إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إذا تجدد ذهن الإنسان يركز نظره فى الأبدية أكثر مما ينظر إلى العالم الحاضر فلا تزعجه الضيقة بل يفرح بها ويرى فيها بركات عديدة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التثنية اصحاح 1 جـ4 PDF Print Email

"فتقدَّمتم إليَّ جميعكم وقلتم: دعنا نرسل رجالاً قدامنا ليتجسَّسوا لنا الأرض ويردُّوا إلينا خبرًا عن الطريق التي نصعد فيها والمدن التي نأتي إليها. فحسن الكلام لديّ فأخذت منكم إثنى عشر رجلاً. رجلاً واحدًا من كل سبط. فانصرفوا وصعدوا إلى الجبل وأتوا إلى وادي أشكول وتجسَّسوه. وأخذوا في أيديهم من أثمار الأرض ونزلوا به إلينا وردّوا لنا خبرًا وقالوا: جيدة هي الأرض التي أعطانا الرب إلهنا. لكنكم لم تشاءوا أن تصعدوا وعصيتم قول الرب إلهكم" [22-26].

يطلب منهم أن يتمتعوا بالكمال ما قد نالوا عربونه خلال الجاسوسين. فقد جاء الجاسوسان كشاهدين عيان لما تتمتع به الأرض من خيرات، لكنهم لم يبالوا بكلمات كالب وتجاهلوا شهادة يشوع. جاء كالب ويشوع يقدمان لهم مما رأيا وذاقا واختبرا.

احتاج رجال العهد القديم إلى جواسيس لكي يذوقوا عربون خيرات أرض الموعد، أما رجال العهد الجديد فتمتعوا بكلمة الله المتجسد الذي يحملهم فيه، أعضاء جسده، فينالوا عربون السماء. بهذا دخل بالمؤمنين إلى الحياة السماوية كي يقدموا حياتهم شهادة حية عملية إذ ذاقوا فيه عذوبة الخيرات العتيدة، هم تعليم متجسم لما يكرزوا به. حياتهم تتكلم، وسلوكهم يشهد لما يخبروا به.

سمع الشعب عن أرض الموعد إنها تفيض لبنًا وعسلاً، لكنهم كانوا في حاجة إلى قادة يتمتعون لا بالمعرفة النظرية المجردة، بل المعرفة المؤيدة بالرؤية والخبرة. ذهب الاثنا عشر جاسوسًا إلى أرض الموعد، وأصبحت المعلومات كاملة بين أيديهم عن خصوبة الأرض وإمكانياتها وحصون المدن وضخامة العدو من جهة العدد والجسم والخبرة العسكرية، لكنهم انقسموا إلى فريقين. فريق رأى المعلومات data بمنظار بشري بحت، فتحطمت نفوسهم وحطموا نفوس الشعب، وفريق رأى المعلومات بمنظار إيماني إلهي فالتهب قلب الفريق بالشوق نحو العبور. وإلى اليوم تحتاج الكنيسة إلى قادة يحولون المعرفة إلى خبرة عملية، ويرونها بمنظار إلهي حق، حتى يستطيعوا أن يعبروا مع المخدومين إلى الوعود الإلهية السماوية.

"وتمرمرتم في خيامكم وقلتم الرب بسبب بغضته لنا قد أخرجنا من أرض مصر ليدفعنا إلى أيدي الأموريين لكي يهلكنا. إلى أين نحن صاعدون؟ قد أذاب إخوتنا قلوبنا قائلين: شعب أعظم وأطول منّا. مدن عظيمة محصّنة إلى السماء وأيضًا قد رأينا بني عناق هناك" [27-28].

الدفاع الأول لأية مدينة قديمة هي أسوارها، فإن اخترق العدو السور تسقط المدينة بسهولة في يديه. (2 مل 25: 4).

عرفت أسوار أريحا بقوتها، لذا قيل عنها إنها ترتفع إلى السماء [28]. جاء في الحفريات أن أسوارها مزدوجة تحيط بالمدينة من كل جانب. يبلغ ارتفاع السور أكثر من 40 قدمًا وعرضه حوالي 66 قدمًا. من أسفل السور من الحجارة ومن أعلى من الطوب، مغطاة بكلسٍ ناعمٍ جدًا حتى يستحيل تسلقه أثناء الهجوم. يرى البعض أن انهيار الأسوار كان بتدبير إلهي عن طريق هزة أرضية قوية حطمته.

"فقلت لكم لا ترهبوا ولا تخافوا منهم. الرب إلهكم السائر أمامكم هو يُحارب عنكم حسب كل ما فعل معكم في مصر أمام أعينكم. وفي البرية حيث رأيت كيف حملك الرب إلهك كما يحمل الإنسان ابنه في كل الطريق التي سلكتموها حتى جئتم إلى هذا المكان" [29-31].

رغم تقرير الجواسيس عن خصوبة الأرض [25] التي يُقدمها الرب لهم، إذا بهم في رعب وخوف [26-29]، لا يثقون في الرب المحارب عنهم. الطريق صعب، هو طريق حرب مستمرة (ضد عدو الخير)، لكنها هي حرب الرب نفسه، يسير أمامنا ليواجه المعركة ويحارب عنا (1: 30). نحن لسنا طرفًا في الحرب الروحية ضد الشر. لقد أكد لهم أن الله ساكن في وسطهم، يتقدمهم في الطريق كقائد لهم ومرشدٍ، وهو الذي يقضي ويحكم، وأيضًا هو الذي يُحارب عنهم.

جاءت كلمة "الرب" في ترجوم Onkelos "كلمة الرب... تحارب عنكم" [30]، هي نفس الكلمة التي استخدمها القدِّيس يوحنا عن السيِّد المسيح بكونه "اللوغوس"[31]. (تث 1: 30)

أظهر لهم عمل الله معهم، فوهبهم النصرة بذراع قوية عند خروجهم من مصر، وقدم لهم كل حنو حقيقي في البرية. فإنه لا يوجد أي مجال للشك في حنو الله الذي حملهم على ذراعيه كما يحمل الأب ابنه. لقد سبق فاشتكى موسى بأن الله قد عهد إليه أن يحمل هذا الشعب كأب يحمل رضيعًا (عد 11: 12).

وفي البرية حيث رأيت كيف حملك الرب إلهك كما يحمل الإنسان ابنه في كل الطريق التي سلكتموها حتى جئتم إلى هذا المكان" [31].

في أكثر من موقف يعلن الله أبوته الحانية وعنايته الفائقة للإنسان، فقد حمل شعبه كما على جناحي نسر، لا لينطلق بهم إلى أرض الموعد، بل إليه، ليجدوا في الله نفسه أرض موعد فريدة.

وهنا يعلن ذاته كأب يترفق بابنه فيحمله على ذراعيه، لا إلى حين، بل "في كل الطريق". فيشعر المؤمن أنه محمول على الأذرع الأبدية.

لاحظ الاتهامات التي وجهها النبي ضدهم:

1. العصيان والتمرد ضد شريعة الله [26]، وهو تمرد على سلطة الله.

2. أساءوا إلى صلاح الله، فحسبوا خروجهم من أرض العبودية للتمتع بأرض الموعد علامة بغضة الله لهم.

3. يحملون قلبًا غير مؤمن، إذ لم يؤمنوا أن الرب هو إلههم [32]. وهذا هو مركز الشر. فالعصيان على شريعة الله، وعدم الثقة في قوته وصلاحه ينبع عن عدم الإيمان بكلمته.

"ولكن في هذا الأمر لستم واثقين بالرب إلهكم. السائر أمامكم في الطريق ليلتمس لكم مكانًا لنزولكم في نارٍ ليلاً ليريكم الطريق التي تسيرون فيها وفي سحاب نهارًا" [32-33].

ما الذي حرم آباءهم من دخول أرض الموعد؟ عدم الإيمان. كل خطية يسهل تقديم العلاج لها، لكن الذي يفقد الإنسان أبديته هو عدم الإيمان! في الطريق لن يعوزنا شيء، يصير كنار تُضيء بالليل حتى لا نتعثر، وكسحاب في النهار كي لا نتوقف (1: 33).

"وسمع الرب صوت كلامكم فسخط وأقسم قائلاً: لن يرى إنسان من هؤلاء الناس من هذا الجيل الشرير الأرض الجيدة التي أقسمت أن أعطيها لآبائكم. ما عدا كالب بن يفنة هو يراها، وله أعطى الأرض التي وطئها ولبنيه، لأنه قد اتبع الرب تمامًا. وعليَّ أيضًا غضب الرب بسببكم قائلاً: وأنت أيضًا لا تدخل إلى هناك. يشوع بن نون الواقف أمامك هو يدخل إلى هناك. شدده لأنه هو يقسمها لإسرائيل. أما أطفالكم الذين قلتم يكونون غنيمة وبنوكم الذين لم يعرفوا اليوم الخير والشر فهم يدخلون إلى هناك، ولهم أعطيها وهم يملكونها. وأما أنتم فتحولوا وارتحلوا إلى البرية على طريق بحر سوف" [34-40].

عدم إيمانهم أساء إلى موسى نفسه، فحُرِم معهم من دخول أرض الموعد. هنا يلزمنا أن نشير إلى ما حدث عند ماء مارة (قادش) حيث قال الرب أن موسى وهرون لم يكرماه (عد 20: 12)، لكن صلاح الله حوّل حتى هذا الغضب الإلهي للخير، فعِوض حرمان موسى من الدخول بالشعب إلى أرض الموعد يقوم يشوع بذلك. وما عجز عنه الناموس يقدمه يسوع "يشوعنا" الذي يدخل بنا إلى كنعان السماوية. لقد أغلق الباب على الجيل القديم لكن نعمة الله فتحته للجيل الجديد.

نحتاج أن نستعرض حياتنا في الماضي القريب وأيضًا البعيد فنكتشف حب الله الفائق لنا ونعمته الفياضة ورعايته الفريدة واهتمامه الخاص بنا. هذا كله يسندنا ويدفعنا إلى الثقة في وعود الله، وقبول الدخول إلى كنعان السماوية وممارسة عربون الأبدية بقيادة يسوع المسيح.

الله يؤدب المتذمرين فاقدي الثقة بحرمانهم من أرض الموعد، لكنه لا يحرم أولادهم (1: 39).

5. إصرار على العصيان:

"فأجبتم وقلتم لي قد أخطأنا إلى الرب، نحن نصعد ونحارب حسب كل ما أمرنا الرب إلهنا، وتنطقتم كل واحد بعدة حربه، واستخففتم الصعود إلى الجبل. فقال الرب لي: قل لهم لا تصعدوا ولا تحاربوا لأني لست في وسطكم لئلاَّ تنكسروا أمام أعدائكم. فكلمتكم ولم تسمعوا بل عصيتم قول الرب وطغيتم وصعدتم إلى الجبل. فخرج الأموريون الساكنون في ذلك الجبل للقائكم وطردوكم كما يفعل النحل، وكسروكم في سعير إلى حرمة. رجعتم وبكيتم أمام الرب ولم يسمع الرب لصوتكم ولا أصغي إليكم. وقعدتم في قادش أيامًا كثيرة كالأيام التي قعدتم فيها" [41-46].


حين طلب الله منهم الصعود للحرب خافوا ورفضوا، وعندما أعلن غضبه عليهم وطلب إلاَّ يصعدوا لم يسمعوا وصعدوا. لم يكن الإيمان هو قائدهم، بل إرادتهم الخاصة، لذا في انسحابهم من الصعود كما في صعودهم للحرب كشفوا عن عصيانهم.

الخطية تجعل الإنسان عنيدًا مع الله محبوبه، حين طلب الله منهم أن يصعدوا ليحاربوا ويملكوا رفضوا (تث 1: 26)، وحين طلب منهم ألاَّ يصعدوا ولا يحاربوا فإنه لم يعد في وسطهم [42] مؤكدًا لهم إنهم سينهزمون. لم يسمعوا له بل صعدوا في تهوّرٍ وغباوة وعجرفة.

والعجيب أنه حتى حين أدبهم بسبب عصيانهم إذ لم يعد في وسطهم [42] لم يرد لهم أن ينكسروا أمام أعدائهم، فطلب ألاَّ يصعدوا ويحاربوا حتى يقدموا توبة فيعود ويسكن في وسطهم ويهبهم النصرة.

لم يحزنوا لأنهم عصوا الرب، ولا لكي يعودوا فيخضعوا لإرادته، وإنما لما حلّ بهم من هزيمة. لقد بكى الشعب أمام الرب، لكنها كانت دموع التماسيح التي قُدمت لا للتوبة الصادقة والرجوع إلى الله ليسلكوا بروح الإيمان، وإنما عادوا إليه لأجل ما حلّ بهم من خسارةٍ وعارٍ. لم تكن تشغلهم علاقتهم بالله، بل ما يصيبهم. بكوا، لكن لا بدموع التوبة والرغبة في الرجوع إلى الله باتضاع، وإنما دموع تحمل الكبرياء والتشامخ كيف ينظر الكل إليهم كفاشلين.

يقول الرسول بولس عن الحزن الحقيقي: "لأنكم حزنتم للتوبة، لأنكم حزنتم بحسب مشيئة الله". كم أنشأ فيكم من الاجتهاد" (2 كو 7: 10-11).

ذكر هنا أن الأموريين هم الذين طردوهم [44] بينما جاء في سفر العدد: "فنزل العمالقة والكنعانيون الساكنون في ذلك الجبل وضربوهم وكسروهم إلى حرمة" (عد 14: 45)، فقد استعار هنا اسم "الأموريين" بكونهم أعظم دولة قوية في كنعان في ذلك الحين ليُشير بهم إلى كل الكنعانيين بصفة عامة، وذلك كما جاء في (تث 1: 7)[32].

من وحي تثنية 1

قدنا في رحلة غربتنا


-  في حوريب قلت لشعبك:

كفاكم قعود في هذا الجبل.

لتقل كلمة فتنطلق نفوسنا نحو كنعان السماوية.

ولا نسير حول جبال العالم في تيه.

- لم تجعل الأرض أمامنا كما فعلت مع بني إسرائيل،

بل فتحت أبواب السماء لندخل فيها،

وقدمت لنا حضن الآب لنستقر فيه!

ليحملنا روحك القدوس فتستقر نفوسنا!

- لم يقدر موسى أن يحتمل وحده أثقال الشعب.

أنت حملت خطاياي وشروري.

انطلقت بي من القفر العظيم المخوف،

ودخلت بي إلى المقادس السماوية (قادش).

-  أمرتني: اصعد – اُملك – لا تخف!

بك اِصعد إذ صيرتني سماويًا.

بك أملك فإني ملك.

لا أخف لأني ابنك!

- رفض الشعب القديم شمس مشورتك،

وبعثوا بشموع الجواسيس.

استهانوا بوعدك وحكمتك.

عصوك ورفضوا بقلوبهم أرض الموعد.

هب لي روح الطاعة يا أيها الابن العجي



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 


10 توت 1736 ش
21 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة مطرونة
استشهاد القديس يؤانس المصري وزملائه
استشهاد القديسة باسين وأولادها الثلاثة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك