إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

تحدث التجارب أحياناً بحسد من الشياطين وبخاصة في أيام الصوم والتناول والحرارة الروحية إن الشيطان يحزن حينما يجد إنساناً يسير في طريق اللـه لذلك إن حلت بك التجارب في فترة الصوم، لا تحزن فهذا دليل على أن صومك له مفعوله، وقد أزعج الشيطان

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التثنية اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email

أمَّا ثمار الطاعة والعصيان فهي:

يؤكِّد موسى النبي مرارًا وتكرارًا أن الطاعة تنتج بركات إلهيَّة [5].

·        الشهادة أمام الأمم عن الله وعمله مع مؤمنيه [6]، هكذا ترتبط الطاعة بالكرازة (مر 16: 15)، إذ يلتزم كل مؤمن صادق أن يشهد ويكرز بإنجيل الخلاص. كل مؤمن ملتزم أن يختبر الطاعة ويقدِّم خبرته لأولاده وأحفاده [9].

بعد أن تحدَّث عن تاريخ الشعب في معاملاته مع الله، بدأ يختم عظته بضرورة الالتصاق بالله نفسه خلال الطاعة لوصيَّته الإلهيَّة. فإن غاية التاريخ هو أن نلتصق بذاك الذي في يديه تاريخ البشريَّة، والذي يشتهي أن يدخل التاريخ مع الإنسان ليحمله إليه، إلى ما فوق التاريخ. فالوصيَّة الإلهيَّة والأحكام والشرائع قُدِّمت للإنسان لا لمجرَّد الخضوع لها، وإنَّما للالتصاق بذاك القادر أن يرفعه إلى ما فوق الزمنيَّات والأحداث.

2. الوصيَّة الإلهيَّة والجيل الجديد:

بعد أن تحدَّث عن الجوانب الإيجابيَّة أن يسمع المؤمن [1]، ويرى [3]، ثم يعمل [6]، تحدَّث عن جانب خطير قادر أن يُحطِّم كل هذه الإيجابيَّات ألا وهو نسيان ما قد رأيناه بعيوننا، فيفسد القلب. لهذا يقدم لنا التحذير التالي:

"إنَّما احترز واحفظ نفسك جدًا لئلاَّ تنسى الأمور التي أبصرت عيناك، ولئلاَّ تزول من قلبك كل أيَّام حياتك، وعلِّمها لأولادك وأولاد أولادك" [9].

لا يقف الأمر عند الاستماع للوصيَّة والعمل بها وحفظها نقيَّة ككنزٍ ثمينٍ في القلب، إنَّما يلزم التعليم بها وتسليمها خاصة للأجيال الجديدة. لنذكر دائمًا ما رأته أعيننا الجسديَّة من بركات الرب الزمنيَّة وأعيننا الداخليَّة من بركات روحيَّة سماويَّة. هذا هو سرّ القوَّة في حياة القدِّيس يوحنا الحبيب. إذ يذكر ما رآه خاصة بالروح، فيقول: "رأينا مجده كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقًا" (يو 1: 14). "الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة، فإن الحياة أُظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبديَّة" (1 يو 1: 1).

حب الله الفائق ورعايته العجيبة وعنايته، أمور تراها العين المنظورة والبصيرة الداخليَّة. لهذا إذ نتحدَّث مع أولادنا وأحفادنا إنَّما نقدِّم شهادة حيَّة كشهود عيان. نؤكِّد لهم إنَّنا رأينا وسمعنا ولمسنا وذقنا ما أطيب أو أحلى الرب!

تجاهل عمل الله معنا أو نسيانه هو جريمة كبرى وجحود نحو خالق محب ومخلِّص عجيب ندين له بحياتنا وقيامتنا كما من الموت. لهذا يقدِّم الرسول بولس إنجيله خلال خبرته الحيَّة فيقول: "نحن الذين كنَّا قبلاً في الظلمة..."، كما أن نسيان عمل الله يحوِّل حياة الإنسان إلى الفساد، فيصير جاحدًا ومجرمًا في حق نفسه، فإن تذكَّر معاملات الله

يحوِّل حياته إلى تسبحة يوميَّة وسيمفونيَّة رائعة تفرِّح قلوب السمائيِّين.

كيف نمارس تذكُّر معاملات الله؟

"علِّمها لأولادك وأولاد أولادك" [9]
. ليس من طريق للتذكُّر أعذب من التسليم أو التقليد، فنسلِّم أولادنا ذكريات عمل الله معنا. ليكن حديثنا مع أولادنا وأحفادنا حسب الجسد أو الروح حديثًا روحيًا خاصًا بعمل الله معنا عبر التاريخ. هذا وإنَّنا لن نقدر أن نشهد للسيِّد المسيح أمام أولادنا وأحفادنا ما لم نكن قد رأيناه. فالحديث عن المخلِّص لا يحمل قوَّة ما لم يكن المتحدِّث قد اختبر الخلاص وأدرك قوَّة المخلِّص في حياته عمليًا.

"(خاصة) في اليوم الذي وقفت فيه أمام الرب إلهك في حوريب، حين قال لي الرب: اجمع لي الشعب فأسمعهم كلامي، لكي يتعلَّموا أن يخافوني كل الأيَّام التي هم فيها أحياء على الأرض ويعلِّموا أولادهم" [10].

بلا شك لكل إنسان أيَّام خاصة لن تُمحى من الذاكرة. سفر التثنية مملوء بذكريات موسى، ويمكن تقسيم هذه الذكريات  إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: في مصر والرحلة إلى سيناء (4: 34).

القسم الثاني: إعطاء الشريعة في سيناء.

القسم الثالث: الرحلة من حوريب إلى قادش (8: 1).

القسم الرابع: حوادث رحلة السنتين الأخيرتين (23: 4).

يشغل القسم الثاني جزءً كبيرًا من الأصحاحات (4، 5، 9، 11) من السفر، وتتحدَّث عن عهد الرب والوصايا العشر والبروق والرعود في سيناء والارتداد بعبادة العجل الذهبي وتوسُّط موسى للشعب وكتابة الوصايا العشر مرَّة أخرى، وتخصيص سبط لاوي للكهنوت.

لقد طلب موسى من الشعب أن يتذكَّروا ذلك اليوم الخاص، ذلك الذي وقف فيه في حضرة الرب في حوريب. حقًا كل أيَّام خدمة موسى لا تنسى، كلَّها أيَّام مثمرة للغاية، لكنَّه لن ينسى ذلك اليوم الخاص الذي تميَّز بالآتي:

·        وقوفه في حضرة الرب.

·        حديث الرب عن شعبه.

·        الله يطلب من الشعب أن يجتمع معًا حول كلمته الإلهيَّة لكي يسمع ويحفظ.

·        غاية الكلمة الإلهيَّة المُسلَّمة لهم هو بث روح المخافة الإلهيَّة، وتعليم الأجيال الجديدة.

هذه هي الذكريات التي حملها ذلك اليوم الخاص بالنسبة للعظيم في الأنبياء موسى. أمَّا بالنسبة لنا فلنا يوم خاص لن ننساه قط، يوم رُفع مسيحنا على الصليب لكي نوجد في حضرة الآب على الدوام. فيه تحدَّث الآب معنا لا بالفم وحده، بل بلغة الحب العامل، مقدِّمًا دم ابنه الوحيد المبذول حديث حب لا يُعبَّر عنه. فيه تجتمع الكنيسة كلَّها بقلبٍ واحدٍ كأعضاء لجسد الرب المصلوب، تسمع صوت الحب وترى الأمجاد المعدَّة لها، وتتلامس مع السماوي. فيه تدرك النفس غاية كلمة الله المتجسِّد المصلوب، به تتمتَّع بالمخافة الربانيَّة، مخافة البنين نحو أبيهم، وفيه نتسلَّم روح الكرازة والشهادة للحق أمام الأجيال المقاومة.

يليق بالجيل الجديد أن يتطلَّع إلى الوصيَّة الإلهيَّة هكذا:

أ. احترز، أي يكون الإنسان يقظًا، حتى يميِّز الحق من الباطل.

ب. احفظ نفسك جدًا: أي يكون الإنسان مجاهدًا، يكرس أعماقه الداخليَّة بشوق لتنفيذ الوصيَّة.

ج. ألاَّ ينسى: فينشغل فكره بالوصيَّة، ولا ينسى مراحم الله وأعماله معه.

د. لئلاَّ تزول من قلبك: أي لا يكفي انشغال الفكر بها، وإنَّما انشغال القلب، فيحب الوصيَّة بكل كيانه الداخلي. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يحتفظ بالوصيَّة في قلبه، فتحفظ هي قلبه، ولا يسقط من بين يدي الله، ولا تُحرم أعماقه من غنى النعمة الإلهيَّة.

ه. كما استلمها من آبائه: يليق به أن يسلِّمها إلى أولاده، فتصير الوصيَّة تقليدًا حيًّا معاشًا، يقدِّمه كل جيل إلى الجيل المقبل.

يعلِّق القدِّيس أثناسيوس الرسولي على هذه العبارة بأن الخليقة بجمالها الفائق، خاصة السماء بكواكبها هي معلِّم صامت لكي يتعرَّف الأمم على الله خالق الكل، وليس لكي تكون لهم آلهة يتعبَّدون لها[39]. هكذا إذ تفسد بصيرة الإنسان، يحول ما هو جميل لا لبنيان نفسه بل لتحطيمها.

3. رفض العبادة الوثنيَّة:

من بين كل الوصايا اختار موسى النبي وصيَّة عدم الارتباط بالعبادة الوثنيَّة. فقد بدأ الشعب يحتك بالأمم بطريقة أو أخرى، وصار الانحراف نحو العبادة الوثنيَّة وممارسة رجاساتها يمثِّل أهم خطر يلحق بشعب الله.

ربَّما تقول: "لا توجد اليوم عبادة وثن". الوثن هو كل ما يفصل قلبك عن الله، أو يعوق حبَّك له، لذا دعا الرسول بولس الطمع عبادة أوثان (أف 5: 5). كل ما يحتل المركز الأول في القلب، وتعطي له أولويَّة عن الله نفسه هو عبادة وثن، حتى إن كان ممارسة رياضة معيَّنة أو الانشغال ببرنامج تلفزيوني أو بالإنترنت. ما دامت هذه الأمور تحتل مركز الله في القلب.

إذ أراد أن يتحدَّث عن رفض العبادة الوثنيَّة بدأ موسى النبي بالجانب الإيجابي وهو الالتقاء بالله نفسه. فإن لقاءه معه على جبل سيناء يحمل ذكريات خالدة لن يقدر الزمن أن يمحوها. بل يحسب موسى النبي أن ما حدث قديمًا مع الجيل الذي مات في البرِّيَّة كما لو كان قد حدث مع الجيل الجديد. أنَّه لقاء الله مع شعبه عبر كل الأجيال لهذا يقول للجيل الجديد:

"فتقدَّمتم ووقفتم في أسفل الجبل، والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلامٍ وسحابٍ وضبابٍ" [11].

مع تقدُّم موسى ليرتفع إلى قمَّة الجبل ويلتقي مع الله وجهًا لوجه ويستلم منه لوحيّ الشريعة المكتوبة بإصبع الله تقدَّم أيضًا الشعب، لكنَّهم لم يقدروا ألاَّ أن يقفوا أسفل الجبل. كان موسى أشبه بالابن المدلَّل في حضن أبيه، وكان الشعب أشبه بالمطروحين أمامه أرضًا.

يقول النبي: "تقدَّمتم ووقفتم". يتحدَّث موسى النبي مع الكل كأنَّهم كانوا واقفين يرون بهاء مجد الله العظيم عند تسلُّم الشريعة، مع أن كثيرين منهم لم يكونوا بعد قد وُلدوا، والآخرون كانوا أقل من 20 عامًا. لكن ما حدث مع آبائهم إنَّما حدث لحسابهم ولحساب الأجيال المقبلة كلَّها. لهذا عندما نسمع هذه الكلمات نحسب أن موسى النبي يحدِّثنا نحن. نحن تقدَّمنا، ونحن وقفنا عند أسفل الجبل، ونحن رأينا الجبل مضطرمًا بالنار، ورأينا مجد الرب خلال الظلام والسحاب والضباب، وكلَّمنا الرب من وسط النار. لقد كنَّا مع موسى في حوريب وسمعنا الشريعة الإلهيَّة.

"فكلَّمكم الرب من وسط النار وانتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتًا. وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر. وإيَّاي أمر الرب في ذلك الوقت أن أعلِّمكم فرائض وأحكامًا لكي تعملوها في الأرض التي أنتم عابرون إليها لتمتلكوها" [12-14].

بعد أن تحدَّث عن رسالتهم في تسليم الأجيال الجديدة ما تسلَّموه منه أراد تأكيد أن التسليم لا يكون بالكلام فقط وإنَّما بالعمل أيضًا، لهذا يكرِّر في هذا الأصحاح كلمة "تعملوها". هذا هو التقليد الحيّ حيث نسلِّم للجيل الجديد الوصيَّة الحيَّة العاملة فينا.

"عهده": وردت هذه الكلمة 27 مرَّة في السفر، وهذه أوَّلها، والكلمة الأصليَّة "بريث" تدل على صكٍ بشروطٍ، إلاَّ أنَّها تدل أيضًا، كما هو الحال هنا، على تأسيس عهدٍ ورابطةٍ ثابتة بين طرفين. وقد يكون هذا عهد أُخوُّة كعهد داود ويوناثان (1 صم 18: 3)، وقد يكون عهد سيادة كعهد داود مع الشعب، أو عهد نعمة خالصة كعهد الله مع نوح (تك 9: 9). كان عهد حوريب عهد نعمة خالصة، إذ اتَّخذ الله فيه إسرائيل شعبًا خاصًا له، كما أنَّهم اتَّخذوه إلهًا لهم (خر 19: 5-8).

يقدِّم لنا موسى النبي لقاءه هو والشعب مع الله عند استلام الشريعة كمثلٍ حيّ للقاء مع الله عبر الأجيال. فإن الله روح والذين يسجدون لله فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا. فلا تليق العبادة للأصنام أيّا كان شكل الصنم، بل نلتقي مع الله على صعيد الروح لكي ننعم بالاتِّحاد معه. عبادة الأوثان لا تضر الله نفسه، بل تهلك الإنسان وتفسد حياته، لهذا يحذِّرهم منها قائلاً:

"فاحتفظوا جدًا لأنفسكم، فإنَّكم لم تروا صورة ما يوم كلَّمكم الرب في حوريب من وسط النار، لئلاَّ تفسدوا وتعملوا لأنفسكم تمثالاً منحوتًا، صورة مثال ما شبه ذكر أو أنثى، شبه بهيمة ما ممَّا على الأرض، شبه طير ما ذي جناحٍ ممَّا يطير في السماء. شبه دبيب ما على الأرض، سمك ما ممَّا في الماء ومن تحت الأرض. ولئلاَّ ترفع عينيك إلى السماء وتنظر الشمس والقمر والنجوم كل جند السماء التي قسمها الرب إلهك لجميع الشعوب التي تحت كل السماء، فتعثر وتسجد لها وتعبدها" [15-19].

-   عندما تقرَّر أن تحفظ هذه الوصيَّة وترفض كل الآلهة والأرباب الأخرى، فلا يكون لك إله أو رب سوى الله الواحد ورب واحد، فإنَّك تعلن الحرب على الآخرين دون الدخول في أي تحالف معهم.

لذلك عندما نأتي إلى نعمة العماد، نعترف بالله الواحد. الآب والابن والروح القدس[40].

العلامة أوريجانوس


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 


8 توت 1736 ش
19 سبتمبر 2019 م

نياحة موسى النبي عام 1485ق م
استشهاد زكريا الكاهن
استشهاد القديس ديميدس القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك