تفسير سفر التثنية اصحاح 9 جـ1 Print

بماذا يتبرر الشعب؟

في الأصحاح السابق ركّز موسى النبي على تأكيد أن ما يتمتع به الشعب من بركات ليس هو ثمر برّهم الذاتي، إنما هو عطية مجانية من قبل الله الذي يشتهي أن يدخل معهم في ميثاق. يدخل بهم إلى القفر لكي يُدركوا قفر طبيعتهم الداخلية، ويبعث إليهم موسى قائدًا ليُعلن أنه مهتم بهم، يحملهم إليه شخصيًا. إنه أمين في مواعيده بالرغم من عدم أمانتهم. وفي هذا الأصحاح أوضح أن الله أقام عهده مع شعبه ليسكب فيض بركاته، لا لأجل برّ الإنسان الذاتي [1-6]، بل من أجل أمانة الله في وعوده. الله في أمانته قدم لشعبه الشريعة، بينما عبد الشعب العجل الذهبي [7-21]. لم يقف موسى النبي في سلبية أمام هذا الجرم العظيم، بل يشفع في شعب الله مذكرًا إيّاه بالوعود الإلهية [22-29].

ويلاحظ أن ذكرى أحداث حوريب في (9: 7، 10: 11) وعرض التفصيلات الخاصة بالزمان والمكان يرجح أنها طبعت أثرًا عميقًا على ذهن موسى، كل هذه تنهض دليلاً قاطعًا جامعًا على صحة نسبة السفر إلى موسى النبي.

1. الله هو قائد المعركة                        [1-3].

2. النصرة ليست بسبب برّهم الذاتي           [4].

3. هزيمة الأمم بسبب شرّهم                  [4-5].

4. أمانة الله في مواعيده مع آبائهم            [5 (ب)-6].

5. شعب متذمر منذ البداية                     [7].

6. شعب يعبد العجل أثناء تسلم الشريعة       [8-15].

7. غضب موسى النبي وكسر لوحيّ العهد     [16-19].

8. اشتراك رئيس الكهنة في خطأهم           [20].

9. قبول سحق العجل عِوضًا عن سحقهم      [21].

10. سلسلة من التذمر والسخط               [22-24].

11. موسى النبي يشفع فيهم                  [25-29].

1. الله هو قائد المعركة:


"اسمع يا إسرائيل أنت اليوم عابر الأردن لكي تدخل وتمتلك شعوبًا أكثر وأعظم منك، ومدنًا عظيمة ومحصنة إلى السماء، قومًا عظامًا وطُوالاً بني عناق الذين عرفتهم وسمعت من يقف في وجه بني عناق. فاعلم اليوم أن الرب إلهك هو العابر أمامك، نارًا آكلة. هو يبيدهم، ويذلهم أمامك، فتطردهم وتهلكهم سريعًا كما كلمك الرب" [1-3].

يرى البعض أن بقوله "اسمع يا إسرائيل"، أنها عظة جديدة قدمها موسى ربما في السبت التالي بعد العظة السابقة[96].

منذ حوالي 38 عامًا كانوا بالقرب من أرض الموعد، لكن لم يكن قد حلّ ملء الزمان لدخولهم، إذ لم يُسمح لهم بذلك بسبب طبيعة التمرد التي سيطرت على قلوبهم. الآن في الشهر الحادي عشر من السنة الأربعين من الرحلة صدر الأمر: "اليوم عابر الأردن". وفي اليوم الأول من السنة الجديدة عبروا إلى أرض الموعد، خلال هذا الشهر مات موسى النبي.

ربما تتشابه الكلمات التي نطق بها موسى النبي في هذه العظة مع الكلمات التي نطق بها الجواسيس (عد 13: 28، 33)، لكن شتّان ما بين الروح الذي نطق به موسى ليُعلن أمانة الله في تحقيق وعوده لشعبه، فيعبر أمام شعبه كنارٍ آكلة تحرق كل مقاومة، وبين روح الجواسيس الذي يُحطم الإيمان ويُفقد النفوس رجاءها في التمتع بالوعود الإلهية.

يؤكد أن إسرائيل يواجه أممًا وشعوبًا أكثر في العدد، وأعظم في القوة وفي خبرة الحرب، وليس كالشعوب البدائية التي كانت تقطن أمريكا أو أستراليا تتسم بالبساطة وعدم النظام الخ. مع هذا فإن الله نفسه يقوم بدور القيادة، وتكون الحضرة الإلهية هي سرّ نصرة الشعب.

يليق بالشعب أن يجاهد ويحارب، معتمدًا على الوعد الإلهي: "كما كلمك الرب" [3]. ما ينعم به الشعب من نصرة هو عطية إلهية، وليس عن قدرة بشرية. بحسب المنطق البشرى لن يقدر هذا الشعب أن يغلب ويملك، لكن هذه النصرة عطية مقدمة من إله المستحيلات، الصانع العجائب. إنه يدخل بنا إلى المعمودية (الأردن) لكي نملك معه (رؤ 5: 10)، محطمًا كل قوى العدو (بنى عناق).

سرّ القوة "إن الرب إلهك هو العابر أمامك نارًا آكلة" [3]. إن كانت سهام العدو ملتهبة نارًا (أف 6: 16) فإن الرب يقيم نفسه سور نارٍ حولنا (زك 2: 5)، محطمًا هذه السهام عنا.

2. النصرة ليست بسبب برّهم الذاتي:

يحذرهم موسى النبي من الكبرياء والتشامخ، فإنه ليس بسبب برّهم ينالون النصرة، بل بسبب أمانة الله.

"لا تقل في قلبك حين ينفيهم الرب إلهك من أمامك قائلاً: لأجل برّي أدخلني الرب لأمتلك هذه الأرض" [4].

إن نسبنا النصرة لله يمجدنا ويكللنا، أما إن نسبناها إلى برّنا الذاتي يسحب نعمته المجانية، ونفقد النصرة، ونصير في هوانٍ وعارٍ. فمن جهة الطبيعة البشرية هو "شعب صلب الرقبة" [6]، إنما من أجل الوعد الإلهي والعهد الذي يقيمه مع الإنسان بقسمٍ [5] يملك الإنسان. لنتمسك بالعهد الإلهي فهو يحول قسوة قلبنا إلى برّ المسيح.

3. هزيمة الأمم بسبب شرّهم:

إن كان من أجل غني مراحم الله يهب الله مؤمنيه قوة ونصرة، فإن إبادة الأشرار وهلاكهم هو ثمر طبيعي لشرهم وفسادهم، فإن الله ليس بظالمٍ.

"ولأجل إثم هؤلاء الشعوب يطردهم الرب من أمامك. ليس لأجل برّك وعدالة قلبك تدخل لتمتلك أرضهم، بل لأجل إثم أولئك الشعوب يطردهم الرب إلهك من أمامك" [4-5].

يتمجد الله في مؤمنيه بعطاياه المجانية، ويتمجد في الأشرار المصممين على شرهم وعنادهم بدمارهم. الذين يرذلهم الرب، إنما بعدالة يستحقون أن يُرذلوا، أما الذين يقبلهم فليس من أجل برّهم الذاتي، بل من أجل مراحمه المجانية الفائقة.

الله في محبته للإنسان يؤكد أن ما يحل بالأمم الشريرة ليس من قبيل ممارسة الله سلطانه، إنما بسبب شرهم. وهو في هذا يقدم درسًا لشعبه، إنه وإن قدّم لهم الأرض مجانًا من أجل غنى نعمته، وليس لأجل برّ فيهم، فإنهم إن تمادوا في الشر يكون نصيبهم كنصيب الأمم السابقة لهم، سيطردهم شرهم هم أيضًا.

لا نعجب إن كان الله – في ملء الزمان – قد قطع الأغصان الطبيعية، أي اليهود، بسبب جحدهم الإيمان بالمسيا المخلص، وطعّم الأغصان البرية لتأتي بثمر الروح. بروح التواضع وعدم التشامخ على الأغصان المقطوعة.

4. أمانة الله في مواعيده مع آبائهم:

"ولكي يفي بالكلام الذي أقسم الرب عليه لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب. فاعلم أنه ليس لأجل برّك يعطيك الرب إلهك هذه الأرض الجيدة لتمتلكها، لأنك شعب صلب الرقبة" [5-6].

لقد أقسم لآبائهم الذين أحبّوه، فقدم لأبنائهم ميراثًا، ليس عن استحقاقهم الذاتي بل من أجل أمانة الله. فاختيار العازر بن هرون كاهنًا يوحي بغفران خطية هرون. هكذا دامت وظيفة رئيس الكهنة.

5. شعب متذمر منذ البداية:

"اذكر، لا تنسَ كيف أسخطت الرب إلهك في البرية، من اليوم الذي خرجت فيه من أرض مصر حتى أتيتم إلى هذا المكان كنتم تقاومون الرب" [7].

بعد أن أكد أنه ليس بسبب برهم الذاتي بل من أجل أمانة الله في مواعيده مع آبائهم يعطيهم الميراث أوضح لهم أنهم لم يمارسوا البرّ، بل كانوا مملوءين تذمرًا وسخطًا منذ بداية الطريق وهم في مصر عند خروجهم، وبقوا هكذا عبر الطريق كله أثناء التيه في البرية. كانت طبيعتهم هي التذمر، مارسوه منذ البداية حتى نهاية رحلتهم.

هنا يسجل موسى النبي خبرته المُرّة مع شعبه الذي دعاه "صلب الرقبة" [6]، دائم السخط من اليوم الذي خرجوا فيه من مصر حتى بلغوا إلى أرض موآب، يحملون روح المقاومة للرب.

6. شعب يعبد العجل أثناء تسلم الشريعة:

سبق لنا الحديث عن إقامة العجل الذهبي في دراستنا لسفر الخروج، الأصحاح 32. واقتبسنا ما قاله مار أفرآم السرياني: [أُستبعد موسى النبي عنهم إلى حين حتى يظهر العجل الذي كان قدامهم، فيعبدوه علانية، هذا الذي كانوا يعبدونه خفية في قلوبهم[97]].

مما أحزن قلب موسى أن الشعب في أقدس اللحظات التي كان الله فيها يتحدث مع موسى مقدمًا شريعته له التي تحذر بشدة من العبادة الوثنية؛ كان موسى صائمًا أربعين يومًا وأربعين ليلاً لا يأكل خبزًا ولا يشرب ماءً، وكان الجبل يدخن بالنار في حوريب؛ إذا بالشعب يزوغ عن الحق، وفي عناد وصلابة رقبة يصب عجلاً ذهبيًا يتعبد له.

في الموضع الذي فيه استلموا الشريعة، كسروها وفي نفس لحظات استلامها. بينما كانت عيونهم لا زالت تنظر الجبل متقد نارًا لم تلن قلوبهم، بل صبّوا العجل الذهبي بسبكه في نارٍ متقدة.

"حتى في حوريب أسخطتم الرب، فغضب الرب عليكم ليُبيدكم" [8].

هكذا يُعبّر موسى النبي عن بشاعة خطيتهم حتى أن الرب أراد إبادتهم في اللحظات التي فيها أراد أن يقدم لهم كل محبة ورحمة.

"حين صعدت إلى الجبل لكي آخذ لوحي الحجر، لوحي العهد الذي قطعه الرب معكم، أقمت في الجبل أربعين نهارا وأربعين ليلة لا آكل خبزًا ولا اشرب ماءً. وأعطاني الرب لوحي الحجر المكتوبين بإصبع الله، وعليهما مثل جميع الكلمات التي كلمكم بها الرب في الجبل من وسط النار في يوم الاجتماع. وفي نهاية الأربعين نهارًا والأربعين ليلة لما أعطاني الرب لوحي الحجر لوحي العهد. قال الرب لي: قم انزل عاجلاً من هنا، لأنه قد فسد شعبك الذي أخرجته من مصر، زاغوا سريعًا عن الطريق التي أوصيتهم صنعوا لأنفسهم تمثالاً مسبوكًا. وكلمني الرب قائلاً: رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صلب الرقبة. اتركني فأبيدهم وأمحو اسمهم من تحت السماء وأجعلك شعبًا أعظم وأكثر منهم. فانصرفت ونزلت من الجبل والجبل يشتعل بالنار ولوحا العهد في يدي" [9-15].

السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 9 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +