إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

جاهد في شبابك لتفرح في كبرك

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير سفر التثنية اصحاح 29 جـ1 PDF Print Email

تذكير بالعهد

في كل سفر التثنية، بل في كل الكتاب المقدس، ليس أمر يشغل ذهن رجال الله مثل التمتع بالعهد مع الله، هذا الذي قدمه الله لإبراهيم ولنسله من بعده. وانشغل به موسى النبي وجماعة الأنبياء عبر العصور حتى جاء السيد المسيح وختمه بدمه الثمين.

عاد موسى ليذكرهم بمعاملات الله معهم في الخروج وفي البرية [2-9]، حاثًا إيَّاهم على الوفاء بالعهد الإلهي كجيلٍ جديدٍ اختاره الرب ليكون ممثلاً لله نفسه على الأرض [10-21]. إنه عهد جماعي، فيه يعلن أن الله يؤكد انتماء الشعب إليه وسط الأمم [22-29].

لم يذكر طقس تجديد العهد الذي مارسه الجيل الجديد.

1. تذكير بالعهد                       [1-9].

2. طرفا العهد                        [10-15].

3. عبادة الأوثان كسر للعهد         [16-28].

4. السرائر للرب                      [29].

1. تذكير بالعهد        :

تميل طبيعة الإنسان للنسيان، خاصة فيما يخص بعلاقته مع الله، لهذا يدفعنا الله نحو التجديد العهد معه، مذكرًا إيَّانا بمعاملاته معنا في الماضي. الآن قبل انتقال موسى النبي من هذا العالم ذكَّر الشعب مرة ومرات بما فعله الله معهم ومع آبائهم، منذ كانوا يعانون من العبودية في مصر حتى بلغوا جبل موآب. لقد سبق فأقام عهدًا مع أبيهم إبراهيم بتجديد العهد. إنه لا يقدم عهدًا جديدًا يختلف عما أقيم في سيناء بل يُريد تأكيد وتثبيت ذلك العهد نفسه وتجديده.

الله أمين في عهده الأبدي الذي لا يتغير، لكن الإنسان بقلبه الفاسد ينسى أو يتناسى من أجل شهوة أو كبرياء أو مكسب مادي، لهذا يحتاج إلى من يذكِّره دومًا لتجديد العهد مع الرب مخلصه.

أوضح موسى النبي أن شروط العهد ليست من عنده، إنما عليه أن يفك الختوم

ويكشف عمَّا وضعه الرب نفسه.

"هذه هي كلمات العهد الذي أمر الرب موسى أن يقطعه مع بني إسرائيل في أرض موآب فضلاً عن العهد الذي قطعه معهم في حوريب" [1].

مع أن العهد يحمل ذات الروح سواء الذي سبق فقطعه في حوريب والذي يقطعه الآن في أرض موآب، إلا أن الله يقدمه لكل جيل بما يناسب ظروفهم، كمن يقوم بتجديده. يود الله أن يؤكد لكل جيل كأن العهد خاص بهم وليس بالعهد الخاص بالأجيال السابقة. إنه عهد يناسب الجيل الحاضر.

أولاً: يبدأ العهد دائمًا بالإشارة إلى الأحداث العظيمة التي تمت، والتي تكشف عن معاملات الله مع شعبه:

"ودعا موسى جميع إسرائيل وقال لهم: أنتم شاهدتم ما فعل الرب أمام أعينكم في أرض مصر بفرعون وبجميع عبيده وبكل أرضه. التجارب العظيمة التي أبصرتها عيناك، وتلك الآيات والعجائب العظيمة" [2-3].

الخروج من مصر، والتحرر من عبودية فرعون، وما صحب ذلك من آيات وعجائب تكشف عن خطة الله من نحو شعبه، وغايته من العهد الذي يقطعه معهم.

مع أنه يتحدث مع جيلٍ جديدٍ وُلد في البرية لكنه يتحدث عن الخروج من مصر، قائلاً لهم: "أنتم شاهدتم، أمام أعينكم، أبصرتها عيناك". فما شاهده آباؤهم وتحدثوا عنه لأبنائهم كخبرة ملموسة يحسب كأن الجيل التالي قد عاين بنفسه الأحداث ورأى صنيع الرب معهم.

ثانيًا: تشهد الأحداث الماضية عن معاملات الله، وتكشف عن عهده، لكن المشكلة في الإنسان الذي لا يطلب فهمًا وحكمة، الأمر الذي يحزن قلب موسى من جهتهم.

"ولكن لم يعطكم الرب قلبًا لتفهموا، وأعينًا لتبصروا، وآذانًا لتسمعوا إلى هذا اليوم" [4].

الله يود أن يعطي قلبًا للفهم، وكما يقول الحكيم: "الأذن السامعة والعين الباصرة الرب صنعهما كليتهما" (أم 20: 12)، لكن لا يقدمه لمن يقاوم.

كثيرون لهم أعين ترى وفي نفس الوقت لا ترى، لأنهم لا يريدون الحق، بل يطلبون ما هو لشهواتهم. لقد جاء السيد المسيح إلى خاصته، وخاصته رأته لكنها لم تره بعيني الإيمان، لهذا لم تقبله. وكما يقول الرسول بولس: "لو عرفوا رب المجد لما صلبوه".

وهب الله الإنسان قلبًا يحمل بصيرة داخلية وآذان روحية، فيستطيع المؤمن أن يرى ويسمع. لكن إذ يرفض الطاعة لله يصير كمن لم يُوهب قلبًا للفهم ولا أعينًا للبصر ولا آذان للسمع. ومع كل ممارسة للطاعة بروح الحب ترتفع النفس كما على درجة من سلم السماء، يقودها نور الروح القدس الذي يطهر أعماقها فتصير قادرة على الرؤيا والاستماع للصوت الإلهي. بهذا يكون تجديد العهد مع الله ليس مجرد تقديم وعود لله بالتجاوب مع حبه، وإنما بالتجاوب العملي مع روح الله، وقبول النعمة الإلهية في الحياة العملية، فتصعد النفس يومًا فيومًا كما إلى السماء عينها.

ثالثًا: عمل الله دائم ومستمر، لم يقف عند خروجهم من مصر، ولا عند هلاك فرعون وجنوده، لكنه عال الشعب أربعين سنة في البرية، حيث لم يعوزهم شيء. إذ يشير إلى معاملات الله المملوءة حنوًا نحو شعبه في وسط البرية لا يتكلم موسى النبي، بل يقدم الله نفسه لينطق بها.

"فقد سرت بكم أربعين سنة في البرية لم تٌبل ثيابكم عليكم، ونعلك لم تبلَ على رجلك. لم تأكلوا خبزًا، ولم تشربوا خمرًا ولا مسكرًا. لكي تعلموا أني أنا الرب إلهكم" [5-6].

قام بدور القائد، حيث سار بهم، واهتم بثيابهم وأحذيتهم وطعامهم وشرابهم. يقدم لهم ليس فقط ما هو ضروري؛ وإنما حتى الخمر الذي يرمز للفرح.

رابعًا: نوالهم حياة الغلبة والنصرة على الأعداء.

"ولما جئتم إلى هذا المكان خرج سيحون ملك حشبون وعوج ملك باشان للقائنا للحرب فكسرناهما. وأخذنا أرضهما وأعطيناها نصيبًا لرأوبين وجاد ونصف سبط منسى" [7-8].

مع النصرة أعطاهم أيضًا فيض غنى، إذ سلمهم أرض الأعداء نصيبًا لهم.

يدعوهم موسى النبي إلى حفظ العهد، وتحقيقه عمليًا لكي ينالوا نجاحًا في كل شيء.

"فاحفظوا كلمات هذا العهد، واعملوا بها لكي تفلحوا في كل ما تفعلون" [9].

لم يشر موسى النبي في تجديد العهد إلى الذبائح الحيوانية ولا إلى طقوس التطهيرات، فإنه يعلم أن الشعب لا ينسى هذه الأمور. الأمر الذي ركز عليه موسى في تجديد العهد هو "الطاعة"، أو إخلاص القلب في الالتقاء مع الله على مستوى الحب؛ هذا هو موضوع تجديد العهد: القلب المكرس لله بالحب والطاعة! العين المقدسة لترى، والأذن المقدسة لكي تسمع صوت الله!
2. طرفا العهد:

طرفا العهد هما:

- الله الذي يريد أن يقيم منهم شعبًا له، ويكون لهم إلهًا [12]، له معرفة كاملة بشعبه، وصاحب سلطان مطلق عليهم.

الطرف الآخر هو الشعب كله، من رؤساء أسباط وشيوخ ورجال ونساء وأطفال، وأيضًا الغرباء الذين دخلوا معهم في الإيمان.

"أنتم واقفون اليوم جميعكم أمام الرب إلهكم: رؤساؤكم أسباطكم شيوخكم وعرفاؤكم وكل رجال إسرائيل. فأطفالكم ونساؤكم وغريبكم الذي في وسط محلتكم ممن يحتطب حطبكم إلى من يستقي ماءكم" [10-11].

يقيم الله عهده مع الجماعة بكل عناصرها من قادة وشعب؛ كبار وصغار، رجال ونساء، عبرانيين ودخلاء، جيل حاضر وأجيال مقبلة.

يبدأ بالعظماء رؤساء الأسباط إذ يليق بهم أن يحنوا رقابهم تحت النير الإلهي، ويدخلوا معه في عهدٍ، حيث يجدون في نير العهد حبًا فائقًا ومراحم غزيرة ونجاحًا في كل شيء.

يشترك في العهد النساء والأطفال الصغار، فالكل مدعوون للتمتع بهذا العهد. لهذا يقول السيد المسيح: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات".

يشترك في الدعوة الغرباء الذين جحدوا الوثنية ودخلوا في الإيمان بالله. عندما دخل السيد المسيح بيت ذكا رئيس العشارين قال: "إذ هو أيضًا ابن إبراهيم" (لو 19: 9).

لا يحرم العبيد من التمتع بالعهد، هؤلاء الذين يلتزمون بجمع الحطب أو يستقون ماءً.

بمعنى آخر لا يوجد إنسان عظيم يترفع عن أن يدخل في عهد مع الله ويرتبط بقيوده، ولا يوجد إنسان لا يُدعى للتمتع ببركات العهد. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). في المسيح يسوع لا يوجد عبد ولا حر (كو 3: 11). يقول الرسول بولس: "دُعيت وأنت عبد فلا يهمك" (1 كو 7: 21).

"لكي تدخل في عهد الرب إلهك وقسمه الذي يقطعه الرب إلهك معك اليوم. لكي يقيمك اليوم لنفسه شعبًا، وهو يكون لك إلهًا. كما قال لك، وكما حلف لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب" [12-13].

الدعوة مقدمة للذين كانوا حاضرين في اجتماع روحي مقدس وأيضًا تضم الغائبين، إذ يقول:

"وليس معكم وحدكم أقطع أنا هذا العهد وهذا القَسَم، بل مع الذي هو هنا معنا واقفًا اليوم أمام الرب إلهنا، ومع الذي ليس هنا معنا اليوم" [14-15].

جاءت كلمة "تدخل" في العبرية تحمل معنى يصعب ترجمته، فهو لا يعني توقيع عقد مشترك في شكلية، وإنما دخول إلى العقد في أعماقه. وكأن العقد هو موضع لقاء يدخل فيه الله مع الجماعة المقدسة معًا، كما في حجال عرسٍ، أو في اتحاد عجيب!

يريد الله أن يقطع عهده مع كل شعبه، سواء الذين حضروا أمامه أو الذين بسببٍ قهري كالمرض لم يستطيعوا. هؤلاء لا يستبعدون من العهد، فإنهم وإن كانوا لم يشتركوا في العبادة ولم يأتوا إلى بيت الرب لكنهم حاضرون فيه بالروح دون الجسد.

لعله يقصد بغير الحاضرين الأجيال القادمة، فالعهد ممتد إلى آخر الدهور.

أما ملخص العهد كله فهو: "لكي يقيمك اليوم لنفسه شعبًا وهو يكون لك إلهًا" [13]، مقدمًا حياة آبائنا مثلاً حيًا للدخول في العهد مع الله. "كما حلف لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب" [13].




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 29 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 


5 توت 1736 ش
16 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة صوفيا
استشهاد القديس ماما

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك