إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إذا ضعفت عن أن تكون غنيا لله فإلتصق بمن يكون غنيا به لتسعد بسعادته

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير سفر التكوين اصحاح 22 حـ2 PDF Print Email

"فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحق ابنه وأخذ بيده النار والسكين وذهب كلاهما معًا" [6].

كان إسحق شابًا، يرى البعض أن عمره حوالي 25 عامًا، لذا وضع إبراهيم الحطب عليه وذهب كلاهما معًا إلى الموضع الذي أظهره له الرب. وكما يقول الأب قيصريوس: [عندما حمل إسحق الخشب للمحرقة كان يرمز للمسيح ربنا الذي حمل خشبه الصليب إلى موضع  آلامه. هذا السر سبق فأعلنه الأنبياء، كالقول: "وتكون الرئاسة على كتفيه" (إش 9: 5، 6). فقد كانت رئاسة المسيح على كتفيه بحمله الصليب في اتضاع عجيب. إنه ليس بأمر غير لائق أن يعني بالرئاسة صليب المسيح، إذ به غلب الشيطان، ودعى العالم كله لمعرفة المسيح والتمتع بنعمته[322]]. ويقول القديس أغسطينوس: [حمل إسحق الخشب الذي يقدم عليه محرقة إلى موضع الذبيحة كما حمل المسيح صليبه[323]].

أما القول: "فذهب كلاهما معًا" فتشير إلى أن هذه الذبيحة هي ذبيحة إبراهيم كما هي ذبيحة إسحق. قدم إبراهيم ابنه الوحيد خلال الحب الفائق، وقدم الابن ذاته خلال الطاعة الكاملة، فحسبت الذبيحة لحساب الاثنين معًا. هكذا مع الفارق نقول أن ذبيحة السيد المسيح هي ذبيحة الآب الذي قدم ابنه فديه عنا. وهى ذبيحة الابن الذي أطاع حتى الموت موت الصليب... هذه ذبيحة الحب التي قدمها الآب في ابنه الوحيد الجنس، هذا ما أكده السيد المسيح نفسه بقوله: "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16)، وأيضًا يقول الرسول بولس: "الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟!" (رو 8: 32). وكما أن السيد المسيح في صلبه قدم ذبيحة الآب في ابنه، فإنه قدم أيضًا نفسه، إذ قيل: "الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي" (غل 2: 20)، "كما أحبنا المسيح أيضًا وأسلم نفسه لأجلنا قربانًا وذبيحة لله رائحة طيبة" (أف 5: 2)، "كما أحب المسيح أيضًا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها" (أف 5: 25).

إن كان القول: "وذهب كلاهما معًا " يشير إلى انطلاق الآب والابن إلى الصليب ليقدما ذبيحة الصليب، يقدمها الآب بإرادته المحبة للبشر، ويقدمها الابن المحب بطاعته العملية، فإن العبارة أيضا تشير إلى انطلاق الله والكنيسة معًا نحو الصليب، فالله يعلن حبه للإنسان بتقديم ابنه فديه عن البشرية، والكنيسة تعلن حبها للآب خلال رأسها المبذول، فيشتم الآب في ذبيحة الصليب رائحة سرور ورضا هذه ذبيحة الكنيسة التي تبذل حياتها أيضًا خلال اتحادها بالمسيح يسوع الباذل حياته!

إذ سار إسحق مع إبراهيم نحو المذبح، بدأ الابن يسأل أباه: "يا أبي... هوذا النار والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة؟!". وكما يقول العلامة أوريجانوس: [في هذه اللحظة تتجسم في كلمة الابن (يا أبي) أقسى مواقف التجربة. تصوروا إلى أي درجة يستطيع صوت الابن الذي سيذبح أن يثير أحشاء أبيه؟! لكن إيمان إبراهيم الثابت لم يمنعه من الإجابة بكلمة رقيقة: "هأنذا يا ابني"!![324]].

في الإيمان بالقادر أن يقيم من الأموات قال إبراهيم: " الله يرى له الخروف يا ابني" [٨]. وقد رأى الآب الحمل الحقيقي، يسوع المسيح، الذي قدمه ليس فديه عن إسحق وحده بل عن العالم كله. في قوله: "الله يرى" يوضح إبراهيم ثقته الكاملة في خطه الله الخلاصية التي ليست من صنع إنسان لكنها بتدبير إلهي، الله وحده يراها، بطريقته الخاصة الفائقة.
3. إقامة المذبح وتقديم الذبيحة:

كل شيء قد أعد فقد بلغ إبراهيم الموضع الذي رسمه الله، والمذبح قد بنى، والحطب الذي حمله إسحق قد رتب، وربط إسحق بيدي أبيه ووضع على المذبح فوق الحطب، ومدّ إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبحه... كانت الأمور تسير في جو من الهدوء الداخلي، إبراهيم يؤمن بالله الذي لن يتخلى عن مواعيده، وإسحق في طاعته يمتثل للذبح ولم يبق إلاَّ لحظات ليُذبح الابن ويُقدم محرقة.

لقد حُسب إبراهيم أنه قدم ابنه إذ كان مسرعًا في العمل بلا خوف، وقبلت تقدمته حتى وإن لم تتحقق بطريقة حرفية، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [بحق قدم الأب ابنه، فإن الله لا يطلب الدم بل الطاعة اللائقة[325]].

وحُسب إسحق ابنًا للطاعة إذ قبل الصليب بإيمان، وكما يقول القديس جيروم: [إسحق في استعداده للموت حمل صليب الإنجيل قبل مجيء الإنجيل[326]].

وفي اللحظة الحاسمة وسط الهدوء الشديد إذ بملاك الرب ينادى إبراهيم: "إبراهيم إبراهيم"... "لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئًا، لأني الآن علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني" [11-12]. قول الرب "الآن علمت"، كما يقول القديس أغسطينوس: [لا تعني أن الله لم يكن له سابق علم بما في قلب إبراهيم، إنما أراد أن يعلن لإبراهيم نفسه أعماقه الداخلية [327]]، فصار إبراهيم مكشوفًا لنفسه كمحب لله، ومكشوفًا للأجيال كلها أن سرّ عظمة إبراهيم عدم تعلقه بالحياة الزمنية.

رأى إبراهيم كبشًا موثقًا بقرنيه في الغابة، واصعده محرقة عوضًا عن ابنه، وكأنه رمز للسيد المسيح الذي علق على خشبة الصليب وسُمر بذراعيه المفتوحين لأجل خلاص العالم.

دعي إبراهيم الموضع " يهوه يرأه " أي (الله يُرى)، هكذا ترأى الله لإبراهيم في موضع الذبيحة، إذ فيه تمت المصالحة بين الله والإنسان، وصار لنا حق رؤيته كأبناء لنا موضع في حضن الآب خلال الذبيحة يرفعنا الروح القدس وينطلق بنا إلى الأحضان الإلهية لننعم برؤية إلهية، لا على مستوى البصيرة الزمنية، إنما رؤية الاتحاد مع الله والتمتع بشركة أمجاده أبديًا. من هنا صار المذبح في كنيسة العهد الجديد يمثل السماء عينها... موضع لقاء الله مع الإنسان في الابن الذبيح.
4. تجديد الوعد الإلهي:

خلال الذبيحة تمتع إبراهيم برؤية الرب كما تمتع بتحديد الوعد بطريقة فاقت المرات السابقة:

أولاً: يرى العلامة أوريجانوس أن الوعود السابقة كانت بالأكثر تميل إلى تأكيد أبوة إبراهيم لأهل الختان وإن كانت لم تتجاهل أبوته الروحية لجميع المؤمنين من كل الأمم والشعوب، أما الوعد هنا فأبرز بالأكثر أبوته الروحية. إذ يقول: ["إذ كان يليق به أن يكون أبًا للذين هم من الإيمان" (غل 3: 9) ويدخل الميراث خلال آلام المسيح وقيامته... كان الوعد الأول يخص الشعب الأول حيث كان (الصوت الإلهي) في الأرض، إذ يقول الكتاب: "ثم أخرجه إلى خارج - خارج الخيمة - وقال له أنظر إلى السماء وعّد النجوم إن استطعت أن تعدها، وقال له هكذا يكون نسلك" (تك 15: 1). أما في تجديد العهد فيُظهر الكتاب أن الصوت جاء من السماء (22: 11). الأول جاء من الأرض والثاني من السماء. ألا يبدو في هذا وجود رمز لحديث الرسول: "الإنسان الأول من الأرض ترابي، والإنسان الثاني الرب من السماء" (1 كو 15: 47)؟ الوعد الخاص بشعب الإيمان يأتي من السماء أما الخاص بالشعب الآخر (اليهودي) فمن الأرض[328]].

ثانيًا: إن كان الوعد الإلهي يشير بالأكثر لميراث الأرض فجاء الصوت من الأرض، والثاني يمس رجال العهد الجديد لميراث أبدى فجاء الصوت من السماء... فإن الأخير جاء مثبتًا بقسم إلهي، الأمر الذي أثار مشاعر الرسول بولس في رسالته إلى العبرانيين (عب 6: 17).

ثالثًا: إن كان الله يجدد العهد معنا إنما لكي يعلن التزامنا نحن أيضًا بتحديد العهد معه كقول العلامة أوريجانوس[329]: [فالمؤمن إذ يدخل مع الله في ميثاق داخل مياه المعمودية، فيه يجحد إبليس وكل أعماله ويعلن قبوله لله وأعماله الخلاصية وعضويته الحقة للكنيسة وانتظاره الحياة الأبدية، يجدد هذا العهد يوميًا بالتوبة المستمرة، قائلاً في صلاة باكر: "لنبدأ بدءًا حسنًا "، حاسبًا كل صباح بداية جديدة لحياة أعمق مع الله مخلصه.

إذ جدد الله وعوده لإبراهيم رجع إلى غلاميه وذهب معهما إلى بئر سبع ليسكن هناك إن كانت بئر سبع كما رأينا تشير إلى مياه المعمودية وعمل الروح القدس خلالها وفيها، فإذ قدم إبراهيم الذبيحة وتمتع بالوعود الإلهية انطلق إلى غلاميه كما إلى جسده الخاضع له بطاقاته ومواهبه ليستقر كل أيامه عند مياه المعمودية، متذكرًا عمل البنوة الإلهية، ومتجاوبًا مع عمل الروح القدس. كأن المعمودية ليست طقسًا يمارس في بداية الطريق لينتهي وإنما هي حياة يعيشها المؤمن كل أيام تغربه، يدخل إلى المياه ليلتقي مع السيد المسيح المدفون القائم من الأموات فيحيا كل أيامه بالروح القدس ينعم بهذه الحياة، وكأنه يسكن في بئر سبع مع إبراهيم، أي في مياه المعمودية.

حين نُسبى بالخطية نجلس كما على أنهار بابل لنبكى متذكرين صهيون، تعجز ألسنتنا عن النطق بكلمات التسبيح والترنم بترنيمات صهيون (مز 137)، أما وقد قبلنا الإيمان بذبيحة إسحق الحقيقي وتمتعنا بالوعد الإلهي الجديد فنسكن في بئر سبع عند مياه المعمودية مع غلماننا نسبح الرب بالقلب كما باللسان.

لعل انطلاق الغلامين إلى بئر سبع مع إبراهيم وإسحق في نهاية المطاف يشير إلى عودة اليهود إلى الإيمان بالسيد المسيح الذي لم يستطيعوا قبلاً معاينة سرّ ذبيحته... فينطلقوا في آخر العصور إلى مياه المعمودية ويقبلوا من قد جحدوه.


5. أولاد ناحور:

ذكر الكتاب أولاد ناحور أخ إبراهيم من زوجته ملكة ليكشف عن قرابة رفقة لزوجها إسحق، والدها ابن أخ إبراهيم، أي هي ابنة ابن عمه، فإن كان الكتاب يهتم برجال الإيمان ونسبهم فهو يهتم بالمؤمنات ونسبهن ودورهن في تاريخ الخلاص.

 

السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 22 من سفر التكوين +
+ عودة لتفسير سفر التكوين +
 


6 توت 1736 ش
17 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس أشعياء النبي بن آموص سنة 913 ق م
استشهاد القديسة باشيليا (باسيليا)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك