رائحة الفضيلة عند الرذيلة  هي نتانة[116]].
3. تذمر الشعب:

إذ تشدد فرعون في الأمر قال الشعب لموسى وهرون "ينظر الرب إليكما ويقضي، لأنكما أنتنتما رائحتنا في عين فرعون وفي عيون عبيده حتى تعطيا سيفًا في أيديهم ليقتلوننا" [21].

إذ دخل الخوف قلب الشعب تحولت كلمة الله في فمي موسى وهرون التي لها الرائحة الذكية، رائحة حياة للحياة، إليهم رائحة موت لموت (2 كو 2: 15-16).

هذا التذمر ليس علته عنف فرعون وتشديد السُخرة، لكنه طبيعة لازمت هذا الشعب طوال سيرهم في البرية بالرغم من عناية الله الفائقة لهم... لذلك يليق بنا في تذمرنا ألاَّ نلوم الظروف المحيطة بنا بل قلبنا المملوء خوفًا وعدم ثقة في الله المخلص.


+ إقرأ إصحاح 5 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 6 PDF Print Email

موسى قبل الخروج

4.تأكيدات الرب لموسى :

إذ تذمر الشعب، صرخ موسى إلى الرب وقال: "يا سيِّد، لماذا أسأت إلى هذا الشعب؟ لماذا أرسلتني؟ فإنه منذ دخلت إلى فرعون لأتكلم باسمك أساء إليَّ هذا الشعب، وأنت لم تخلص شعبك" (5: 32-33).

ما أجمل أن يدخل الخادم مع الله في عتاب حين يشعر كأن خدمته قد فشلت، مقدمًا لله حسابات عمله؟!

تقبَّل الله هذا العتاب واستجاب لمرارة قلب خادمه. إن كان فرعون قد أعلن جهله بالله قائلاً: "لا أعرف الرب" (5: 2)، فإن تأكيدات الله المتكررة لموسى هي "أنا الرب" (2:6، 7، 8، 28). هو الرب الذي عمل في الآباء قديمًا إذ ظهر لإبراهيم واسحق ويعقوب (6: 3)، ويعمل في الحاضر إذ يسمع آنات شعبه ويخرجهم من تحت الثقل ويُحررهم من العبودية (6: 5-6)، ويُدبر لهم المستقبل فيدخلهم إلى الأرض التي وعد بها (6: 9).

إنه الرب الذي يعمل لأجل اسمه القدوس الذي يُقاومه إبليس، ومن أجل مواعيده لأولاده، الذي يبقى أمينًا، وأيضًا يعمل ليُقيم له شعبًا مقدسًا يدخل معه في شركة "وأتَّخذكم ليّ شعبًا وأكون لكم إلها" (6: 7).
5. رؤساء بيت آبائهم:

بعد أن أكد الرب لموسى أنه يحرر الشعب من العبودية، ذكر الكتاب أسماء بيت آبائهم... وكأن الرب يريد أن يؤكد أنه ليس فقط يهتم بالشعب كجماعة، لكنه يهتم بكل واحد فيهم باسمه. علاقة الله مع شعبه دائمًا علي المستوى الجماعي والشخصي في نفس الوقت، في رعايته لهم كجسد السيِّد المسيح الواحد المقدس، شعرة واحدة من رأس الجماعة لا تسقط بدون إذنه!

لقد وجد بعض الآباء معانٍ كثيرة لهذه الأسماء، نذكر علي سبيل المثال ما رآه العلامة أوريجانوس[117] في أسماء بني قورح: أسير وألقانه وأبيأساف (6: 24)، هؤلاء الذين نظموا صلاة تسبحة جميلة بروح واحد منسجم، جاءت مقدمتها: "كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله" (مز 42)، أما سرّ إنسجامهم معًا في الصلاة والتسبيح فهو أن أسير يعني "تعليم" وألقانه تعني "ملكية الله" وأبيأساف في رأيه ترجع لليونانية وتعني مجمع الأب، وكأنه إذ تكون النفس كقورح ويكون لها هؤلاء الأبناء معًا: حب التعلم المستمر، والشعور بالتكريس لله أي في ملكيته، والارتباط بروح الجماعة الواحدة، يفيض في القلب قصيدة حب وصلاة مقبولة يفرح بها الله.
6. أنا أغلف الشفتين:

حاول موسى أن يعتذر للرب قائلاً: "كيف يسمعني فرعون وأنا أغلف الشفتين؟!" (6: 2، 30)، لكن تأكيدات الرب له "أنا الرب"... أنا أُخلص...

ما أجمل أن يشعر الإنسان بضعفه الروحي وخطاياه كسرّ فشل لخدمته، فيقول: "أنا أغلف الشفتين"... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ليست فيهما قداسة لتعمل كلماتي بسلطان ضد إبليس، أو كما يقول نحميا حين سمع عن أخبار الخدمة المحزنة "أنا وبيت أبي قد أخطأنا" (نح 1: 6). لم يلم الظروف ولا الآخرين ولا نسب لله أنه قد نسي أولاده، بل ألقى باللوم على نفسه هو وبيت أبيه لأنهم أخطأوا.

لقد أدرك موسى مفهوم الختان والغرلة علي مستوى روحي داخلي، لذا حسب شفتيه في حاجة إلى ختان داخلي... وجاء بعده إرميا يتحدث عن ختان القلب الخفي (إر 4: 4)، وختان الأذن (إر 6: 4). وتحدث معلمنا بولس الرسول في أكثر وضوح عن الحاجة إلى الختان الروحي في المعمودية، حيث يخلع المؤمن أعمال الإنسان القديم ليحمل جدة الحياة ويكون على صورة خالقه.




+ إقرأ إصحاح 6 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 7 جـ1 PDF Print Email

الضربات العشر

تتحدث هذه الأصحاحات الأربعة (7-10) عن التسع ضربات الأولي بينما تحدث الأصحاحان (11-12) عن الضربة الأخيرة التي ارتبطت بخروف الفصح:

1. مقدمة للضربات                   [7: 1-13].

2. تحويل الماء دمًا                  [7: 14-23].

3. ضربة الضفادع                   [8: 1-15].

4. ضربة البعوض                   [8: 16-19].

5. ضربة الذباب                     [8: 20-32].

6. ضربة المواشي                   [9: 1-7].

7. ضربة البثور                      [9: 8-12].

8. ضربة البرد والنار                 [9: 13-30].

9. ضربة الجراد                      [10: 1-20].

10. ضربة الظلام                    [10: 21-29].

11. ضربة الأبكار                   [ص 11، 12].
1. مقدمة للضربات:


قبل أن يبدأ الله بالضربات أكد لموسى عدة حقائق:

أ. "أنا جعلتك إلهًا لفرعون" [1]. أي جعلتك سيِّدًا عليه، فلا تخافه ولا ترهب قسوة قلبه، وكما يقول القديس باسيليوس: [يقدم هذا اللقب برهانًا علي نوع من السلطان في التدبير أو في العمل[118]]. فالمؤمن يحذر من إبليس، لكنه يؤمن أن له سلطان عليه كقول الرب: "ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيَّات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء" (لو 10: 19)، وكما يؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم في أكثر من مقال إنه ليس للشيطان سلطان علينا، إنما يقدم إغراءاته غير الملزمة وحيله وخداعاته لكي نسقط في فخاخه[119].

ب. "أخوك يكون نبيك" [1]. أي المتكلم عنك، إذ التحمت الوصية (موسى) بالعمل الكهنوت التعبدي (هرون)، صارت العبادة معلنة للوصية وكاشفة عنها، هذا هو إيماننا أن عبادتنا الليتورﭽية ليست شيئًا منفصلاً عن إنجيلنا، بل عاملة به وكارزة، يستطيع الأُمّي والطفل أن يدركا الأسرار الإنجيلية خلال بساطة الطقس وروحانيته، ويقدر المتعلم والناضج أن يجد أعماق المفاهيم اللاهوتية الإنجيلية فيه.

ج. غاية الضربات: "يعرف المصريون إنيّ أنا الرب" [5]، أي يبدد ظلمة الجهل التي طمست عينيّ الإنسان في شره. بمعنى آخر، لم يهدف الله بها إلى إلقاء الرعب في قلوب الحاضرين، إنما أراد أن تكون سندًا للخلاص. وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [بهذه المعجزات عينها يُهزم العدو (الشيطان) ويتقوى شعب الله[120]]. ذكرَّهم بها الرب بعد مرور قرون طويلة ليرُدهم إليه، ففي المزمور (78: 43-53) كان يعاتبهم كيف خلصهم بيد قوية وضرب العدو ليُعينهم، أما هم فلا زالوا يسلكون في قساوة قلبهم.

د. استدعى فرعون ساحرين: ذكر القديس بولس الرسول اسميهما "مينيس ويمبريس" (2 تي 3: 1)، عن التقليد اليهودي، قام هذان الساحران بمقاومة موسى وهرون ليس بإلقاء الرعب والتهديد كما فعل فرعون، وإنما خلال حرب خطيرة هي حرب التمويه بين الحق والباطل، بين عمل الله وعمل إبليس، فحاولا أن يفعلا ما يفعلانه موسى وهرون لكنهما فشلا، إذ يقول الكتاب:

* "عصا هرون ابتلعت عصيِّهم" [12].

* "فعل كذلك العرّافون بسحرهم ليخرجوا البعوض فلم يستطيعوا... فقال العرّافون لفرعون هذا إصبع الله" (8: 18، 19).

* "لم يستطع العرّافون أن يقفوا أمام موسى من أجل الدمامل، لأن الدمامل كانت في العرافين وفي كل المصريين" (9: 12).

بمعنى آخر، إن كان السحرة حاولوا الخداع بإبراز بعض أعمال تحمل صورة ما فعله موسى وهرون، وذلك بفعل السحر، لكنهم كانوا في ضعف، وسقط الساحران تحت الضربات كغيرهما، ولم يكونا قادرين على إبطال الضربات أو إنقاذ فرعون وجنوده... واضطرَّا أن يعترفا بقوة "إصبع الله".

في دراستنا لسفر الرؤيا رأينا حربًا مشابهة، فكما يعلن الثالوث القدوس أعماله مع الإنسان يحاول الثالوث الدنس "ضد المسيح والوحش البرّي والوحش البحري" أن يخدعوا البشر، بل وأحيانًا يقدمون أعمالاً تبدو كما لو كانت تشبه أعمال الثالوث القدوس، مثل عمل المعجزات بفعل شيطاني[121].

ه. العصا التي كانت في يد موسى النبي دُعيت "عصا الله" (4: 20)، "عصا هرون" (7: 22)، "عصا موسى" (10: 13)، هي عصا الخلاص التي تعمل في حياتنا تُشير إلى الإيمان بالصليب الخشبة المُحيية، لذا دُعيت عصا الله، كما تُشير للوصية الإلهية أو كلمة الله الكارزة بالصليب (عصا موسى)، وأيضًا تشير للحياة التعبُدية التي خلالها ندخل في حياة الشركة مع المصلوب (عصا هرون)، وكأن الإيمان يلتحم بالكتاب المقدس والعبادة بغير انفصال.

و. العصا بين الناموس والصليب: العصا الذي جاء بها موسى إلى مصر هي الناموس الذي يضرب به الضربات العشر، أي يُدين الخطية ويفضحها، وهي أيضًا الصليب الذي جرد إبليس من سلطانه وقهر قوته معطيًا للمؤمنين قوة الغلبة والخلاص، في هذا يقول العلامة أوريجانوس: [موسى يأتي إلى مصر حاملاً العصا التي يعاقب بها ويضرب بها الضربات العشرة، أي بالوصايا العشر. أما العصا التي تمت بها هذه الأمور، والتي أخضعت مصر وروضت فرعون، فهي صليب المسيح الذي غلب العالم، وانتصر علي (رئيس هذا العالم) وعلى "الرؤساء والسلاطين" (كو 2: 15)، إذا ما أُلقيت علي الأرض تتحول إلى حيَّة، فتلتهم حيَّات سحرة مصر الذين قاموا بعمل نفس الشيء، وقد كشف لنا الإنجيل أن هذه الحيَّة هي الحكمة بالقول: "كونوا حكماء كالحيَّات" (مت 10:10)، وفي موضع آخر: "وكانت الحيَّة أحكم جميع الحيوانات التي في الجنة" (تك 3: 1)، إذن فصليب المسيح الذي كانت البشارة به تعتبر نوعًا من الجنون، كان موجودًا في موسى، أي في الناموس، كقول الرب: "لأنه مكتوب عنيّ" ( يو 5: 46)، هذا الصليب الذي كتب عنه موسى، إذ طُرح علي الأرض، أي آمن به البشر، تحول إلى حكمة تلتهم كل حكمة المصريين، أي يبتلع كل حكمة هذا العالم، أنظر كيف صيَّر الله حكمة هذا العالم جهالة؟! (1 كو 1: 2)، برفع المسيح علي الصليب الذي هو قوة الله وحكمته].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 7 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 7 جـ2 PDF Print Email

ز. سرّ الضربات العشر: يرى بعض الآباء في الضربات العشر صورة رمزية لعمل الصليب في قلب الإنسان الذي صار محبًا للعالم، أي صار كأرض مصر، حتى ينطلق به إلى الحياة المقدسة، ففي اختصار نقول أن:

الضربة الأولي: أو تحويل ماء النهر دمًا، يُشير إلى ضرورة تحويل مياه القلب البارد إلى حياة الجهاد، كقول الرسول: "لم تجاهدوا بعد حتى الدم".

والضربة الثانية: الخاصة بالضفادع تُشير إلي الحياة المملوءة كلامًا فارغًا بلا عمل، كنقيق الضفادع طوال الليل، فبالروح القدس ندخل من كثرة الكلام إلى الحياة الإيمانية العاملة.

والضربة الثالثة: الخاصة بالبعوض تُشير إلي الأفكار الشريرة حيث لا يشعر الإنسان بالبعوضة على جسده إلاَّ عندما تلدغه، وهكذا كثيرًا ما يستسلم الإنسان للأفكار ولا يدري بها إلاَّ بعد أن تثير أحاسيسه نحو الخطية، فينطبق عليه قول الكتاب: "يشربون الإثم كالماء". فبالروح القدس نغلق باب الفكر عن الشر لينفتح منطلقًا نحو العمل الإيجابي البنّاء.

الضربة الرابعة: خاصة بالذباب الذي يقدم عن الأماكن القذرة ويسبب أمراضًا، مُشيرًا بهذا إلى ضرورة الهروب من مصدر الخطية ومثيراتها، كأصدقاء الشر وأماكن الدنس حتى لا تُصاب بالضعف.

الضربة الخامسة: خاصة بالوباء الذي أصاب الماشية، يُشير إلى الانحطاط إلى الأفكار الجسدية الحيوانية، فيليق بنا ألاَّ نسلك حسب شهوات الجسد بل نقبل شهوة الروح.

الضربة السادسة: أي البثور والقروح، تشير إلى فساد الجسد وعدم تقديسنا له، وإذ يلزمنا أن نتقبل عمل الروح القدس حتى في أعضاء جسدنا.

الضربة السابعة: أي حدوث أصوات رعد وبرد ونار، تشير إلى عمل الله داخل القلب فيُرعد بروحه القدوس فينا، ليُزلزل كل خطية استكانت داخل القلب وتأسست فيه، ويسقط البرد لقتل كل بداية زرع شيطاني (الأعشاب)، وبناره المقدسة يحرق الأشواك الخانقة للنفس ويلهب القلب بنار الحب الإلهي.

الضربة الثامنة: خاصة بالجراد تُشير إلى عدم ترك أي أثر للخطية في حياتنا، كما فعل الجراد حيث لم يترك ورقة خضراء في كل الأرض.

الضربة التاسعة: هي الظلام، أي اكتشاف الإنسان عمى بصيرته الروحية، صارخًا إلى الله ليهبه استنارة روحية داخلية.

أخيرًا الضربة العشرة: ضربة الأبكار التي تُشير إلي قتل إبليس وجنوده، لكي نصير نحن أنفسنا أعضاء في كنيسة الأبكار.

قدم لنا العلامة أوريجانوس تفسيرًا لهذه الضربات العشر قائلاً: [كل نفس في هذا العالم تعيش في ضلال وجهل للحقيقة، إنما هي (رمزيًا) في مصر. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). عندما يقترب منها ناموس الله[122] تتحول لها المياه إلى دم، أي تتحول الحياة السهلة المملوءة كسلاً إلى دم العهدين القديم والجديد، ثم تجتذبها بعيدًا عن الأحاديث الباطلة التي في نظر عناية الله نقيق ضفادع، ثم تُنقيها من الأفكار الشريرة التي تشبه لدغة البعوض، وتنزع عنها إبر الشر. تضمد فيها الجراحات التي تسببها النشوة التي يرمز لها بالذباب، وتهدم فيها الغباء والإدراكات الحيوانية... يهتم الناموس بجراحات خطاياها وينزع عنها انتفاخ الكبرياء وحروق الغضب، ويقدم لها أصوات الرعد أي تعاليم الإنجيل، ويستخدم تأديبات البرد لكي تخضع فيها تنعُمات الحواس وتلذُّذاتها، كما يُقدم لها نار التوبة لكي تُردد النفس قائلة: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا" (لو 24: 32)، لا يتأخر الناموس عن أن يرسل لها الجراد الذي يهاجم العواطف الثائرة غير النقية فيلتهمها، فتتهذب النفس بتعاليم الرسل "ليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب" (1 كو 14: 40). وعندما تستوفي التأديبات عن عاداتها الشريرة وتلتزم بتغيير حياتها إلى الحياة الفضلى تعترف بصاحب الضربات، وتقول أنه "إصبع الله"، حينئذ تدرك ظلمة أعمالها وتعترف بظلمة خطاياها، فإن بلغت هذا الحد يُهلك الله في داخلها أبكار مصر (الشر)[123]].
2. تحويل الماء دمًا:

يلاحظ في الضربات العشر أن الله كان يوجهها ضد آلهة المصريين نفسها ليكشف ضعفها، إذ يقول: "وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين أنا الرب" (12: 12)، ومن ناحية أخرى كان يهدف بها إلى فضح حياتهم التي يسلكونها في الشر. فتحويل مياه النيل إلى دم دنس أوقع المصريين في حيرة إذ رأوا معبودهم قد صار دنسًا! ومن جهة أخرى كشف لهم أن فكرهم كله جسداني[124]، يرون كل شيء حسب اللحم والدم وليس بمنظار روحي.

هذا ونهر النيل يُشير إلى حكمة المصريين وفلسفاتهم المتغيرة، فبتحويله إلى دم ظهر أنه لا خلاص لهم بالحكمة البشرية والفلسفة الزمنية، إنما بالإيمان بدم السيِّد المسيح الذي يمتص كل حكمة وفلسفة. لهذا بدأت الضربات بالدم وانتهت أيضًا بالدم، حيث ذُبح خروف الفصح، ووُضعت علامة الدم على العتبة العليا والقائمتين، فهلك أبكار المصريين وأُنقِذ شعب الله.

لقد طلب الرب من موسى أن يذهب إلى فرعون في الصباح [15]، لأن حربنا مع عدو الخير تبدأ مع صباح حياتنا الروحية وبدء انطلاقها. كما طلب منه أن يلتقي به علي حافة النهر، يخرج إليه عند المياه [15]. وكأن ذلك إعلان للمؤمن أن يلتقي مع صاحب الفلسفات بذات فلسفاتهم، فلا تخاف الكنيسة من دراسة العلوم الفلسفية، واشترط أن يأخذ العصا التي تحولت إلى حيَّة في يده، فلا إمكانية للغلبة على الشر بدون الصليب واهب النصرة.

أما النتيجة فهي: "يكون دم في كل أرض مصر في الأخشاب وفي الأحجار" [19]، فإن كان الأرض قد صار "أرض مصر" أي محبًا للعالم، فإن الدم يُدخل إليه ليقدسه، والخشب الذي فيه بلا حياة يجرى فيه الدم ليصير أشجارًا حيَّة مثمرة، والحجارة الجامدة تتحول إلى "أولاد لإبراهيم"، كقول السيِّد المسيح نفسه "إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ"!

أما موت السمك ونتانته [18، 21] فيُشير إلى هلاك ما ظنه المصريون غذاءً لهم في الفلسفات الزمنية، فتصير رائحة الفلسفات الوثنية بجانب الإيمان غير لائقة، لا تستريح لها النفس.

ويلاحظ أن الماء لم يصر دمًا للعبرانيين، وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [ليس بالأمر العجيب أن العبرانيين وهم يقطنون بين الغرباء لا يتأثرون بشرور المصريين، هذا ما يمكن ملاحظته في المدن المزدحمة الآن حيث يتمسك الناس بآراء متناقضة، فبالنسبة للبعض مجاري الإيمان التي يستقون منها التعاليم الإلهية منعشة وواضحة، أما بالنسبة للآخرين الذين يعيشون كالمصريين حسب أهوائهم الشريرة صارت المياه دمًا فاسدًا[125]].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 7 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 8 PDF Print Email

باقى ضربات موسى العشرة

 

3- ضربة الضفادع:

كانت الضفادع مفرزة للإله أوزوريس، ومن مزامعهم أن إنتفاخها علامة وحي إلهي، فسمح الله أن تفيض عليهم وتصير ضربة كبرى بالنسبة لهم.

يرى القديس أوغسطينوس أنها تشير إلى كثيري التكلم بالأمور الباطلة غير النافعة[126]، ويرى العلامة أوريجانوس أنها تُشير إلى أغاني الشعراء التي هي كنقيق الضفادع تقدم أصواتًا ملتوية ومزعجة بلا عمل، لذا يليق بالمؤمن أن يتخلص بصليب السيِّد المسيح من الكلام الباطل الذي بلا عمل.

إن كان فرعون قد ألزم الشعب بالعمل في الطين فقد ناله تأديب قاسي أن تقفز الضفادع من الطين بشكلها القبيح ورائحتها غير المقبولة، وصوتها المزعج لتدخل إلى بيته وتقتحم مائدته وسريره ومخازنه السرّية، فتتحول حياته طينًا ووحلاً! بالكيل الذي كال به كُيّل له وازداد.
4. ضربة البعوض:

كان الكهنة يهتمون جدًا بالنظافة ويحترسون من التدنس بالبعوض والقمل، فضُربوا بالبعوض، الأمر الذي فشل السحرة أن يخرجوه فاعترفوا أمام فرعون قائلين: "هذا إصبع الله" [19].

ماذا يعني إصبع الله؟ يقول القديس أغسطينوس: [يقول المرتل: "إذ أرى السموات عمل أصابعك" (مز 8: 3)، ونقرأ إن الناموس قد كُتب بإصبع الله (خر 31: 18، 34: 28، تث 9: 10). وأُعطيَ خلال موسى خادمه الطوباوي، هنا يفهم الكثيرون إصبع الله أنه الروح القدس[127]].

يرى العلامة أوريجانوس في ضربة البعوض إشارة إلى الكلمات الرقيقة المعسولة التي تخدع الإنسان خلال المكر، فلا يشعر بها ولا يراها، إذ لا يعرف كيف خُدع وسقط.

كذلك يتساءل القديس أغسطينوس: [لماذا يسمح الله للإنسان أن يتأدب خلال هذه الضربات الضعيفة؟ ويجيب قائلاً: لماذا نحتمل شرورًا من خليقة هي من صنع الله؟ لأننا نقاوم الله! فهل الملائكة تعاني من هذه الخليقة؟! فإننا لو عشنا مثلهم لا يوجد شيء ما يخيفنا. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فالتأديب يتهم خطيتك ولا يتهم الديان، بسبب كبريائنا يسمح الله للخليقة الصغيرة جدًا والمزدرى بها أن تعذبنا مادام الإنسان متكبرًا على الله ومتعجرفًا[128]...].
5. ضربة الذباب:

كان المصريون يعبدون آلهة تقوم بطرد الذباب... فأراد الله أن يكشف عن عجز آلهتهم.



+ إقرأ إصحاح 8 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 9 PDF Print Email

باقى الضربات العشرة

 

6. ضربة الوباء الذي أصاب المواشي:

كان المصريون يعتقدون بالقداسة في بعض الحيوانات ولا سيما العجل أبيس الذي يحسبون أن فيه روح إلههم أوزوريس، فبضربة الحيوانات يدرك المصريون خطأ معتقداتهم، ويرى القديس أغسطينوس أن بضربة الحيوانات أراد أن يضبط الإنسان الشهوة الحيوانية فيه ويروضها فلا يعيش كالحيوان بل في حياة الطهارة[129]].


7. ضربة البثور:

كان للمصريين آلهة كثيرة يقدمون لها أناسًا أحياء، قيل أنهم كانوا يحرقون بعض العبرانيين على مذبحٍ عالٍ ويذرُّون رمادهم في الهواء، لكي تنزل مع كل ذرة بركة، لذلك أخذ موسى رمادًا من التنُّور وذرَّاه، فنشرته الرياح ونزل على الكهنة والشعب والحيوانات بالقروح والدمامل، حتى لم يستطع السحرة أن يقفوا أمام موسى من أجل الدمامل [11]، كأن الله أراد أن يعلن أنه إن كان قد طال أناته عليهم لكنه يستطيع أن يُخلص هؤلاء الذين يحرقونهم بلا ذنب.


8. ضربة الرعد والبرد والنار:

كانت هذه الضربة شديدة إذ لم يعتد المصريون على البرد القارص وهذا الجو العنيف، وقد رأينا أن أصوات الرعد كانت تُشير إلى إعلانات الله وإنذاراته، والبرد يُشير إلى قتل الزرع الرخيص (العشب) الذي أقامه العدو في القلب، والنار تحرق الأشواك الخانقة للنفس ليلتهب القلب بمحبة الله.

ويرى القديس أغسطينوس أن البرد يُشير إلى خطية سلب أموال الآخرين مثل السرقة واللصوصية والاغتصاب، وأن النار تُشير إلى خطية الغضب التي تشتعل في القلب حتى تؤدى إلى جريمة القتل[130].



+ إقرأ إصحاح 9 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 10 PDF Print Email

الضربات العشرة


9. ضربة الجراد:

الجراد مفسد للزرع ومُجلب للقحط، إذ يُبيد كل نبات أخضر، فكانت الضربة تُشير إلى عجز آلهتهم عن إعالتهم حتى جسديًا.

ويرى القديس أغسطينوس في الجراد إشارة إلى الشهادة الباطلة، إذ تؤذي كالجراد غيرها خلال الفم[131].
10. ضربة الظلام:

كان المصريون يعبدون الإله رع أي الشمس. كأن هذه الضربة قد وُجهت ضد هذا الإله، وفي نفس الوقت كشفت لهم عن عمى بصيرتهم الداخلية، وأعلنت عن حاجتهم لمجيء شمس البر الذي يشرق علي الجالسين في الظلمة. وقد بقى الظلام ثلاثة أيام، لعلّ ذلك إشارة إلى انتظار النفس للدخول في نور قيامة المسيح يسوع.


11. موقف فرعون من الضربات:

حاول فرعون أمام هذه الضربات أن يدخل في مفاوضات مع موسى وهرون مقدمًا أنصاف حلول غير مجدية:

أ. ففي البداية إتهم موسى وهرون أنهما يبطلان الشعب، وأن الشعب متكاسل يهرب من العمل (5: 17).

ب. إذ بدأت الضربات صرخ فرعون إليهما ولما حدث الفرج غلظ قلبه ولم يسمع لهما (8: 15).

ج. إذ اشتدت الضربات قال لهم: "اذهبوا اذبحوا لإلهكم في أرض مصر" (8: 25)، أي يتعبدوا لله دون أن يعتزلوا الشر، ودون تغيير في حياتكم.

د. إذ أصرّ موسى وهرون على موقفهما قال: "أنا أطلقكم لتذبحوا للرب إلهكم في البرية، ولكن لا تذهبوا بعيدًا، صليا لأجلي" (8: 28)، تظاهر بالورع والحاجة إلى صلاتهما، لكنه لا يُريدهما أن يسيرا الثلاثة أيام كاملة، أي لا يتمتع الشعب بقوة القيامة مع المسيح يسوع المخلص.

ه. إذ اشتدت الضيقة سمح لهم بالخروج كما يُريدون (أي يسيرون ثلاثة أيام)، لكنه قال: "اذهبوا أنتم الرجال واعبدوا الرب لأنكم هكذا طالبون" (10: 10)، مشترطًا أن يتركوا نساءهم وأولادهم ومواشيهم، يسمح لنا العدو أن نتعبد لله لكن بدون نسائنا أي أجسادنا، لأن الزوجة إنما تُشير للجسد، كقول الرسول للرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم، ولا يكون لهم أولاد أي ثمار الروح، وبدون المواشي أي دون تقديس الحواس والعواطف، أنه يريد العبادة منفصلة عن كل حياة الإنسان العملية حتى عن تقديس جسده وعواطفه.

ز. وأخيرًا، سمح لهم أن يخرجوا بنسائهم وأولادهم "غير أن غنمكم وبقركم تبقى" (10: 24). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وكانت الإجابة "لا يبقى ظلف" (10: 26). نخرج جميعنا بنسائنا وأولادنا ومواشينا، مقدمين كل شيء للرب، ولا نترك لإبليس موضعًا في حياتنا... لن نترك له ظلفًا في حياتنا، حتى لا يكون له مجال للعمل الشرير في داخلنا.



+ إقرأ إصحاح 10 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 11 جـ1 PDF Print Email

الفصح
بين خروف الفصح وقيامة المسيَّا


إن كان الفصح يُعتبر نقطة تحول في تاريخ الشعب القديم، خلاله عبروا من أرض العبودية إلى البرية منطلقين نحو أرض الموعد، لذا حمل خروف الفصح بكل طقوسه مفهومًا خاصًا، يقام في أول شهور السنة (12: 2)، يعيدونه كل عام فريضة أبدية (12: 14)، تلتزم به كل الجماعة (12: 6)، حمل أيضًا مفهومًا روحيًا يمس حياة الجماعة الكنسية في علاقتنا بالله، فلم يكن خروف الفصح مجرد تذكار لقصة تاريخية حدثت في الماضي، لكنه يمثل عملاً حاضرًا ودائمًا لله في حياة شعبه. عيد الفصح أيضًا كان يعني وجود علاقة شخصية بين كل عضو في الجماعة والله نفسه، هذا فيما يخص خروف الفصح الرمزي، أما وقد قدم السيِّد المسيح نفسه "فصحًا" حقيقيًا عن العالم كله، صارت آلامه وصلبه ودفنه وقيامته فصحًا دائمًا ومستمرًا في حياة الكنيسة، تعيده الكنيسة ليس فقط مرة كل عام، بل وفي كل قداس إلهي، بل وتختبر قوته خلال حياتها اليومية، صار هذا العمل الفصحي الإلهي موضوع لهج كل مؤمن حقيقي، خلاله يعبر من مجد إلى مجد ليدخل بالروح القدس إلى حضن الآب.

هذا ما جعل الأصحاحين الحادي عشر والثاني عشر من سفر الخروج مركزًا للسفر كله، بل وبغير مبالغة للعهد القديم كله، كما أن صلب السيِّد المسيح وقيامته هما مركز الإنجيل، لذلك رأيت الضرورة ملحة إلى تقديم دراسة دقيقة ومختصرة قدر الإمكان لخروف الفصح على ضوء التقاليد المعروفة في ذلك الحين، وعلي ضوء التقليد اليهودي، وخلال آلام السيِّد وصلبه وقيامته، لنعرف أثره في حياة الكنيسة الجامعة وفي حياة كل عضو فيها.
الفصح والتقاليد القديمة:

في أيام آدم الأول، قدم ابناه تقدمتين مختلفتين: قدم هابيل - كرجل صيد - ذبيحة دموية كفارة عن خطاياه، تسلمها بلا شك عن والديه، وقدم قايين من محصولات الأرض بكونه رجل زراعة. على أي الأحوال تسلمت البشرية هذين العملين وشوهت صورتهما خلال انحراف البشرية عن الطريق الإلهي، فصارت قبائل البدو في العالم تلطخ خيامها بعلامة الدم اعتقادًا منها أنها تطرد الأرواح الشريرة فلا تؤذيهم. أما القبائل العاملة في الزراعة فصار لها تقليد مغاير، يمتنعون عن أكل الخبز المختمر لبضعة أيام في بداية المحصول الجديد، حتى لا يدخل الخمير الخاص بالمحصول القديم مع دقيق المحصول الجديد... بهذا يرون أنهم يبدءون عامًا جديدًا بطعام جديد وحياة جديدة.

ويلاحظ أن هذين الطقسين (رش الدم والامتناع عن الخمير) لهما أصل إيماني نقي، لكن البشرية انحرفت بهما عن مسارهما الإيماني، فجاء طقس الفصح يرد الطقسين إلى مسارهما السليم من جديد.

حمل الفصح طقس "علامة الدم"، بمفهوم المصالحة بين الله والإنسان خلال دمّ الفادي، حيث يشعر المؤمن أنه كالبدو يعيش غريبًا ليس له هنا موضع يستقر فيه، إنما هو دائم العبور، في تحرك مستمر نحو أورشليم العليا، بدهن العتبة العليا والقائمتين أي عقله وقلبه لا ليطرد الأرواح الشريرة، وإنما لكي يعبر بكل ذهنه وأحاسيسه إلى الأحضان الأبدية خلال اتحاده بالمخلص، غالبًا قوات الشر تحت قدميه.

أما الطقس الثاني الخاص بالفطير، ونزع كل خميرة من بيته، إنما يخص حياة المؤمن، الذي وإن كان في حركة دائمة نحو السمويات وفي حالة تغرب علي الأرض، لكنه يشعر في أعماقه أنه متكئ علي صدر الرب، مستريح في أحشاء الله، يعمل في كرم الرب في الأرض الجديدة، لذا يأكل الفطير سبعة أيام، أي يبقى كل أيام أسبوعه، أو كل أيام حياته لأكل الطعام الجديد الذي لا يصيبه القدم، ينعم علي الدوام بالحياة الجديدة، ويتمتع بخبز الملائكة، ويترنم بالتسبحة الجديدة، قائلاً مع الرسول: "هوذا الكل قد صار جديدا".

والعجيب أن الكنيسة في احتفالها بعيد الفصح "القيامة" مارست منذ العصور الأولي طقسين متكاملين ومتلازمين، هما طقس عماد الموعوظين وطقس الإفخارستيا[132]. ففي ليلة العيد يقوم الأسقف بعماد الموعوظين ليحملوا علامة الدم علي جباههم الداخلية وفي قلبهم، ينعمون بالمصالحة مع الله في ابنه يسوع المسيح بواسطة روحه القدوس. ويتنعمون بروح البنوة الذي يعينهم علي العبور نحو الأمجاد الإلهية، ثم يتقدمون مع بقية المؤمنين للاشتراك في الطقس الآخر- أي الإفخارمتيا - حيث تظهر الكنيسة المجاهدة علي الأرض وكأنها، وسط جهادها مستقرة حول مذبح الله الأبدي، فتأكل الفطير الجديد علي الدوام، تتمتع بالجسد والدم المقدسين اللذين لا يََقْدُما ولا يشيخا.

هذا هو فصحنا الجديد الذي حمل الفصح القديم ظلاً له ورمزًا.
فصح شخصي:

أمر الله أن تقوم كل الجماعة بتقديم الفصح، فهو فصح الكنيسة كلها المتحدة بعريسها، واشترط فيما بعد أن يقدم في أورشليم دون سواها، الموضع الذي فيه دُعي اسمه، لأنه فصح الرب.

هذه الصورة الجماعة الحيَّة لم تتجاهل الجانب الشخصي لكل عضو في الجماعة، بل ركزت عليها خلال اتحاد العضو بالجماعة، فلم يأمر الله أن يرش الدم على كل بيت فحسب، وإنما ألزم كل رجل وامرأة أن يأكلاه مشويًا بالنار. والأكل علامة العلاقة الشخصية والاشتراك الشخصي في ممارسة الطقس، حقًا لم يكن ممكنًا للأطفال الصغار جدًا والرضَّع أن يشتركوا في الأكل، لكنهم كانوا يحضرون الطقس ويفرحون به، بل وخلصوا من الهلاك خلال إيمان والديهم الذين يشتركون في أكل خروف الفصح.

لم يقف الأمر عند عبور الجماعة ككل وعبور كل عضو فيها: رجال ونساء وشيوخ وأطفال، لكنه حتى بعد العبور إذ كانوا يعيِّدونه سنويًا عبر الأجيال. أُعتبر كل مشترك في الاحتفال قد تمتع شخصيًا بشركة الإيمان مع الذين خلصوا، ونال نصيبًا في عمل الحرية التي عاشها الآباء السابقون، ففي سفر الخروج يقول: "تحفظ عيد الفطير... لأنه فيه خرجت (أنت) من مصر" (23: 15)، موجهًا الحديث إلى كل عضو في الجماعة كأنه قد خرج بنفسه من مصر. وفي سفر التثنية يقول: "أحفظ شهر أبيب واعمل فصحًا للرب إلهك، لأنه في شهر أبيب أخرجك الرب إلهك من مصر ليلاً" (16: 1)، هذه وصية موجهة لكل مؤمن عبر الأجيال كأنه خرج مع آبائه ليلاً...

هذا أيضًا ما أكده التقليد اليهودي، فعلى سبيل المثال جاء في الحجادة[133]: "لم يُخلص أسلافك وحدهم؛ بل وهو يُخلصهم خلصنا نحن أيضًا معهم، فهو ليس بعدو واحد الذي يقف ضدنا ليُبيدنا! القدوس المبارك يُخلصنا من أيديهم!".

إذن الاحتفال بعيد الفصح، حتى في الفكر اليهودي السليم، حمل اتجاهًا داخليًا يمس حياة المؤمن وعلاقته الشخصية مع الله خلال اتحاده بالجماعة. وهو ذات الأمر الذي تعنيه الكنيسة إذ تحتفل بالفصح الجديد ليدخل كل مؤمن إلى التمتع بالحياة المقامة الجديدة خلال عبوره واستقراره في حضن الله، كعضو حيّ في الجماعة المقدسة.
من الناموس إلى المسيَّا:

كان عشاء الفصح عند اليهود له طقسه الخاص الذي سجله لنا الأصحاح الثاني عثسر من سفر الخروج، مع بعض التقاليد الأخرى التي حملت صلوات بركة وتسابيح ومزامير معينة سجلت في المشنة[134]، وقد سبق أن ذكرت ملخصًا لها[135]. كان هذا العيد غنيًا في ذكرياته ووعوده التي حملت رعاية الله للإنسان خاصة خلال الخلاص المقدم بالمسيَّا. فكانوا يعرفون هذه الليلة أنها ذكرى سنوية لخلقة العالم ولختان إبراهيم وذبيحة إسحق وخروج يوسف من السجن والعتق المنتظر من السبي، وظهور المسيَّا، ومجيء موسى وإيليا وقيامة الآباء ونهاية العالم[136]... لهذا قدم السيِّد المسيح نفسه فصحًا للعالم في عيد الفصح، ليعلن أن الحقيقة تبتلع الرمز وتدخل به إلى كمال هدفه.

يقول  الأب ميليتو أسقف ساردس[137]:

*   [يتحقق سرّ الفصح في جسد الرب...

فقد اُقتيد كحمل، وذبح كشاه، مخلصًا إيَّانا من عبودية العالم (مصر)، ومحررنا من عبودية الشيطان كما من فرعون، خاتمًا نفوسنا بروحه، وأعضاءنا الجسدية بدمه...

إنه ذاك الواحد الذي خلصنا من العبودية إلى الحرية، ومن الظلمة إلى النور، ومن الموت إلى الحياة، ومن الظلم إلى الملكوت الأبدي...

إنه ذاك الذي (فصح) عبور خلاصنا...

هو الحمل الصامت... الذي أخذ من القطيع، واُقتيد للذبح في المساء، ودُفن بالليل.

من أجل هذا كان عيد الفطر مرًا، كما يقول كتابكم المقدس: تأكلون فطيرًا بأعشاب مرَّة،

مرَّة لكم هي المسامير التي استخدمت،

مُرّ هو اللسان الذي جدف،

مرَّة هي الشهادة الباطلة التي نطقتم بها ضده...

كما يقول أيضًا: [تأمل هذا أيها العزيز المحبوب، كيف أن سرّ الفصح جديد وقديم، أبدي وزائل، غير قابل للفساد وقابل للفساد، خالد ومائت!

إنه قديم حسب الناموس، وجديد حسب اللوغس (الكلمة الإلهي).

زائل خلال عبارات الرمز، وأبدي في عبارات النعمة.

قابل للفساد خلال موت الحملان، وغير قابل للفساد خلال حياة الرب...

هكذا ذبيحة الحملان وطقس الفصح وحرف الناموس، هذه قد تحققت في المسيح يسوع. عوض الناموس جاء اللوغوس، فصار القديم جديدًا، وصارت الوصية نعمة، والرمز حقيقة[138]].



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 11 جـ2 PDF Print Email

من الفصح الأرضي إلى الفصح السماوي:

يقول القدِّيس هيبوليتس الروماني: [يُعيد اليهود بالفصح الأرضي منكرين الفصح السماوي. أما نحن فنُعيد بالفصح السماوي عابرين على الأرضي. الفصح الذي كانوا يُعيدونه هو رمز لخلاص أبكار اليهود. لقد مات أبكار المصريين أما أبكار اليهود فلم يهلكوا لأنهم كانوا في حمى الرمز، بدم الذبيح الفصحي. أما الفصح الذي نُعيد به فيُسبب خلاصًا لجميع الناس، مبتدئًا بالأبكار الذين يخلصون ويتمتعون بالحياة تمامًا[139]].

ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [والآن وأنتم تحتفلون بالبصخة (الفصح) المقدسة، يلزمكم أن تعرفوا أيها الإخوة ما هي البصخة؟... البصخة تعني العبور، وهكذا دُعيَ العيد بهذا الاسم، لأنه في هذا العيد عبر ابن الله من هذا العالم إلى أبيه.

أي نفع لكم أن تحتفلوا بعيد الفصح إن لم تمتثلوا بذاك الذي تتعبدون له... فتعبرون من ظلمة الأفعال الشريرة إلى نور الفضيلة، ومن محبة هذا العالم إلى محبة البيت السماوي؟! فإنه يوجد كثيرون يحتفلون بهذا العيد المقدس ويُكرمونه قدره لكنهم يفعلون هذا بغير استحقاق، وذلك بسبب شرهم، وعدم عبورهم فوق هذا العالم إلى أبيهم، أي لا يعبرون شهوات هذا العالم ومن الملذات الجسدية إلى محبة السماء. يا لهم من مسيحيين تُعساء، لا يزالون تحت سيطرة إبليس، مبتهجين بهذا الشر...

لأجل هذا أُنذركم يا إخوتي، بأن تحتفلوا بعيد الفصح كما يلزم، أي ينبغي أن تعبروا. فمن كان من بينكم لا يزال في الخطية، فليُقدس هذا العيد، عابرًا من الأعمال الشريرة إلى حياة الفضيلة. ومن كان فيكم سالكًا في حياة مقدسة، فليعبر من فضيلة إلى فضيلة وهكذا لا يوجد فيكم أحد لا يعبر[140]].

وقد تحدث القدِّيس أثناسيوس في رسائله الفصحية كثيرًا عن العبور من الفصح الزمني إلى الفصح السماوي، من ذلك:

*   [والآن يا أحبائي قد ذُبح الثسيطان (فرعون)، ذلك الطاغية الذي هو ضد العالم كله، فنحن لا نقترب من عيد زمني بل عيد دائم سمائي، مُعلنين إيَّاه لا خلال ظلال (وحرف) بل في الحق. لأن أولئك بعدما شبعوا من جسد الخروف الأبكم تمموا العيد، وإذ مسحوا قوائم بيوتهم بالدم نجوا من المُهلك. أما الآن فإذ نأكل "كلمة الآب" وتُمسح قلوبنا بدم العهد الجديد نعرف النعمة التي يهبنا إيَّاها المخلص، الذي قال: "ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو" (لو 10: 19)، لأنه لا يعود يملك الموت، بل تتسلط الحياة عوض الموت، إذ يقول الرب: "أنا هو الحياة" (يو 14: 6). حتى إن كل شيء قد امتلأ بالفرح والسعادة كما هو مكتوب: "الرب قد ملك فلتفرح الأرض".

يلزمنا أن نأتي إلى العيد بغيرة وسرور، حتى إذ نبدأ هنا بالفرح تشتاق نفوسنا إلى العيد السماوي. إن عيَّدنا هنا بنشاط، فإننا بلا شك نتقبل الفرح الكامل الذي في السماء، وكما يقول الرب: "شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم. لأني أقول لكم إني لم آكل منه بعد حتى يكمل في ملكوت الله" (لو 22: 15-16).

الذين يحفظون العيد في نقاوة يكون الفصح طعامهم السماوي.

ليتنا لا نُعيد العيد بطريقة أرضية، بل كمن يحفظ عيدًا في السماء مع الملائكة. لنمجد الله بحياة العفة والبر والفضائل الأخرى! لنفرح لا في أنفسنا بل في الرب، فنكون مع القدِّيسين! [141]].


طقس الفصح:

يرى القدِّيس ميليتو أسقف ساردس أن الناموس كان مقدمة لعهد النعمة، ليس فقط خلال الوصايا والكلمات، ولكن أيضًا خلال الرمز، إذ يقول: [الكلمات والأعمال (الطقسية) أيها الأعزاء لا معنى لها إن بُتر عنها ما ترمز إليه[142]]. هذا هو في الواقع الفكر الكنسي بروح إنجيلي تسلمته الكنيسة منذ بدء انطلاقها.

والآن نتحدث عن طقس الفصح كما ورد في سفر الخروج وما يرمز إليه، مُستعينًا بالنصوص الإنجيلية وكتابات الآباء:
1. لماذا تم بالليل؟

يقول الرب لموسى: "إني نحو نصف الليل أخرج في وسط مصر" (11: 4)، ويؤكد في سفر التثنية "لأنه في شهر أبيب أخرجك الرب إلهك من مصر ليلاً" (16: 1). ويقدم لنا القدِّيس هيبوليتس تعليلاً لذلك قائلاً: [تمت الضربة في الظلام ليلاً، لأنه في ظل الليل بعيدًا عن نور النهار الواضح يتحقق العدل في الشياطين وجرائمهم القاتمة "وأُعطي عجائب في السماء والأرض دمًا ونارًا وأعمدة دخان. تتحول الشمس إلى ظلمة، والقمر إلى دم قبل أن يجيئ يوم الرب العظيم المخوف" (يوئيل 2: 30-31). وأيضًا "ويل للذين يشتهون يوم الرب. ماذا لكم يوم الرب؟ هو ظلام لا نور. كما إذا هرب إنسان من أمام الأسد فصادفه دب، أو دخل البيت ووضع يده على الحائط فلدغته حية، أليس يوم الرب ظلامًا لا نورًا، قتامًا ولا نور له؟! (عا 5: 18-20)[143]].

كأنه بالليل حيث يسكُن الشيطان في الظلمة يقتله الرب في عرينه، بينما هو مطمئن ليس من يُقاومه فيهلك وكل أعماله معه. لقد أسلم الرب "فصحنا الجديد" روحه في آخر النهار ودخل بالليل إلى الجحيم ليفك قيود المأسورين في الظلمة، وينطلق بهم إلى نور الفردوس الذي بلا ظلمة!
2. في شهر أبيب أول الشهور:

كلم الرب موسى وهرون قائلاً: "هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور. هو لكم أول شهور السنة" (12: 1). كأنه في كل فصح يدخلون عامًا جديدًا، ليعيشوا في حالة تجديد قلبي مستمر في المسيح يسوع الذبيح.

كما أن السيِّد المسيح "فصحنا" هو رأس الخليقة وبكرها صار هذا الشهر هو بكر الأزمنة، وبدء انطلاق الحياة الجديدة، كقول الرسول "دُفنا معه بالمعمودية للموت حتى... نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة" (رو 6: 2). وكما يقول القدِّيس هيبوليتس: [هذا يعني أن ذبيحة الفصح الحقيقي بالنسبة لنا هي بدء الحياة الأبدية[144]]، ويرى القدِّيس أثناسيوس[145] أن الفصح الرمزي جاء في بدء الشهور، أما الرب (الفصح الحقيقي) فجاء في آخر الأزمنة (عب 9: 26) ليعلن أنه نهاية الناموس وغايته ( رو 10: 4).

ويلاحظ أن "أبيب" تعني "سنبلة"، وكأنه خلال الفصح تصير النفس سنبلة الرب أي حصاده.
3. الحفظ في اليوم العاشر [3]:

كان إشارة إلى دخول السيِّد المسيح أورشليم ليبقى تحت الحفظ حتى يُقدم نفسه فصحًا من أجلنا. أما اختياره اليوم العاشر فإشارة إلى مجيئه بعد الناموس (الوصايا العشر) يكمل الوصية التي كسرها الإنسان، واهبًا لنا إمكانية تنفيذها.
4. تقديمه في اليوم الرابع عشر [6]:

في اليوم الرابع عشر يكون القمر بدرًا، ولما كانت الشمس رمزًا للسيِّد المسيح والقمر للكنيسة، كأنه خلال "المسيح فصحنا" (1 كو 5: 7)، تكتمل استنارة الكنيسة ويُعلن بهاؤها.

أما أيام الحفظ فهي خمسة (10-14 أبيب)، تمثل البدايات الخمس للعالم في تاريخ الخلاص. آدم به بدأ الجنس البشري، ونوح به بدأ العالم بعد الطرفان، إبراهيم بدأ كأب للمؤمنين ومن صلبه خرج شعب الله، وموسى بدأ العالم في الناموس المكتوب وأخيرًا جاء المسيح في اليوم الخامس ليبدأ عهد النعمة، فيه قدم نفسه فصحًا، له فاعليته في كل الحقبات الخمس.

الخمسة أيام أيضًا تُشير إلى فاعلية الفصح الحقيقي لجميع الذين يعملون في أي ساعة من ساعات النهار الخمس، أي الذين بدءوا العمل في الساعة الأولى أو الثالثة أو السادسة أو التاسعة أو الحادية عشر.



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 11 جـ3 PDF Print Email


5. دعوة الجار القريب [4]:

تُشير هذه الدعوة إلى دعوة الأمم بكونهم "القريب" الذي ينعم أيضًا بذبيحة الفصح الحقيقي.
6. شاة صحيحة [5]:

اشترط أن يكون إما خروفًا، رمز للوداعة كقول إشعياء النبي: "ظُلم أمَّا هو فتذلل، ولم يفتح فاه، كشاة تُساق إلى الذبح" (53: 7)، أو من الماعز الذي يقدم فدية عن الخطية حسب الناموس (عد 7: 16).

لقد دُعيَ المسيح المخلص بالحمل، إذ جاء في سفر إرميا "وأنا كخروف داجن يُساق إلى الذبح ولم أعلم أنهم فكروا عليَّ أفكارًا قائلين لنُهلك الشجرة بثمرها ونقطعه من أرض الأحياء فلا يُذكر بعد اسمه" (11: 19). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وقال عنه إشعياء النبي: "كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازَّيها فلم يفتح فاه" (53: 7)... وإذ نظره القدِّيس يوحنا المعمدان قال: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يو 1: 29). وفي السماء رآه القدِّيس يوحنا اللاهوتي "وفي وسط القسوس خروف قائم كأنه مذبوح" (رؤ 5: 6).

أما كونه صحيحًا بلا عيب، فلأن السيِّد المسيح قدوس بلا عيب يقدر أن يُكفِّر عن خطايانا بدم نفسه (عب 9: 14). يقول القدِّيس هيبوليتس الروماني: [لأن المسيح وحده بلا عيب في كل فضيلة، وبلا خطأ في أي أمر، يُقدم كل برّ من البداية حتى النهاية، إذ قال عن نفسه: "يليق بنا أن نُكمل كل برّ" (مت 3: 15)[146]]. كما يقول الرسول: "إنكم أُفتديتم... بدم كريم كما من حمل بلا عيب دم المسيح".

أما كونه ذكرًا فإشارة إلى رئاسته، لكونه عريس كل المؤمنين (2 كو 11: 2)، إذ "من له العروس فهو العريس" (يو 3: 29).

"ابن حول"، أي شاب ليس فيه ضعف الشيخوخة ولا يصيبه القِدم، يبقى جديدًا في حياتنا على الدوام، مع أنه هو القديم الأيام الأزلي.


7. يذبحه كل جمهور جماعة إسرائيل [6]:

من جهة تحقق هذا الأمر في شخص السيِّد المسيح الذي قيل عنه "اجتمع على فتاك القدوس يسوع الذي مسحته هيرودس وبيلاطس البنطي مع أمم وشعوب إسرائيل" (أع 4: 27)، ومن ناحية أخرى فإن السيِّد هو الذي تقدم بنفسه ليقدم نفسه ذبيحة حب عنَّا. لهذا يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [الأمر لم يكن هكذا بالنسبة للمسيح، فإنه لم يُؤمَر بعمل هذا إنما تقدم بنفسه وصار هكذا، مقدمًا نفسه ذبيحة وقربانًا لله[147]].

بالرغم من تعدد العائلات التي تقدم الحملان لكن الجميع يشتركون في ذبيحة واحدة، أما السيِّد المسيح فقد قدم نفسه فصحًا واحدًا يُكفر عن كل الأمم والشعوب، جامعًا الكل حوله كما في بيت واحد. في هذا يقول القدِّيس هيبوليتس: [كما كانت بيوت العبرانيين عديدة لكنها تُحسب كأنها بيت واحد، هكذا مهما كثرت الكنائس في المدينة والبلدة فهي تمثل كنيسة واحد. المسيح الذي هو كامل غير منقسم في بيوت متنوعة، إذ يقول بولس نفسه أننا واحد في المسيح[148]].

اشترط أيضًا ألاَّ يحملونه خارج البيت، وفي هذا يقول القدِّيس هيبوليتس: [لأن الاجتماع واحد، البيت واحد. إنها الكنيسة الواحدة حيث يؤكل جسد المسيح المقدِّس، أما خارج هذا البيت الواحد أي الكنيسة فلا يُحمل الجسد. من يأكله في موضع آخر يُعاقب كشرير ولص[149]].


8. ذبحه في العشية [6]:

إشارة إلى تقديم السيِّد المسيح نفسه فصحًا عن العالم في ملء الأزمنة.
9. رش الدم على العتبة العليا والقائمتين [7]:

يتحدث عن فاعلية الدم قائلاً: "فأرى الدم وأعبر عنكم"، "لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عب 9: 22).

بلا شك رأى كثير من المصريين ذبح الخرفان ورش الدم واستهزءوا بهم فهلكوا، وأيضًا لو أن عبرانيًا ربط الخروف عند الباب بدلاً من ذبحه فهلك أيضًا، إذ لا خلاص لنا إلاَّ خلال موت السيِّد المسيح وسفك دمه عنا، لهذا يقول: "الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتموت فهي تبقى وحدها".

فدم الخروف كان رمزًا لدم السيِّد المسيح الذي بدونه ليس من خلاص. وكما يقول الأب لاكتانتيوس: [خلُص العبرانيون وحدهم بواسطة علامة الدم، ليس لأن دم الخروف في ذاته له فاعلية لخلاص البشر، وإَّما كان رمزًا للأمور المقبلة[150]].

ويتحدث القدِّيس هيبوليتس الروماني عن قوة علامة الدم قائلاً: [أنها توضع في البيوت كما في النفوس حيث يجد فيها روح الرب مسكنه المقدس[151]]. كما يقول أن: [الدم على العتبة العليا كما على الكنيسة، وعلى القائمتين كما في الشعبين (اليهود والأمم)].

ويرى القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص أن رش الدم هكذا على العتبة العليا والقائمتين إنما يُشير إلى تقديس النفس بجوانبها الثلاثة: العقلي والعاطفي والروحي[152]، أي تقديس الإنسان بكل طاقاته الفكرية واشتياقاته وعواطفه وأحاسيسه الداخلية.

هكذا رأي الآباء في علامة الدم تقديس الكنيسة الجامعة والنفس البشرية كعضو في هذه الكنيسة.

ويلاحظ أن رش الدم لا يكون على العتبة السفلية حتى لا يُداس بالأقدام، إذ يقول الرسول: "كم عقابًا أشر تظنون أنه يُحسب مستحقًا من داس ابن الله وحَسب دم العهد الذي قُدِّس به دنسًا وازدرى بروح النعمة" (عب 10: 29). أما عن جهادنا للتمتع بثمر هذا الدم فيقول القدِّيس أثناسيوس: [يليق بنا أن نطيل صلواتنا وأصوامنا وأسهارنا حتى يمكننا أن ندهن مقدمة منازلنا بالدم الثمين فيهرب المُهلك[153]].
10. استخدام الزوفا [22]:

"خذوا باقة زوفا واغمسوها في الدم الذي في الطست، ومسوا العتبة العليا والقائمتين بالدم".

لم يستطع العلماء الوصول إلى رأي قاطع عن نبات الزوفا، إلاَّ أن الرأي التقليدي بين اليهود إنه هو الزعتر أو السعتر، أُستخدم في الكتاب المقدس للتطهير من البرص (لا 14: 4، 6)، ومن الخطية (مز 50: 7)، ومن الأوبئة (لا 4: 49، 50)، وللطهارة الطقسية (عد 6: 18-19). واستخدم أيضًا لرفع إسفنجة من الخل التي قُدمت للسيِّد على الصليب (يو 19: 29). ويقال أن الزوفا نبات عطري الرائحة ينبت في الجدران وفي الصخور.

يرى القدِّيس أغسطينوس [أن الزوفا عشب ضعيف ومنخفض، لكن جذوره عميقة وقوية. كأنه يدخل بجذوره إلى الحب ويتعمق فيه ليدرِك مع القدِّيسين ما هو العرض والطول والعمق والارتفاع (أف 3: 17-18)، ويتعرف على صليب ربنا[154]]. كأنه خلال الدم النابع عن الحب الذي بلا حدود نتقدس، يُنزع عنا برص الخطية ونُشفى من أمراضنا وتتطهر نفوسنا ونشترك مع المسيح في آلامه على الصليب.
11. يأكلونه مشويًا بالنار [9]:

أ. لا يقف الطقس عند رش الدم، إنما يلتزم المؤمنون بأكل اللحم مشويًا بالنار، للإتحاد بالسيِّد المسيح الذي اجتاز من أجلنا العدل الإلهي قائلاً: "قلبي كالشمع ذاب في وسط أحشائي. قوتي نشفت كزق ولصق لساني بحنكي".

ب. لا نقف عند الإيمان بالسيِّد المسيح المتألم الذي اجتاز النار من أجلنا، وإنما أيضًا يُلزمنا أن نتناول جسده ودمه المبذولين عنا ليكون لنا معه شركة آلام ونتعرف على قوة قيامته، بهذا نثبت فيه وهو فينا (يو 6: 4).

ج. يرى القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص أن طعام الفصح هو [الإيمان الحار المتقد[155]]. ويتحدث عنه العلامة أوريجانوس قائلاً: [ليكن لنا الروح الحار، ولنتمسك بالكلمات النارية التي يقدمها الله لنا كما قدمها لإرميا النبي قائلاً: "هأنذا جاعل كلامي في فمك نارًا" (إر 5: 14). ولننظر أن جسد الحمل قد طُهي جيدًا حتى يقول الذين يشتركون فيه أن المسيح كان يتكلم فينا "ألَم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يُكلمنا في الطريق ويوضِّح لنا الكتب؟!" (لو 24: 32)[156]].

د. كانت العادة أن يُشوى الخروف على سيخين متقاطعين يرمزان للصليب.


12. لا تأكلوا منه نيئًا أو طبيخًا مطبوخًا بالماء [9]:

يُريدنا أن نتمتع بالكلمة الإلهي الملتهبة بالنار، لا نأكل منها نيئًا أو مطبوخًا بالماء، أي لا نتقبلها بطريقة مائعة كالماء، بل نتقبلها بروح حار، جادين في التمتع بها.

يُريدنا أن نقبل الإيمان بالصليب خلال الألم لا بروح التراخي والميوعة.


13. رأسه مع أكارعه وجوفه [9]:

إذ نتناول فصحنا الجديد ندخل إلى الرأس والقدمين والجوف، أي نتعرف على محبة المسيح لعلنا ندرك ارتفاعها (الرأس) وأعماقها (القدمين) وعرضها (الجوف)، فنجدها تحصرنا من كل جانب.

يرى القدِّيس هيبوليتس الروماني[157]: أن الرأس هو الناموس الذي بدأ بالكشف عن "سر االفصح"، والقدمين هما التلاميذ الذين حاولوا أن يكرزوا بالسلام على جبال صهيون، أما الجوف فهو الفصح ذاته الذي عرفناه خلال الناموس والإنجيل.



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 11 جـ4 PDF Print Email

14. مع فطير [8]:

يُشير الخمير إلى الشر والخبث (1 كو 5: 7-8)، وإلى الرياء، لذا ينصحنا القدِّيس أمبروسيوس قائلاً: [إذا كان الاحتفال بعيد الفصح قد أُعتيد فيه قديمًا أن يأكلوا الفطير خلال السبعة أيام، هكذا يلزم على كل مسيحي أن يأكل من جسد الحمل الحقيقي أي المسيح وأن وأن يعيش في حياة مقدسة بسيطة كل أيام حياته، أي خلال السبعة أيام. احذروا من الخمير القديم، فلا تبقوا فيه يا إخوتي، وذلك كما يحذرنا الرسول قائلاً: "إذًا نقوا منكم الخمير العتيقة" (1 كو 5: 7)، أي تنقُّوا من السلوك القديم. فإن تحولتم عن كل الشر الذي يُشار له بالخمير العتيق، ولاحظتم بإيمان ما قد تعهدتم به في المعمودية، عندئذ تكونون مسيحيين حقيقيين! [158]].

يقول القدِّيس أثناسيوس الرسولي معلقًا على قول الرسول: "إذًا لنُعيد ليس بخميرة عتيقة، لا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق" (1 كو 5: 8)، يقول: [إذ نخلع الإنسان العتيق وأعماله، نلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله (أف 4: 22، 24)، ونلهج في ناموس الله نهارًا وليلاً، بعقل متضع وضمير نقي. لنطرح عنا كل رياء وغش، مبتعدين عن كل كبرياء ومكر. ليتنا نتعهد بحب الله ومحبة القريب، لنصبح خليقة جديدة، متناولين خمرًا جديدًا... إذًا لنحفظ العيد كما ينبغي[159]].

ويرى بعض الآباء مثل أوريجانوس أن الفصح القديم ارتبط بالخمير حتى لا يختمر المؤمنون بخمير العالم، منتظرين الخمير الجديد الذي لملكوت الله (مت 13: 33).

و يلاحظ أن السيِّد المسيح في سرّ الإفخارستيا استخدم خبزًا مختمرًا، لأنه حمل في جسده خطايانا.


15. على أعشاب مرَّة يأكلونه [8]:

أ. يرى القدِّيس جيروم أن الله قد منع استخدام العسل في التقدمات وفي نفس الوقت أمر بأكل خروف الفصح على أعشاب مرَّة، كأنه لا يريدنا أن نعيش مدللين بل نحتمل الضيق في العالم[160].

ب. الأعشاب المرة تُذكر الشعب مرارة عبودية الخطية التي يتحررون منها خلال خروف الفصح.

ج. تُشير الأعشاب المرة إلى إلتزامنا بالتقدم إلى سرّ الفصح الجديد في مرارة قلب وانسحاق روح من أجل خطايانا. فإذ يتمرر فمنا بسبب الخطية يمتلئ قلبنا من حلاوة جسد الرب ودمه. بمعنى آخر لا تمتع بسرّ الإفخارستيا دون التوبة والاعتراف.


16. لا تبقوا منه إلى الصباح [10]:

إشارة إلى سرّ الفصح كسرّ "الحياة الجديدة". وقد حرصت كنيستنا على عدم إبقاء الأسرار الإلهية لليوم التالي.


17. عظمًا لا تكسروا منه [46]:

يُشير إلى السيِّد المسيح الذي لما جاؤا ليكسروا ساقيه وجدوه قد مات سريعًا (يو 19: 36) فلم يكسروهما. ويرى القدِّيس هيبوليتس أنه بهذا نستطيع التعرف على قيامته (يو 20: 27)، الذي قام يحمل آثار الجراحات، لكنه ما كان يليق أن يقوم برجلين مكسورتين.

كما أن عظام السيِّد لم تُكسر، هكذا يليق بنا أن نتقبل "كلمة الله" التي نأكلها متقدة بالنار دون أن نكسر عظامها، أي دون أن نتفهمها بطريقة بشرية حرفية قاتلة، إنما نتفهمها خلال الروح الذي يبني.

وكما أن الفصح لا يُكسر عظامه، هكذا الصديقون المتحدون بالسيِّد المسيح فصحهم لا تُكسر عظامهم، إذ يقول المرتل: "يحفظ جميع عظامهم. واحد منها لا تنكسر" (مز 34: 20). وكما يقول القدِّيس أغسطينوس[161]: [إن المرتل لا يتحدث عن العظم بالمفهوم الحرفي إنما يقصد الإيمان الحيّ الذي لا ينكسر، مدللاً على ذلك باللص اليمين الذي انكسرت عظام قدميه، أما عظام نفسه فقد حفظها الرب، إذ تمسك بالإيمان في لحظات الضيق المرّ فاستحق الدخول إلى الفردوس محفوظًا بين يديّ الله.


18. يأكلوه وهم في استعداد للرحيل [11]:

اشترط أن يأكلوه هكذا "أحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم وعصِّيكم في أيديكم، وتأكلونه بعجلة. هو فصح للرب" [11].

يُقدم القدِّيس يوحنا الذهبي الفم[162] لهذه العبارة تفسيرين:

*   [التفسير الأول هو التفسير التاريخي، حيث يتذكر اليهود أنهم راحلون، وكأنهم بهذا العمل يقولون: "نحن مستعدون للرحلة. ها نحن خارجون من مصر إلى أرض الموعد. ها نحن خارجون". لقد عرف هذا الشعب بكثرة النسيان فأعطاهم هذه الوصية حتى لا ينسوا غاية الفصح.

التفسير الثاني هو التفسير الرمزي، إذ يقول: نحن أيضًا إذ نتناول الفصح الذي هو المسيح (1 كو 5: 7)... يليق بنا أن نتناوله محتذين متمنطقين. لماذا؟ لكي نكون نحن أيضًا مستعدين لخروجنا ورحيلنا. ليت كل أحد يتناول هذا الفصح ولا ينظر إلى مصر (العالم) بل إلى السماء، متطلعًا إلى أورشليم العليا (غلا 4: 6)... فالتمنطق هو جزء من رحيل النفس. أنظر ماذا يقول الله لإنسان بار: "أشدد الآن حقويك كرجل فإني أسألك فتعلمني" (أي 38: 3). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هذا أيضًا ما قاله لكل الأنبياء، وما قاله أيضًا لموسى سائلاً إيَّاه أن يكون متمنطقًا. بل والله نفسه ظهر لحزقيال متمنطقًا (9: 11 الترجمة السبعينية). والملائكة أيضًا يظهرون مُتمنطقين (رؤ 15: 6) بكونهم جنود... إذن فلنتمنطق لنقف بشجاعة... ولا نخف لأن قائد خروجنا يسوع وليس موسى].

إذن كانوا يأكلونه كأناس ينتظرون الرحيل والعبور من أرض العبودية متجهين نحو أرض الموعد، مستعدين بجسدهم (المنطقة) وبأيديهم (العصا) وبأرجلهم (الأحذية). هذا هو مفهوم الاستعداد لسرّ الإفخارستيا، إننا نتناول ونحن مشتهين للعبور إلى حيث المسيح جالس.

الأحقَّاء المشدودة تُشير إلى ضبط شهوات الجسد وملذاته، ليسلك الإنسان ليس حسب أهواء جسده بل حسب شهوات الروح السماوية. لذلك إذ يتحدث القدِّيس يوحنا كاسيان عن تمنطق الراهب بمنطقة يقول: [ليعرف جندي المسيح وهو يحتمي بمنطقة يطويها حوله أنه ليس فقط يهيئ ذهنه لقبول أي عمل في الدير، وأن تكون حركته بلا عائق بسبب ملابسه... وإنما استخدامه منطقة من الجلد الميت تعني أنه يحمل إماتة جميع أعضائه التي تحوي بذار الشهوة والدنس، فيعرف على الدوام وصية الإنجيل القائلة: "فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض الزنا النجاسة الهوى الشهوة الردية" (كو 3: 5)[163]].

الحذاء الذي في الرجل يُشير إلى ما حدث مع موسى النبي، فقد خلع الحذاء المصنوع من جلد الحيوانات الميتة حتى يقدر أن يتمتع بالعليقة المتقدة نارًا. أما هنا فهو يلبس حذاءً من نوع آخر، هو حذاء السيِّد الذي قال عنه معلمنا يوحنا المعمدان أنه غير مستحق أن ينحني ويحل سيوره. إذًا فليكن لنا حذاء السيِّد حتى كما سلك ذاك نسلك نحن بحذائه لا نخاف أشواك هذه الحياة، ولا عنف فرعون وسطوته بل ندّك كل قوات الشر تحت أقدامنا. وكما يقول القدِّيس أمبروسيوس: [من يحتفل بفصح الرب ويُعيد بالحمل يلزم أن تكون قدماه محصنتين ضد هجمات الوحوش المفترسة الروحية ولدغات الحيّة[164]].

أما العصا التي في أيدينا فهي عصا الله التي دُعيت أيضًا عصا موسى وعصا هرون... إننا نتكئ على قوة الله التي للخلاص (الصليب) ونمسك بعصا الوصية (موسى) ونمارس العبادة الروحية (هرون).

يرى بعض الآباء في العصا "الرجاء" الذي تستند عليه النفس في رحلتها نحو السماء لتطرد تهديدات إبليس المحطمة لها كما يطرد المسافر الكلاب بعصاه.

أخيرًا فإن القدِّيس أثناسيوس الرسولي يتحدث عن الاستعداد لهذه الرحلة، قائلاً: [ربنا يسوع المسيح هو النور الحقيقي، الذي هو عوض العصا صولجاننا، وعوض الفطير هو الخبز النازل من السماء (أف 6: 15)، وباختصار يقودنا الرب بهذه جميعها إلى أبيه[165]].

أما عن أكل الفصح بعجلة [11] فيقول القدِّيس هيبوليتس: [يجب على من يقترب إلى هذا الجسد العظيم أن يكون ساهرًا وصائمًا[166]]، أي مستعدًا للانطلاق.


19. يعيِّدونه فريضة أبدية [14]:

تأكيدًا لعمل الفصح الأبدي، وأيضًا حتى يبقى الشعب القديم منتظرًا مجيء الفصح الحقيقي الذي يُقدس دمه إلى الأبد.


20. لا يأكل منه غريب [43، 48]:

اشترط ألاَّ يشترك فيه أهل الغُرلة، إنما يشترك أهل الختان وحدهم. هكذا لا يقدر أن يتمتع بالتناول من الأسرار المقدسة إلاَّ الذي نال الختان الروحي، أي المعمودية، فصار ابنًا لله، له حق الاتحاد معه في المسيح يسوع.

في الرسالة السادسة من رسائل القيامة يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [الإنسان المخادع وغير النقي القلب والذي ليس فيه شيء طاهر... هذا بالتأكيد غريب عن القدِّيسين ويُحسب غير مستحق أن يأكل الفصح، لأن كل ابن غريب لا يأكل منه. لهذا عندما ظن يهوذا أنه حفظ الفصح بينما كان يدبر خداعًا ضد المخلص، صار غريبًا عن المدينة التي هي من فوق وبعيدًا عن الصحبة الرسولية، إذ أمرت الشريعة أن يؤكل الفصح بحرص لائق، أما هو فبينما كان يأكل نقبه الشيطان ودخل إلى نفسه (يو 22: 31) [167]].


21. فصح للرب [11]:

يُميز الكتاب المقدس بين "فصح الرب" و"فصح اليهود"، ففي الشريعة لا يقول "فصحكم" أو "فصح اليهود" وإنما دائمًا يقول "فصح للرب"، ناسبًا الفصح له، لكنه حين سقط الشعب في الشر وعاشوا بلا توبة لا يدعوه منسوبًا إليه بل إليهم[168]، قائلاً: "رؤوس شهوركم وسبوتكم ونداء محفلكم لست أطيق. رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي" (إش 1: 13).

لاحظ العلامة أوريجانوس أن هذا الأمر يحدث في كل أنواع العبادة فيسمى السبت "سبت للرب"، وفي سفر العدد يقول: "قرباني طعامي مع وقائدي رائحة سروري تحرصون أن تقربوه في وقته" (28: 1). وأيضًا يسمي الشعب "شعبي" لكنه عندما إنحرف عن العبادة له قال لموسى: "إذهب إنزل لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرضي" (خر 32: 7)، إذ لم يعد شعب الله بل شعب موسى.
قتل الأبكار:

أ. يرى العلامة ترتليان أن المصريين قد دفعوا ثمن ما فعلوه بقتلهم أولاد العبرانيين وإلقائهم في النهر، فأدبهم الرب بذات فعلهم[169].

ب. سمح الله بقتل جميع الأبكار، ولا تترك ماشية واحدة في مصر، هذه صورة رمزية لعمل الله الذي سيُبيد الشر، أما أولاده فحتى شعور رؤوسهم محصاة وتحت رعايته.

ج. يرى القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص في هذا الأمر إشارة رمزية لإبادة كل علَّة للخطية، إذ يقول: [يليق بمن يمسك بشر خلال الفضيلة أن يقتله منذ بدايته، بهذا يُحطم ما يأتي وراءه. هذا ما يعلمنا به الرب في الإنجيل فيدعونا بكل وضوح أن نقتل أبكار الشر... إذ أمرنا بإبادة الشهوة والغضب فلا نخاف من وصمة الزنا وجريمة القتل (مت 5: 22، 28). فإن هذين لا يأتيان فجأة، إنما الغضب يُنتج قتلاً، والشهوة تولِّد زنا... فبتحطيم الأبكار (الشهوة والغضب) نقتل بلا شك ما ينجم وراءهما. فلو أخذنا الحيّة مثالاً، فإنه يسحق رأسها يكون جسدها قد قتل في نفس الوقت[170]].



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 12 PDF Print Email

من مصر إلى سيناء

(12: 37-19: 2)

في هذا الجزء يصف موسى النبي الرحيل من رعمسيس ويضع القواعد الخاصة بالفصح والشروط التي يخضع لها الغرباء للإشتراك في هذا العيد (12: 43-51)، وفرض تقديس كل بكر (ص 13)، كما تحدث عن الأحداث التالية:

عبور البحر الحمر                    ص [14].

تسبحة الخلاص                          [15].

المياه المرَّة والمن والسلوى              [15-16].

الصخرة المتفجِّرة                         [17].

الانتصار على عماليق                    [17].

زيارة يثرون حميه                       [18].


تابع: الأصحاح الثاني عشر
خروج الشعب

استدعى فرعون موسى وهرون وقال لهما: "قوموا أخرجوا من بين شعبي... واذهبوا اعبدوا الرب كما تكلمتم. خذوا غنمكم أيضًا وبقركم كما تكلمتم واذهبوا. وباركوني أيضًا [31-32]، وكان المصريون يلحُّون عليهم بالخروج...

هكذا يعمل الله في حياتنا، ليس فقط يدعونا للعبور إليه، وليس فقط يلهب الحنين في القلب للعبور، وإنما إن ثابرنا حتى النهاية يجعل حتى المقاومين لنا يدفعوننا للعبور دفعًا.

لقد طلب الشعب من المصربين ذهبًا وفضة وثيابًا فأعطوهم، وقد رأينا أن ذلك كان بسماح إلهي، كتعويض عن الأجرة التي سلَبهم إيَّاها المصريون أيام السخرة وبناء البيوت لهم مجانًا، كما حملت رمزًا لتقديس الطاقات والأحاسيس التي كانت تُستخدم لحساب الخطية لتكون آلات بر الله[171]. ويرى القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص في هذا التصرف صورة رمزية لعمل الكنيسة التي استعارت من العالم فلسفاته وعلومه وانتفعت بها: [تكون هذه الأمور نافعة إذا ما زين سرّ الهيكل الإلهي بغنى العقل[172]]. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). [كثيرون قدموا لكنيسة الله علومهم الزمنية كنوع من التقدمة، من هؤلاء باسيليوس الكبير الذي طلب الغنى المصري من كل ناحية أثناء شبابه وكرّس هذا الغنى لله لتزيين الكنيسة، خيمة الاجتماع الحقيقية[173]].


محطات الرحلة:

تحدث العلامة أوريجانوس كثيرًا عن محطات هذه الرحلة بكونها تحمل ملامح انطلاق النفس من أرض العبودية إلى أورشليم العليا، وسنحاول بمشيئة الله أثناء دراستنا لهذا السفر ولسفر العدد أن نتحدث عن هذه المحطات:

"رعمسيس": هذه هي بدء انطلاق الرحلة، حيث انطلق منها الشعب إلى سكوت. "رعمسيس" عند أوريجانوس تعني "بلد الفساد"، وكأن بداية الطريق هو خروج الإنسان من "بلد الفساد" أو من مثيرات الخطية والشر، فإننا لا نقدر أن ننعم برحلة الخلاص ونحن مستسلمون في أماكن الخطية، في هذا يقول: [إن أردت أن يكون الرب قائدك، يتقدمك في عمود السحاب، وتتقدمك الصخرة، وتأكل المن الروحي وتتمتع بالشراب الروحي، فلترحل من رعمسيس "لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون" (مت 6: 29). كما يتحدث الرب بوضوح قائلاً: "إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع كل مالك واعط الفقراء وتعال اتبعني" (مت 19: 21). هذا هو معنى الرحيل عند رعمسيس وأتباع المسيح[174]].

"سكوت": عند أوريجانوس تعني "خيمة"، وكأن المؤمن إذ يترك مثيرات الخطية يُلزمه أن يتطلع إلى حياته هنا كغربة، وكما يقول العلامة أوريجانوس: [إذ تنفض عنك صدأ الفساد وتبتعد عن مجال الرذيلة أسكن في الخيام، هذه التي لا نريد أن نخلعها بل أن نلبس فوقها (2 كو 5: 4). يسكن في الخيام من يركض نحو الله حرًا بلا قيود ولا أحمال[175]].


عدد الخارجين:

"الذين خرجوا ستمائة ألف ماشين من الرجال عدا الأولاد" [37].

هذا الرقم يحمل رمزًا لعبور الكنيسة فإنه يتكون من رقم 6 × 100× 1000.

رقم 6 يُشير إلى كمال العمل الإنساني، لأنه في ستة أيام خلق الله العالم، وفي اليوم السادس أوجد الإنسان أكمل خليقة الله على الأرض، كأن الإنسان يخرج حاملاً كمال إمكانياته البشرية من أفكار ودوافع وأحاسيس وعواطف ومواهب مكرسًا جسده وروحه بالكمال لله. أما رقم 100 فيُشير إلي كمال عدد الجماعة، وكأنه يليق أن تنطلق الكنيسة بأجمعها ولا تترك عضوًا حيًا لا يخرج خلالها نحو الله. أما رقم 1000 فكما رأينا في تفسيرنا لسفر الرؤيا[176] تعني الحياة السماوية... وكأن الكنيسة تخرج بكل أولادها بكل طاقاتهم الروحية والجسدية منطلقين نحو أورشليم العليا بفكر سماوي وحياة سماوية.

أما دعوتهم "ماشين من الرجال" فتعني أن الكنيسة في حالة تحرك مستمر نحو السماء بروح الجهاد والمثابرة بلا يأس، لا تعرف التوقف عن العبور.

أما قوله "عدا الأولاد" إنما تُشير أنهم رجال يحملون ثمارًا روحية مستمرة.



+ إقرأ إصحاح 12 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 13 PDF Print Email

تقديس البكر

شمل هذا الأصحاح الحديث عن:

1. تقديس البكر             [1-16].

2. تيَهان الشعب            [17-18].

3. عظام يوسف            [19].

4. النزول في إيثام          [20-22].
تقديس البكر:


أول وصية أمر الله بها موسى بعد الخروج مباشرة هي: "قدِّس  ليّ كل بكر، كل فاتح رحم من بني إسرائيل من الناس ومن البهائم إنه ليّ" [2].

إنها ليست أمرًا أو وصية بقدر ما هي عطية ووعد، فبخروج الشعب من دائرة العبودية والانطلاق نحو أورشليم العليا يدخل المؤمن في دائرة ملكية الله، ويصير عضوًا حيًا في هذا الملكوت الإلهي، إذ يقول: "إنه ليّ".

أ. المسيح بكرنا: طلب الله البكر من الإنسان والحيوان، وفيما بعد يطلب أيضًا أبكار الحصاد والكروم والزيت، واهتم الرب بهذا الأمر في أسفار الخروج (13) واللاويين (23: 10-14، 27: 26-29)، والعدد (15: 19-21؛ 18: 13-20؛ 19: 23)، بتقديم البكر للرب يتقدس الكل، وبهذا يُحسب أن الكل قد قدم للرب. كان هذا رمزًا للسيِّد المسيح بكرنا، وبكر كل الخليقة ورأسها (كو 1: 15، 18؛ رو 8: 29). تقدم نيابة عنا نحن إخوته الأصاغر مقدمًا حياته للآب ذبيحة طاعة وحب بلا عيب، فاشتمه أبوه الصالح رائحة رضا وسرور، فصارت البشرية المتحدة فيه موضوع سرور الآب ورضاه.

لتوضيح ذلك نقول أن الله الكلمة صار واحدًا منا، وإن كان قد جاء حسب الجسد بعد كثيرين لكنه دُعي "آدم الثاني" وحُسب البكر إذ فقد آدم الأول بكوريته للبشرية بسبب خطيته، كما فقد عيسو بكوريته وتسلمها يعقوب، وفقد أيضًا رأوبين بكوريته لأنه دنَّس فراش أبيه (تك 49: 1، 3؛ أي 5: 1). وكما حُسب إسحق البكر لأبيه يعقوب وورث كل شيء (تك 21: 10) مع أنه وُلد بعد أخيه إسماعيل. ليس من يقدر أن ينال البكورية للبشرية في وجود السيِّد المسيح، القدوس وحده الذي بلا عيب، تقدم كبكر ثمار البشرية للآب فقُبل فيه كل المؤمنين به، وتقدسوا فيه، وسمع كل مؤمن من الفم الإلهي: "إنك ليّ" [2].

يظهر ذلك بوضوح في بكور ثمار الشجرة (لا 19: 23) فإنها تبقى غلفاء ثلاث سنين أي غير مقدسة روحيًا، وفي السنة الرابعة يقدم كل ثمرها للرب، حينئذ يقول الرب: "أنا الرب إلهكم" (لا 19: 25). ما هذه الشجرة إلاَّ البشرية التي بقيت غلفاء ثلاث سنوات في الفردوس حين سقط أبوانا آدم وحواء، والبشرية في عهد الآباء في ظل الناموس الطبيعي، والسنة الثالثة في ظل الشريعة الموسوية، أما السنة الرابعة التي يتقبل فيها كل ثمرها فهو في عهد النعمة حيث تقدم السيِّد المسيح ثمرًا مقدسًا عنّا...

ويلاحظ أن فكرة البكورية عرفها الإنسان قبل الشريعة الموسوية، فالإنسان يفرح بابنه البكر، والفلاح يفرح ببكور حصاده... لذا كما قدم لنا الله ابنه البكر الوحيد فدية عنا طالبنا رد الحب بالحب، فنقدم له بكور أولادنا لخدمته بل وبكور حيواناتنا وحصادنا، فهو يريد من أثمن ما لدينا وليس من فضلاتنا.

ب. كنيسة الأبكار: في القديم طالب بأبكار شعبه الذكور كعلامة عمله الخلاصي معهم إذ يقول: "ويكون متى سألك ابنك غدًا قائلاً: ما هذا؟ تقول له: بيد قوية أخرجنا الله من مصر من بيت العبودية. وكان لما تقسَّى فرعون عن إطلاقنا أن الرب قتل كل بكر في أرض مصر من بكر الناس إلى بكر البهائم. لذلك أنا أذبح للرب الذكور من كل فاتح رحم، وأفدي كل بكر من أولادي، فيكون علامة على يدك وعصابة بين عينيك، لأنه بيد قوية أخرجنا الرب من مصر" [14-16].

تقديم البكور هي العلامة التي على اليد أي العلامة العملية، وبين العينين أي الملامة التي لا تنسى، خلالها يذكرون أعمال الله الخلاصية، أنه قتل الأبكار بسبب شر فرعون ليقيمهم "الابن البكر لله" (خر 4: 22، إر 31: 9). لقد أقام الله شعبه كابن بكر له، وإذ جاه البكر الحقيقي إلى العالم واتحدت الكنيسة فيه صارت بحق كنيسة أبكار، كقول الكتاب المقدس.

ج. نظام البكورية: إن كانت البكورية قد عرفت قبل الشريعة الموسوية، فإن الأخيرة جاءت لتنظمها بصورة دقيقة تفصيلية، حملت رموزًا لكنيسة الأبكار السماوية، وإننا إذ نترك دراسة البكورية لمجال آخر إن شاء الرب وعشنا، أود أن أضع بعض النقاط الهامة في تنظيم الشريعة للبكورية:

أولاً: البكر له نصيب اثنين في الميراث (تث 21: 17)، إشارة إلى فيض نعم الله علينا في الميراث الأبدي.

ثانيًا:
يُحسب الذكر المولود أولاً هو البكر، حتى وإن كانت والدته ليست محبوبة لدى زوجها (تث 21: 15-17). ولعل الزوجتين (المحبوبة وغير المحبوبة) تشيران إلى اليهود وجماعة الأمم الوثنيين، فالمؤمن يُحسب بكر في كنيسة الأبكار دون تمييز إن كان من أصل يهودي أو أممي.

ثالثًا: غالبًا ما يتبوأ البكر من أولاد الملوك العرش (2 مل 21: 3)، ونحن أيضًا كأولاد ملك الملوك نُحسب فيه ملوكًا.

رابعًا: يُقدم البكر لخدمة الرب (خر 13: 12، 34: 19)، علامة تقديم كل العائلة وتكريسها للرب. لكنه أُستعيد باللاويين عوض الأبكار، الأمر الذي نعود لدراسته في سفر اللاويين إن شاء الرب.

خامسًا: تكريس حتى بكور الحيوانات لخدمة الرب، ولا يفك ولا يستبدل إلاَّ إذا كان من الحيوانات النجسة (خر 13: 13، لا 27: 27). هكذا يرفض الله بكور الحيوانات غير الطاهرة وتُستبدل بحيوان طاهر وإلاَّ يُكسر عنقها. هذا هو حال الخاطئ الذي لا يُفدى إلاَّ خلال السيِّد المسيح القدوس، وإلاَّ مات.


2. تيَهان الشعب:

اندهش الشعب إذ رأى نفسه يسير في طريق غير طريق فلسطين، فإنه إذ كان لم يتدرب بعد على الحرية، أراد الله أن يتدرج به في البرية حتى يبلغ به إلى أرض الحرية "قال لئلاَّ يندم إذا رأوا حربًا ويرجعوا إلى مصر" [17].


3. عظام يوسف:

يقول الكتاب: "وأخذ موسى عظام يوسف معه، لأنه كان قد استحلف بني إسرائيل بحلف قائلاً::إن الله سيفتقدكم فتصعدون عظامي من هنا معكم" [19].

كأن يوسف أدرك خلال الظلام أن شعبه سيخرج من أرض مصر ويستريح في أرض الموعد، فكان طلبه يحمل رمزًا لشوق القيامة فيه، إنه يود أن يستريح جسده أيضًا في أورشليم العليا، حينما يحمل الطبيعة الجديدة اللائقة بالسمويات.

ويعلق القدِّيس أفراهات على تصرف موسى النبي قائلاً: [كانت عظام الرجل البار أثمن وأفضل - في عينيه - من الذهب والفضة التي أخذها بنو إسرائيل معهم من مصر وأفسدوها. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لقد بقيت عظام يوسف. أربعين عامًا في البرية وعندما رقد موسى أورثها ليشوع بن نون... هذا الذي دفنها في أرض الموعد ككنز![177]].


4. النزول في إيثام:

تحدثنا قبلاً عن الرحيل من رعمسيس إلى سكوت، وقلنا أنها خروج من مثيرات الخطية مع شعور بالغربة، أما الآن فقد بلغوا إيثام، التي في رأي العلامة أوريجينوس تعني "علامة" وهي المحطة الثالثة، وفي طرف البرية [20]. ليس ممكنًا للمؤمن أن يدخل البرية بكل آلامها وتجاربها ما لم يبلغ المحطة الثالثة، أي يختبر القيامة مع السيِّد المسيح، فيعلن الرب ذاته له، يسنده نهارًا وينير له ليلاً.

يقول العلامة أوريجينوس: [يلزمنا ألاَّ نتوقف هنا (في سكوت) بل نكمل الطريق. يليق بنا أن نرفع الخيمة من سكوت ونسرع إلى إيثام. ويمكننا ترجمة إيثام إلى "علامة"، وهو اسم أُحسن اختياره، لأنك تسمع بعد ذلك أن الله كان يسير أمامهم نهارًا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلاً في عمود نار لينير لهم. هذه العلامة لا نجدها في رعمسيس ولا في سكوت، وهما المرحلتان الأولى والثانية من الرحلة، وإنما تأتي في المرحلة الثالثة حيث تبدأ إعلانات الله. تُذكِّر ما كُتب قبلاً أن موسى كان يقول لفرعون: "نذهب سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا" (خر 5: 3)... إذن لم يكن يريد فرعون أن يسمح لبني إسرائيل بالذهاب إلى أماكن إعلانات الله ما لم يسمح لهم بالتقدم لينعموا بأسرار اليوم الثالث. إسمعوا ما يقوله النبي: "الرب يحيينا بعد يومين، في اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه" (هو 6: 2).

اليوم الأول بالنسبة لنا يمثل آلام المخلص.

واليوم الثاني يمثل نزوله إلى الجحيم.

واليوم الثالث يمثل قيامته.

كان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمود السحاب ليهديهم في الطريق، وليلاً في عمود نار ليضيء لهم. إن أخذنا بقول الرسول أن هذه الكلمات يقصد بها المعمودية (1 كو 6: 2)، فإنه ينبغي على كل من يعتمد ليسوع المسيح إنما يعتمد لموته، ويدفن معه بالمعمودية للموت (رو 6: 3)، ويقوم معه في اليوم الثالث. يتحدث الرسول عن مثل هذا الإنسان قائلاً: "إن الله يقيمه ويجلسه معه في السمويات" (أف 2: 6).

إذن عندما تقتني سرّ اليوم الثالث يقودك الرب ويريك بداية طريق الخلاص[178]].

إن كان الرسول يرى في السحابة التي ظللت الشعب المعمودية (1 كو 6: 2)، التي خلالها ننال روح التبنِّي بالروح القدس، فإن القدِّيس باسيليوس الكبير يرى فها "ظل نعمة الروح القدس الذي يُعطي برودة للهيب شهواتنا، بإماتة أعضائنا" (كو 3: 5)[179]]، بهذا يكون عمود النور ظلاً للإستنارة التي نلناها بالمعمودية لنسير في طريق الرب المخلص خلال ظلمة هذه الحياة.



+ إقرأ إصحاح 13 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 14 PDF Print Email

عبور البحر الأحمر

يتحدث هذا الاصحاح عن:

1. النزول إلى فم الحيروث            [1-2].

2. ندم فرعون على إطلاقهم         [3-9].

3. تذمر الشعب                       [10-14].

4. صرخة موسى الصامتة           [15].

5. عبور البحر الأحمر                [16-31].
1. النزول إلى فم الحيروث:

بأمر إلهي رجع بنو إسرائيل ونزلوا أمام فم الحيروث، وهي بين مجدل والبحر، أمام بعل صفون [2]. يرى العلامة أوريجانوس أن "فم الحيروث" تعني "الصعود القاسي أو الصعود القفر"، "ومجدل" تعني "برج"، "وبعل صفون" تعني "الصعود بخفة أو بسرعة".

قبل أن يعبروا البحر الأحمر ليعيشوا أربعين عامًا في البرية حتى يدخلوا أرض الوعد، ألزمهم الرب أن يقفوا أمام فم الحيروث، أي أمام الصعود القاسي، كأنه يعلن لهم مقدمًا أن طريق الخلاص هو صعود مستمر خلال الطريق الكرب والباب الضيق. فالمؤمن لا يعرف التراخي بل الجهاد المستمر خلال شركته مع الله. أما موقع فم الحيروث فهو بين مجدل وبين بعل صفون، أي بين البرج والصعود السريع، بمعنى أن المؤمن يلتزم أن يُحسب نفقة بناء البرج حتى لا يبدأ ولا يقدر أن يكل فيهزأ المارة به، وإذ عرف حساباته التزم ألاَّ يتباطأ في الطريق بل يصعد بسرعة نحو الحياة السماوية، أما كونها أمام البحر فهذا إعلان عن دخولنا في التجارب (البحر) والضيقات طوال طريق جهادنا، حتى نعبر إلى الأرض الجديدة والسماء الجديدة حيث لا يكون للبحر موضع (رؤ 21).

هذا ما يراه العلامة أوريجانوس الذي يقول: [قد تظن إن طريق الله مستوىٍ وسهل، لا يحتاج إلى مجهود أو تعب، كلا! إنه صعود، وصعود صعب. فطريق الفضائل لا ينحدر إلى أسفل بل يصعد، هو صعود ضيق وكرب. اسمعوا ما يقوله الرب في الإنجيل: "ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة؟!" (مت 7: 14). يا للتوافق بين الإنجيل والناموس!  فالناموس يُظهر أن طريق الحياة صعود كرب، والإنجيل يُعلن عن ضيقه، والرب نفسه هو الطريق المؤدى إلى الحياة...

إذن فالطريق الذي ينبغي علينا أن نسيره هر طريق صاعد وضيق، يتطلب السهر والإيمان. فالإيمان والأعمال يتطلبان مشقات ومجهودات ضخمة، والذين يريدون السير حسب الله يواجهون تجارب وضيقات عديدة...

في هذا الطريق نجد برجًا... هذا الذي قال عنه الرب في الإنجيل: "من منكم وهو يريد أن يبني برجًا لا يجلس أولاً ويحسب النفقة، هل عنده ما يلزم لكماله؟!" (لو 14: 28). هذا البرج هو الأساس القوي الذي تقوم عليه الفضيلة مرتفعة...

وفي خروجك أيضًا... تأتي إلى البحر حيث تلتق بالأمواج، إذ لا يوجد طريق للحياة بغير أمواج التجارب، كقول الرسول "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهَدون" (2 تي 3: 12). وكما يقول أيوب أيضًا: "أليس جهاد للإنسان على الأرض كأيام الأجير أيامه؟" (7: 1). هذا هو معنى الوصول إلى البحر[180].
2. ندم فرعون على إطلاقهم:

أ. أوضح الرب سرّ إنزالهم إلى فم الحيروث قائلاً: "أُشدد قلب فرعون حتى يسعى وراءهم" [4]. لقد سمح لهم بالدخول في الضيقة حتى يتمجد الرب فيهم، وأيضًا كما يقول: "ويعرف المصريون إني أنا الرب" [4].

كيف شدد الرب قلب فرعون؟" أسلمه الله إلى شهوات قلبه" (رو 1: 24)، تركه لقساوة قلبه، فثار على الشعب وتشدد قلبه. وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن كان الله قد تركه لقساوة قلبه فإننا لا نستطيع أن نتجاهل حرية إرادة فرعون في صنع الشر].

ب. سعى فرعون ومعه ستة مائة مركبة. قلنا أن رقم 6 يُشير إلى كمال العمل البشري، والمائة تُشير إلى كمال عدد الجماعة. كأنه خرج بكل طاقاته البشرية وبكل رجاله، لكنهم لم يحملوا الطبيعة السماوية (رقم 1000) لذلك فشل وهلك.
3. تذمر الشعب:

أ. اشتهى الشعب في أول ضيقة تصادفه بعد الرحيل، أن يعود إلى حياة العبودية عوضًا عن حياة الحرية ومعها الجهاد، مع أنه "من الأفضل لنا أن نموت ونحن في الطريق نبحث عن حياة الكمال عن أن نمتنع عن البحث عنها"[181].

ب. طلب موسى من الشعب أن يقفوا وينظروا خلاص الرب الذي يصنعه لهم... قائلاً لهم: "الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون" [14]. إنه لا يدفعهم للحرب مع فرعون كما فعل معهم في حربهم مع عماليق وغيرهم فيما بعد، لأنهم لم يختبروا بعد المن السماوي ولا الشراب الروحي، خروجوا من مصر بلا خبز للجهاد... هكذا لا يطالب الإنسان بالجهاد إلاَّ بالقدر الذي يناسب إمكانياته وقدراته!
4. صرخة موسى الصامتة:

يقول الرب لموسى: "مالك تصرخ إليّ" [15]، مع أن موسى لم يصرخ له علانية أمام الشعب، بل كان يحدث الشعب المتذمر في مرارة قلب يبعث فيهم روح الرجاء في الخلاص قائلاً: "الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون".

بلا شك صرخ موسى في قلبه صرخة مرارة هزت السماء، سمعها الله وحده دون الشعب، وجاءت الاستجابة سريعة... وقد اهتز كثير من الآباء لهذه الصرخة الصامتة فسجلوا تعليقات قوية إيمانية، نذكر منها:

قال العلامة أوريجانوس: [إن الله يسمع صرخات القديسين الصامتة بالروح القدس[182]]، وفي موضع آخر يعلق على هذه العبارة هكذا: [قال الله لموسى: "لماذا تصرخ إليَّ؟ بينما لم يصرخ موسى بصوت مسموع قط، ولا سجل سفر الخروج أنه فعل هذا، لكن موسى صرخ صرخة قوية، قدمها كصلاة يسمعها الله وحده! لهذا يقول أيضًا داود: "بصوتيّ إلى الرب صرخت، فاستجاب ليّ" (مز 77: 7) [183]].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تستطيع أن تضبط أفكارك وتسبح الله دون أن يسمعك آخر، حتى وإن كنت في السوق، فقد صلى موسى هكذا وسمع له، إذ قال الرب: "لماذا تصرخ إليّ"، مع أنه لم ينطق بشيء، وإنما صرخ في فكره بقلب منسحق حيث سمعه الله وحده، فليس ثمة ما يمنع من أن يصلي الإنسان وهو يسير في الطريق فيسكن الأعالي[184]].

كما يقول: [حنة أيضًا لم يُسمع صوتها، نالت كل اشتياقها قدر ما صرخ قلبها (1 صم 1: 13). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هابيل أيضًا لم يصلِ فقط بصمت، وإنما صلى عندما مات، إذ أصدر دمه صرخة أقوى من صوت البرق (تك 4: 10)... أيضًا "من الأعماق صرخت إليك يا رب"، من الأعماق أي من القلب يصدر الصوت وتكون صلاتك سرًا[185]].

ويقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [الفكر الذي ارتفع من موسى نحو الله دُعي صرخة، ولو أنها تمت في فكر القلب الداخلي دون صوت![186]].
5. عبور البحر الأحمر:

سلك الشعب بالإيمان إذ رأوا البحر أمامهم فانفتح لهم طريق ونجوا، أما الأعداء فرأوا الطريق بالعيان فساروا فيه، فغرقوا وهلكوا. ويلاحظ في هذا العبور الآتي:

أولاً: عبور البحر الأحمر هو رمز المعمودية، حيث ينعم المؤمن بالخلاص خلال الدفن مع المسيح المتألم والتمتع بقوة قيامته، ويهيج إبليس وجنوده وتباد أعماله الشريرة. وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [إلى الآن حينما يدخل الشعب مياه التجديد، هاربين من مصر (رمزيًّا محبة العالم)، أي من ثقل الخطية، يتحرر ويخلص، أما إبليس وخدامه، أقصد بلا شك الأرواح الشريرة - فإنهم يُصدمون بالحزن ويهلكون، حاسبين خلاص البشرية شرًا بالنسبة لهم[187]].

يقول القديس أغسطينوس: [تحرر شعب الله من مصر (رمزيًا محبة العالم) بعظمتها واتساعها واُقتيد إلى البحر الأحمر، لكي تكون فيها نهاية أعدائهم (الشياطين) في المعمودية. لأنه بهذا السر- كما في البحر الأحمر - يتقدسون بدم المسيح بينما تهلك الخطايا المقتفية آثارهم...[188]].

ويقول القديس جيروم: [إذ ندم فرعون وجنوده أنهم أطلقوا شعب الله من مصر غرقوا في البحر الأحمر، فصار ذلك رمزًا لعمادنا. وقد وصف سفر المزامير هلاكهم قائلاً: "أنت شققت البحر بقوتك. كسرت رؤوس التنانين في المياه. أنت رضضت رؤوس لوياثان" (مز 74: 13-14). لهذا تسكن الحيات والعقارب الأماكن الجافة (تث 8: 15)، أما إذا اقتربت إلى المياه فإنها تصير في حالة هياج أو جنون[189]].

ويرى القديس اغريغوريوس أسقف نيصص أن غرق فرعون وقواده ومركباته وكل إمكانياته الحربية إنما يُشير إلى موت الشر بكل طاقاته من طمع وشهوة وأفكار شريرة وغضب وحقد وحسد... الخ في مياه المعمودية السرية[190]. ويرى أنه كما التزم الشعب في سرّ الفصح بأكل الفطير غير المختمر حتى لا يخلطوا دقيق المحصول الجديد بخميرة من المحصول القديم. هكذا يليق بنا بعد عبورنا مياه المعمودية ألاَّ نترك لقوات فرعون أن تعيش في حياتنا، إنما تكون لنا الحياة الجديدة دون عودة لأعمال الإنسان القديم[191].

ثانيًا: يرى البابا أثناسيوس الفارق بين السيِّد المسيح الذي ينتهر البحر ويأمر الرياح فتطيعه بسلطانه الإلهي (مز 4: 37-41)، وبين انشقاق البحر الأحمر الذي تم على يد موسى لكن بأمر إلهي إذ يقول: [وإن كان البحر الأحمر قد انشق بواسطة موسى، لكن ليس موسى هو الذي فعل هذا، لأن ما قد حدث تم بناءً على أمر إلهي وليس بسبب كلام موسى[192]].

ثالثًا: ليتنا نتمثل بموسى النبي فنمسك بعصا الرب، أي صليبه المقدس، ونضرب بها أمواج الخطية الثائرة داخلنا فينفتح لنا طريق يهلك أعداءنا الروحيين.

يرى العلامة أوريجانوس في هذه العصا أيضًا الناموس أو الوصية الإلهية إذ يقول: [إضرب الأمواج الهائجة بعصا موسى فينفتح لك طريق وسط أعدائك[193]].

رابعًا: أعلن هذا العمل حب الله للإنسان وعمله الخلاصي، إذ يقول العلامة أوريجانوس: [المياه تصير جبالاً! المياه الراجعة تصير سورًا!... ويظهر عمق البحر، وإذا هو رمال فقط! ليتك تدرك محبة الخالق، فإنك إن أطعت إرادته وحفظت ناموسه يسخر الأشياء لتعمل ضد طبيعتها لأجل خدمتك[194]].

تظهر محبة الله أيضًا في انتقال عمود السحاب من أمامهم إلى الوراء [19]، حتى يحجبهم عن أعين فرعون وجنوده ويكون حماية لهم.

خامسًا: يرمز هذا الخلاص لعمل السيِّد المسيح من جوانب كثيرة منها[195]:

أ. قسّى فرعون قلبه لكي يهلك الشعب فغرق هو وجنوده، وقسّى إبليس أيضًا قلبه فأراد أن يقتل السيِّد المسيح ويُبيد اسمه من كورة الأحياء، وإذا به هو يهلك مع جنوده.

ب. رأى فرعون البحر منشقًا فاندفع وراء الشعب ليهلكه بدلاً من أن يخاف ويرتعب، ورأى إبليس الطبيعة ثائرة في لحظات الصليب ولم يبال بل اندفع ليكمل الصليب.

ج. ضرب موسى البحر بالعصا فغرق فرعون، وضرب السيد المسيح إبليس بخشبة الصليب فأغرقه في الجحيم.

د. بعد العبور اجتاز الشعب البرية، ونحن أيضًا إذ تمتعنا بعمل الصليب في المعمودية نجتاز برية هذا العالم مع قائدنا يسوع المسيح حتى نبلغ أورشليم السماوية.

سادسًا: يعلق القديس غريغوريوس أسقف نيصص على العبارة: "فخاف الشعب الرب وآمنوا بالرب وبعبده موسى" [31] قائلاً: [من يعبر البحر ويرى المصريين (الملذات الأرضية) موتى داخله كما سبق فشرحت، لا يعود ينظر موسى وحده كحامل عصا الفضيلة، إنما يؤمن بالله ويكون مطيعًا لموسى [31]. نحن أيضًا نرى ذات الأمر يحدث مع الذين يعبرون المياه مكرسين حياتهم لله، وفي طاعة وخضوع للذين يخدمونه في الكهنوت (عب 13: 17)[196]].

+ إقرأ إصحاح 14 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 15 جـ1 PDF Print Email

تسبحة النصرة

يحوي هذا الأصحاح:

1. تسبحة النصرة                    [1-19].

2. مريم المُرنِّمة                     [20-21].

3. من مارة إلى إيليم                 [22-27].
1. تسبحة النصرة:


ترمز هذه التسبحة لتسبحة المفديين في السماء، إذ خلصهم الله وعبر بهم من العالم إلى السماء، تُستخدم هناك مع السيِّد المسيح (رؤ 15: 3). لهذا وضعتها الكنيسة في التسبحة اليومية بكونها "الهوس[197] الأول"، لتؤكد لأولادها ضرورة التسبيح لله وتقديم الشكر المستمر من أجل عمله الخلاصي معنا، إذ يهبنا غلبة يومية على إبليس وجنوده، وليس بذراعنا البشري، وإنما خلال عمل نعمته فينا.

ويلاحظ أن موسى والشعب لم ينطقوا بالتسبيح إلاَّ بعد ما اعتمدوا ورأوا خلاص الله العجيب. هكذا بالمعمودية إذ ندفن مع مسيحنا المصلوب ونقوم معه في جدة الحياة ينفتح لساننا الداخلي لنسبِّح للرب ونشكره.

أصبحت هذه التسبحة تُمثل جانبًا حيًا في حياة موسى، حتى حينما تحدث البابا أثناسيوس الرسولي في إحدى رسائله عن عيد الفصح المسيحي قال إن القديسين يقضون كل حياتهم كمن يفرح بالعيد، فواحد يجد راحته في الصلاة كداود النبي، وآخر يعطي المجد لله خلال تسابيح الحمد مثل موسى، وآخرون يتعبدون بمثابرة مثل العظيم صموئيل والطوباوي إيليا[198]... كأن موسى صار بهذه التسبحة مثلاً لحياة التسبيح لله.

وقد حملت هذه التسبحة تعبيرات ومعانٍ جميلة تحتاج إلى كتاب مستقل، لكنني اكتفي هنا بعرض بعض الفقرات منها:

"أُرنم للرب فإنه قد تعظم. الفرس وراكبه طرحهما في البحر" [1].

بدأت التسبحة بتمجيد الرب الذي تمجد بالصليب حيث داس إبليس وكل قواته، ليعتق الذين سبق فأسرهم...

إنها تسبحة عذبة يترنم بها المسيحي كل يوم حين يرى الخطية تسقط بالصليب تحت قدميه، وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [لنغني مع موسى... ونسبح مرتلين، إذ نرى الخطية التي فينا قد طُرحت في البحر، أما نحن فنعبر إلى البرية[199]].

"قد هبطوا في الأعماق كحجر" [5].

يري القديس غريغوريوس أسقف نيصص[200]: [إن الإنسان الذي يسلك في الحياة الفاضلة يكون خفيف الوزن، أما الإنسان الشرير فيكون ثقيلاً يغطس في المياه. الفضيلة خفيفة تعوم على المياه، والذين يسيرون في طريقها يطيرون كالسحاب وكالحمام بأجنحتهم الصغيرة (إش 9: 8)، أما الخطية فكالرصاص ثقيلة (زك 5: 7).

اقتبس القديس الفكرة عن معلمه أوريجانوس الإسكندري، الذي قال: [لماذا هبطوا؟ لأنهم لم يكونوا من الحجارة التي يخرج منها أولادًا لإبراهيم، إنما كانوا محبين للمنخفضات ويتلغمون بالسوائل (الأمور المائعة)، يبتغون اللذة... ويهربون من الواقع. لهذا قيل عنهم "غاصوا كالرصاص في مياه غامرة" [10]. هكذا للخطاة ثقل شرور أشار إليها زكريا النبي، قائلاً: "وإذا بوزنة رصاص رفعت، وكانت امرأة جالسة في وسط الإيفة" (5: 7). ولما سُئل عن شخصيتها قيل له: "هذه هي الشر" (5: 8). لهذا قيل عن الأشرار أنهم غاصوا كالرصاص في مياه غامرة... أما القديسون فلا يغوصون بل يمشون على المياه... إذ ليس فيهم ثقل خطية ليغوصوا.

لقد مشى ربنا ومخلصنا على المياه (مت 14: 25)، هذا الذي بالحقيقة لا يعرف الخطية، ومشى تلميذه بطرس مع أنه ارتعب قليلاً إذ لم يكن قلبه طاهرًا بالكلية، إنما حمل في داخله بعضًا من الرصاص... لهذا قال له الرب: "يا قليل الإيمان لماذا شككت؟". فالذي يخلص إنما يخلص كما بنار (1 كو 3: 15)، حتى إن وجد فيه رصاص يصهره[201]].

الأشرار إذن كالحجارة التي رفضت قبول عمل الروح القدس فيها لتصير أولادًا لإبراهيم، وكالرصاص الذي يغوص في المياه أي يغوصون في الملذات، أما القديسون

فكالذهب المصفى بالنار.

"يمينك يا رب معتزة بالقدرة. يمينك يا رب تحطم العدو" [6].

يرى القديس أمبروسيوس[202] في هذه التسبحة عمل الثالوث القدوس واضحًا، ففي هذه العبارة يعترف بالابن الذي هو "يمين الرب"، ليعود بعد قليل فيتحدث عن عمل الروح القدس "أرسلت روحك فغطاهم البحر" [10]، هذا الذي يعمل في سرّ "المعمودية"، مهلكًا الشر ومنقذًا أولاد الله[203].

"قال العدو: أتبع أدرك أقسم غنيمة. تمتلئ منهم نفسي. أجرد سيفي. تفنيهم يدي" [9].

هذا هو عمل إبليس: الإرهاب المستمر والاضطهاد، لهذا عندما دافع البابا أثناسيوس عن هروبه من وجه الأريوسيين مضطهديه أورد هذا القول معلقًا عليه:  [أمرنا الرب بالهروب، والقديسون هربوا. أما الاضطهاد فهو شر من عمل الشيطان، يريد أن يمارسه ضد الكل[204]].

وفي حديث للقديس أنبا أنطونيوس في كتاب البابا أثناسيوس الرسولي عنه يقول: [تخدع الشياطين الصديقين بافتخاراتهم... لكنه حتى في هذا يلزمنا ألاَّ نخاف من المظهر ولا نعطي اهتمامًا بكلماته، فإن الشيطان كذاب ولا ينطلق بكلمة حق واحدة. يتكلم كثيرًا جدًا ويظهر جسارة عظيمة هكذا، لكنه بلا شك كلوياثان يصطاده المخلص بشص (أي 41: 1)[205]].

لقد حاول العدو أن يستخدم ذات الأسلوب مع السيِّد المسيح، ظانًا أنه يقدر أن ينزع اسمه من كورة الأحياء، لكن تهديدات العدو لم تهز قلب السيِّد المسيح بل حطمت العدو نفسه.

"من مثلك يا رب" [11].

ليس لله شبيه في قدرته وحبه وفي طبيعته بكونه غير المدرك ولا المنظور ولا متغير، بلا بداية ولا نهاية. هذا الذي ليس له شبيه أعطانا بالتبني أن نحسب أولادًا له لكي نتشبه به، كقول الرسول يوحنا: "أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذا أُظهِر نكون مثله لأننا سنراه كما هو" (1 يو 3: 2).

"تمد يمينك فتبتلعهم الأرض" [12].

يعلق العلامة أوريجانوس على هذه العبارة قائلاً: [اليوم تبتلع الأرض الأشرار. ألا ترى أن الأرض تبتلع مْن ليس له إلاَّ الأفكار والأعمال الأرضية؟!... فيشتهي الأرض، ويضع فيها كل رجائه، ولا يرفع نظره نحو السماء، ولا يفكر في الحياة العتيدة، ولا يخشى دينونة الله، ولا يبتغي مواعيده في الأبدية، إنما هو دائم التفكير في الأمور الحاضرة، راكضًا نحو الأرضيات. إن رأيت إنسانًا كهذا قل أن الأرض ابتلعته. إن رأيت إنسانًا منسكبًا على رغبات الجسد وشهواته، ورأيت روحه بلا قوة لأن الجسد مُسيطر على كل حياته فقل أن هذا الإنسان ابتلعته الأرض.

بقى ليّ أمر آخر، فقد قيل "تمد يدك فتبتلعهم الأرض". مدّ الرب يده فابتلعتهم الأرض. تأمل الرب وقد بسط يده على الصليب "طول النهار بسطتُ يدي إلى شعب معاند ومقاوم" (إش 65: 2). كان هذا الشعب الغادر يصرخ أصلبه، أصلبه... فعاقبه بالموت[206]...].

ابتلعت الأرض فرعون المتكبر الذي كان يظن أنه يُبيد شعب الله، أما الذين ابتلعهم الجحيم فنزل إليهم السيِّد المسيح، نزل إلى أقسام الأرض السفلى (أف 4: 9) لكي يخرجهم من أحشائها ويرتفع بهم، لا على سطح الأرض بل يدخل بهم إلى مسكن قدسه.

"حتى يعبر شعبك يا رب. حتى يعبر شعبك الذي اقتنيْته" [16].

كرر موسى النبي "حتى يعبر شعبك" ليُعلن أن غاية العمل هو الخلاص والعبور إلى الأبدية، ولتأكيد أن العابرين هم شعب واحد من أصلين: يهودي وأممي.




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 15 جـ2 PDF Print Email

"تجيء بهم وتغرسهم في جبل ميراثك" [17].

يقول العلامة أوريجانوس: [الله لا يريد أن يغرسنا في مصر (محبة العالم)، ولا في أماكن فاسدة وشريرة، لكنه يريد أن يُقيمنا في جبل ميراثه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ألا تبدو الكلمات "وتجيء بهم وتغرسهم"، كأنما يتحدث عن أطفال يقودهم إلى المدرسة حتى يتثقَّفوا بكل أنواع العلوم... لنفهم كيف يفعل هذا؟ "كرمة من مصر نُقلت، طَرَدت أممًا وغرستها. هيأت قدامها فأصَّلت أصولها فملأت الأرض. غطى الجبال ظلها وأغصانها أرز الله" (مز 80: 9-11)... إنه لا يغرسها في الوديان بل على الجبال، في أماكن مرتفعة وعالية. لا يريد أن يترك الخارجين من مصر في الحضيض إنما يقودهم من العالم إلى الإيمان. يريد أن يقيمهم في المرتفعات. يُريدنا أن نسكن في الأعالي، لا أن نزحف على الأرض. لا يريد كرمته تلمس ثمارها الأرض بل أن تنمو دون أن تشتبك فروعها مع أي شجيرة، إنما تلتصق بأرز الله العالي المرتفع (مز 80: 11). أرز الله في رأيي هم الأنبياء والرسل، فإننا إن التصقنا بهم نحن الكرمة التي نقلها الله من مصر تنمو أغصانها مع أغصانهم. إن كنا نتكئ عليهم نصير أغصانًا مغروسة برباطات الحب المتبادل ونأتي بلا شك بثمر كثير[207]].

"المقْدس الذي هيَّأته يداك يا رب" [17].

يقول العلامة أوريجانوس: [ما هو المقْدس الذي لم يقمه إنسان بل هيَّأه الرب؟ "الحكمة بَنت بيتها" (أم 9: 3). هذا الأمر إنما يخص تجسد الرب، فإن الجسد الذي أخذه ليس من زرع إنسان، إنما قام البناء في العذراء كما تنبأ دانيال "قُطع حجر بغير يدين... أما الحجر فصار جبلاً كبيرًا" (دا 2: 34، 35). هذا هو المقْدس الذي ظهر في الجسد، الذي قُطع بغير يدين، أي ليس من صنع إنسان[208]].

"مشوا على اليابسة في وسط البحر" [19].

يقول العلامة أوريجانوس: [إن كنت أنت أيضًا من بني إسرائيل (الجديد) تستطيع أن تمشي على اليابسة وسط البحر. إن وجدت نفسك وسط جيل معوج وملتوي تُضيئ بينهم كأنوار في العالم متمسكًا بكلمة الحياة لإفتخاري (في 2: 15-16). قد تسير وسط الخطاة دون أن تصيبك مياه الخطيئة، قد تسير وسط هذا العالم دون أن ترتد عليك مياه الشهوة...

من يتبع المسيح يسير مثله (على المياه)، فتكون له المياه سورًا عن يمينه ويساره [22]. يسير على اليابسة حتى يبلغ الحرية مترنمًا للرب بتسبحة النصرة، قائلاً: "أُرنم للرب فإنه قد تعظم" [1][209]].

2. مريم المُرنِّمة:

يرى القديس جيروم في مريم أخت هرون كقائدة روحية للنساء في ذلك الوقت، صورة حيّة لعمل المرأة في الكنيسة، هذه التي تُكرِّس حياتها لتسبيح الرب وتعليم الأخريات هذا العمل. ففي رسالة بعثها للأرملة فيوريا Furia التي فكرت في الزواج ثم عدلت عنه، كتب إليها: [علَّمت مريم صاحباتها أن يكُنَّ موسيقيَّات لكن للمسيح، يضربن العود لكن للمخلص. تقضي في هذا العمل النهار والليل فتصنع بهذا زيتًا في المصابيح وتستعد منتظرة مجيء العريس[210]].

كما رأى فيها القديس أمبروسيوس صورة رمزية للكنيسة المترنمة للرب على الدوام ففي حديثه عن العذارى، قال: [ألم تكن رمزًا للكنيسة البتول بروح بلا عيب تجمع الجماهير المتدينة لتُنشد الأناشيد الإلهية؟! إذ نسمع أنه كان يوجد عذارى مهتمات بذلك في الهيكل بأورشليم[211]؟!].

وفي نفس المقال[212] تحدث أيضًا عن تصرف مريم مع النساء أنهن يمثلن مركب السماء، وقد تهلل السمائيون إذ رأوا الأرضيين خرجوا منطلقين نحو السماء.

3. من مارة إلى إيليم:

طريق البرية هو طريق الدخول في ضيقات كثيرة، بل بالحرى هو طريق خبرة العمل الإلهي في حياتنا وسط الآلام، وانفتاح القلب نحو السمويات.

ما أن عبر الشعب وفرح وتهلل، حتى تحولت أفراحه إلى مرارة وضيق، إذ شعروا بالعطش فتذمروا على موسى [24]، إذ وجدوا ماءً مرًا لا يقدر أن يرويهم. ألقى موسى النبي بالشجرة في المياه المرة فصارت حلوة.

ما هي هذه المياه المرة إلاَّ وصايا الناموس، التي أُعطت مرارة للإنسان بسبب عجزه عن التنفيذ، لكن دخل السيِّد المسيح - شجرة الحياة[213] - في الوصية، فصيَّر الناموس روحيًا وجعله مُرويًا للنفس. في هذا يقول العلامة أوريجانوس: [كأس الناموس مرّ... لكن إن كنا نلقي فيه شجرة حكمة المسيح الذي يكشف لنا كيف يجب أن نفهم الختان والسبوت، ونحفظ شريعة البرص، ونميز بين النجس والطاهر، حينئذ تصير مياه مارة عذبة، وتتحول حرفية الناموس إلى عذوبة المعنى الروحي، حينئذ يقدر شعب الله أن يشرب[214]]. كما يقول: [إن كان أحد يُريد أن يشرب من حرفية الناموس بعيدًا عن شجرة الحياة، أي بعيدًا عن أسرار الصليب، بعيدًا عن الإيمان بالمسيح والإدراك الروحي، فإنه يهلك من هول المرارة. لقد أدرك بولس هذه الحقيقة فقال: "الحرف يقتل" أي أن المياه المارة تقتل إن شربت كما هي قبل أن تصير عذبة[215]]. ويقول: [عندما دخلت خشبة الصليب إلى الوصية جعلتها عذبة، إذ صارت تُنفذ روحيًا، وبالتالي صارت نفس هذه الوصايا للحياة[216]].

يرى كثير من الآباء في الشجرة رمزًا للصليب الذي يعمل في مياه المعمودية، فتتحول حياتنا من المرارة إلى العذوبة، وعوض ما نحمله من أعمال الإنسان القديم نتمتع بالطبيعة الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسوع[217].

يقول القديس أمبروسيوس: [ كانت مارة عين ماء شديدة المرارة، فلما طَرح فيها موسى الشجرة أصبحت مياهًا عذبة. لأن الماء بدون الكرازة بصليب الرب لا فائدة منه للخلاص العتيد. ولكن بعد أن تكرس بسرّ صليب الخلاص يصبح مناسبًا لاستعماله في الجرن الروحي، وكأس الخلاص، إذ أنه كما ألقى موسى النبي الخشبة في تلك العين هكذا أيضًا ينطق الكاهن على جرن المعمودية بشهادة صليب الرب فيصبح الماء عذبًا بسبب عمل النعمة[218]].

ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص في الخشبة: "سرّ القيامة" خلال صليب السيِّد، حيث تتحول الحياة الفاضلة بما فيها من جهاد ومرارة إلى حياة سهلة وعذبة، إذ يقول: [الإنسان الذي يترك خلفه الملذات (المصرية) التي كان يخدمها قبل عبوره البحر، فإن الحياة التى كانت تبدو له أنها بدون هذه الملذات صعبة وغير مقبولة، متى ألقيت فيها الخشبة، أي يتقبل سرّ القيامة الذي يبدأ بالخشبة - حيث تفهم بالخشبة الصليب طبعًا - عندئذ تصير الحياة الفاضلة عذبة خلال الرجاء في الأمور العتيدة، بل أكثر حلاوة وعذوبة من تلك التي تختبرها الحواس خلال الملذات[219]].

إن كانت مارة حملت إشارة إلى الناموس الذي صار بالصليب روحيًا، والمعمودية بما فيها من عمل الصليب وقوة القيامة، كان لزامًا للشعب أن يعبر من مارة إلى إيليم [27]، أي يعبروا من الناموس إلى العهد الجديد، إذ وجدوا فيه اثنتى عشر عين ماء وسبعين نخلة، إشارة إلى الاثنى عشر تلميذًا والسبعين رسولاً.

في هذا يقول العلامة أوريجانوس: [لقد قصد الله ألاَّ يأتي بالشعب إلى إيليم منذ البداية حيث يوجد اثنا عشر عين ماء خالية من كل مرارة تمامًا. وحيث يوجد موضع للراحة في ظلال النخيل...

عندما تُصير مرارة الناموس عذبة بواسطة شجرة الحياة (أم 3: 18)، حينئذ نفهم الناموس روحيًا، ويتم العبور من العهد القديم إلى العهد الجديد. وبهذا نصل إلى الاثنى عشر عين ماء الرسولية، ونجد في نفس الوقت سبعين نخلة...

لا يكفي لشعب الله أن يشرب مياه مارة بعد أن صارت عذبة بواسطة شجرة الحياة، وخلال سمو الصليب فقدت مرارة الحرف، فإن العهد القديم وحده لا يكفي للشرب وإنما يلزم أن نأتي إلى العهد الجديد لنشرب منه بلا صعوبة[220]...].

ويقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [سرّ الخشبة التي تصير خلاله مياه الفضيلة مبهجة للعطاشى يقودنا إلى الإثنى عشر ينبوع ماء والسبعين شجرة، أي إلى تعاليم الإنجيل[221]].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 16 PDF Print Email

تجربة الطعام

1. في برية سين             [1].

2. تذمر الشعب             [2-3].

3. السلوى والمن           [4-21].

4. شريعة السبت           [22-31].

5. قسط المن               [32-36].
1. في برية سين:


في سفر الخروج يقول: "ثم ارتحلوا من إيليم وأتى كل جماعة بني إسرائيل إلى برية سين" [1]، أما سفر العدد فيوضح بأكثر تفصيل قائلاً: "ثم ارتحلوا من إيليم ونزلوا على بحر سوف ونزلوا في برية سين" (عد 33: 10-11).

يرى العامة أوريجينوس إن إيليم تعني "الأكباش"، ولو أن البعض يرى أنها تعني "الأشجار". في رأيه أن الأكباش تمثل قادة القطيع حيث الاثنا عشر تلميذًا (عين ماء) والسبعون رسولاً (نخلة)، هؤلاء قادوا بالمسيح يسوع الشعب إلى شاطئ بحر سوف (عد 33: 10)، لكنه من الجانب المملوء أمانًا، إذ عبروه مرة واحدة، وفيه هلك إبليس وجنوده. الآن "يستطيعون أن ينظروا البحر ويرون أمواجه، لكنهم لا يخافون حركاته ولا عواصفه"[222].

ارتحلت الجماعة المقدسة من بحر سوف ونزلت إلى برية سين، وهي المدينة التي أنزل الله فيها المنّ للشعب للمرة الأولى، ولعلَّ موضعها الآن دبة الرملة، وهي كومة رمال عند سفح جبل التيه. ويرى العلامة أوريجينوس أن "سين" تعني "عليقة" أو "تجربة"[223]. فكما أن أول ظهورات الله لموسى كان في العليقة، ليعلن له سرّ التجسد الإلهي، فإنه في سين قدم الله لشعبه لأول مرة المنّ - إشارة أيضًا إلى السيِّد المسيح النازل من السماء شبعًا للنفس البشرية. أما معناها "تجربة"، إنما ليذكرنا أنه حيث توجد الإعلانات يجب أن يكون لنا روح التمييز (1 كو 2: 5)، لئلا يخدعنا عدو الخير بتجاربه التي يظهر فيها أحيانًا كملاك نور (2 كو 11: 4)، لتضليل إن أمكن حتى المؤمنين.
2. تذمر الشعب:

إذ مضى شهر على خروجهم من أرض العبودية قدموا لله تذمرًا عوض تسبحة الشكر والحمد له، إذ قالوا لموسى وهرون: "ليتنا متنا بيد الرب في أرض مصر، إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزًا للشبع، فإنكما أخرجتمانا إلى هذا القفر لكي تميتا كل هذا الجمهور بالجوع" [3].

يقول الكتاب: "رجعوا بقلوبهم إلى مصر"، حقًا لقد ذاقوا مرارة العبودية والذل واختبروا عربون أرض الموعد ومارسوا حياة الغلبة والنصرة ومع هذا كانوا في كثير من الأوقات يشتاقون إلى رائحة قدور اللحم، إلى "شهوة العين وشهوة الجسد وتعظم المعيشة". أمام لذة الخطية الدنيئة ينسى الإنسان بركات الله ونعمه، مشتهيًا الذل عن الحرية!

لقد حذرنا كثير من الآباء من "شيطان النهم"، حتى لا تصير آلهتنا هي بطوننا، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تذكر اليهود قدور اللحم فظهر استبداد البطن العظيم[224]]. وعندما تحدث الأب أوغريس عن حروب الشيطان خلال الأفكار الشريرة الثمانية اعتبر "الشراهة في الأكل" هو أول هذه الأفكار[225]. ويسمي القديس يوحنا كليماكوس المعدة بالسيِّد المستبد، كما يقول: [كن سيِّدًا على معدتك قبل أن تسود هي عليك. الذي يرعى شرهه ويأمل في التغلب على روح الفجور يشبه من يحاول أن يخمد النار بزيت[226]]، ويقول الأب يوحنا من كرونستادت: [تأكد تمامًا أن العدو يهاجم القلب عن طريق امتلاء البطن].

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان التذمر جزءًا من طبيعة هذا الشعب. إذ يتسلط على قلبهم ويبررونه بسبب أو بآخر، لذا يشبههم القديس يوحنا الذهبي الفم بالأطفال الصغار الذين يوجدون كل علة للتذمر والهروب من المدرسة، إذ يقول: [كانت البرية بالنسبة لهم مدرسة، وكأطفال طال بهم الوقت في المدرسة يريدون الانقطاع عنها، هكذا كان هؤلاء يرغبون في الرجوع إلى مصر باكين قائلين: لقد ضعنا، لقد متنا! [3][227]].

لم يكن الجوع هو السبب في التذمر بل كان ذلك طبعهم، فإنهم حتى بعد أن قدم لهم هذا الطعام اليومي الطازج الذي لا يتعبون فيه، لم يكفوا عن التذمر، بل عادوا يبكون قائلين: "من يطعمنا لحمًا؟ قد تذكرنا السمك الذي نأكله في مصر مجانًا والقثاء والبطيخ والكرات والبصل والثوم. والآن قد يبست أنفسنا. ليس شيء غير أن أعيننا إلى هذا المن؟! (عد 11: 4-6). وكما يقول القديس جيروم: [احتقروا طعام الملائكة وتنهدوا على لحم مصر. صام موسى أربعين يومًا وأربعين ليلة على جبل سيناء مظهرًا أن الإنسان لا يعيش على الخبز وحده بل على كلمة الله. يقول الرب إن الشعب شبع فصنع أوثانًا. كان موسى يتسلم الشريعة المكتوبة بإصبع الله بمعدته الخاوية، أما الشعب فأكل وشرب وقام ليلعب أمام العجل الذهبي، مفضلين العجل المصري عن جلالة الرب. حقًا لقد ضاع تعب أيام كثيرة كهذه خلال الشبع لساعة واحدة[228]].
3. المنّ والسلوى:

تذمر الشعب ولم يكن لدى موسى خزائن مادية لتُشبع جوعهم، لكنه إذ قبل عار المسيح حاسبًا إيّاه غنى أعظم من خزائن مصر (عب 11: 26)، لم يتركه الرب هو وشعبه معتازين إلى شيء. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [حسب موسى خزائن مصر خسارة بالنسبة له، مظهرًا في حياته عار صلب الرب. لم يكن غنيًا حين كان معه مال وفير (في قصر فرعون) ولا افتقر حين صار في عوز إلى طعام، اللهم إلاَّ إذا ظن أنه كان أقل سعادة حين كان في احتياج إلى الطعام اليومي ليشبع شعبه. لكنه قدم له من السماء المنّ الذي هو طعام الملائكة، علامة الخير العظيم والطوباوية... كما كان سيل من اللحم يمطر عليه ليشبع الجموع[229]].

هذا المنّ يُشير إلى السيِّد المسيح الذي قدم جسده المقدس غذاءً للنفس، إذ قال: "الحق الحق أقول لكم ليس موسى أعطاكم الخبز من السماء بل أبي يعطيكم الخبز الحقيقي من السماء، لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم... آباؤكم أكلوا المنّ في البرية وماتوا. هذا هو الخبز النازل من السماء إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم" (يو 6).
فيما يلي مقارنة مبسطة بين المنّ القديم والمنّ الجديد:

أ. بعد العبور كان يلزم للشعب أن يأكل طعامًا جديدًا غير طعام أرض العبودية، يشبع كل واحد منهم. ونحن أيضًا إذ دخلنا عهدًا جديدًا قدم لنا السيِّد طعامًا روحيًا حقيقيًا، يقدر أن يُشبع النفس ويهبها حياة أبدية.

والعجيب إن المنّ بدأ ينزل على الشعب يوم الأحد كما هو واضح من قول الرب لموسى: "وفي اليوم  السادس أنهم يهيئون ما يجيئون به فيكون ضعف ما يلتقطونه يومًا فيومًا" [5]، وكان يوم الاستعداد للسبت (الجمعة) هو سادس يوم ينزل فيه المن، فيكون قد بدأ النزول بالأحد. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وبقيامة السيِّد المسيح من الأموات فجر الأحد قدم لنا جسده القائم من الأموات، سرّ قيامة لنفوسنا وأجسادنا. وصار الأحد العيد الكنسي الأسبوعي حيث نتمتع فيه بالمنّ السماوي.

ب. سقط المنّ من السماء [4]، وأخذ كل واحد قدر احتياجه حسب أكله [18]، فشبع الكل. ونزل السيِّد المسيح كلمة الله من السماء وقدم نفسه سرّ شبع للجميع. قدم نفسه لبنًا للأطفال، وطعامًا دسمًا للناضجين، لكي لا يترك نفسًا في عوز أو جوع.

ج. الذين أخذوا المنّ بغير إيمان، مخالفين الوصية، ومحتفظين به لليوم التالي صار بالنسبة لهم دودًا ونتنًا. هكذا من يتناول جسد السيِّد بغير إيمان ولا استحقاق يحمل فيه رائحة الموت عوض الحياة والعذوبة التي يذوقها المؤمنون عند تمتعهم به.

كلمة الله كالمنّ، هي سرّ حياة للتائبين المؤمنين، وسرّ هلاك للمُصرّين على عدم الإيمان.

في هذا يقول العلامة أوريجينوس: [في المنّ الآن عذوبة العسل بالنسبة للمؤمنين، وفيه دود لغير المؤمنين. إن كلمة الله (السيِّد المسيح) يفند الأفكار الشريرة وينخس ضمير الخطاة بالمناخس الحادة ويضرم نارًا في قلوب الذين يفتحون له، حتى يقولوا: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا وهو يفسر لنا الكتب؟!" (لو 24: 32). وعلى العكس هو نار تحرق الأشواك التي على الأرض الرديئة[230]].

من يجمع منًا ليحتفظ به دون أن يأكله، أي يسلك مخالفًا للوصية وبغير إيمان، يكون كمن يدرس الكتاب المقدس ويتعرف على الإيمان المسيحي معرفة نظرية، فيكون إيمانه ميتًا كقول معلمنا يعقوب الرسول (يع 2: 14-15، 26). وفي هذا يقول العلامة أوريجينوس: [إن أخذ غير المؤمن كلمة الله ولم يأكلها (أي يعيش بها)، بل أخفاها، يتولد فيها الدود[231]].

د. قال موسى النبي: "الرب يعطيكم في المساء لحمًا لتأكلوا، وفي الصباح خبزًا لتشبعوا" [8]. ما هو هذا المساء إلاَّ آخر الأزمنة أو ملء الزمان الذي فيه حمل كلمة الله جسدًا، مقدمًا ذاته لنأكل ونشبع! وبمجيئه في ملء الزمان، وسط الظلمة في المساء، أشرق بنوره علينا فتحول مساؤنا نهارًا، ودخلنا في صباح جديد، مقدمًا لنا خبزًا جديدًا تشبع به البشرية المؤمنة.

مرة أخرى يقول: "في المساء تعلمون أن الرب أخرجكم من مصر، وفي الصباح ترون مجد الرب" [6-7]. ما هو هذا المساء إلاَّ تلك اللحظات التي فيها أسلم السيِّد المسيح الروح في يدي الآب، حيث غطّت الظلمة وجه الأرض، فأخرجنا من عبودية إبليس وحرر الذين كانوا في الجحيم؟! وما هو هذا الصباح الذي فيه رأينا مجد الرب إلاَّ فجر الأحد الذي فيه قام من الأموات وأعطانا قوة قيامته وبهجتها؟!.

ه. المنّ لم يعرفه الشعب [15]، والسيِّد المسيح تحيّر في حقيقته الشعب (1 كو 2: 8).

و. نزل المنّ على الخيام التي تُشير إلى أجسادنا، وجاءنا السيِّد المسيح إلى مساكننا وفي جسدنا، صار كواحد منا.

ز. نزل المنّ بعد تذمر الشعب، وجاء السيِّد المسيح بعدما قامت العداوة بيننا وبين الله، وكما يقول الرسول بولس: "ونحن أعداء صولحنا مع الله بموت ابنه" (رو 5: 10). وبنزول المنّ أعلن الله حبه ولطفه، برغم تذمر شعبه عليه. ومجيء السيِّد المسيح إلينا علامة رعاية الله ومحبته اللانهائية.

س. وصف المنّ أنه كدقيق أبيض كالثلج [14]، وصارت ثياب السيِّد المسيح القدُّوس "بيضاء كالثلج" (مز 9: 3).

ش. طعم المنّ كرقاق بعسل، والسيِّد المسيح "حلقه حلاوة وكله مشتهيات" (نش 5: 6).

ص. كان الشعب يلتقط المنّ صباحًا فصباحًا... وشركتنا مع ربنا يسوع المسيح متجددة كل يوم، ولقاؤنا معه مبكرًا جدًا "الذين يبكرون إليَّ يجدونني" (أم 8: 17).

ط. يلتقط المنّ ويطحن ويدق ويطبخ ليصير صالحًا للأكل، والسيِّد المسيح جاء متأنسًا، صُلب وتألم ومات وصار غذاًء وسرّ حياة لمن يأكله (مر 14: 13، 24).

ظ. إذ احتقر الشعب المنّ ضربهم الله ضربة عظيمة جدًا، ومن يأكل جسد الرب بدون استحقاق ينال دينونة لنفسه (1 كو 11: 27-33).

أخيرًا فإننا إذ نتحدث عن المنّ نجد فيه صورة حيَّة للشبع والاكتفاء، لكن بغير ترف زائد أو نهم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لنا معدة واحدة فقط لكي نملأها. أما أنت يا من تريد أن تقوتها بترف زائد، فإنك تقدم لها ما تريد أن تتخلص هي منه. فكما أن الذين جمعوا (من المنّ) أكثر مما يجب، إذا بهم يجمعون دودًا ونتانة لا منًا، الذين يعيشون في ترف وطمع ونهم وسكر إنما يجمعون لأنفسهم فسادًا وليس طعامًا لذيذًا[232]].
4. شريعة السبت:

من جمع لنفسه منًا فائضًا لليوم التالي جمع دودًا ونتانة، وصار موضع سخط الله وغضب موسى النبي، لكنه إذ جاء يوم الاستعداد للسبت إلتزم الجميع بجمع ضعفين، وكان ذلك إشارة إلى الجمع والحفظ ليوم الراحة العظيم. وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [هذا اليوم (السابق) إنما هو الحياة الحاضرة التي فيها نعد أنفسنا للأشياء العتيدة[233]].

ماذا نعد للحياة العتيدة؟ يقول الرسول: "من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فسادًا، ومن يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية" (غلا 6: 8). ويقول العلامة أوريجينوس: [يليق بنا في اليوم السادس أن نجمع ونخزن ما يكفي لليوم التالي. إن كنت تجمع هنا أعمالاً صالحة، إن كنت تخزن هنا كنوزًا للبرّ والرحمة والتقوى، فإنها تمثل غذاءك في الدهر الآتي. ألا تسمع في الإنجيل أن الذي ربح عشرة وزنات أخذ مقابلها عشر مدن، والذي ربح خمس وزنات أخذ مقابلها خمسة مدن. هذا ما يقوله لنا الرسول بصورة أخرى "ما يزرعه الإنسان إيّاه يحصد" (غلا 6: 7)[234]]. كما يقول: [من خزَّن للسبت لم يفسد ولا أتى فيه دود بل بقى سليمًا، أما إن كُنت تُخزن للحياة الحاضرة حبًا في هذا العالم فسيتولد فيك الدود[235]].
5. قسط المنّ:

أمر موسى هرون أن يأخذ قسطًا واحدًا ويجعل فيه ملء العمر منًا ويضعه أمام الرب، يوضع فيما بعد في تابوت العهد. بقى هذا تذكارًا لعمل الله معهم، ويحمل شهادة رمزية لمجيء السيِّد المسيح المنّ الحقيقي النازل من السماء. وقد رأت الكنيسة في القسط رمزًا للقديسة مريم الحاملة للسيِّد المسيح في أحشائها.


+ إقرأ إصحاح 16 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 17 PDF Print Email

تجربة الشراب

1. في رفيديم                         [1].

2. تذمر الشعب                       [2-4].

3. الصخرة المتفجِّرة ماءً             [5-7].

4. حرب مع عماليق                 [8-16].
1. في رفيديم:

يقول الكتاب: "ثم ارتحل كل جماعة بني إسرائيل من برية سين بحسب مراحلهم على موجب أمر الرب ونزلوا في رفيديم، ولم يكن ماءً للشرب" [1]. وبأكثر تفصيل يتحدث في سفر العدد (33: 12-15)، أنهم ارتحلوا من برية سين إلى دفقة ومن دفقة إلى ألوش ومنها إلى رفيديم. في سفر الخروج أراد أن يتحدث عن رفيديم مباشرة بعد برية سين لكي يربط بين تجربة الشراب (الصخرة المتفجِّرة) وتجربة الطعام (المنّ والسلوى). أما سفر العدد فتحدث بأكثر تفصيل حيث يرى العلامة أوريجانوس أن لهذه البلاد معنى خاص يمس رحلة المؤمن في انطلاقه من العبودية إلى حرية مجد أولاد الله. فكلمة دفقة[236] في رأيه تعني "صحة"[237]، وكأن النفس التي تدخل إلى إعلانات الله بحكمة وتمييز وتتنقى خلال التجربة (سين) تعبر إلى حالة السلام النفسي أو الصحة. أما كلمة ألوش ففي رأيه تعني "أعمال"، لهذا يقول: [لا تندهش من أن الأعمال تتبع الصحة، لأنه متى تمتعت النفس بالصحة كعطية من الرب تقوم بالأعمال بفرح وبغير ملل، فيقال لها: تأكلي تعب يديك، طوباكِ وخير لك (مز 128: 2)[238]]. وبعد الأعمال تنطلق إلى رفيديم[239] ، التي في رأيه تعني "التمييز السليم" أو "الحكم السليم"، حيث تحكم النفس روحيًا في كل شيء ولا يُحكم فيها من أحد (1 كو 2: 15).

ويرى العلامة أوريجانوس أن الجماعة خرجت "بحسب مراحلهم" [1]، أي خرجت مقسمة إلى أربع مراحل بنظام وتدبير حسن، خرجت من سين حتى بلغت رفيديم، أي خرجت من التجربة بتدبير حسن حتى بلغت "التمييز الحسن" والحكم السليم؛ أو على حد تعبيره: [من يخرج من التجربة بتدبير حسن يظهر في يوم الدين سليمًا (ذا حكم سديد)، أو بصحة بغير جراحات التجربة، كما هو مكتوب في الرؤيا: من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله (رؤ 2: 7). من يدبر أموره بالحق (مز 162: 5) يبلغ الحكم السليم[240]].
2. تذمر الشعب:

وفي رفيديم أيضًا تذمر الشعب على موسى قائلين: "لماذا أصعدتنا من مصر لتُميتنا وأولادنا ومواشينا بالعطش" [3]. في هذه المرة صرخ موسى بقلبه كما بلسانه قائلاً: "ماذا أفعل بهذا الشعب؟ بعد قليل يرجمونني؟!" [4].

في البرية قد تثور فيك أفكار التذمر حينما تشتد بك الضيقة، لكن ليكن لك قلب موسى ولسانه، فتصرخ إلى الله الذي يُخرج من الصخرة ماءً‍‍‍!

صرخ موسى لله مؤمنًا أن النعمة الإلهية تفوق كل إمكانيات الطبيعة، إذ يستطيع الله بطريقة أو بأخرى أن يروي ظمأ هذا الشعب. وقد صارت حياة موسى بما احتوته من أعمال إلهية خارقة تمثل عمل النعمة في الكنيسة، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [للنعمة قوة أعظم مما للطبيعة. موسى يرفع عصاه فينشق البحر، يلمس الصخرة فتتفجر المياه، يلقي الخشبة في المياه المرّة فتصير حلوة... هذا هو عمل الروح القدس في الكنيسة الفائق للطبيعة[241]].
3. الصخرة المتفجرة ماءً:

أولاً: تُشير الصخرة إلى السيِّد المسيح كقول الرسول بولس: "وجميعهم أكلوا طعامًا واحدًا روحيًا، وجميعهم شربوا شرابًا واحدًا روحيًا، لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح" (1 كو 10: 3)، أما الماء المتفجر فهو الروح القدس الذي قدمه لنا السيِّد سرّ تعزيتنا وتقديسنا وشركتنا مع الآب في ابنه.

وتتلخص رمزية الصخرة للسيِّد المسيح في الآتي:

أ. تمتع الشعب بمياه الصخرة بعد عبورهم البحر الأحمر وقتل فرعون وأعوانه، وشربهم من مياه مارة وينابيع إيليم وتمتعهم بنخيلها... هكذا لن يتعرف أحد على سرّ المسيح ويرتوي بينابيع الروح القدس إلاَّ بعدما يعبر في مياه المعمودية، جاحدًا إبليس وكل أعماله الشريرة، متمتعًا بالناموس الذي صار حلوًا خلال الصليب، أي ليس خلال حرفه القاتل بل في روحه، ومؤمنًا بعمل التلاميذ (الاثنى عشر ينبوعًا) والرسل (السبعين نخلة)... وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [من يترك المصريين (رمزيًا محبة العالم) خلفه كغرقى في المياه، ويذوق العذوبة خلال الخشبة، وينعم بعيون المياه الرسولية ويستظل بالنخيل يقدر أن يتقبل الله، لأن الصخرة هنا - كما يقول الرسول - هي المسيح، هذا الذي هو صلد لا يلين بالنسبة لغير المؤمنين، أما بالنسبة للذي يستخدم عصا الإيمان فيصير له ينبوعًا يروي عطشه، ويفيض فيمن يتقبلونه، إذ قال: "إليه نأتي أنا وأبي وعنده نصنع منزلاً" (يو 14: 23)[242]].

ب. روت الصخرة كل العطاشى، وكان ذلك رمزًا لينابيع العهد الجديد التي فجرها السيِّد المسيح، مناديًا العطاشى إلى البر أن يتقدموا ويشربوا من الماء الحي (يو 7: 37-40). والعجيب أن المرتل رأى في الصخرة رمزًا حيًا، لهذا نجده يقول: "من الصخرة كنت أُشبعك عسلاً" (مز 81: 16). يعلق على ذلك القديس أغسطينوس قائلاً: [جلب لهم في البرية من الصخرة ماءً لا عسلاً. والعسل هو الحكمة، التي تحتل المركز الأول في عذوبة أطعمة القلب!... كم من أناس يشبعون من هذا العسل فيصرخون قائلين: إنه حلو ليس شيء أفضل وأعذب منه يمكننا أن نفكر فيه أو نتحدث عنه![243]].

ج. ما كان للشعب أن يرتوي من هذا الينبوع ما لم يُضرب بالعصا، وهكذا ما كنا نعرف أن نرتوي من ينابيع محبة الله اللانهائية وننال الروح القدس فينا، ما لم يُضرب السيِّد المسيح محتملاً خلال العدل الإلهي ثمن خطايانا على الصليب. وكما ضُربت الصخرة علانية ومرة واحدة، هكذا عُلق السيِّد على الصليب أمام الشعب (لو 23: 48)، وقُدم مرة واحدة عن العالم كله (عب 7: 27)، حيث أفاض لنا دم وماء (يو 19: 34) كفارة وتطهيرًا لكل من يؤمن به.

د. قال الرب لموسى: "مرّ قدام الشعب وخذ معك من شيوخ إسرائيل، وعصاك التي ضَربت بها النهر خذها في يدك واذهب. ها أنا أقف أمامك هناك. على الصخرة في حوريب..." [5-6].

دعوة الشيوخ لمرافقة موسى أثناء ضرب الصخرة وتفجير المياه إنما تحمل رمزًا أن الناموس (موسى) ليس وحده الذي شهد للصليب، ولكن أيضًا الآباء البطاركة وكل الأنبياء اشتركوا مع الناموس في الشهادة لعمل الفداء خلال الصليب.

ثانيًا: يقول المرتل: "شق صخورًا في البرية وسقاهم كما من لجج عظيمة" (مز 78: 15). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هنا لم يقل "الصخرة" بل صخورًا، لعله يُشير إلى رمز آخر، هو أن المؤمنين الذين كانت قلوبهم قبلاً تحجَّرت وجفَّت تفجَّرت فيها ينابيع حياة خلال الصليب لا لترتوي فقط، وإنما لكي تُفيض على الآخرين.

في اليوم الأخير العظيم من العيد (يو 7: 37) إذ وقف رئيس الكهنة يسكب ماء أمام الشعب ليعلن عن عمل الله في حياتهم، وقف يسوع ونادى قائلاً: "إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حيّ".
4. حرب مع عماليق:

هذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها الشعب في حرب علانية مع شعب آخر. قبلاً حين أراد فرعون وجيشه أن يحاربوا الشعب كانت الأوامر الصادرة "قفوا وانظروا خلاص الرب... الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون" (4: 14). أما الآن بعدما تمتع الشعب بعبور البحر الأحمر ونالوا من الله كل شبعهم: المنّ والسلوى والصخرة المتفجرة التزموا أن يحاربوا، لكن ليس بقوتهم البشرية، إنما خلال عمل الله فيهم. وكانت هذه الحرب رمزًا للحرب الروحية بين ملكوت الله وملكوت إبليس حيث تتم الغلبة لأولاد الله خلال الصليب، ففي هذه الحرب نلاحظ الآتي:

أ. كنا نتوقع من موسى في أول حرب علانية أن يصرخ راكعًا أو منبطحًا على  الأرض... لكننا نراه يبسط يداه على شكل صليب رمزًا لغلبة الصليب.

في هذا يقول العلامة ترتليان في إجابته على اليهود: [إني مندهش أنه في الوقت الذي كان فيه يشوع يحارب مع عماليق، كان موسى يصلي جالسًا بيدين منبسطتين. مع أنه كان في ظروف حرجة وكان بالحرى يلزمه أن يُصلي بركب منحنية، ويدين تقرعان على الصدر، ووجه منبطح على الأرض... لكنه كان ضروريًا أن يحمل رمز الصليب حتى يغلب يشوع المعركة بالصليب[244]].

ويقول الأب فيكتوريانوس: [إذ رأى موسى قسوة ذلك الشعب رفع يداه في السبت، رابطًا نفسه رمزيًا بالصليب[245]].

وأيضًا يقول الشهيد كبريانوس: [غلب يشوع عماليق بهذه العلامة التي للصليب خلال موسى[246]].

وفي تعلبيق العلامة أوريجانوس على هذا الحادث يقول: [عندما بسط المسيح يداه على الصليب احتوى العالم كله[247]].

ب. كان موسى على رأس التل يرمز للسيِّد المسيح الذي صلب على جبل الجلجثة، وكان يشوع مع رجال الحرب يجاهدون ضد عماليق رمزًا لجهاد الكنيسة المستمر ضد الخطية. وكأن الكنيسة تشترك مع المسيح في صليبه خلال اتحادها به وجهادها اليومي، لنقول مع الرسول بولس: "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ... قد صلب العالم ليّ وأنا للعالم" (غلا 2: 20، 6: 14).

ج. لم يكن حور في عظمة موسى النبي، لكنه ما كان يمكن لموسى أن يبقى رافعًا يديه بدون هرون وحور... بهذا يدرك كل مؤمن موقعه في العمل الإلهي، ولا يستهين أحد بمواهبه مهما ظهرت أنها بلا قيمة.

د. رفْع يدي موسى يُشير أيضًا إلى حياة المثابرة حتى النهاية. وكما يقول العلامة أوريجانوس: [عندما يرفع موسى يديه ينهزم عماليق، وعندما يخفضهما بعد أن يتعب ليعطيهما راحة كان عماليق ينتصر. إذن لنرفع أيدينا نحن أيضًا في قوة صليب المسيح، ولنرفع الصلاة "في كل مكان  بلا غضب ولا جدال، أيادي طاهرة" (أف 2: 8)، حتى نستحق معونة الله. هذا ما يحثنا عليه يعقوب الرسول قائلاً: "قاوموا إبليس يهرب منكم" (4: 7)، إذن لنبدأ بملء الإيمان فلا يهرب إبليس بعيدًا عنا فحسب، وإنما ينسحق أيضًا تحت أرجلنا، كما غرق فرعون في البحر وابتلعته أعماق الهاوية[248]].

وفي عظة أخرى يتحدث بأكثر إسهاب عن رفع الأيدي للانتصار على عماليق  قائلاً: [رفع الأيدي إنما هو رفع كل الأعمال نحو الله فلا تكون دنيئة ولا أرضية إنما تعمل لمجد الله والسماء. يرفع يداه من يكنز كنزًا في السماء (مت 5: 20-21)، لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا، وهناك تكون عيناك ويداك!...

يرفع يداه ذاك الذي يقول: "لتكن رفع يديَّ كذبيحة مسائية" (مز 140: 2)، بهذا ينهزم عماليق. لكن الرسول يوصينا أن نرفع "أيادي طاهرة بلا غضب ولا جدال" (1 تي 2: 8)، كما يقول: "قوِّموا الأيادي المسترخية والركب المخلَّعة، وسيروا في الطريق المستقيم".

إن حفظ الشعب الناموس (الوصية) يرفع موسى يداه وينهزم العدو، أما إن لم يحفظه فإن عماليق هو الذي ينتصر، فإننا نحارب الرؤساء مع السلاطين مع ولاة هذا العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويات (أف 6: 11).

إن أردت أن تغلب ارفع يديك، وارفع أعمالك، ولا تمض حياتك على الأرض...

ارفع يديك نحو الله واحفظ وصية الرسول "صلوا بلا انقطاع" (1 تي 5: 17)، فيتم المكتوب: "يلحس الجمهور كل ما هو حولنا كما يلحس الثور خضرة الحقل" (عد 22: 4). هذا يعني أن شعب الله (الجمهور) يستخدم لسانه وصوته (يلحس) أكثر من يديه وأسلحته، بانسكاب صلواته نحو الله يهزم عدوه... هذا هو طريق الانتصار على العدو (الخطية) في المعركة[249]].

ه. إذ غلب الشعب عماليق صعد موسى إلى الجبل ليتسلم الشريعة بعد عمل استعدادات ضخمة من جانب الشعب والكهنة، وكأن المؤمن بعد كل نصرة على الخطية - أي عماليق المحارب له - يدعوه الرب للارتفاع على جبل معرفة الله ليتسلم من يديه فهمًا أعمق ومعرفة لأسرار الوصية الإلهية. وكأن معرفتنا لا تقوم على مجرد القراءة والبحث في الكتب والعظات، وإنما بالأكثر على حياة الجهاد ضد الخطية بالصليب.

ز. إن كان موسى النبي لم يدخل في الحرب مع عماليق بطريقة مادية ملموسة، لكنه كان خلال تقديس حياته لله وحِمله رمز الصليب، سرّ غلبة الشعب ونصرته. يعلق على هذا القديس أمبروسيوس قائلاً: [حين كان موسى صامتًا كان يصرخ (خر 14: 16)، وكان يحارب وهو مستريح، إذ لم يحارب فقط وإنما غلب أعداءه وهو لم يقترب إليهم. بقدر ما كان مستريحًا وكان الآخرون يحملون يديه كان يعمل أكثر من غيره، لأن يديه المرفوعتين كانتا تغلبان العدو، وبدونه ما كان يقدر الذين كانوا في المعركة أن يغلبوا. هكذا تكلم موسى وهو صامت، وحارب وهو مستريح! هل كانت له أعمال أعظم مما فعله حين كان في الخلوة يتسلم الشريعة في أربعين يومًا على الجبل (خر 24: 17)؟! في هذه الوحدة التقى بذاك الذي ليس ببعيد عنه وكان يتحدث معه![250]].



+ إقرأ إصحاح 17 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 18 PDF Print Email

مقابلة يثرون لموسى

1. يثرون يلتقي بموسى النبي        [1-7].

2. حديث في الله                    [8-12].

3. مشورة يثرون                    [13-27].
1. يثرون يلتقي بموسى النبي:

"سمع يثرون كاهن مديان حمو موسى كل ما صنع الله إلى موسى وإلى إسرائيل شعبه" [1]، ولعلَّه سمع من ابنته صفورة التي رافقت موسى كل الطريق وعبرت معه البحر الأحمر، وعندما اقتربت من سكن أبيها ذهبت إليه تكرز له بأعمال الله العجيبة، وتأتي بأبيها الكاهن الوثني ليسمع ويرى عمل الله فيقدم "محرقة وذبائح لله" [12].

إن كان يثرون قد جاء بقلبه يمجد الله على أعماله الخلاصية، فإن موسى أيضًا العظيم في الأنبياء، الذي وهبه كل هذه العجائب لاقى حماه بكل اتضاع... "خرج موسى لاستقبال حميه وسجد وقبله" [7]. النبوة لم تعلِّمه التشامخ على الآخرين بل الاتضاع أمام حميه الكاهن الوثني. ولعلَّه باتضاع كسبه أيضًا للتعرف على أعمال الله.


2. حديث في الله:

امتاز هذا اللقاء بأنه كان في الرب، لم يخرج عن تمجيد اسمه، كما امتاز بالفرح الروحي، إذ يقول الكتاب: "ففرح يثرون بجميع الخير الذي صنعه إلى إسرائيل" [9]، "وبارك يثرون الرب" [10]، وشهد له أنه "أعظم من جميع الآلهة" [11]، "وقدم محرقة وذبائح لله" [12].

ما أجمل اللقاءات التي تسير كلها في دائرة الرب وأعماله الخلاصية العجيبة، فإنها تملأ القلب فرحًا وتطلق اللسان للتسبيح، وتكسب حتى غير المؤمنين للإيمان.

لم يقف الأمر عند هذا الحد بل يقول الكتاب: "وجاء هرون وجميع شيوخ إسرائيل ليأكلوا طعامًا مع حمى موسى أمام الله" [12]... كأن يثرون عرف الله كصديق له، حتى في أكله وشربه يشعر بوجوده أمام الله. يعلق العلامة أوريجانوس على هذا التصرف قائلاً: [كل ما يفعله القديسون إنما يفعلونه أمام الله، أما الخاطئ فيهرب من وجه الله. فقد كتب عن آدم أنه بعدما أخطأ هرب بعيدًا عن وجه الله (تك 3: 8)... وقايين إذ حمل لعنة الله  بقتله. هابيل هرب من وجه الله (تك 4: 16)... وهكذا يهرب من وجه الله من كان غير مستحق لهذا الوجه[251]]. ولا يقف الأمر عند الأمور الصالحة بل حتى عندما يخطئ القديسون أمام الله لذا سرعان ما يتوبون. وكما يقول العلامة أوريجانوس: [الذين ينالون معرفة الله بوفرة ويتشربون تعاليمه الإلهية هؤلاء حتى إن أخطأوا إنما يفعلون هذا في حضرة الله وقدامه، كقول النبي "الشر قدامك صنعت" (مز 50: 6)... فميزة الذي يخطئ أمام الله إنه سريع التوبة، إذ يقول "أخطأت"، وأما الذي يهرب من وجه الله فإنه لا يقدر أن يتوب ولا أن يتطهر من خطاياه. هنا يظهر الفارق بين من يخطئ قدام الله ومن يهرب من الله بخطاياه[252]].


3. مشورة يثرون:

أولاً: إذ رأى يثرون موسى يتحمل كل المسئولية بمفرده، يقضي في كل كبيرة وصغيرة، من الصباح حتى المساء، أشار عليه أن يقيم رؤساء ألوف ورؤساء مئات ورؤساء خمسين ورؤساء عشرات، أناس ذوي قدرة، خائفين الله، أمناء، مبغضين الرشوة، يقضون بين الشعب كل حين، أما الدعاوي الكبيرة فتقدم إليه، وأطاع موسى حماه.

يرى الآباء في موقف موسى البطولة الحقة من جهة اتضاعه، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يقول الله عن موسى: "وأما الرجل موسى فكان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (عد 12: 3). لم يكن من هو أكثر منه اتضاعًا، هذا الذي مع كونه قائدًا لشعب عظيم كهذا، وقد أغرق ملك المصريين (فرعون) وكل جنوده في البحر الأحمر كالذباب، وصنع عجائب عظيمة هكذا في مصر وفي البحر الأحمر وفي البرية، وتسلم شريعة عظيمة هكذا، ومع ذلك كان يشعر أنه إنسان عادي، وكزوج ابنة كان أكثر اتضاعًا من حميه؛ أخذ منه مشورة دون غضب. لم يقل له: ما هذا؟ هل تأتي إليَّ بمشورتك بعد أن قمتُ أنا بكل هذه الإنجازات الضخمة؟ هذه مشاعر أكثر الناس، فقد يقدم إنسان مشورة حسنة لكنها تُحتقر بسبب خسّة مركزه، أما موسى فلم يفعل ذلك، وإنما في اتضاع فكره تصرف حسنًا.

ازدرى موسى بالبلاط الملكي (عب 11: 24-26) من أجل اتضاعه الحقيقي، لأن التفكير السليم والروح العالية إنما من ثمرة الاتضاع. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). أيّ سمو وأي عظمة أن يحتقر موسى القصر الملوكي والمائدة الملوكية؟! فقد كان الملوك عند المصريين يكرَّمون كآلهة، ويتمتعون بغنى وكنوز لا تُقدّر. لكنه ترك هذه كلها، ملقيًا بصولجان مصر، ومسرعًا إلى الالتصاق بالمستعبَدين والمثقَّلين بالأتعاب، الذين يستهلكون كل طاقتهم في الطين وعمل اللّبن، هؤلاء الذين يشمئز منهم عبيده. لقد جرى إليهم، وفضَّلهم عن سادتهم! حقًا إن كل إنسان متضع إنما يحمل روحًا سامية وعظيمة... فإن الاتضاع يصدر عن فكر عظيم ونفس عالية![253]].

وفي موضع آخر يقول القديس الذهبي الفم: [ترك موسى هذه القصة - أي قبوله مشورة حميه - للعالم، منحوتة كما على عمود، إذ عرف أنها نافعة لكثيرين... إن كان موسى قد تعلم عن حميه أمورًا لائقة لم يكن يدركها، فكم بالأكثر يحدث هذا داخل الكنيسة؟! (أي يستفيد كل واحد من الآخرين). كيف حدث هذا أن غير المؤمن أدرك أمورًا لم يدركها الشخص الروحي؟![254]...].

ويرى العلامة أوريجانوس في هذا الأمر صورة رمزية لاستخدام الكنيسة لعلوم العالم وفلسفاته، فلا تعاديها، وإنما تنتفع منها بحكمة، إذ يقول: [عندما أتأمل موسى الممتلئ من الله، الذي كان الله يكلِّمه وجهًا لوجه، يستجيب لمشورة يثرون حميه كاهن مديان يصيبني الذهول من فرط إعجابي. يقول الكتاب "سمع موسى لصوت حميه وفعل كل ما قال" [24]. إنه لم يعارض، ولا قال له إن الله يكلمني، وكلمات السماء تسطر ليّ أفعالي، فكيف أقبل نصيحة إنسان، وإنسان وثني، غريب عن شعب الله؟! لكنه سمع له وفعل كل ما قاله له. إن لم ينظر إلى من الذي يحدثه بل استمع إلى الكلمات نفسها. هكذا إن تقابلنا نحن أيضًا مع كلمات بحكمه ينطق بها وثنيون فلا نرفضها من أجل مصدرها، معتذرين أننا تسلمنا الناموس من الله، فننتفخ بالكبرياء ونزدري بكلمات الحكماء...

موسى الذي كان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس (عد 12: 3) قبِل المشورة من إنسان أقل منه، مقدمًا مثالاً للاتضاع أمام رؤساء الشعب وصورة للسرّ القادم[255]].

ثانيًا: إن رجعنا إلى سفر العدد نرى موسى يقول للرب: "لماذا أسأت إلى عبدك، ولماذا لم أجد نعمة في عينيك حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب عليّ. ألعلِّي حبلت بجميع هذا الشعب أو لعلِّي ولدته؟!" (عد 11: 11-12).

ما كان لموسى أن يستثقل عمل الرعاية، لأن الله هو الراعي الحقيقي، والأب غير المنظور الذي يرعى أولاده، لذلك إذ طلب الله من موسى أن يختار سبعين رجلاً قال له: "فأنزل أنا وأتكلم معك هناك وآخذ من الروح الذي عليك وأضع عليهم فيحملون معك ثقل الشعب، فلا تحمله أنت وحدك" (عد 11: 7)، وكأن الرب الذي يعطي موسى سحب منه ليعطي مساعديه...

إننا لا ننكر أهمية تشغيل الطاقات الروحية في الكنيسة، لكن ليس بروح التذمر ولا بالشعور كأننا نحن الذين نحمل أثقال الشعب... إنما نحمل بركة مشاركتنا السيِّد المسيح، رئيس الكهنة وأسقف نفوسنا الخفي، الحامل ضعفات الكل!


+ إقرأ إصحاح 18 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 19 جـ1 PDF Print Email

الاستعداد للشريعة

1. الحاجة إلى الشريعة            

2. شريعة سيناء                     [1-2].

3. غاية الشريعة                     [3-6].

4. الاستعداد للشريعة                [7-15].

5. حديث مع الله                     [16-19].

6. تحذير للشعب والكهنة             [20-25].
1. الحاجة إلى الشريعة:


لم يكن ممكنًا للخارج من أرض العبودية، السالك في طريق البرية القفر، أن يبلغ أرض الموعد ويستقر في أورشليم دون استلامه الشريعة الإلهية أو الوصية. لذا يصرخ المرتل في أرض غربته، قائلاً: "غريب أنا في الأرض، لا تُخف عني وصاياك" (مز 119: 19).

تسلم الشعب الشريعة الموسوية، التي قُدمت لهم بطريقة تناسب طفولتهم الروحية، وفي نفس الوقت حملت في أعماقها أسرار "الكلمة الإلهي". لأنه ما هي الشريعة إلاَّ كلمة الله الذي هو وحده القائد والمخلص والمنير والمشبع للنفس. يقودها إلى حضن الآب، ويدخل بها إلى أمجاده الإلهية. لذا يقول القديس مرقس الناسك: [إن الوصية تحمل في داخلها السيِّد المسيح؛ من يدخل إلى أعماقها ويعيشها بالروح يلتقي بالكلمة الإلهي نفسه]. ويقول العلامة أوريجانوس: [إنه في أعماقها تكتشف النفس عريسها السماوي وتدخل معه إلى حجاله].

ويتحدث المرتل في المزمور 119 (118) عن الشريعة الإلهية كسند له في غربته فيرى فيها:

أ. سرّ فرحه وسط آلام البرية: "بفرائضك أتلذذ. لا أنسى كلامك" (ع 16)، "أتلذذ بوصاياك التي أحببت" (ع 47)، "ما أحلى قولك لحنكي أحلى من العسل لفمي" (ع 103).

ب. سرّ تسبيحه وتهليل نفسه: "ترنيمات صارت ليّ فرائضك في بت غربتي" (ع 54).

ج. سرّ غناه الداخلي: "شريعة فمك خير لي من ألوف ذهب وفضة" (ع 72).

د. قائدة للنفس ومرشدة لها وسط مضايقات الأعداء: "خبأت كلامك في قلبي لكي لا أخطئ إليك" (ع 11)، "حبال الأشرار التفت عليّ، أما شريعتك فلم أنسها" (ع 61)، "لو لم تكن شريعتك لذتي لهلكت حينئذ في مذلتي" (ع 92).

ه سرّ حياته: "لصقَت بالتراب نفسي فأحيني حسب كلمتك" (ع 25).

ز. سرّ الاستنارة: "سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي" (ع 105)، "أضئ بوجهك على عبدك وعلمني فرائضك" (ع 135).

أخيرًا إن الوصية تقدم لنا في روحها وأعماقها شخص المخلص عريس النفس ومشبعها لهذا يقول: "لكل كمال رأيت حدًا، أما وصيتك فواسعة جدًا" (ع 96).


2. شريعة سيناء:

حدد سفر الخروج بدء استلام الشريعة بالشهر الثالث من الخروج، وموضع الاستلام "سيناء" حيث نزل الشعب مقابل جبل سيناء [1-2].

أما رقم "3" (الشهر الثالث) فكما سبق فقلنا يُشير إلى قيامة السيِّد المسيح الكلمة الإلهي في اليوم الثالث، وكأن الله يُريدنا أن نلتقي به خلال الوصية في مجد القيامة، فلا نراها أوامر ونواهٍ، ولا نواميس مكتوبة وفرائض وقوانين، بل سرّ قيامة لنا في الأمجاد الإلهية. خلال القيامة تصير الوصية بكل صليبها وأتعابها عذبة ولذيذة؛ يتحول طريقها الكرب إلى نير هين وحمل خفيف، وشركة آلام مع المسيح للتمتع بشركة أمجاده.

كذلك اختياره الموضع "جبل سيناء" لم يكن بلا معنى، ففي رأي العلامة أوريجانوس أن "سيناء" تعني أيضًا ما عنته "برية سين" والتي قلنا أنها تعني "علَِّيقة" أو "تجربة" حيث يلزم أن يكون للإنسان روح التمييز السليم حتى لا يسقط في تجربة خلال رؤى (العليقة) غاشة. وفي رأيه أن "سيناء" تعني أن النفس بدأت تقتني "الحكم العادل" خلال تسلمها للشريعة الإلهية أو الوصية، فتصير قادرة على التمتع بالأسرار الإلهية والرؤى السماوية[256].


3. غاية الشريعة:

قبل أن يتحدث الله عن غاية الشريعة أعلن حبه العملي للشعب قائلاَ: "أنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إليَّ" [4]، وكأنما أراد أن يوضح أن الحب المتبادل هو أساس هذه الشريعة. لقد أحبنا وحملنا بالروح القدس (أجنحة النسور) وجاء بنا إليه، أي إلى أحضانه الإلهية لنختبر أحشاء محبته ونتعرف على أبوته.

هذه هي غاية الشريعة: "تكونون ليّ خاصة من بين جميع الشعوب؛ فإن ليّ كل الأرض؛ وأنتم تكونون ليّ مملكة كهنة وأمة مقدسة" [5-6]. مع إنه ليس في احتياج لأن كل الأرض له، لكنه يُريد أن نكون خاصته، لنا دالة النبوة، مملكة كهنوتية وأمة مقدسة مكرسة له تحمل طبيعته كقدوس.


4. الاستعداد للشريعة:

أولاً: دعا موسى شيوخ الشعب ووضح أمامهم الكلمات التي أوصى بها الرب، كأنما يعرض عليهم العهد الذي يريد أن يقيمه الله مع شعبه، وبالفعل أعلن الشعب قبوله للعهد، إذ "قالوا كل ما تكلم به الرب نفعل" [8]. الله لا يُلزمنا بالعهد ما لم نعلن قبولنا له أولاً!.

للأسف قبلوا العهد بالكلام لكنهم رفضوه بالعمل، فصار الناموس بالنسبة لهم لا ينفع شيئًا[257]... قالوا: "كل ما تكلم به الرب نفعل"، لكنهم كسروا الوصية وحنثوا العهد، حتى جاء المخلص الذي وحده يقدر أن يتمم مشيئة الرب ووصيته في كمالها، وفيه نصير نحن أيضًا كاملين وغير كاسرين للناموس.

ثانيًا: طلب الرب من موسى أن يتقدس الشعب ويغسلوا ثيابهم، ويكونوا مستعدين لليوم الثالث، لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب على جبل سيناء [10-11]. كما كان ذلك في الشهر الثالث من خروجهم التزموا بالاستعداد لنزول الرب أمامهم في اليوم الثالث... وهكذا حمل هذا السفر تأكيدات مستمرة لقبول قوة القيامة فينا. فإنه ما كان يمكن للشعب أن ينتفع بالوصية إن لم يتعرف على إمكانية تنفيذها خلال المسيح القائم من الأموات، الواهب الطبيعة الجديدة القادرة على تنفيذ الوصية الإلهية.

أما التقديس وغسل الثياب، فهذه الأمور تكشف عن الحاجة إلى استعدادات خارجية وداخلية للصعود على جبل المعرفة (كما فعل موسى) والتعرف على الأسرار الإلهية.

يقول العلامة أوريجانوس: [إن أتيت بملابس قذرة تسمع هذه الكلمة: "يا صاحب لماذا دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العريس؟" (مت 22: 12). إذن، لا يستطيع إنسان ما أن يسمع كلام الله إن لم يتقدس أولاً فيكون مقدسًا جسدًا وروحًا (1 كو 7: 34)، يغسل ثيابه ليدخل بعد لحظات إلى مائدة العريس ويأكل جسد الحمل ويشرب كأس الخلاص. لا يدخل أحد إلى هذه المائدة بملابس قذرة، وقد أوصت الحكمة بذلك في موضع آخر: "لتكن ثيابك كل حين بيضاء" (9: 8). لقد غسلت ثيابك مرة واحدة عندما نلت نعمة المعمودية، وتطهر جسدك. وتخلصت من كل دنس الجسد والروح، "فالذي طهره الله لا تدنسه أنت" (أع 10: 15)[258]]

وفي حديث القديس أمبروسيوس عن واجبات الكهنة، يقول: [تعلم أيها الكاهن وأيها اللاوي، ماذا يعني غسل ملابسك؟ يليق بك أن يكون جسدك نقيًا حتى تتقدم للأسرار. فإن كان الشعب قد مُنع من الاقتراب للذبيحة ما لم يغسلوا ملابسهم فهل، تطلب ذلك من الآخرين بينما يوجد دنس في قلبك وجسدك، وتتجاسر وتقدم عنهم تقدمة[259] ؟!].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 19 جـ2 PDF Print Email

ويرى البابا أثناسيوس في هذا الاستعداد رمزًا للدخول إلى الحياة الفاضلة التي بدونها لا يقدر أن يدخل موسى إلى حضرة الله ويتسلم الشريعة، إذ يقول: [خلال الفضيلة يدخل الإنسان إلى الله، كما فعل موسى في السحابة الكثيفة حيث كان الله. أما خلال الرذيلة فيخرج الإنسان من حضرة الرب، كما حدث مع قايين حين قتل أخاه (تك 4: 16)، إذ خرج من لدن الرب عندما قلقت نفسه[260]].

كان الأمر صريحًا: "كونوا مستعدين لليوم الثالث، لا تقربوا امرأة" [15]، ليس لأن العلاقة الزوجية تحمل شيئًا من الدنس، وإنما لأجل تكريس كل الطاقات وانشغال الفكر بالكامل في انتظار الوصية... وقد رأى الآباء في هذه الوصية إشارة إلى التعفف في العلاقات الجسدية، وعدم ممارستها بطريقة شهوانية حتى تقدر النفس أن ترتفع مع موسى على جبل المعرفة وتتعرف على الله. ففي حديث القديس غريغوريوس أسقف نيصص عن البتولية يقول: [إن كنت تشتاق إلى الله لكي يعلن نفسه لك، لماذا لا تسمع موسى وهو يأمر الشعب أن يمتنعوا عن العلاقات الزوجية، لكي يؤخذوا إلى رؤية الله؟!].

وكما استقبل الشعب قديمًا كلمة الله المنقوشة على اللوحين بالامتناع عن العلاقات الزوجية والاغتسال، وضعت الكنيسة على أولادها أن يمتنعوا عن فراش الزوجية ليلة تناولهم "الكلمة الإلهية"، وكما وضعت طقسًا جميلاً لغسل أيدي الكهنة قبل استلام الحمل، فيه يُراجع الكاهن نفسه في أمر نقاوة نفسه واستعداده الداخلي للخدمة[261].

ثالثًا: يُحذِّر الرب الشعب قائلاً: "احترزوا من أن تصعدوا إلى الجبل أو تمسوا طرفه؛ كل من يمس الجبل يقتل قتلاً... بهيمة كانت أم إنسانًا لا يعيش؛ أما عند صوت البوق فهم يصعدون إلى الجبل" [12-13]. فلكي يصعد موسى الداخلي على جبل المعرفة وينعم بالأسرار الإلهية، يلزمنا ألاَّ نسمح للحواس التي تنشغل بالأمور المادية كالنظر والسمع أن ترتفع معنا ولا أيضًا الشهوات الحيوانية. بهذا لا يصعد معنا إنسان أو بهيمة، إنما يرتفع موسى وحده، أي إنساننا الداخلي وحده، حتى يتمتع بما لم تره عين وما لم تسمع به أذن وما لا يخطر على قلب إنسان (1 كو 2: 9). يرتفع إنساننا الداخلي ليتلمس من هو أعظم من الحواس والحسيات... أي الإلهيات عينها!.

إذن، لا تسمح لإنسان أو حيوان في داخلك أن يعوقك عن رؤية الله، على الجبل المقدس فيك والحديث معه وجهًا لوجه!

أما قوله: "عند صوت البوق فهم يصعدون على الجبل" [13]، فيعني أن الإنسان الداخلي إذ يتمتع برؤية الله وسماع الصوت الإلهي والحديث المباشر معه، حينئذ ترتفع حواسنا واشتياقاتنا وعواطفنا لتتقدس هذه جميعها في الرب. الأمور التي كانت قبلاً عائقًا عن الحياة مع الله تصير مقدسة للرب وآلات برّ لحساب الله.


5. حديث مع الله:

أولاً: يُقارن الآباء بين لقاء الشعب مع الله في العهد القديم، ولقائهم معه في العهد الجديد. ففي العهد القديم أقام موسى للشعب حدودًا من كل ناحية حتى لا يصعدوا على الجبل أو يمسوا طرفه "كل من يمس الجبل يُقتل قتلاً، لا تمسه يد بل يُرجم رجمًا أو يرمى رميًا، بهيمة كان أم إنسانًا لا يعيش" [12-13]... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هكذا مُنعوا من الاقتراب إلى الجبل أو لمسه، من يلمسه يُقتل، بطريقة مؤلمة بالرجم أو الرمي، ولا يمسه إنسان من الشعب حتى لا يتنجس به!!. أما في العهد الجديد فجاء كلمة الله ذاته وجلس على الجبل (مت 5-7) والتف حوله الخطاة كأولاد له. إنه يفتح بابه للجميع طالبًا بنوتهم له!.

في العهد القديم حدثت رعود وبروق وسحاب ثقيل وصوت بوق شديد جدًا حتى إرتعد كل الشعب في المحلة [16]... "قالوا لموسى: تكلم أنت معنا فنسمع، ولا يتكلم معنا الله لئلاَّ نموت" (20: 19)... أما في العهد الجديد فكان الرب يتكلم بصوت هادئ وديع ليجتذب الكل إليه. وكما يقول القديس أغسطينوس: [هناك أُعطيَ الناموس خارجيًا حتى يرتعب الأشرار، وهنا يُقدم بطريقة داخلية لتبريرهم[262]]. في القديم عامَل البشرية كأطفال صغار يسمعون الصوت المرهب لكي يخافوا، أما في العهد الجديد فيحدثنا كأبناء ناضجين يُريدنا أصدقاء وأحباء له.

وإذ يُقارن القديس يوحنا الذهبي الفم بين الدعوتين في القديم حيث الحدود الضيقة والخوف والرعدة، وفي الجديد حيث الدعوة المفتوحة للجميع ويقول: [لقد دعانا للسماء، دعانا إلى مائدة الملك العظيم والعجيب، فهل نتلكأ ونتردد بدلاً من أن نسرع ونجري إليها؟! إذن أي رجاء لنا في خلاصنا؟ إننا لا نقدر أن نعتذر بضعفنا ولا نعتذر بطبيعتنا، لكن الكسل وحده هو الذي يجعلنا غير مستحقين![263]].

شكرًا لله الذي فتح أمامنا طريق الجبل المقدس وجعل كلمته تدعونا جميعًا بلا استثناء لا لنتسلم الشريعة منقوشة على لوحين من الحجر، إنما ليعطينا كلمته حيًا في داخلنا، ووصيته منقوشة في قلوبنا!.

ثانيًا: استخدم الله صوت بوق شديد جدًا حتى ارتعد كل الشعب الذي في المحلة... وكان صوت البوق يزداد اشتدادًا جدًا وموسى يتكلم والله يجيبه بصوت [16، 19].

لماذا أُستخدم صوت البوق؟ يجيب البابا أثناسيوس الرسولى، قائلاَ: [الأبواق تبعث في الإنسان اليقظة والرهبة أكثر من أي صوت آخر، أو آلة أخرى. وكانت هذه الطريقة مستخدمة لتعليمهم، إذ كانوا لا يزالون أطفالاً[264]].

ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن صوت البوق إنما يرمز للكرازة بالتجسد الإلهي، الأمر الذي بوَّق به الأنبياء ليُعلنوا للبشرية قرب مجيئه، لكنه إذ جاء الرسل وارتفعوا إلى قمة الجبل المقدس "كان صوت البوق يزداد اشتدادًا جدًا" [19][265]، أي أعلنوه بأكثر قوة حتى بلغ صوتهم أقصى المسكونة ورسالتهم نهاية العالم (مز 19: 5).

ثالثًا: نزل الرب على جبل سيناء كنار آكلة، كان يتحدث مع موسى والجبل يدخن "وصعد دخانه كدخان أتون وارتجف كل الجبل جدًا" [18].

يقول المرتل عن الله: "قدامه تذهب نار" (مز 79: 3)، إذ هو نفسه نار آكلة، وخدامه حوله ويتقدمونه كنار ملتهبة (مز 104: 4)، يحرقون من كان خشبًا أو عشبًا أو قشًا، كما يُنقون من كان ذهبًا أو فضة أو حجارة كريمة.

رابعًا: يقول الرب لموسى: "ها أنا آتي إليك في ظلام السحاب" [9]، وبالفعل "في اليوم الثالث لما كان الصباح أنه صارت رعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل" [16].

ويقول الكتاب المقدس: "وأما موسى فاقترب إلى الضباب حيث كان الله" (20: 20). إذن ما هو هذا السحاب والضباب الذي اقترب إليه موسى ليسمع صوت الرب؟.

ويجيب القديس جيروم على هذا السؤال خلال تعليقه على قول المرتل: "السحاب والضباب حوله" (مز 97: 2)، إذ يقول: [أمران يُحيطان بالرب: السحاب والضباب (الظلام). أظن أنها ذات السحابة التي وردت في الإنجيل. "وسحابة نيِّرة ظللتهم" (مت 17: 5). هذا حدث عندما تجلَّى الرب وسقط التلاميذ على وجوههم أمامه، وجاءت سحابه نيِّرة ظللتهم.

أظن أنها تشبه السحاب الذي قيل عنه في موضع آخر: "حقك إلى السحاب" (مز 36: 5). أي حق الرب قيل عنه في الإنجيل: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6). حتى الله هو المسيح؛ يبلغ حتى إلى السحاب، أي إلى الرسل والأنبياء، هؤلاء الذين كانوا كالسحاب الذي أمَرَه ألاَّ يُمطر على إسرائيل (إش 5: 6). هذا يتفق مع ما ورد في سفر القضاة حيث جزَّة الغنم كانت جافة بينما كان المطر ينزل على بقية العالم. هذا يعني أن إسرائيل صار جافًا بينما كان المطر ينزل على العالم كله.

"السحاب والضباب حوله"، "هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر" (إش 19: 1). لتعرف ماذا يعني هذا؟ الرب قادم، الرب المخلص قادم إلى مصر حيث نعيش، قادم إلى أرض الظلمة حيث فرعون، لكنه لا يأتي إلاَّ قادمًا على سحابة سريعة. ما هي هذه السحابة السريعة؟ أظنها القديسة مريم التي حملت الابن بغير زرع بشر. جاءت هذه السحابة السريعة إلى العالم وأحضرت معها خالق العالم. ماذا يقول إشعياء؟ "الرب قادم إلى مصر، فترتجف أوثان مصر من وجهه، الرب قادم فترتعب أوثان مصر جدًا ويرتطم بعضها ببعض وتتحطم. هذه هي السحابة التي حطمت معبد سيرابيس في الإسكندرية، إذ لم يحطمه قائد بل حطمته السحابة القادمة إلى الإسكندرية (الحاملة للمسيح)...

لقد عرفنا السحاب فلنبحث الآن عن الضباب.

الرب في الضباب، هو في النور وفي الضباب أيضًا. هو في النور بالنسبة للمبتدئين الذين يتحدث معهم بوضوح، لكنه بالنسبة للمتقدمين يحدثهم بطريقة سرائرية Mystically، فهو لا يتحدث مع الرسل كما مع الجماهير، إذ يتحدث مع الرسل بطريقة سرائرية. ماذا يقول؟ "من له أذنان للسمع فليسمع" (لو 8: 8). هذا هو معنى "وضباب حوله"، أي حوله أسرار. لهذا يقول في سفر الخروج إن كل الشعب كانوا واقفين أسفل وأما موسى وحده فصعد على جبل سيناء في ضباب سحابة ثقيل، لأن كل شعب الله غير قادر على التعرف على الأسرار، أما موسى فكان وحده يقدر أن يفهم. لهذا يقول الكتاب: "جعل الظلمة سترة حوله" (مز 18: 12)[266].


6. تحذير للشعب والكهنة:

دعا الله موسى ليحذر الشعب والكهنة لئلاَّ يقتحموا الجبل فيسقط منهم كثيرون [21]. ولئلاَّ يبطش الله بالكهنة! لقد تحوّل الجبل إلى قدس أقداس بنزول الرب عليه، لذا خاف الرب على شعبه وكهنته لئلاَّ يهلكون بسبب حب استطلاعهم واقتحامهم المقدسات الإلهية المهوبة!.

لم يصعد إلاَّ موسى وهرون، موسى كممثل للكلمة الإلهية وهرون كممثل لكهنوت السيِّد المسيح، فالمسيح وحده الكلمة الإلهي والكاهن يدخل إلى المقدسات الإلهية، وبدونه نهلك!



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 20 جـ1 PDF Print Email

الوصايا العشر

1. مقدمة للوصايا العشر.                                      

2. الناموس بين الحرف والروح.                               

3. ما جئت لأنقض بل لأكمل.                                   

4. الوصية الأولى: أنا الرب إلهك                          [1-3].

5. الوصية الثانية: لا تصنع لك تمثالاً                     [4-6].

6. الوصية الثالثة: لا تنطق باسم الرب باطلاً          [7].

7. الوصية الرابعة: تقديس السبت                       [8-11].

8. الوصية الخامسة: إكرام الوالدين                     [12].

9. الوصية السادسة: عدم القتل                         [13].

10. الوصية السابعة: عدم الزنا                           [14].

11. الوصية الثامنة: عدم السرقة                        [15].

12. الوصية التاسعة: عدم الشهادة للزور             [16].

13. الوصية العاشرة: لا تشته                             [17].

14. خوف الشعب ورعدته                                  [18-21].

15. تأكيد ضد عبادة الأوثان                               [22-25].


1. مقدمة الوصايا العشر:


ما كان يمكن للشعب أن يتقبل الوصايا الإلهية أو يتذوق الشريعة وهو في أرض العبودية، لذا خرج به الرب إلى البرية ليسلمه الشريعة هناك، مبتدأ بالقول: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية" [2]. وبالرغم من أن هذه العبارة جاءت كمقدمة للوصايا وليست في شكل وصية إلاَّ أن اليهود اعتبروها جزءً من الوصية الأولى.

تُسمى الوصايا العشر بالكلمات العشر Decalogue (خر 34: 28، تث 4: 13، 10: 4)، كُتبت على لوحيّ حجر (خر 32: 15)، وتدعى "كلمات العهد" (تث 29: 1) ولوحي الشهادة (خر 31: 18)، والشهادة (خر 25: 16).

ورد نص هذه الوصايا مرة أخرى في سفر التثنية (5: 6-21)، والفارق بينهما أن النص في سفر الخروج قدم تبريرًا لوصية تقديس السبت أن الله استراح بعد الخلقة في اليوم السابع، أما في سفر التثنية فارتكز على أنه في ذلك تذكار للخلاص من أرض العبودية والدخول إلى الراحة.

لم تأخذ الوصايا العشر أرقامًا في الكتاب المقدس لهذا ظهر نوعان من التقسيم:

أولاً: التقسيم القديم الذي عرفه اليهود، وأورده يوسيفوس[267] وفيلون[268]، وأخذ به العلامة أوريجانوس ولا تزال الكنائس البروتستانتية غير اللوثرية تأخذ به. يقوم هذا التقسيم على التمييز بين الوصية الخاصة بمنع تعدد الآلهة [3]، والوصية الخاصة بعدم إقامة عبادة الأوثان [4]، باعتبارهما الوصيتين الأولى والثانية، هذا مع اعتبار "لا تشته امرأة قريبك..." جزءًا من الوصية التي تأمر ألاَّ يشتهي ممتلكات القريب [17].

بهذا التقسيم تصير الوصايا الأربع الأولى خاصة بعلاقة الإنسان بالرب، أما الوصايا الباقية "الستة" فخاصة بعلاقة الإنسان بأخيه. وقد نادى هذا الرأي بأن كل لوح حمل خمس وصايا، فتكون الوصية الخامسة الخاصة بإكرام الوالدين قد نُقشت مع الوصايا الخاصة بعلاقة الإنسان بالله على اللوح الأول، ويبرر أصحاب هذا الرأي ذلك، بأن اليهود كانوا يرون إكرام الوالدين أمرًا مطلقًا بلا شرط (مر 7: 10-13)، وكأن الوصية الخاصة بذلك هي امتداد للوصايا الخاصة بعلاقة الإنسان بالله. ويلاحظ أن الرسولي بولس حين ضم الوصايا الخمسة الأخيرة معًا لم يضم هذه الوصية إليها، ولو أنه ترك المجال لدخولها مع هذه الوصايا (رو 18: 5). أما السيِّد المسيح فقد ضمها إلى ذات المجموعة (مر 10: 19).

ثانيًا:
التقسيم الذي تُنادي به الكنيسة الكاثوليكية والكنائس اللوثرية، وقد اعتمدت الكنيسة على أغسطينوس الذي اعتبر أن الوصية الخاصة بعدم تعدد الآلهة تضم معها الوصية الخاصة بعدم عبادة الأوثان، بينما جعل من الوصية الخاصة بعدم اشتهاء امرأة القريب وصية مستقلة عن عدم اشتهاء ممتلكات القريب. بهذا يرى أن الوصايا الخاصة بعلاقة الإنسان بالله هي ثلاثة، والوصايا الخاصة بعلاقة الإنسان بقريبه سبعة، اللوح الأول شمل الثلاث وصايا الأولى، والثاني شمل الوصايا السبع الأخيرة.

ويلاحظ أن الوصايا العشر قد حملت جانبًا سلبيًا فيما عدا وصيتيّ تقديس السبت وإكرام الوالدين، كما أن الوصية الخاصة بإكرام الوالدين هي الوصية الوحيدة التي لها وعد.

وقد لخص السيِّد المسيح هذه الوصايا جميعها في وصية "المحبة لله والقريب" (مت 22: 37، رو 13: 9، غل 5: 14، يع 2: 8).


3. الناموس بين الحرف والروح:

ما دمنا نتحدث عن الوصايا العشر التي هي صُلب الناموس، يلزمنا أن ندرسه على ضوء كلمات معلمنا بولس الرسول: "ظاهرين أنكم رسالة المسيح مخدومة منّا، مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحيّ، لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية. ولكن لنا ثقة مثل هذه بالمسيح لدى الله، ليس أننا كُفاة من أنفسنا كان نفتكر شيئًا كان من أنفسنا، بل كفايتنا من الله. الذي جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهد جديد، لا الحرف بل الروح، لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحييّ. ثم إن كانت خدمة الموت المنقوشة بأحرف في حجارة قد حصلت في مجد، حتى لم يقدر بنو إسرائيل أن ينظروا إلى وجه موسى لسبب مجد وجهه الزائل، فكيف لا تكون بالأولى خدمة الروح في مجد. لأنه إن كانت خدمة الدينونة مجدًا فبالأولى كثيرًا تزيد خدمة البرّ في مجد" (2 كو 3: 3-9).

اهتم كثير من الآباء بالكشف عن العبارة "الحرف يقتل ولكن الروح يحييّ"، لكنني أكتفي هنا ببعض اقتباسات للقديس أغسطينوس عن مقاله "عن الروح والحرف" في كتاب بعث به إلى مرسيلينوس في ستة وستين فصلاً، أوضح فيه النقاط التالية:

1. بالناموس انكشفت الخطية ولم تعالج: "حرف الناموس الذي يُعلمنا عدم ارتكاب الخطية يقتل إن غاب عنه الروح الذي يهبه حياة، إذ يجعلنا نعرف الخطية دون أن نتجنبها، كما يجعلها تتزايد بدلاً من أن تُقل، إذ يضيف إلى الشهوة الشريرة (التي يمنعنا عنها الناموس) تعدّينا للناموس نفسه"[269]. مع كون الناموس صالحًا في ذاته إلاَّ أنه يزيد من الشهوة الشريرة حينما يحرمها، فيكون الأمر كإندفاع الماء الذي يجري على الدوام في اتجاه معين فإذا قابله حاجز ما فبتعديه للحاجز تزداد قوته ويسرع في انحداره إلى أسفل (يصير شلالاً قويًا). ومع شيء من الفارق يصير ما نشتهيه محبوبًا جدًا حينما نُحرم منه، وتعتبر هذه هي الخطية التي تخدع وتقتل بواسطة الوصية، "إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعد" (رو 4: 15)[270].

2. أعلن الناموس عن الحاجة إلى طبيب: "دخل الناموس لكي تكثر الخطية" (رو 5: 20). فبوجوده ظهر(الإنسان) مذنبًا ومرتبكًا وفي حاجة لا إلى طبيب بل إلى الله نفسه كمعين له، يوجه خطواته حتى لا تُسيطر عليه الخطية. صار لزامًا لكي يشفي أن يُسلم نفسه لمعونة الرحمة الإلهية. وبهذا إذ تكثر الخطية يجب أن تزداد النعمة جدًا (رو 5: 20)، ليس خلال استحقاق الخاطئ لكن خلال تدخل الله الذي يُعينه"[271]. "في الحقيقة إن الناموس بإصداره الوصايا مع التهديدات وعدم تبريره لأي إنسان، يكشف أن تبرير الإنسان هو عطية من الله بمعونة الروح القدس... متبررين مجانًا بنعمته (رو 3: 24)"[272].

3. الناموس صالح والوصية عادلة: ونحن كمسيحيين نلتزم بالوصايا العشر (مع مراعاة السبت كرمز للأحد)، إذ يقول: "الوصايا العشر نافعة ومفيدة لمن يعمل بها، بل ولا يستطيع أحد أن ينعم بالحياة ما لم يحفظها"[273]. لكنها تعطي حزنًا للإنسان الحرفي إذ لا تحرره من الخطية، لذا قيل "الذي يزيد علمًا يزيد حزنًا" (جا 1: 18)، أما الذي يحفظ الناموس روحيًا حسب الإنسان الداخلي فيكون له الناموس فرحًا، يقول القديس أغسطينوس: [لو وجد الإيمان الذي يعمل بالمحبة (غلا 5: 6)، يبدأ الإنسان يُسر بناموس الله حسب الإنسان الباطن (رو 7: 22). هذا هو عطية الروح القدس لا الحرف، حتى مع وجود ناموس آخر في أعضائنا يُحارب ناموس ذهننا، إذ نتغير عن حالنا القديم ونمضي في تجديد مستمر من يوم إلى يوم، أي أنه بنعمة الله يتحرر إنساننا الباطن من جسد هذا الموت بربنا يسوع المسيح[274]].

4. الناموس والعهد الجديد: يقول القديس أغسطينوس: [لاحظ هذا أيضًا في الشهادة التي أدلى بها النبي بطريقة أكثر وضوحًا في هذا الأمر، إذ يقول: "ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا، ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب، بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب. أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها في قلوبهم، وأكون لهم إلهًا وهم يكونون ليّ شعبًا. ولا يعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين اعرفوا الرب، لأنهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم يقول الرب. لأني أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد" (إر 31: 31-34)... ما الفرق الذي أظهره الله بين العهدين، القديم والجديد؟.. تم التغيير بسبب الروح المحيي الذي بدونه الحرف يقتل[275]...].

إنه يرى أن العهد القديم سُميَ "قديمًا"، لأن الخطية التي للإنسان القديم كانت تعمل في الإنسان ولم يقدر حرف الناموس أن يشفيها، أما العهد الجديد فسُميَ كذلك من أجل عطية روح الله الحيّ (2 كو 3: 3) الذي نقش الوصية بطريقة جديدة لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية[276]. في العهد القديم جاءت الوصية منذرة من الخارج، أما في العهد الجديد فنلنا نعمة الروح القدس المحييّ في القلب في الداخل. في هذا يقول: "الاختلاف بين العهدين القديم والجديد، أن الأول كُتب على الألواح لكي يُنذر، الأول من الخارج، أما الثاني فيبهج في الداخل. بالأول صار الإنسان متعديًا خلال الحرف القاتل، أما بالثاني فصار حيًّا بواسطة الروح المحيي"[277].

هذا ويرى القديس أغسطينوس أن كل الناموس قد لخصه السيِّد المسيح في الحب لله والقريب، فإن كنا قبلاً نسمع وصايا نعجز عن تنفيذها، ففي العهد الجديد تُسكب المحبة في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا (رو 5: 5)، بهذا صار تنفيذ وصايا الناموس ممكنة وسهلة، لأن هذا هو عمل الروح القدس الذي يُسكب الحب فينا فيكمل كل الناموس.



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 20 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
تفسير سفر الخروج اصحاح 20 جـ2 PDF Print Email


3. ما جئت لأنقض بل لأُكمل:

أكد السيِّد المسيح أنه ما جاء لينقض الناموس بل ليكمله (مت 5: 17)، فمن ناحية كشف أعماق الناموس ودخل بنا من حرفيته إلى روحه الخفي، فلم يعد الناموس مجرد وصايا وأوامر بل تلاقٍ مع "كلمة الله" الخفي، وكما يقول القديس مرقس الناسك: [يختفي الرب في وصاياه، فمن يطلبه يجده فيها، لا تقل إني قد أتممت الوصايا ولم أجد الرب، لأن من يبحث عنه بحق يجد سلامًا[278]].

ومن ناحية أخرى أوصانا الرب في العهد الجديد بقتل رأس الخطايا، فلم يطالبنا بعدم القتل فحسب وإنما عدم الغضب الذي هو بداية الطريق للقتل، ولم يسألنا الامتناع عن الزنا وإنما عدم النظر إلى امرأة بقصد شرير، الذي هو بداية السقوط في الزنا الخ...

كذلك أعطانا إمكانية التنفيذ ففي القديم أعلنت الوصية أو الناموس عجز الإنسان تمامًا عن تقديس ذاته وتبريره، فجاء السيِّد المسيح ليعطينا نعمة الروح القدس القادر على تقديس نفوسنا وأجسادنا، فتصير الوصية التي كانت مستحيلة هي قانون إنساننا الجديد.


رقم عشرة:

يُشير رقم 10 إلى الكمال على الأرض، فقد شبَّه العالم كله بعشر عذارى (مت 25: 1)، وبعشرة عبيد لله أعطاهم عشرة أمناء ليتاجروا فيها (لو 19: 13). وشُبهت الكنيسة بامرأة لها عشرة دراهم (لو 15: 8)، وقد جاءت وصية العشور مفترضة أن الإنسان يملك عشر وحدات هو كل ماله، يقدم جزء منه ( 1 ÷ 10 ) لله[279]...

أخيرًا إذ أتكلم عن الوصايا العشر فإني أعمل كل الجهد على الاختصار، راجيًا الرجوع إلى كتاب "الوصايا العشر في المفهوم المسيحي" لقداسة البابا شنودة الثالث.


4. الوصية الأولى: لا تكن لك آلهة أخرى أمامي:

تبدأ الوصايا العشرة هكذا: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي... لأني أنا الرب إلهك إله غيور" [2-5].

في قوله: "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" لا يعني وجود آلهة أخرى، إنما يحذر شعبه من السقوط في التعبد لآلهة الوثنيين مع عبادتهم لله. ويرى القديس أثناسيوس الرسولي [أن الله أعطانا هذه الوصية لكي يسحب البشر بعيدًا عن التخيلات الخاطئة غير العاقلة الخاصة بعبادة الأوثان... ليس كما لو كانت هناك آلهة أخرى يمنعهم عنها، وإنما أوصى بذلك لئلاَّ ينحرفوا عن الله الحقيقي ويقيموا لأنفسهم آلهة مما لا شيء، كما فعل الشعراء والكتّاب[280]].

إن كنا الآن لا نتعرض لعبادة الأوثان، لكن الله يُحذرنا من الآلهة الأخرى التي تملك في القلب كمن يحب العالم أو الكرامة أو مديح الناس أو الشهوات... وهناك "الذين آلهتهم بطونهم" (في 3: 19).

إنه يُريدنا أن نحبه ليملك على القلب تمامًا، ليس لأنه يُريد أن يستعبدنا أو يذلنا، وإنما لأنه "إله غيور"... لذلك أصر أن يصف نفسه هكذا "أنا الرب إلهك إله غيور". وقد علق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة قائلاً: [قال الله هذا لكي نتعلم شدة حبه. فلنحبه كما يُحبنا هو، فقدم ذخيرة حب كهذه. فإننا إن تركناه يبقى يدعونا إليه، وإن لم نتغير يؤدبنا بغضبه، ليس من أجل التأديب في ذاته. أُنظر ماذا قال في حزقيال عن المدينة محبوبته التي احتقرته: "هأنذا أجمع جميع محبيك ضدك، وأسلمك ليدهم فيرجمونك بالحجارة ويذبحونك، فتنصرف غيرتي عنك، فأسكن ولا أغضب بعد" (راجع حز 16: 37-42). ماذا يمكن أن يقال أكثر من هذا بواسطة محب متقد احتقرته محبوبته، ومع هذا يعود ويحبها مرة أخرى بحرارة؟! لقد فعل الله كل شيء لكي نحبه، حتى أنه لم يشفق على ابنه من أجل أن نحبه، ومع هذا فنحن متراخون وشرسون[281].

ويعلق العلامة أوريجانوس على نفس العبارة قائلاً: [أنظروا محبة الله، فإنه يحتمل ضعفات البشر لكي يعلمنا ويدخل بنا إلى الكمال... كل امرأة مرتبطة برجلها تخضع له وإلاَّ صارت زانية، تبحث عن الحرية لكي تخطئ. ومن يذهب إلى زانية يعرف أنه يدخل إلى امرأة زانية تُسلم نفسها لكل من يَقْدم إليها، لذا فهو لا يغضب إن رأى آخرين عندها. أما المتزوج شرعيًا فلا يحتمل أن يرى زوجته تُخطئ، وإنما يعمل دائبًا على ضبط طهارة زواجه، ليتأكد أنه الأب الشرعي (للطفل ثمرة زواجه). إن فهمت هذا المثل تستطيع أن تقول أن النفس تتنجس مع الشياطين والأحباء الآخرين الكثيرين، فعادة يدخل عندها روح الزنا، وعند خروجه يدخل روح البخل ثم روح الكبرياء ثم روح الغضب ومحبة الزينة والمجد الباطل، ويدخل آخرون كثيرون يزنون مع النفس الخائنة دون أن يَغييّر أحدهم من الآخر... ولا يطرد الواحد الآخر، بل بالعكس كل منهم يقدم الآخر... وكما رأينا الروح الشرير الذي يقول عنه الإنجيل: "إن خرج من إنسان يرجع ومعه سبعة أرواح أشر منه" (يو 11: 24-26)، ويسكن هذه النفس. هكذا لا يغير الواحد الآخر في النفس التي تبيع ذاتها للزنا مع الشياطين.

أما إن اتحدت النفس مع زوج شرعي، العريس الذي يخطبه بولس للنفوس، قائلاً: "إني خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" (2 كو 11: 2)، هذا الزواج تكلم عنه الإنجيل قائلاً: "إن ملكًا صنع عرسًا لابنه" (مت 22: 2)، تهب النفس ذاتها له وترتبط به شرعيًا، حتى وإن كانت في ماضيها خاطئة وسلكت كزانية، لكنها متى ارتبطت به تتعهد ألاَّ تخطئ مرة أخرى. النفس التي اختارته عريسًا لها لا يحتمل أن تلهو مع الزناة. وهو أيضًا يَغيّير عليها، ويدافع عن طهارة حياته الزوجية.

يُدعى الله "إلهًا غيورًا"، لأنه لا يحتمل أن ترتبط النفس التي وهبت ذاتها له بالشياطين...

إن كنا قد عرفناه بعد ما استنرنا بكلماته الإلهية ونلنا المعمودية، بعد الاعتراف بالإيمان، والارتباط بمثل هذه الأسرار العظيمة فإنه لا يريدنا أن نخطئ أيضًا، ولا يحتمل أن يرى النفوس التي دُعيَ لها عريسًا وزوجًا أن تلهو مع الشياطين، وتزني مع الأرواح النجسة، وتتمرغ في حمأة الإثم. وإن حدثت هذه المصيبة، فعلى الأقل يريدها أن ترجع وتتوب.

هذا نوع جديد من محبته لنا: أن يقبل النفس التي ترجع إليه بعد الزنا وقد تابت بكل قلبها كقول النبي: "إذا طلّق رجل امرأته فانطلقت من عنده وصارت لرجل آخر، فهل يرجع إليها بعد؟! ألا تتنجس تلك الأرض نجاسة. أما أنت فقد زنيت بأصحاب كثيرين، لكن ارجعي إليّ يقول الرب" (إر 3: 1). ثم يقول: "انطلقت إلى كل جبل عالِ إلى كل شجرة خضراء وزنيت هناك فقلت بعدما فعلتِ كل هذه ارجعي إليّ فلم ترجع" (إر 3: 7).

إذن الله الغيور، يبحث عنك ويشتهي أن ترتبط نفسك به ويحفظك من الخطية ويقوِّمك ويؤدبك ويغضب عليك... والخلاصة إن كان يستخدم إتجاهك نوعًا من الغيّرة فتيقن أنه بالنسبة لك هو رجاء خلاصك[282].

أخيرًا فإن هذا الحب الزوجي الذي يربط النفس بعريسها قد سحب قلوب الخطاة والزناة للتوبة، كما شد قلوب الكثيرين لحياة البتولية والرهبنة، إذ رأوا في العريس السماوي ما يشبع القلب بفيض. وقد احتل هذا "الحب" مركز الصدارة في الكتابات الآبائية الروحية.


5. الوصية الثانية: لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا:

جاءت الوصية هكذا: "لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك إله غيور" [4-5]. وقد سبق أن تحدثنا عن هذه الوصية في كثير من التوسع[283]، وقلنا أن الكنيسة ملتزمة بلا شك بتنفيذ هذه الوصية، لكنها تحفظ روح الوصية لا حرفها، لأن الحرف يقتل وأما الروح فيحييّ (2 كو 3: 6).

روح الوصية هو وقف تسلل العبادة الوثنية إلى الشعب وليس منع استخدام الصور في ذاتها، فقد عرف الشعب اليهودي بتعرضه للسقوط في نوعين من الانحراف الوثني:

أ. الامتثال بالوثنيين المحيطين بهم، كما سقط سليمان الملك في عبادة الآلهة الغريبة عندما تزوج  بوثنيات.

ب. الخلط بين العبادة الوثنية وعبادة الله الحيّ، كما يظهر من عبادتهم للعجل بقصد التعبد لله الحيّ خلال هذا العمل الرمزي (خر 32: 5).

هذا من جانب ومن جانب آخر، كما يقول الأب يوحنا الدمشقي: [إن منع الصور في العهد القديم قام جوهريًا على عجز الشعب اليهودي عن التمييز بين العبادة Lateria الخاصة بالله وحده والتكريم Probynesis الذي يمكن تقديمه لغير الله[284]].

ويظهر ذلك بوضوح من أمر الله لشعبه قديمًا بإقامة صورًا معينة هو حددها، لا كحليّ يتزين بها بيت الرب، وإنما كجزء حيّ في الطقس التعبدي. فخيمة الاجتماع نفسها والهيكل فيما بعد جاء برسم إلهي، أيقونة مبدعة تصور السمويات (عب 8: 5، خر 25: 40)، كما احتويا صورًا مثل تمثاليّ الكاروبين على غطاء تابوت العهد... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وكان موسى وجميع الشعب يسجدون أمام التابوت، والرب يتكلم معهم من بين الكاروبين (عد 10: 35-36، خر 25: 22). هذا وكان الشاروب مصورًا على حجاب خيمة الاجتماع بين قدس الأقداس والقدس. كما صارت صورة الكاروب وحدة فنية متكررة منقوشة على حوائط الهيكل، وعلى مصراعيّ الباب (1 مل 6: 27-29، 32؛ 2 أي 3: 7) دلالة على حلول الله في بيته المقدس.

أمر الله موسى أن يعمل تمثالاً من النحاس لحيّة محرقة (نارية) يضعها على عمود في البرية لتكون سرّ شفاء لكل من ينظر إليها (عد 21: 8-9).

إذن الله لم يمنع الأيقونات والتماثيل إلاَّ من حيث الخوف عليهم من السقوط في الانحرافات الوثنية. لكن إذ زال هذا الخوف صارت الأيقونات تقوم بدور تعليمي بكونها لغة جامعة يفهمها كل إنسان أيًا كان جنسه، ودور روحي... في ذلك يقول الأب يوحنا الدمشقي: [إن سألك وثني أن تعرفه عن إيمانك فخذه إلى الكنيسة وأقمه أمام الأيقونات]. كما كتب البابا غريغوريوس الكبير رسالة إلى سيرينوس أسقف مرسيليا الذي أمر بتحطيم الأيقونات لكي يمنع ما رآه عملاً شريرًا، جاء فيها: [نمى إلى علمنا إنكم حطمتم صور قديسين في غيرة لا يمكن تصورها، وقد بررتم هذا على أساس أنه لا يجوز عبادة الصور.

منعكم عبادتها أمر يستحق المديح.

أما تحطيمكم لها فهذا تُلامون عليه.

التعبد للصورة شيء واستخدامها لاستذكار موضوعها شيء آخر. فإن الرسم بالنسبة للأُمِّي كالكتابة للمتعلم. تستخدم الرسومات في الكنائس حتى يقدر على الأقل الأُمِّيون أن يقرءوا خلال تطلعهم إلى الحوائط ما لا يستطيعون قراءته في الكتب].

يقول الأب يوحنا من كرونستادت: [الأيقونات في البيوت والكنائس ليست قطعًا فنية للعرض أو الزينة، وإنما هي معين لنا في تحقيق حياة الصلاة خلال المنظورات].

ويقول الأب ليونتيوس: [كما أنك في تكريمك لكتاب الشريعة لا تنحني لمادة الجلد أو الحبر بل لأقوال الله الواردة فيه، هكذا إذ أكرِّم أيقونة المسيح لا أقدم الكرامة للخشب والرسم، حاشا! [285]...

أفتقد ذنب الآباء في الأبناء:

يرتعب البعض إذ يسمعون الرب يقول: "أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء" [5]، قائلين: وما ذنب الأبناء ليحملوا أجرة ما فمله آباؤهم؟



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 20 من سفر الخروج +
+ عودة لتفسير سفر الخروج +
 
<< Start < Prev 1 2 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


17 بؤونه 1733 ش
24 يونيو 2017 م

نياحة القديس لاتصون البهنساوى
عودة رفات القديس مارمرقس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك