تفسير سفر التثنية اصحاح 11 جـ1 Print

أيامنا كأيام السماء

تحدث في الأصحاح السابق عن بركات الرب وعطاياه، وأوضح ماذا يريد الله من شعبه، غير مشيرٍ إلى الذبائح الحيوانية والطقوس بل إلى ضرورة الالتصاق به والاستماع لكلماته، ثم ختمه بعطية الرب الفائقة أنه عوض السبعين نفسًا التي نزلت إلى مصر خرج الشعب كنجوم السماء في الكثرة.

وفي هذا الأصحاح يوضح مكافأة الله للأمناء وهي أن تصير أيامهم كأنها أيام السماء على الأرض [21]. هذا ما يدفعنا أن نحب الله ونحفظ وصاياه، نثبتها على قلوبنا ونربطها كعلامة على أيدينا، فنتمتع ببركات الطاعة، أي التمتع  بأيام السماء على الأرض، عوض السقوط تحت لعنة العصيان، أي الانحدار إلى أيام الجحيم.

إن كان إسرائيل قد اتسم بالعصيان [1-7]، فإنه يليق أن يترجم الحب بلغة الطاعة لله الكلي الصلاح والعطاء [8-25] ليختبر الحياة السماوية. الآن وهو على أبواب الدخول إلى أرض الموعد يجدون الفرصة للتعبير عن أمانتهم لله وإخلاصهم للعهد معه [26-32].

1. أحبب الرب الذي تراه                                 [1-7].

2. احفظ وصاياه فتطول أيام حياتك                       [8-12].

3. اعبد الرب بكل قلبك فتشبع                           [13-17].

4. سمر وصاياه على قلبك فتختبر أيام السماء           [18-25].

5. تمتع ببركة الطاعة لا لعنة العصيان                  [26-32].

1. أحبب الرب الذي تراه:

خُتم الأصحاح السابق بالعبارة: "جعلك الرب إلهك كنجوم السماء في الكثرة" (10: 22). سبق فقيل لإبراهيم: "أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيرًا كنجوم السماء، وكالرمل على شاطئ البحر" (تك 22: 17). لم يذكر هنا "كالرمل على شاطئ البحر"، إنما "كنجوم السماء"، إذ أراد أن يقيم منهم أشبه بكواكب منيرة في السماء. أما رد الفعل لدى هؤلاء المؤمنين فيلزم أن يكون هكذا:

"فأحبب الرب إلهك، واحفظ حقوقه وفرائضه وأحكامه ووصاياه كل الأيام" [1].

إذ يتطلع الشعب إلى مجتمعه فيراه قد تزايد من سبعين نسمة يوم دخولهم مصر إلى أعداد يصعب حصرها، إذ صاروا كالنجوم في السماء كما تراها العين؛ هذا ومن جانب آخر إذ يرى نفسه أنه في عيني الله كالنجوم المتلألئة يحمل انعكاسات بهاء الله عليه، لا يعرف ماذا يقدم للرب سوى أن يرد له الحب بالحب، ويقبل وصاياه وأحكامه بكل اهتمام، بروح الطاعة الكاملة.

أقول هذا أيضًا من جهة عائلاتنا، إن تزايدت في النعمة، وحملت حياة سماوية بهية، وتجلى مسيحنا فيها، تمتلئ الأجيال الجديدة حبًا وطاعة لله ولوصاياه.

كثيرًا ما نلوم الأجيال الجديدة وننعتها بالتمرد وجفاف المشاعر والتذمر والفساد، مع أنه كان يليق بنا أن نلقي اللوم على أنفسنا. فإن الجيل الجديد وقد حُرم من التمتع بخبرة الحياة الكنسية السماوية الصادقة فينا كيف يقدر أن يحب؟ وكيف يمكننا أن نطالبه بروح الطاعة؟!

لقد طالب بالحب قبل حفظ الوصية أو الطاعة، فإن من يحب يشتهي أن يطيع، ويجد لذة وسعادة في طاعة محبوبه، أما من لا يحب فتكون الوصية بالنسبة له ثقلاً، بل وأحيانًا مستحيلة.

يركز موسى النبي في أحاديثه الوداعية على محبتنا لله، قائلاً: "أحبب الرب إلهك" [1]. حفظ وصايا الرب عن ظهر قلب والشهادة للإيمان المستقيم بالفم بغير حبٍ لا يفيد شيئًا. فإنه حتى الشياطين تعرف الله وتعترف به لكن بغير حب، لذا انتهرهم السيد المسيح (مر 1: 25). يقول القدِّيسون يوحنا الذهبي الفم وأمبروسيوس وأغسطينوس: [إنه حتى الشياطين تعترف بالمسيح بغير محبة، فلا ينفع ذلك شيئًا[110]].

الحب هو الذي يجعل إيماننا بالله حيًا، به نستطيع أن نتمم الوصايا. بدون الحب يصير الإيمان للدينونة والوصية مستحيلة، ولا ننتفع شيئًا.

-  قارن (اعتراف بطرس في مت 16: 16) بكلمات الشياطين الذين نطقوا بذات الكلمات تقريبًا (مت 8: 29؛ مر 1: 24؛ لو 8: 28)... فماذا إذن الفارق؟ تكلم بطرس في حبٍ، أما الشياطين فعن خوفٍ... أخبرونا كيف نعرف الإيمان، إن كانت حتى الشياطين يمكنها أن تؤمن وترتعب؟ أنه فقط الإيمان العامل بالمحبة هو الإيمان (الحق)[111].

القدِّيس أغسطينوس

-   الإيمان قدير، لكنه بدون الحب لا ينفع شيئًا. اعترفت الشياطين بالمسيح، لكن إذ كان ذلك بدون محبة لم تنل شيئًا... لا تنتفخ بذات الإيمان الذي يجعلك على مستوى الشياطين[112].

القدِّيس أغسطينوس

-  كل من الشياطين والمؤمنين يعترفون بالمسيح: "أنت هو المسيح ابن الله الحي" (مت 16: 16، مر 3: 11)... إنني أسمع اعترافًا متشابهًا (من الشياطين والمؤمنين) لكنني لا أجد محبة متشابهة. ففي أحدهما يوجد حب، وفي الآخر خوف. إنه محبوب لدى الأبناء، ومرعب لغير الأبناء[113].

القدِّيس أغسطينوس

ليست كلمة محببة لدى موسى النبي مثل "الحب"، فإن جوهر رسالته التي تسلمها من الله هي أن نقبل حب الله خلال تجاوبنا معه بالحب.

"واعلموا اليوم إني لست أريد بنيكم الذين لم يعرفوا ولا رأوا تأديب الرب إلهكم عظمته ويده الشديدة وذراعه الرفيعة. وآياته وصنائعه التي عملها في مصر بفرعون ملك مصر وبكل أرضه. والتي عملها بجيش مصر بخيلهم ومركباتهم حيث اطاف مياه بحر سوف على وجوههم حين سعوا وراءكم فأبادهم الرب إلى هذا اليوم. والتي عملها لكم في البرية حتى جئتم إلى هذا المكان. والتي عملها بداثان وابيرام ابني ألياب ابن رأوبين اللذين فتحت الأرض فاها وابتلعتهما مع بيوتهما وخيامهما وكل الموجودات التابعة لهما في وسط كل إسرائيل. لأن أعينكم هي التي أبصرت كل صنائع الرب العظيمة التي عملها" [2-7].

يبرز هنا مدى اهتمام الله بخلاص شعبه، وتقديسهم، مقدمًا مثلاً لمعاملات الله مع الذين في الخارج وآخر مع الذين في الداخل.

فبالنسبة للذين في الخارج، لقد سمح الله بتدمير بعض بلاد مصر الجميلة والغنية بثمارها وإمكانياتها العلمية والفنية، وذلك خلال العشرة الضربات، كما سمح أن يغرق فرعون وجنوده مع كل ما لديهم من خبرات عسكرية قوية ليُنقذ شعبه من أسر العبودية. الله يسخر كل شيء من أجل محبوبيه!

أما بالنسبة للذين في الداخل، فقد سمح بتدمير داثان وأبيرام وغيرهما (عد 16: 41) الذين سلكوا بروح العصيان والتمرد على الله وعلى نبيه موسى فاستخدموا نارًا غريبة. الله محب، وفي حبه حازم، يطلب نقاوة شعبه وقداستهم، ينزع الفساد لأجل بنيان الجماعة المقدسة.

يظهر مدى اهتمام الله بالقداسة مما فعله مع الشياطين التي شهدت له بالحق: "آه مالنا ولك يا يسوع الناصري... أنا أعرفك من أنت قدوس الله" (مر 1: 24)، إذ انتهره وأمره أن يخرس. وأيضًا ما فعله الرسول بولس مع الجارية التي بها روح عِرافة، إذ كانت تصرخ: "هؤلاء الناس هم عبيد الله العليّ الذين ينادون لكم بطريق الخلاص" (أع 16: 17)، التفتَ إليها وقال: "أنا آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها" (أع 16: 18). فما يريده السيد المسيح ورسله هو قداسة الخليقة.

-   لقد وضع (السيد المسيح) لجامًا على أفواه الشياطين التي صرخت إليه من القبور. فإنه وإن كان ما نطقوا به هو حق، ولم يكذبوا عندما قالوا: "أنت هو ابن الله"، "أنت هو قدوس الله" (مت 8: 29؛ مر 1: 24؛ لو 8: 28)، لكنه لم يرد أن يصدر الحق من فم دنس، خاصة من الذين تحت مظهر الحق يخلطون الخداعات مع الحق[114].

القدِّيس أثناسيوس الرسولي

2. احفظ وصاياه فتطول أيام حياتك:


الوصية المتكررة للشعب وهو داخل أرض الموعد ألا ينشغلوا بالأرض الجيدة، عطية الله، عن التمتع بالوصية الإلهية، مقدمًا لهم بركات حفظ الوصية:

أولاً: أن يملكوا "فاحفظوا كل الوصايا التي أنا أوصيكم بها اليوم لكي تتشددوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي أنتم عابرون إليها لتمتلكوها" [8].

إنهم يدخلون سلسلة من الحروب مع شعوب قوية لها خبرتها العسكرية، ومدنها الحصينة، وإمكانياتها الجبارة، الأمر الذي ينقص شعب إسرائيل. عمل الله أن يرافقهم كقائدٍ لهم، يهبهم القوة، ويقدم لهم النصرة حتى يملكوا. لم يعدهم كيف يدربهم على الأعمال العسكرية، من استخدام السيوف والسهام، ولا أن يقوم بتنظيم عسكري لصفوف المقاتلين، لكنه يقدم حضرته الإلهية سرّ نصرتهم وتمتعهم بالملكية، فحفظ الوصية الإلهية إنما يهيئهم للحضرة الإلهية، ويهبهم كل نجاحٍ حقيقي، واهبًا لهم أن يملكوا. الله يُريد منّا أن نملك بل ونصير ملوكًا أصحاب سلطان.

ثانيًا: أن تطول أيام حياتهم "ولكي تطيلوا الأيام على الأرض التي أقسم الرب لآبائكم أن يعطيها لهم ولنسلهم أرض تفيض لبنا وعسلاً" [9]، وقد سبق أن رأينا هذه المكافأة الصريحة قدمت لمن يكرم أباه وأمه. الآن من يكرم الله كأبٍ سماوي له، والكنيسة كأمٍ روحية يتمتع بذات المكافأة.

تحدثنا قبلاً عن إطالة أيام حياتنا على الأرض، فإن كثيرين ماتوا أطفالاً صغارًا لكن حياتهم في عيني الله ممتدة حتى على الأرض، حيث تبقى شاهدة لعمل الله، ومثمرة في حياة الكثيرين. أمثال ذلك أطفال بيت لحم الذين استشهدوا بعد ميلاد السيد المسيح، فقد بقيت سيرتهم حيّة هنا على الأرض، وصاروا موكبًا مجيدًا يُسر الله ويفرح قلوب السمائيين وجميع المؤمنين. من يكرم الوصية الإلهية بحفظها تكرمه هي بحفظه في المجد الأبدي.

بعض الشيوخ الذين عاشوا سنوات طويلة على الأرض إن قُيّمت حياتهم لا تساوي أيامًا قليلة، وربما ساعات أو دقائق، أو تحسب كلا شيء. فإن عمل الخطية هي أن تقصر حياة الإنسان، أو تجعل أيامه على الأرض موتًا وليست حياة، أما الطاعة للوصية الإلهية فتجعل من عمرنا عربونًا للحياة الأبدية المتهللة والمثمرة.



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +