إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إذا اقتربت إليناالأرواح الشريرة ووجدتنا فرحين في الرب ، مفكرين فيه مسلَّمين كل شيء في يده واثقين أنه لا قوة لها علينا ، فإنها تتراجع إلى الوراء

الأنبا انطونيوس

تفسير سفر التثنية اصحاح 6 جـ1 PDF Print Email

الوصية والأرض الجديدة

تقوم علاقة الشعب بالله على أساس قبول العهد الذي فيه يعلن الله حبه الكامل والفائق للبشرية، والتي من جانبها تلتزم بالطاعة لصوته، والشوق إلي وصيته من كل القلب، وليس فقط من الشفتين. لقد أوضح لهم ضرورة الانشغال بالوصية حين يتمتعون بالأرض الجديدة. بهذا تكون الوصية باعثًا على تذكر عمل الله معهم عِوض انشغالهم بالخيرات ونسيانهم وصية الرب.

1. الوصية والأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً   [1-3].

2. الوصية كمرافق للمؤمن أينما وُجد         [4-9].

3. الوصية والتمتع بالبركات                   [10-19].

4. الوصية وتذكر التحرر من العبودية         [20-25].

1. الوصية والأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً:

إذ صار الشعب على وشك الدخول إلى الأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً، خشي موسى النبي لئلاَّ تشغلهم الأرض عن الوصية، وتشغلهم بركات الرب الزمنية عن شخصه لهذا أكد بكل وسيلة النقاط التالية:

أولاً: أن ما يقدمه لهم من وصايا أو شرائع أو أحكام ليست من عندياته، إنما هي من عند الرب نفسه.

"وهذه هي الوصايا والفرائض التي أمر الرب إلهكم أن أُعلِّمكم لتعملوها في الأرض التي أنتم عابرون إليها لتمتلكوها" [1].

إنها وصايا الرب لا موسى. هكذا يليق بخدام المسيح أن يقدموا وصاياه التي خلالها يتجلى في سامعيه، ويكون حاضرًا وسط شعبه. لهذا ختم الإنجيلي متى إنجيله بقول السيِّد المسيح: "علّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مت 28: 20).

جاء سفر التثنية يوضح دور الإنسان ودور الله في العهد المبرم بينهما. كثيرًا ما يكرر موسى النبي: "اسمع"، "انظر"، "احفظ"، "اعمل" هذا هو دور المؤمن. أما دور الله فهو

يهب ويكثر ويبارك.

ثانيًا: أن نتقبل الوصية في حياتنا العملية اليومية: "لتعملوه"، أي يعبروا بها نهر الأردن ويدخلوا إلى الأرض الجديدة كدستور لحياتهم العملية.

"لكي تتقي الرب إلهك وتحفظ جميع فرائضه ووصاياه التي أنا أوصيك بها أنت وابنك وابن ابنك كل أيام حياتك، ولكي تطول أيامك" [2].

هكذا إذ يملكوا الأرض الجديدة، يلزمهم ممارسة حياة جديدة بفكرٍ جديدٍ وشريعةٍ إلهيةٍ جديدةٍ.

ثالثًا: إذ يقبل المؤمن الوصية كنزًا يحتفظ به ويعهد به إلى أولاده وأحفاده، يليق به أن تتحول الوصية إلى "تقوى في الرب" [2]، وأن يحفظ جميع الوصايا والفرائض. فإن من يعلم بلسانه دون قلبه وسلوكه يكون كمن يكتب على الماء.

سبق أن تحدثت عن "التقوى في الرب" أو "مخافة الرب" أثناء دراستنا لسفر الأمثال، وهي مخافة الابن ألاَّ يجرح مشاعر أبيه. هذه هي المخافة التي نورّثها للأجيال القادمة بالتقليد العملي الحيّ، فتطول أيامنا، إذ تحسب أيام أحفادنا المقدسة كأنها أيامنا نحن. فكما أن الابن الفاسد يقتل قلب والديه، فيحسب الوالدان كأن أيامهما قد ضاعت وقصرت، هكذا الابن أو الحفيد التقي يُفرح قلب والديه وأجداده في الرب فتطول أيام حياتهم في الرب.

رابعًا: إن كان الشعب سيملك على الأرض المملوءة خيرات كعطية إلهية، فإنه تتبقى خيرات أعظم وعذوبة أفضل يجدها المؤمنون في الوصية، إذ يقول: "فاسمع يا إسرائيل واحترز لتعمل لكي يكون لك خير وتكثر جدًا كما كلمك الرب إله آبائك في أرضٍ تفيض لبنًا وعسلاً" [3].

كما يدخلون إلى أرض كنعان هكذا يليق بنا نحن أن ندخل إلى أرض الوصية بالطاعة لله فتشبع نفوسنا بالخيرات ولا تحتاج إلى شيء، إذ بها ندخل السماء عينها، ومن خلالها يتجلى خالق السماء نفسه.

2. الوصية كمرافق للمؤمن أينما وُجد:

اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد.

فتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك" [4-5].

يعتبر اليهود الآيتين [4-5] من أروع العبارات الكتابية. ويتلوهما اليهود الأتقياء مع (تث 11: 13-21؛ عد 15: 37-41) على الأقل مرتين يوميًا. يُطوّب الإنسان الذي ينطق بهما كل صباح ومساء، ويتممهما عمليًا. ويُعرف العددان بلفظة "شيما" التي هي الكلمة العبرية الأولى فيهما. وقد اقتبس المسيح هذين العددين بكونهما الوصية الأولى والعظمى مع إضافة "من كل فكرك" (مر 12: 30).

الكلمة العبرية المستعملة هنا والمترجمة "واحد" هي "آحاد" وهي لا تنفي عقيدة الثالوث القدوس في المسيحية، ثالوث في وحدانية. توجد كلمة أخرى في العبرية يمكن أن تترجم "واحدًا" وهي كلمة "يحيد" وتدل على الوحدة المطلقة التي يتمسك بها اتباع بعض الأديان الأخرى، وهي تدل في معناها على وحدة الجوهر الفرد، أي الوحدة الذرية التي لا تقبل التعدد. هذه الكلمة ليست مستعملة هنا. وهنا نجد الإيمان بوحدانية الله ممتزجًا بالمحبة وهو الأمر الذي لا يتطلبه أي دين آخر.

اعتاد اليهود أن يكتبوا الحرف الأخير من الكلمتين الأولى والأخيرة حتى يجتذبوا أنظار القارئين إلى هذه العبارة، بكونها أعظم الوصايا وأهمها.

-   لم يقل "تكلم" بل "اسمع" [4].

سقطت حواء لأنها تكلمت مع الرجل بما لم تسمعه من الرب إلهها.

الكلمة الأولى التي يقول لك الله: "اسمع". فإن كنت تسمع تحتاط في طريقك، وإن سقطت تصلح بسرعة طريقك. لأنه "بماذا يصلح الشاب طريقه إلاَّ بحفظ كلمة الرب؟!" (مز 119: 9).

لذلك قبل كل شيء أصمت واسمع، فلا تسقط بلسانك. إنه لشر عظيم أن يُدان الإنسان بفمه[64].

القدِّيس أمبروسيوس

ماذا يعني بالقول: "يهوه، إلهنا (ألوهيمنو Eloheeunuw)، يهوه واحد" [4]؟

أ. يعتز المؤمن بتعبير "يهوه"، لأنه اللقب الخاص بالله الكائن وسط شعبه، فهو ألوهيم "القدير" والخالق، لكننا نعتز به بالأكثر لأجل حلوله وسط شعبه، وسُكناه في قلوبهم.

ب. إن كان هو القدير "ألوهيم"، فهو القدير الذي لنا "إلهنا". قدرته أو جبروته أو إمكانياته الفائقة، هذه كلها لحسابنا، نقتنيه فيعمل معنا وفينا.

ج. قدم موسى النبي عقيدة وحدانية الله مع التلميح للتثليث، بطريقة تناسب اليهود كأطفالٍ في المعرفة الروحية واللاهوتية في ذلك الحين. يقول: "الرب إلهنا رب واحد" [4]، فمع تأكيد وحدانية الله، يكرر اسم الرب ثلاث مرات، فإنه مثلث الأقانيم.

يقدم لنا النبي الإله الواحد، الينبوع الذي يفيض بما يشبع كل السمائيين والأرضيين، عِوض الاعتقاد بآلهة كثيرة، ينابيع جافة لا تستطيع أن تخترق أعماق النفس وأن تشبعها.

-   يوجد إله في إله وليس هما إلهين، إذ مكتوب أنه يوجد إله واحد. ويوجد رب (يهوه)، وليس هما ربِّين[65].

-   يبرهن الناموس على وحدة اللاهوت، هذا الذي يتحدث عن إله واحد. وكما يقول الرسول بولس عن المسيح: "الذي فيه يسكن كل ملء اللاهوت جسديًا" (كو 2: 9). فإنه إن كان كما يقول الرسول، كل ملء اللاهوت جسديًا في المسيح، لهذا يلزم الاعتراف بأن الآب والابن هما لاهوت واحد[66].

القدِّيس أمبروسيوس

"فتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك" [5].

هذه الكلمات ذكرها أيضًا السيِّد المسيح نفسه كما هي، مؤكدًا أن لا يقبل الله إلاَّ أن يكون داخل القلب، يحتله بالكامل، طالبًا كل حبنا مقابل كل حبه المقدم لنا. فبدخوله إلى أعماقنا يجعل القلب مستقيمًا، والنفس مملوءة عذوبة، والحب غير ممتزج بشوائب، بل هو حب طاهر حر سخي لا يعرف الانقسام، ويحول الكيان الداخلي إلى ينبوع مياه حيّة تفيض على الغير، فالحب لا يمكن حبسه في سجن الأنا، بل يطير على الدوام في السماويات يعطي بسخاء ولا يعير. إنه يرتفع بجناحيه كما إلى السماء ليحمل منها سماتها الطاهرة المقدسة ويرجع للعمل في الأرض بروح جديدة.

تحدث في الأصحاح السابق عن الإنسان التقي الذي يخاف الله، مخافة الابن لأبيه، وهنا نجد الله كمحبٍ للبشر يقدم لنا الوصية أن نحبه! لم نسمع قط عن ملك أو رئيس أو أي قائد يُشرّع قانونًا يسألنا أن نحبه، كاستجابة لحبه لنا.

نحبه بكونه الرب السيِّد الكل، وبكونه الله الذي يُقيم عهدًا أو ميثاقًا معنا. يطلب حبًا نابعًا من كل القلب، إذ يتطلع إلى أعماقنا بكونها ملكوته السماوي. نحبه بكل نفوسنا، أي نحبه ليس فقط خلال عواطف القلب ومشاعره، وإنما بفهمٍ وإدراكٍ حقيقي. نحبه أيضًا بكل قوتنا، أي نستخدم كل طاقتنا ومواهبنا للتعبير عن هذا الحب.

-   يبدو دائمًا أنه يليق أن تعطي الله أعظم ما لديك، وهو عقلك، فإنه ليس لك ما هو أعظم منه[67].

-  يلزمنا أن نثير حب العروس كما هو مكتوب: "حب الرب إلهك"[68].

القدِّيس أمبروسيوس

- تعبير "من كل" يستدعي إضافة أنه لا يوجد انقسام إلى أجزاء[69].

القدِّيس باسيليوس الكبير

يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص في حديثه عن خلقة الإنسان On the Making of Man: [تتكون الحياة البشرية من وحدة لها ثلاثة جوانب. يعلمنا الرسول أمرًا مشابهًا بما قاله لأهل أفسس إنه يصلي لأجلهم لكي ما تحفظ النعمة الكاملة للجسد والنفس والروح إلى مجيء الرب. فإننا نستخدم كلمة "الجسد" لعملية الانتعاش بالطعام، وكلمة النفس للجانب الحيوي، والروح للبُعد العقلي. بهذه الطريقة ذاتها يعلم الرب كاتب الإنجيل أن يضع أمام كل وصية أن المحبة لله تمارس بكل القلب والنفس والعقل (مت 22: 37؛ مر 12: 30؛ لو 10: 27). هذا التعبير يضم كل الكيان البشري[70]].

كثيرًا ما تحدث العلامة أوريجانوس والقدِّيس أغسطينوس وغيرهما عن سرّ رقم 3 (من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك) بكونه يُشير إلى القيامة مع المسيح في اليوم الثالث، فإننا نعبد الله بكل القلب المقام، وكل النفس وكل الذهن. تُعلن قيامة المسيح فينا، فنمارس الحياة الجديدة فيه[71].

يرى القدِّيس باسيليوس الكبير أن الإنسان يحمل طاقة حب، تمثل قوة إما لبنيانه أو لتحطيمه. لهذا فإننا إذ نحب الله يلزمنا أن نترجم الحب إلى قوة عمل للبنيان[72].

"ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك" [6].

إن لم توجد الوصية في القلب لا يكون لها وجود، لكنها إن احتلت القلب تنطلق إلى الفكر فتوجه أفكار الإنسان ومفاهيمه خلالها. هذا من جانب ومن جانب آخر من يحب الله يحب كلماته ووصاياه، فاحتلال الوصية للقلب علامة ملكية الله للقلب.

أعظم ذاكرة هي القلب، حين تدخل الوصية إلى مخازن القلب، لا يمكن للإنسان أن ينساها، بل يذكرها على الدوام. بل ويتشكل كل كيانه حسبما يحتفظ به القلب. يطالبنا أن نحمل الوصية أينما وُجدنا. فإنه إذ يحفظها الإنسان في قلبه يكون حاملاً إيّاها أينما وُجد.

"وقصَّها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تمشي في الطريق، وحين تنام، وحين تقوم" [7].

إذ تدخل الوصية القلب يصير المؤمن قادرًا على تعليم أولاده وأحفاده بلغة الحب والبساطة مع الغيرة المتقدة والإخلاص. فإن الإنسان، خاصة الأبناء يحبون من يتحدث معهم خلال القلب. قلوبهم تتقبل بفرح ما يصدر عن قلوب آبائهم.

يقول "قصها على أولادك وتكلم بها" [7]. يُطالبنا لا أن نردد الوصية فحسب بل نعلم أولادنا بكل اجتهاد. فلا يقف الأب موقف المعلم الذي يلقي عظات ويقدم أوامر، إنما يتحدث بلغة الحب حيث "يقص ويتكلم"، فإذ تدخل كلمة الرب إلى القلب تصير جزءً من حياتنا، فنتكلم بروح الحب وبلغة الحياة.

إذ يتسع قلب المؤمن الحقيقي بالحب يحمل ظلاً لأبوة الله، فيشعر أن كل من حوله أشبه بأولاد له، فتعليمه الوصية لا يقف عند أولاده حسب الجسد، بل يمتد إلى كل إنسان، لكي يدخل بكل أحدٍ إلى المجد.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 


10 توت 1736 ش
21 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة مطرونة
استشهاد القديس يؤانس المصري وزملائه
استشهاد القديسة باسين وأولادها الثلاثة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك