إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إن سلمت كل أمورك لله فأمن إنه قادر أن يظهر عجائبه

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير سفر التثنية اصحاح 10 جـ2 PDF Print Email

جاءت الكلمات "السموات وسماء السموات" جميعها بصيغة الجمع، فماذا عنيَ بها؟ يرى البعض أن الكلمة الأولى يقصد بها جلد السماء، والثانية الفضاء وما يضمه من كواكب، والثالثة "سموات السموات" هي موضع القدِّيسين في الأبدية مع مصاف الطغمات السمائية.

-    إنه لا يحتاج إلى شيء نعطيه له، وهذا برهان خاص على الحب الخالص، عندما ذاك الذي لا يحتاج إلى شيء، وليس في ضرورة إلينا، يفعل كل شيء من أجل أن نحبه. لذلك يقول موسى: "ماذا يطلب منك الرب إلهك إلا أن تحبه وأن تكون مستعدًا للسير وراءه؟!" [12].
عندما يأمرك أن تحبه فإنه يظهر فوق الكل أنه يحبك. ليس شيء يضمن خلاصنا مثل أن نحبه[104].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

ماذا يطلب الله منك؟

سؤال يقدمه موسى النبي في أواخر حياته على الأرض لشعبه، يليق بكل مؤمن أن يردده في قلبه وفكره ليراجع نفسه، ويجيب بكل أمانة عليه.

لقد طلب الله من موسى النبي أن ينحت له لوحين من حجر ويصنع تابوتًا من الخشب [1] وقام الله بكتابة الوصية... فماذا طلب من الشعب؟

لم يطلب منهم أن يقدموا الذبائح الحيوانية، ولا ذكّرهم بالشرائع الخاصة بالتطهيرات، ليس لعدم أهميتها، وإنما لأنه قد أقام الله ألعازار بن هرون كاهنًا [6]، وأكد إفراز سبط لاوي لخدمته [8]، وهو يعلم أن الشعب يجد تجاوبًا في تنفيذ الطقوس، لكنه خشي أن ينشغل الشعب بالشكليات ويفقد الأعماق الداخلية الخاصة بالشركة مع الله. لهذا جاءت الوصايا الإلهية في الأحاديث الوداعية لموسى النبي تؤكد محبة المؤمنين لله ومخافتهم له من كل القلب والنفس، والطاعة للوصية. كما ركّز على محبة القريب خاصة الأيتام والأرامل والغرباء، بهذا يُقيم منهم كواكب منيرة في السماء [22].

جاءت الإجابة على السؤال: ماذا يطلب منك الرب إلهك؟ هي:

أ. لا يطلب لنفسه شيئًا لأن للرب سماء السموات والأرض وكل ما فيها، فهو ليس في عوزٍ إلى شيءٍ ما. وكما يقول المرتل: "قلت الرب أنت ربي ولا تحتاج إلى صلاحي"[105] (مز 16: 2).

-     لا يحتاج الله إلى صلاحنا، بل نحن نحتاج إلى صلاحه.

القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص

-     قل لي: ما هو نفع الله أن أكون بارًا (عادلاً)؟! وماذا يضيره أن أكون شريرًا؟! أليست طبيعته غير قابلة للفساد؟ لا يصيبها ضرر، وفوق أيضًا أي ألم؟ ليس لدى العبيد مهما كانوا أغنياء شيء ما من عندياتهم، بل ما لديهم هو من سادتهم[106].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

ب. يطلب ما هو لك وهو أن تتقيه، أي تتمتع بمخافته التي هي بدء الحكمة، وقائد لك في حياتك. المخافة التي ترتبط بالحب، مخافة الابن الذي يخشى جرح مشاعر أبيه.

كثيرًا ما يتحدث موسى النبي في هذا السفر عن "مخافة الرب" أو أن نتقيه، مازجًا الخوف بالحب، كما في العبارات السابقة. يقول الأب ماتيروس: [إنه من اللائق  أن تقف أمام الله بعقل يقظ متنبه برعدة وخوفٍ مع التهاب الروح بالفرح والحب العميق[107]]

(رو 12: 11-12).

الإنسان الروحي المملوء حبًا لله يحمل أيضًا مخافة مقدسة تهبه جدّية في حياته ممتزجة بالسلام. يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [الإنسان الهزلي في تعاملاته ليس قديسًا. فحيث توجد النجاسة يكون الهزل؛ وحيث يكون الضحك في غير أوانه يكون الهزل؛ أصغ إلى قول النبي: "اعبدوا الرب بخوفٍ وهللوا له برعدة" (مز 2: 11). الهزل يسلم النفس إلى التنعم والتكاسل. إنه يثير النفس بصورة غير لائقة، فكثيرًا ما تجنح إلى أعمال العنف وتوجد حروبًا[108]].

ج. أن تسلك في كل طرقه، فلا تنحرف يمينًا أو يسارًا، بل تتمتع بالطريق الإلهي الملوكي. لا تسلك حسب هواك، ولا حسب طرق الناس التي قد تضللك، بل تحمل إرادة الله عاملة فيك.

د. تحبه، فتدرك حبه لك، وتختبر الدفء الحقيقي لأبوته وصداقته.

ه. تعبده من كل قلبك وكل نفسك، فتنال كرامة الوقوف أمامه والشركة مع السمائيين في حياتهم السماوية وفرائضه بكونها مصدر الحياة والشبع واللذة والاستنارة!

ثانيًا: الله يود أن يلتصق بنا، لكي نتمتع به بكونه حياتنا.

"ولكن الرب إنما التصق بآبائك ليحييهم، فاختار من بعدهم نسلهم الذي هو أنتم فوق جميع الشعوب كما في هذا اليوم" [15].

اختياره لنا ليس إلا لأنه يطلب حياتنا، مقدمًا ذاته مصدر حياة. واضح أن الوصايا في هذا الأصحاح بدأت بالتزامات الإنسان نحو الله أن يحبه ويتقيه ويعبده، ثم بالالتزام نحو القريب خاصة الأيتام والأرامل والغرباء وأخيرًا نحو الإنسان نفسه حتى يُحصى الإنسان ضمن نجوم السماء المتلألئة.

لقد أكد في أكثر من موضع أن الرب هو نصيب شعبه، وفي هذا الأصحاح يؤكد أنه نصيب خدامه اللاويين. ليس لأنه في احتياج إليهم إذ له "السموات وسماء السموات والأرض وكل ما فيها" [14]، إنما لكي يلتصقوا به فيحيون ويقتنون. يصير لهم مالك السماء وسماء السموات وكل الأرض.

ثالثًا: الله يطلب ختان القلب

"فاختنوا غرلة قلوبكم، ولا تصَلِّبوا رقابكم بعد" [16].

واضح أن الله منذ العهد القديم لا يطلب من فرائضه ووصاياه ممارسات جسدية بحتة، بل يطلب ما يمس كياننا الداخلي. فإن كان قد وضع ختان الجسد علامة قبول الميثاق مع الله، فإن ما يطلبه هو ختان القلب والروح. لا يطلب بتر جزء من جسم الإنسان، بل بتر جذور الفساد والخطية من أعماق النفس. بختان القلب يمكن للمؤمن أن يتمم الوصية العظمى التي هي الاستماع لله والحب له من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القوة، وبهذا يتمم كل الناموس. وكما يقول الرسول بولس: "لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان" (رو 2: 28-29).

يربط النبي بين ختان القلب وعدم تصلب الرقبة، لأن من يقبل الختان الروحي، ويمارس بالروح الموت عن شهوات الجسد تنحني أعماقه بالطاعة لله في فرح شديد، ويكون الإنسان مستعدًا في الداخل لحمل نير المسيح بلذةٍ وشوقٍ.

رابعًا: يدعونا للانتساب إلى الله نفسه الذي هو إلهنا، رب الأرباب وإله الآلهة، الذي يشتهي أن نكون أرباب وآلهة، نحمل شبهه ونصير أيقونة حيّة له، فيكون ربًّا للأرباب وإلهًا على الآلهة. وهو في هذا يشتاق أن ينتسب الكل إليه دون محاباة ولا خلال رشوة، بل ينتسب إلينا أن تقدست أعماقنا.

"لأن الرب إلهكم هو إله الآلهة ورب الأرباب، الإله العظيم الجبار المهيب، الذي لا يأخذ بالوجوه ولا يقبل رشوة" [17].

لاحظ الفكر الأسمى عن وحدانية الله في [17] فإن هذه الفكرة تتخلل السفر كله وهي حجر الزاوية في تعليمه. إنه الإله المرهوب القدير، الذي لا تقف أمامه الآلهة الوثنية والأرباب الباطلة. يشتاق إلى الانتساب إلى الإنسان المتواضع، ليس عن ضعف ولا عن عجز أو احتياج، بل خلال الحب.

خامسًا: يدعونا إلى الاهتمام بالمرذولين والمحتاجين والمطرودين والغرباء، متشبهين به.

"الصانع حق اليتيم والأرملة، والمحب الغريب ليُعطيه طعامًا ولباسًا، فأحبوا الغريب لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر" [18-19].

إذ يختبر المؤمن مراحم الله واهتمامه به خاصة حين كان في عوزٍ أو ضيقٍ يلزمه يرد هذا الحب بالحب نحو المعتازين والذين في ضيقة. هكذا يربط النبي محبتنا لاخوتنا بحبنا لله نفسه.

سادسًا: الدعوة لمخافة الرب والالتصاق به والاعتزاز به، متذكرين عجائبه الدائمة معنا.

"الرب إلهك تتقي إياه تعبد وبه تلتصق وباسمه تحلف. هو فخرك وهو إلهك الذي صنع معك تلك العظائم والمخاوف التي أبصرتها عيناك. سبعين نفسا نزل آباؤك إلى مصر والآن قد جعلك الرب إلهك كنجوم السماء في الكثرة" [20-22].

نسبح الله ليس فقط الذي نسمع عنه ، ولا الذي صنع عجائب مع آبائنا، بل نتمتع بخبرة الحياة معه. وكما يقول القدِّيس يوحنا الحبيب: "الذي رأيناه بعيوننا، الذي سمعناه بآذاننا، الذي لمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة" (1 يو 1).

العجيب يفتخر كثير من الأشرار بانتسابهم لإبليس، بينما يخجل بعض المؤمنين من إعلان إيمانهم بالله  والحديث عنه.

أخيرًا يختم هذا الأصحاح بتأكيد عمل الله القائم على حبه واختياره: "سبعين نفسًا نزل آباؤك إلى مصر والآن جعلك الرب إلهك كنجوم السماء في الكثرة" [22]. يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [بإن الذين نزلوا إلى مصر 75 نفسًا (أع 7: 14؛ تك 46: 27؛ تث 10: 22). نفهم من هذا أنها لم تكن نفوسًا مجردة بل أناسًا لهم أجساد، هكذا عندما نسمع أن المسيح صار جسدًا، أو أخذ جسدًا، إنما أخذ الطبيعة البشرية كلها[109]].

من وحي تثنية 10

أقمني كاهنًا يا رئيس الكهنة الأعظم

-     برجاساتي كسرت عهدي معك،

لكنك تطلب مني أن أنحت مع موسى حجرين.

لقد تحجر قلبي تمامًا،

من ينقش عليه ناموسك سوى روحك الناري!

لتُحول قلبي إلى لوحي عهد أودعهما في تابوت عهدك.

لأحمل مع الكهنة التابوت بتقديسك لكل كياني!

-    أخطأت مع هرون رئيس كهنتك وسبكت لي تمثالاً!

لترد لي كرامة كهنوتي.

بالصفح عني وتقديس قلبي!

-    أفسدت عمل الكهنوت،

عد واعمل فيً،

فأذكر أنك أنت نصيبي يا مُشبع أعماقي!

-    شفع موسى في هرون وكل الشعب.

دمك يشفع فيّ، ويرد لي برك.

في خجل أعترف لك:

كم مرة كسرت عهدك؟

كم مرة شوّهت جمال عملك فيّ؟

كم مرة نسيت كهنوتي؟

الآن ارجع إليك بروح المخافة الربانية.

ردني إليك فأنت أنت الكل لي.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 10 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 


5 توت 1736 ش
16 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة صوفيا
استشهاد القديس ماما

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك