تفسير سفر التكوين اصحاح 17 جـ1 Print

عهد الختان

كانت سارة تتعجل الأمور بطريقة بشرية إذ ترى الغنى الذي يفيض عليهما وقد شاخت هي ورجلها وليس لهما من يرثهما إلاّ العازر الدمشقي فالزمت رجلها أن يدخل على جاريتها، الأمر الذي صار لها مرارة نفس هي ونسلها من بعدها. أما الله فكان يتطلع إلى إيمان إبرام ليدخل معه في عهد جديد أبدي بعلامة تقام في جسد كل ذكر (الختان)، كطريق للتمتع بالعهد الجديد الذي يقيمه ربنا يسوع المسيح بجسده على الصليب مصالحًا إيانا مع أبيه السماوي.

١. وعد الله لإبرام                    ١-٨

٢. علامة الختان                     ٩-١٤

٣. تمتع سارة بالبركة                ١٥-١٧

٤. بين إسحق وإسمعيل              ١٨-٢٢

٥. تحقيق الختان                     ٢٣-٢٧
١. وعد الله لإبرام:

"ولما كان إبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لإبرام وقال له: أنا الله القدير، سر أمامي وكن كاملاً، فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرًا جدًا" [١-٢].

قصة الله مع الإنسان هي قصة عهود مستمرة ومتجددة خلالها يعلن الله حبه للإنسان، ويتوق أن يقبل الإنسان هذه الحب بالحب، وفي هذا كله يطلب الله الإنسان لا عن عوز إلى شيء ولا رغبة في التسلط وإنما في أبوته يفتح أحضانه له وتقبله ابنا ينعم بشركة أمجاده.

في بدء خلق الإنسان - قبل السقوط – كان العهد مقامًا على أساس الحب دون أية علامة ظاهرة، إذ كان الإنسان كصورة الله متجاوبًا مع خالقه بالحب، يشتاق إليه، ويجري نحوه ليسمع صوته ويفرح برؤيته. أما بعد السقوط إذ ارتبك الإنسان داخليًا وحلت اللعنة بالأرض لتخرج شوكًا وحسكًا صارت الحاجة ملحة لإقامة ميثاق بين الله والإنسان يتجدد بين الحين والآخر، فعند تجديد العالم بمياه الطوفان أعلن الله: "لا أعود ألعن الأرض من أجل الإنسان... ها أنا مقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم" (تك ٨: ٢١؛ ٩: ٩). معطيًا علامة الميثاق في الطبيعة "قوس قزح". الآن إذ يدخل الرب مع إبرام في ميثاق يجعل العلامة ثابتة في جسم كل ذكر "الختان"... وبقى الإنسان عبر الأجيال يرى خلال هذه العلامة ظلاً لميثاق أعظم يقدمه لنا ربنا يسوع المسيح في جسده للمصالحة على مستوى أبدي. فيقول النبي: "أميلوا آذانكم وهلموا إليّ، أسمعوا فتحيا أنفسكم وأقطع لكم عهدًا أبديًا مراحم داود الصادقة، هوذا قد جعلته شارعًا للشعوب وموصيًا للشعوب، ها أمة لا تعرفها تدعوها وأمة لم تعرفك تركض إليك من أجل الرب إلهك وقدوس إسرائيل لأنه قد مجدك" (إش ٥٥: ٣– ٥). وقد تحققت هذه الدعوة لدخول الأمم إلى العهد الإلهي حينما قدم السيد المسيح دمه عهدًا جديدًا لغفران الخطايا (مت ٢٦: ٢٨؛ لو ٢٢: ٢٠؛ ١ كو ١١: ٢٥).

ويرى القديس أكليمنضس الاسكندري[268] أن الله لم يطلب من إبرام مجرد أن يدخل معه في عهد وإنما قدم نفسه عهدًا له، إذ يقول الكتاب: "هوذا أنا هو عهدي معك" [٤]. فالعهد في عيني القديس أكليمنضس ليس تعهدات مكتوبة أو مقولة إنما هو قبول الله نفسه، الذي فيه نجد سلامنا وشبعنا وكل احتياجاتنا.

حينما نقول أن السيد المسيح قدم جسده ودمه المبذولين عهدًا جديدًا لغفران خطايانا، إنما قدم نفسه لنا فنجد فيه رضى الآب عنا، ويجد الآب فيه سرورنا به، وهكذا في المسيح يسوع يجد الآب والبشر فرحهم الحق. يرانا الآب في ابنه متبررين بدمه، نراه نحن فيه أبًا سماويًا يفتح أحضانه لنا... وهكذا يكون الرب نفسه عهدًا أبديًا لنا.

يعلق القديس چيروم على قول الرب: "لا يدعى أسمك بعد إبرام بل يكون أسمك إبراهيم" [٥]، قائلاً: [دعى الله إبرام إبراهيم، وكان أسمه في أور الكلدانيين "إبرام"، أما في السماء فيسمى إبراهيم، فقد تغير أسمه إلى إبراهيم حين صار نجمًا[269]].

يرى القديس أغسطينوس أن تغيير أسمي إبرام وساراى جاء مع الختان كعلامة للتجديد الشامل، إذ يقول: [ماذا يعني الختان سوى تجديد الطبيعة البشرية بنزع الإنسان القديم؟ وماذا تعني الأيام الثمانية (للختان) سوى المسيح الذي قام بعدما أكمل الأسبوع، أي بعد "السبت"؟ لقد تغير اسما الوالدين، وكل شيء قد أُعلن جديدًا[270]].
٢. علامة الختان:

"هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك، يختتن منك كل ذكر، فتختتنون في لحم غرلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم، ابن ثمانية أيام يُختن منكم كل ذكر في أجيالكم... فيكون عهدي في لحمكم عهدًا أبديًا، وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك الأنفس من شعبها. انه قد نكث عهدي" [ ٩-١٤].

كان للختان أهمية كبرى فهو الذي يميز أولاد إبراهيم أصحاب العهد من الأمم، وتبدو أهميته في كلمات الرب عن الأغلف الذي لا يختن: "تقطع تلك النفس من شعبها؛ انه قد نكث عهدي". وكان الختان قاصرًا على الذكور، لأن المرأة مقدسة في الرجل إن كان قد تقدس للرب. فعدم ختان المرأة لا يعني استخفاف الله بها أو عدم اهتمامه بقطع العهد معها، إنما أراد تأكيد وحدة الأسرة البشرية، مما يفعله الذكر إنما باسم الاثنين معًا (الذكر والأنثى). والدليل على ذلك أن الله أمر بختان العبيد "وليد البيت والمبتاع بفضة"
[١٣]، ولا يمكن أن يكون العبيد أفضل من الزوجات سادتهن، إنما يريد قطع العهد مع الجميع: أغنياء وفقراء... خلال ختان كل ذكر. ومن الجانب الطبي فإن ختان الرجل صحّي وختان الفتيات ضار.

وتظهر أهمية الختان أيضًا في العهد القديم أنه في كل مرة يقدم الشعب توبة يُعلن هذا الرجوع إلى الله خلال ثلاثة أمور: ختان كل ذكر لم يسبق ختانه، قراءة الشريعة، حفظ السبت.

وكان موضوع الختان يشغل ذهن اليهود بصفة قوية، حتى كانوا يُدعون "أهل الختان"، وعندما قبلوا الإيمان بالسيد المسيح رأى بعضهم ضرورة اختتان الأمم قبل دخولهم في العضوية الكنسية، الأمر الذي لأجله أفرد الرسول بولس الكثير من الأصحاحات في رسائله مؤكدًا أنه في المسيح يسوع لا حاجة لختان الجسد بل ختان الروح، وأن الختان يتحقق خلال المعمودية بخلع الإنسان القديم والتمتع بالإنسان الجديد الذي على صورة خالقه (كو ٣: ٩، ١٠).

يتم الختان في اليوم الثامن من ميلاد الطفل، لأن رقم ٨ يشير إلى "الحياة الأبدية"، أو إلى "الحياة الأخرى"، بكون رقم ٧ يشير إلى حياتنا الزمنية (سبعة أيام الأسبوع)، فالثامن يعني الدخول إلى ما وراء حياتنا الزمنية. فالختان هو عبور الحياة الأبدية بخلع محبة الزمنيات وقبول عمل المسيح الأبدي وملكوته السماوي.

إن كان الشعب قد اهتم بختان الجسد، لكن الرب كان يحثهم على ختان القلب الروحي وختان الأذن... (تث ٣٠: ٦؛ ١٠: ١٦؛ أر ٤: ٤)، وفيما يلي بعض كلمات الآباء عن الختان الروحي الذي يمس كل حياتنا.

- ينال شعب الله علامة الختان في قلبهم من داخل، لأن السيف السماوي يقطع فضلة العقل يعني غلف الخطية النجسة

القديس مقاريوس الكبير

- في خطة إله الناموس أن يكون الختان للقلب لا للجسد، بالروح لا الحرف (رو ٢: ٩)... حتى قال موسى: "اختنوا قساوة قلوبكم" (تث ١٠: ١٦ الترجمة السبعينية).

العلامة ترتليان[271]

- تختن أذنكم إن كانت لا تسمع الشتائم وكلمات المجدفين والنمامين، إذا كانت قد انغلقت أمام الوشاية الخاطئة والكذب والغضب، "يسد أذنيه عن سمع الدماء" (إش ٣3: ٥)، ولا تنفتح لسماع الأغاني الفاسقة وأهواء المسارح، ولا تطلب الأمور السفلية، بل تبتعد عن كل تجربة زائلة. هذا هو ختان الأذن الذي تقدمه الكنيسة لأولادها، وفي رأيي أن هذه الأذن هي التي تحدث عنها المسيح في قوله: "من له أذنان للسمع فليسمع" (مت ١٣: ٩). إذ لا يستطيع أحد أن يسمع كلام الرب النقي، كلام الحكمة والحق بأذن غير مختونة ولا طاهرة.

- عندما نمتنع عن كلام النميمة ونمسك لساننا ونقمعه، يكون لنا الفم المختون.

-  عندما نشتعل بشهوات شهوانية، أقول باختصار، عندما نزني في قلوبنا (مت ٥: ٢٨) نكون غير مختوني القلب. عندما نرحب في داخلنا بأفكار الهراطقة، وعندما نهيج أفكار التجديف في قلبنا ضد معرفة المسيح، نكون غير مختوني القلب. أما عندما نحتفظ بنقاوة الإيمان في استقامة الضمير فنكون مختوني القلب، ونستحق سماع الصوت: "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت ٥: ٨).



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 17 من سفر التكوين +
+ عودة لتفسير سفر التكوين +