إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

المسيح على الصليب أكثر جمالاً وجلالاً من كل أصحاب التيجان فلنغنى له ونقول " الرب قد ملك لبس الرب الجلال "

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أيوب

+ تفسير سفر أيوب +



تفسير سفرأيوب اصحاح1 PDF Print Email

شهادة الله لأيوب

يبدأ المشهد في منطقة أدوم، لرجلٍ بار يعبد الله الحقيقي، مثل الآباء البطاركة يمارس العمل الكهنوتي لحساب أسرته.

يليه مشهد آخر في السماء، لم يعرفه أيوب نفسه، لكن الله أعلنه لكاتب السفر. فيه يعلن الله عن اهتمامه ببني البشر، خاصة المؤمنين به.

يبرز الكتاب المقدس، خاصة في هذا السفر أن الشيطان كائن لا يعرف الخمول، لكن يبذل كل الجهد لمقاومة الله في البشرية المتعبدة له. إنه لا يكف عن الشكوى ضد المؤمنين، بينما يأخذ الله موقف الدفاع عنهم. إنهم موضع عنايته الإلهية ورعايته الفائقة، لكن قد يسمح لهم بالتجارب لكي تتلألأ بالأكثر أكاليلهم.

1. تقوى أيوب وغناه       1-3.

2. ولائم أسرية             4-5.

3. شكوى إبليس            6-12.

4. نكبات متلاحقة             13-19.

5. أيوب الشاكر 20-22.

 

 

 

1. تقوى أيوب وغناه

"كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عُوصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ.وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي الله، وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" [1].

يرى كثير من الآباء أن السفر يُفتح بمديح عظيم له بقوله: "كان رجل". وكما يقول العلامة أوريجينوس إن كثيرين يُدعون بشرًا، لكنهم يسلكون كحيواناتٍ مفترسةٍ أو حيواناتٍ غبية أو زواحفٍ أو طيورٍ وليس كبشرٍ حسبما خلقهم الله محب البشر.

هذا الاسم "رجل" لا نعًّرفه حسبما يعرفه الذين هم في الخارج، بل حسبما يعًّرفه الكتاب المقدس. فالإنسان ليس هو كل من له يدا إنسان وقدماه، ولا من كان عاقلاً فحسب، بل من يمارس التقوى والفضيلة بشجاعة[36].

القديس يوحنا الذهبي الفم

كثيرون يدعون أنفسهم "رجالاً" (أناسًا)، لكنهم هم ليسوا بالحق هكذا. فالبعض يعيشون بسلوك بهيمي، بينما آخرون بسلوك الزواحف، يبثون حنقهم كوحوشٍ مفترسةٍ. لهذا يقول داود نفسه: "والإنسان في كرامةٍ لا يبيت، يشبه البهائم" (مز 49: 12)...

لكن بالتأكيد تُستخدم كلمة "إنسان" على من يحمل صورة الله (تك 1: 27)، هذا الذي يحمي كرامته بطريقة لائقة، ويضع الخيار بين الخير والشر، ويهب مجده لخليقته التي تبتهج به، وتجد مسرتها فيه (مز 104: 31).

هكذا "كان رجل في أرض عوص". فقد كانت المنطقة قفرًا موحشًا، لكن به غرس... كان أيوب كنزًا لا ينقصه شيء. كان مملوءً من عنب الحصاد المغروس. كان كاملاً (حقيقيًاtrue ) كخليقة الإله الحق، إذ استخدم فضائله لحساب الحق بغير رياءٍ، متممًا وصايا الله... فقد عبد الله حسبما يريد الله[37].

 

كان بنو أدوم يسكنون في "عوص" في أيام إرميا النبي (مرا 4: 21). يُعتقد أنها كانت بين دمشق وأدوم، في الصحراء السورية. وهناك من يعتقد أنها هي حوران. تقع ما بين فلسطين والعربية، شمال شرقي نهر الفرات، في طريق القوافل ما بين مصر وبابل. يرى التقليد أن حاران هي وطن أيوب، شرق بحر الجليل. وهي منطقة كانت خصبة للغاية، وكانت تضم حوالي 300 مدينة صغيرة.

 

ولعل عوص كانت لا تبعد كثيرًا عن أور الكلدانيين التي دُعي منها إبراهيم. فإن كان الله قد دعا إبراهيم ليقيم من نسله شعبًا مختارًا، لكن له بقية تشهد له وسط الأمم. وتحقق خطة الله نحو البشرية حين نشترك مع القديس يوحنا في تمتعنا بهذا المنظر: "وإذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون أمام العرش" (رؤ 7: 9).

لقد أخرج الله إبراهيم من تلك الأرض الفاسدة حيث يدعو الله مختاريه اعتزال الشر. وسمح ببقاء أيوب لكي يكون شاهدًا بنوره الإلهي وسط الظلام الدامس، كالكواكب وسط ظلمة الليل.

لكي يكشف عن استحقاق فضيلته أُخبرنا أين قطن الرجل القديس، لأنه من لا يعرف أن عوص هي بلد أممي؟ كان العالم الأممي تحت سلطان الشرير؛ وبالتالي كانت عيناه مغلقتين عن معرفة خالقه. إذن لنُخبر أين قطن، فإن في هذا مديح له. كان رجلاً صالحًا يقطن بين أناسٍ أشرارٍ. إنه لمديح ليس بعظيمٍ أن تكون صالحًا في صحبة الصالحين، وإنما أن تكون صالحًا ساكنًا وسط أشرارٍ، فهذه شهادة لا يُمكن قياسها...

فقد قيل: "وأنقذ لوطًا البار مغلوبًا من سيرة الأردياء في الدعارة، إذ كان البار بالنظر والسمع وهو ساكن بينهم يُعذب يومًا فيومًا نفسه البارة بالأفعال الأثيمة" (2 بط 2: 7-8)...

وهكذا يقول بولس لتلاميذه: "في وسط جيلٍ معوجٍ وملتوٍ تضيئون بينهم كأنوارٍ في العالم" (في 2: 15).

وقيل لملاك كنيسة برغامس: "أنا عارف أعمالك، وأين تسكن، حيث كرسي الشيطان، وأنت متمسك باسمي ولم تنكر إيماني" (رؤ 2: 13).

هكذا مُدحت الكنيسة بصوت العريس، قائلاً في نشيد الحب: "كالسوسنة بين الشوك، كذلك حبيبتي بين البنات" (نش 2: 2)...

بحقٍ قيل عنه إنه كان "يحيد عن الشر" فقد كُتب: "حد عن الشر، وأفعل الخير" (مز 37: 27). فإنه بالحق الأعمال الصالحة تكون غير مقبولة لدى الله إن كانت في عينيه ملطخة بمزجها بأعمال شريرة، وذلك كما قيل بسليمان: "من يخطئ في أمرٍ واحدٍ يُفسد خيرًا جزيلاً" (راجع جا 9: 18). يشهد يعقوب لذلك، قائلاً: "لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة، فقد صار مجرمًا في الكل" (يع 2: 10). بولس يقول: "خميرة صغيرة تخمر العجين كله" (1 كو 5: 6).

إذن كان لائقًا أن يُشار كيف كان يحيد عن الأعمال الشريرة لإظهار كيف كان الطوباوي أيوب بلا غضن ثابتًا في أعماله الصالحة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

تشهد كلمة الله بكمال أيوب، "وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي الله، وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ".

1. كاملاً: وهو كمال نسبي، فلا يعني أنه بلا خطية، وإنما يطلب الكمال، ويجد في بلوغه حسب استطاعته.

يتحدث الرسول عن نفسه أنه كامل وغير كامل. فيحسب نفسه غير كاملٍ، متطلعًا كم من برّ لا يزال ينقصه، لكنه كامل حيث لا يستحي من أن يعترف بعدم كماله، وأنه يتقدم لكي يبلغ الكمال[38].

القديس أغسطينوس

يوجد شكلان للكمال، شكل عادي، وآخر علوي. واحد يُقتني هنا، والآخر فيما بعد. واحد حسب القدرات البشرية، والآخر خاص بكمال العالم العتيد، أما الله فعادل خلال الكل، حكيم فوق الكل، كامل في الكل[39].

القديس أمبروسيوس

1. مستقيمًا: في معاملته مع الله والناس، أي يحمل روح البساطة التي بلا التواء ولا انحراف داخلي. ما يمارسه يكشف عما في قلبه بغير خبثٍ. مستقيم في سلوكه، يدقق في أفكاره وكلماته وتصرفاته، أمين في وقته ومواعيده والوزنات الموهوبة له.

2. تقيًا: يعبد الله بروح تقوي، لا في شكليات جافة بلا روح. يسعى أن يتمم مشيئة الله، بمعنى آخر يتناغم سلوكه مع عبادته لله، يخشى الله لئلا يسيء إلى جلاله وحبه.

3. يحيد عن الشر: مخافة الرب سور تحوط به، فلا يسمح للشرٍ أن يتسلل إلى فكره أو قلبه أو سلوكه.

قيل إنه كان مستقيمًا "بلا عيب"، ولم يقل "بلا خطية"... لماذا كان بلا عيب؟ لأنه كان مستقيمًا.

كان "حقًا true" لأن الناس كاذبون (مز 62: 9).

كان "حقًا"، لا في الكلمات فقط، وإنما في الأعمال أيضًا. بهذا فهو "رجل حق". لأن "فلنسمع ختام الأمر كله، أتقِِ الله وأحفظ وصاياه، لأن هذا هو الإنسان كله" (جا 12: 13). كان أيوب غيورًا نحو التصرفات الخالصة، لهذا يقول النص إنه كان "تقيًا وحقًا" وقد أبرز علة كل فضائله أنه يتَّقي الله... معرفة الله تُعلَنْ في حياة الشخص، وتصير حافظة للحياة...

لم يقل: "لم يرتكب شرًا"، بل "يحيد عن الشر"... في عبارة أخرى: "لئلا أشبع وأكفر وأقول من هو الرب؟" (أم 30: 9). ها أنتم ترون أنه ما لم يكن الإنسان حذرًا، فإن التخمة هي أساس الخداع. لكن لم يكن حال أيوب هكذا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وَوُلِدَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ" [2].

مع كثرة نسله لم ينشغل أيوب البار بممتلكاته ليقدم ميراثًا عظيمًا لكل ابن أو ابنة له، لكن ما كان يشغله هو تقديم ميراث ضخم من الصلوات والتسابيح والذبائح الروحيَّة والمحرقات كسندٍ لهم.

يرى العلامة أوريجينوس في البنين والبنات رمزًا لعمل الروح القدس في حياة المؤمن، حيث ينجب أو يثمر، خلال نفسه كما خلال جسده، ثمارًا روحيَّة مقدَّسة للرب، فالإنسان التقي كأيُّوب يعمل فيه روح الله، فتتناغم النفس مع الجسد، حيث يكون بكليَّته تحت قيادة الروح القدس. ويقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) في تفصيلٍ وبتوسع تفاسير رمزيَّة للسبعة بنين والثلاث بنات، نقتطف القليل جدًا منها.

ماذا يقدم لنا رقم 7 سوى ذروة الكمال؟... فالسبعة بنين يمثلون تدبير الكارزين، والثلاث بنات يمكن أن يشرن إلي الثلاث فئات من المؤمنين في حياة الكنيسة... الرعاة والبتوليِّين والمتزوِّجين.

يولد لنا سبعة بنين، حين نحبل بالنية الصالحة، فتولد فينا سبعة فضائل الروح القدس. فقد اهتم النبي بهذا النسل الروحي على وجه الخصوص حين يجعل الروح القدس الذهن مثمرًا بهذه الكلمات: "ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوَّة، روح المعرفة ومخافة الرب، ويملأه روح مخافة الرب" (راجع إش 11: 2). فعندما تتولد في كل منا عند حلول الروح القدس الحكمة والفهم والمشورة والقوة والمعرفة والتقوى ومخافة الرب، يكون قد وُلد نسل في الذهن، يحفظ سلالة شرفنا العلوي في الحياة، حيث تتحالف بالأكثر مع المحبَّة الأبديَّة.

بالتأكيد السبعة بنين فينا لهم ثلاث أخوات، حيث كل منهم (البنين) يعمل بنضوج (رجولية) بميول فاضلة، فيتحد مع الإيمان والرجاء والمحبة. فإن رقم 7 لن يبلغ كمال رقم 10 ما لم يفعلوا كل شيء بإيمان ورجاء ومحبة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

بعدما تحدث عن غناه الداخلي الخاص بالنفس حيث كان له سبعة بنين، أيّ عطايا الروح القدس مع ثلاث بنات، أيّ الإيمان والرجاء والمحبة، تحدث عن غناه الجسدي. فالأبناء يشيرون إلي غنى الروح، والحيوانات تشير إلي غنى الجسد المقدس في الرب. فلا يعاني من عوزٍ روحي، ولا من عوزٍ جسدي، مادام خالق النفس والجسد يُشبع كل كيانه.

"وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَم، وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَلٍ، وَخَمْسَ مِئَةِ زَوْجِ بَقَرٍ، وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ، وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدًّا.

فَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ" [3].

مع ثروته الضخمة اتسم بالبرٌ، وقد قدم الغنم أولاً لأنها كانت لازمة للعائلات: "الحملان للباسك... لبن المعز لطعامك لقوت بيتك ومعيشة فتياتك" (أم 27 :26-27). وكان خدمه كثيرين، الكل يخدمه هو وبيته.

من بين العادات التي لا تزال قائمة بين الرعاة ومجتمعات البدو تقدير ثروات الشخص وغناه ليس حسب أرضه ولا بيوته، وإنما حسب المواشي التي يملكها. فكان إبراهيم غنيًا جدًا من جهة قطيعه (تك 13: 2). وكان للوط أيضًا قطعانه (تك 13: 5). هكذا يُقدر غنى أيوب بعدد حيواناته التي يمتلكها. وقد ذكر أناث الحمير (الأتن)، لأنها كانت قيمتها أكثر من الذكور بكثير بسبب اللبن الذي كان يُستخدم للشرب[40].

يرى البعض أن غنم أيوب وجماله تشير إلي إتحاد عصر الناموس بعصر النعمة، فالسبعة الآلف من الغنم تشير إلي مرعي الناموس الذي يصير كاملاً باللمسات الروحية (رقم ألف) عوض الحرف؛ ينضم إلي هذا المرعي الثلاثة آلاف من الجمال حيث تأتي شعوب الأمم لتنضم إلي مرعى الناموس الروحي، ويكون الكل رعية واحدة لراعٍ واحدٍ.

كان أيوب غنيًا، لكنه لم يقضِ حياته في ترف بلا حنو (على الآخرين). كان بيته مفتوحًا لكل محتاجٍ بإرادته المملوءة حبًا. لم يعامل أحدًا بظلمٍ، بل ساعد الذين كانوا يعانون من الظلم؛ كان يقدم الاحتياجات اللازمة للأرامل والأيتام. فإن هذه هي أعمال البرّ للغني البار[41].

العلامة أوريجينوس

2. ولائم أسرية


"وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ الثَّلاَث،َ لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ" [4].

صورة رائعة لرجل غني جدًا لم يشغله ولا شغل أبناءه الغنى والثروة، بل يجتمع الكل بروح الحب والوحدة مع التدبير الحسن، فيقيمون وليمة في بيت كل ابنٍ بالتتابع مع شركة مع الأخوات! كان بنوه يقومون بعمل ولائم دورية، بروح المحبة والوحدة. فكان كل ابنٍ يقيم الوليمة في دوره، حيث يجمع إخوته وأخواته. يقول المرتل: "هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الإخوة معًا" (مز 133: 1).

ويلاحظ في هذه الولائم الأتي:

1. كانت تقام في البيوت، لا في أماكن عامة، ربما لكي تحتفظ الأسرة بطابعها المقدس حتى في الولائم ووسط المسرات.

2. دعوة الأخوات مؤشر على أن الولائم كانت عائلية، وغالبًا ما كانت قاصرة على أسرة أيوب.

3. لم يذهب أيوب إلى الولائم، ليس عن تزمتٍ، فهو يطلب مسرة أولاده وبهجتهم مادامت في الرب، فوجوده وهو شيخ ربما يكون فيه نوع من عدم إعطاء الحرية للشبان أن يمرحوا بعد، حتى وإن كان في الرب.

الغنى العظيم يكون عادة علة للخلافات بين الإخوة. يا له من مديح لا يُقدر لتربية أب كهذا! لقد أعُلن عن غنى الأب وسلام الإخوة معًا، فبينما تُوزع الثروة بينهم لم ينقسم الحب، بل يملأ قلوب الكل!

البابا غريغوريوس (الكبير)

"وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ،أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ، وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ،لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيّ،َ وَجَدَّفُوا عَلَى الله فِي قُلُوبِهِمْ. هَكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأْيَّامِ" [5].

مع عدم اشتراك أيوب في الولائم جسديًا اشترك بروح الأبوة الحانية والحب روحيًا. كان غيورًا على خلاص نفوسهم، يخشى لئلا يتنجسوا ولو بالفكر، بهذا يُحسبون كمجدفين على القدوس.

خشي لئلا يفكر أحدهم في أعماقه قائلاً: "قوتي وقدرة يدي اصطنعت لي هذه الثروة" (تث 8: 17). أو كما يقول الحكيم: "لئلا أشبع وأكفر، وأقول: من هو الرب؟" (أم 30: 9).

كان أيوب كاهن الأسرة، يؤمن أنه يعجز عن تقديس أولاده، وإنما هذا من عمل الله، لذا كان يقدم محرقات على عددهم. كان يفعل هذا لا في بدأ الوليمة فحسب، ولا في نهايتها فقط، بل كل أيام الوليمة، وكل أيام السنة. "هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام". ولعله كان يقدم ذبيحة محرقة عن كل العائلة كل يوم، أما في أيام الولائم، فكان يقدم محرقة عن كل واحدٍ، لأن الخطايا – خاصة بالفكر - تجد في الولائم جوًا مناسبًا للتسلل إلى الداخل.

إن كان الحكم على الخطايا التي تُرتكب بجهلٍ أنها هكذا عنيفة وتحتاج إلى ذبيحة للتكفير عنها، هذه الحقيقة التي شهد لها أيوب بتقديمه ذبيحة عن أولاده، فماذا يُقال عن الذين يرتكبون الخطية بمعرفة، أو الذين في صمتهم يذعنون إلى السلوك المخطئ الذي للآخرين؟[42]

القديس باسيليوس الكبير

قدم ذبائحه من أجل خطاياهم الخفية، وأخطائهم التي لم يعترفوا بها. إن كان أيوب يأخذ حذره هكذا من جهة الخطايا الخفية التي بغير معرفة، فكم تظن بالنسبة للأخطاء الظاهرة. لاحظوا كيف يترجم كلمات الرسول إلي عمل: "وأنتم أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم، بل ربوهم بتأديب الرب وإنذاره" (أف 6: 4)، أي يهتم الشخص بأولاده. إنها ممارسة للحماية الوالدية. لاحظوا إلي أيّ مستوى من الكمال أراد أن يقودهم...

فبالنسبة للأخطاء الظاهرة كان يمكنه أن يصلحها، ولكنه ماذا يمكنه أن يفعل بالنسبة للخطايا السرية؟ مع هذا قيل لموسى: "السرائر للرب إلهنا، والمعلنات لنا ولبنينا إلي الأبد" (تث 29: 29). على أيّ الأحوال لم يتجاهل أيوب حتى الأخطاء السرية في علاقته بالله، بل ألزم نفسه أن يصحح الموقف شخصيًا بوسيلة علاجية. فإن هذه الوسيلة تسمح له أن يضرب بالأخطاء فينتزعها، وأن يعلم أولاده أيضًا...

ها أنتم ترون أنه لم يصحح من تقصيراتهم في الأعمال فحسب، ولكن أيضًا ما يخص الأفكار، متممين عمليًا كلمات المسيح: "لأن من القلب تخرج أفكار شريرة... هذه هي التي تنجس الإنسان" (مت 15: 19-20)... ها أنتم ترون هنا تطهيرًا ليس موسويًا، ولا بالناموس، بل بطريقة رسولية حيث يطلب تطهير أفكارهم يوميًا، ليس فقط بنصحهم وتقديم المشورة لهم، وإنما أيضًا بحمايتهم والصلاة لله عنهم. هذا ليس عمل الأب فقط بل وعمل الكاهن، وإن كنا نعلم أنه لم يكن يوجد كاهن بعد...

يرى البعض أنه كان يوجد كهنة في تلك الأيام أيضًا مثل ملكي صادق لم يخترهم الشعب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

تشير نفس كلمات الكتاب إلى أن الجهل خطية. هذا هو السبب الذي لأجله يقدم أيوب محرقات عن أبنائه لئلا يكونوا قد أخطأوا سهوًا في الفكر[43].

القديس جيروم

تنسب هذه العبارة لأيوب تقوى عظيمة للغاية. فإن أناسًا كثيرين اعتادوا أن يبكروا لممارسة أعمال أرضية وكل ما يفكرون فيه خلال الليل هو الوسيلة لتكديس ثروة أو مجدٍ أو كرامات، فيسرعون في القيام لتحقيق أفكارهم عمليًا. يعبر النبي في أنشودة مرثاة ما يلزم أن يُقال عن هؤلاء: "ويل للمفتكرين بالبُطل، والصانعين الشر على مضاجعهم، في نور الصباح يفعلونه" (مي 2: 1). أمّا عن أيوب فلم ينشغل بهذا، وإنما كان في الفجر يقدم لله خدمة، هذا الذي يجعل النور مشرقًا... فإن الذبيحة الحقيقية هي حفظ الناموس وممارسة الفضائل (ابن سيراخ 35: 1-3). تخدمنا في هذا كلمات رسالة بولس إلي العبرانيين كمثال: "فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح... ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع، لأنه بذبائح مثل هذه يُسر الله" (عب 13: 15-16).

"لأن أيوب قال ربما أخطأ بني، وجدفوا على الله في قلوبهم" [5]. استقامة أيوب واضحة! يكمل برَّه نحو الصلاح. إنه أب حكيم وسيد مختبر، برج (من الكواكب) يتسم بالتعقل، مرشد صالح كمن يمسك بلجام خارجي ليلجم الشهوات الداخلية... لم يقتنع داود بالترنم بتلك الكلمات: "السهوات من يشعر بها؟ من الخطايا المستترة أبرئني" (مز 19: 12)، وإنما وضع أيضًا وصية الإنجيل في العملٍ. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). نقول بأن أيوب سلك حسب الناموس والنعمة، وحسب وصية الإنجيل: "...الذين يسمعون الكلمة فيحفظونها في قلبٍ جيدٍ صالحٍ" (لو 8: 15). إنه لم يكن مستهينًا بذلك. لقد كتب يوحنا اللاهوتي في هذا: "نُسكِّن قلوبنا قدامه، لأنه إن لامتنا قلوبنا، فالله أعظم من قلوبنا، ويعلم كل شيء. أيها الأحباء، إن لم تلمنا قلوبنا فلنا ثقة من نحو الله" (1 يو 3: 19-21) والرب نفسه يقول: "لأن من القلب تخرج أفكار شريرة: قتل زني فسق سرقة شهادة زور تجديف، هذه التي تنجس الإنسان، وأما الأكل بأيدٍ غير مغسولة فلا يُنجس الإنسان" (مت 15: 19-20). إذن لنتطهر من هذه الأفعال. لنطلب كل يوم الثمر من نفوسنا، فقد كان أيوب "حقًا وبلا لوم"، متطلعين أيضًا إلي ما كُتب: "هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام" [5].

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

هكذا طهٌر أيوب أولاده، لأن من يقدم ذبائح عن الخطايا السرية، كم بالأكثر يهتم بخصوص الخطايا الظاهرة؟[44]

استخدم أيوب علاجًا حتى عن أفكار بنيه[45].

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وبكر في الغد، وأصعد محرقات على عددهم كلهم" [5]. عرف القديس أنه يندر إقامة وليمة دون وجود معصية. عرف أنه يجب تطهير مرح الولائم بالذبائح. وما قد ارتكبه الأبناء من وصمات في أشخاصهم أثناء ولائمهم قام الأب بغسلها بتقديم ذبيحة... إذ غالبًا ما تصحب الحفلات الشهوات، فإذ يكون الجسم في تراخٍ بالملذات يخضع القلب للفرح الباطل. فقد كتُب: "جلس الشعب للأكل والشرب، ثم قاموا للّعب" (خر 32: 6).

البابا غريغوريوس (الكبير)

كان أيوب مستريحًا لتصرفات بنيه وبناته من جهة محبتهم لبعضهم البعض ووحدانية الروح والانسجام معًا، كما كان مطمئنًا لتصرفاتهم وكلماتهم، لكنه لا يعلم ما يدور في أفكارهم وقلوبهم. إنه لم يقف موقف الديان، فيحكم على ما في داخلهم، كما لم يقف في تهاونٍ، معتبرًا نفسه غير مسئول عما في قلوبهم، إنما في حبٍ مملوء حكمة التجأ لله بتقديم ذبائح روحية ومحرقات عن كل واحدٍ منهم. فهو وحده عارف بالأسرار الخفية، وقادر على تقديس الأعماق.

"هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام" [5]. لم يتوقف أيوب عن تقديم ذبيحة دائمة، وذلك كما يقدم مخلصنا محرقة عنا بلا انقطاع. هذا الذي يُظهر تجسده أمام الآب لأجلنا دون توقف. فإن تجسده ذاته هو تقدمة لأجل تطهيرنا؛ وبينما يُظهر نفسه كإنسانٍ يكون شفيعًا يغسل أدناس الإنسان، مقدمًا بسرّ بشريته ذبيحة دائمة...

باطل هو الصلاح الذي نمارسه إن توقف قبل نهاية الحياة، وذلك أنه باطل لمن يركض سريعًا أن يتوقف قبل بلوغه الهدف. عن هذا قبل التوبيخ: "ويل لكم أيها الذين فقدوا الصبر" (ابن سيراخ 2: 14). وهكذا يقول الحق لمختاريه: "أنتم الذين ثبتوا معي في تجاربي" (لو 22: 28)... هكذا فرض موسى أن يُقدم ذيل الذبيحة على المذبح، بمعني أن كل عمل صالح نبدأه نكمله بمثابرة حتى النهاية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

على وجه العموم، وصايا كل القديسين تحثنا على ذلك بالقدوة، وذلك كما استعمل سليمان الأمثال قائلاً: "اسمعوا أيها البنون تأديب الرب، أصغوا لأجل معرفة بفهم، لأني أعطيتكم تعليمًا صالحًا فلا تتركوا شريعتي. فإني كنت ابنًا لأبي غضًا ووحيدًا عند أمي" (أم 1:4). لأن الأب البار يربي أولاده تربية حسنة، إذ يجتهد في تعليم الآخرين بسيرته المستقيمة الفاضلة.  حتى إذا ما حدثت مقاومة، لا يخجل من سماعه هذا القول: "فأنت الذي تُعَّلم غيرك، ألست تعلم نفسك" (رو 21:2)، إنما يكون بالحري مثل خادم أمين يقدر أن يخلص نفسه ويربح الآخرين. وإذ تتضاعف النعمة المعهودة إليه يستطيع أن يسمع ذلك القول: "نعمًا أيها العبد الصالح والأمين.  كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير.  أدخل إلى فرح سيدك" (مت 21:25)[46].

القديس أثناسيوس الرسولي

 

3. شكوى إبليس


"وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو الله لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًَا فِي وَسَطِهِمْ" [6].

جاء في الترجوم الأورشليمي Targum Yerushalmi أن المجلسين اللذين تما في السماء أحدهما في روش هاشاناه Rosh ha- Shanah، والثاني في اليوم الكبير Yom Kippur.

كان الملائكة – بنو الله - يجتمعون معًا أمام الله يقدمون له التسبيح اللائق من أجل محبته للسمائيين والأرضيين، ويقدمون أيضًا صلوات المؤمنين، ويترقبون أية إرسالية يتممونها، إذ هم خدام للعتيدين أن يرثوا الخلاص (عب 1: 14).

تسلل بينهم الشيطان المتكبر والمضل لكي يشتكي على البشرية، خاصة المؤمنين، ففي حسده لا يطيق أن يرى إنسانًا ترابيًا ينمو في الروح، وينطلق كما بجناحي حمامة إلى السماء.

كل الأمور مكشوفة أمام الله، فهو ليس في حاجة إلى ملائكة تحمل إليه صلوات مؤمنيه، ولا إلى الشيطان ليكشف عن فساد مؤمنٍ ما. لكن الله في محبته للسمائيين يهبهم عمل المحبة سواء بتقديم الصلوات أو إتمام إرساليته. كما في عدله يترك للشيطان الحرية ليشتكي على من يريد. إنه يقدس حرية الإرادة في المخلوقات العاقلة، سواء على مستوى الطغمات السمائية أو القوات الروحية في الشر، أو البشر.

لا نعجب من هذا، ففي رؤيا زكريا النبي إذ شاهد كلمة الله نفسه كرئيس كهنة يحمل خطايانا كثوبٍ قذرٍ، كان الشيطان قائمًا ليقاومه (زك 3: 1-2).

يسألنا القديس يوحنا الذهبي الفم ألا ندهش من أن يقف المتمرد وسط الملائكة، فإن ما يقدمه السفر هو بصورة بشرية لكي نتفهم الموقف بفكرنا البشري.

جاءت الملائكة – حسب النص – وجاء معهم الشيطان، إذ كان يطوف الأرض، ويسير فيما هو تحت السماء. ماذا نفهم من هذا؟ إن الأرض مملوءة بالشياطين والملائكة، والكل تحت سلطة قوة الله، وأن الملائكة يقفون أمام الله حيث يتقبلون منه الأوامر. ولا يقدر الشيطان أن يفعل شيئًا يسره ما لم ينل سماحًا من فوق... بالقول: "جاء الشيطان أيضًا في وسطهم" [6] لا يعني سوى أنه هو أيضًا لا يقدر أن يفعل شيئًا بدون سماح الله.

ماذا يعني هذا التعبير؟ إنه معهم في العالم، فكما أن البشر المخادعين والصالحين ممتزجون معًا هكذا الملائكة والشياطين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

لعلَّ أقصى ما يشتهيه الإنسان أن يتمتَّع بالمجد السماوي بالوقوف وسط الطغمات السماويَّة وينعم برؤية الله، فكيف يقف الشيطان هكذا ليرى الله ويدخل معه في حوار؟ بلاشك أن الوقوف هنا لا يحمل المعنى الحرفي، إنَّما سُمح له الله بالحوار من أجل العدالة الإلهيَّة وتأكيد حريَّة الخليقة العاقلة حتى بالنسبة للشيطان وجنوده الأشرار. وقف الشيطان كما وسط الملائكة يُسمح له بالحديث مع الله، لكنَّه لم يتمتَّع برؤية مجد الله، ولا أُشرق عليه بهاء المجد الإلهي، ولا اختبر عذوبة صوت الله كمصدر لذَّة وفرح وسلام حقيقي!

هكذا في يوم الرب العظيم يرى المؤمنون الحقيقيُّون في عينيّ المسيح يسوع حمامة وديعة، وفي أحضانه أمجادًا لا يُعبَّر عنها، أمَّا الأشرار فيرون عينيه لهيب نارٍ، فلا يحتملون رؤيته.

وكما قيل هنا عن الشيطان أنه وقف ممتثلاً أمام الله دون أن يتمتع ببهاء مجده، قيل في موضع آخر عن الملائكة أنهم أرواح خادمة مُرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب 14:1)، لكن إرسالهم للخدمة لا يحرمهم من التمتع بالحضرة الإلهية وإشراق البهاء الإلهي عليهم.

ربما يتساءل البعض: كيف يمكن للشيطان وقد سقط عن رتبته بسبب كبريائه أن يقف أمام الرب بين الملائكة؟

هل يُمكن له معاينة الرب وهو غير طاهرٍ؟

لقد سقط إبليس وجنوده ولم يعد من حقه رؤية الله، لكن بحسب طبيعته كروح يمكن المثول أمام الله دون معاينته. هكذا كان ماثلاً يشتكي علينا دون رؤية الله، لأنه غير طاهرٍ.

لاحظ أنه قيل أنه جاء أمام الرب، ولم يُقل أنه رأى الرب. فقد جاء لكي يُرى لا لكي يرى. كان أمام عيني الرب، ولم يكن الرب أمام عينيه، وذلك كما يقف أعمى أمام الشمس، فهو نفسه غارق في أشعة النور، لكنه لا يرى شيئًا من النور البهي... فإن قوة الله، بنظره يخترق كل الأشياء، فيرى الروح الدنس الذي لا يراه. فإنه حتى الأشياء نفسها التي تهرب من وجه الله لا يمكنها أن تكون مختفية، فالكل عريان أمام نظر العلي. فالشيطان الغائب جاء إلى ذاك الذي هو حاضر.

من هم الذين يُدعون بني الله إلا الملائكة المختارون؟ وكما نعرف عنهم أنهم يتطلعون إلى عيني عظمته. يليق بنا أن نتساءل: من أين جاءوا ليمثلوا أمام الله؟ فقد قيل عنهم بصوت الحق: "إن ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السماوات" (مت 10:18). ويقول عنهم النبي: "ألوف ألوف تخدمه، وربوات ربوات وقوف قدامه" (دا 10:7). فإن كانوا دائمًا ينظرون ويقفون بجواره، يلزمنا بحرص وتدقيق أن نراعي من أين جاءوا، فإنهم لا يفارقونه قط، لكن إذ يقول عنهم بولس: "أليس جميعهم أرواحًا خادمة مُرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص؟" (عب 14:1)، من هذا نتعلم أنهم مُرسلون ونكتشف من أين جاءوا...

إنهم لا يذهبون بطريقة يُحرمون فيها من رؤية الله، فتُنزع عنهم أفراح التأمل الداخلي، فلو أن بإرسالهم يفقدون رؤية خالقهم لا يقدرون أن يُقيموا الساقطين، ولا أن يعلنوا للذين في الجهالة عن الحق، وما كانوا يستطيعون قط أن يقدموا للعميان ما حُرموا به بتركهم مصدر النور.

تختلف طبيعة الملائكة عن حال طبيعتنا الحاضرة، حيث نحن مقيدون بالمكان ومحدودون بعمى الجهالة، أما أرواح الملائكة فمع كونها محدودة بمكانٍ، لكن معرفتهم ترتفع عنا جدًا، دون وجه للمقارنة، لهم معرفة ممتدة خارجيًا وداخليًا، إذ يتأملون ذات مصدر المعرفة نفسه...

وكما أن أرواحهم ذاتها إن قورنت بأجسادنا فهم أرواح، هكذا إن قورنوا بالروح السامي غير المدرك يُحسبون جسدًا. لذلك فهم مُرسلون منه، وواقفون أمامه أيضًا، إذ في هذا هم مقيدون أن يُرسلوا، وفي نفس الوقت حاضرون بالكامل لن يفارقوه.

هكذا في نفس الوقت يرون وجه الآب دائمًا، ومع هذا يأتون إلينا، حيث يُرسلون خلال سمة التأمل الداخلي. يمكن إذن أن يُقال: "جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب"، إذ يرجعون إلى هناك بعودة الروح، إلى حيث لم يفارقوه قط بعدم انسحاب العقل عنه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا " [7].

بقوله: "من الجولان في الأرض" يشير أنه لم يتعدَ حدوده، لأن "التنين العظيم طُرح إلى الأرض" (رؤ 12: 6). يرى كثير من آباء الكنيسة الأولين أن الأرض في الكتاب المقدس تشير إلى الإنسان الترابي الجسداني الذي لا ينشغل إلا بالأرضيات، هكذا يجول عدو الخير كما في مِلْكِهِ. بينما تشير السماء إلى الإنسان الروحي الذي ينشغل بالأبديات. فالشيطان لا يقدر أن يتسلل إلى قلب الإنسان الروحي، لكنه يجول بلا ضابط في قلب الإنسان الجسداني.

عدو الخير لا يعرف الخمول، فإنه لا يهدأ ليلاً ونهارًا عن الجولان في الأرض ليغوي أولاد الله على ترك مملكة النور والانشغال بالخطايا.

"من الجولان في الأرض ومن التمشي فيها" [7]. ها أنتم ترون أن السماء متعذرة بالنسبة للشيطان الشرير. فإن قلتم: "حسنًا! السماء غير متاحة له، لكن العالم يرحب به. نعم فإن هذا لصالحكم، فإنه إن كنتم حتى وأنتم مع عدو يقظ هكذا لا تهتمون بإصلاح أنفسكم، فيا لكم من أناس خاملين؟...

أنصت إلى بولس وهو يقول: "اللذان أسلمتهما للشيطان، لكي يؤدبا حتى لا يجدفا" (1 تي 20:1).

أتريدون أن تسمعوا نصًا آخر؟ ألا ترون المُعذِبينَ الذين يرافقون المسئولين؟ هكذا يستخدم بولس الشياطين. أما النتائج الصالحة فهي ليست من عمل الشيطان، بل من حب الله للإنسان حيث يستخدم الشيطان لهذا الغرض.

ماذا إذن أن يُقال للشيطان: "من أين جئت؟" إلا لكي يدين طرقه كما لو كانت غير معروفة. فنور الحق لا يعرف شيئًا عن الظلمة، هذه التي يوبخها، وعن طرق الشيطان التي يدينها كديانٍ. يليق أن يُسال عنها كما لو كانت مجهولة. ولهذا قيل لآدم وهو في خطيته بصوت خالقه: "آدم، أين أنت؟" (تك 9:3)، فإن القوة الإلهية لم تجهل الموضع الخفي الذي هرب إليه عبده عند عصيانه، لكنه رأى أن الساقط في خطيته مختفيًا عن عيني الحق تحت الخطية...

إنه يدين الشيطان، لذا فُحص طريقه، أما الملائكة المختارون فلا يحتاجون أن يُسألوا من أين جاءوا، إذ طرقهم معروفة لله. إنهم كمن يمثلون حركته، إذ هم خاضعون لإرادته وحدها، ولا يمكن أن يكونوا غير معروفين له.

يجول إبليس في الأرض، إذ استخف بالسكنى في سلامٍ في أعالي السماء. وإذ هو كمن يُبلغ بأنه لم يَطِرْ بل مشى، يُظهر ثقل الخطية التي تجعله دائمًا في الأسفل...

يتحدث الله مع الملائكة حينما تُعلن لهم إرادته الداخلية كموضوع إدراكهم، وأما الملائكة فيتحدثون مع الرب متى كانوا بهذا يتأملون فيما هو فوقهم، ويقفون أمامه في دهشة. وهكذا يتحدث الله مع نفوس قديسيه بطريقة ما، وهم يتحدثون معه بطريقة أخرى... نراهم في الرؤيا: "صرخوا بصوتٍ عظيمٍ قائلين: حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض؟... وقيل لهم أن يستريحوا زمانًا يسيرًا" (رؤ 9:6-10).

يتحدث الله مع الشيطان بأربع طرق: فهو يشجب طرقه الظالمة، ويوبخه ببرّ قديسيه، ويسمح له أن يجرب براءتهم، وأحيانًا يوقفه عن أن يجربهم...

إنه يوبخه ببرّ مختاريه، إذ يقول: "هل جعلت قلبك على عبدي أيوب؟ لأنه ليس مثله في الأرض (كلها)". لقد سمح له أن يضع برّه موضع اختباره عندما قال له: "هوذا كل ما له في يدك" [12]. مرة أخرى منعه من أن يجربه عندما قال: "وإنما إليه لا تمد يدك" [12].

البابا غريغوريوس (الكبير)

 

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ:

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ.رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيم، يَتَّقِي الله وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ"[8].

في حديث الله مع الشيطان يُظهر مدى اعتزازه بأيوب عبده، "لأنه ليس مثله في الأرض" في الاستقامة والتقوى. خلال علاقة الحب المتبادلة بين الله والمؤمن الحقيقي، يقول الأخير: "من مثلك بين الآلهة يا رب؟ من مثلك معتزًا في القداسة، مخوفًا بالتسابيح، صانعًا عجائب؟" (خر 15: 11)"من هو إله مثلك غافر الإثم، وصافح عن الذنب لبقية ميراثه؟" (مي 7: 18). وفي الوقت نفسه يعتز الله بمؤمنيه في إيمانهم، كما مع أيوب (أي 1: 8) وقائد المئة والمرأة الكنعانية، والعجيب أن جميعهم أمميون.

كان الصبر بالفعل في أيوب، الأمر الذي كان يعلمه الله، وقد شهد له، لكنه صار معروفًا للبشر خلال اختبار التجربة. فما كان مخفيًا في الداخل وغير ظاهرٍ كثمرةٍ، ظهر بواسطة ما حدث وصار في الخارج[47].

القديس أغسطينوس

اعتزم الشيطان على الدخول في صراعٍ، ليس مع أيوب بل مع الله، أما الطوباوي أيوب فكان بينهما موضوع النزاع...

لولا أن الله يعلم أن أيوب يستمر في استقامته بالتأكيد لما سلمه للشيطان. إنه لم يسلمه له لكي يهلكه بالتجربة... وقد التهبت نيران الحسد في ذهن المجرب من أجل مديح الله له.

إذ يفشل العدو القديم في اكتشاف أي شر يمكن أن يتهمنا به، يتجه نحو النقط الصالحة ليحولها للشر، وإذ ينهزم بالأعمال يتطلع إلى كلماتنا ليجد مجالاً للاتهام.

إنه يصارع لكي يُظلم نية القلب حتى لا تصدر أعمالنا الصالحة عن ذهنٍ صالحٍ، وبهذا لا تُعتبر صالحة في عيني الديان. فإنه حتى إن رأى ثمرًا على شجرة خضراء في الحر يبحث عن دودة تفسد الجذور.

لاحظوا غباوة الشيطان ومكره. يشهد الله أن أيوب بلا لوم، فهل تود (أيها الشيطان) أن تنتزع شهادة الله؟...

إذ يقول الله: "عبدي أيوب"، ففي هذا الكفاية في تحديد فضيلته...

لقد هاج (الشيطان) في الحال إذ سمع الله يدعو أيوب عبده، فبالنسبة له حُسب هذا توبيخًا له فأثاره للهجوم.

لقد كنت (أيها الشيطان) قبلاً عبدًا... هذا ما عناه بولس: "ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة فبالأولى أمور هذه الحياة´(1 كو 3:6).

لقد بلغ أيوب إلى هذه الدرجة حتى أضاف الله: "رجل كامل، ومستقيم، وحق، يتقي الله". "رجل مستقيم"ن أما أنت على العكس، وإن كنت لست إنسانًا، لكنك لم تثابر على الفضيلة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"هل تفكرت مليًا في عبدي أيوب؟" [8]. في نفس الوقت يعني بدقة أن الخائن (إبليس) يحمل نية خبيثة نحو أولئك الذين يحسبهم خطاة من أجل رذائلهم وأبرارًا خلال خداعه.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

"فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ الله؟" [9].

لم يحتمل عدو الخير أن يسمع كلمة مديح تُقال في شخص آخر غيره، حتى وإن صدرت من الله فاحص القلوب والعَاِلمْ بالأفكار وكل الأسرار. هكذا لم يحتمل شاول الملك النساء يمدحن الصبي داود الذي أنقذه هو وكل جيشه وشعبه من جليات الجبار وجيشه (1 صم 18: 6-9). ولم يحتمل رؤساء الكهنة والكتبة الأطفال يسبحون السيد المسيح في الهيكل (مت 21: 15 الخ).

يُدعى الشيطان أو المفتري بسبب افتراءاته، فإنه يفتري على الإنسان أمام الله، قائلاً: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟"... ويفتري على الله أمام الإنسان، قائلاً: "نار الله سقطت من السماء، فأحرقت الغنم" (أي 16:1). فكان متلهفًا على إثارته بأن الكارثة حلت من السماء من فوق، فيجعل العبد في نزاعٍ مع السيد، والسيد مع عبده. في الواقع لم يجعلهما في نزاع، لكنه حاول ذلك وكان عاجزًا[48].

القديس يوحنا الذهبي الفم

"يقضي لمساكين الشعب، يخلص بني البائسين، ويسحق المفتري" (مز 72: 4). بحق يُدعى الشيطان "المفتري"، فقد افترى على كل من الله حيث ادعى أن الله منع الأخذ من شجرة (معرفة الخير والشر) بسبب الحسد، وافترى على أيوب بأكاذيب، قائلاً "هل حقًا مجانًا يتقى أيوب الله؟... أبسط يدك الآن، ومس كل ما له، فإنه في وجهك يجدف" (أي 1: 9، 11). في المزمور الثامن أعطاه اسمي "عدو ومنتقم"، بينما هنا (مز 72: 4) فيدعوه مفتريًا[49].

ثيؤدورت أسقف قورش
بالتأكيد الشيطان هو مُوجه الاتهام ضد القديسين. إنه لا يقدر في حضرة ديان كهذا أن ينسب اتهامًا خاطئًا، فهو يعرف مع من يتكلم. لهذا فإنه إذ يعلم عجزه عن تقديم اتهامٍ باطل ضدنا يلجأ إلي القول بشيءٍ صادق. لهذا فإن خصمنا الذي يحسدنا على وجودنا في ملكوت السماوات، ولا يريدنا أن نكون هناك حيث طُرد هو منه، يقول: "هل مجانًا يعبد أيوب الله؟" (أي 1: 9)...

يليق بنا أن نحرص على حبنا لله ليس من أجل مكافأة. فإنه أيّ نوع من المكافأة هذه التي يعطيك الله إياها؟

مهما أعطاك فهي أقل من ذاته. لا تعبد الله لكي ما تقبل منه شيئًا. اعبده دون ترجي في مقابل، وعندئذ تتقبله هو، فإن الله يحفظ نفسه لك لتتمتع به.

إن كنت تحب ما خلقه، فكم يكون خالق العالم؟ انزع من قلبك محبة المخلوقات، لكي ما تلتصق بالخالق، وعندئذ تقول ما جاء في المزمور: "خير لي أن ألتصق بإلهي" (مز 72: 28)[50].

الأب قيصريوس أسقف آرل
يقول الشيطان: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟" لماذا تُعجب من أيوب؟ لماذا تدلي بتصريحات غير عادية بخصوص رجل مستقيم؟ فإنك أنت نفسك تصمم على برَّه وهذا إنما بسبب عطاياك التي نالها بسخاءٍ عظيمٍ مقابل فضيلته. صار له فيض في كل شيء، إنه مُتخم في كل شيء، ليس لديه قلق، ليس ما يجعله يخطئ. بيته مبني حسنًا، مملوء بالخيرات. كل ممتلكاته مسيَّجة بسياج البركات. أبناؤه يحيطون به مثل إكليل يتوجه. لماذا لا يكون أيوب مستقيمًا؟ لماذا لا يكون تقيًا؟ أي الوصايا يلتزم بأن يهملها؟ فمن لم يذق الفقر، لماذا يسرق؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

في وقاحة دخل مع الله في جدال (أي 1: 9). هذا ليس اتجاه الشيطان وحده، بل اتجاه الناس الأشرار. ألم يفعل ذلك من ورد عنه في الإنجيل: "عرفت أنك إنسان قاسٍ، تحصد حيث لم تزرع، وتجمع من حيث لم تبذر" (مت 24:25)...

كان يسعى في تشويه دافع أيوب... يود الله دومًا أن يصدر حُكمَه من كلمات أعدائه، حتى لا يترك لهم مجالاً لأي عذرٍ، وذلك كما قيل في العبارة: "من فمك أدينك أيها العبد الشرير" (لو 22:19)... بهذا يُمسك الخداع دومًا في شباكه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ، وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْه، فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ!" [10].

استنتج الربيَّ يوسى حانينا Yose b. Hanina من أي 1: 10 أن ماعز أيوب كان قادرًا على قتل الذئاب. واستنتج الربيَّ يوحنان R. Yohanan  من أي 1: 14 أن الله وهب أيوب أن يتذوق الحياة الفردوسية، فحسده الشيطان، وبدأ يحاربه مفتريًا عليه بخصوص برِّه.

يلقي الشيطان باللوم على الله: "أليس أنك سيجت حوله وحول بيته، وحول كل ما له من كل ناحية؟" حقًا لقد سيَّج الله حوله لحمايته وحماية بيته، ووهبه النجاح والغنى، وبارك أعماله، لكنه لم يفعل ذلك في محاباة، إذ لم يتسم أيوب بالبلادة والرخاوة.

يكشف حديث الشيطان عن بذله كل الجهد ليجد ثغرة يدخل منها إلى قلب أيوب أو فكره ليجتذبه إلى مملكته، فلم يجد.

"لأنك قلت: أنت يا رب ملجأي، جعلت العلي مسكنك" (مز 91: 9). لكي تتمتع بهذه العناية الإلهية يقول: لتختبر الرجاء في الرب، ولتجعله ملجأ لك... "لا يلاقيك شر، ولا تدنو ضربة من خيمتك" (مز 91: 10). إنك ستثبت أمام رماح الشيطان، فلن تؤذيك في شيءٍ. بهذا حوطت النعمة الإلهية حول بيت أيوب، هذه التي شهد لها العدو صارخًا بصوت عالٍ: "أليس أنك سيَّجت حوله وحول بيته؟" وعندما سمح له (أن يجربه) أظهر من الجانب الآخر شره، وكلل الديان العادل المصارع المنتصر[51].

ثيؤدورت أسقف قورش
"أليس أنك سيَّجت حوله؟" ألا تلاحظون أنه حتى الشيطان يدرك تمامًا أن كل أمان أيوب يأتي من قبل الله. يقول: "باركت أعمال يديه، انتشرت مواشيه في الأرض". ألا ترون أن ثروته هي هبة من الله؟ ألا ترون أنها ليست ثمرة ظلم (أو اغتصاب)؟...

"ولكن أبسط يدك الآن، ومس كل ما له، فإنه في وجهك يباركك (أي يجدف عليك)" [11]. لقد أراد واشتهى أن ينال هذا السلطان منه، لكنه لم يجسر أن ينطق بهذا.

ما هو عمل الله الخاص إن لم يكن هكذا، أن يعمل صلاحًا لكل البشرية، بالتأديبات كما بالمسرات تمامًا؟ ليتنا إذن نشكر ليس فقط حين نكون في رخاءٍ، فإن هذا ليس بالأمر العظيم. هذا ما يعرفه الشيطان أيضًا حسنًا، لذلك قال: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟ أليس أنك سيجت حوله وحول كل ما له من كل ناحية؟" (أي 1: 10)[52]
القديس يوحنا الذهبي الفم

يعرف داود الطوباوي بأن هذا الترك المؤقت من جانب الله تجاهنا أحيانًا يكون لصالحنا، وفي صلاته طلب أن لا يكون ذلك على الدوام (لأنه يعلم أن ترك الله للإنسان فيه ضرر حيث تعجز الطبيعة البشرية عن السلوك نحو الكمال)، لذلك توسّل بأن يكون ذلك في حدود معينة قائلاً: "لا تتركني إلى الغاية" (مز 8:119). بمعنى آخر يقول: إنني أعلم أنك تترك قديسيك لأجل فائدتهم وذلك لامتحانهم... لذلك لست أسألك ألا تتركني، لأنه ليس من المفيد لي ألا أشعر بضعفي (لذلك قال "خيرٌ لي أني تذللت" مز 71:119)، ولا من النافع لي ألا تتاح لي فرصة للحرب. وهذه الفرصة لن تتاح لي بالتأكيد مادمت أمتلئ بحماية الله الدائمة. فالشيطان لا يتجاسر ويحاربني مادمت مستندًا على حمايتك، فيتقدم معترضًا ومشتكيًا ضدي وضدك: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟ أَليس أنك سيَّجت حوله وحول بيته وحول كل ما لهُ من كل ناحية؟" (أي 1: 9-10). ألتمس منك أن تتركني، لكن "ليس إلى الغاية" (اللفظ اليوناني "ليس كثيرًا") وذلك لأنه مفيد لي أن تتركني قليلاً، حتى يُمتحن ثبات حبّي[53].
الأب دانيال

كلماتك تضربني بشدة في صدري، وتسيج حولي من كل جانب[54].

القديس أغسطينوس

"وَلَكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ، وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ" [11].

في حديث لثيؤدورت أسقف قورش عن العناية الإلهية أثار اعتراض البعض: لماذا يحيا غا

في حديث لثيؤدورت أسقف قورش عن العناية الإلهية أثار اعتراض البعض: لماذا يحيا غالبية الأغنياء في حياة تتسم بالظلم؟ لماذا لا يطلبون العدل؟ ولعله استقى مثل هذا الاعتراض من فيلون السكندري ومن بعض الرواقيين. يجيب ثيؤدورت [مرة أخري إنكم تنسون أن للإنسان إرادة حرة. إنكم بهذا تحرمونه من المجد الذي أُعطي له من صانعه. هذا بجانب أن صانعي الشر يجدون أساسًا قويًا للدفاع عن أنفسهم لو أن الديان وزع الثروة على الأبرار وحدهم في الحياة الحاضرة. فيقولون ما قاله سيدهم عن أيوب: "سيَّجت حولهم وحول بيوتهم. ضاعفت محاصيلهم وكرومهم. لكن أبسط يدك ومسْ كل ما لهم، فإنهم يباركون (يجدفون عليك) في وجهك" هذا ما يقوله الخطاة القساة لو أن ممارسي الفضيلة نالوا وحدهم عطية الغنى[55].]

يرى القديس أغسطينوس أن المؤمن الحقيقي مثل أيوب هو بوق ممتد، وأن التجارب أشبه بالطرق بمطرقة، متى ضربت البوق أصدر أصوات تسبيح مفرحة. هكذا المطرقة التي تحطم غير المؤمن تكشف عن سلام وتهليل المؤمن فتزكيه أمام الله[56].

     لو كان في استطاعة (الشيطان) أما كان ينتقم لنفسه؟ لكن لا يُسمح له بذلك. فعندما أراد أن يجرب أيوب سأل أن ينال سلطانًا ليفعل ذلك، ولم يكن قادرًا أن يفعل شيئًا لم ينل به سلطانًا. فلماذا لا تعبدون الله بدون خوف، ذاك الذي بدونه لن يؤذيكم أحد، وبسماح منه تؤدبون لكن لا تُهزمون؟[57]

     استطاع (الشيطان) أن يحسد الرجل القديس (أيوب)، لكن هل استطاع أن يؤذيه؟

أمكنه أن يتهمه، لكن هل استطاع أن يدينه؟

هل استطاع أن ينتزع منه شيئًا أو يؤذيه، ولو بقدر ظفر إصبع أو شعرة من رأسه، دون أن يقول لله: "ابسط يدك"؟

أعطني سلطانًا. لقد أُعطي له.

واحد جرَّب، والآخر جُرب. لكن الذي جُرب غلب، والذي قام بالتجربة انهزم.

فالله الذي سمح للشيطان أن يسحب كل ما له لم يتخلَ عنه داخليًا بكونه خادمه. جعل من نفس خادمه سيفًا به انهزم الشيطان.

وما هي المحصلة؟ أظن أنها لنفع البشرية عامة. الإنسان التي انهزم في الفردوس صار غالبًا وهو على المزبلة. في موضع هزمه إبليس خلال امرأة، وفي موضع آخر غلب إبليس والمرأة معًا[58].

القديس أغسطينوس

     يهيئ الشيطان التجربة، فإن رأى شخصًا ضعيفًا يقوم بالهجوم عليه، أما إذ رآه قويًا يتوقف[59].

القديس يوحنا الذهبي الفم

     هذا أيضًا ما نقرأ عنه، أن البرّ الإلهي قد أعان أيوب الأمين بحق في مصارعته، عندما ناهضه الشيطان في معركة فريدة. لكن لو تقدم أيوب ضد عدوه، ليس بقوته، إنما بحماية نعمة الله مسنودًا بالعون الإلهي من غير ممارسة أي احتمال من جانبه، فإنه في خضوعه لهذه التجارب المتعددة... يكون للشيطان أن ينطق بعدلٍ، مفتريًا بما سبق أن قاله قبلاً: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟! أَليس أنك سيَّجت حولهُ… حول كل ما لهُ من كل ناحية؟! ولكن ابسط يدك الآن"، أي اسمح لي أن أحاربه "فإنهُ في وجهك يجدّف" (أي 9:1-11).

لكن لم يستطع العدو المفتري أن يحتج بهذا بعد المعركة، لأنه انهزم بقوة أيوب وليس بقوة الله[60]، لا بمعنى أن نعمة الله فارقت أيوب، لأنها هي التي أعطت للمجرب سلطانًا أن يجرب في الحدود التي كانت ترى فيها أن أيوب يقدر أن يقاومها، وفي نفس الوقت لم تحمه النعمة من هجمات العدو بطريقة تنزع فيها فضيلته وجهاده، إنما تعينه. بمعنى أنها لا تسمح لذلك العدو الذي هو في غاية القسوة أن ينزع عنه عقله أو يغرقه أثناء ضعفه ببث أفكار فوق طاقته أو النزول معه في نزاع غير متساوٍ معه[61].

الأب شيريمون

     غالبا ما تسمح العناية الإلهية أن يواجه المؤمن مضيقات لكن ما يظهر للآخرين الفضيلة المخفية فيه, هكذا كان الحال بالنسبة لأيوب[62].

 الأب يوحنا الدمشقي

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ:  هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ. ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ " [12].

لقد سمح الله للشيطان أن يجرب أيوب، كما سمح أن يغربل بطرس الرسول، لكن حرص ألا يفنى إيمانه (لو 22: 32)، فإن التجارب تؤول للمدح والكرامة والمجد (1 بط 1: 7).

التصريح الذي سمح به الرب للشيطان يعطي المؤمن طمأنينة وسلامًا، فعدو الخير لا يقدر أن يمس مؤمنًا دون إذن إلهه، حتى أملاكه لا يقدر أن يقترب إليها بدون سماح إلهه. أما الله فهو الأب القدير المحب الحكيم، يعطي السماح بالقدر الذي نحتمله، وبما يؤول إلى مجدنا إن كنا أمناء.

قيل عن عدو الخير: "خرج الشيطان من أمام وجه الرب" كما قيل عن قايين (تك 4: 16)، إذ لا يحتمل الشر الوجود في الحضرة الإلهية. أما بنو الله الماثلون أمام الله فلم يُقل عنهم أنهم خرجوا من وجه الرب. هكذا يبقى المؤمنون في حضرة الرب حتى في لحظات نومهم!

لقد سمح الله للشيطان بأن ينال سلطانًا لتجربة أيوب البار حسب الحدود التي وضعها له. هنا يميز البابا غريغوريوس (الكبير) بين إرادة الشيطان وسلطانه. فمن جهة إرادته فهي دومًا شريرة، أما سلطانه الذي يُسمح له به من قبل الله فلن يكون فيه ظلم، لأنه بسماحٍ إلهيٍ لأجل تزكيتنا وبنياننا. لهذا لا نعجب مما ورد في (1 صم 10:18) "الروح الرديء من قبل الله اقتحم شاول، وجن في وسط البيت". فهو روح شرير، أما القول: "من قبل الله"، فلأنه ما كان يمكنه أن يقتحم شاول بدون نوال سلطانٍ من الله العادل. يقول القديس بولس: "لم تصبكم تجربة إلا بشرية، ولكن الله أمين، الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون" (1 كو 13:10). لذا يقول داود المرتل: "جربني يا رب، وامتحني" (مز 2:26).

يرى القديس أغسطينوس أن الله يسمح للشيطان أن يُسقط عليهم الضيقات، إما لأجل تأديبهم كما سلم شعبه للسبي بواسطة الغرباء؛ وإما للامتحان كي يتزكوا كما سمح لأيوب أن يُجرب، وإما ليبعث بهم إلي نوال الإكليل كما سمح لشهداء أن يُضطهدوا[63].

     بالحقيقة عندما سأل الشيطان أن يُعطى له سلطان ضد أيوب، كان هجومه عليه سببًا في نوال أيوب مجدًا مضاعفًا بعد نصرته. نواله ضعف ما فقده في الحاضر أظهر بالحقيقة أنه سينال بلا شك بنفس الطريقة في المواضع السماوية. يقول الرسول إنه: "إن كان أحد يجاهد لا يُكلل إن لم يجاهد قانونيًا" (2 تي 2: 5).

بالحقيقة كيف يوجد جهاد إن لم يوجد من يقاوم؟

يا لعظمة جمال النور وبهائه الذي لا يمكن تبينه إن لم تعترضه ظلمة الليل.

لماذا يُمدح البعض لأجل الطهارة، إلا لأن آخرين يدانون على وقاحتهم؟

لماذا يتمجد الأقوياء إلا لأنه يوجد جبناء؟

عندما تستخدم ما هو مُر، عندئذ يصير لك الحُلو مستحقًا للمديح بالأكثر[64].

العلامة أوريجينوس

     نقرأ في سفر أيوب كيف أن الشيطان نفسه الذي يظهر كمن له كل السلطة إلي حين لا يقدر أن يفعل شيئًا بدون سماحٍ. لقد نال سلطانًا على الأشياء الدنيا، وفقد سلطانه على كل ما هو أعظم وأسمى. سلطانه هذا ليس كمن يصدر عقوبة، بل العقوبة حالة به هو نفسه[65].

     لقد سمح الله للمجرب، لا لكي يعرف ما هو بالفعل يعرفه (عن أيوب)، وإنما لكي نعرف نحن ونقتدي به. لقد سلم للمجرب، فسلب كل شيء. وبقي الرجل مسلوبًا من ممتلكاته ومن أسرته ومن أولاده، لكنه كان ممتلئًا من الله[66].

     سُمح للمجرب أن يجرب إنسانًا قديسًا، أيوب. في لحظة واحدة نزع كل الأشياء، أزال كل ما كان يملكه، نزع الميراث، وقتل الوارثين. لم يحدث هذا شيئًا فشيئًا، بل جملة معًا، بضربة واحدة... فأعلن عن الكلٍ بإعلان مفاجئ. حين أُزيل كل شيء بقي أيوب وحده، لكن بقيت فيه نذور التسبيح التي يرددها لله[67].

     استجاب الله (لشعبه) طلبتهم، أعطاهم ملكًا حسب قلبهم – كما هو مكتوب - وليس حسب قلبه هو. لقد وهب أيضًا ما سأله إياه الشيطان أن يجرب خادمه لكي يتزكى[68].

القديس أغسطينوس

     ألا ترون الحدود التي وضعت في الاختبار؟ أما تلاحظون أن الشيطان ما كان يمكنه أن يلمس حتى القطيع لو لم ينل سلطانًا؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

     يُسمح للشيطان المجرب أن يثير حربًا على القديسين بكل طرق التجربة، حتى يتزكى حبهم لله، ولكي يكون ذلك شاهدًا. وذلك عندما يُنزع عنهم أو يحرمون أو يصيرون في عوز ومعدمين من الأمور الحسية، بينما يبقون محبين لله، ثابتين في محبته، يحبون بالحق. وبينما يحاول (الشيطان) إغراءهم يبقون غير منهزمين، ولا يغيرون محبتهم لله...

فالعدو يرغب بقوة أن يجرب كل إنسانٍ، إن كان ذلك ممكنًا له، ويسأل الله من أجل الكل لكي يجربهم كما سأل من أجل الرجل البار أيوب... وإذ نال في وقت قصير سماحًا اقترب الشيطان فورًا حسب قوة من سيجربه. هكذا يصارع الشرير معهم حسب شهوته. بهذه الوسائل، أولئك الذين هم مستقيمون وثابتون في حب الله يتزكون عندما يستخفون بكل شيء ويحسبونه كلا شيء بجوار حبهم لله[69].

مار اسحق السرياني

     يُعطى السلطان ضدنا في شكلين، إما للعقاب عندما نخطئ، أو للمجد عندما نتزكى، كما نرى في حالة أيوب[70].

الشهيد كبريانوس

     "هوذا كل ما له في يدك، وإنما إليه لا تمد يدك" [12]، يمكن أن يكون لها معنى آخر. لقد عرف الرب حقًا أن جنديه كان شجاعًا، وأن النصرة أكيدة تحت كل الظروف لهذا المصارع الصامد. وأن العدو سيعود إلى الرب مهزومًا من صراع واحدٍ. عندئذ يسمح له بمعركة أخرى لكي يُهزم للمرة الأخرى، ويصير هذا الذي يتبعه بأمانة منتصرًا بالأكثر بطريقة لا تُقارن على العدو المنهزم الذي استعاد قواه للحروب الجديدة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     ما كُتب عن أيوب ليس بدون معنى، إذ يتضح من الكتاب أن الشيطان طلبه وسعي إليه. فإن الشيطان لا يستطيع أن يعمل شيئًا من ذاته بدون إذن من الله.

ماذا يقول الشيطان للرب؟ "سلمه ليدي، فإنه في وجهك سيجدف عليك" (أي 1: 12) ولا يزال أيوب كما هو إلى الآن، وهكذا الله أيضًا، وكذلك الشيطان. لذلك فبقدر ذلك يطلبه الشيطان ويقول للرب: "إنما هو يخدمك، لأنك تساعده وتحميه وتعينه، ولكن ابسط يدك الآن وسلمه لي، فإنه في وجهك يجدف عليك".

باختصار إذ يكون الشخص حاصلاً على العزاء بالنعمة، تنسحب النعمة قليلاً حتى يمكن أن يُسلم للتجارب. ويأتي الشيطان ويحضر معه آلاف من الشرور كتجاربٍ للإنسان، مثل اليأس والارتداد والأفكار الرديئة، ليعذب بها النفس، لكي يضعفها ويفصلها من الرجاء في الرب[71].

القديس مقاريوس الكبير

     [لا تدخلنا في تجربة] الصلاة هنا ليست لكي لا نُجرب، بل لكي لا ندخل (ننقاد) في تجربة. فإذ يلزم لكل إنسان أن يُمتحن بالنار، عليه ألا يصلي لكي لا تمسه النار، بل لكي لا يهلك. لأن آنية الخزف تُختبر بالأتون، والإنسان يُمتحن بالضيقات trail of tribulation (حكمة يشوع 6:27).

يوسف أُمتحن بغواية الزنا، لكنه لم يدخل في تجربة (تك 7:39-12).

وسوسنة جُربت أيضًا دون أن تدخل في تجربة (دا 22:19).

وكثيرون من كلا الجنسين جُربوا دون أن يدخلوا في تجربة.

أما أيوب فأعظمهم، لأنه ثبت ثباتًا عجيبًا في الرب إلهه[72].

القديس أغسطينوس

     ليس لدى (الشياطين) سلطان ولا قوة يمارونها ضد أحد ما لم ينالوا سماحًا من الله حسب تدبيره, مثال ذلك ما حدث ضد أيوب (أي1: 2), وضد الخنازير المذكورة في الأناجيل (مر 5: 13)[73].

 الأب يوحنا الدمشقي

     ليس للأرواح الشريرة السلطان أن تضر أحدًا، يظهر ذلك بوضوح في حالة الطوباوي أيوب، حيث لم يتجاسر العدو أن يجربه إلا حسبما سمح الله به... وقد اعترفت الأرواح نفسها بذلك كما جاء في الإنجيل، إذ قالت: "إن كنت تُخرِجنا فَأْذَنْ لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير" (مت 31:8). فإن كان ليس لديهم السلطان أن يدخلوا الحيوانات النجسة العُجم إلا بسماح من الله، فكم بالحري يعجزون عن الدخول في الإنسان المخلوق علي صورة الله؟![74] 

الأب سيرينوس

 4. نكبات متلاحقة


"وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَبْنَاؤُهُ وَبَنَاتُهُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا، فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ" [13].

     يلزمنا ملاحظة التوقيت الذي حلت به التجارب، فقد اختار الشيطان وقت التجربة عندما كان أبناء الطوباوي أيوب منشغلين في وليمة (أي 1: 13). فإن المقاوم لم يبحث فقط ماذا يفعل، وإنما متى يفعل هذا. فمع نواله السماح، إلا أنه بحث عن التوقيت المناسب ليمارس تدميره. وبترتيب الله كان الهدف هو تسجيل هذا لنفعنا، فإن التمتع بالملذات الكاملة هو تهيئة لحلول البلايا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"أَنَّ رَسُولاً جَاءَ إِلَى أَيُّوبَ وَقَالَ: الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ، وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا" [14].

جاء في الترجمة السبعينية "الأتن مع صغارها"، ففي حذاقة شديدة أراد العدو أن يزيد من مرارة الكارثة، فقد سبى السبئيون البقر النافعة، إذ كانت تحرث الأرض، والأتن المخصبة، إذ كان معها صغارها. بهذا أراد العدو أن يضرب بعنفٍ ليجعل الجرح في نفس البار أيوب أكثر مرارة. هذا بجانب سقوط الكوارث متلاحقة وبسرعة بالغة.

فَسَقَطَ عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ [15].

إذ أخذ الشيطان إذنًا بالتجربة لم تعوزه الإرادة التي ينفذ بها خطته، فإن الأشرار يتممون مشورة أبيهم الشرير. وكما قال السيد المسيح لليهود في عصره: "أنتم من أبٍ هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا" (يو 8: 44). فإنه هو "الروح الذي يعمل في أبناء المعصية" (أف 2: 2).

     ألا ترون سرعة الضربة؟... مثل هذا لم يحث قط من قبل، ولا سمع أحد عن أمرٍ كهذا. أضف إلى هذا أنه لم يُعد ممكنًا حرث الأرض بعد، وفي لحظة جُرد أيوب من كل ممتلكاته. رؤية هلاك القطيع مؤلمة دائمًا، خاصة إن حدث في وقت يعتمد الإنسان تمامًا عليه... أضف إلى ذلك فإن حدوث قتلٍ وسط الدمار يجعل الصراع غير محتمل، حيث تظهر الوحشية والهمجية. إنها كارثة مزدوجة، القتل والحملات الهجومية، مع الهزال المتبقي مضافًا إلى المحن التي لحقت به، حيث لم تعد تجعله جاهلاً بهول طبيعة الكارثة التي للحدث.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يؤكد القديس أمبروسيوس أن كثيرًا من الأمور التي تبدو شريرة ورديئة ونحن نعاني منها تصير فرصة لنمو فضائلنا، كما حدث مع أيوب في تجاربه المتعددة.

     أما كان (أيوب) يصير في حالٍ أقل تطويبًا لو لم يعاني من هذه الأمور التي بها بالحقيقة قد تزكى؟[75]

 القديس أمبروسيوس

"وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذْ جَاءَ آخَرُ، وَقَالَ:  نَارُ الله سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ،فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ" [16].

تلاحقت النكبات في لحظات وبسرعة فائقة، ولعل العدو تعمد ذلك لكي لا يترك لأيوب فرصة للتفكير المتزن، بل مع تلاحق الكوارث يظن أن غضب الله قد حّل عليه، وأنه لن يتوقف. كانت التجارب كأمواج لا تهدأ. "غمر ينادي غمرًا" (مز 42: 7).

العجيب في الرسل القادمين إلى أيوب أنهم يؤكدون أن البقر كانت تحرث، والأتن ترعى. وكأنه حتى الحيوانات كانت تقوم بدورها، فليس من لومٍ على الأبناء، ولا الخدم، ولا الحيوانات، وكأن اللوم كله ينصب على الله وحده دون غيره. لقد كانت خطة الشيطان محكمة للغاية، ليضرب قلب أيوب حتى يحول كل مشاعره وأفكاره نحو التجديف على الله.

بينما كنت أسجل هذا التفسير إذا بشاب يموت فجأة، فصار صديقه العزيز عليه جدًا يجدف: "لماذا أخذ الله أعز صديق لدي؟" ويرفض أية تعزية... بل وأحيانًا يتمتم: "أين هو الله؟ وإن وُجد، فأين رحمته ورعايته؟" وكأن عدو الخير في كل جيل يبذل كل الجهد لتحويل طاقات البشرية نحو التجديف على الله.

لم يعطِ عدو الخير الفرصة لأيوب كي يفكر في القيام بحرب ضد السبئيين ورد ممتلكاته، إذ جاء الخبر التالي يعلن أن نارًا من السماء نزلت من عند الله فأحرقت الغنم والغلمان وأكلتهم. فإن كان يريد أن يحارب السبئيين، فمن أين يأتي برجاله للقتال وقد أحرقتهم نار إلهية. ثم هل يحارب الله؟ وكيف يبلغ إليه؟... وكأنه لم يعد في متناول يد أيوب غير لسانه ليجدف على الله كظالمٍ عنيفٍ لا يعرف الرحمة.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن بقوله: "نار الله سقطت من السماء"، أراد العدو أن يوحي لأيوب أن ما يحل به ليس بضربات بشرية بل من قبل الله، وموجهة ضده وحده دون بقية المحيطين به. ولعله بهذا أراد تشويه صورة الله في عينيه. فمع عدم ارتكابه خطايا عظمى وعدم إهماله في العبادة لله، إلا أن الله حلّ بغضبه عليه دون غيره، مما يثير فيه الدافع نحو التجديف على الله كظالمٍ. إذ أحرق الله الغنم التي اختار أفضلها ليقدمها محرقات لله، فإن الله يبدو كمن لا يُسر بمحرقاته، ولا يقبل عبادته، أو كأن "عبادة الله باطلة" (مل 3: 14).

لم يُسمع عن احتراق صادر من السماء منذ حرق سدوم وعمورة، لذا يقول أيوب: "لأن البوار من الرب رعب عليّ" (أي 31: 23).

     لئلا لا يثيره فقدان ممتلكاته بحزنٍ كافٍ عند سماعه الخبر حث مشاعره بكلمات الرسول ذاتها.

لاحظوا كيف بمكرٍ قيل "نار الله"، كما لو قيل إنك تعاني من افتقاد ذاك الذي تريد أن تسترضيه بذبائح كثيرة هكذا. ها أنت ساقط تحت غضب ذاك الذي تشغل نفسك بخدمته كل يوم...

هذه هي الغاية أن يستعيد في ذاكرته خدماته الماضية، ويحسب أنه باطلاً قد خدم، وكأنه قد أراد أن يثير فيه الشعور بظلم الخالق.

فإن الذهن التقي إذ يجد نفسه يواجه حمل صلبان من يدي إنسان يطلب التعزيات من العناية الإلهية. وعندما يرى عاصفة التجربة تستمد قوتها من الخارج، يطلب أن يغطيها بالثقة في الرب، ويلجأ داخليًا إلى ميناء الضمير. لكن ذاك الخصم الماكر أراد أن يحطم في ذات اللحظة قلب هذا القديس الشجاع، وذلك بضربات موجهة من إنسان وباليأس من الله.

جاء إليه بأخبار أولاً عن السبائيين الذين قاموا بالنهب، وفي الحال جاء النبأ عن نار الله التي سقطت من السماء، حتى يغلق الباب تمامًا عن أية وسيلة للتعزية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذْ جَاءَ آخَرُ، وَقَالَ: الْكِلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق،  فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا،وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ" [17].

لم يتركه العدو ليفكر لماذا سقطت النار من السماء كما بأمر إلهي، إذ جاءه رسول آخر يخبره بضربة جديدة من فعل الكلدانيين. وهو في هذا يريد أن يربك فكر أيوب. فإن كانت النار قد حلت من قبل الله، فلعل أيوب يظن أنها ضربة لتأديبه، لكن إذ يجد حتى البشر يسقطون عليه، فبماذا يبرر هذا؟

للمرة الثالثة تحل به نكبة خطيرة، وقد جاءت عن طريق ثلاث فرق من الكلدانيين، في وقت فقد فيه أيوب كل إمكانية للمقاومة. ولعل العدو أراد بهذه الضربة أن يصرخ أيوب في قلبه: "لماذا ينجح الرب طريق الأشرار؟"

"وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذْ جَاءَ آخَرُ، وَقَالَ: بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا، فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ" [18].

"وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ، وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَع،  فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ " [19].

لكي يزيد من مرارة الكارثة، بعث إليه بخبرٍ خطيرٍ وهو أن الطبيعة أيضًا ثائرة ضده، فريح شديدة هزت البيت وقتلت أولاده وبناته، حتى يصعب عليه أن يخرج جثثهم سليمة! سيكون منظرهم بشعًا للغاية. هذا بجانب إرباك فكر أيوب: كيف تتكاتف السماء والأرض معًا ضده، الله والبشر والطبيعة يقاومونه، لماذا؟ ماذا فعل ليسقط تحت هذه الكوارث المتلاحقة من مصادر مختلفة؟

هذه أمر الضربات تركها العدو في النهاية، حتى يصوب سهمًا قاتلاً في قلب أيوب، إذ مات أولاده وبناته جميعًا في لحظات تحت الأنقاض. إنها خسارة بالغة جدًا. عندما مرض الابن الرضيع لداود لم يحتمل المرارة، بل صار يسير ذهابًا وإيابًا يصرخ، فماذا يكون حاول أيوب الذي فقد كل أولاده وبناته فجأة.

كان أيوب في حاجة إلى أولاده يعزوه في كل ما فقده، لكن موتهم، خاصة بهذه الطريقة، حتمًا جعله ينسى كل التجارب السابقة ليسقط في مرارة لا تُحتمل.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إنه في الكوارث السابقة ربما يوجد ما يبرر قول الرسول: "ونجوت أنا وحدي"، حيث هرب ما لحق بحيوانات أيوب، أما أن ينجو هذا الرسول الأخير من سقوط البيت بينما يموت كل أبناء وبنات أيوب معًا، فهذا أمر غير طبيعي، فما هو السرّ؟ يرى الذهبي الفم أن هذا الرسول لم يكن إنسانًا بل الشيطان نفسه، لأنه كيف ينجو من يخدم أبناء وبنات أيوب دونهم وهو معهم في ذات البيت الذي سقط وأهلك من فيه؟

     هل فقدت طفلاً! إنك لم تفقده؟ لا تقل هذا، إنه نائم، وليس ميتًا، لقد تحرك ولم يتدمر، إنه في رحلة من حال سيئ إلى ما هو أفضل.

لا تثر الله ليغضب، بل استعطفه. فإنك إن احتملت هذا بنبلٍ، فإن الراحة تتضاعف بالنسبة للراحل كما بالنسبة لك. أما إن حدث العكس فإنك تلهب بالأكثر غضب الله...

قدم شكرًا فإنه بهذا تتبدد سحابة الحزن عنك. قلْ مع أيوب: "الرب قد أعطى، الرب أخذ" (أي 21:1)[76].

القديس يوحنا الذهبي الفم

5. أيوب الشاكر


"فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَه،ُ وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ " [20].

لو لم يتصرف أيوب هكذا لحُسب إنسانًا بليد الحس، جامدًا، غير طبيعي وغبيًا، لم يتأثر بموت بنيه وخدمه. لقد كشف بهذا التصرف عن مرارة نفسه دون الخروج عن حدود اللياقة، وذلك بالنسبة لكثرة التجارب المتلاحقة وبشاعتها.

بجانب هذا فإن ما فعله كان يناسب العادات المتبعة في ذلك الحين. تصرفه لا يعني أنه فقد سلامه الداخلي أو شجاعته وصبره وقوة احتماله.

يرى بعض المفسرين أنه التجأ إلى هذا، لأن عدو الخير حاول أن يبث أفكار التجديف على الله. فتمزيق الثياب وجز الشعر هما علامة على إصراره على رفض هذه الأفكار. لأن تمزيق الثياب علامة الرغبة في رفض التجديف، وذلك كما فعل رئيس الكهنة، حينما ظن في يسوع المسيح أنه قد جدف.

سجوده حتى الأرض علامة على إخلاصه مع نفسه، إذ شعر أنه خاطي، وأن نفسه قد انحطت حتى التراب.

يرى الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن أيوب قام بتمزيق ثيابه كما بجز شعر رأسه من أجل الحزن، لكن بالأكثر لكي يتعرى من كل شيء، حتى من ثوبه وشعر رأسه، فلا يجد عدو الخير شيئًا يمكنه أن يجربه فيه. كما في تواضعٍ أمام الله سقط على الأرض.

     "سجد" ليقنع الخائن أنه باطلاً يفتري عليه أمام الله. فإن ذاك الذي قال عنه (الشيطان) أنه سيجدف (11:1؛ 5:2) ها هو يسجد. الشخص الذي قال عنه أنه متى دُمرت ممتلكاته سيظهر جحودًا أمام الله، ها هو يقدم شكرًا أكثر من قبل.

     البعض يحسبونها درجة عالية من فلسفة الثبات أنهم متى سقطوا تحت تأديبٍ قاسٍ، يكونوا بليدين في إحساسهم بالضربات، وفي ألم الجلدات. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). والبعض يبالغون في حساسيتهم لألم الضربات...

يقول النبي: "ضربتهم فلم يتوجعوا؛ أفنيتهم وأبوا قبول التأديب" (إر 3:5). مقابل هذا الحوار القلبي في الإحساس بالتأديب يقول المرتل: "لن يثبتوا في المحنة" (مز 10:140 الفولجاتا). فإنهم يثبتون في المحنة إن احتملوها بصبرٍ.

     كانت العادة في العصور القديمة أن يحتفظ كل واحدٍ بمظهر شخصه بترك شعره ينمو، ليقصه في أوقات الحزن.

إذ فقد الرجل القديس كل شيء في وقت محنته بواسطة الخصم، أدرك أن الشيطان ليس له سلطان عليه أن يجربه بدون سماح الرب، لهذا لم يقل: "الرب أعطى، والشيطان أخذ"... فإنه يكون الأمر محزنًا إن كان ما يعطيه الخالق يأخذه منه العدو. لكن الذي يأخذه ليس أحد آخر إلا ذاك الذي أعطى، حيث استرد ما له، ولم يأخذ ما هو لنا. فإن كل ما نستخدمه في حياتنا الحاضرة يأتي من عنده، فلماذا نحزن إن كنا نرد إليه ما اقترضناه منه خلال سخائه؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

     يا لشجاعة أيوب التي تفوق كل ما يُخبر به! يا للتواضع! يا لحب الله!...

هل ظن العدو أن أيوب لا يبالي بالبقر، ولا يهتم بالأتن، وحسب القطيع أمرًا ليس بذي قيمة، والجمال كأنها لا شيء، وكل ممتلكاته أمورًا يُستهان بها؟

ماذا بخصوص الحزن على موت بنيه وبناته، كيف لم يُسقطه في رعبٍ؟...

ذاك الذي كان أبًا لأبناء كثيرين لم يعد أحدٍ ما يدعوه "أبي".

لم يقل لله: "أية خطايا كثيرة ارتكبها أيوب حتى يُحسب غير أهلٍ أن يحتضن أبنائه عند موتهم، ولا يكون قادرًا أن يكرمهم بدفنهم في قبرٍ، ولا في استطاعته أن يتعزى بدموعٍ كعادة طبيعية كاملة، ولا في قدرته أن يقود موكب جنائزي، كما يفعل عادة الآباء والأصدقاء؟...

إذن ليتكم لا تغضبون حينما تُجردون من ممتلكاتكم، وتُحرمون من الكرامات الزمنية، وتُعزلون عن الأبناء أو الآباء.

حين تفقدونهم حسب ناموس الطبيعة، لا ترتبكوا...

فلا يُمكن أن يُسلب منكم غناكم الحقيقي الذي هو التسبيح لله، الأمر الذي يجعلكم أقوياء تتحَّدون كل الأحداث.

هل العبد يقدم اتهامًا عندما يُطالب بالوزنات التي أودعه إياها سيده؟ (مت 19:25)

أو إذ أخذ قرضًا، فهل يضطرب عندما يرده؟...

نعم، إذ نعطي ما هو ليس لنا، ليتنا نتقدم لله بكونه مستحقًا الشكر، عندما يعطي كما عندما يأخذ.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     "فقام أيوب، ومزق جبته، وجزَّ شعر رأسه" [20]. لا تظنوا أيها الأحباء أن هذه الإيماءة علامة هزيمة، بل هي على وجه الخصوص إشارة إلى النصرة. فلو لم يتصرف قط لحُسب أنه كان في حالة ذهول، لكنه بالحق أظهر نفسه حكيمًا وأبًا تقيًا في نفس الوقت. فإنه أية خسارة هذه التي لحقت به؟ إنه لم يحزن فقط على فقدان أبنائه وأيضًا حيواناته، وإنما على الطريقة التي ماتوا بها. من لا يتحطم أمام هذه الأحداث؟ أي رجل حديدي لا يتأثر بها؟

بولس أيضًا كانت له هذه المشاعر في مواجهة الدموع، إذ يقول: "ماذا تفعلون، تبكون وتكسرون قلبي؟" (أع 13:21) وهو بهذا كان موضوع إعجاب! هكذا أيوب يستحق الإعجاب، لأنه بالرغم من المشاعر التي دفعته إلى هذا التحرك عبَّر عنها بطريقة ليس فيها أي شيء غير لائق نهائيًا...

موسى (النبي) كسر (لوحي الناموس)، ويشوع مزق ثيابه (خر 15:32-20؛ يش 6:7)، فلو أن أيوب لم يمزق ثيابه لقيل أن الله خلقه بطبيعة لا تتأثر (جامدة)، لكنه قبل الآلام التي تحل بالأبرار حتى تدركوا أنه التزم أن يكون حكيمًا حتى في حزنه.

     "وخر على الأرض وسجد" [20]. لكي لا تظنوا أن تمزيق ثيابه يعني تجديفًا، وأنه في حالة غضب على الأحداث أنصتوا إلى ما يقوله. لقد تنازل عن ثوبه للشيطان. يقول النص: "وجزَّ شعر رأسه... وقال: عريانًا خرجت من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك". مرة أخرى يتكلم حسنًا. فإنه منذ ذلك الحين يواجه الصراع ملقيًا بنفسه عاريًا.

لقد سقط على الأرض وأسقط الشيطان. لقد أظهر مشاعره وأوضح تقواه...

لاحظوا كيف أنه بتصرفاته هذه أعلن عن كلمات الرسول: "لأننا لم ندخل العالم بشيءٍ، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيءٍ" (1 تي 7:6).

لاحظوا كيف أن كلماته التي نطق بها خدمته، ليس هو وحده فقط، بل وستخدمنا نحن أيضًا.

هذه الممتلكات فوق كل شيء هل هي ملكي؟ هل أنا الذي جبلتها؟

هذه الثروة، أليست هي وديعة؟ إنها غريبة عني، إذ لم ترافقني عند دخولي هذا العالم، لا ترافقني عند خروجي...

ليتنا نكون متبلدين من جهة الغنى. لهذا خلقنا الله عراة منذ البداية، وجعلنا قابلين للموت.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     عندما مات أبناء أيوب وجدوا مقبرة عامة تحت أنقاض بيته, وكل ما استطاع أن يفعله هو إظهار عاطفته الوالدية بتمزيق ثيابه وسقوطه على الأرض والسجود قائلاً: "عريانًا خرجت من بطن أمي, وعريانًا أعود إلى هناك, الرب أعطى، والرب أخذ, فليكن اسم الرب مباركا" (أي 1: 20)[77].

القديس جيروم

"وَقَالَ: عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى، وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا" [21].

لم يذكر الكتاب المقدس أية تسبحة تغنى بها آدم وحواء في الفردوس وسط كل العطايا والبركات الفائقة التي تمتعا بها. لكن سجل لنا سفر أيوب تسبحة قصيرة تفوق الكثير من التسابيح, تسبحة تفرح قلب الله وقلوب السمائيين, و تبقى منقوشة كما على صخر تتغنى بها الأجيال, ويجد فيها البشر عبر الأجيال تعزيان إلهية. هكذا ما كنا نتمتع بالمزامير وحياة التهليل الداخلي لو لم يكن داود النبي رجل الآلام, وما كنا نتغنى بتسبحة الثلاثة فتية القديسين لو لم يلقوا في أتون النار.

بقوله هذا يعلن أيوب عن عودته إلى أصله، وكما يقول الحكيم: "يرجع التراب إلى الأرض كما كان" (جا 12: 7). عرايا نعود حيث نرجع إلى التراب الذي أُخذنا منه (أي 23: 6). جاء المثل اللاتيني بأنه "لا يمكن أن يبلغ أحد إلى حالة من الفقر المدقع أكثر مما كان عليه حين وُلد".

ظهرت أمانة أيوب على غير ما ادعي الشيطان، فعوض أن يجدف على الله باركه، معترفًا بالعناية الإلهية مهما حلّ به من ضيقات.

لم يقل الله أعطي والسبائيون والكلدانيون أخذوا، ولا قال الله أعطاني والرب أفقرني، وإنما قال بأن الله الذي أعطى من حقه أن يأخذ. إنه لم يخسر شيئًا، لأن كل ما لديه حتى أولاده هم ملك الله، هم عطيته.

بارك الله الذي أعطى، ويباركه لأنه أخذ، لأن بقاء العطايا ولو إلى حين هو من قبيل محبة الله لنا. ولأن الله الكلي الحكمة والحب والقدرة يعرف ما لبنياننا وبالقدر الذي فيه نفعنا، لذا حتى الأخذ منا هو لخيرنا.

     عندما جاء الرسل إلى الطوباوي أيوب واحد يلي الآخر، وسمعهم يعلنون عن أخبار مميتة، مضافًا إلى ذلك دمار أبنائه الذي لا يُحتمل، لم يصرخ ولا تنهد، بل التجأ إلى الصلاة وقدم شكرًا للرب؛ فلتتمثلوا به[78].

     أيوب ليس فقط لم يجدف، بل وبارك! لم يكتفِ أن يحتمل كارثته في صمتٍ، بل مجد الله، ليس فقط في ذلك الحين، وإنما في المستقبل أيضًا.

     إن كنا نمارس هذه الحكمة الروحية (الشكر الدائم)، فلن نختبر أي شر، حتى إن سقطنا تحت آلام لا حصر لها، بل يكون الربح أعظم من الخسارة، ويطغي الخير على الشر. بهذه الكلمات تجعل الله رحومًا نحوك، ويدافع عنك ضد طغيان إبليس. ما أن ينطق لسانك بهذه الكلمات، حتى يهرب الشيطان منك سريعًا[79].

     حينما كان (أيوب) محاطًا بالتمام بتلك الثروة، لم يكن ظاهرًا لكثيرين أي رجل كان هذا. ولكن عندما أُنتزعت ثيابه كمصارع وألقاها جانبًا، وجاء عاريًا للمصارعات لأجل التقوى، أدهش كل الذين رأوه. حتى أن مسرح الملائكة صرخوا عندما شاهدوا نفسه الثابتة في جلدٍ، وامتدحوه بكونه قد كسب الإكليل. وكما سبق فلاحظت أنه لم يكن يراه البشر حسنًا حينما كان ملتحفًا بكل الثروة مثلما رأوه حينما طرحها كثوبٍ، وظهر كعريانٍ على خشبة المسرح وسط العالم، فدُهش الكل لقوة نفسه. لقد شهدوا له ليس بكونه تجرد من كل شيء، وإنما بكونه في صراعه احتمل بصبر ضعفاته[80].

     "الرب أعطى، والرب أخذ" [21]، ليفعل ما يحسن لدى الرب. أنظروا فقد آمن أن الله هو الذي أخذ... أي شيء يمكن مقارنته بهذا الاتجاه؟ إنه لم يطلب أن يعرف عن حب استطلاع، ولم يقل: لماذا يعطيني الله؟ ولماذا يأخذ؟

"فليكن اسم الرب مباركًا" [21]. لاحظوا بأية وسيلة يتمتع بتعزية...

إنه الرب هو الذي قرر. تقولون: لماذا قرر الله بهذه الطريقة؟... عندما جعلني غنيًا لم أبحث عن معرفة لماذا أعطاني الغنى، والآن لا أريد أن أعرف لماذا أخذه مني. لأنه هل أعطاني هذا عن استحقاق من جانبي؟ هل أعطاني هذا مقابل أعمال صالحة؟

لقد قرر أن يعطيني، وفعل ذلك. لقد قرر أن يأخذ، وهو يفعل هذا.

إنها علامة على الروح التقوية أن نصنع كل شيء حسب إرادة الله، ولا نطلب منه حسابًا، ولا تفسيرًا لما يفعله.

     إنه لأمر عظيم إن استطعنا أن نقدم الشكر بفرحٍ عظيمٍ. لكن تقديم الشكر عن خوفٍ شيء، وتقديم الشكر أثناء الحزن شيء آخر. هذا ما فعله أيوب عندما شكر الله.. لا يقل أحد إنه لم يحزن على ما حلّ به أو أنه لم يتأثر به في أعماقه. لا تنزع عنه المديح العظيم لبرِّه... يؤذينا الشيطان لا لكي يسحب ما لنا ويتركنا مُعدمين، وإنما لأنه عندما يحدث هذا يلزمنا أن نجدف على الله[81].

     توَّج أيوب وصار مشهورًا، ليس لأنه لم يهتز بالرغم من التجارب غير المحصاة التي أحدقت به، وبالرغم من مقاومة زوجته له، وإنما استمر في شكره للرب على كل حال ليس عندما كان غنيًا فقط، وإنما عند صار فقيرًا أيضًا، ليس عندما كان في صحة، بل وعندما ضُرب جسمه (بالقروح) أيضًا، ليس عندما حلت به هذه الأمور ببطء، وإنما عندما حلت به عاصفة عنيفة، حلت ببيته كما بشخصه بالكامل أيضًا[82].

     يسبب لنا الشيطان خسائر, لا لكي ينزع عنا خيراتنا فحسب, إذ هو يعلم أن هذه كلا شيء, إنما لكي يلزمنا بهذا أن ننطق بالتجديف. هكذا في حالة الطوباوي أيوب لم يجاهد ليجعله فقيرا فحسب وإنما ليجعله أيضًا مجدفًا[83].

القديس يوحنا الذهبي الفم

    وإن كان قد حسب أنه صاحب ثروات عظيمة، لكن الاختبار الذي قُدم له من الرب أظهر بوضوح أنه لم يكن يقتني سوى الله وحده[84].

القديس مقاريوس الكبير

     سبحوا الرب على القيثارة. إن صار لكم فيض من الأرضيات قدموا شكرًا للعاطي. إن كان هناك عوز أو سُلبتم مما لكم، اعزفوا على القيثارة بفرحٍ. لأنكم لم تُحرموا من العاطي، وإن كنتم قد حُرمتم من العطية التي وهبكم إياها. هكذا أكرر، اعزفوا ببهجةٍ. بثقةٍ كاملةٍ في إلهكم، امسكوا بأوتار قلوبكم كما بقيثارةٍ، لتدوي أصواتكم إلي أعماقها صارخين: "الرب أعطى، الرب أخذ[85]".

     هنا نجد مثالاً للإنسان الذي يبارك الرب في كل الأوقات[86].

    ليأخذ ما قد أعطاه، لكن هل فقدت العاطي؟... كأنه يقول: أخذ الكل وليأخذ كل شيء، وليرسلني عريانًا، لكن لأحتفظ به هو نفسه، ماذا ينقصني إن اقتنيت الله؟ أو ما هو نفع كل شيء لي إن كنت لا أقتني الله؟[87]

     كان يمكنه القول: "الرب أعطى، الرب أخذ. الذي أخذه الرب يمكنه أن يعطي مرة أخرى، ويرد أكثر مما أخذ". لكنه لم يقل هذا، بل قال: "ما يحسن لدى الرب فليكن". إذ ما يسره يسرني. ليت ما يسر الرب الصالح لا يُحزن العبد الخاضع، ما يسر الطبيب لا يُحزن المريض[88].

     من أين جاءت مثل هذه الجواهر التي لمديح الله؟ أنظروا إنسانًا كان من الخارج فقيرًا، لكن في الداخل كان غنيًا. هل كان يمكن لمثل هذه الجواهر أن تصدر عن شفتيه لو لم يحمل كنزًا مخفيًا في قلبه؟[89]

     يا للغنى الداخلي الذي لا يقدر لص أن يقترب إليه! الله أعطاه نفسه. لقد أغناه إذ قدم له نفسه، بما يحبه[90].

     أنت تأخذ ما لدي، أنت لا تأخذ ما في داخلي. فإنه لن يصير فقيرًا القائل: "الرب أعطى الرب أخذ، ليفعل ما يحسن في عينيه، مبارك اسم الرب"[91].

     مال الظلم هو كل غنى هذا العالم، أيا كان مصدره. إذ يجمع الغني، إنما يجمع مال الظلم أي غنى الظلم... إن أردنا الغنى الحقيقي فهو مختلف عن هذا الغنى. هذا الغنى كان بوفرة، فإذ كان أيوب عاريًا كان قلبه مملوء بالإلهيات، يفيض بالتسابيح كأثمن جواهر مُقدمة لإلهه، وذلك عندما فقد كل ما لديه[92].

     إذ تسمعون هذا وجهوا قلوبكم نحو الله. لا تخدعوا نفوسكم.

أطلبوا أنفسكم... سواء كنتم تحبون العالم أو لا تحبونه، وتعلموا أن تدعوه يرحل أمامكم قبل أن ترحلوا أنتم. ماذا يعني أنكم تدعونه يرحل؟ أي لا تتعلق قلوبكم به.

عندما يكون لديكم شيء ما مما ستفقدونه يومًا، سواء وأنتم في الحياة أو بالموت، دعوه يرحل، فإنه لن يقدر أن يرافقكم على الدوام.

تهيأوا لإرادة الله وتعلقوا به. تمسكوا به هذا الذي لا يمكن أن تفقدوه بدون إرادتكم. فإن حانت فرصة لفقدان الزمنيات، قولوا: "الرب أعطى، الرب أخذ."[93]

     وُجد أيوب يتعبد لله من أجل الله نفسه، يحبه لأجل ذاته، وليس لأنه أعطاه ما يلزمه، وإنما لأنه لم ينزع الله نفسه عنه... لقد اقتربت نيران التجربة منه، لكن وجدته ذهبًا وليس قشًا. نزعت عنه الزغل، ولم تحوله إلى رماد![94]

     إن أخطأت فلتحزن على فقدان كنزك الداخلي. ليس لديك شيء في بيتك، لكن قد يكون قلبك أكثر فراغًا. ولكن إن كان قلبك مملوء بصلاحه، مملوء بإلهك، فلماذا لا تقول: "الرب أعطى، الرب أخذ، ما يحسن لدى الرب فليكن! مبارك هو اسم الرب!" ما الذي يُحزن الله؟ هل من الضربات وهو نفسه قد ضُرب؟ حاشا![95]

     يا لجواهر التسبيح لله، فقد احضرها من كنوزه الداخلية! هذه هي ثروته! أخرج تسبحة عذبة تمجد الله وتزكي أيوب[96].

     يا له من صوت شجاع عذب! من لا يستيقظ على هذا الصوت من النوم؟ من لا يثق في الله في يقظة، ليسير في المعركة بلا خوف ضد إبليس، محاربًا لا بقوته الذاتية، بل بقوة ذاك الذي يزكيه[97].

القديس أغسطينوس

     كيف أتأهل أن أكون في صحبة أيوب، أنا الذي لا أقبل المحن العادية بشكرٍ؟[98]

     واضح أن الفضائل تصير ممتلكاتنا، عندما تصير عمليًا منسوجة في طبيعتنا. إنها لا تتركنا ونحن نجاهد على هذه الأرض، ما لم نطردها نحن بإرادتنا ونلزمها بذلك، وذلك بفتح الباب للرذيلة لتدخل.

إنها تجري بنا متلهفة كلما أسرعنا نحو العالم الآخر.

إنها تقيم من يمتلكونها في رتبة الملائكة، وتشرق أبديًا في عيني الخالق.

أما الغنى والسلطة واللذة وكل حشد مثل هذه الغباوات التي تتزايد يوميًا بسبب غباوتنا، هذه لا تدخل معنا في هذه الحياة ولا تصحب أحدًا عند تركه هذا العالم. فإن قول الرجل البار قديمًا: "عريانًا خرجت من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك" (أي 1: 21) هو قول بحقٍ راسخٍ سائدٍ بالنسبة لكل إنسانٍ[99].

     بين الرجال القدامى والمعاصرين يُفترض أن كل واحدٍ منهم تمتع بنجاحٍ معينٍ، إذ يتمتع كل بفضيلةٍ معينة: أيوب نال صبرًا لا ينهزم وسط المحنة، وموسى وداود الوداعة، وصموئيل النبوة متطلعُا إلى المستقبل، وفينحاس الغيرة (عد 7:35)... وبطرس وبولس الغيرة في الكرازة (غل 7:2)، وابنا زبدي بفخامة الأسلوب، فدُعيا ابني الرعد (مر 17:3)[100].

 القديس غريغوريوس النزينزي

     كان هذا أشبه بصرخة منه: "كنت أََُدُعى أبًا إلى زمن طويل، إذ أراد من خلقني أن أكون هكذا. لقد أراد بدوره أن ينزع عني إكليل النسل. لا أقاومه فيما يخصه. ما يحسن في عينيه فليتحقق. إنه خالق أبنائي، أما أنا فأداة. لماذا وأنا العبد استسلم لحزنٍ غير نافعٍ وشكوى مرة ضد قرارٍ عبثًا أستطيع أن أتجنبه؟" بمثل هذه الكلمات طرح الشيطان أرضًا[101].

القديس باسيليوس الكبير

     هل رأيتم السهام التي صوَّبها الخائن؟

العدو نفسه سُلب، وقد ارتبك باطلاً. فإن أيوب لم يتأثر قط بالأحداث، منصتًا إلى أحاديث الشرور الساقطة عليه كما لو كانت تخص غيره، وأما هو فكصخرةٍ تصد الأمواج التي تتخبط عليها.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     إن كان أحد يحتمل تدبير الرب بصبرٍ، فيقول عندما يفقد شيئًا: "الرب أعطي، الرب أخذ..."، فإنه يتقبل إكليلاً على صبره الذي يسر الله إن كان بارًا، وغفرانًا إن كان خاطئًا[102].

     الإنسان البار الذي يعاني من التحطيم (للأمور المادية) هو غني وعريان. كان القديس أيوب مملوءً من هذا الغنى... لقد فقد كل تلك الأشياء التي وهبه الله إياها، لكنه اقتنى الله نفسه واهبها[103].

الأب قيصريوس أسقف آرل
     أنظروا كيف يختم كل ما شعر به بحق بمباركته الرب. بهذا أدرك العدو الخزي، وحُسب له ذلك عقوبة وهزيمة. فإنه هو نفسه وإن كان قد خُلق في بَرَكةٍ إلا إنه تمرد على الرب، بينما ذاك الذي هو مائت ينطق بتسبحة المجد حتى وهو تحت تأديباته... بكلمات الصبر سبَّح الله عندما ضُرب. لقد صوَّب سهامًا كثيرة في صدر خصمه، وأصابه بجراحات أكثر مرارة من التي سقط هو تحتها. فإنه بمحنته فقد الأرضيات، وباحتماله لها بتواضعٍ ضاعف بركاته السماوية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     يقول الكتاب المقدس: "لأننا لم ندخل العالم بشيءٍ، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيءٍ". (1 تي 6: 7) الذين يطلبون أن يكونوا أغنياء يسقطون في شهوات عديدة غير نافعة. التلميذ الذي صار خائنًا هو برهان واضح لهذا، فقد هلك من أجل مالٍ قليل بائس[104].

 القديس كيرلس الكبير

     نحن سادة أنفسنا، لنا أن نؤذي أنفسنا أو لا نؤذيها... (إن سُرقت كل كنوزنا) فبالحقيقة لهو أمر محزن، ويبدو أنه خسارة. لكن يبقى الأمر متوقفًا عليك فتستطيع أن تجعل منه خسارة أو ربحًا لك. تقول: "وكيف يمكن أن يكون هذا ربحًا؟" إني أسعى لأظهر لك كيف هذا، فإنك إن أردت سيكون ذلك لك ربحًا عظيمًا، وإن لم ترد فالخسارة ستكون أقسى من خسارة ما قد أُخذ منك. فانه كما في حالة الفنانين عندما توضع المواد الخام أمامهم، فمن كان منهم ماهرًا في فنه يستخدم المواد في هدفٍ صالحٍ، أما غير الماهر فيُفسد المواد وتصير بالنسبة له خسارة. هكذا الأمر هنا كيف تصير هذه ربحًا؟ إن قدمت شكرًا لله، إن كنت لا تنتحب بمرارة، إن نطقت بكلمات أيوب: "الرب أعطى، الرب أخذ..."[105]

     من يحتمل بهدوء أن يرى طفلاً وحيدًا له مطروحًا كجثةٍ هامدةٍ؟ إنه يحتاج إلى نفسٍ كالفولاذ لاحتمال ذلك. مثل هذا يلزمه أن يستريح من تنهدات الطبيعة، وأن يتقوى لينطق كلمات أيوب: "الرب أعطى، الرب أخذ" (أي 21:1). فبهذه الكلمات وحدها يقف مع إبراهيم نفسه وأيوب ليُعلن عنه أنه غالب. وإن منع نحيب النساء وقام بتفريق جماعات النائحين ليقيمهم للتغني بمجد الله، فإنه ينال فوق الكل مكافآت لا حصر لها، يندهش منه البشر، وتمتدحه الملائكة، ويُتوجه الله[106].

     هذه كلمات نفسٍ حيةٍ، نفس تؤدي دورها اللائق بها[107].

     لنفرض أن شخصًا فقد ابنه، وآخر كل ممتلكاته... فإنه يمكن اقتناء ثمر من المحنة حتى وإن كان لا يمكن علاجها، وذلك باحتمال الظروف بنبلٍ، وعوض استخدام كلمات تجديف، تقدم كلمات شكر للرب، بهذا فإن الشرور التي تُجلب عليكم بغير إرادتكم تصير أعمالاً صالحة باختياركم[108].

القديس يوحنا الذهبي الفم

     الله صالح, وكل ما يفعله يلزم أن يكون صالحًا أيضًا.

هل قرر أنه يجب أن أفقد زوجي؟ اندب خسارتي, لكن مادامت هذه هي إرادته احتملها بتسليم.

هل يختطف مني الابن الوحيد؟ الضربة القاسية, لكن يمكن احتمالها, لأن الذي يأخذ هو نفسه الذي أعطي.

إن صرت أعمى فقراءة صديقي تعزني.

إن صرت أصم اهرب من سماع الكلمات الشريرة، وتتركز أفكاري في الله وحده[109].

القديس جيروم

"فِي كُلِّ هَذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ، وَلَمْ يَنْسِبْ لله جَهَالَةً" [22].

هذه شهادة حية يقدمها لنا الروح القدس عن حسن تصرفه وسط الضيق. لقد اجتاز التجربة في نجاحٍ ونصرةٍ صادقةٍ.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في تعبير "لم ينسب لله جهالة" أنه لم يتهم الله بالظلم، ولا حسب أن ما حلَّ به هو وليد صدفة، ولا تذمر قائلاً بأنه لم يخطئ فلماذا حلت به الشرور، ألا يبالي الله بأمره. مثل هذه الأفكار تحل بالبعض حينما تحل بهم التجارب بينما يرون غيرهم يتمتعون ببركات زمنية.

     حارب الشيطان (أيوب) بثباتٍ، لكنه عجز عن النصرة على مصارع الله.

لقد فرّغ جعبة أسهمه، لكنه لم يستطع أن يجرح مقاتله الشجاع الباسل.

أثار أمواجًا ضخمة، لكنه لم يقدر أن يحرك الصخرة الثابتة.

استخدم حيله، لكنه لم يقدر أن يهدم البرج القوي.

هزّ الشجرة، لكنه لم يحطم الثمرة.

لقد كسَّر الأغصان، لكنه لم يوذِ الجذر.

لقد اخترق السور، لكنه لم يحمل الكنز.

الآن أقول إن هذا الكنز الذي أشير إليه ليس من ذهبٍ ولا فضةٍ، بل إيمان الرجل البار. فإن الشيطان أراد تحطيم هذا الكنز عندما هيّج عليه بلاء لا يُحتمل بعد أن نزع عنه كل ثروته... ها أنتم ترون الله يتمجد والشيطان يخزى[110].

الأب قيصريوس أسقف آرل
     فشل الشيطان وملائكته أن ينتصروا على أيوب عندما أطلقوا هجماتهم عليه. كان هو الرجل الذي يقف مقدامًا، لن يهتز في إيمانه الثابت[111].

القديس أغسطينوس
     لاحظوا كيف يوصف أيوب أنه صار إلى حالٍ أعظم خلال التجربة، بينما سقط داود بالتجربة أرضًا. لهذا فإن فضائل أسلافنا قد تعزز رجاءنا، وسقوطهم يدعم حذرنا بالتواضع، فبينما بالأولى نرّتفع إلى الفرح، نبقى بالثانية في مخاوف.

     "في كل هذا لم يخطئ أيوب، ولم ينسب لله جهالة" [22]... إذ لم ينطق بشيء فيه غباوة، حافظًا لسانه من الإثم، بينما قيل: "لم يخطئ"، فيظهر أنه استبعد عنه خطأ التذمر حتى من فكره، فلم يخطئ، ولا تكلم بجهالة، ولا ثار السخط في شعوره الصامت، ولا انحل لسانه بالسب.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     لتشكر الله ولتسبح ذاك الذي يختبرك في الأتون. لتنطق بالتسبيح عوض التجديف هذا هو الطريق الذي به عبَّر ذاك الطوباوي عن نفسه[112].

     هذا هو الطريق الذي به قدم أيوب ذبيحة (تسبيح) بالرغم من الأحزان المرعبة التي فوق الطاقة البشرية قد حلت به[113].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

 
تفسير سفر أيوب اصحاح2 PDF Print Email

جولة جديدة

 

إن كان الملائكة، أبناء الله، يظهرون أمام الله مشتاقين إلى خدمته في محبوبيه البشر، فإن عدو الخير أيضًا لا يقف في سلبية مكتوف الأيدي، بل يجول في كل الأرض معلنًا الحرب ضد الله في البشرية.

في الأصحاح الأول قدم الكاتب الجولة الأولى للمعركة التي دارت بين الشيطان وأيوب، وخرج أيوب غالبًا. والآن يُصرْ عدو الخير على الدخول في جولة جديدة، فهو لا يكف عن تصويب سهامه ضد أبناء الله حتى وإن ارتدت إليه.

مست التجربة الأولي ممتلكات أيوب وبنيه وبناته، الآن تمس التجربة جسمه كله ماعدا لسانه، واستخدم امرأته كما سبق فاستخدم حواء في الجنة لإغراء آدم، وأخيرًا بدأ يستخدم أصدقاءه الذين جاءوا لكي يرثوا له ويعزوه.

1. الدخول في جولة جديدة              1-6.

2. آدم آخر في وسط الرماد            7-8.

3. زوجة أيوب تجربه                  9-10.

4. افتقاد أصحابه الثلاثة له             11-13.

 

 

1. الدخول في جولة جديدة


"وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسَطِهِمْ لِيَمْثُلَ أَمَامَ الرَّبِّ" [1].

جاء العدو لينال إذنًا بتجاربٍ أقسى وأمر، فإن التنين "يشتكي عليهم أمام إلهنا نهارًا وليلاً" (رؤ 12: 10).

     "وكان ذات يومٍ أنه جاء بنو الله ليُمثلُوا أمام الرب" [1]. لماذا يقدم الكاتب فكرة حضورهم بهذه الطريقة في كل يوم؟

لكي ندرك أن الحدث ذاته لا يفلت من العناية الإلهية، وأن الملائكة يقدمون حسابًا عن أحداث كل يوم، وأنهم في كل يوم يُرسلون لحسم الأمور حتى حينما نفشل نحن في إدراك هذا، فقد خُلقوا لهذا. هذا هو عملهم، كما يقول بولس: "(أليس جميعهم أرواحًا) خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص؟" (عب 14:1)...

ها أنتم ترون بأي هدف كان الملائكة حاضرين، أما هو (الشيطان) فما هو هدفه؟ أن يجرب أيوب، وأن تسير الأمور لتحقيق هذا الهدف.

لماذا اُستُجوب مرة أخرى أمام الملائكة؟ لقد تحتم عليه هكذا، فقد سبق فقال أمامهم: "إنه حتمًا في وجهك يجدف عليك" (راجع أي 11:1). يا لخزيه! كيف تجاسر وعاد ليقف بينهم؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ:

مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟

فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: مِنَ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ،  وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا" [2].

جاءت إجابته كالمرة الأولى تمامًا، وكأنه لم يؤذِ أحدًا قط، بل ومن حقه أن يسيء إلى الغير. إنه لم يعترف أنه أخطأ!

     كان الهدف في تجاربه تصويب (أيوب) نحو الموت، وإذ به ينال نموًا في حياته بذات الضربة. لقد حزن عدونا القديم أن فضائل أيوب تضاعفت بذات الوسيلة التي كان يهدف بها نحو نزعها عنه. ومع كونه قد رأى أنه انهزم في الحلقة الأولي أعد نفسه لتصويب هجمات من التجارب جديدة، وكان لا يزال له الجسارة أن ينطق بالشر على ذاك القديس. فإن الشرير لا يستطيع أن يؤمن بوجود الخير حتى وإن تبرهن بالخبرة...

"من أين جئت؟"... (أي 2: 2) كأن صوت الله يقول له بصراحة: "أنظر لقد غلبك إنسان واحد، غلبك بالرغم مما يعانيه من ضعفات الجسد، يا من تصارع لتقف أمامي أنا خالق الكل".

البابا غريغوريوس (الكبير)

     "عندئذ أجاب" هذا يعني أنه عندما نال سلطانًا أن يتكلم، عندما أعطى الرب سماحًا للعبد الشرير أن يفتح فمه أمامه، عندما أمر ذاك الذي أُمسك بلسانه كعمودٍ لا يتحرك. يقول: "لقد لاحظت بسرعة كل الأرض، ونصبت شباكًا في كل موضع، وهيأت مصائد. كل المواقع مملوءة بمصائدي، الكل قد ضاق بشباكي، وأُمسكوا في تعبي. ليس من طريقٍ للهروب من سبيي، فإن خططي الاستراتيجية لها أشكال كثيرة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     لاحظوا أنه يطوف في كل لحظة في العالم. يعلمنا زكريا أن الملائكة تجول على الأرض (زك 10:1-11). أما هذا البائس فلا يكتفي بالطواف، فإن العناية الإلهية أيضًا تمارس هذا العمل، إنما يطوف لكي يُدان بالأكثر (لشروره)، ولكي نكون نحن في أكثر حذرٍ. لهذا السبب دُعي "رئيس ظلمة هذا الدهر" (أف 12:6)؛ أي رئيس الشر.

تكلم أيها الشيطان، ماذا فعلت؟

يقول: لقد قمت بجولة في الأرض، لقد درت فيها، وها أنا هنا.

ماذا جلبت؟

لم يجلب شيئًا نافعًا أو صالحًا، لهذا لم يجب لماذا قام بالجولة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوب، لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ؟رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ، وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ" [3].

مرة أخرى يدافع الديان نفسه عن المتهم، ويمتدحه.

     إذ (الله) عادل لم يكن ممكنًا أن يهيج عليه بدون سبب. مرة أخرى إذ هو حق لم يكن ممكنًا إلا أن ينطق بهذه الكيفية، إنه فعلاً هاج عليه بلا سبب. لكن الأمرين يتلازمان معًا بكونه عادلاً وحقًا، فهو ينطق بالحق ولا يفعل ظلمًا. لنتحقق أن الطوباوي أيوب كان من جهته قد ضُرب بلا سبب، وأيضًا بمعنى آخر لا يُضرب بدون سبب... لأنه ما كان يمكن أن يُقدم للآخرين مثلاً للفضيلة لو لم يُجرب... 

البابا غريغوريوس (الكبير)

     لم يهتز أيوب، إذ لم يتراجع عن ثبات إيمانه[114].

 القديس أغسطينوس

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن أيوب يرمز لشخص السيد المسيح الذي قَبِلَ الألم "الغضب" بلا سبب، تألم بلا سبب، وكمخلصٍ وشفيعٍ كفاريٍ عنا تألم بسببٍ، لكي يطهرنا بدمه من خطايانا.

     لماذا يعود ليهاجم؟ ماذا نتعلم من هذا؟ فإننا وإن سقطنا ألف مرة، فإن الشيطان لن يتوقف، بل يستمر في الحرب دون أي تردد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: جِلْد بِجِلْد،ٍ وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ" [4].

كان هذا المثل شائعًا في القديم، في أيام أيوب، وهو يُعّبِر عن تقدير حياة الإنسان فوق كل شيء في العالم، وقد وُجدت تفاسير كثيرة له.

ربما يشير إلي عادة قديمة خاصة بمقايضة جلود الحيوانات القتيلة التي يطاردها الصيادون. فالصياد الجائع يقدم جلود الحيوان الذي اصطاده مقابل نوال طعام، وإذا لزم الأمر واشتد به الجوع يقدم كل ما لديه من جلود الحيوانات التي اصطادها مقابل الخبز لإنقاذ حياته. وكأن هذا المثل يعبر عن قبول الإنسان أقصى ما يمكن من الخسائر لكي لا يفقد ما هو أعظم ألا وهي حياته. وجاء المثل التركي: "يليق بنا أن نقدم لحيتنا لننقذ رؤوسنا"[115].

أراد الشيطان أن يسحق شخصية أيوب بقوله: "جلد بجلدٍ"، فإنه مهما فقد حتى ولو كان الأبناء مادام هو في صحته، ليس من يمس جلده، لا يبالي. لا يهتم بحياة أولاده، وإنما يثور ويفقد إيمانه وصوابه إن لمس أحد جلده. إنه كالنعامة التي تقسو على صغارها كأنها ليست لها (أي 36: 16). إنه أناني، محب لذاته، تشغله صحته وراحته وسلامة جسدي ليس إلا؟

     ما يعنيه بقوله هذا أن أهم ما لدى الإنسان هو نفسه. كل البقية أمور ثانوية... على هذا الأساس أرغب في أن أصطاده هو، فالغنى ليس بذي قيمة عظيمة في أعين البشر.

لننصت أيها الأحباء، حتى وإن كنا نستحي من أن نتعلم من الشيطان، وهو أنه يليق بالإنسان أن يبذل كل شيء من أجل حياته. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وأنه لأمر طبيعي للبشر، فإنه لا يٌسمح لنا بأي تهاون عندما نجدف بسبب الغنى. يقول إن الغنى لا يمثل شيئًا، فنبذله تمامًا من أجل حياتنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

 

     انظروا مكر الخصم، وكيف كان عنيفًا في الخطية... إنه يعرف الفارق بين الأمور الخارجية والداخلية. إنه يعرف أنه حتى فلاسفة هذا العالم يدعون الأمور الأولى (الخارجية) adiafora بلا قيمة، وأن كمال الفضيلة لا يقوم على فقدان هذه الأمور والاستخفاف بها. وأن الأمور الأخيرة أي الداخلية هو الأفضل، بفقدانها يحدث غم لا يمكن التخلص منه. لهذا بجسارة ناقض ما قاله الله، وأعلن أن أيوب لا يستحق مديحًا على الإطلاق، حيث لم يخضع لتجربة تمسه، هو بل تمس ما هو خارج عنه. فقد أعطى جلده عوض جلد أولاده، وفقد فقط ماله ليضمن صحة جسمه[116].

القديس جيروم

"وَلَكِنِ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ،وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ،  فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ" [5].

طلب الشيطان أن يمد الله نفسه يده ليضرب عظمه ولحمه، فإن شوكة الجسد قاسية للغاية، يصعب احتمالها بدون نعمة المسيح (2 كو 12: 7-9).

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ:هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلَكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ" [6].

يمكن أن تُفهم عبارة: "ولكن احفظ نفسه"، بمعنى أن تكون للتجربة حدود، وهي حفظ نفسه لا تحطيمها. بمعنى أن التجربة تكشف عن ضعف الإنسان، فيتواضع أمام الله، وتُحفظ نفسه من الكبرياء. أما إذا تعدت حدود طاقة الإنسان، فيسقط في اليأس ويصيبها الإحباط، فتهلك نفسه بسبب عدم إيمانه.

وضع الرب حدًا للتجربة: "ولكن احفظ نفسه"، أي لا يبلغ به إلى الموت. كان يطمع الشيطان أن يميته في إحدى لحظات ضعفه بعدما يدفعه إلى التجديف. لكن الله قيَّد الشيطان فلا يقتله.

يفسر البعض التعبير "احفظ نفسه" بأنه "احفظ عقله"، بمعنى أنه سمح له بأمراض الجسد دون فقدان قدرته على التعقل والتفكير.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة ليظهر مدى ضعف الشيطان، فمع أنه كوحشٍ كاسرٍ، وبلا جسدٍ، لكنه لا يقدر أن يقترب ليجرب إنسانًا يحمل جسدًا إلا بسماح من الله.

     "احفظ نفسه"، بمعنى لا تميته. بهذا ليس له سلطان على ذلك ما لم ينل سماحًا به... نفهم من ذلك أن سلطانه مشروط بالسماح له أو الرفض... تعبير "احفظ نفسه" أقوى من "لا تمس حياته".

     لا تخف إذن من الشيطان، حتى وهو بلا جسد، حين يقترب من الجسد. فإنه ليس من هو أضعف من ذاك الذي يقترب بهذه الكيفية مع أنه غير ملتحفٍ بجسدٍ، وليس أقوى من ذاك الشجاع الجريء حتى وإن حمل جسمًا قابلاً للموت![117]

القديس يوحنا الذهبي الفم

     قيل للعدو عندما طلبه: "ها هو في يدك". (أي 2: 6) الشخص نفسه في يد الله وفي نفس الوقت في يد الشيطان...

 لكن كيف يُقال للشيطان: "لكن احفظ نفسه"؟ إذ كيف يحفظ ذاك الذي يتوق دومًا إلى تحطيم الأمور المحفوظة؟ حفظْ الشيطان له هنا بمعنى عدم تجاسره على التحطيم. وذلك كما نتحدث مع الآب في الصلاة طالبين: "لا تدخلنا في تجربة"، لأن الله لن يُدخل أحدًا في التجربة، إذ يظلل دائمًا برحمته على عبيده ليحميهم من التجربة. مع هذا إن لم يحمنا من إغراءات التجربة يكون كما لو أنه يدخلنا في التجربة. بهذا فإنه بعدم السماح لنا أن نُجرب فوق ما نحتمل يكون كأنه لا يدخلنا في شباك التجربة.

بنفس الطريقة كما يقال لله: "لا تدخلنا في تجربة" إن سمح لخصمنا أن يدخلنا فيها، هكذا يُقال عن خصمنا أنه "يحفظ نفسنا" متى التزم ألا يُقهرنا بتجربته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     الآن أعطيك الحق أن تقلب الأمور رأسًا على عقب. إني أسلمه إليك (أي 2: 6)، لا لكي تغير روحه (فكره)، ولا لكي يكون لك سلطان على إرادته، ولا أن تحطم حريته في قراره، لأنك لو استخدمت ضغطًا على هذه الأمور بسهولة تنتصر عليه، وتكون المعركة غير عادلة... بالتأكيد تود أن تقترب من "حياة" الإنسان البار، لكنك لا تستطيع ذلك، لأن ناموس الملك العظيم ينتقم لهذا، وإلا يكون حارس القطيع قد أطلق العنان للذئب. أسلمك حياة الذين تحسدهم، لا لتفعل ما شاء لك، وإنما في خشية نواميسي وإرادتي الإلهية...

إنك تعجز عن أن تقول بأن آخر يهاجم حياة أيوب، لأنك أنت تهاجمه يا من أقيمك حافظًا له. ستكون مُدانا إن وضعت كمينًا لحياته.

     هنا الحماية الواقية تسير جنبًا إلى جنب مع السماح بالضرب، ويتحقق التدبير الإلهي خلال الحماية، وخلال التخلي عن العبد المختار، فبينما يتخلى عنه يحرسه... هكذا سُلم القديس في يد الخصم (أي 2: 6)، أما نفسه فمحفوظة في يد (الله) معينه، فإنه من ضمن القطيع الذي قال عنه الحق في الإنجيل: "لا يخطفها أحد من يدي" (يو 28:10).

علاوة على هذا، فإنهم لا يرون لوسيفر يقوم، هذا الذي قال عنه إشعياء: "لوسيفر الذي قام في الصباح"، ثم يكمل "قُطع إلى الأرض" (إش 12:14)، مشيرًَا إلى أنه لا يعود يستعيد كرامته السابقة. بسقوطه من السماء على الأرض أراد دمار الإنسان، لكن الله يُعطي من لا يُخدع سلطانًا أن يدوس على الخائن بقدميه، ويحطمه إلى أجزاء.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     ليس للروح النجس سلطان علي البشر. هذا يظهر عند صراعه ضدّ أيوب الطوباوي فقدْ أخذ السلطان علي جسده من قبل الرب، إذ قال له: "ها هو في يدك، ولكن احفظ نفسهُ" (أي 6:2). أيّ لا تُضعِفْ روحه، وتجعله مجنونًا، وتتسلط علي ذاكرته وعقله، خانقًا قوته الداخلية[118].

الأب سيرينوس

     وضع جسم القديس في يدي الشيطان، لكن قواته الحيوية حُجزت عنه. فلو أن الشيطان ضرب ما تعتمد عليه أحاسيسه وقدرته العقلية لقامت الخطية الصادرة عن سوء استخدام القدرات وبقيت على بابه، ليس برغبته في ارتكابها وإنما بسبب اختلال توازن عقله[119].

القديس جيروم

يقدم لنا القديس أمبروسيوس تفسيرًا رائعًا لهذه العبارة، في حديثه عن تشّبه القديس بولس بالله:

     كل من يؤمن يقبله الرب، لكنه يؤدب كل ابن يقبله (عب 6:12). وفي تأديبه له لا يسلمه للموت. لأنه مكتوب: "أدبًا أدبني الرب، وإلى الموت لم يسلمني" (مز 18:118).

يعلمنا بولس الرسول ألا نهجر أولئك الذين ارتكبوا خطية للموت، إنما نلزمهم بخبز الدموع (التي للتوبة)، لكن ليكن حزنهم معتدلاً. وهذا هو ما تعنيه عبارة "سقيتهم الدموع بالكيل" (مز5:130). فحزنهم يجب أن يكون بكيلٍ، لئلا يبتلع التائب من فرط الحزن. وذلك كما قال لأهل كورنثوس: "ماذا تريدون أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟!" (1 كو 21:4). إنه يستخدم العصا، لكن بغير قسوة، إذ قيل: "تضربه أنت بعصا، فتنقذ نفسه من الهاوية" (أم 14:23).

وماذا يقصد الرسول بالعصا، ظهر عند طعنه خطية الزنا (1 كو 1:5)، منذرًا ضد الفسق بالأقرباء المحرم الزواج بهم، معنفًا كبرياءهم، إذ تكبر هؤلاء الذين كان يلزمهم أن يحزنوا. وأخيرًا في حديثة عن المذنب أمر بعزله عن الجماعة وتسليمه للشيطان، ليس لأجل هلاك نفسه بل لهلاك جسده.

وبولس في هذا يقتدي بالله الذي لم يعطِ للشيطان سلطانًا على روح أيوب الطوباوي، بل سمح له بإبلاء جسده (أي 6:2). فبولس سلم الخاطي إلى الشيطان لهلاك الجسد، حتى تلحس الحية تراب جسده (مي 17:7) أما روحه فلا تضرها...

وإذا أردنا أن نشرح ما يعنيه بولس الرسول، نتأمل كلماته ذاتها، بأي معنى قال بأن يسلمه إلى الشيطان لهلاك الجسد، لأن الشيطان هو الذي يجربنا، إذ يجلب عللاً وأمراضًا لأجسادنا. فالشيطان ضرب الطوباوي أيوب بقروحٍ مريرةٍ من القدم إلى الرأس، لأنه نال سلطانًا لهلاك جسده، عندما قال له الرب: "ها هو في يدك، ولكن أحفظ نفسه" (أي6:2). هذا أيضًا ما أخذ به الرسول بنفس الكلمات، مسلمًا الزاني إلى الشيطان لهلاك الجسد، لكي تخلص روحه في يوم الرب يسوع (1 كو 5:5).

عظيم هو هذا السلطان!! وعظيمة هي هذه العطية، التي بها يهلك الشيطان ذاته بذاته، وذلك بحثه على تجربة الإنسان، إذ يجعله قويًا بالروح بدلاً من أن يكون ضعيفًا. فإذ يضعف جسده تقوى روحه، لأن ضعف الجسد يقاوم الخطية، أما تنعمه فيشعل نار الخطية.

لقد خُدع الشيطان، إذ جرح نفسه بضرباته التي وجهها ضد نفسه، محاربًا نفسه بتفكيره في إضعاف الخاطي. هكذا سلح الشيطان أيوب أكثر عندما جرحه. فإذ بلى جسده كله بالقروح، احتمل بالحق ضربة الشيطان دون أن يصيبه شيء من سُمِهِ، وهكذا بحق قيل عنه: "أما لوياثان أفتمسكه بشصٍ... أتلاعبه كالعصفور، وتأسره لعبة لجواريك.. ضع يدك عليه" (أي41: 5).

أنظر كيف سخر بولس بالشيطان، فصار كالطفل المذكور في النبوة الذي وضع يده على الحية دون أن تضره. لقد سحبه من خباياه وحول سمه إلى ترياق روحي ضد السموم. محولاً السم دواءً للسم الذي يُستخدم لهلاك الجسد صار علاجًا للروح!

إذن لأترك الحية تضرب ما هو أرضى في (جسدي)، أتركها تعض جسدي، وتسبب أزرقاقًا فيه، فسيقول لها البرّ عني: "ها هو في يدك، ولكن احفظ نفسه" (أي 6:2).

يا لقدرة الله!! إنه يسلم حفظ نفس الإنسان في يد الشيطان الذي يريد هلاكه!!... فبوصايا السيد جعل الشيطان حافظًا لغنمه، فبغير إرادته صار ينفذ وصايا السماء، وبقسوته يطيع وصايا الوداعة![120]

القديس أمبروسيوس

2. آدم آخر في وسط الرماد


"فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبّ،وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ، مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ" [7].

ما أن نال الشيطان الإذن حتى انقض على جسم أيوب ليضربه بمرضٍ عنيفٍ للغاية. لم يضربه بقرحةٍ واحدةٍ، ولا عدة قروح، إنما بقروحٍ من باطن قدمه حتى يعجز عن المشي إلى هامته. لا يقدر أن ينام على أحد جانبيه ولا على ظهره أو حتى بطنه، ولا أن يجلس، ولا أن يقف، فكل جسمه باستثناء لسانه كان مملوءً بالقروح. لم يجد حتى الكلاب لتلحس قروحه، كما حدث مع لعازر المسكين (لو 16: 21).

يعلق العلامة أوريجينوس على الوعد الإلهي: "إن كنت تسمع لصوت المحب إلهك، وتصغِ إلي وصاياه، وتحفظ جميع فرائضه، فمرضًا ما مما وضعته على المصريين لا أضع عليك" (خر 15: 26). [إذ كانت أحد أمراضهم هي القروح، فلماذا سقط أيوب في هذا المرض؟ قروح المصريين الوثنيين هي ضعفاتهم تجاه محبة العالم وما فيه. هذا ما يشفينا الرب منه، ولا يضعه علينا[121].]

v     "كل الأمور تعمل معًا للخير للذين يحبون الله" (رو 8:28). جُرب أيوب الرجل المقدس. فقد بنيه وبناته، وسقط بيته في دمار، وفقد كل ما كان لديه، فجأة كل شيء قد ذهب! لم يعد أبًا ولا سيدًا، ولم يعد في جسمه عضو سليم سوى لسانه الذي يُمكن به أن يجدف. أنظروا المجرب، إذ يقول الكتاب المقدس: "ضرب أيوب بقُرحٍ ردي من باطن قدمه إلى هامته" (أي 2: 7)...

ترك لسانه فقط لكي ما يكون قادرًا على التجديف على إلهه. "في كل هذا لم يخطئ أيوب بشفتيه" (أي 1: 22).

فقط تحققوا من هول التجربة. تأملوا عظم فضيلته. تأملوا حسنًا وتفهموا، كيف تحقق قول الرسول: "كل الأمور تعمل معًا للخير للذين يحبون الله"... قبل التجربة لم يتكلم الله معه قط؛ وبعدما جُرب جاء إليه الله، وتحدث معه رافعًا الكلفة، كصديقٍ مع صديقه.

لتضرب الكارثة، وليحل كل نوع من الكوارث مادام المسيح يأتي بعد الكارثة[122].

القديس جيروم

     ربما لأن إلهنا يعرف إني ضعيف للغاية لم يعطه سلطانًا على جسمي. وإن كنت أنا نفسي اشتهي ذلك. فمع أني أقدم نفسي (لأقبل تجربة في الجسد)، لكن الله حسبني غير أهلٍ لهذا الصراع، وامتحني بمتاعبٍ مختلفةٍ. أما أيوب فلم يبدأ بهذا الصراع بل انتهي به[123].

القديس أمبروسيوس

"فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا، وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ" [8].

ما هي هذه الشقفة (كِسَر أواني فخارية) التي يحك بها جسمه المُبتلى بالقروح إلا استخدام الوسائل الأرضية أو الزمنية لشفاء النفس. عوض تقديم تعزيات صادقة وشفاء حقيقي، يستخدم الشخص شقفة تسبب بالأكثر تلوثًا للقروح، وتحطم الجسم، هكذا إذ نمد أيدينا لعلاج أمراضنا الروحية بطرقٍ بشريةٍ خارج نعمة الله نحطم نفوسنا بالأكثر ونهلكها.

صار أيوب رمزًا للسيد المسيح، إذ لم يجد أيوب موضعًا ليسند فيه رأسه، ليس أمامه إلا أن يجلس على مزبلة وسط قروحٍ ملأت كل جسمه، يسخر به حتى أصدقاؤه. هكذا ليس لابن الإنسان أين يسند رأسه، ليس له إلا أن يرتفع على الصليب وسط آلام جسمه كله، لم تقبله خاصته (يو 1: 11).

لم يصعد أيوب على جبلٍ، بل جلس على مزبلة، لينعم فيها بالنصرة على عدو الخير ممجدًا الله إلهه. هكذا مسيحنا مخلص العالم يستريح في المتواضعين ومنسحقي القلوب ليقيم منهم هيكلاً له. اختار الجهال ليخزي بهم الحكماء، والضعفاء ليخزي بهم الأقوياء، والمُزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود (1 كو 1: 27-28).

لم يجد أيوب أحدًا يعطف عليه، ولا من يضمد قروحه، ولعل أصدقاءه خشوا العدو أو لم يحتملوا رائحة نتانة القروح. لم يجد قطعة قماش ينظف بها جروحه، بل كان يحكها بشقفة فخارية، فكان العلاج أشد ألمًا من المرض نفسه. ليس من يدهن جراحات القروح بمواد مطهرة ولا بدهنٍ يهدئ من الألم! لقد اشتكى فيما بعد قائلاً إن لحمه لبسه الدود مع التراب (أي 7: 5).

أما جلوسه في الرماد وكل جسمه مملوء بالقروح، فيزيد من تلوث جراحاته عوض تطهيرها. ولعله فعل هذا علامة تواضعه وندامته وتوبته.

جاءت في الترجمة السبعينية: "جلس فوق مزبلة خارج المدينة".

يقول البابا غريغوريوس (الكبير) إننا لا نعجب إن كان ذاك الذي مدحه الله نفسه يسمح له بالتجربة حتى يجلس في وسط الرماد، كما سمح للقديس يوحنا المعمدان الذي شهد له أنه ليس من بين مواليد النساء من هو أعظم منه أن تُدفع حياته ثمنًا لرقصة ماجنة.

     ألا (يسمح بهذا) لكي ما يضغط عليهم إلى أسفل حتى يكافئهم في الأعالي؟

إنه ينزل بهم إلى أسفل من الخارج إلى مستوى الازدراء، حتى يقودهم من الداخل إلى العلويات التي لا تُدرك.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     إذ لم تستطع الأدوية البشرية أن تشفيه شفاه الصبر والإيمان. لقد جلس في كومة مزبلة، أما نفسه فكانت تتجول في الفردوس[124].

القديس جيروم

     أنزله من الكرسي الملوكي ليجلس في مزبلة. ومع مقاومته بالويلات التي أشرت إليها حالاً بقي سليمًا. تمزق جسمه، لكنه احتفظ في أعماق نفسه بكنز التقوى غير منتهك[125].

القديس باسيليوس الكبير

     يا لك من إنسان فاسد (جسديًا)، لكنك بريء! يا لك من كائن موصوم (بالقروح)، لكنك جميل! مجروح، لكن نفسك مملوءة صحة! تجلس على مزبلة، وتملك في السماء!

إن كنا نحب فلنقتدِ به، ولنجاهد لنتبع مثاله[126].

الأب قيصريوس أسقف آرل

     ألا ترونه بالحق قد جاء إلى أقصى الفقر المدقع، حتى يستحيل أن تجدوا شخصًا تقارنونه به؟ لأنه كيف يمكن أن يوجد من هو أكثر فقرًا من إنسانٍ عارٍ ليس لديه سقف يأوى تحته؟ نعم، ولم يكن في قدرته أن يتمتع حتى بالأرض بل جلس في مزبلة.

لهذا حينما تجدون أنفسكم قد بلغتم إلى الفقر، تأملوا آلام البار، وللحال تقومون وتنفضون عنكم كل فكر للقنوط.

تبدو هذه المحنة للبشر القاعدة لكل الآلام مجتمعة معًا. أما المحنة الثانية التي تليها، بل بالحري تسبقها فهي أحزان الجسد. من صار هكذا معاقًا مثله؟ من احتمل مرضًا كهذا؟ من قبل أو سمع عن أحدٍ سقط تحت أحزانٍ عظيمة هكذا؟ لا أحد.

كان جسمه يبلى قليلاً قليلاً، وسيل من الدود يصدر عن أعضائه من كل جانب، يفيض هذا السيل الجارف بلا توقف، وتحيط به الرائحة النتنة بقوة، ويتدمر الجسم شيئًا فشيئًا، وجعل الفساد مع عفونة كهذه طعامه مرًا، وصار الجوع بالنسبة له غريبًا وفذًا.

لم يكن قادرًا أن يتمتع حتى بقوتٍ يُقدم له، إذ يقول: "أرى طعامي قد صار كريهًا" (7:6). حينما تسقط تحت ضعفٍ يا إنسان، تذكر ذاك الجسم المقدس. فقد كان جسدًا مقدسًا وطاهرًا حتى وهو مُصاب بجراحات كهذه...

لكن قد يقول أحد، كانت له تعزية عظيمة وراحة، إذ عرف أن الله هو الذي جلب هذه المتاعب عليه. هذا في الواقع يجعل اضطرابه أشد وأكثر ارتباكًا، أن الله البار الذي خدمه بكل وسيلة دخل في حرب معه... يقول: "تستذنبني لكي تتبرر أنت" (8:40).

إذ شعر بالذنب قال: "وضعت يدي على فمي. مرة تكلمت، فلا أجيب، ومرتين، فلا أزيد" (5:40). مرة أخرى يقول: "بسمع الأذن قد سمعت عنك، والآن رأتك عيني. لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد" (5:42-6).

لكنك إن كنت تفكر أن في هذا كفاية للتعزية، فإنك قادر أن تختبر ذات التعزية. وإن كنت لا تعاني شيئًا من هذا من يدي الله، بل من غطرسة البشر، فلتشكر الله ولا تجدف على ذاك القادر أن يمنعهم بالحق. وإن كان قد سمح لهم بذلك فلأجل امتحانك، فمن يتألم بالآلام من يدي الله يُكلل. هكذا أنت أيضًا تُكلل، لأنك تحتمل المصائب بتقوى، تلك التي جلبها الناس عليك، شاكرًا ذاك القادر أن يصدهم عن ذلك، لكنه لم يرد ذلك[127].

     صارت جراحات الرجل البار (أيوب) أكثر نفعًا من اللآلئ...

صوّروا هذا المصارع أمامكم، وتخيلوه في الحمأة، جالسًا في وسطها.

يا له من تمثالٍ ذهبيٍ مرصع بالجواهر!

لست أعرف كيف أعَّبر عن هذا، فإني عاجز عن إيجاد مادة ثمينة هكذا لأقارنها بهذا الجسم الملطخ بالدماء. إنه أثمن بكثير من أية مادة، مهما بلغت تكلفتها، فإن طبيعة ذاك الجسد ثمينة بما لا يُقارن بأي شيء، وتلك الجراحات أكثر إشراقًا من أشعة الشمس، فإنها تنير عيون الجسد، أما تلك فتنير عيون النفس! إنها تضرب الشيطان بعمى كلي مطبق[128].

     هل تدركون أيها الأحباء كم كانت عظمة المكافأة التي للتجربة؟

كان جسمه رشيقًا وسليمًا، لكنه صار أكثر وقارًا عندما طُعن بالجراحات!...

الملك الجالس على العرش ليس في شهرة هذا الرجل وهو جالس في الحمأة بمكانة عظيمة... فإنه بعد العرش الملوكي يحل الموت، ولكن بعد الحمأة ملكوت السماوات[129].

     لماذا جلس على مزبلة؟ ليخفي على كومة النفايات سقوطه (حتى الموت).

 لماذا خرج خارج الأبواب؟ لكي يجد شيئًا من الراحة، فإنه لو بقي في حجرة مغلقة، مهما كان هواء الحجرة نقيُا يفسد، ويختنق هو نفسه من الرائحة الفاسدة.

في اعتقادي أن آلامه ليس فيها علة بشرية نهائيًا، وقد أدرك أن الله يود أن يقدم درسًا بما حدث له، فلم يشعر بخزيٍ ولا ارتباكٍ، بل كشف عن نفسه أنه صار أضحوكة للكل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     على أي الأحوال لقد أحسن أيوب الفعل إذ جلس على مزبلة... لأن جسمه البالي صار نفاية. لقد تذكر أن الجسم يحوي ذات مكونات (المزبلة).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

3. زوجة أيوب تجربه


"فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ! جَدِّف[130]ْ عَلَى اللهِ وَمُتْ!" [9].

جاءت الترجمة السبعينية: "وإذ عبر وقت طويل، قالت له امرأته: إلى متى أنت تحتمل، قائلاً: ها أنا انتظر قليلاً متوقعًا الرجاء في خلاصي!" [9 (أ)]

جاء أيضًا في الترجمة السبعينية أن امرأة أيوب كانت تجول من بيتٍ إلى بيتٍ لعلها تجد ملجأ تأوي فيه.

يرى بعض اليهود أن زوجة أيوب هي دينة ابنة يعقوب.

اعتاد العدو أن يضرب المؤمنين بأهل بيتهم، كما فعل مع آدم مستخدمًا حواء، وداود مستخدمًا زوجته ميكال التي هزأت بداود رجلها، بل وأراد أن يستخدم بطرس الرسول ليضرب به السيد المسيح عندما تحدث عن الصلب فقال له: "حاشاك يا رب، لا يكون لك هذا" (مت 16: 22). فالتفت وقال لبطرس: "اذهب عني يا شيطان، أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" (مت 16: 23).

عبرَّ البار أيوب عن نظرة امرأته إليه، فقال: "نكهتي مكروهة عند امرأتي، وخممت (صرت نتنًا) عند أبناء أحشائي" (أي 19: 17).

     لم يترك له الشيطان شيئًا سوى لسانه وزوجته. فبزوجته يجربه، وبلسانه يمكنه أن يجدف. لم ينسَ الشيطان خداعه القديم الذي به خدع آدم خلال امرأة، لذلك هاجم أيوب خلال زوجته، حاسبًا أنه قادر على الدوام أن يخدعه بامرأة، غير مدركٍ أنه إن كان رجل واحد قد جُرح جرحًا مميتًا بامرأة، الآن العالم كله قد خلص خلال امرأة.

أنتم تذكرون حواء، تأملوا في مريم.

الأولى طردتنا خارج الفردوس، والأخيرة قادتنا ( بالمسيح ابنها) إلى السماء[131].

القديس جيروم

     "وإذ عبر وقت طويل" (أي 2: 9 LXX)... لقد استبقى الروح العبارات واضحة تمامًا لمنفعتنا، إذ لم يعلن عن طول هذه المدة. فلو أنه أوضح الشهور والسنوات، فإن الذين يُوضعون تحت التجربة في المستقبل يُحبطون قبل بلوغهم نهاية المدة. فيُحسبون الليالي والساعات، ويركزون على هذا الزمن. يسقط كل منهم في اليأس الشديد بأن يد الله لم تتدخل، وأنه لم ينل عوناً من السماوات كما نال أيوب في وقتٍ محددٍ.

في الواقع قال الروح: "وقت طويل". قد عبَّر هكذا لكي تعرف أن أيوب وُجد أقوى، لا من المرض والقروح الكثيرة فقط، بل ومن الزمن.

لقد صارع لزمنٍ طويلٍ في عذاباتٍ ومتاعبٍ جسديةٍ، ومع هذا بقي لا يٌقهر في المعارك.

بهذا يعزينا الروح أنه مهما طال زمن التجربة لا يضعف قلبنا، فإن يد الله تحل وتكون يمينه لحسابنا (مز 35:18)، فقد خلص أيوب من أتون التجربة بعد زمنٍ طويلٍ.

     إذ لم يجد الخصم أن المقاتل قد لان، جند زوجته. ربما قال في نفسه: هذا الشخص (أيوب) لن يكون أقوى من آدم. إن كان غنيًا، لكن ليس لديه "فردوس الله" (كآدم في الجنة). ومع أنه بار، لكنه لم يحرز "شجرة الحياة". ومع أنه تقي، لكن آدم تمتع بالحوار مع الله. هذا الشخص (أيوب) لديه مواشٍ كثيرة، أما آدم فكل حيوانات الأرض خضعت له. لهذا إن كنت قد استطعت أن أفقده هذا خلال حواء زوجته، ربما هذا لا يقدر أن يقاوم هجمات زوجته. بهذا الفكر أثار الشيطان زوجة أيوب ضده.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     ترك له زوجته وحدها، ليست كمعزٍ، بل بالحري حليفة الشيطان[132].

القديس أغسطينوس

جاءت تكملة الآية في الترجمة السبعينية: "أنظر لقد مُحي ذكرك من الأرض، حتى أولادك وبناتك الذين هم آلام طلقي، ومتاعب رحمي، الذين أنجبتهم بالأحزان باطلاً، وها أنت تجلس لتقضي لياليك في الهواء الطلق وسط فساد الدود، وصرت أنا متجولة وعبدة، انتقل من موضعٍ إلى موضعٍ، ومن بيتٍ إلى بيتٍ، أترقب غروب الشمس كي أستريح من أتعابي وآلامي التي أحدقت بي، قل كلمة ضد الله ومت" (أي 2: 9-ب).

     تصور أنك فقدت ثروتك التي بسببها كنت مشهورًا. نفس الأمر إن كنت قد حُرمت من نصيبك في الأبناء، كيف يمكن أن تبقى ذكراك على الأرض بعد ذلك الحين؟ خيراتك قد سُرقت، ومقتنياتك قد دُمرت، لم يعد بعد يوجد أبناء، ولم تبقَ بعد بنات، ولن يكون أطفال (أحفاد) إذ فُقد الأبناء.

(كأن زوجة أيوب تقول لزوجها): باطلاً قد زرعت حقل رحمي.

أنت نفسك قد حُرمت مما قد غرسته، أما أنا أيضاً فقد فقدت ثمر أحزاني وتعب ثدييَّ، وخبرة رحم النساء الحوامل، آلام الطلق التي لا تُحتمل، والتي تحسب كذكرى رهيبة.

إذن، هل هو حزن واحد أم أحزان كثيرة؟...

لقد بلغ الموت أبناء رحمي، وهلكت ثمرة جسمي في الهاوية.

هل يمكنني أن أترجى أن أحبل بأطفالٍ آخرين؟

كيف؟ أين؟ فإن الزارع الذي هو أنت قد تدمرت وهلكت، وصرت أنت نفسك طعامًا للهوام.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     كلما كثرت النكبات التي جلبها عليه رآه في أكثر قوة. لذلك كما تعرفون بعد أن استخدم كل السبل أخيرًا استخدم آلته، فإذ لم يجد له طريقًا جرى إلى سلاحه القديم، المرأة، وارتدى قناع الاهتمام، وقدم صورة مأسوية عن كوارثه بنغمة غاية في الحنو، وتحت التظاهر بإزالة شره قدم مشورة قاتلة (العن الرب ومت). لكنه ولا بهذا غلب، بلى لأن ذاك الرجل العجيب قد أدرك خداعه، الذي بحكمة عظيمة كتم فم المرأة التي كانت تتكلم بتحريضٍ منه[133].

     انظروا كيف حاولت ببلاغتها أن تبلغ حتى النهاية. فإن لديها كثرة من الحجج تقنعه بها.

من جهة طول الزمن، إذ لم يعبر يوم ولا اثنين ولا ثلاثة أيام، بل عدد كبير من الشهور. إلى متى تحتمل؟...

لاحظوا الخدعة الشيطانية، فقد فكر في حواء. يقول: ها أنتِ التي جعلتِ الإنسان الأول يسقط يمكنكِ أن تنهي حياة أيوب.

لكنها كانت غبية وفقيرة، إذ وجدت آدم غير قادرٍ أن يتغلب على ضعفه، استطاعت أن تضع السم في طعامٍ صالحٍ.

ها أنتم ترون أيوب – على النقيض - كان إنسانًا حكيمًا منتصرًا حتى على طبيعته... فلا تظنوا إذن أن الأمر خاص بالمرأة أو توصياتها...

الآن اقترح علي شعبنا ألا يضعوا في الاعتبار كرامة الأشخاص، بل بالحري طبيعة النصيحة.

فالمرأة جاءت لتعين الرجل لا لتكون عثرة له... إنه يتوقع تغيرًا، شيئًا يدل على إيمان سليم ورجاء نبيل، إنه يعرف حنو الله.

هكذا وُضعت الخطوط الرئيسية لأساس شقاوتها. إنها لم تقل: "قد ماتوا" حسب التعبير الجاري للإشارة عن الحزن العام بين كل البشر، فإنها لم تستخدم التعبير العادي. إنما ماذا قالت؟ "لقد مُحي ذكرك..."

في رأيي قد أرادت أن تبرر عنف المحنة بنطقها هكذا.

هذا ما أرادت أن تقول له: "أي نوع من التغيير تترجى أن يحدث؟ هل يمكن أن تعود إلى ما كنت عليه بعد كل ما حدث، لأن ما قد تلاشى تمامًا هل يعود إلى الحياة؟

فإننا نرغب في أطفال، غالبًا لكي ما يمدوا ذكرنا بطريقة لا تزول. بالتأكيد أن أهم شيء يطلبه البشر هو أن يتركوا ذكريات بعدهم. تقول له: إنك أنت نفسك ميت بفقدانك أبنائك، فبدون ذرية وبدون أطفال أنت تبيد.

لاحظوا إلى أي مستوى قدمت هذه المشورة الرهيبة، لا لتحثه على الغضب، وإنما لتنحرف به إلى رثاء ذاته...

تقول: ليلاً ونهارًا لا تجد من يشاركك سقف بيتك، ليس من يواسيك، ليس من يشفق عليك، ليس من يشاركك آلامك...

يا لها من شقاوة! ليس من يشفق على زوجته، ولا يهدئ من ظروفها، والتي كانت في صحبة الملك صارت عبدة تعيش في العراء تحت النجوم..." فإنني بدون بيت ولا مدينة، ولا منزل، أجول في المدينة... ليس من بيتٍ واحدٍ يخفف من عار حالي، وفي كل موضع أتقبل سخرية وإهانة من العامة".

لم تقل له: "جدف"، بل قالت: “العن الله..." لماذا؟ هكذا أنت تعرف أنك إذ تفعل هذا تموت، أما عن موتي فأية تعزية يمكن له أن يجلبه عليك؟ أي تصحيح للوضع بموتي؟...

ماذا تقولين يا امرأة؟ عندما يتطلب الأمر أن نرجو الله ليهب خيرات، عندما يلزم الأمر استعطافه تستعدين أن تثيريه! إن كان الله هو مصدر هذه المتاعب، فالأمر يتطلب التوسل إليه لا التجديف عليه. ومن جانب آخر، إن كان ليس هو مصدرها، فلا يُجدف عليه!

القديس يوحنا الذهبي الفم

     فَقَد أيوب أولاده وكل ما يملكه ماعدا زوجته! (أي 13:1-19)، التي حُفظت وحدها لأجل تجربته! (أي 9:2-10). وكان آنذاك قد تغطى كله بالقُروح المميتة (أي 7:2)، وأدرك أن أصدقاءه لم يأتوا لتعزيته، بل لزيادة آلامه وتضخيمها!

لاحظ السلطان الذي أُعطي للخصم بواسطة الرب لمحاكمته (أي 1:2-6). ومع أنه شعر بأن سهام الرب كانت في جسده، وقال إنها قد اخترقت جسمه (أي 4:6)، إلا أنه كمصارعٍ صالحٍ لم يستسلم للألم، ولا رفض صعاب الصراع بل استمر.

"وإذ قد بدأ الرب، فليجرحني، لكن لا تطعني (تهلكني) في النهاية، لأنه ما هي قوتي حتى أصمت (انتظر)؟

وما هي نهايتي حتى تحتمل نفسي؟

هل قوتي قوة الحجارة، وهل لحمي من نحاس؟

أليس لي اتكال عليه؟ لكن المعونة تركتني، وافتقاده قد احتقرني" (أي 9:6، 11-14 LXX)[134].

القديس أمبروسيوس

     بالحقيقة كانت زوجته وحدها قد تُركت حتى ذلك اليوم. كل ما كان لديه قد دُمر تمامًا، كل أولاده وممتلكاته وحتى جسمه، وتُركت هي للتجربة لتكون فخًا له.

هذا هو بالحقيقة السبب لماذا لم يدمرها الشيطان مع الأبناء، ولم يطلب موتها، إذ توقع أنها ستساهم بالأكثر في إسقاط الرجل القديس في الفخ. لذلك تركها كنوعٍ من الأداة المرعبة في يده.

لقد قال: "إن كان حتى في الفردوس طردت البشرية بواسطتها، كم بالأكثر أستطيع أن أطرحه وهو على المزبلة!"[135]

     كان المبني هو عينه (ذاك الذي على الصخر، وذاك الذي على الرمل) والتجارب هي عينها، لكن النهاية ليست عينها، لأن الأساس مختلف. حدث سقوط المبنى بسبب غباوة البنَّاء وليس بسبب طبيعة التجارب،...

لا تظن أن هذه الأمور قيلت عن مجرد المبنى، إنما الحديث يخص النفس، مؤكدًا أن بأعمالها تسمع الكلمة الإلهية أو ترفضها. هكذا بنى أيوب نفسه.

نزل المطر، لأن نارًا نزلت من السماء والتهمت كل قطعانه، والفيضانات حلت، حيث جاء إليه الرسل المخبرين بالكوارث بالتتابع بطريقة مستمرة يخبرونه عن دمار قطعانه، وجِمَاَله وبنيه. وهبت الريح، الذي هو كلمات زوجته المرة، قائلة: "العن الله ومت". ومع هذا لم يسقط المنزل. نفسه لم تهتز من مكانها، والبار لم يجدف، بل شكر الله، قائلاً: "الرب أعطى، الرب أخذ، ما يحسن في عينيه يفعل[136]".

 القديس يوحنا الذهبي الفم

 

     جرب الخصم أيوب خلال أبنائه وممتلكاته (أي 1: 13)، وإذ لم يستطيع أن ينتصر عليه احضر له عدته،

جاء محضرًا معه ابنة حواء التي أغرقت آدم، وخلال فمها قال لأيوب، الزوج البار: "العن الله"، لكن أيوب رفض المشورة.

أيضًا انتصر الملك آسا على المأبونين من الأرض عندما جاء إليه (الشيطان) ليحاربه خلال أمه (1 مل 15: 12-13). عرف آسا مكره، وخلع أمه من مركزها المرتفع (ملكة)، وقطع تمثالها وطرحه.

يوحنا كان أعظم من كل الأنبياء، لكن هيرودس ذبحه من أجل رقصة ابنة حواء (مت 11: 11، 14إلخ).

هامان كان غنيًا، الثالث في الكرامة من الملك، لكن أشارت عليه زوجته أن يقتل اليهود (أس 6: 13).

زمري كان رأس سبط شمعون، إلا أن كزبي بنت رئيس قبائل ديان طرحته، ومن أجل امرأة واحدة سقط في يوم واحد أربعة وعشرون شخصًا من إسرائيل (عد 25: 6-15)[137].

 القديس أفراهاط

"فَقَالَ لَهَا: تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَألْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ،  وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟ فِي كُلِّ هَذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ" [10].

     كان أيوب في ساعات حزنه أكثر حذرًا من آدم في عرش سعادته.

واحد انهزم وسط المسرات، والآخر غلب وسط الآلام.

واحد وافق على ما يبدو ممتعًا، والآخر لم يذبل في الآم غاية في الرعب...

لقد احتمل في جسمه ألمه، واحتمل في قلبه أخطاء الآخرين، موبخًا زوجته على غباوتها، معلمًا أصحابه الحكمة، محتفظًا بالصبر في كل الأحوال[138].

القديس أغسطينوس

     لاحظوا أيها الإخوة الأحباء، إنه لم يقل قط: "هذا عمل الشيطان".

انسبوا التأديب لإلهكم مباشرة، لأن الشيطان لا يفعل شيئًا بدون سماح من ذاك الذي يدبر أموركم بقوة سلطانه، سواء للعقوبة أو التعليم؛ للعقوبة بالنسبة للأشرار والتعليم للابن. "فإنه يجلد كل ابن يقبله" (عب 12: 6).

أنتم تحتاجون ألا تهربوا من العصا، اللهم إلا إذا لم تريدوا أن ترثوا[139].

     عندما تغطي جسمه بالقروح جاءته امرأته التي تُركت له كحواء أخرى، لتكون زميلة الشيطان عوض أن تكون معينة لرجلها. كانت توبخه دومًا وبشدة لتهز ولاءه قائلة: "قل كلمة ضد الله ومت".

لكن آدم الذي على المزبلة كان أكثر حكمة من آدم الذي كان في الفردوس.

آدم في الفردوس أعطى أذنه للمرأة، ليطردا من الفردوس. وآدم على المزبلة طرد المرأة جانبًا فقط لكي يدخلا الفردوس.

وماذا كان لآدم الذي على المزبلة؟ من الداخل يلد خلودًا، من الخارج كان طعامًا للدود.

ماذا قال لزوجته؟ "تتكلمين كلامًا كإحدى الجاهلات. أألخير نقبل من عند الله والشر لا نقبل؟" (أي 2: 10).

إنه يكرر بأنه يد الله عليه حينما كان الشيطان يضرب، لأنه لم يتطلع إلي من يصوب إليه الضربة، بل إلي ذاك الذي أعطاه السلطان.

فإن الشيطان نفسه بدوره دعا ذاك السلطان الذي شحذه من يد الرب[140].

القديس أغسطينوس  

     إني أختار أن يفتقد الرب خطاياي، ويصلح معاصي، هنا في هذا العالم، حتى يقول لي إبراهيم هناك ما قاله عن لعازر المسكين في حديثه مع الغني: "يا ابني أذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك، وكذلك لعازر البلايا، والآن هو يتعزى وأنت تتعذب" (لو 16: 25).

لهذا السبب عندما يوبخنا الرب، عندما يؤدبنا، يلزمنا ألا نكون جاحدين.

لندرك أن توبيخنا في الوقت الحاضر إذن لكي ننال تعزية في المستقبل. وكما يقول الرسول: "إذ قد حُكم علينا نؤدب من الرب، لكي لا نُدان مع العالم" (1 كو 11: 32). لهذا السبب قبل أيوب أيضًا بإرادته كل آلامه قائلاً: "أألخير نقبل من عند الله، والشر لا نقبل؟"[141]

العلامة أوريجينوس

     صار مباركاً أكثر من كل أحدٍ، فإنه ليس فقط لم يفعل شيئاً يجعله يزل، بل مارس ما جعله أكثر ثباتًا. زوجته ضايقته مع كل هؤلاء، ومع هذا فقد تلألأ في كل شيءٍ[142].

     الزوجة صلاح عظيم كما أيضًا يمكن أن تكون شرًا خطيرًا. فإن الزوجة عظيمة؛ لاحظوا من أية نقطة أراد الشيطان أن يدخل خلال السور القوي[143].

القديس يوحنا الذهبي الفم

جاءت الترجمة السبعينية: "لكنه تطلع إليها وقال لها: تتكلمين كإحدى الجاهلات" (أي 2: 10).

     بمعنى: إنك لا تتكلمين بما يليق بكِ، ولا بتعليمكِ، ولا بالبنية التي تقبلتيها مني.

هذه الكلمات لا تليق بكِ.

لم يرد أن يوبخها بعنفٍ، بل أن يردها عن هذا التفكير الفاسد.

"إن كنا نقبل الخيرات من يد الله، ألا نحتمل الشرور؟" بمعنى إن كان بالحق ليست هذه الأمور إلا شرورًا فلنتحملها.

إنه الرب والسيد، أليس لديه سلطان على كل شيء يرسله علينا؟

لماذا أعطانا خيرات؟ ليس عن استحقاق من جانبنا.

ليتنا لا نقلق بعد اليوم بالتفكير أننا نتألم عن عدم استحقاق.

إنه حر تمامًا، حتى إن قدم لنا فقط الشرور.

إن كان يقدم لنا أيضًا الخيرات، فلماذا نشتكي؟

لاحظوا إنه لم يتكلم قط عن معاصي، ولا عن أعمال صالحة، إنما تكلم فقط عن الله صاحب السلطان أن يفعل ما يشاء.

تذكري خيراتك السابقة فلا تجدي صعوبة في احتمال المشاكل الحالية. يكفي لنا لكي نتعزى أن ندرك أن الرب قد أرسلها إلينا. لا تتحدثي عن عدالةٍ أو ظلمٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     "تطلع إليها" (أي 2: 10 LXX)، تطلع إلى زوجته، لكي يميز ذاك الذي يتكلم فيها، ويحترس من الحية المختفية في حديث زوجته.

     ألا نقدم صبرنا ذبيحة مقبولة (رو 1:12) خلالها نستعيد ما فقددناه، وننال بركات أخرى أكثر منها؟

     "في كل هذا لم يخطئ أيوب بشفتيه". هل سلم الله أيوب لهذا الصراع باطلاً؟ ألم يعرف بالحق مقاتله؟ ألم يعرف الملك جنديه؟...

أما بالنسبة لنا، فلنتمثل بصبره. لنحارب بدماثة، لنمارس صبره، ونعادله في ثقته بالله.

لنتشكل حسب إيمانه دون فشل، ولنكن ثابتين في روحه، في صدق كلماته، في صراعه مع عدوٍ غير منظورٍ، في عزلته، وفي تجاربه، في هدوئه، في مواجهة كل ما يثور، لنبقى أقوياء وموطدي العزم.

في كل الآلام لنكن أتقياء ونتمم امتحاننا. فإننا بهذا نشترك في الأكاليل، ونكون شركاء في نصرته، ويكون الله شاهدًا لبرِّنا. المجد له مدى الدهور آمين.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     ليُستدعَ القدير لعونكم ضد مكائد الشيطان.

ليسكن فيكم، هذا الذي لا يٌمكن أن يٌغلب، فإنكم حتمًا تغلبون ذاك الذي اعتاد أن يغلب. لكنه يغلِبْ من؟ أولئك الذين لا يسكن الله فيهم.

فإنكم أيها الإخوة تعلمون هذا أن آدم في الفردوس احتقر وصية الله، ورفع عنقه، كمن أراد أن يكون سيد نفسه، ونفر من الخضوع لمشيئة الله. هكذا سقط من الخلود والطوباوية.

لكن وٌجد إنسان، مختبر باهر، مع أنه قابل للموت بمولده، ومع أنه جلس على مزبلة وفاسد بالدود، غلب الشيطان.

نعم، آدم نفسه قد غلب حتى في أيوب، لأن أيوب من جنسه.

لقد هُزم آدم في الفردوس، وغُلب على المزبلة.

بكونه في الفردوس، أعطى أذنه لاقتناع المرأة التي دخلها الشيطان، أما وهو على المزبلة قال لحواء: "تتكلمين كإحدى الجاهلات".

هناك أعارها أذنًا، هنا قدم لها إجابة.

عندما كان سعيدًا أصغى، وعندما أٌبتلي غلب.

لهذا انظروا ماذا تبع هذا يا إخوتي في الرسالة (1 يو 9:2). لأن هذا ما يجب أن نضعه في قلوبنا إننا نغلب الشيطان حقًا، لكن ليس بذواتنا، إذ يقول: "إن علمتم أنه بار، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه"[144].

القديس أغسطينوس

     مكتوب: "أعداء الإنسان أهل بيته" (مت 36:10)، فإنه إذ يرى الخصم الماكر أنه قد انسحب من قلوب الصالحين يبحث عمن هم محبوبون جدًا لهم، ويتحدث إليهم بعذوبة بكلمات محبوبة جدًا لديهم، حتى إذ تتسلل قوة الحب إلى القلب يمكن لسيف إقناعه أن يقتحم الطريق بسهولة إلى مناطق الدفاع الداخلية للأبرار.

     يقصد بالخير هنا إما عطايا الله الزمنية أو الأبدية، وبالشر ضربات الزمن الحاضر، هذه التي قال عنها الرب بالنبي: "أنا الرب وليس آخر، مصور النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر". (إش 6:45-7) لا يقصد الشر الذي ليس له جوهر بطبيعته أنه مخلوق بالله. بل يُحسب الرب نفسه كخالق الشر (الضيق) عندما يحول الشر إلى عقوبة (أو تأديب)، فتكون هذه الأمور شرًا للعصاة باحتمالهم الألم، وفي نفس الوقت صلاحًا بطبيعتها...

إنه عزاء قدير لتجاربنا، متى احتملنا أحزانًا، وتذكرنا عطايا خالقنا لنا... فقد قيل: "في يوم الخيرات لا تنسَ البلايا، وفي يوم البلايا لا تنسَ الخيرات" (سيراخ 25:11).

فإن من يتقبل عطايا الله في موسم العطايا ولا يخشى الضربات يسقط بفرحه في تيه فكره، ومن يعاني من العقوبات، ومع هذا ففي موسم العقوبات يتجاهل تعزيته بالعطايا التي كان قد نالها، يسقط من ثبات فكره باليأس من كل جانب.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لقد سخرت به امرأته لأجل بساطته وتعلقه بالأبديات، وحسبت هذه البساطة غباوة وجهلاً وحرمانًا من الحياة والسعادة. لهذا رأت موته أفضل بكثير من حياته، والتجديف على الله أوجب من العبادة له مع المعاناة من الآلام.

     كأنه يقول: إن كنا نميل إلى البركات الأبدية، فأي عجب إن كنا نواجه شرورًا زمنية؟ لقد ركز بولس عينيه على هذه البركات باهتمامٍ شديدٍ عندما خضع بفكره للشرور الحالة به. يقول: "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" (رو 18:8).

البابا غريغوريوس (الكبير)

لم يخطئ أيوب بفمه، إذ لم ينطق بكلمة لا تليق به كمؤمنٍ. يحذرنا القديس بطرس الرسول من الخطأ بالفم، قائلاً: "فلا يتألم أحدكم كقاتلٍ، أو سارقٍ، أو متكلمٍ بالشر" (1 بط 15:4Vulgate).

4. افتقاد أصحابه الثلاثة له  

  
"فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاَثَةُ بِكُلِّ الشَّرِّ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ، جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ: أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ،وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ" [11].

ذكر هنا أسماء أصدقائه الثلاثة الذين جاءوا يرثون له ويعزونه. ربما كان حاضرًا معهم الشاب أليهو، وقد استمع إلى المناقشات، ويبدو أنه لم يكن صديقًا لأيوب لأنه كان يصغره جدًا في السن، لكنه حضر كمستمعٍ. ربما كان يحب مجالسة الشيوخ، ولعل منظر أيوب في مأساته قد جذبه، فاشتاق أن يقدم له خدمةً ما أو كلمة تعزية.

أما الأصدقاء الثلاثة فكانوا متقدمين في السن، بل كانوا شيوخًا، اشتهروا بالمعرفة والحكمة والصلاح، وكان لهم تقديرهم وكانت آراؤهم تُقابل بالاحترام (أي 32: 6). ربما كانوا يحتلون مراكز رفيعة في الدولة، كأمراء أو رؤساء. ربما كانوا أقرباء له، إذ كان الثلاثة أحفاد إبراهيم، غالبًا ما ورثوا عنه بعض التعاليم والثمار الصالحة. فأليفاز التيماني ملك التيمن كان ابن تيمان حفيد عيسو (تك 36: 11). يرى البعض أن أليفاز هنا ليس الابن الأكبر لعيسو بل حفيده الذي دُعي على اسمه. وكان بلدد الشوحي ابن شوح الذي ولدته قطورة لإبراهيم (تك 25: 2). وصوفر النعماتي على ما يُظن هو صفوا حفيد عيسو (تك 36: 11). كان ثلاثتهم من الأمم، حملوا بعض الجوانب الطيبة، منها أنهم دون غيرهم من غالبية الأصدقاء لم يتركوا أيوب في محنته، بل صاروا يشاطرونه أحزانه كما شاطروه قبلاً في مسراته.

جاءوا ليس حبًا في الاستطلاع، ولا بدعوة من أحدٍ، إنما اتفقوا معًا في عمل الخير. كانوا مخلصين في رغبتهم في التعزية، وإن اتضح أنهم كانوا معزين متعبين بسبب عدم حكمتهم في معالجة الأمر.

لم نسمع عن المساكين والمحتاجين الذين يعولهم، ولا الأيتام والأرامل الذين كان يهتم بهم، قد جاء واحد منهم يسأل عنه في محنته. لعلهم سمعوا بالنكبات المتوالية فسقطوا فيما سقط فيه هؤلاء الأصدقاء الثلاثة، وحسبوا أنه كان شريرٌا أخفى شره بالعطايا الظاهرة والاهتمام المظهري.

عدم حضور أحدهم بلا شك كان له أثره السيئ على نفسية أيوب، إذ حسبهم قد تعثروا في شخصه.

"وَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ مِنْ بَعِيدٍ وَلَمْ يَعْرِفُوه،فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَبَكُوا،وَمَزَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ جُبَّتَهُ،وَذَرُّوا تُرَابًا فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ نَحْوَ السَّمَاءِ" [12].

كثيرًا ما يفسد الحزن والمرارة شكل الإنسان حتى أن أصدقاءه الشيوخ لم يعرفوه، لأن قروحه شوهت جسمه، ومرارة نفسه نزعت عنه بشاشته. هذا ما حدث مع نعمى حين أفسد الحزن هيئتها، فعندما عادت إلى بلدها تساءل أهل المدينة: "أهذه نعمى؟" (را 1: 19).

لم يتمالك الشيوخ أنفسهم، فرفعوا أصواتهم كالأطفال وبكوا، كما مزق كل واحدٍ جبته، وذروا ترابًا على رؤوسهم. وجلسوا معه على الأرض. وكأنهم شاركوه مذلته.

لم يلتقوا معه على مستوى المجاملات الرسمية، إنما كأحباء يشاركونه مرارة نفسه. كشركاء في الضيقة القاسية لم يستطيعوا أن يفتحوا فمهم لمدة سبعة أيام وسبع ليالٍ، صمتوا وهم في دهشة. جاء في المثل اللاتيني: "أحزاننا الخفيفة تتكلم، أما الثقيلة فتعقد اللسان".

تحاشوا في البداية الكلام لئلا يثقلوا عليه التجربة، وربما لأنهم أرادوا التأني حتى يبحث كل منهم هذا اللغز المحيّر، فإنهم يدركون أعمال محبته العظيمة التي كان الكل يشهد لها، لكن هل من خطية خفية سببت له كل هذه الكوارث؟ هل يود الله أن يكشف له عما أخفاه في قلبه وفكره أو من أعمال لا يعرفها أحد؟

     لم يعرفه أصحاب أيوب، إذ لم يروا الثوب الأرجواني ولا العرش المرتفع، ولا التاج الملوكي والجند في الخدمة، ولا العبيد في أعمالهم. عوض العرش كان له الأرض القاسية، المزبلة عوض السرير، وعوض البيت الهواء الطلق.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

"وَقَعَدُوا مَعَهُ عَلَى الأَرْضِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَالٍ،وَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ، لأَنَّهُمْ رَأُوا أَنَّ كَآبَتَهُ كَانَتْ عَظِيمَةً جِدًّا" [13].

لقد تواعدوا أن يأتوا ويلتقوا معُا عند أيوب، لكن ما يدهشنا أنهم بقوا صامتين سبعة أيام وسبع ليالٍ دون أن ينطقوا بكلمة، وعندما تكلموا هاجموه بعنفٍ شديدٍ، كما برأيٍ واحدٍ.

اظهروا في البداية حزنًا مُبالغ فيه، تبعه خصومة ومناقشات مرة وسط آلامه.

أي حب هذا دفعهم للاتفاق معًا والجلوس حوله وسط رائحة النتانة التي لا تُحتمل ولمدة أسبوع كامل؟ ولماذا التغير المفاجئ، على النقيض تمامًا؟

تُرى هل كانوا صادقين في محبتهم له، لكنهم قدموا حبًا بلا تمييز؟ أم كانت النية شريرة مخفية تحت ستار الحزن الشديد، فانفجر ما في داخلهم؟

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هؤلاء الأصدقاء يرمزون إلى الهراطقة الذين يظهرون في البداية حنوًا زائدًا، ومع صدق نيتهم للعمل إلا أنه ينقصهم روح التمييز. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لهذا يقول لهم أيوب: "أما أنتم فملفقو كذبٍ، أطباء بطالون كلكم" (أي 3:13-4).

لقد جاءوا كل واحدٍ من مكانه (11:2)، ومكان الهراطقة هو الكبرياء نفسه. جاءوا على موعد في اتفاق تحت ستار الحب والصداقة.

هكذا كثيرًا ما يتفق الهراطقة معًا على كنيسة الله، ويحملون مظهر الصداقة والخدمة والسلوك بالفضيلة.

أخيرًا فقد طلب الله منهم أن يسألوا أيوب أن يصلي عنهم، ويُقدم ذبيحة لأجلهم، هكذا لا تكف الكنيسة عن أن تصلي من أجل الهراطقة كي يتحولوا عن المقاومة، ويستردوا عضويتهم الكنسية، ويتمتعوا بالحياة الكنسية السماوية.

     كل هذه الإيماءات حسنة ولائقة بأصدقاء يكشفون عن تعاطفهم معه، لكن ما جاء بعد ذلك كان على النقيض. لم يكن من نفس النوع، بل على النقيض تمامًا ورديئًا. أنظروا ماذا حدث. إنه لأمر لا يُصدق، تحدثوا كخصومٍ حاقدين.

     عندما تمتلئ النفس بالقنوط للحال لا تميل إلى سماع شيءٍ مما يقال. لهذا عندما جاء أصدقاء أيوب ورأوا كارثة بيته، والبار جالسًا في الحمأة، وقد تغطى بالقروح، مزقوا ثيابهم وتنهدوا، وجلسوا بجواره في صمتٍ، مظهرين إنه ليس ما يليق تقديمه بالمتألم هكذا سوى الهدوء والسكون. إذ كانت التجربة أعظم بكثير من أن يكون لها تعزية[145].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

 
تفسير سفر أيوب اصحاح3 PDF Print Email

مرثاة أيوب


جلس الأصدقاء الثلاثة حول أيوب لمدة أسبوع، الكل في دهشةٍ وصمتٍ من هول الكوارث التي حلت به. غالبًا لم يشعر أيوب بهؤلاء الصامتين، أو لم ينشغل بوجودهم. فجأة عبٌر أيوب عن المرارة التي في أعماقه، فقدم مناجاة أو مرثاة. لعلها أبلغ مرثاة سُجلت في التاريخ البشري تحمل يأسًا رهيبًا.

يصرخ أيوب في مرارة لكنه لم يسب الله. إنه مثل إرميا يسب يوم ميلاده (إر٢٠: ١٤-١٨). الموت يعني التحرر من الآلام الجسمانية التي في هذه الحياة. اشتهى أيوب الموت، فهو أفضل من الحياة، لكنه لم يفكر في الانتحار، إنما يطلب من الله أن يتدخل ليرحمه من الحياة الحاضرة.

حقًا لم ينطق أيوب بكلمة ضد الله، إذ لم يسبه، إنما سب حياته منذ حُبل به، ليس من أجل حاضره، ولا خشية ما سيحل به في المستقبل، وإنما امتد به اليأس ليكره حياته حتى وهو في رحم أمه. أي يرجع بفكره إلى الماضي الذي لن يعود، ولا يمكن تغييره.

احتفظ هؤلاء الأصحاب بصداقتهم مع أيوب في أيام شدته في الوقت الذي تخلى عنه أغلب أصدقائه. جلس أصدقاء أيوب بجانبه صامتين سبعة أيام وسبع ليالٍ، بعد هذا فتح أيوب فاه وأخذ يتكلم. تنقسم كلماته إلى ثلاث أقسام:

1- سبه ليوم ولادته وتمنيه لو لم يولد                  1-10.

2- أنشودة الموت وعذوبته                                     11-19.

3- لغز بقاء الذين يشتهون الموت                      20-26.

1. سبه ليوم ولادته وتمنيه لو لم يولد
كان ذلك ضعفًا في حياته أن يسب أيوب الحبل به. فمع وصفه أنه مستقيم لعن يومه، لكنه لم يجدف على الله.

بَعْدَ هَذَا فتح أيوب فاه، وسَبَّ أَيُّوبُ يَوْمَهُ. [1]

جلس حزقيال في أرض السبي، وكانت نفسه تئن من أجل ما بلغ إليه الشعب ومدينته والهيكل من دمار وخراب. صمت سبعة أيام وهو متحير، فصارت إليه كلمة الرب (حز 3: 15-16). وجلس أيوب وسط أصدقائه، وكانت نفسه تئن مما حلّ به، لذا فتح فمه بعد الصمت الطويل ليسب يوم الحبل به ويوم مولده وأيام تجربته.

صمت الاثنان: حزقيال وأيوب، الأول كان ينشغل بما هو لله وشعبه وهيكله ومدينته، والثاني بما هو لنفسه وما يفكر الناس فيه عنه. الأول تمتع بكلمة الله الفائقة، والثاني انحدر إلى اليأس والمرارة وسب حياته.

نحتاج أن نجلس صامتين، لكن نرتفع فوق الأنا لننشغل بما لله والناس لا بما لذواتنا وكرامتنا، حينئذ يرفعنا روح الله القدوس كما إلى السماء، فنسمع الصوت الإلهي ونكتشف الأسرار الإلهية الواهبة الرجاء الحي.

للأسف تطلع أيوب إلى يوم الحبل به كأسوأ يوم في التاريخ، وحسبه بدء انطلاقة لآلامه التي لا تحتمل. لقد نسي ما تمتع به من خيرات. لقد التهمت السنوات العجاف السنوات المملوءة بالبركات. صار فكره سجين المر الذي يعيش فيه، فتطلع إلى حياته كلها بمنظار قاتم للغاية.

ما حلّ بأيوب يحل بالكثيرين حين تطول بهم أيام الضيق. فنسمع إرميا النبي يصرخ: "ويل لي يا أمي لأنكِ ولدتنني" (إر 15: 10)؛ "ملعون اليوم الذي وُلدتُ فيه" (إر 20: 14).

حينما يغيب عن أعيننا يوم لقائنا الأبدي مع مسيحنا على السحاب ولو إلى لحظات يضيق العالم بنا ونحسب حتى خلقتنا باطلة. "حتى متى يا رب تختبئ كل الاختباء؟... إلى أي باطل خلقت جميع بني آدم؟" (مز 89: 46-47).

هنا نقف قليلاً أمام اهتمام البشرية بأعياد الميلاد منذ قديم الزمن، فنجد الأشرار يجدون في هذا اليوم الفرصة للتعبير عما في قلوبهم من لهوٍ ورغبةٍ جادةٍ في التسلط على الغير، بينما يقف أولاد الله في جديةٍ يتطلعون إلى دخولهم في طريق الآلام. يحسبون يوم ميلادهم هو يوم دخولهم وادي الدموع، ولكن في رجاء حي مفرح أنهم يعبرون إلى الحياة السماوية الجديدة.

     في أعياد الميلاد حيث تسيطر على (الأشرار) الرغبة في الكلمة المتسلطة، يرقصون ليعَّبروا بحركات أجسامهم عن هذه الكلمة.

لاحظ أحدهم أنه جاء في سفر التكوين عن عيد ميلاد فرعون (تك20:40) حيث يُقال إن الرجل الجامح محب للأمور المتعلقة بأعياد الميلاد. وقد اقتبست عنه ذلك فلم أجد في الكتاب المقدس بارًا ما صنع عيد ميلادٍ له. فقد كان هيرودس أكثر ظلمًا من فرعون المشهور هذا. فالأخير قتل رئيس الخبازين في الاحتفال بعيد ميلاده، أما الأول فقتل يوحنا[153].

العلامة أوريجينوس

أفاض العلامة أوريجينوس في تعليقه علي كلمات إرميا النبي: "ويل لي يا أمي، لأنك ولدتِني إنسان خصام" (إر 10:15)، وقد سبق لي عرضها في تفسير سفر إرميا. هنا أقتبس فقرات صغيرة:

     من أنا حتى لا أولد إلا لأكون محكومًا علّي، وأكون مُخاصمًا من الناس بسبب عتابي ولومي لهم، وبسب تعاليمي التي أعلمها لكل سكان الأرض[154].

العلامة أوريجينوس

حقًا من اختبر يوم ميلاده الثاني بالماء والروح وصار ابنًا لله لا يسب حتى يوم ميلاده الجسدي، حاسبًا كل آلامه صلبًا ودفنًا مع مسيحه، وطريقًا ضيقًا يدخل به إلى أبواب السماء المفتوحة، وبهجة القيامة الأبدية.

هنا يلزمنا ألا ننكر أنه مع ما بلغه أيوب من مرارة حتى سب يوم الحبل به، لم يجدف على الله، ولا ندم على تعبده له. مع ما نطق به يكشف عن مرارة نفسه، لكنه خضع لمشيئة الله. إنه تحت الآلام مثلتا!

     بماذا يفهم: "بعد هذا؟" بعد وصول أصحابه... لأن هؤلاء الذين اقتربوا لم يحيوه كمصارعٍ ولم يسألوه: كيف حالك؟  لم يقدموا أدوية للقروح، ولا وقفوا على الثمن الذي ناله أيوب عن كنز فضائله. لم يقولوا له: لا تثبط همتك، فإن معزيك قريب منك، لا تخف فإن عدوك ينهزم. لا تخزى، لأن النهاية ليست ببعيدة، والنصرة على الأبواب.

     ليته هلك اليوم الذي وُلدت فيه"، ليس اليوم الذي خُلق فيه، بل الذي وُلد فيه... فإن الله خلقتي بالصلاح، لكن حواء التي عصت ولدتني في متاعب (تك3: 16). لم يجهل داود ذلك، بل بالروح فهم وقال في مزمور نبوي: "بالآثام حبلت بي أمي، وفي الخطية ولدتني" (مز 51: 5).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     يا للعجب الذي يفوق الطبيعة حقًا! وقائع مذهلة!

الموت الممقوت والمشجوب قبلاً، قد أحاطت به المدائح واعتُبر سعيدًا! فبعد أن كان يجلب الحداد والحزن والدموع والغم الكئيب، ها قد ظهر علة فرحٍ ومحط عيدٍ احتفاليٍ!

بالنسبة إلى جميع خدام الله أُعلن موتهم سرورًا! فإن خاتمة حياتهم هي وحدها تعطيهم اليقين بأنهم قُبلوا من الله. لهذا طُوَّب موتهم، لأنه يختم كمالهم، ويُظهر غبطتهم؟، حيث يطغي عليهم رسوخ الفضيلة كقول الوحي: "لا تعتبر أحدًا سعيدًا قبل موته" (سيراخ 11 : 28). لا نطبق عليكِ (يا مريم) هذا القول، لأن غبطتك لا تأتي من الموت، وموتك لم يتمم كمالك... ليس عند موتك، بل منذ هذا الحبل عينه تُغبطين من جميع الأجيال. لا، ليس الموت أبدًا هو الذي جعلكِ مغبوطة،  بل أنتِ طرحتِ الموت وبددتٍ كآبته وأظهرتِ أنه فرح (بالمسيح المولود منكِ)[155].

الأب يوحنا الدمشقي

     أليس من المخجل أنك تئن بسبب الموت، بينما يتنهد بولس بسبب الحياة الحاضرة، فيكتب إلى أهل رومية: "الخليقة تئن وتتمخض معًا... بل نحن لنا باكورة الروح نحن أنفسنا أيضًا نئن في أنفسنا" (رو 22:8-23). ينطق بهذا لا ليدين الأمور الحاضرة، بل شوقًا نحو الأمور المقبلة[156].

القديس يوحنا الذهبي الفم

وَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ: [2]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن صمت الأصدقاء طوال الأسبوع يكشف عن هول ما حدث، وأنهم لم يكونوا قادرين أن ينطقوا بكلمة ما لم يبدأ هو أولاً بالحديث.

لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيه،ِ وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُلٍ! [3]

غالبًا ما كان أيوب ملكًا أو رئيسًا، وكان يوم ميلاده يومًا يعتز به الشعب، لذا اشتهى لو مُحي هذا اليوم، وطُرح في بحر النسيان، حيث صار منظرًا للبؤس والشقاء.

     عرف أيوب أن ولادته هي بداية لكل الويلات، لهذا اشتاق لو هلك ذلك اليوم الذي فيه وُلد حتى يُنزع أصل كل المتاعب. لقد اشتهى أن يهلكك يوم ميلاده لكي يتقبل يوم القيامة. فقد سمع سليمان قول أبيه: "عرفني يا رب نهايتي ومقدار أيامي كم هي، فأعلم كيف أنا زائل". (مز 4:39) فقد عرف داود أنه لا يمكن الاستحواذ على ما هو كامل هنا، لهذا كان مسرعًا نحو الأمور العتيدة. الآن نعرف بعض المعرفة، لكن سيكون ممكنًا نوال الكمال عندما تبدأ الحقيقة - لا الظل - للعظمة الإلهية والأبدية أن تشرق، فنراها بوجه مكشوف (1 كو 12:8)[157].

     لقد سحبتنا اللذة الجسدية والمتعة في هذا الحياة، وصرنا نخشى أن نكمل هذه الرحلة التي سيكون فيها مرارة أكثر منها مسرة. أما القديسون والحكماء فرثوا طول العمر في هذه الرحلة، إذ حسبوا الانطلاق ليكونوا مع المسيح أكثر مجدًا (في 1: 23). إنهم لم يلعنوا يوم ميلادهم كما فعل أحدهم: "ليته هلك اليوم الذي وُلدت فيه" (أي 3: 3)[158].

القديس أمبروسيوس   

     هذا ما قاله أيضًا الكارز (الجامعة): "فغبطت أنا الأموات الذين قد ماتوا منذ زمان أكثر من الأحياء الذين هم عائشون بعد" (جا 4: 2)...

إنها كلمات تُعلن عن نفسٍ مثبطة الهمة ومتأثرة للغاية. إذ يقول داود أيضًا: "قلت في حيرتي (خوفي الشديد)..." (مز 31: 22)... وفي عبارة أخرى: "وأنا قلت في طمأنينتي لا أتزعزع إلى الأبد" (مز 30: 6). هذا أيضًا ما قاله أيوب في حزنه. ألا ترون يا أحبائي أن الذين يصيبهم أذى يصدرون صرخات قوية؟ هل تلومونهم؟ لا بل نعفو عنهم! فلو أنهم لم يُعبِروا عن أنفسهم بهذه الوسيلة يبدو كما لو كانوا لا يشتركون في الطبيعة البشرية. أما تسمعون موسى يقول: "إن كنت تفعل بي هكذا فاقتلني قتًلا" (عد 11: 15)...

لا تصغوا إلى الكلمات مجردة، بل ابحثوا عن أساس الفكر. فقد سمعتم أن أيوب "لم يخطئ بشفتيه" (أي 2: 10)، لكنه لم يخطئ حتى بعدما نطق بتلك الكلمات. ها أنتم تسمعون الله نفسه يقول مرة أخرى: "أتعتقد إني أسلك معك بطريقٍ آخر سوى أن أعلن برّك؟" (أي 40: 3 LXX  )

القديس يوحنا الذهبي الفم

     ربما تقولون إن الله هو خالق العالم وبانيه (عب 11: 10) [فلماذا لا نحب العالم؟]

إنكم تتكلمون بالحق. لكن حاملي الله يستهينون بالعالم، ليس العالم الذي خلقه الله من العناصر، والذي شكَّله، بل ذاك نحن صنعناه بسلوكنا - إنه عالم مختلف، فاسد، والذي جعلنا العدو المخادع رئيسه (يو 12: 31؛ 14: 30؛ 16: 11).

هذا ما يؤكده الرب بدقة، إذ قال هذا لتلاميذه: "لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيَّ شيء". (يو 14: 30) إنه ليس بدون سبب يقول: "رئيس هذا العالم"، بل قال هكذا لكي لا تظن أنه يتحدث عن هذه الخليقة المنظورة، فإن عدونا ليس رئيس هذا العالم، والخائن ليس له أدنى سلطان على العناصر.

بأي معنى يقول: "رئيس هذا العالم يأتي"، سوى العالم الذي نصنعه نحن لا حسب مشيئة الله، والذي به نعطي أساسًا لعدم الإيمان والعصيان والفوضى وكل أنواع الخطايا؟

إلى هذا العالم يشير بولس بوضوح طبقًا لكلمة الرب، إذ يقول في رسالته إلى أهل أفسس: "وأنتم إذ كنتم أمواتًا بالذنوب والخطايا، التي سلكتم فيها قبلاً حسب دهر هذا العالم، حسب رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية" (أف 2: 1-2). هكذا نحن شكَّلنا عالمًا شريرًا، وفي هذا العالم جعلنا أنفسنا أغنياء عن الآخرين من مصادر فاسدة...

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     ليقُل: ليته هلك اليوم الذي وُلدت فيه، والليل الذي قال حُبل برجل" [3]، وكأنه يقول: لتهلك البهجة التي تُسرع بالإنسان إلى الخطية، وضعف فكره المتسيب الذي به يصير أعمى كمن قد بلغ إلى الظلمة الموافقة على الشر.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لِيَكُنْ ذَلِكَ الْيَوْمُ ظَلاَمًا. لاَ يَعْتَنِ بِهِ اللهُ مِنْ فَوْقُ، وَلاَ يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ [4].

كان يود لو أن يوم ميلاده كان ظلامًا، لأن نور حياته قد انطفأ، والشمس قد غابت عنه، ولعله أراد أن تكون حياته كلها ليلاً، فينام ولا يقوم.

مع ما بلغه أيوب من تقوى واستقامة وإيمان، إلا أن السفر لا يخفي ضعفاته البشرية، فلا نعجب إن مرّت به أفكار اليأس مشتهيًا لو لم يولد. وقد حذرنا الآباء من الخوف الخاطئ الذي يدفع إلى اليأس.

     يوجد انسحاق للقلب، روحي ومفيد، وهذا يلمس القلب في أعماقه. ويوجد انسحاق آخر، مضر ومقلق، هذا يقوده إلى الهزيمة فقط (كاليأس)[159].

القديس مرقس الناسك

 

     إذا ما أنهكنا العمل (في حفظ الأفكار الصالحة) نسقط في اليأس، لهذا ليتنا نسرع إلى صخرة المعرفة ونتلو المزامير ونعرف الفضائل على أوتار قيثارة المعرفة[160].

الأب أوغريس الراهب

لِيَمْلِكْهُ الظَّلاَمُ وَظِلُّ الْمَوْتِ. لِيَحُلَّ عَلَيْهِ سَحَابٌ. لِتُرْعِبْهُ كَاسِفَاتُ (سواد) النَّهَارِ [5].

     "ليملٍكه الظلام وظل الموت"، حيث أن الظلام بالحقيقة هو عدونا، كما أن المسيح هو النور (يو 8: 12، 9: 5، 12: 46). لهذا السبب عينه (الخائن) هو الظلام.

وكما أن المسيح هو البّر (1 كو 1: 30) هكذا (الخائن) هو خطية.

وكما أنه هو أساس الحياة (مز 36: 9) ورسم جوهره، هكذا الخائن هو "ظل الموت" (عب 1: 3)

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     هل يوجد ما هو مرعب أكثر من الشيطان؟ نعم، فإننا في مقاومته لا نجد درعًا سوى الإيمان (1 بط 5: 9)، إذ هو ترس خفي ضد عدو غير منظور، يرشق سهامًا متنوعة في ليل بهيم (مز 11: 2) ، تجاه غير المتيقظين. فإذ لنا عدو غير منظور يلزمنا الإيمان كعدة حربية قوية، إذ يقول الرسول: "حاملين فوق الكل ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة" (أف 6: 16). فإذ يصوب إبليس سهم الشهوة الدنس الملتهب، يُقدم الإيمان صورة الدينونة فيبرد الذهن، وينطفئ السهم[161].

القديس كيرلس الأورشليمي

أَمَّا ذَلِكَ اللَّيْلُ فَلْيُمْسِكْهُ الدُّجَى، وَلاَ يَفْرَحْ بَيْنَ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَلاَ يَدْخُلَنَّ فِي عَدَدِ الشُّهُورِ [6].

يميز الأب هيسيخيوس بين يومين: يوم المعصية الذي حلّ بالظلام علينا، ويوم المخلص الذي فيه يقول: "اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم" (لو 4: 21). اليوم الأول جلب الظلمة والحزن على البشرية، والثاني يوم الخلاص المفرح حيث تحققت نبوة إشعياء النبي (إش 61: 1-2). فإذ نلتقي بالمخلص لا تعود تُقارن أيامنا الإنجيلية المفرحة بأيام الظلمة القابضة والمفسدة للحياة. لهذا طلب أيوب أن يُلعن يوم ميلاده في الخطية ويستبعد تمامًا ولا يُحسب في عداد أيامه في الرب.

     ليته يُلعن ذلك النهار والليل، وليحملهما الظلام بعيدًا، لا يدخل في عداد أيام الشهور... ليت هذا اليوم، يوم المعصية، لا يُحصى بين المنافع التي تُعطى لنا بواسطة المخلص. ليته لا يمتزج حزن (الظلام) القادم من اليوم بالبركات التي يهبنا إياها المخلص، ولا تفسدها اللعنة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

هُوَذَا ذَلِكَ اللَّيْلُ لِيَكُنْ عَاقِرًا! لاَ يُسْمَعْ فِيهِ هُتَافٌ [7].

لم تعد أذناه تحتملان صوت موسيقى أو هتاف وتهليل، لأنه لا موضع للسرور في أعماقه. وكأنه فقد رجاءه إلى حين.

يشبه القديس أغسطينوس الرجاء بالبيضة التي تحمل في داخلها حياة تقدمها خلال دفء الضيقات والآلام، إذ يقول: [إنها بيضة، وليس بعد (كتكوت). إنها مغلفة بقشرة، لكن لا تنظر إليها هكذا، بل انتظر في صبرٍ، ولتجعلها في دفء فستقدم حياة. اضغط عليها[162].]

     الرجاء يدفع الإنسان تجاه الأبدية نحو المستقبل، في إيمان عملي، ومثابرة مع فرحٍ وبهجةٍ وسط الآلام[163].

     لنصغ ولنبتهج في الرجاء حتى وإن كان الحاضر حياة لا تُحب وإنما تُحتمل، إذ تكون لك القوة على احتمال كل تجاربها[164].

     نفرح بالرجاء متطلّعين إلى الراحة المقبلة، بهذا نسلك ببهجةٍ وسط المتاعب[165].

القديس أغسطينوس

     الشخص الذي لا يتطلّع إلى ما يمكن أن يُرى، بل ينتظر بشغفٍ ما لا يمكن أن يُرى، هذا يفرح في رجاء[166].

العلامة أوريجينوس

     ما هو رجاء الإنجيل إلا المسيح؟ فإنه هو سلامنا، الذي يعمل كل هذه الأمور... ومن لا يؤمن بالمسيح يفقد كل شيءٍ[167].

     الرجاء بالتأكيد يشبه حبلاً قويًا مُدَلَّى من السماوات يُعين أرواحنا، رافعًا من يمسك به بثبات فوق هذا العالم وتجارب هذه الحياة الشريرة، فإن كان الإنسان ضعيفًا وترك هذا الهلب المقدس، يسقط في الحال، ويختنق في هوة الشر[168].

     ليس شيء يجعل النفس شجاعة هكذا ومحبة للمخاطرة مثل الرجاء! وقبل نوالنا الأمور التي نترجاها يقدم لنا مكافأة هي: "صابرين في التجارب". قبل نوالنا الأمور المقبلة تتمتع في الحياة الحاضرة بصلاح عظيم خلال التجارب إذ تصير إنسانًا صبورًا ومجرّبًا...

الحب يجعل الأمور سهلة، والروح يعين، والرجاء ينير، والتجارب تصقلك، فتجعلك مُجربًا قادرًا على احتمال كل شيء بشهامة، يرافق هذا كله سلاح عظيم جدًا هو الصلاة[169].

القديس يوحنا الذهبي الفم

     صبر الإنسان يلد الرجاء، والرجاء الصالح يمجد الإنسان.

القديس أوغريس

لِيَلْعَنْهُ لاَعِنُو الْيَوْمِ، الْمُسْتَعِدُّونَ لإِيقَاظِ التِّنِّينِ [8].

كما أن النادبات يحضرن الجنازات ويندبن مع أهل الميت وأصدقائه، هكذا حسب يوم ميلاده جنازة مُرّة، فيطلب من اللاعنين أن يتقدموا ويشتركوا معه في لعن هذا اليوم.

يرى البعض أن بعض صيادي التماسيح كانوا يلعنون التماسيح بأشد اللعنات، مؤملين أن يصير التمساح بلعناتهم وتعاويذهم ضعيفًا فيتسلطون عليه.

جاءت الترجمة اليسوعية "لوياثان" عوض "التنين"، وكما سنرى في وصفه في الإصحاح الحادي والأربعين أنه ينطبق على التمساح، فيقصد هنا اللعنات التي يستخدمها السحرة والمنجمون لإثارة الشيطان.

يحذرنا القديس غريغوريوس النزينزي من مقارنة الأمور حسب حجمها أو وزنها. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فلا نعجب إن ظهر الروح القدس على شكل حمامة، ودُعي السيد المسيح حملاً (إش 7:53) ولؤلؤة (مت 46:13) وندى (مز 6:72)، بينما دُعي الخصم جبلاً عظيمًا (زك 7:4)، ولوياثان (أي 8:3، 20:40) والملك الذي يعيش في المياه. لا نحتقر ملكوت السماوات لأنه شُبه بحبة خردل (مت 31:13)[170].

لِتُظْلِمْ نُجُومُ عِشَائِهِ. لِيَنْتَظِرِ النُّورَ وَلاَ يَكُنْ، لاَ يَرَ هُدْبَ الصُّبْحِ [9]

     "لتظلم نجوم عشائه (مسائه)... ولا يُرى لوسيفر يقوم" (3: 9 LXX). ذُكرت نجوم الليل هنا بنور رديء، إشارة إلى الشياطين. إذ يأخذون شكل ملاك نور، ولكن عند شروق النور الحقيقي (يو9:1) يظلمون، ويستمرون في انحرافهم.

هذا ما يقوله النص: "لتبقى مظلمة". لكنهم لا يأتون إلى النور، إذ لا يستطيعون أن يستردوا طغيانهم.

علاوة على هذا فإنهم سوف لا يرون لوسيفر قائمًا، هذا الذي قال عنه إشعياء: "لوسيفر الذي قام في الصبح" (إش 12:14). بعد ذلك يقول "انسحق على الأرض" ليشير إلى أنه لا يقدر بعد أن يقوم ويرجع إلى كرامته السابقة.

بسقوطه من السماء إلى الأرض أراد أن يحطم الإنسان، لكن الله يعطي من لا يُخدع، سلطانًا أن يسحق المضل تحت قدميه، وأن يحطمه قطعًا قطعًا.

لكن لماذا يلعنه أيوب؟

لسببٍ حسن لا يخفيه (وهو ما ورد في العبارتين 10 و11).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

يحدثنا القديس أغسطينوس عن هزيمة إبليس الشرير الذي انطفأ نوره المزيف بقتله السيد المسيح حسب الجسد، النور الحقيقي، البار الذي يبدد الظلمة. لقد ظن أنه قادر أن يبدده كما حطم آدم الأول، فإذا به يحطم نفسه.  

     أي شيء يمكن أن يكون أكثر برًا من البلوغ حتى موت الصليب من أجل البرٌ؟

وأي عمل أعظم سلطانًا من القيامة من الأموات، والصعود إلى السماء بذات الجسد الذي فيه قد قُتل؟

أولاً غلب البٌر الشيطان، وبعد ذلك نال السلطان!

ينتصر البٌر لأن ليس فيه خطية، وقد مات ظلمًا بواسطة الشيطان!

ينال السلطان، لأنه عاش ثانية بعد الموت، ولن يموت بعد...

لقد هُزم الشيطان بذات نصرته...

بخداعه الإنسان الأول ذبحه، وبذبحه للإنسان الأخير فقد الإنسان الأول من شبكته![171]

 القديس أغسطينوس

     في الكتاب المقدس يُستخدم لقب "النجوم" أحيانًا بخصوص برٌ القديسين المُشرق في ظلمة هذه الحياة، وأحيانًا عن المظهر الباطل للمرائين، الذين يمارسون كل صلاح من أجل مديح الناس. فلو أن صانعي الخير ليسوا كواكب ما كان لبولس أن يقول لتلميذه: "في وسط جيلٍ معوجٍ وملتوٍ تضيئون بينهم كأنوار في العالم" (في 15:2).

مرة أخرى لو لم يوجد بين (أعضاء الكنيسة) من يبدو حسب الظاهر أنهم سالكون بالاستقامة لما وجد البعض الذين بسلوكهم ينالون تكريم الناس لهم، ولما رأى يوحنا النجوم تسقط من السماء، عندما قال: "وذنب التنين يجر ثلث نجوم السماء، فطرحها" (رؤ 4:12).

     "بروز الفجر" هو بدء الكنيسة في النور، حيث لا يمكن رؤية الأشرار، إذ يُغلق عليهم، ويُلزمون بالانحدار إلى الظلمة خلال ثقل أعمالهم الشريرة، فلا يرون الديان البار. هكذا بحق قيل بالنبي: ليُنزع الشرير من الطريق، فلا يرى مجد الله (إش 10:26 LXX).

البابا غريغوريوس (الكبير)

لأَنَّهُ لَمْ يُغْلِقْ أَبْوَابَ بَطْنِ أُمِّي، وَلَمْ يَسْتُرِ الشَّقَاوَةَ عَنْ عَيْنَيَّ [10].

لقد خانته حكمته، فاشتهي أيوب أمرًا غاية في القسوة، وهو لو أن أمه ولدته قبل الموعد، فانفتح رحمها ليخرج سقطًا ميتًا، وتتعرض هي للخطر بل وللموت. صورة مؤلمة للغاية بسبب التذمر!

يقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) تفسيرًا رمزيًا رائعًا لهذه العبارة حيث يرى المؤمن يعود إلى الأبوين الأولين وهما في الفردوس كما في رحم الأم، وكان يود أن يولد هناك ولا تنفتح أبواب الفردوس لطرده بواسطة الحية. يقول إن الحية قد فتحت فم هذا الرحم ليخرج الإنسان من الجنة المفرحة، ويحيا في وادي الموت. إنه يشتهي لو أن باب الفردوس الأول بقي مغلقًا لتُولد البشرية وتتكاثر في فرحٍ سماويٍ مفرحٍ.

 تعجبه لماذا لم يمت ويمضي إلى القبر حالما ولد


تمنى لو كان قد مات عقب ولادته مباشرة، فهو يعتقد أن هذا كان أفضل له، فسيكون مع "ملوك ومشيري الأرض"، في راحة وهدوء في القبر. فالموت أفضل من الحياة.

 

 

2. أنشودة الموت وعذوبته


 إذ قدم مرثاة، مشتهيًا لو كان قد مات في الرحم، تطلع إلى حياته بآلامها ونكباتها فاستعذب الموت، مقدمًا قصيدة عن الموت الأكثر عذوبة من الحياة الزمنية إن صح التعبير. رأى في الهاوية خلاصًا مما يعنيه على الأرض.

قدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) في إسهاب تفسيرًا رمزيًا لأنشودة الموت وعذوبته، فرأى في أيوب أنه اشتهى أن يموت في الرحم، أي مع أبويه آدم وحواء في الفردوس قبل خروجه إلى العالم الذي وُضع في الشرير، كما رأينا. ويرى في لقائه في القبر مع الملوك ومشيري الأرض لقاء مع جبابرة الإيمان والقادة الروحيين، حيث يستريح الكل بحياة أبدية واحدة، ليس فيها من يئن أو يتألم، ولا من صغير يحسد كبير "الأسرى يطمئنون، ولا يسمعون صوت المُسخر، الصغير كما الكبير هناك، والعبد حُرٌَ من سيده" (18:3-19).

لِمَ لَمْ أَمُتْ مِنَ الرَّحِمِ؟  عِنْدَمَا خَرَجْتُ مِنَ الْبَطْنِ،  لِمَ لَمْ أُسْلِمِ الرُّوحَ؟ [11]

ربما أدرك أيوب خطأه حين اشتهي لو تعرضت أمه للخطر بنزوله سقطًا قبل موعده ميلاده، عاد ليصحح الأمر، فاشتهي لو أنه وُلد ومات فورًا بعد خروجه من رحم أمه.

تطلع أيوب إلى الحياة منذ ولادته أنها لعنة ونكبة له، وحسب الموت أعظم بركة كانت تحل عليه. على عكس هذا يقدم إرميا النبي وسط مرثاته المرة تسبحة شكر لله على "عطية الحياة"، فيقول: "إنه من احسانات الرب أننا لم نمت من الرحم، ولم نفنَ" (مرا 3: 22).

جاء في قصة خرافية أن شخصًا متقدمًا في السن تعب جدًا من حمله شيئًا ثقيلاً، فطرح الحمل على الأرض، وفي يأسه استدعي الموت. وإذ جاء الموت وسأله ماذا يطلب ظانًا أنه يطلب أن يأخذ نفسه ويموت، فوجئ به يقول: "أرجو أن تساعدني على حمل حملي الثقيل[172]".

قدم لنا أيوب مرثاة يتغنى فيها بعشقه للموت المبكر منذ لحظات ولادته ويمتدح فيها القبر. وكأن الموت والقبر قد صارا صديقين حميمين له. أما وقد جاء السيد المسيح بإرادته وسلطانه إلى الموت والقبر محولاً ذلك إلى أغنية مفرحة، لا يترنم بها اليائسون، بل المملئون رجاء في السماويات، طالبو الشركة في المجد الأبدي، والمشتهون للالتقاء بأصدقائهم السمائيين، يشاركونهم تسابيحهم.

بالمسيح يسوع المصلوب واهب القيامة نتغنى: "إن عشنا فللرب نعيش، وإن متنا فللرب نموت، فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن" (رو 14: 8).

لِمَاذَا أَعَانَتْنِي الرُّكَبُ، وَلِمَ الثُّدِيُّ حَتَّى أَرْضَعَ؟ [12]

يرفض البابا غريغوريوس (الكبير) التفسير الحرفي للعبارتين 11-12، متطلعًا إلى أيوب الطوباوي الذي وُهب معرفة روحية سامية هكذا، وقدم تسابيح للديان في أعماقه لا يمكن أن يشتهي لو مات خلال الإجهاض، أو عند ولادته مباشرة. إنما يرى في هاتين العبارتين أيوب البار وهو ينتحب سواء لارتكابه الخطية في القلب أو ممارستها عمليًا. يقول أنه يوجد أربع طرق لارتكاب الخطية قلبيًا، وأربع طرق مماثلة لارتكابها عمليًا، مشتهيًا لو أنها بادت في مراحلها قبل أن تبلغ نضوجها الكامل. هذه المراحل الأربع هي:

أ. الحبل بها في الرحم: وهي المرحلة الأولى حيث تبدأ في القلب بتقديم الاقتراح، أما من جهة العمل فالممارسة تتم خفية.

ب. خروجها من الرحم أو ولادتها: وهي المرحلة الثانية، حيث يتحول الاقتراح إلى لذة في القلب، أما من جهة العمل فتتحول من ممارسة خفية إلى ممارسة علنية أمام أعين الناس بلا حياء.

ج. إعانة الركب لها: المرحلة الثالثة حيث تتحول من اللذة القلبية إلى الموافقة والقبول الداخلي. أما من جهة العمل فتتحول من ممارسة علنية إلى عادة يُستعبد لها الخاطي.

د. الرضاعة من الثدي: المرحلة الأخيرة، حيث تتحول من القبول للخطية إلى الدفاع عما يرتكب الخاطي كمن لم يخطئ. وبالنسبة للعمل تتحول من عادة إلى نضوج كامل في ممارسة الخطية.

 يختم البابا غريغوريوس حديثه هذا قائلاً:

[يليق بنا أيضًا أن نعرف أن الطرق (المراحل الثلاثة الأولى) يمكن إصلاحها بسهولة... أما (المرحلة) الرابعة فلا يمكن إصلاحها إلا بصعوبة.

هكذا أقام مخلصنا الصبية في البيت، والشاب خارج الباب، أما لعازر فأقامه في القبر. فمن يرتكب الخطية سرًا يكون كميتٍ ملقى في البيت. أما الذي يرتكب الخطية علانية فيكون قد حُمل خارج الباب، يرتكب الخطية في غير خجل علانية. أما من يرتكب الخطية مرة ومرات تحت ضغط العادة فيكون قد سقط في كومة القبر.

ومع هذا فإن هؤلاء جميعًا يردهم المخلص برحمته إلى الحياة، إذ غالبًا ما تشرق النعمة في هذه الحالة بنورها على الأموات ليس بالخطايا الخفية فحسب، بل وعلى من يمارسها علانية، ومن يسقط تحت ضغط العادة...

لكن مخلصنا لا يقيم أصحاب الطريق الرابع إلى الحياة. حقًا إنه يصعب على الذي يستمر في عادته الشريرة، متمسكًا بألسنة المتملقين (مدافعًا عن الخطأ) أن يُشفى من موت النفس. عن هذا قيل: "دعْ الموتى يدفنون موتاهم" (لو 60:9). فالموتى يدفنون موتاهم.]

هكذا يرى البابا غريغوريوس في المرحلة الرابعة من الخطية وهي الدفاع عن الخطأ والتستر عليه، هو بلوغها إلى النضوج وعدم إمكانية القيامة من موتها حتى يعترف الخاطي بخطيته ولا يبرر خطأه أو يعطي لنفسه عذرًا كما فعل كل من آدم وحواء.

لأَنِّي قَدْ كُنْتُ الآنَ مُضْطَجِعًا سَاكِنًا.  حِينَئِذٍ كُنْتُ نِمْتُ مُسْتَرِيحًا [13]

يقدم لنا البابا غريغوريوس تبريرًا لمرارة نفس أيوب. إنه يتطلع إلى ما كان يمكن للإنسان أن يبلغ إليه لو لم تدخل الخطية إلى حياته. يقول:

[وُضع الإنسان في الفردوس، وقد التصقت به قيود الحب ليتبع خالقه في طاعة، بهذا كان يمكن أن يُنقل يومًا ما إلى مدينة الملائكة السمائية حتى بدون موت الجسد. فقد خُلق خالدًا بطريقة يمكن بها أن يموت إن أخطأ، فيصير قابلاً للموت. أما لو لم يخطئ فكان يمكنه أن يبقى بدون موت، وبكامل حريته ينال الطوبى التي لعالمٍ ليس فيه إمكانية الخطأ ولا الموت.

منذ وقت الفداء يُرسل المختارون خلال موت أجسادهم إلى ذات الموضع الذي كان يجب أن يبلغه الأبوان الأولان دون موت الجسد لو أنهما بقيا ثابتين فيما خُلقًا عليه. بهذا لبقي الإنسان "مضطجعًا مستريحًا"، يبلغ مدينته الأبدية في راحة. لكان قد وجد فيها موضع راحة وسكون من صخب الضعف البشري...

هذا السكون الذي للسلام تمتع به الإنسان عندما خُلق وتقبل حرية إرادته ليواجه عدوه. لكنه إذ خضع له بإرادته، للحال وُجد الضعف البشري حالاً فيه. فمع أنه قد خُلق بواسطة خالقه في حالة سكون مملوء سلامًا، لكنه ما أن انحنى تحت عدوه بإرادته حتى سقط تحت صخب الحرب. صارت اقتراحات الجسد نفسه نوعًا من الصرخة ضد راحة الذهن، الأمر الذي لم يكن يعرفه الإنسان قبل العصيان، ذلك لأنه لم يكن يوجد وربط نفسه بخطاياه صار يخدمه في أمور بغير إرادته، وعانى من صخب الفكر، إذ يصارع الجسد ضد الروح.]

     الفرح بخليقة الله أمر مرغوب فيه، أن يصير الشخص رجلاً (ناضجًا) يتقبل صورة الله فهذه سعادة. أما التسكع في الحياة الدنسة، والافتنان من أجل أناسٍ كثيرين، فهذا يبغضه الأبرار.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

مَعَ مُلُوكٍ وَمُشِيرِي الأَرْضِ، الَّذِينَ بَنُوا أَهْرَامًا لأَنْفُسِهِمْ [14]

حسب أيوب الموت راحة مع ملوك الأرض ومشيريهم، هؤلاء الذين أرادوا تخليد ذكراهم ببناء الأهرامات والمدافن الضخمة الفاخرة، لكن أحدًا ما لم يعد قادرًا على التمييز بين ترابهم. فالأهرامات والذهب والفضة وكل ما خلفوه لم يعد يمثل شيئًا.

يرى البابا غريغوريوس أن الملوك هنا هم الأرواح الملائكية التي كرست طاقتها لخدمة خالق كل الكائنات التي تخضع لهم. وهم أيضًا يدعون مشيرين لأنهم يقدمون مشورة للعالم الروحي حيث يضموننا إليهم كشركاء معهم في الملكوت.

أَوْ مَعَ رُؤَسَاءَ لَهُمْ ذَهَبٌ الْمَالِئِينَ بُيُوتَهُمْ فِضَّةً [15]

كان من عادة الملوك والعظماء أن يضعوا ذهبًا وفضة في مقابرهم كنوعٍ من التكريم حتى بعد الموت، وربما لكي لا تختلط جثثهم بجثث الفقراء. لكن الموت لا يميز بين عظيمٍ وحقيرٍ، غنيٍ وفقيرٍ، سيدٍ وعبدٍ. كما يقول الحكيم: " الغني والفقير يلتقيان" (أم 22: 2).

يرى البابا غريغوريوس أن الرؤساء هم قادة الكنيسة المقدسة يملأون بيوتهم بكلمة الله، الذهب المنقى بالنار (مز 6:12).

أَوْ كَسِقْطٍ مَطْمُورٍ،  فَلَمْ أَكُنْ كَأَجِنَّةٍ لَمْ يَرُوا نُورًا [16].

في القبر بعد انحلال الجسم ليس من يقدر أن يميز بين تراب ملك أو عظيم أو سقط مطمور لم يخرج قط إلى الحياة في العالم. يرى أيوب أن الأجنة التي ماتت قبل أن ترى نور الحياة هي في راحة أسعد مما هو عليه، إذ يشتهي النوم ليستريح فلا يجده.

اشتهي أيوب النوم ولو كجنينٍ لم ينظر العالم، ولم يدرك أن الراحة الحقيقية هو في المسيح يسوع الذي فيه وحده ننام - أي ندفن معه - لنقوم إلى الحياة الأبدية في مجدٍ فائق لا يُعبر عنه.

يرى البابا غريغوريوس أن السقط المطمور الذي يستريح هم المختارون منذ بدء العالم وعاشوا قبل الخلاص ومع ذلك ماتوا عن العالم، هؤلاء الذين لم يكن لهم لوحا الشريعة، فماتوا كما في الرحم، وخشوا الله خلال الناموس الطبيعي. لقد آمنوا أن الشفيع قادم، فجاهدوا ما استطاعوا؛ أماتوا أنفسهم عن الملذات، وحفظوا المفاهيم التي لم تكن بعد قد سجلها الناموس. هذه الفترة ما قبل الناموس قدمت لنا آباءنا أمواتًا من أجل هذه الحياة، كانوا أشبه بأجنةٍ قد ماتت في الرحم.

 قدم لنا هذا البابا أمثلة السقط:

 أ. هابيل: الذي لم نقرأ عنه أنه قاوم أخاه حين قتله.

 ب. أخنوخ: الذي تزكى، فسار مع الله وانتقل.

 ج. نوح: الذي بحكمٍ إلهيٍ صار الوحيد (مع أسرته) حيًا.

 د. إبراهيم: سائح في العالم، لأنه خليل الله.

 ه. اسحق: سائح بعينيه الجسديتين الضعيفتين بسبب الشيخوخة، لم يرَ الأمور الحاضرة، وإنما استنار بروح النبوة، ليرى الأمور المقبلة ببصيرةٍ فائقةٍ فوق العادة.

 و. يعقوب: في تواضع هرب من سخط أخيه، وبلطفه غلبه. كان مثمرًا في نسله، وأكثر إثمارًا في غنى الروح، فربط نسله بقيود النبوة.

هُنَاكَ يَكُفُّ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الشَّغَبِ، وَهُنَاكَ يَسْتَرِيحُ الْمُتْعَبُون [17].

يضع الموت حدًا نهائيًا لظلم الأشرار الذين لا يكفوا عن مقاومة الحق واضطهاد أولاد الله، فالموت أنهى ما فعله هيرودس مضطهد الكنيسة (أي 12: 1-6، 23). والموت يهب راحة صادقة للذين احتملوا الاضطهاد بشكرٍ من أجل الله. "اكتب طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن. نعم يقول الروح، لكي يستريحوا من أتعابهم، وأعمالهم تتبعهم". (رؤ 14: 13). "من وجه الشر يُضم الصديق، يدخل السلام، يستريحون في مضاجعهم" (إش 57: 1-2).

     يأتي عندئذ المديح للموت، فشكرًا له، إذ ينزع البعض عن الشر، ويتحرر آخرون من بؤسهم، هؤلاء الذين يجدون فيه ملجأ ضد شرورهم، وأولئك يجدون فيه عائقًا يمنع خبثهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الأَسْرَى يَطْمَئِنُّونَ جَمِيعًا.  لاَ يَسْمَعُونَ صَوْتَ الْمُسَخِّرِ [18].

كثيرًا ما يشتهي الأسرى الموت ليستريحوا من المذلة. وقد فضل شمشون أن يموت مع كل الذين كانوا يسخرون به عن أن يعيش يطحن "في بيت السجن" (قض 16: 21).

     يبطل الموت كل شيءٍ. ليس فقط لا تعود توجد إمكانية لمساندة الشر، وإنما لا يعود حتى مجرد صوت الشر يصل إلى الأذنين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الصَّغِيرُ كَمَا الْكَبِيرُ هُنَاكَ،

وَالْعَبْدُ حُرٌّ مِنْ سَيِّدِهِ [19].

بالموت يتساوى الكل المُسخر مع الذي تحت السخرة، الكبير مع الصغير. يرقد الكل معًا في القبر الذي لا يميز بين هذا وذلك.

     لا يستطيع أحد أن يفلت من سلطانه، ليس عبد ولا حر. كل الأمور البشرية تبيد بالموت: الغنى كما الكرامة. عدم التساوي في هذه الحياة الحاضرة ضخم. عظيمة هي الحرية بعد رحلينا إلى هناك.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     أضيف: "والعبد حُر من سيده"، إذ مكتوب: "كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية" (يو 34:8)... في هذه الحياة الحاضرة يهرب العبد بالفعل من سيده، لكنه ليس حرًا منه... أما هناك فالعبد حر من سيده. هناك لا يعود يوجد شك من جهة غفران الخطية، عندما لا يعود تذَّكر الخطية يدين النفس. تصير النفس في أمان، فلا يرتعب الضمير بسبب الشعور بالجريمة، وإنما يتهلل بالغفران وتمتعه بالحرية,

البابا غريغوريوس (الكبير)

     يقود الموت إليه عبيدًا وسادتهم, وهناك لا يكرم السادة أكثر من خدمهم[173].

 القديس أفراهاط

3. لغز بقاء الذين يشتهون الموت


في دهشة يتطلع أيوب إلى الذين يشتهون الموت فلا يجدونه، فإن الله يحوط حولهم كما بسياجٍ، ليمارسوا حياة الألم دون ادراك خطة الله من نحوهم.

عندما وجد أيوب أنه لا يجديه أن يتمنى لو لم يولد، أو لو كان قد مات حالما وُلد، نراه يشكو هنا من أن حياته استمرت باقية دون أن تُقطع، صرخ لطول فترة التجربة. وقد برر رغبته الشديدة في الموت بالآتي:

1- كان يحس بصفة مستمرة بالتعب وسط ضيقاته الشديدة التي كانت تبدو إنها ستظل مستمرة.

2- حتى في أيام رخائه الأولى كان دومًا يخاف من المتاعب، ولذلك لم يكن قط يحس بالراحة، ولذلك قال "لم أطمئن، لم أسكن، لم استرح".

مع شهادة يعقوب الرسول لأيوب "قد سمعتم بصبر أيوب" (يع 5: 11)، ومع احتماله كل هذه التجارب دون أن يخطئ، ومع ما رآه على ملامح أصدقائه من حزنٍ شديدٍ على حاله فتح فاه لينطق. بدأ يشتكي من أنه وُلد، وأنه لم يمت حين وُلد، وأن حياته طالت في محنته. لقد صبر طويلاً، لكن لم يعد بعد يحتمل. فإنه مهما بلغ صبر الإنسان فليدرك أنه ضعيف ومعرض للسقوط. وكأن السفر ينذرنا مع الرسول بولس: "من يظن أنه قائم فلينظر لئلا يسقط" (1 كو 10: 12).

لِمَ يُعْطَى لِشَقِيٍّ نُورٌ، وَحَيَاةٌ لِمُرِّي النَّفْسِ؟ [20]

يشكو أيوب هنا من أن حياته استمرت ولم تنقطع. إنه يتعجل الموت مرحبًا بقدومه. مع أن النور عطية صالحة، لكن في وسط مرارته حسب هذا النور يزيد من شقائه. شمعة حياته، وُهبت له لكي يرى ما عليه من شقاء، وكان خير له لو لم يكن له هذا النور.

     كل الأبرار في أحزان في هذه الحياة (مز 19:34)، هؤلاء الذين قيل عنهم: "بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله" (أع 21:14). "أكلوا الرماد مثل الخبز، ومزجوا شرابهم بالدموع" (راجع مز 9:102). يرغبون في العبور خلال التجارب هنا شاكرين هذه الوسائل. إنهم هكذا في حزنٍ كداود يعلنون بمثل هذه العبارات: "أعوم في كل ليلة سريري، بدموعي أذوب فراشي" (مز 6:6).

أما أن الأبرار يشتهون الموت، إذ "ينقبون عنه كما عن كنوز"، فإن إيليا يؤكد لي ذلك بالعبارات: "كفى الآن يا رب، خذ نفسي لأنني لست خيرًا من آبائي" (1 مل 4:19).

أيضًا صادق بولس على هذا عندما أراد تلاميذ قيصرية أن يمنعوه من الصعود إلى أورشليم، إذ قال: "ماذا تفعلون؟ تبكون وتكسرون قلبي، لأني مستعد ليس أن أربط فقط، بل أن أموت أيضًا في أورشليم (أع 13:21).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     الذين يعيشون في الملذات يهابون الموت، أما الحزانى فيترجونه لكي يرحلوا سريعًا.

الأغنياء يهابون الموت، والفقراء يشتهونه لكي يستريحوا من أتعابهم.

الأقوياء يرتعبون عندما يذكرونه، والمرضى يتطلعون إليه في رجاء ليستريحوا من آلامهم[174].

الأب أفراهات

     عندما يُصاب الصالحون بشرورٍ والأشرار بالخيرات، هذا ربما لأجل نفع الصالحين كي ينالوا عقوبة (تأديبًا) هنا إن كانوا قد أخطأوا في شيء، حتى يتحرروا تمامًا من الدينونة الأبدية. ويجد الأشرار خيرات هنا تُقدم خلاصًا لهم في هذه الحياة حتى يُسحبوا إلى العذابات القادمة الكاملة. لهذا قيل للغني وهو يحترق في جهنم: "يا ابني اذكر إنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا" (لو 16: 25)... يسير القديسون في رعبٍ أعظم خائفين من ترف هذا العالم أكثر من المخاطر.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     من جهة الراحة، ماذا نجد في العالم سوى حربًا دائمة مع الشيطان، وصراعًا في معركة دائمة ضد سهامه وسيوفه؟! حربنا قائمة ضد محبة المال والكبرياء والغضب وحب الظهور، وصراعنا دائم ضد الشهوات الجسدية وإغراءات العالم.

ففكر الإنسان يحاصره العدو من كل جانب، وتحدق به هجمات الشيطان من كل ناحية. وبالجهد يقدر للفكر أن يدافع، وبالكاد يستطيع أن يُقاوم في كل بقعة. فإن استهان بحب المال، ثارت فيه الشهوات. وإن غلب الشهوات انبثق حب الظهور. وإن انتصر علي حب الظهور اشتعل فيه الغضب والكبرياء، وأغراه السُكر بالخمر، ومزّق الحسد وفاقه مع الآخرين، وأفسدت الغيرة صداقاته.

هكذا تعاني الروح كل يوم من اضطهاداتٍ كثيرةٍ كهذه ومن مخاطرٍ عظيمةٍ كهذه تضايق القلب، ومع هذا لا يزال القلب يبتهج ببقائه كثيرًا هنا بين حروب الشيطان! مع أنه كان الأجدر بنا أن تنصب اشتياقاتنا ورغباتنا في الإسراع بالذهاب عند المسيح، عن طريق الموت المعجل. إذ علمنا الرب نفسه قائلاً:لاً "الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح؛ أنتم ستحزنون، ولكن حزنكم يتحول إلي فرح" (يو20:16).

من منّا لا يرغب في أن يكون بلا حزن؟!

من منّا لا يتوق إلى الإسراع لنوال الفرح؟!

لقد أعلن الرب نفسه أيضًا عن وقت تحويل حزننا إلي فرح بقوله: "ولكن سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 20:16). مادام فرحنا يكمن في رؤية المسيح... فأي عمى يُصيب فكرنا، وأيسخافة تنتابنا متى أحببنا أحزان العالم وضيقاته ودموعه أكثر من الإسراع نحو الفرح الذي لا ينزع عنا؟![175]

     يا له من نفع نقتنيه بخروجنا من هذا العالم!

لقد حزن التلاميذ، عندما أعلن لهم المسيح أنه سينطلق، فقال لهم: "لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت أمضي إلي الآب" (يو 28:14)، معلِّمًا إيانا أن نفرح عند رحيل أحد أحبائنا من هذا العالم ولا نحزن، متذكرين حقًا قول الرسول الطوباوي بولس: "لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح" (في 21:1).

نحسب في الموت أعظم ربح، الأمر الذي لا نقدر أن نقتنيه بواسطة شباك هذا العالم أو نجتنيه بواسطة خطايا الجسد ورذائله. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فبالموت نترك الأتعاب المؤلمة ونتخلص من أنياب الشيطان السامة، لنذهب إلي دعوة المسيح لنا متهللين بالخلاص الأبدي[176].

الشهيد كبريانوس

الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ وَلَيْسَ هُوَ، وَيَحْفُرُونَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنَ الْكُنُوزِ [21]

بقوله : "يحفرون عليه أكثر من الكنوز" يكشف عن استعداده لبذل كل إمكانية للبحث عن الموت كمن يبحث عن أعظم كنز يقتنيه.

لم يفكر أيوب قط في الانتحار بالرغم من بحثه عن الموت بأية تكلفة، فإن حياته في يد إلهه، ليس له أن ينهيها بنفسه.

     أولئك الذين يطلبون الإماتة بكمال يبحثون عنه كمن ينقبون عن كنوز خفية، فكلما اقتربوا بالأكثر إلى هدفهم أظهروا غيرة أعظم في العمل.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     إن موت الأبرار صار رقادًا، بل صار هو الحياة.

 القديس باسيليوس الكبير

تطلع القديس غريغوريوس النزينزي إلى أخته الأكبر منه القديسة جورجونيا كنموذجٍ حيٍّ للمسيحي، وقد تأثر بها جدًا إذ كان مغرمًا بتقواها وورعها. وأوضح كيف استعدت للموت بلا خوف، بل اشتاقت إليه:

     موطن جورجونيا كان أورشليم العليا (عب 22:12، 23)... التي يقطنها المسيح، ويشاركه المجمع وكنيسة الأبكار المكتوبين في السماء...

     كل ما استطاعت أن تنتزعه من رئيس هذا العالم أودعته في أماكن أمينة. لم تترك شيئًا وراءها سوى جسدها. لقد فارقت كل شيء من أجل الرجاء العلوي. الثروة الوحيدة التي تركتها لأبنائها هي الإقتداء بمثالها، وأن يتمتعوا بما استحقته.

     هنا أتكلم عن موتها وما تميزت به وقتئذٍ لأوفيها حقّها... اشتاقت كثيرًا لوقت انحلالها، لأنها علمت بمن دعاها وفضّلت أن تكون مع المسيح أكثر من أي شيء آخر على الأرض (في 23:1).

تاقت هذه القديسة إلى التحرر من قيود الجسد والهروب من وحل هذا العالم الذي نعيش فيه. والأمر الفائق بالأكثر أنها تذوقت جمال حبيبها المسيح إذ كانت دائمة التأمل فيه.

كانت تعلم مسبقًا ساعة رحيلها عن هذا العالم، الأمر الذي ضاعف من فرحتها. ويبدو أن الله أعلمها به حتى تستعد ولا تضطرب حينئذٍ.

قضت كل حياتها لتغتسل من الخطية وتسعى لإدراك الكمال. ونالت موهبة التجديد المستمر بالروح القدس وصارت ثابتة فيه بحسب استحقاق حياتها الأولى…

لم تغفل عن التضرع من أجل زوجها أيضًا حتى يُدرك الكمال، وقد استجاب الله لطلبتها إذ أرادت أن يكون كل ما يمت لها بصلة في حالة الكمال الذي يريده الله منا، فلا يكون شيء ناقصًا أمام المسيح من جهتها.

وإذ جاءت النهاية أدلت بوصيتها لزوجها وأولادها وأصدقائها كما هو المتوقع من مثل هذه القديسة المحبة للجميع.

كان يومها الأخير على الأرض يوم احتفال مهيبًا، ولا نقول أنها ماتت شبعانة من أيام بني البشر، فلم تكن هذه رغبتها، إذ عرفت أنها أيام شريرة تلك التي بحسب الجسد وما هي سوى تراب وسراب. وبالأحرى كانت شبعانة من أيام الله... وهكذا تحررت، بل الأفضل أن نقول أنها أُخذت إلى إلهها أو هربت أو غيرت مسكنها أو أسلمت وديعتها عاجلاً.

في وقت نياحتها خيّم صمت مهيب، وكأن مماتها كان بمثابة مراسيم دينية.

رقد جسدها وكأنه في حالة شلل بعد أن فارقته الروح، فصار بلا حراك.

لكن أباها الروحي الذي كان يلاحظها جيدًا أثناء هذا المنظر الرائع شعر بها تتمتم واسترق السمع، وإذ به يسمعها تتلو كلمات المرتل: "بسلامة اضطجع أيضًا وأنام" (مز 8:4). مبارك هو من يرقد وفي فمه هذه الكلمات.

هكذا ترنمتِ أيتها الجميلة بين النساء، وصارت الترنيمة حقيقة. ودخلتِ إلى السلام العذب بعد الألم، ورقدتِ كما يحق للإنسانة المحبوبة لدى الله التي عاشت وتنيحت وسط كلمات الصلاح.

كم ثمين هو نصيبكِ! إنه يفوق ما تراه العين في وسط حشدٍ من الملائكة والقوات السمائية، إنه مملوء بهاءً ونقاوة وكمالاً!

يفوق كل هذا رؤيتها للثالوث القدوس، فلم يعد ذلك بعيدًا عن الإدراك والحس اللذان كانا قبلاً محدودين تحت أسر الجسد.

أرجو أن تقبل روحك هذا المديح مني كما فعلت مع أخي قيصريوس. فقد حرصت على النطق بالمديح لإخوتي.

القديس غريغوريوس النزينزي

     الموت بالنسبة للذين يفهمونه خلود، أما بالنسبة للبلهاء الذين لا يفهمونه فهو موت.

يجب علينا ألا نخاف هذا الموت، بل نخاف هلاك النفس الذي هو عدم معرفة الله. هذا هو ما يرعب النفس بحق!

     يستحيل علينا أن نهرب من الموت بأية وسيلة. وإذ يعرف العقلاء بحق هذا، يمارسون الفضائل ويفكرون في حب الله، ويواجهون الموت بلا تنهدات أو خوف أو دموع، مفكرين في أن الموت أمرٌ محتم من جهة، ومن جهة أخرى أنه يحررنا من الأمراض التي نخضع لها في هذه الحياة.

القديس أنطونيوس الكبير.

الْمَسْرُورِينَ إِلَى أَنْ يَبْتَهِجُوا الْفَرِحِينَ عِنْدَمَا يَجِدُونَ قَبْرًا [22].

     هكذا كان بولس يرى أولئك التلاميذ كأموات وكمن دُفنوا في قبر التأمل، هؤلاء الذين قال لهم: " قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله" (كو 3:3). من يبحث عن الموت يبتهج عندما يجد القبر، لأن من يرغب في الإماتة يتهلل بالأكثر عندما يجد راحة التأمل، فإنه إذ يموت عن العالم، يستتر ويخفي نفسه في حضن الحب الداخلي عن كل اضطرابات الأمور الخارجية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لِرَجُلٍ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ طَرِيقُهُ، وَقَدْ سَيَّجَ اللهُ حَوْلَهُ [23].

لم يكن له أمل في تحسين حاله؛ لم يرَ بابًا للنجاة، ولا طريقًا يسلكه، إذ كان الله قد سيَّج حوله، فصار كمن في موضعه عاجزًا عن الحركة. وكما قيل في هوشع: "هأنذا أُسيج طريقك بالشوك، وأبني حائطها حتى لا تجد مسالكها" (هو 2: 6). وكما صرخ إرميا: "سيَّج طرقي بحجارة منحوتة، قَلَبَ سبلي" (مرا 3: 9).

     حتى الموت دخل كثمرة للخطية، ومع هذا فإن سمو الله وحنوه وعنايته الفائقة حولت هذا لصالح جنسنا. أي ثقل يحمله الموت، أخبرني؟ أليس هذا هو تحرر من المتاعب؟ أليس الموت تحرراً من الاهتمامات؟ أما تسمع أيوب يمدحه بالكلمات: الموت هو نجدة للإنسان، طريقة مخفية[177].

القديس يوحنا ذهبي الفم

     "قد خفي عليه طريقه"، بمعنى سوف لا يعرف متى أو بأية وسيلة يكون رحيله من هنا. فإن الله يخفي عنه هذه المعرفة. بمعنى أنه لا يسمح له بالمعرفة، حتى ينتظر البشر الموت كل أيامهم. وبهذا يستعدون. يخفي الله هذا لأجل نفعنا العظيم، لكي يهبنا الفرصة أن نتمم ما أمر به تلاميذه: "اسهروا إذا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم" (مت 42:24).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     أعزائي الإخوة الأحباء ... يلزمنا أن نأخذ في اعتبارنا أننا نتأمل إلى ما شاء الله لنا أن نترك العالم، فإننا نعيش الآن كضيوفٍ وغرباءٍ.

ليتنا نحب اليوم المعين لنا، الذي فيه نتحرر من فخاخ العالم، ونعود إلى الفردوس والملكوت ...

لأنه أي إنسان وُضع في بلدٍ غريبٍ أما يريد أن يسرع في العودة إلى بلده؟! ومن من الذين يسرعون في العودة (بحرًا) إلى أصدقائهم لا يرغبون في ريح موافقة حتى يلتقوا سريعًا بأولئك الذين هم أعزاء عليهم؟!

إننا نتطلع إلى الفردوس كبلدنا... والآباء (البطاركة) كآباء لنا، فلماذا لا نسرع بل ونجرى، لكي ننظر مدينتنا ونحيي آباءنا؟! فإن لنا أعزاء كثيرين جدًا ينتظروننا. لذلك أية سعادة تغمرنا وإياهم عندما نجتمع سويًا؟!

 أي سرور في الملكوت السماوي حيث لا نعود نرهب الموت؟! وأية سعادة لذيذة دائمة بحياة أبدية؟!

هناك توجد الشركة المجيدة مع الرسل، هناك يوجد جوقة الأنبياء المتهلّلين، هناك جموع الشهداء غير المحصيّين، المتوجين بالنصرة في صراعهم ضد الشهوات، هناك جموع البتوليّين الفائزون الذين قهروا شهوات الجسد بعفتهم... هناك الرحماء مكلّلين، هؤلاء الذين صنعوا البرّ بإطعامهم الفقير ومساعدتهم له، وقد حفظوا وصايا الرب، وحوّلوا ممتلكاتهم الأرضية إلى كنوز سمائية.

إذن لنسرع إلى هؤلاء الإخوة الأحباء بشوقٍ عظيمٍ. ليتنا نود الوجود معهم ونسرع بالمجيء إلى المسيح.

لينظر الله إلى شوقنا العظيم، وليتطلع المسيح الرب إلى هدف ذهننا وإيماننا، هذا الذي يقدم الجزاء العظيم الذي لمجده للذين لهم رغبة عظيمة في تكريمه[178].

الشهيد كبريانوس

لأَنَّهُ مِثْلَ خُبْزِي يَأْتِي أَنِينِي، وَمِثْلَ الْمِيَاهِ تَنْسَكِبُ زَفْرَتِي [24]

صار أنين أيوب الخبز اليومي الضروري، لا يعيش بدونه. أحزانه تتكرر بانتظام وكأنها وجبات طعام يقتاتٍ بها. صارت تنهداته أشبه بنهرٍ ممتلئٍ يفيض بالأحزان بلا توقف.

     إن كانت كل الخليقة ستنحل وهيئة هذا العالم تتغير، فلماذا نتعجب ونحن جزء من الخليقة أن نشعر بألمٍ عامٍ شديدٍ ونُسلم لأحزان يسمح لنا بها إلهنا حسب قياس قوتنا، ولا يسمح لنا أن نُجرب فوق ما نستطيع، بل مع التجربة يعطينا المنفذ لنستطيع أن نحتملها؟[179]

     يأمر الرب: "لكل شيء مقاييس وأوزان" (حكمة 11: 20)، ويجلب علينا تجارب لا تزيد عن قوتنا في الاحتمال، إنما يجرب كل الذين يحاربون في طريق الدين الحقيقي بالحزن، ولا يسمح لهم بالتجربة فوق ما يقدرون أن يحتملوا. يعطي دموعًا للشرب بمقياس عظيم (مز 80: 5) لكل الذين ينبغي أن يظهروا أنهم وسط أحزانهم يحفظون شكرهم له[180].

     إني مقتنع أنه إن وُجد صوت يحرك الله الصالح فإنه لن يجعل رحمته بعيدة، بل يعطي مع التجربة المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوها[181].

القديس باسيليوس الكبير

لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ [25].

يبدو أنه كان في أيام رخائه يخشى أن تحل به الكوارث، لذا يقول: "ارتعابًا ارتعبت فأتاني، والذي فزعت منه جاء علّي" [25].

     مادمت أنا هنا، مادمت في هذا العالم، مادمت أحمل جسدًا مائتًا، مادمت أتنهد بين علل العصيان، مادمت وأنا واقف أكون "في خوف لئلا أسقط"، مادام صلاحي وشروري مهددة بعدم الاستقرار، فإن حياة الإنسان كلها معًا باطلة[182].

 القديس أغسطينوس

     لو حُصر رجاء المسيحيين في حدود هذه الحياة لكان نصيبنا مرًا بحقٍ، إذ يحصر في الجسد قبل الأوان (أوان الأبدية)، أما إن كانت لهم محبة الله وتعتزل نفوسهم قيود الجسد، فإنهم يحسبون ذلك بداية الحياة الحقيقية، فلماذا تحزن كمن لا رجاء لهم؟ إذن فلتسترح ولا تسقط تحت متاعبك، وإنما لتظهر نفسك أسمى من المتاعب ومترفع فوقها[183].

    أيها الأحباء، هل التجربة صعبة؟ دعونا نحتمل المصاعب، لأنه ليس أحد يتجنب الرماح وتراب المعركة يفوز بالإكليل. هل العدو يخدعكم، وحربه بلا فائدة؟...

     هذه التجارب متعبة، لأنها تخدم الرب. إنها ضعيفة، لأن الرب قد مزج شرهم بالضعف. لكن دعونا نحذر من صراخنا بصوت عالٍ بسبب ألم قليل. إننا بهذا نكون مدانين. إذ تحرمون أنفسكم من المكافأة الأبدية التي تُعطى للأبرار.

أنتم أبناء الذين اعترفوا بالمسيح. أنتم أبناء الشهداء. لقد قاوموا حتى الدم ضد الخطية. لذلك اجعلوا أمثلة من هؤلاء قريبة وعزيزة لديكم لتصبحوا شجعان لأجل مسيحيتكم.

ليس فينا من يُقطع جسده من الجلد... لم يعانِ أحد منا من مصادرة مسكنه... لم نُسق إلي المنفى، لم نسجن... إذن ما حجم المعاناة التي تكبدناها... حقيقة ربما نعتبر مصدر ألمنا هو أننا لم نعانِ شيئًا. وأننا غير مستحقين لآلام المسيح[184].

القديس باسيليوس الكبير

لَمْ أَطْمَئِنَّ وَلَمْ أَسْكُنْ وَلَمْ أَسْتَرِحْ،  وَقَدْ جَاءَ الْغَضَبُ [26].

يرجع بذاكراته إلى ما قبل التجربة ليرى أنه لم يكن مطمئنًا، إذ كان يخشى أن تحل به كارثة، لكن هذا لم يدفعه إلى الاستكانة ولا إلى الخمول، بل كان يعمل ساهرًا في جدية.

     الإنسان غير الحذر الذي يتمتع بالرخاء، ويسود على أعدائه، ويُمتدح ويُعجب منهم، يحتاج إلى من يشفق عليه أكثر من أي إنسان آخر. في الحقيقة إذ لا يتوقع أي تغير لا يقدر أن يواجه حتى مشكلات الرخاء بلياقة. فعندما تحل به أوقات صعبة يرتبك ويحبط بسبب عدم حذره ولأنه غير عملي. أما أيوب فعلي العكس لم يكن هكذا، بل حتى في رخائه كان يتوقع كل يوم الأوقات الصعبة... يقول آخر: "في وقت الشبع أذكر وقت الجوع، وفي أيام الغنى أذكر الفقر والعوز". (سيراخ 18: 25)[185].

القديس يوحنا الذهبي الفم

     ما حزن عليه أيوب ليس الأمور التي تخيلها أصحابه، إنما كانت نفسه في رعبٍ آخر، من عدم معرفة إن كان العدو يسلبه غناه الداخلي، إن كان قد استطاع أن ينهب منه الأمور الصالحة، التجريد الذي يُحسب كارثة عظمى. من أجل هذا اشهد أيوب علانية: "لم اطمئن ولم أسكن، ولم أسترح، وقد جاء الزجر عليٌ" [26]. إنه لم يعرف السلام، إذ كان مضطربًا بسبب أولاده. "لم يكن في هدوءٍ (سكونٍ)" إذ قدم كل يومٍ ذبائح عنهم (أي 5:1). لقد حل الزجر (السخط) عليه، إذ فقد أبناءه في وقت واحد وثروته وصحته الجسدية. فإنه حتى عندما يكون البار بارًا جدًا، إن كان يُسر الله في كل الأمور، يستحيل عليه أن يعيش دون أن يتعرف على التجارب في هذا العالم (يع 2:1). لا يقدر أن يوجد دون أن يعرف حزن هذا العالم، وذلك كما قال الرب لرسله (يو 6:16-22). يقول بولس نفسه: "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون" (2 تي 12:3).. وقال المسيح من جانبه: "ثقوا، أنا قد غلبت العالم" (يو 33:16). مرة أخرى قال: "من يصبر إلى المنتهى يحيا" (راجع مت 22:10، 23:24)، بقوة الآب والابن والروح القدس.

 الأب هيسيخيوس الأورشليمي

لم تعد شهوة الموت صادرة عن الهروب من الضيق والتجارب. فالمسيحي الحقيقي كعضوٍ حيّ مرتبط بالرأس يسوع المسيح، يقبل سمات المسيح المصلوب الذي قبل الموت بإرادته، فيعشق الألم ويبحث عنه ويشتهيه حتى الموت، لا لأجل الألم في ذاته، ولا هروبًا من العالم، بل لأنه علامة شركة الحب الحقيقي والوحدة بين العريس المتألم المصلوب وعروسه. هكذا انطلق الصليب بالألم كما بالموت بالنسبة للمؤمن الحقيقي من كونه علامة الخطية ودلالة حجب الإنسان وحرمانه من الله مصدر السعادة ليصير علامة حب وشركة. فيقول الرسول بولس: "حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع" (2 كو 10:4). ويؤكد أنها آلام المسيح: "لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا" (2 كو 5:1).

     إذ بسط يديه على الصليب طرح رئيس سلطان الهواء الذي يعمل في أبناء المعصية (أف 2:2)، مهيئًا لنا طريق السماوات.

     حين رُفع جسده إلى العُلا ظهرت الأمور التي في السماء[186].

     بعد قيامة مخلصنا الجسدية، لم يعد يوجد سبب للخوف من الموت. الذين يؤمنون بالمسيح يطأون على الموت كأنه لا شيء، مفضلين أن يموتوا بالحري عن أن ينكروا الإيمان بالمسيح. فإنهم مقتنعون أن الموت لا يعني دمارًا بل حياة، خلال القيامة يصيرون غير قابلين للدمار...

الدليل الواضح على هذا هو أنه قبل الإيمان بالمسيح كان الناس يتطلعون إلى الموت كموضوعٍ مرعبٍ، كشيءٍ يجعلهم جبناء. وما أن قبلوا الإيمان وتعليم المسيح، حتى صاروا على العكس يحسبون الموت أمرًا صغيرًا يدوسون عليه، ويجعلهم شهودًا للقيامة التي حققها المخلص ضد الموت[187].

البابا أثناسيوس الرسولي

     بعد أن جاء المسيح ومات لأجل حياة العالم لم يعد ُيدعى الموت موتًا بل نومًا ونياحًا[188].

     أما تعرف كيف أصلح الصليب أخطاء كثيرة؟ ألم يحطم الموت، ويمسحُ الخطية، وينهى قوة الشيطان، وُيشبع كيان جسدنا الصالح؟ ألم يصلح العالم كله، ومع هذا لا تثق أنت فيه؟[189]

     من يخبر عن أعمال الرب القديرة؟ (مز 2:105) من الموت صرنا خالدين، هل فهمتم النصرة والطريق التي بلغتها؟ تعلموا كيف اُقتنيت هذه الغلبة بدون تعب وعرق. لم تتلطخ أسلحتنا بالدماء ولا وقفنا في خط المعركة، ولا جُرحنا، ولا رأينا المعركة لكننا اقتنينا المعركة. الجهاد هو مسيحنا، وإكليل النصرة هو لنا.

ما دامت النصرة هي لنا، إذن يليق بنا كجنودٍ أن نرتل اليوم بأصوات مفرحة بتسابيح الغلبة. لنسبح سيدنا قائلين: "قد أُبتلع الموت إلى غلبة. أين غلبتك يا موت أين شوكتك يا هاوية؟" (1 كو 54:15-55)[190].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

 
تفسير سفر أيوب اصحاح4 PDF Print Email

الحديث الأول لأَلِيفَاز التَّيْمَانِي


خبرة دينية بلا روح!
حديث أليفاز الأول
كل صديقٍ منهم كان له إيمان حقيقي بالله، الذي يلزم أن نمجده بالسلوك في البرّ. كل منهم عبَّر عن إيمانه من زاوية مختلفة، وربما أليفاز كان أكثرهم خبرة وعمقًا، وإن كان قد شعر بالعجز عن تفسير أعمال الله خلال العقل والتفكير المجرد. يليق بالإنسان أن يدرك أنه أصغر من أن يفسر خطة الله ومعاملاته، ولا يدرك أسرار الله، إلاَّ أنه يجب تقديم ذبائح له من أجل غفران الخطايا [١: ٥].

كان أليفاز يعتز بخبرته الشخصية مع الرؤى والأحلام لمعرفة صوت الله. الآن وقد صار بين أيدينا الكتاب المقدس، لسنا محتاجين إلى الرؤى والأحلام.

أبرز أليفاز جلال الله وقداسته وأيضًا ضعف الإنسان وفشله إن سلك أو فكّر خارج دائرة معونة الله. الكتاب المقدس هو سجل المصالحة بين الله والإنسان، مع عجز الإنسان عن تحقيق ذلك بذاته. إنه يعجز عن التمتع بالخلاص بقدرته البشرية كما لا يتمتع بالحكمة والحياة من ذاته، مثله مثل الملائكة.

بدأ أليفاز الحديث (ص 4-5)، والمُرجح أنه كان أكبرهم سنًا، وأفضلهم أخلاقًا. افتتح أليفاز المناقشة بكلام بليغ وأسلوب شعري جميل، وتحدث بمنتهى الأدب والاحتشام عن نفسه وعن مسعاه.

ويمكن أن يقسم حديثه إلى أربعة أقسام:

1- يتعجب من أيوب معزي الآخرين كيف يقع في يأس مثل هذا. فبحسب خبرته الشخصية عبر كل حياته كشيخٍ مختبرٍ "ليس من بارٍ قد هلك". وأهم ما قاله هنا هو: تقواك هي معتمدك ورجاؤك كمال طرقك.

2- رؤيا أليفاز ص 8:4 - 7:5. وفيها الرد على انتقادات أيوب. يتكلم هنا عن قداسة الله وحماقة الناس والملائكة، وهو يحاول أن يوقظ في أيوب الشعور بنقاوة الله السامية وضعف جميع خلائقه الذي لم يكن أيوب سوى واحد منهم، فهم عرضة للخطأ (ص 17:4-19)، فلماذا يتذمر أيوب على الله؟ فإن كان أولاده هلكوا وسُلبت أملاكه، فهذا نتيجة خطيئته، لأن الذين يزرعون شرًا فإياه يحصدون (ص 8:4)، ثم يحاول أن يعزي أيوب بفكرة أن التعب يعم الناس أجمع، فكيف ينتظر أن يُعفى منه، كان يجب أن يحتمله بخضوعٍ وصبرٍ.

3- يخبره ماذا كان يفعل أليفاز لو كان في موضع أيوب (ص 8:5)، مع حث أيوب على رفع دعواه إلى الله. وكان كلامه مملوءً من التبصر والعطف، وفيه يمدح صفات أيوب السامية ص 3:4-5. ولكن المبدأ المبني عليه كان ضعيفًا. فأثار في أيوب روح المقاومة (ص 6-7). يذكر هنا ما كان يفعله لو كان في مكان أيوب، ويصرح بأنه كان يسلم أمره إلى الله العظيم القوة، والعجيب في كل طرقه، الذي يرفع المتواضعين، ويأتي بالخراف إلى الأمان، وينجي الفقير والبائس.

4. لماذا يتذمر أيوب على تأديبات الرب له مع أن تأديباته هي بركة لمن يحتملها؟ لأن القدير يجرح ويعصب، يسحق ويداه تشفيان.

أقسامه:

1. استئذانه أيوب للكلام    1-2.

2. مدحه أيوب              3-4.

3. توبيخه على عدم ثباته  5-6.

4. مبدأ لاهوتي عام        7-11.

5. تعزيز رأيه برؤيا        12: 21.

 

 

1. استئذانه أيوب للكلام


فَأَجَابَ أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ: [1]

تكشف هذه المقدمة أن الأصدقاء الثلاثة قد تحاوروا معًا واتفقوا على مواجهة أيوب بأسلوبٍ جادٍ، إذ حسبوه أنه قد خدعهم وخدع الشعب بما أظهره من تقوى وعبادة وعطاء للغير. وأن ظاهره يخفي شرورًا خفية لا يعملها أحد سوى الله.

يقول الأب هيسيخيوس الأورشليمي بأن أليفاز تحدث في غير خجلٍ مع أيوب بروحٍ غير لائقة، فكان كمن يود أن يطيح بهذا البرج الثابت القوي والراسخ. وقد لاحظ أن أيوب فتح فاه (3: 1)، أما أليفاز فأجاب (4: 1). الأول تحدث في براءة، فتح فاه لينطق بكلمات لكي يجد في أصدقائه تعزية لما حلٌ به، أما أليفاز فأجاب كمن حمل هو وأصدقاؤه في داخلهم صراعًا مريرًا، مشتهين أن يحطموه. جاءت كلمات أليفاز إجابة على تساؤلات في نفسه وثورة في داخله!

إِنِ امْتَحَنَ أَحَدٌ كَلِمَةً مَعَكَ فَهَلْ تَسْتَاءُ؟ وَلَكِنْ مَنْ يَسْتَطِيعُ الاِمْتِنَاعَ عَنِ الْكَلاَمِ! [2]

يبدو أن الأصدقاء بالرغم من صمتهم كانوا يحملون في داخلهم كبتًا لغليان في قلوبهم. يتطلعون إلى أيوب في المزبلة لا بعيني الشفقة، بل بضيقٍ شديدٍ أنه خدعهم وخدع كل من هم حوله، لكن لم يكن ممكنًا للخداع أن يدوم، إذ فضحه الله على شروره وخداعه.

إذ فتح أيوب فمه وتذمَّر، حسبوا أنه قد تجاوز الحٌَد جدًا، ولن يستطيعوا بعد الصمت. إنهم احتملوه طوال الأسبوع حين كان صامتًا، واحتملوا خداعه. الآن بعد أن تذمر وسٌَب يوم ميلاده يحسبون أنفسهم رجال الله المدافعين عن عدل الله وبٌَره!

حسبوا تذمر أيوب وتساؤلاته فيها إهانة لعدل الله، لذا وجب عليهم أن يجيبوا على تساؤلاته في حزمٍ.

يبدأ حديثه بقوله: إن فحص أحد الأمر وتحدث معك بكلمة صريحة، فهل تستاء؟ ولكن حتى إن استأت فإننا لا نستطيع الصمت. يبدو كمن في أدبٍ واحتشامٍ يستأذن أن يتكلم الكل معه. وفى صراحة يحدثه بأنهم مع شعورهم بآلامه غير أنهم لا يستطيعون أن يداهنوه أو يتملقوه. ربما أراد أليفاز أن يطلب من أيوب ألا يسيء فهمهم، فيظن أنهم يقسون عليه، أو أنهم لا يبالون بما يعانيه، فهم لا يودون أن يضيفوا على أحزانه أحزانًا، بل أن يجدوا الباب السليم لعلاج الموقف.

     أليفاز بالكلمات التي ينطق بها يضرب كما ببوق ليعلن الحرب ضد أيوب.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     ليس كل أحدٍ قادرًا على معرفة كيف يخدم من هم في مثل هذه المحن. كثيرون غالبًا ما يضيفون آلامًا إلى الألم، البعض بخسةٍ، وآخرون بغباوةٍ.

من الواضح أن هؤلاء الذين تعهدوا بتقديم كلمات تعزية كانوا بلا خبرة في هذا الأمر، وذلك كالأطباء الذين يزيدون الجراحات. لذلك استحقوا بالحق أن يُدعوا من أيوب أطباء أشرارًا (راجع أي 13:4)، هؤلاء الذين ألهبوا الجرح عن حقدٍ فيهم.

إنه نوع من الخسةٍ أن يظهروا حقدًا بثورةٍ عنيفةٍ، وأن يحسدوا إنسانًا كان منطرحًا على الأرض، ويلقون به في مصاعبٍ لا حصر لها، ذاك الذي كان مستحقًا أن يكون موضع ترفقٍ.

لاحظوا كيف كانت كلماتهم ليست فقط خالية من التعزية، بل وسببت إحباطًا خطيرًا. أثاروا مناقشات طويلة باتهامات متجددة.، لهذا قيل: "لا تضف متاعب أكثر لقلبٍ متضايقٍ" (ابن سيراخ 3:4).

القديس يوحنا الذهبي الفم

جاءت الترجمة السبعينية: "هل تتكلم كثيرا في أسى؟" يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الأسى هنا يقصد بها" الخطية"، وكأنه يقول له: "تحت لسانك مشقة وألم". (راجع مز 10: 7)

     لم يقل أليفاز: هل ترتكب أعمالاً شريرة؟ و إنما قال: "هل تتكلم؟" لأن شهرة حياته كانت مشرقة في طول الأرض وعرضها، ففي كل موضع توجد شهادات عن فضيلته. لم يقل له: لا تقل إن أعمالك صالحة، لأن الخطية أحيانا تنبع من الكلمات.

     "من يحتمل عنف كلماتك" (الترجمة السبعينية)... ماذا قال أيوب؟ لقد ترجى الموت والخلاص من الحياة الحاضرة. هل قال: "لقد لحقت بي شرور كثيرة هكذا بالرغم من بري وفضائلي العظيمة؟" لا، بل قال هكذا: أتوق أن أختفي مع الأشرار، مع خدامي، مع السقط، لأنال ذات ما ناله الأشرار. لم يقل: أنا الذي لي مثل هذه السمات وهذه الأهمية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

 

2. مدحه أيوب


  بدأ أليفاز بمدحه لأيوب من جهة تعليمه وإرشاده وعطائه للكثيرين، وكان لابد أن يبدأ هكذا، لأن حياته العملية تشهد بذلك. فمن جهة أراد أن يبرز أنه إنسان عادل لا يغالط الواقع، ومن جانب آخر أراد أن يستخدم هذا المديح للهجوم على أيوب كرجلٍ باطلٍ.

على أي الأحوال كلمات أليفاز كشفت لنا عن شخصية أيوب كقائدٍ حي يحمل روح الأبوة من جهة اهتمامه بإرشاده للكثيرين، وسخائه في العطاء.

هَا أَنْتَ قَدْ أَرْشَدْتَ كَثِيرِينَ،  وَشَدَّدْتَ أَيَادِيَ مُرْتَخِيَةً [3].

يمتدحه كمعلمٍ ومرشدٍ عملي، فقد علّم الكثيرين وشدَّد الأيادي المرتخية لكي تعمل وتخدم. لكنه كمن يقول له: إن كنت قد شددت الآخرين بغناك، فلماذا لا تقدر أن تشدد نفسك؟

     لنتأمل العلو الشاهق الذي بلغه الرجل، بإرشاده الجهلاء، ومساندته للضعفاء، وتشديده للمتراخين، وذلك وسط اهتمامات بيته، والتزاماته المتعددة، وقلقه نحو أولاده، ومتابعة أعمال كثيرة، فقد كرس نفسه أن يضع الآخرين على الطريق المستقيم. لكن كل الهراطقة والأشرار إذ يسجلون سمو الصالحين يحولون هذا السمو إلى اتهامات..هكذا يبحث (أليفاز) عن فرصة ليسب الطوباوي أيوب من نفس الزاوية التي يروي فيها عن أمور ممدوحة عنه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

شكرًا لأليفاز الذي - وإن كان عن علة وليس عن حب - قدم لنا جانبًا رائعًا من جوانب شخصية أيوب. فإنه كملكٍ أو حاكمٍ أو رئيس قبيلةٍ لم يكن بالرجل المحب للسلطة يأمر وينهي، لكنه في أبوة يرشد وينصح ويشدد الأيادي المرتخية.

فإنه يوجد مرشدون كثيرون لكنهم لا يسندون الضعفاء، ولا يحملون روح الأبوة. يقول القديس بولس: "لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح، لكن ليس آباء كثيرون، لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1 كو 15:4). المرشد الروحي الحقيقي يحمل روح الحق، الروح القدس، روح الحب، الذي يقول عنه السيد المسيح: "متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق" (يو13:16). من يحمل روح الحق يقدم مع الإرشاد عونًا عمليًا، مشددًا الأيادي المرتخية، وكما يقول الرسول: "شجعوا صغار النفوس، أسندوا الضعفاء، تأنوا على الجميع" (1 تس14:5).

يرى القديس أغسطينوس أن هذا هو أسلوب من يقدم الدواء لمواطني مدينة الله أثناء رحلتهم على الأرض، لكي يعمل الروح القدس، واهبًا الشفاء للنفوس المريضة حتى تتمتع بالبلوغ إلى الموطن السماوي[191].

     إن كنا نبغض الأشرار والعصاة، فإننا بالتالي نكره الخطاة. هكذا، فإنه بالتبعية تجد أنك قد قطعت نفسك من أغلب اخوتك، بالحقيقة تقطعها من الجميع، فإنه لا يوجد أحد بلا خطية.

إن كان يلزمنا أن نكره أعداء الله أشر من الوحوش المفترسة، فإننا نأنف من الكل وننتفخ بالكبرياء مثل الفريسي.

يأمرنا بولس بغير هذا: "أنذروا الذين بلا ترتيب، شجعوا صغار النفوس، أسندوا الضعفاء، تأنوا على الجميع" (1 تس 5: 14)[192].

     "وإن كان لكم ربوات من المرشدين... لكن ليس آباء كثيرون" (1 كو 15:4)... لا يطلب بولس هنا أية كرامة، بل بالحري يظهر عمق حبه. فالكرامة خاصة بالمرشد، والحب علامة الأب[193].

القديس يوحنا ذهبي الفم

قَدْ أَقَامَ كَلاَمُكَ الْعَاثِرَ، وَثَبَّتَّ الرُّكَبَ الْمُرْتَعِشَةَ [4].

كم شدد أيوب الأيادي المرتخية للعمل اللائق، أمسك بأيدي المتعثرين ورفعهم من التراب، وشدَّد ركبهم لتحملهم على السير في طريق الحياة بقوة الله. هكذا مدحه أليفاز حتى متى وبخه لا يظن أيوب أنه متحامل عليه، أو متجاهل ماضيه بكل حسناته. لقد عزى أيوب الكثيرين، فيستحق أن يجد من يعزيه.

يرى بعض المفسرين أن أليفاز أورد هذا لتوبيخ أيوب، وكأنه يقول له:

[أنت الذي أرشدت الكثيرين، لماذا لا ترشد نفسك؟

وشددت أيادي متراخية، فلماذا لم تجد راحة لضعفك؟

وإن كنت قد اعنت العاثرين بالكلام، فلماذا أنت منطرح على الأرض بجسدك كما بنفسك؟

إن كنت قد ثبَّت الركب المرتعشة، فلماذا لم تشجع نفسك، بل أنت منهار أمام الأمراض التي حلت بك، سالكًا كما لو كنت مفلوجًا؟

أليس هذا دليلاً على ريائك، لأنك تقدم الدواء لغيرك وترفض أنت أن تقبله للشفاء من مرضك؟ الذي تعلم غيرك ألا ينهاروا هل أنت تنهار؟ "أيها الطبيب أشفِ نفسك" (لو 4: 22).

أنظر فإن حديثك السابق ربما كان باطلاً، أما الخير الذي فعلته ففيه غباوة!]

     إن إهمالنا لاخوتنا ليس بالخطأ الهين، إنما يجلب علينا عقوبة عظيمة وتأديبًا بغير رحمة...

مداومة النصيحة والتعليم تجعل الإنسان مجتهدًا، وتصيره إلى حال أفضل، وفي هذا أقتبس المثل العام الذي يؤكد هذه الحقيقة وهو أن "قطرات الماء المتواترة تشقق الصخر".

أي شيء ألين من الماء؟! وأي شيء أصلب من الصخر؟! ومع هذا موالاة العمل باستمرار يغلب الطبيعة. فإن كان هذا بالنسبة للطبيعة، أليس بالأولى تغلب الطبيعة البشرية؟!...

يا له من جزء كبير من جسد الكنيسة يشبه الميت الذي بلا حراك!!

تقولون: وماذا يخصنا نحن في هذا؟

إن لديكم إمكانية عظمي بخصوص إخوتكم. فإنكم مسئولون إن كنتم لا تنصحونهم، وتصدون عنهم الشر، وتجتذبونهم إلى هنا بقوة، وتسحبونهم من تراخيهم الشديد. لأنه هل يليق بالإنسان أن يكون نافعًا لنفسه وحده، ولا يكون نافعًا لنفسه ولكثيرين أيضًا؟

لقد أوضح السيد المسيح ذلك عندما دعانا "ملحًا" (مت 5: 13)، و"خميرة" (مت 13: 33)، و"نورًا" (مت 5: 14)، لأن هذه الأشياء مفيدة للغير ونافعة لهم.

فالمصباح لا يضيء لذاته بل للجالسين في الظلمة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وأنت مصباح، لا لتتمتع بالنور وحدك، إنما لترد إنسانًا ضل، لأنه أي نفع لمسيحي لا يفيد غيره؟! ولا يرد أحدًا إلي الفضيلة؟!

مرة أخرى، الملح لا يُصلح نفسه بل يصلح الطعام لئلا يفسد ويهلك... هكذا جعلك الله ملحًا روحيًا، لتربط الأعضاء الفاسدة أي الأخوة المتكاسلين المتراخين، وتشددهم وتنقذهم من الكسل كما من الفساد، وتربطهم مع بقية جسد الكنيسة.

وهذا هو السبب الذي لأجله دعانا الرب "خميرًا"، لأن الخميرة أيضًا لا تخمر ذاتها، لكن بالرغم من صغرها فإنها تخمر العجين كله مهما بلغ حجمه. هكذا افعلوا أنتم أيضًا. فإنكم وإن كنتم قليلين من جهة العدد، لكن كونوا كثيرين وأقوياء في الإيمان والغيرة نحو الله. وكما أن الخميرة ليست ضعيفة بالنسبة لصغرها، إذ لها قوة وإمكانية من جهة طبيعتها... هكذا يمكنكم إن أردتم أن تجتذبوا أعدادًا أكثر منكم ويكون لهم نفس المستوى من جهة الغيرة...

من أجل هذا لا تجتمعوا هنا باطلاً. بل لا أكف عن أن أتوسل إليكم بكل غيرةٍ كما كنت أفعل من قبل قائلاً: "تعالوا بإخوتكم إلى هنا. أرشدوا إلى هنا. أرشدوا الضالين. علموهم بالعمل لا بالكلام فقط"...

ليت إله السلام والمحبة، الذي ينزع عن أرواحنا كل حنقٍ ومرارةٍ وغضبٍ، يتنازل ويهبنا - بارتباطنا مع بعضنا البعض في وحدة تامة كما ترتبط الأعضاء مع بعضها البعض (أف 4: 16) - أن نقدم له باتفاقٍ واحدٍ وفمٍ واحدٍ وروحٍ واحدٍ تسبيح شكرنا الواجبة له[194].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إن تجاهلنا نية أليفاز فإننا نجد شهادة حية لرجل تقي لا ينتسب لإسحق بن إبراهيم، ملك وليس كاهنًا لشعبٍ ما، ومع هذا فقد وضع في قلبه التقي مساندة المتعثرين وتشديد الركب المرتعشة. إنه سيَدين الكثيرين من خدام الله وكهنته في العهد القديم كما في العهد الجديد. فليس من عملٍ رعويٍ أعظم من الانحناء نحو الساقطين أرضًا لنمسك بأياديهم ونقوم معهم. فإن كان الكلمة الإلهي قد تجسد ونزل إلى أرضنا في تواضعٍ، وحملنا فيه إلى السماء، هكذا يليق بكل خادمٍ، بل وبكل مؤمنٍ أن يسند ويعين حتى يتمتع الكل بالشركة مع الله.

لقد قدم لنا أليفاز بعرضه لسمات أيوب منهجًا حيًا للرعاية بل وللحياة الإيمانية، وكيف يهتم كل مؤمن بحياة أخيه خلال الحب، دون تجاهل لاهتمامه بخلاص نفسه وخلاص أهل بيته.

 

 

3. توبيخه على عدم ثباته


وَالآنَ إِذْ جَاءَ عَلَيْكَ ضَجِرْتَ! إِذْ مَسَّكَ ارْتَعْتَ! [5]

يوبخ أليفاز أيوب قائلاً له إنه إذ جاء دوره ليشرب كأس الضيق خرّ وضجر وارتعب. هنا يبدأ الهجوم ليتهمه بالرياء. كأنه يقول له: حين كنت في رخاءٍ كنت تجيد التعليم، لكن إذ سقطت فيما يسقط فيه غيرك انفضح ضعفك، ونفد صبرك.

     يحارب أصحاب الأذهان المولعة بالجدال حياة الأبرار بطريقتين. إما بتأكيد أن ما ينطقون به خطأ، أو أنهم ينطقون بالحق الذي لا يلاحظونه في سلوكهم. هكذا وُبخ الطوباوي أيوب من أصحابه على طريقة حديثه. يشجعونه لأنه ينطق بأمور صادقة، لكنه لا يحفظها هو... لاحظوا كيف امتدحوه أولاً على لسانه، ثم اشتكوا من ضعف حياته. فإن الأشرار لكي لا يُظهروا أنفسهم أنهم أشرار يقولون أحيانًا أمورًا صالحة عن الأبرار، إذ يعلمون أن الغير يعرفون عنهم هذا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يبرر القديس يوحنا ذهبي الفم ضيق أيوب وتصرفاته، إذ هي رد فعل طبيعي لكثرة الكوارث وشدتها وسرعة حدوثها فجأة، هذا بجانب تصرفات أصدقائه واتهاماتهم له بطريقة مثيرة.

لا يمكننا ان نتجاهل أنه يليق بالقائد وهو في مركز القائد والمرشد والأب ألا يضطرب سريعًا أمام المحن، ليكون سٌر قوة وتعزية لغيره.

v     ليس هناك من يلحق الأذى بالكنيسة أكثر من أولئك الذين لهم صورة القداسة ولقبها ولكنهم يتصرفون تصرفًا فاسدًا. ومن الخطأ الفادح أن نعهد بمكانة الرعاية إلى شخصٍ مقصرٍ حيث أن الرعاية هي القدوة. إساءة اختيار الراعي ينتج عنه عواقب وخيمة، إذ أنه وهو في الخطية، يأخذ كرامة من أجل هذه المكانة التي أخذها. فليهرب كل إنسان غير مستحق من ثقل هذا الإثم العظيم وليتأمل مصغيا بأذني قلبه لهذا الصوت القائل: "ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخير له أن يُعلق في عنقه حجر الرحى، ويغرق في لجة البحر." (مت 18: 6، لو 17: 2). هنا يرمز حجر الرحى إلى دوامة الحياة، وتشير لجة البحر إلى الهلاك الأبدي. إنه من الأفضل كثيرًا أن يهلك إنسان علماني بمفرده لبس ثوب القداسة صوريًا من أن يخلع هذا الإنسان على نفسه ثوب الرعاية ويُهلك الآخرين بقدوته الشريرة. وإني على يقين من أن عقاب الجحيم سيكون أخف وطأة لو سقط هذا الإنسان فيه بمفرده دون أن يكون سببًا في سقوط آخرين معه[195].

البابا غريغوريوس (الكبير)

     بالرغم من أنه قد يحفظ الإنسان نفسه نقيَّة من الخطيَّة. ولو في درجات سامية، لكنَّني أعرف أن من كان هذا حاله لا يقدر أن يقود الآخرين إلى الفضيلة. فمن تسلَّم رعاية شعب لا يكفيه التحرَّر من الخطيَّة... بل يلزمه أن يرتفع في صنع الخير كقول الوصيَّة "حد عن الشر وافعل الخير" (مز ٣٧: ٢٧).

فينبغي عليه، لا أن تُمسح آثار الرذيلة من روحه فقط، بل وتكون مزودة بالفضائل، حتى يفوقهم بالحري في الفضيلة أكثر من سموُّه عليهم من جهة الكرامة.

يلزمه ألاَّ يعرف حدودًا لصنع الخير أو النمو الروحي، ولا يظنه ربحًا عظيمًا مجرَّد تفوقه على العاديِّين.

يجب ألاَّ يقيس نفسه بالآخرين، أشرارًا كانوا أو إلى حد ما متقدمين روحيًا، بل يقيس نفسه على ضوء الوصايا. فلا يقيس الفضيلة في ميزان صغير، طالما هي نابعة من الله الأعظم إذ "منه وبه وله كل الأشياء" (رو ١١: ٣٦).

القدِّيس غريغوريوس النزينزي

 أَلَيْسَتْ تَقْوَاكَ هِيَ مُعْتَمَدَكَ،  وَرَجَاؤُكَ كَمَالَ طُرُقِكَ؟ [6]

هنا يوبخه على ما أظهره من تقوى أثناء رخائه، فأين هذه التقوى؟ وأين رجاؤك واستقامة طريقك؟ أليست هذه كلها ادعاءات باطلة لا جذور لها في أعماقك؟

لقد تمم أليفاز عمل الشيطان وخدم مصالحه، إذ أراد أن يثير أيوب على التجديف على الله، باتهامه بالرياء، وأن تقواه ورجاءه واستقامته هذه كلها كانت مظاهر باطلة.

     "أليست تقواك قامت على الغباوة، وأيضًا رجاؤك وكمال طريقك؟" (LXX) بهذا يطلب أن يشوه أعماله الفاضلة السابقة... إنه يطعن في نية أيوب وهو يعمل. إنه يعنى إما أنك لم تعمل أو أن حياتك مملوءة خداعًا، أو أنك لم تتقِ الله بنية مستقيمة، بل كان كله كلامًا مجردًا. رجاؤك بلا تعقل، إنه مملوء غباوة... لو إن أعمالك صادقة، وحياتك نقية، ما كنت تخشى هذه الشرور...

ها أنتم ترون كيف يهاجمه أليفاز، يصارعه، ويبذل كل الجهود ليبرهن أن حماقته جلبت عليه هذه الأتعاب...

"بوصايا الرب يبيدون" (9 LXX). لاحظوا أمرًا آخر.. يقول: لا تظنوا أن الشياطين والناس الأشرار المملوئين حقدًا مسئولون عما حلّ بك. فإن الله يؤدبك، لهذا فإن التأديب عن عدلٍ دون جدالٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على هذه العبارة :"أين خوفك (تقواك)، وقوتك، وصبرك، وكمال طرقك؟" بأنه وإن كان قد سبّه عن غير حقٍ إلا أنه وصف بدقة تدبير الفضائل وسُلمها أو درجاتها، وهو مخافة الرب، ثم الثقة في الله، فالصبر، وأخيرًا بلوغ الكمال:

أ. المخافة الربانية أو التقوى هي بدء الطريق. "في مخافة الرب ثقة شديدة" (أم 14: 26).

     ليتنا لا نحسب الغنى أمرًا صالحًا للغاية، فإن الصلاح العظيم، لا أن تملك مالاً، بل تقتني مخافة الرب وكل دروب التقوى[196].

     الخوف ليس بأقل من السور والحماية والبرج المنيع[197].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

ب. خلال مخافة الرب نعبر إلى القوة أو "الثقة القوية في الله" هذه التي لا تظهر إلا في المحنة.

     مخافة الرب تحوي كل تلك المتطلبات (للفرح المستمر). لأن الإنسان الذي يخاف الرب كما يليق، ويثق فيه، يجمع كل مصادر السعادة، ويقتني الينبوع الكامل للبهجة. كما أن نقطة ماء تسقط في محيط متسع سرعان ما تختفي، هكذا مهما حلّ بمن يخاف الرب يتبدد ويزول في محيط الفرح الهائل.

حقًا إنه لأمر عجيب للغاية، فإنه مع وجود ما يسبب الحزن تجد الإنسان متهللاً. فإنه إذ لا يوجد شيء ما يجلب حزنًا، فإن هذا المر يكون بلا قيمة عنده مقابل تمتعه بالفرح الدائم[198].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ج. خلال الثقة في الرب يتمتع المؤمن بالصبر. فالإنسان يتزكى بمعنى الكلمة وينمو في القوة باحتماله أخطاء الغير. فمن لا يقدر على مواجهة من يعارضه يُجرح بسيف الجُبن.

     لمدة أربعة أيام نحن مشغولون في شرح مثل لعازر (والغني)، مقدمين الكنز الذي نجده في جسم مُغطى بالقروح. كنز ليس من ذهب وفضة، بل من الحكمة والتجلد، من الصبر والاحتمال[199].

القديس يوحنا الذهبي الفم

د. أما الصبر فيقود إلى الكمال. فالإنسان يكون بالحق كاملاً متى كان طويل الأناة على ضعفات الغير. "بصبركم تقتنون أنفسكم" (لو 21: 19).

هذا هو سلم الكمال: مخافة الرب وتقواه تهبنا الثقة فيه، وهذه تهبنا قوة وسط المحن، هذه القوة تقدم لنا صبرًا في احتمال الغير بضعفاتهم، وبهذا الصبر نبلغ طرق الكمال.

     يوجد شكلان للكمال، شكل عادي، وآخر علوي. واحد يُقتني هنا، والآخر فيما بعد. واحد حسب القدرات البشرية، والآخر خاص بكمال العالم العتيد، أما الله فعادل خلال الكل، حكيم فوق الكل، كامل في الكل[200].

القديس أمبروسيوس

     يتحدث الرسول عن نفسه أنه كامل وغير كامل. فيحسب نفسه غير كاملٍ، متطلعًا كم من برّ لا يزال ينقصه، لكنه كامل حيث لا يستحي من أن يعترف بعدم كماله وأنه يتقدم لكي يبلغ الكمال[201].

القديس أغسطينوس

 

 

 

4. مبدأ لاهوتي عام


اُذْكُرْ مَنْ هَلَكَ وَهُوَ بَرِيءٌ، وَأَيْنَ أُبِيدَ الْمُسْتَقِيمُونَ؟ [7]

يقدم أليفاز برهانًا عمليًا على ما وجهه إليه من اتهام. فإنه – في رأى أليفاز - لا يوجد إنسان بار قد هلك، ولا مستقيم قد أُبيد. يطلب منه مثلاً واحدًا خلال خبرة أيوب الطويلة في كل عمره عن بارٍ أو مستقيمٍ قد حلّ به ما حلّ بأيوب.

هذا مبدأ لاهوتي أخلاقي كان سائدًا في أذهان الكثيرين، فإنه حتى بعد الشريعة كان داود يدهش معاتبًا الرب كيف يُنجح طريق الأشرار، ويسمح بالضيقات للأبرار. لكن سرعان ما يكتشف الحقيقة، فإنه حتمًا ينال الأبرار مكافأتهم السماوية، ويسقط الأشرار المصرون على شرهم تحت الدينونة. يقول المرتل: "لا تغر من الأشرار، ولا تحسد عمال الإثم، فإنهم مثل الحشيش سريعًا يُقطعون، ومثل العشب الأخضر يذبلون... قد رأيت الشرير عاتيًا وارفًا مثل شجرة ناضرة، عبر فإذا هو ليس بموجود، التمسته فلم يوجد... أما خلاص الصديقين فمن قبل الرب، حصنهم في زمان الضيق" (مز 37).

حديث أليفاز صادق لو أنه قصد بالهلاك والإبادة ما هو أبدي، أما أن يطبقه على النكبات الزمنية فغير صحيح. لهذا فإن حديثه لا ينطبق على أيوب إذ لم يكن قد هلك أبديًا.

يقول النبي: "باد الصديق" (إش 57: 1). ويقول الحكيم: "حادثة واحدة للصديق وللشرير" (جا 9: 2)، حتى تنتهي الحياة الزمنية وفي يوم الرب ينفصل هذا عن ذاك.

     "أي بريء يهلك؟ وأين يبيد المستقيمون؟" لكن غالبًا ما يحدث في هذه الحياة أن يهلك البريء، ويبيد المستقيمون تمامًا، لكن في هلاكهم يُحفظون للمجد الأبدي. لو أن ليس من بريء يهلك، لما قال النبي: "باد الصديق، وليس أحد يضع ذلك في قلبه" (إش 57: 1). لو أن الله في عنايته لم يبد المستقيمين لما قالت الحكمة عن الصديق: "نعم بسرعة قد أُخذ، لئلا يحول الشر فهمه" (حك 4: 11).

البابا غريغوريوس (الكبير)

     الإنسان الشرير غير المؤمن حتى إن افترضنا أنه يلتحف بجسمٍ سماويٍ يبقى عاريًا لأنه لا يفعل شيئًا لينال رداء الإنسان الداخلي[202].

القديس ديديموس الضرير

     يا لنفع التجارب والآلام التي يحسبها البعض شريرة، فلا يحاول القديسون تجنُّبها، بل بالحق يطلبونها بكل قوتهم، محتملين إياها بشجاعة، وبهذا يصيرون أحباء لله، ويحصلون على إكليل الحياة الأبديّة... ويتغنى الرسول الطوباوي قائلاً: "أُسر بالضعفات والشتائم والضرورات والضيقات لأجل المسيح. لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (٢ كو ١٢: ١٠)[203].

الأب تادرس

كَمَا قَدْ رَأَيْتَ أَنَّ الْحَارِثِينَ إِثْمًا  وَالزَّارِعِينَ شَقَاوَةً يَحْصُدُونَهُمَا [8].

يعتمد أليفاز في حججه على عاملين رئيسيين: خبرته وملاحظاته الشخصية: "كما قد رأيت" [8]، ورؤى الليل [13 الخ].

ظن أليفاز أنه خلال ملاحظاته يقدم نظرية دقيقة، فقد وجد خلال إحصائياته أن الأشرار تحل بهم الكوارث بما يتناسب مع شرورهم أي في عدالةٍ، لكن أيوب كذَّب هذه النظرية (17:21 الخ).

يبدو أن أليفاز لم يتفاعل مع شدة الضيق الذي حلّ بأيوب، فحسب أن ما حلٌ به آلام بسيطة تتناسب مع شروره الخفية، أما شره الخطير فهو مبالغته في التذمر على الله.

بهذا كان أليفاز يترجى أن يقدم أيوب توبة عن شروره الخفية فتزول عنه الضيقات، أما سبه ليوم ميلاده، فهذا ما يحطمه تمامًا!

يتحقق هذا يوميًا فما يزرعه الإنسان إياه يحصد، وكما كتب الرسول بولس: "إذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقًا" (2 تس 1: 6). وقيل: "إن كان أحد يجمع سبيًا، فإلى السبي يذهب، وإن كان أحد يقتل بالسيف، فينبغي أن يُقتل بالسيف" (رؤ 13: 10). لكن الله في طول أناته ينتظر توبة الأشرار، وفي محبته يسمح بالضيق للأبرار لكي يتزكوا.

كان أصدقاء أيوب يضغطون عليه، أولئك الذين جاءوا لتعزيته! وكأعداءٍ كانوا يزعجونه بكلمات مرّة.

     التعزية الوحيدة للذين يجدون أنفسهم في بؤسٍ وحزنٍ، هي أن يتبرأوا من الذنب، حتى لا يظهروا وقد حملوا آلامهم ومصائبهم كعقابٍ للخطية. لكن كان يبدو على أصدقائه أنهم يحاولون نزع حتى هذه التعزية من القديس أيوب، ليبدو أنه هو المسبب لتعاسته، كمن جلب غضب الرب بآثامه الخطيرة، وأنه يتكبد تلك الضيقات ثمنًا لأعماله الشريرة! وقد وصفوا عقوبات الأشرار (قابل أي 8:4-9)، الذين غرسوا رذائل، فحصدوا أحزانًا لأنفسهم! هؤلاء هلكوا بأمر الله، لأنهم فنوا بنسمة غضبه، التي هبت على الساكنين بيوتًا من طين فذبلوا (قابل أي 19:4، 21 LXX)، وينبذ الله تخطيطات الماكر، ويسد فم الشرير (قابل أي 13:5، 16LXX )، وما زعمه الأصدقاء كان صحيحًا فيما يختص بقوة الرب، لكنه غير صحيح بالنسبة لاستحقاقات ذلك الإنسان العظيم البارة[204].

القديس أمبروسيوس

بِنَسَمَةِ اللهِ يَبِيدُونَ، وَبِرِيحِ أَنْفِهِ يَفْنُونَ [9].

كل ما يدبره الأشرار ويخططون له يبيد بنسمة من الله، فتفشل كل تدابيرهم الشريرة. هذه حقيقة، إن الله يطيل أناته على الأشرار كما أطال أناته على فرعون مصر أيام موسى النبي، لكن إذ يمتلئ كأس شرهم يبيدهم حتى لا تستقر عصا الخطاة على الصديقين، فأهلك فرعون وجيشه في بحر سوف. هذا لا ينطبق على أيوب، لأن ما حلٌ به كان لتزكيته وليس لأبادته.

أراد أليفاز أن يُرعب أيوب أن ما حلٌ به من كوارث مُرة ليست إلا البداية، وأنه إن لم يعترف بشروره الخفية، وينزع عن كبريائه فمصيره الإبادة والفناء.

     (كأن أليفاز يتهمه هكذا:) إنك لست كما تظن في نفسك، في كبريائك، فإنك تسعى بالخداع أن تجعل الآخرين يحسبونك هكذا. أنظر ما قد صنعت حقًا كما هو واضح من فساد جسدك. كما هلك نسلك أيضًا، وأفضل ثروتك، وكل مالك، وتاج ميراثك. فإنك بالحق لست طاهرًا، وحقًا كما تظن. يا لك من مريض في هذا الأمر... فإنه ليس ظلمًا وبلا سبب قد ابتلعتك هذه المصائب، وإنما هي متناغمة مع العدالة، إذ صوبها الله عليك.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

على كل الأحوال، إن كان كل من الصديق والشرير يتعرض للتجارب والضيقات، فإن الأول تتهلل نفسه داخله وسط الآلام لأنه يتقبل الضيقات من يدي الله لتنقيته وتزكيته. أما الشرير فإنه يئن في داخله، ويجد نفسه كمن سقط في شبكة، وله أن يراجع نفسه فيرجع إلى الرب مخلصه، أو يصمم في غباوة وعناء على شره، فيسقط في مرارة في هذا العالم كما في الدهر الآتي.

     "الرب يمتحن الصديق، أما الشرير ومحب الظلم فتبغضه نفسه" (مز 5:11)... إنه يزكي صديقيه بامتحانهم، أما الأشرار فيبغضهم. نفسه تمقت الأشرار المحبين للظلم...

إنه ديان للصديقين والأشرار، فيُدان الأشرار لأنهم بحبهم للظلم يمقتون أنفسهم... وكما يقول سليمان في الأمثال: "من يرفض التأديب يرذل نفسه" (أم 32:15). إن كان الذي يحب الظلم يحتقر نفسه، فإن من يحب البرّ يحب نفسه"؛ وهذا يتناغم مع المثل: "من يقتني الحكمة يحب نفسه" (راجع أم 8:19)...

"يمطر على الأشرار فخاخًا" (مز 6:11). بلا شك، لأنه الرب الذي يقيم فخاخًا للخطاة أنفسهم، لكي يصطاد هؤلاء الذين أفسدوا حريتهم ويلزمهم أن يسلكوا الطريق المستقيم تحت لجامه، فيعطيهم إمكانية التقدم بالقائل: "أنا هو الطريق" (يو 6:14)[205].

     "ما أحلى مساكنك يا رب الجنود!" (مز1:84)، ففيها يتحول سكن الإنسان من الأرض إلى السماء... العقل والقلب المملوءان بالشوق إلى مسكن الرب مثمران وسعيدان! عندما يحل الموت بالخاطي لا يجد فكره مشغولاً بهذا المسكن بل بالعقوبات. إنه لا يتأمل في ملكوت السماوات، بل في رعب لهيب جهنم[206].

     "الأشرار كالتراب الذي يذريه الريح" (مز 4:1). يقول الكتاب المقدس إن الشرير سيكون بائسًا، فلا يكون حتى كتراب الأرض. فالتراب يبدو كأن ليس له كيان، لكن حتمًا له نوع من الوجود في ذاته... إنه يتبعثر هنا وهناك وليس له موضع واحد بل يجرفه الريح، وليس له قوة للمقاومة. نفس الأمر بالنسبة للشرير. ما أن ينكر الله حتى تجرفه نسمة الشيطان بالضلال ويلقيه أينما أراد[207].

     بائس هو الإنسان الذي له أقنعة للشر، وسعيد هو الإنسان الذي له أقنعة كثيرة للصلاح[208].

القديس جيروم

زَمْجَرَةُ الأَسَدِ وَصَوْتُ الزَّئِيرِ،  وَأَنْيَابُ الأَشْبَالِ تَكَسَّرَتْ [10].

يشبه الظالمين والمضطهدين القساة بأسودٍ مزمجرة زائرة. خلال العدالة الإلهية يتوقف صوت زئيرهم، فلا يعود صوتهم يرعب في البرية أو الغابات. وأسنانهم تتكسر فيعجزون عن التمزيق، أي ينزع الله عنهم سلاحهم، ولا يعودون بعد قادرين على الافتراس [11] فيموتون جوعًا، ولا يتركون أشبالاً تخلفهم.

ربما أراد أليفاز أن يتهم أيوب بطريقة غير مباشرة، فيعلن له أنه كان كأسدٍ مفترسٍ، ليس في المنطقة من يقف أمام سطوته. كلماته كانت كزئير الأسد المرعب، ينهب ويفترس في ظلم واستبداد. لكن هوذا سطوته قد زالت، وثروته تبددت وأسرته قد ضاعت، ولا يوجد له ابن واحد كشبلٍ يحتل مركزه.

هكذا تحول أليفاز من المدح إلى الذم.

اَللَّيْثُ هَالِكٌ لِعَدَمِ الْفَرِيسَةِ، وَأَشْبَالُ اللَّبْوَةِ تَبَدَّدَتْ [11].

     من الأهون على الأسد أن يجبُن عن أن يسلك البار حياة سهلة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     يقارن أليفاز أيوب بأسدٍ بسبب قوته الملوكية، لكنه بحقٍ يضيف: "زمجرة اللبوة" (الترجمة السبعينية)، ملمحًا إلى عظمة فضيلة أيوب. أيضًا أضاف "غطرسة التنانين" إذ أرادت أن تتحدث عن روحه، إذ دعا هذا الوحش (التنين) ملكًا بين الزواحف. على أي الأحوال يقول أليفاز إن هذا كله ينكسر، إنها تطأ على آلام البار...

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

 

 

5. تعزيز رأيه برؤيا

 
ثُمَّ إِلَيَّ تَسَلَّلَتْ كَلِمَةٌ، فَقَبِلَتْ أُذُنِي مِنْهَا هَمْسًا [12].

يروى هنا أليفاز لأيوب رؤيا شاهدها، يقدمها لإدانته. يرى البعض أن الله قد وهب أليفاز هذه الرؤيا ليهدئ نفسه، عندما سمع عما حلّ بأيوب. وأن هذه الرؤيا شاهدها قبل التقائه بأيوب المُجرب.

قدمت له هذه الرؤيا سرًا ككلمة تسللت إليه، كمن يهمس في أذنيه.

في تواضع اعترف أليفاز أنه قبل نصيبًا قليلاً من السرّ الإلهي ولم يدرك الرؤيا كلها كما ينبغي.

فِي الْهَوَاجِسِ مِنْ رُؤَى اللَّيْلِ، عِنْدَ وُقُوعِ سُبَاتٍ عَلَى النَّاسِ [13].

في وسط الليل حين هدأ الناس ووقعوا في سبات، أي ناموا، كان أليفاز منشغلاً بما هو وراء ما حدث لأيوب، فأظهر له الله هذه الرؤيا. يدعونا المرتل داود أن نتكلم في قلوبنا مع الله، ونصمت حتى يتكلم الله معنا: "تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم، واسكتوا" (مز 4: 4). وكما يقول القديس مار اسحق السرياني: "ليسكت فمك، فيتكلم قلبك، وليسكت قلبك فيتكلم الله".

يليق بنا في الليل أن نذكر الله ونلهج بشريعته فيُعلن لنا أسراره وحكمته. "إذا ذكرتك على فراشي، في السهد ألهج بك" (مز 63: 6).

أَصَابَنِي رُعْبٌ وَرَعْدَةٌ، فَرَجَفَتْ كُلُّ عِظَامِي [14].

يبدو أنه قبل أن يشاهد الرؤيا شعر برعدة تهز كل عظامه. امتلأ قلبه بمخافة الرب، وأدرك عظمته، وشعر بأنه أصغر من أن يعاتب الله. بهذا تهيأ لقبول الرسالة الإلهية. يحثنا المرتل: "اعبدوا الرب بخوفٍ واهتفوا برعدةً" (مز 2: 11).

فَمَرَّتْ رُوحٌ عَلَى وَجْهِي.  اقْشَعَرَّ شَعْرُ جَسَدِي [15].

مرّ بأليفاز روح، غالبًا ما كان ملاكًا مرسلاً من قبل الله، لخدمة الكلمة. وقد اقشعر شعر جلده، إذ صار السمائيون موضع رعب للإنسان منذ سقوط آدم، يخشى بلوغه رسالة مؤلمة، لا يتوقع أخبارًا طيبة.

في القديم التزم اللاويون أن يحلقوا كل شعر أجسادهم (عد 8: 7) بكونه يمثل أمورًا جسدية لا لزوم لها. هكذا أليفاز إذ يحمل شرًا نحو أيوب، لم يحتمل الروح يمر أمام وجهه، ففقد سلامه واضطرب كل كيانه حتى اقشعر شعر جسمه، علامة كمال اضطرابه حتى بالنسبة لما هو زائد في جسمه.

وَقَفَتْ، وَلَكِنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَنْظَرَهَا. شِبْهٌ قُدَّامَ عَيْنَيَّ [16].

رأى أليفاز الملاك بصورة جلية، جاز به قدامه كما لو كان خيالاً، "شبه قدام عيني"، أو كمن يرى في مرآة، لا يقدر أن يصفه "لم أعرف منظرها".

جاءه الصوت خفيفًا، فإننا لا نسمع صوت الله الهادئ وسط الضجيج. فلم يلتقِ إيليا بالله وسط العاصفة، وإنما خلال الريح الهادئ الخفيف (1 مل 19: 11-13).

حمل أليفاز أفكارًا جسدانية مُرة من نحو أيوب، لذلك إذ عبر به الروح لم يستطع بفكره الجسداني أن يرى الأمور الروحية، إنما رأى ما هو أشبه بخيالات، ولم يقدر أن يميز صوت الروح الذي كان منخفضًا، لم تقدر أذناه على تمييزه. هكذا اعترف أليفاز دون أن يدري أنه فقد سلامه، فصارت رؤى الليل هواجس مزعجة. لم يستطع أن ينام ويستريح بينما كان البشر نائمين في سباتٍ. ارتجفت عظامه، واقشعر شعر جسمه، وارتبك ذهنه بخيالات. هذا ثمر الإنسان الفاسد الذي يحول الحق إلى باطل، ويفتري على إخوته ظلمًا.

سَمِعْتُ صَوْتًا مُنْخَفِضًا: 

 أَالإِنْسَانُ أَبَرُّ مِنَ اللهِ، أَمِ الرَّجُلُ أَطْهَرُ مِنْ خَالِقِهِ؟ [17]

جاءت الرسالة لتوبيخ أيوب بسبب تذمره، فهو لا يجسر أن يدعي بأنه أبرّ من الله، ولا أطهر منه.

"ويل لمن يخاصم جابله... هل يقول الطين لجابله: ماذا تصنع؟" (إش 45: 9).

"أبرٌ أنت يا رب من أن أخاصمك" (إر 1:12).

"لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حيٌ" (مز 2:143).

"ليكن الله صادقًا، وكل إنسان كاذبًا، كما هو مكتوب لكي تتبرر في كلامك وتغلب متى حوكمت" (رو 4:3).

"لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسدٍ لا يتبرر أمامه" (رو 20:3).

     لكي يكون الإنسان بارًا يلزمه أن يحفظ الناموس في كل شيءٍ، الأمر الذي يكاد يكون مستحيلاً أن تحققه الطبيعة البشرية. فإذ كل إنسانٍ كاذب، لهذا فإنه في ذلك اليوم حين يأتي الرب ليدين البشرية، هو وحده يتبرر فيما يقوله، إذ كلماته حق في كل شيءٍ، هي كلمات الحق[209].

 العلامة أوريجينوس

     إنني لا أثق في نفسي، بل أطلب المراحم التي للحق والعدل الذي لك. "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك" (مز 2:143). كيف يعلن النبي بكل وضوح ثقته في حنو المسيح، عندما يقول: "لا تستدعِ عبدك للمحاكمة أمامك"[210].

 القديس جيروم

     إن كان كل إنسانٍ كاذبًا، والله وحده هو حق، ماذا يليق بنا نحن خدام الله وأساقفته أن نفعل سوى أن ننبذ الأخطاء البشرية ونطيع وصايا الرب؟[211]

 الشهيد كبريانوس

هُوَذَا عَبِيدُهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ، وَإِلَى مَلاَئِكَتِهِ يَنْسِبُ حَمَاقَةً [18].

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم إنه يتحدث هنا عن القوات السمائية، فإن الله لا يأتمنهم بمعنى أن طبيعتهم غير معصومة من الخطأ.

يقول القديس باسيليوس في رسالته إلى أمفيليكوس إن للقوات السمائية حرية الإرادة ويمكن أن يميلوا إلى الخير أو إلى الشر، لذا فهم في حاجة إلى مساعدة الروح.

كما يقول في مقاله الثالث ضد أونوميوس إن السلاطين والرئاسات الخ. لهم القداسة من جهادهم وتأملهم المستمر في الله، وليسوا قديسين من طبيعتهم الذاتية، وإنهم إذ يتوقون إلى الصلاح، ينالون القداسة حسب درجة محبتهم الخالصة لله.

وفي مقاله عن الثالوث يقول إن هؤلاء العلويين يستمدون القداسة من الروح القدس حسب رتبة كلٍ منهم. بهذا يظهر أنهم ليسوا صالحين بالطبيعة، بل بالحرية التي تجتذبهم إلى الصلاح والنعمة.

ما يحفظ الملائكة الآن من السقوط هو أن تأملهم في الله ينمو ويتزايد، والأمر الثاني إدراكهم للتجربة التي حلت بالطغمات الملائكية الساقطة بسبب كبريائهم، هذا مع مقاومتهم المستمرة للملائكة الأشرار يزيدهم شوقًا للصلاح وتذكية أمام الله.

     تمثل الزنابق جمال الملائكة السمائيين البهي، الذين ألبسهم الله بهاء مجده. إنهم لم يتعبوا ولا غزلوا، إذ تقبلوا من البدء ما هم عليه دائمًا. وإذ في القيامة يصير الناس كالملائكة أراد أن نترجى جمال الثوب السماوي، فنكون كالملائكة في البهاء[212].

القديس هيلاري

     حقًا يُحسب الناس والملائكة قساة إن قورنوا بك، فأنت وحدك الملك الكلي الحنو... نسألك أن تكون أنت الديان، لأنك تحنو على جميع الأمم![213]

القديس جيروم

     طبيعة الملاك ناطقة وعاقلة وحرة، قابلة للتغير، أي متحولة الإرادة. فإن كل مخلوق متحٌول، وغير المخلوق وحده لا يتحول. وكل ناطقٍ حرٍّ. بما أن طبيعته ناطقة وعاقلة فهي حرة، وبما أنها مخلوقة فهي متحٌولة (متغيرة)، لها القدرة على البقاء والتقدم في الصلاح، وعلى التحول إلى الشر... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). والملاك خالد ليس بالطبيعة بل بالنعمة[214].

 الأب يوحنا الدمشقي

يبدو أن العبارات التالية ليست جزءً من الرؤيا، وإنما هو تعليق أليفاز.

حتى الملائكة مع أنها كائنات مقدسة لكنها لا تؤتمن على أسرار الله، بل يكشفها الله لمن يشاء. الله هو الراعي الصالح الذي يتعهد كرمه بنفسه، لا يسلم شئونه بالكامل في أيدي السمائيين أو الأرضيين، مهما بلغت طهارتهم أو قداستهم. فالملائكة أن قورنوا بالله حُسبوا حمقي، وإن قورنوا بحكمته حسبوا جهلاء.

     ليس من حاجةٍ أن تخبر كيف لما عصى موسى وهرون أمر الله عند ماء المريبة لم يدخلا أرض الموعد (عد13:10)، فإن الطوباوي أيوب يروي أن الملائكة وكل خليقة يمكن أن تخطئ" (أي 18:4- المتكلم اليفاز)[215].

القديس جيروم

فَكَمْ بِالْحَرِيِّ سُكَّانُ بُيُوتٍ مِنْ طِينٍ، الَّذِينَ أَسَاسُهُمْ فِي التُّرَابِ،  وَيُسْحَقُونَ مِثْلَ الْعُثِّ؟ [19]

بمقارنة حكمة الملائكة بحكمة الله تُحسب الأولى حماقة، وبمقارنة حياة الإنسان الترابي بحياة الملائكة تحسب الأولى عثًا.

إن كان هذا بالنسبة للملائكة الساكنين في السماء، فماذا يكون الأمر بالنسبة للبشر سكان بيوتٍ من طين؟ لعله يقصد بالبيوت هنا الأجساد التي خُلقت من تراب. الملائكة لا يموتون، بينما البشر يُسحقون مثل العث بين أصابع اليد بسهولة وسرعة. فإن كان الله لا يأتمن ملائكته الساكنين معه في السماء، الأرواح النقية، والخالدين، فهل يأتمن الإنسان الذي يسكن على الأرض، المخلوق من تراب، ويموت لأتفه الأسباب كما يُسحق العث؟

     إننا نسكن بيوتًا من طين، إذ نحن نوجد في أجسام أرضية. إذ تأمل بولس ذلك حسنًا قال: "ولكن لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية" وأيضًا: "لأننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السماوات بناء من بيت الله بيت غير مصنوع بيدٍ" (2 كو 4: 7؛ 5:1).

البابا غريغوريوس (الكبير)

     واضح أن الله لم يأتمن الأبرار كما تثق أنت في نفسك، إذ يعرف الله طبيعتهم وميل أجسادهم للسقوط. الملائكة الساقطون يدفعون (الله) أن يرفض الثقة، إذ يدرك فيهم فسادهم. لقد نزعهم عن كرامتهم الأصلية ورتبهم، وجعلهم منحطين، لأنهم فكروا بالشر عليه. إن كان الأمر هكذا بالنسبة لأولئك الذين لهم هذه الطبيعة وقد سكنوا في الأعالي بين القوات الفاضلة، إن كان هذا أمر الملائكة الذين بطبيعتهم أسمى منا، فماذا نقول عن الآخرين، عن البشر الذين لا يزالون خطاة؟ طبيعتهم ليست فقط ترابًا، ومساكنهم بين الخلائق مصنوعة من الطين (تك 2: 7) هؤلاء الذين بسهولة يفسدون كخطاة، كثوب يأكله العث (يع 5:2).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

بَيْنَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ يُحَطَّمُونَ، بِدُونِ مُنْتَبِهٍ إِلَيْهِمْ إِلَى الأَبَدِ يَبِيدُونَ [20].

ليس للإنسان أن يفتخر على الله، ولا يظن أنه صاحب معرفة، فربما بين صباح ومساء قبل عبور اليوم يموت الإنسان ولا يعود بعد يُوجد على الأرض. في كل يوم، بل مع كل دقيقة يموت بشر على وجه الأرض، ومع هذا لا يفكر أحد في موته، ليس من ينتبه إلى هذه الحقيقة ولا من يتعظ في جدية.

     يُقطع الخاطي من الصباح وإلى المساء، أي من بدء حياته إلى نهايتها يُجرح بارتكابه الخطية... على عكس هذا بحق يحثنا بولس قائلاً: "مفتدين الوقت، لأن الأيام شريرة" (أف 16:5). نفتدي الوقت إن كنا بالدموع نصلح حياتنا الماضية، هذه التي فقدانها بالاستهتار.

 البابا غريغوريوس (الكبير)

أَمَا انْتُزِعَتْ حِبَالُ خِيَامِهِمْ؟  يَمُوتُونَ بِلاَ حِكْمَةٍ [21].

تُنزع عنهم حكمتهم البشرية التي يعتزون بها، فيموتون وتموت معهم حكمتهم وتدابيرهم الحمقاء.

     يقدم أليفاز اتهامًا ضد كل الخطاة بصفة عامة، ولم يخجل من أن يضع أيوب في عدادهم.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     كأنه يقول: هؤلاء الذين قلت عنهم "بلا فهم يهلكون إلى الأبد"، هؤلاء بالتأكيد يموتون بلا حكمة... إذ ينظر الأشرار إلى المختارين بطريقة منحطة لأنهم سائرون نحو حياة غير منظورة خلال الموت المنظور، لذلك قيل هنا حسنًا: "يموتون بلا حكمة".. ولأن أليفاز قال هذه الأمور الصادقة في معناها وهي ضد الأشرار، إلا أنه حسب الطوباوي أيوب مستحقًا للوم، وتعالى في تشامخٍ بالحكمة.

 البابا غريغوريوس (الكبير)

هذا ما بلغ إليه الإنسان بسبب الخطية، لكن تجسد الكلمة الإلهي وتقديم الخلاص غيّر الموقف تمامًا.

     لقد نلنا هذا بسبب "الجسد" الذي قدمه الرب، لقد قدم للآب بكر طبيعتنا. وبسبب كرامة المُقدم وكمال قابل التقدمة، وجد الآب "العطية" مقبولة، فاستلمها بيده وضمها لنفسه وقال (للرب المتجسد): "اجلس عن يميني" (مز 10:68).

ألم يرتفع (الناسوت المتحد باللاهوت) إلى فوق السماوات؟!

أليست هذه كرامة بلا قياس؟!

لقد ارتفعت (طبيعتنا في شخص الإله المتجسد) فوق السماوات، وسمت فوق الملائكة. لقد عبرت فوق رؤساء الملائكة والشاروبيم، وحلقت فوق السيرافيم، عالية أكثر من كل القوات السمائية، واستراحت في العرش الإلهي الحقيقي وحده...

إن سلوك جنسنا كان هكذا شريرًا في الماضي، حتى كان الأمر في خطر من أن يباد كل الجنس البشرى عن وجه الأرض. والآن نحن الذى قبلاً حسبنا غير متأهلين للبقاء في الأرض رفعنا إلى السماوات.

نحن الذين كان قبلاً غير مستحقين للمجد الأرضي، نصعد الآن إلى ملكوت السماوات، وندخل السماوات، ونأخذ مكاننا أمام العرش الإلهي.

هذه الطبيعة التي لنا، التي كان الشاروبيم يحرس أبواب الفردوس منها، هوذا اليوم ترتفع فوق الشاروبيم!

كيف يمكننا أن نعبر على حدث عظيم (عيد الصعود) هكذا عبورًا سريعًا؟!

لأنه نحن الذين أسأنا إلى مثل هذه المراحم العظيمة، حتى صرنا غير مستحقين للأرض ذاتها، وسقطنا من كل سلطان وكرامة، بأي استحقاق نرتفع إلى كرامة علوية كهذه؟!

كيف انتهى الصراع؟!

لماذا زال غضب الله؟...

فإن هذا هو بحق عجيب: إن السلام قد حلّ، لا بعمل قام به الذين أثاروا غضب الله... بل الذي غضب علينا بحق هو نفسه يدعونا إلى السلام. إذ يقول الرسول: "إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا" (2 كو 20:5). وماذا يعنى هذا؟ أنه بالرغم من أننا أسأنا إليه، فإنه هو الذي يسعى إلينا ويدعونا إلى السلام. إنه حقا هكذا، فإذ هو الله، وهو الإله المحب يدعونا إليه[216].

القديس يوحنا الذهبي الفم

     من يعرف وهن الطبيعة البشرية ينال خبرة قوة الله.

الأب مكسيموس المعترف

     عندما تسمع أن الجلالة الإلهية أسمى من السماوات، وأن مجدها لا يُعبر عنه، وجمالها لا يُصف، وطبيعتها لا يُقترب منها، لا تيأس من أن ترى ما تشتهيه. إنه في مقدورك، ففي داخلك المستوى الذي به تتمكن من إدراك الإلهيات. فإن الذي خلقك وهبك في نفس الوقت هذا السمو العجيب.

القديس غريغوريوس النيسي

 

 
تفسير سفر أيوب اصحاح5 PDF Print Email

كيف يمكنك أن تطَوَّب؟


بعد أن دعَّم أليفاز حجته بخبرته الشخصية وبرؤيا إلهية سماوية، الآن في هذا الأصحاح يقدم القديسين كشهودٍ أمناءٍ لحق الله. وفي تلميحٍ يوضح لأيوب أنه ليس من جماعة القديسين. كما يوضح الحقائق التالية:

     أن الذين يتهمون الله هم جهلاء (مز ١٤: ١).

     يبدو الأغبياء كأنهم في رخاءٍ ولكن إلى حين، وفجأة تتبدد ممتلكاتهم، إذ أن الله يلعنهم.

     لا ينمو الألم مثل الورود، لكن البشر يجلبونه لأنفسهم خلال غباوتهم الشريرة، وتظهر من فوق كالبرق.

بلا شك نطق أصدقاء أيوب ببعض الحقائق الصادقة، وأيوب البار نطق أيضًا ببعض الحقائق الصادقة وأحيانًا بعبارات لا تمثل الحق. هذا إن درسنا كلماتهم منفصلة عن الأحداث، وبعيدًا عن النيات التي في قلوبهم وأفكارهم.

أخيرًا يقول أليفاز لأيوب: لو كنت في موضعك، لرجعت إلى الله، الذي يسحق الأشرار ويبارك المساكين والأبرار. فإنه هو وحده يصلح أمرك، ويهبك كل بركة مادية تشتهيها [١٧-٢٧].

1. القديسون شهود على حكمة الله            1.

2. الخطية تقتل الأغبياء                       2-5.

3. الإنسان مولود للمشقة                     6-7.

4. الله ملجأ المتضايقين                        8-16.

 

 

1. القديسون شهود على حكمة الله


اُدْعُ الآنَ، فَهَلْ لَكَ مِنْ مُجِيبٍ؟ 
وَإِلَى أَيِّ الْقِدِّيسِينَ تَلْتَفِتُ؟ [1]

كان أليفاز واثقًا جدًا من موقفه، لذا وضع أمام أيوب أن يختار المُحَكِمين. يقول له: "أدع الآن، فهل لك من مجيب؟" بمعنى فلتفتش بنفسك في كل العالم، هل يوجد من بلغت به الكوارث مثلك؟

هل من قديسٍ في وسط كل البشرية لحق به ما لحق بك؟ لم يتعامل الله مع أي قديس بهذه الصورة، فحتمًا أنت لست منهم.

هل يوجد بين القديسين من سب يوم ميلاده كما فعلت؟

هل ثار قديس ما ثورتك، وتسرع في الحكم هكذا؟

"إلى أي القديسين تلتفت؟" أنهم جميعًا يوافقونني على رأيي. كلهم يقفون في صفي، ويؤيدون ما أقوله.

نطق أليفاز بهذه العبارات، حاسبًا أن أيوب مستحق للوم. لقد انتفخ بكبرياء الحكمة.

     "وإلى أي القديسين تلتفت". إنه ينطق بهذا في سخرية: إنك لا تقدر أن تقتني القديسين لمساندتك في ضيقتك، هؤلاء الذين لم ترد أن يكونوا في صحبتك وأنت في وسعك.

 البابا غريغوريوس (الكبير)

     "أدعُ الآن، فهل لك من مجيب؟ وأي الملائكة القديسين تنظر؟" (LXX) كأن أليفاز يقول: إنك تلهو بنفسك عندما تظن أن الله شاهد معك، وأنت عاجز عن التمتع بزيارة ملاك لك في صلواتك. لقد التقيت بمحتالٍ خدعك، وأقنعك أنه مُرسل من الله. جعلك تعتقد بهذا، لكن من الواضح أن الله لم يقدم شهادة بذلك لك.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

أما عن فاعلية صلوات القديسين، فقد جاء في سفر الأعمال أن ملاكًا ظهر في رؤيا للقديس بولس، وقال له: "لا تخف يا بولس ينبغي لك أن تقف أمام قيصر، وهوذا قد وهبك الله جميع المسافرين معك" (أع 27: 24).

     إن كان هنا وُجدت سفينة في خطر تعاني من الغرق وقد خلص المساجين من أجل بولس (أع 27: 24)، تأملوا ماذا يكون الأمر بالنسبة للشخص القديس في بيته، فإنه كثيرة هي التجارب التي تهاجمنا، تجارب أكثر خطورة من تجارب الطبيعة، لكن الله قادر أن يهبنا أن نخلص إن كنا فقط نطيع القديسين كما فعل الذين في السفينة، إن كنا نتمم ما يأمروننا به. فإنهم ليس فقط خلصوا، وإنما ساهموا في إيمان آخرين.

بينما كان القديس في قيود صنع أعمالاً أعظم ممن هم في حرية.

 انظروا فإن الحال هنا هو هكذا: كان قائد المائة الحر في حاجة إلى سجينه المقيد، كان ربان السفينة الماهر في عوزٍ إلى من لم يكن ربانًا، بل بالحري كان هو الربان الحقيقي. فإنه قاد كربان سفينة ليست من هذا النوع (أرضية) بل كنيسة العالم كله، متعلمًا من ذاك الذي هو رب البحر أيضًا. قادها لا بفنٍ بشريٍ، بل بحكمة الروح. في هذه السفينة يوجد تحطيم كثير للسفن، أمواج كثيرة، أرواح شر "من خارج خصومات، من داخل مخاوف" (2 كو 7: 5)؛ فكان هو الربان الحقيقي[217].

     لتحث أولئك الذين لهم حديث ودي مع الله ليقدموا صلوات أكثر، بأكثر مثابرة لكي تهدأ العاصفة التي تحطم العالم كله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     العالم مستمر في الوجود فقط من أجل الصلوات المقدمة من المسيحيين.

أريستيدس من أثينا

     صلواتنا عامة وعلنية؛ حينما نصلي لا نصلي من أجل شخصٍ واحدٍ، بل من أجل كل الشعب، لأننا نحن جميعنا الشعب كله هو واحد.

     ليته لا تتوقف الصلوات من أجل الإخوة والأخوات في حضرة مراحم الآب.

الشهيد كبريانوس

 

 

2. الخطية تقتل الأغبياء


لأَنَّ الْغَيْظَ يَقْتُلُ الْغَبِيَّ،  وَالْغَيْرَةَ تُمِيتُ الأَحْمَقَ [2].

يُحسب الخطاة أغبياء، إذ لا يقبلون حكمة الله. هؤلاء يقتلهم الغضب، وتُفسد الغيرة عظامهم. لعل أليفاز يقصد بهذا أن ما يحل بأيوب إنما ثمر طبيعي لغباوته، ناسبًا له الحماقة والغباوة.

يقول بأن المحتال خدعه فأثار فيه الغضب، وأنه سخر به ليقتل أيوب نفسه. وفي هذا يود أن يبرر نفسه لكن قد ظهرت غباوته.

     "الغضب يقتل الغبي، والحسد يميت الطفل" (راجع أي 2:5). يلزم ملاحظة أن الذي يغضب هو غبي، والذي يحسد يُحسب طفلاً. لأن الأول ليس بدون مبررٍ يعلن عن أنه غبي، إذ يجلب الموت على نفسه بإرادته، ويترك نفسه تُثار بالغضب. والأخير يبرهن بحسده على أنه طفل غير ناضج، لأنه حين يكون حاسدًا يشهد بأن من كان في وسعٍ يعذبه وهو أعظم منه[218].

 القديس يوحنا كاسيان

     لا يوجد شيء يفوق الحب، وبالتالي لا يوجد شيء أدنى من الغضب. يلزمنا ألا نهتم بشيء مهما بدا نافعًا وضروريًا حتى نتجنب الغضب الذي يسبب اضطرابًا، ولا نرتبك بالأمور حتى التي نحسبها ليست كمالية حتى نحفظ هدوء الحب والسلام بغير نقصٍ، لأنه يلزمنا أن ندرك أن لا شيء مهلك مثل الغضب والتكدر، وليس شيء مفيدًا مثل الحب[219].

الأب يوسف

     ليس شيء أكثر خطورة من الحنق، ولا أقسى من الغضب!

     يوجد سُكر بالغضب أكثر خطورة من السُكر بالخمر![220]

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

     لنتأمل في مدى خطورة خطية الغضب (الغيظ)، التي بها ننفصل عن الحنو، وتفسد التشبه بصورة العلي.

بالغضب تُطرد الحكمة، فنبقى في جهالة في كل ما نفعل، وما نلتزم بعمله، كما هو مكتوب: "الغضب يستقر في حضن الجهال" (جا 7: 9). فبانسحاب نور الفهم يُفسد الهياج الذهن.

بالغضب تضيع الحياة، حتى الحكمة تبدو محتجزة. كما هو مكتوب: "الغضب يحطم الحكماء" (أم 1:15)...

بالغضب يبطل البٌر، كما هو مكتوب: "غضب الإنسان لا يصنع بٌر الله" (يع 20:1)...

من لا يضبط مشاعره بالتعقل اللائق بالإنسان يلزمه أن يعيش في عزلة كحيوانٍ.

بالغضب يفسد الانسجام، كما هو مكتوب: "الرجل الغضوب يهيج الخصومة، وبطيء الغضب يسكن الخصام" (أم 15:18)...

بالغضب يُفقد نور الحق. كما هو مكتوب: "لا تغرب الشمس على غيظكم" (أف 26:4). لأن الغضب يجلب ظلمة التشويش. يخفي الله عنه أشعة معرفة نفسه. بالغضب يُغلق على بهاء الروح القدس. من الجانب الآخر كُتب حسب ترجمة قديمة: "على من يستقر روحي، إلا على من هو متواضع ومسالم والمرتعب من كلامي" (إش 2:66).

البابا غريغوريوس (الكبير)

     إن كان الشخص يغضب بكونه إنسانًا، فإنه يضع حدًا للغضب بكونه مسيحيًا.

القديس إيرونيموس

     من كان غضوبًا فهو خالٍ من طول الأناة والمحبة، يقلق سريعًا من الأقوال التافهة، ويثير الخصام لأمر يسير حقير، وحيثما لا يكون له مكان يطرح نفسه... فمن لا ينوح على مثل هذا؟ فهو مرذول عند الله والناس.

مار أفرام السرياني

     يُسمى الروح القدس سلام الروح، ويُدعي الغضب قلق النفس، فلذا يجب أن نستنتج أن لا شيء يُبعد عنا حضور (عمل) الروح مثل الغضب.

القديس يوحنا الدرجي

ليس بالأمر العجيب أن يتهم أليفاز أيوب بالغيرة أو الحسد وهما خطيتا أليفاز، إذ يُسقط أخطاءه عليه قائلاً: "وَالْغَيْرَةَ تُمِيتُ الأَحْمَق" [2].

     لا يعتبر الحسود الكوارث التي تحل به محنة، بل المحنة بالنسبة له هي الخير الذي يحل على غيره، وبالعكس النجاح ليس هو أن يكون سعيدًا، بل أن تحل المحن بغيره. يحزن الحاسد لرؤية الأعمال الطيبة للناس، ويُسر بالكوارث التي تحل بهم. ويقال إن الجوارح التي تلتهم الجثث الميتة تقضي عليها الرائحة الطيبة (العطر)، فإن طبيعتها تتفق مع ما هو شرير وفاسد. وأي شخص يقع تحت سيطرة هذا المرض (الحسد) تقضي عليه سعادة أقربائه وجيرانه، ولكنه إذا رأى تجربة شريرة يطير إليها ويضع منقاره المعوج فيها ويخرج الكوارث المخفية[221].

القديس غريغوريوس النيسي

     قبل كل شيء يليق بالإنسان الذي وُضع عليه النير أن يكون ثابتًا في إيمانه... ليطرد عنه الحسد والغضب، وينزع الشفاه المخادعة[222].

القديس أفراهاط الحكيم الفارسي

     يكون الضرر تافهًا والخطر بسيطًا عندما تُجرح الأطراف بسيفٍ، فيكون الشفاء هيّنًا مادام الجرح واضحًا ويُستخدم الدواء. فالقرحة التي تُرى يُمكن علاجها بسهولة. أما جراحات الحاسدين فهي خفيّة وسرّية، ولا تقبل علاجًا لشفائها، فتغلق على نفسها آلامًا مخفية داخل مكامن الضمير.

     مثل هؤلاء لا يهنأون بطعامٍ أو يتمتعون بشرابٍ.إنهم على الدوام يتأوّهون ويتنهّدون ويحزنون، فطالما لا يُطرد الحسد تتمزق قلوبهم نهارًا وليلاً بلا انقطاع.

كل الشرور لها حدود، وكل خطأ ينتهي بارتكاب الجريمة. فالزاني تنتهي معصيته عند حد ارتكاب التعدّي، واللص تقف جريمته عندما يقتل، والسالب يضع حدًا لجشعه، والمخادع يضع نهاية لغشّه، أما الحسد فليست له حدود.

إنه شر يعمل على الدوام، وخطية ليس لها نهاية.

الشهيد كبريانوس

     "الحسد يميت الضعيف (الأقل little one)" (راجع أي 5: 2). يستحيل علينا أن نحسد إلا من نظن أنهم أفضل منا في جانبٍ معينٍ. لذلك قيل "الأقل" يقتله الحسد. فإن الحاسد يحمل شهادة ضد نفسه أنه أقل من غيره، حيث يعذبه الحسد منه...

هكذا كان قايين الذي انحدر ليقتل أخاه، فقد جُن حين رُفضت تقدمته، من ذاك الذي قبل الله تقدمته وفُضل عنه (تك 4)...

وهكذا التهب عيسو باضطهاد أخيه، لأنه فقد بركة الباكورية، إذ حرم منها من أجل طبخة عدس (خضار) (تك 27: 38؛ 29:25)...

وهكذا باع الاخوة يوسف للإسماعيليين العابرين، إذ أُخفي عنهم سٌر الإعلان، فوضعوا أنفسهم في موقف المقاومة لتقدمه، فلا يكون رئيسًا عليهم (تك 5:37-11).

وهكذا اضطهد شاول خادمه داود بأن رماه برمحٍ، إذ خشي أن يبلغ الرجل إلى قامة أعظم منه، إذ أدرك بلوغه النمو اليومي في الفضيلة (1 صم 10:18-11).

فمن يقتله الحسد إنما هو الضعيف(الأقل)، فإنه لو لم يشعر بأنه الأقل لما حزن على صلاح الآخرين. إذ يُفسد الحسد الذهن يقتل كل ما يجده صالحًا. قال سليمان: "حياة الجسد هدوء (سلام) القلب، ونخر العظام الحسد" (أم 30:14)...

فمن اشتاق أن يكون كاملاً وصحيحًا فليتجنب سم الحسد، ويركز عواطفه على الميراث الذي لا يقل بكثرة الوارثين، هذا الذي هو ميراث واحد للكل، وكامل بالنسبة لكل أحدٍ. والذي يظهر ميراثًا أعظم كلما زاد عدد الذين يمنحونه... فحينما لا يشتاق الشخص إلى الأمور الرديئة لا يوجد شيء يقف أمام الحب.

 البابا غريغوريوس (الكبير)

إِنِّي رَأَيْتُ الْغَبِيَّ يَتَأَصَّلُ، وَبَغْتَةً لَعَنْتُ مَرْبِضَهُ [3].

يرى أليفاز أن أيوب سبق فتأصل ونجح، لكن إذ هو غبي لم يدم حاله. وها هو يلعن مربضه. وكأن أليفاز يقدم اتهامًا جديدًا ضد أيوب، فبجانب اتهامه بالرياء، وأنه يخفي وراء أعماله التي تبدو صالحة شرورًا خفية لا يعلمها غير الله، لهذا حلت به كوارث لم يُسمع عنها في تاريخ البشرية، فإنه كان غبيًا يجري وراء الغنى ومحبة العالم. اتهام أبعد ما يكون عن حياة هذا البار!

ربما لا يعني هذا أن أليفاز اشتهي دمار أيوب، وإنما إذ اكتشف – حسب فكره - أن ما حل به هو من قبيل غضب الله عليه بكونه شريرًا، أدرك أن هذا من قبيل عدل الله أن يسقط أيوب تحت اللعنة، ليستأصله من هذا العالم وكل غناه، لأن قلبه ارتبط به.

يحذرنا الكتاب من محبة العالم والتعلق به. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). "لا تحبوا العالم، ولا الأشياء التي في العالم. إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب، لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم" (1 يو 2: 15-16). "أيها الزناة والزواني، أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله، فمن أراد ان يكون محبًا للعالم فقد صار عدوا لله" (يع 4: 4).

     يتأصل الغبي في الأرض ويتمسك بها، إذ هو متمسك بحب الأرض بكل شهوة قلبه. إنه يتشامخ بتأصله، عندما يتشبث في هذا العالم بالخيرات الزمنية، حتى ينال ما يرغبه، ولا يخضع لسلطانٍ، ويسود على الضعفاء دون مقاومة، ويقاوم الذين يمارسون السلطة حسنًا، ويبلغ ظروفًا أفضل بوسائل شريرة، حتى أنه بتركه الحياة الحقيقية، يعيش هذا الزمن في أكثر سعادة
لكن إذ يرى الضعفاء أن الأشرار يزدهرون، يصيرون في ذعرٍ ويضطربون داخليًا، بما للخطاة من وسعٍ، وتترنح خطوات ذهنهم.

بنفس الطريقة أعلن المرتل: "أما أنا فكادت تُزل قدماي، لولا قليل لزلقت خطواتي، لأني غرت من المتكبرين، إذ رأيت سلامة الأشرار" (مز 2:73-3).

ولكن عندما يرى الأقوياء مجدهم للحال يثبتون أذهانهم على العقوبة (التأديب) الذي يتبعه المجد. وبفكر داخلي عميق للقلب يزدرون بالأمور التي تبتلع المتكبرين من الخارج بازدياد الغرور الباطل. حسنًا قيل: "رأيت الغبي يتأصل، وبغتة لعنت جماله". فإن لعن جمال الغبي هو إدانة مجده بحكم مدروس، فإنه قدر ما يغرق في العذابات يتعالى بالأكثر في الخطية. فإن تشامخه مؤقت، لكن عقوبته دائمة.

من يبدأ طريقه بالكرامة ينتهي بالدينونة. على كل حالٍ كلما أوجد الشرير له طريقًا في هذا العالم سحب عددًا أكثر إلى الدمار، لذلك بحق قيل: "بنوه بعيدون عن الأمن". فإن أبناء الغبي هم الذين يقتدون به، يولدون في طموح هذا العالم. إنهم بعيدون عن الأمن، خاصة بالنسبة لممارستهم الشر إن قورن بتحررهم من الضعف.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     تريد الآن أن ترث الأرض، حذار من أن ترثك الأرض.

إن كنت وديعًا ورثتها، أو قاسيًا ورثَتكََ...

سوف ترث الأرض حقًا متّى تمسكت بصانع السماء والأرض!

القدّيس أغسطينوس

     من ذاق حلاوة ثمار شجرة الحياة، ويريد أن يجري نحو ثمار (محبة) العالم النتنة؟[223]

     كما أن النار لا تثبت في الماء، هكذا معرفة الله لا تثبت في القلب المشتبك بشهوات العالم[224].

     ليس من رذل العالم بالكمال، إلا ذاك الذي تتقد فيه نارك دائمًا يا رب[225].

القديس يوحنا سابا

     النفس التي أوشكت أن تقبل الكلمة اللوغوس، يجدر بها أن تموت عن العالم (غل14:6) وتُدفن في المسيح (رو 4:6، كو 12:2)، فلا تجد إلا المسيحَ، فهذا هو الاستقبال اللائق الذي يطلبه منها لنفسه[226].

القديس أمبروسيوس

بَنُوهُ بَعِيدُونَ عَنِ الأَمْنِ،  وَقَدْ تَحَطَّمُوا فِي الْبَابِ، وَلاَ مُنْقِذَ [4].

ربما كان الباب مرتفعًا فسقط على بني أيوب ومن في الوليمة يحسبون أنهم في سلام وأمانٍ. سقط بثقله فسحقهم تحته، ولم يوجد من ينقذ. فشر أيوب – في رأي أليفاز - قد حلّ على بنيه وأهلكهم.

     هذا معناه: لماذا أنت مرتعب من موت أولادك؟ فإن أبناء الأغبياء لا يهلكون بسبب عدم الخلاص، وإنما يحزنون وهم في الحياة... وليس من أحدٍ ينقذهم، إذ بعدلٍ جازاهم الله. أيضًا ربحهم الذي نالوه ظلمًا يأخذه منهم الأبرار، مادام لا يوجد من يخلصهم من الشر، وتضيع قوتهم كلها في الملذات وتنفد، تهلك بأمر الله.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

من هم الذين يظنون أنهم في أمان، قائمون داخل بيت به باب مغلق، ليس من يقدر أن يقتحمه ليؤذيهم؟ في نظر أليفاز أولاد وبنات أيوب الذين - في رأيه – هم أشرار ومراءون كأبيهم، وها هم يظنون أنهم سعداء في الوليمة، لا يتوقعون ضررًا يتسلل إليهم. إنهم في أمان، داخل الباب، وتحت حراسة خدمهم وعبيدهم! لكنهم ليسوا في أمان، بل الباب الذي هو مصدر أمانهم يسقط عليهم فيُهلكهم.

لقد حمل هذا القول نبوة عن السيد المسيح القائل: "أنا هو الباب، إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى" (يو 9:10). هذا الباب آمن به الأمم فدخلوا إلى الإيمان، وخرجوا إلى الحياة السماوية، فوجدوا مرعى إلهيًا. صار هذا الباب عينه عثرة لمن ظنوا أنهم في أمان، حيث تمسكوا بحرف الناموس، وظنوا أنهم دون غيرهم داخل الأبواب الإلهية.

لقد رفضوا الإيمان بالسيد المسيح، فصار الباب - مدخل المؤمنين - عثرة لهم، إذ يقول: "لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية، وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم" (يو 22:15)

     ليتنا لا نرتبك أيها الإخوة في فهمه، إذ يحمل تشبيهات بكونه هو الباب وأيضًا البواب. لأنه ما هو الباب؟ طريق الدخول. من هو البواب؟ ذاك الذي يفتح الباب. إذن من هو ذاك الذي يفتحه إلاَّ هو نفسه حيث يكشف عن ذاته ليُرى؟[227]

     هذه الخطية العظمى هي عدم إيمانهم بالمسيح الذي جاء خصيصًا لكي يجدد إيمانهم. لو لم يأتِ لتحرروا من هذه الخطية.

بمجيئه صارت حياة غير المؤمنين بالأكثر محفوفة بالدمار كما صارت لخلاص الذين يؤمنون. فإنه هو رأس الرسل ورئيسهم، صار كما أعلنوا: "للبعض رائحة حياة لحياة، وللبعض رائحة موت لموت" (٢ كو ٢: ١٦)[228].

القديس أغسطينوس

     "وقد تحطموا في الباب..." كما أن مدخل المدينة يُدعى بابًا، هكذا في يوم الدينونة هو باب الملكوت، حيث يدخل منه كل المختارين إلى مجد مدينتهم السماوية... "ولا منقذ لهم" [4]. فإن الحق يخلص من الويل الأبدي هؤلاء الذين في حالتهم المؤقتة قد تضايقوا بالتأديب. من يرفض الضيق يُترك في ذلك الحين دون وجود وسائل للخلاص. فبالنسبة له (للمخلص) لم يهتموا أن يقبلوه أبًا لهم يدربهم، لذلك فإن الأشرار في وقت محنتهم لن يجدوه منقذًا لهم يعينهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     الآن فلنتأمل ما تقوله الأناجيل في ضوء الوعود بالخيرات. ولابد لنا من القول: إن الخيرات التي يعلن عنها الرسل في هذه الأناجيل هي ببساطة "يسوع".

أحد الخيرات التي يعلنون عنها هي القيامة. ولكن القيامة، على وجه ما، هي يسوع، فهو القائل: "أنا هو القيامة"...

كما يقول إشعياء: "ما أجمل على الجبال أقدام المبشرين بالخير" (إش 7:52). إنه يرى كم هو جميل وملائم إعلان الرسل الذين قد ساروا (في المسيح)، وهو القائل: "أنا هو الطريق". يمتدح أقدام السائرين في الطريق المفكرين في يسوع المسيح، ويذهبون من خلال هذا الباب إلى الله (الآب).

إنهم يعلنون عن الخيرات، عن الأقدام الجميلة، أي يسوع[229].

العلامة أوريجينوس

الَّذِينَ يَأْكُلُ الْجَوْعَانُ حَصِيدَهُم ْ،وَيَأْخُذُهُ حَتَّى مِنَ الشَّوْكِ، وَيَشْتَفُّ الظَّمْآنُ ثَرْوَتَهُمْ [5].

صارت ثروة أيوب وبنيه نهبًا للسبائيين والكلدانيين. فقد اخترقوا الحواجز المصنوعة من الشوك، وسلبوا الثروة.

ربما يشير هنا إلي اللص الذي يسرق كل المحصول حتى المختلط بالأشواك، أو إلي العادة التي أشار إليها دكتور طومسون Thomson في شرحه لهذه العبارة حيث يقول إن الفلاحين بعد دراسة الحبوب غالبًا ما يضعونها بجوار القش في مكان خاص، ويغطونها بشجيرات كثيفة مملوءة أشواكًا حتى لا تقترب إليها الحيوانات ويأكلوها، وإذ يريد اللصوص سرقة الحبوب يلتزمون بإزالة هذه الشجيرات المملوءة أشواكًا أولاً[230].

جاء في الترجمة اليسوعية (دار الشرق ببيروت): "يأكل الجائع حصيده، خطفًا من بين الأشواك، ويبتلع العطشى ثروته". فمن لا يفتح قلبه بالحب الداخلي الحقيقي للجائعين والعطشى والمحتاجين، يصير نهبًا للغير. يقتحم الجائع مخازنه، ويُسلب الحصاد من بين الأشواك، ويعطش كثيرون إلى ثروته، فيحسبون من حقهم أن يبتلعوا كل ما له ولا يتركون له شيئًا.

هكذا يتطلع أليفاز إلى أيوب وأولاده أنهم لم يكونوا أسخياء في الحب، إنما من أجل المظهر والمجد الباطل يعطون بسخاء، أما قلوبهم فكانت جافة وقاسية، فاستحقوا نهب ممتلكاتهم من الجائعين والعطشى.

في مرارة صرخ طوبيت إلى الرب، قائلاً: "لأننا أخطأنا إليك، ولم نطع وصياك، فأسلمتنا إلى النهب والجلاء والموت، وأصبحنا أحدوثة وأضحوكة وعارًا في جميع الأمم التي بددتنا بينها" (طو 4:3). ويقول المرتل: "تُرجعنا إلى الوراء عن العدو، ومبغضونا نهبوا لأنفسهم. جعلتنا كالضأن أكلاً، ذرَّيتنا بين الأمم، بعت شعبك بغير مالٍ وما ربحت بثمنهم... (مز 10:44-14). ويقول الرب: "ثروتك وخزائنك أدفعها للنهب، لا بثمنٍ، بل بكل خطاياك وفي كل تخومك" (إر 13:15 - راجع إر 3:17، 6:30، 37:50، حز 21:7، 46:23، إش 13:10).

     "ثروتك وخزائنك أدفعها للنهب، لا بثمنٍ، بل بكل خطاياك" (إر 15: 13). ما هي ثروات الخطاة التي يدفعها الله للنهب في مقابل كل خطاياهم؟ هل الثروات التي يجمعونها على الأرض؟ كل إنسانٍ في الواقع يكنز لنفسه، إما على الأرض إن كان إنسانًا شريرًا، أو في السماء إذا كان إنسانًا صالحًا، كما يخبرنا الإنجيل (مت 19:6-20). هل يقول لهذا الشعب: إنه بسبب خطاياكِ أدفع خزائنك وثرواتك للنهب، قاصدًا بتلك الثروات الأنبياء مثل إرميا وإشعياء وموسى؟! لقد نزع الله هذه الكنوز عن هذا الشعب، وقال من خلال السيد المسيح: "إن ملكوت الله ُينزع منكم، ويُعطى لأمة تعمل أثماره" (مت 43:21). هذه الأمة هي نحن، فقد دفع الله ثروات هذا الشعب (الأنبياء) إلينا.

هم أُستؤمنوا على أقوال الله أولاً (رو 2:3)، ثم أُستؤمنا نحن من بعدهم على هذه الأقوال؛ فقد نُزعت منهم وأُعطيت لنا. كذلك يمكننا أن نقول إن عبارة: "ملكوت الله يُنزع منكم وُيعطى لأمة تعمل أثماره" التي قالها المخلص تحققت فيه. ليس أن الكتاب المقدس نُزِع منهم، بل أنهم حاليًا لا يملكون الناموس ولا الأنبياء، لأنهم لا يفهمون ولا يُدركون المكتوب فيه. توجد عندهم الأسفار، لذلك فإن ملكوت الله الذي يُنزع عنهم هو "معنى الأسفار المقدسة". إنهم لا يهتمون بمعرفة أي شرح للناموس والأنبياء، لكنهم يقرأونه دون فهم. وبمجيء السيد الرب تحققت بالفعل النبوة التالية: "فقال: اذهب وقل لهذا الشعب اسمعوا سمعًا ولا تفهموا، وأبصروا إبصارًا ولا تعرفوا. غلظ قلب هذا الشعب" (إش 9:6-10؛ مت 14:13-15). كما تحققت أيضًا نبوة إشعياء: "فإنه هوذا السيد رب الجنود ينزع من أورشليم ومن يهوذا السند والركن، كل سند خبز وكل سند ماء. الجبار ورجل الحرب، القاضي والنبي، والعراف والشيخ، رئيس الخمسين والمعتبر والمشير والماهر بين الصناع والحاذق بالرقية" (إش1:3-3). كل هذا قد نزعه الله منهم، ودفعه لنا نحن الذين جئنا من الأمم...

 يقول: "لا بثمنٍ بل بكل خطاياكِ وفي كل تخومكِ"، كأنه يقول لهذا الشعب: إن خزائنك وثروتك أدفعها للنهب بسبب خطاياكِ التي ملأت كل تخومك، لأنه لا يوجد مكان عند هذا الشعب لم يمتلئ بالخطية. كيف لا تمتلئ كل تخومهم بالخطايا وهم الذين قتلوا الحق، بما أن السيد المسيح هو الحق، وقتلوا الحكمة، بما أن السيد المسيح هو الحكمة، وقتلوا العدل، بما أن السيد المسيح هو العدل؟ بحكمهم على ابن الله بالموت فقدوا كل ذلك الحق والحكمة والعدل. وحينما قام رب المجد يسوع من بين الأموات لم يظهر أبدًا للذين قتلوه... إنما ظهر فقط للذين آمنوا به، ظهر لهم وحدهم حين قام من الأموات.

"وأُعبِّرُك مع أعدائك (وأخضعك للعبودية في وسط أعدائك) في أرض لم تعرفها، لأن نارًا قد اشتعلت بغضبي تُوقد عليكم". لقد أُخضع هذا الشعب بالفعل للعبودية في وسط أعدائه وفي أرض لم يعرفها. وبعد كلام التهديد هذا الموجه للشعب، يواصل إرميا أو السيد المسيح صلاته ويضيف إلى أقواله السابقة هذه الكلمات: "أنت يا رب عرفت. أذكرني وتعهدني وانتقم لي من مضطهديَّ. بطول أناتك لا تأخذني" أو "لا تكن طويل الأناة عليهم" (LXX)[231].

العلامة أوريجينوس

3. الإنسان مولود للمشقة


إِنَّ الْبَلِيَّةَ لاَ تَخْرُجُ مِنَ التُّرَابِ، وَالشَّقَاوَةَ لاَ تَنْبُتُ مِنَ الأَرْضِ [6].

بعد أن دلل أليفاز على كل ما فقده أيوب هو قصاص عادل من قبل الله، بدأ كمن يشجعه حتى لا يسقط في اليأس.

"إن البلية لا تخرج من التراب، والشقاوة لا تنبت من الأرض". أنها ليست كالمحاصيل الطبيعية تنبت في أوقاتٍ معينةٍ، وتصدر كالعشب من التراب، لكن كل ما يحدث هو من قبيل العناية الإلهية. أو بمعنى آخر: لا تلقي باللوم على التربة حين ظهرت البلية، فهي ليست من صنعها، بل عليك، لأن العلة هي في داخلك. "إن استهزأت، فأنت وحدك تتحمل" (أم 9: 12).

كما لا نتوقع ظهور أشجار من تربةٍ دون غرس بذور، هكذا يليق بنا ألا نظن أن ضيقات تحل بأناسٍ دون أن يرتكبوا شرورًا. فما حلّ  بأيوب ليس اعتباطًا، إنما هو حصاد الغرس الشرير.

هذه الحقيقة كشفها لنا ربنا يسوع خالق النفس، والعالم أن داء النفس في ذاتها، وليس خارجًا عنها. فالنفس البشرية تشبه إناءً خزفيًا واحدًا لا يختلف إلا في طبيعة ما بداخله، فإن كان ما بداخل الواحد بنزينًا وبداخل الآخر ماء، سيصطحب اقتراب جمرة نار التهاب الأول وانفجاره، أما الثاني فيطفئ الجمرة.

كتب القديس يوحنا الذهبي الفم أكثر من مقالٍ يؤكد أنه لا يستطيع أحد أو ظرفٍ ما أن يؤذي إنسانًا ما لم يؤذي الإنسان نفسه.

     قد يقول قائل: ألم يؤذِ الشيطان آدم، إذ أفسد كيانه، وأفقده الفردوس؟

لأن إنما السبب في هنا يكمن في إهمال من أصابه الضرر، ونقص ضبطه للنفس، وعدم جهاده. فالشيطان الذي استخدم المكائد القوية المختلفة لم يستطع أن يخضع أيوب له، فكيف يقدر بوسيلة أقل أن يسيطر على آدم، لو لم يقدر آدم بنفسه على نفسه؟!

ماذا إذن؟ ألا يصيب الأذى من يتعرض للافتراءات ويقاسي من نهب الأموال، فيُحرم من خيراته، ويُطرد من ميراثه، ويناضل في فقرٍ فادحٍ؟

لا، بل ينتفع إن كان وقورًا، لأنه هل أضرت هذه الأمور الرسل؟ ألم يجاهدوا دائمًا مع الجوع والعطش والعري؟! وبسبب هذه الأمور صاروا مُمجدين ومشهورين وربحوا لأنفسهم معونة أكثر من الرب؟!

وأيضًا أي ضرر أصاب لعازر بسبب مرضه وقروحه وفقره وعدم وجود من يقيه؟ ألم تكن هذه الأمور تضفر له إكليلاً من زهور النصر؟!...

إخوة يوسف مثلاً أضروا يوسف، لكن يوسف نفسه لم يصبه الضرر.

وقايين ألقى بشباكه لهابيل، ولكن هابيل لم يسقط فيها. وهذا هو السبب الذي لأجله وُجدت التأديبات والعقوبات.

فالله لا يرفع العقوبة عن مدبر الضرر لمجرد حدوث الصلاح الذي يتمتع به محتمل الضرر، بل يؤكد عقوبته بسبب شر صانع الإثم. فإنه بالرغم من أن الذين يسقط عليهم الشر، يصيرون أكثر مجدًا على حساب المكائد المدبرة ضدهم، لكن هذا لم يكن في نية الإنسان ألا يضره غيره، بل ينال نفعًا عظيمًا على يدي مناضليه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

وَلَكِنَّ الإِنْسَانَ مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّةِ، كَمَا أَنَّ الْجَوَارِحَ لاِرْتِفَاعِ الْجَنَاحِ [7].

خلق الإنسان ليعيش في سلام وراحة وتهليل قلبٍ، لكن بالتعدي على الوصية وإعطاء ظهره لله مصدر سعادته صار "الإنسان مولودًا للمشقة"، إذ وُلد في الخطية (مز 51: 5). وصارت المشقة كأنها جزء لا يتجزأ من كياننا، أو كأننا خُلقنا لكي نعاني منها، كما خلقت الجوارح لتحلق بأجنحتها في العلي. ليس لنا أن نستغرب البلوى التي تصيبنا كأنه قد أصابنا أمر غريب (1 بط 4: 12). يلزمنا أن نأكل خبزنا بعرق وجوهنا (تك 3: 19).

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن حياة الإنسان جهاد مستمر مع عدو الخير، يدخل في معركة لا تتوقف، لكن هذه المعارك تؤول لنصرة المجاهدين وإكليلهم.

     يقول: هذا القنوط هو نابع من داخل الناس. لاحظوا كيف التزم مرة أخرى أن يُظهر أن كلماته تتطابق مع الطبيعة، حتى لا يُنتقد حديثه. فإن الطبيعة البشرية خُلقت هكذا. فالأرض لا تنتج شيئًا جديرًا بالشفقة أكثر من الإنسان، فيليق بنا ألا ندهش ولا نستغرب: نولد لكي نسبب ألمًا و نتألم. هذا أيضًا ما قاله النبي: "لأن كل أيام سنيننا... أفخرها تعب وبلية " (مز 10:90). وقال يعقوب: "أيام سنيّ حياتي قليلة وردية" (تك 9:47). "ولكن الإنسان مولود للمشقة". يقول إنه في طبيعتنا يستحيل أن نهرب من الألم. فإنه لا يريد أحدًا يعترض مرة أخرى بأن أيوب بار. يقول: إنه بار لكن الطبيعة البشرية عادة خُلقت لتحتمل الشرور. لاحظوا أنه خرج من الطبيعة ليؤكد أن أيوب ليس بلا لوم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     يلزمنا ألا ننسحب من جهادنا في السهر بسبب اليأس الخطير، لأن "الآن ملكوت الله يُغصَب، والغاصبون يختطفونهُ" (مت 12:11). فلا يُمكن نوال فضيلة بغير جهاد، ولا يمكن ضبط العقل بغير حزن قلبي عميق، لأن "الإنسان مولود للمشقَّة". ومن أجل الوصول "إلى إنسانٍ كاملٍ، إلى قياس قامة مِلْءِ المسيح" (أف 13:4) يلزمنا أن نكون علي الدوام في جهاد عظيم مع عناية لانهائية[232].

الأب سيرينوس

     ليكن لنا حذر عظيم واجتهاد من جهة الظروف الخارجية عندما نُصاب بثقل الحزن، حتى نبلغ الرجاء في نوال الأمور العلوية. يقف الذهن لينال العلويات خلال هذه التأديبات الخارجية.

     "الإنسان مولود للمشقة، كما أن الطائر للطيران"... إذ يتمتع الإنسان بالعقل يدرك أنه من المستحيل عليه أن يعبر زمن سياحته دون حزنٍ. لذلك عندما عدد بولس ويلاته لتلاميذه بحق أضاف: "فإنكم أنتم تعلمون أننا موضوعون لهذا" (1 تس 3:3).

فإنه إذ يُضرب الجسد بضربات يرتفع الذهن طالبًا العلويات. كما يقدم بولس مرة أخرى شهادة بذلك، قائلاً: "وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يومًا فيومًا" (2 كو 16:4). هكذا فإن "الإنسان مولود للمشقة، كما أن الطائر للطيران"، فإن الذهن يطير في حرية نحو العلى بنفس السبب الذي لأجله يعاني الجسد من الانحناء إلى أسفل في ثقل.

كلمة "الإنسان" هنا تمثل الحياة حسب الجسد. هكذا يقول بولس: "إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق ألستم جسديين" (1 كو 3:3)، مكملاً بعد ذلك: "ألستم بشرًا" (1 كو 4:3 Vulgate).

في هذه الحياة "يولد الإنسان للمشقة"، فكل إنسان جسداني، إذ يطلب الأمور المؤقتة يحمل نفسه بثقل شهواته.

إنها مشقة صعبة أن تطلب مجد الحياة الحاضرة، لتقتني ما تطلبه، وأن تصونها باجتهاد عندما تغلب. إنها مشقة صعبة بآلام لا تحد أن تمسك بأشياء، وأنت تعلم أنها لا تدوم لزمانٍ طويلٍ. أما القديسون إذ لا يشغفون بالزمنيات، ليس فقط لا يسقطون تحت ثقل الشهوات الوقتية، بل هم متحررون من التعب حتى إن ثارت الصلبان، في هذه الأحوال وفي الضعفات.

فإنه أي شيء أقسى من الجلد؟ ومع هذا كُتب عن الرسل عندما جُلدوا: "وأما هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع، لأنهم حُسبوا مستأهلين أن يُهانوا من أجل اسمه" (أع 41:5). أي شيء يمكن أن يُقلق أذهان الذين حين تأدبوا بالضربات لم يضطربوا؟

"يولد الإنسان للمشقة"، لأنه بالحق يشعر بشرور الحال الحاضر عندما يتوق نحو الصالحات... لذلك حسنًا أضيف: "والطائر للطيران".

فالنفس تنسحب من آلام المشقة وهي تقوم بالرجاء في العلويات. ألم يكن بولس كالطائر وُلد للطيران، هذا الذي احتمل صلبان لا عدد لها، قائلاً: "محادثتنا في السماء". وأيضًا: "لأننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضي، فلنا في السماوات بناء من الله بيت غير مصنوع بيدٍ أبدي" (2 كو 1:5). إنه كطائر صعد فوق المناظر الدنيا. مع أنه كان سالكًا على الأرض في الجسد، كان جناحا الرجاء يحملانه في العلويات.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     مخاوف المجاهد تصير له علة حياة لخلاصه، وعلى العكس تصير لعار أعدائه والسخرية بهم. يرد كل هجماتهم ويجعلها باطلة، ويصد كل إغراءاتهم... يقدم العدو معركة لأيوب ضد (شيطان) في الهواء، يتحرك بطريقة رهيبة بين السماء والأرض. فقد سقط (لوسيفر) من السماوات (إش 12:14)، ولم يدعه القديسون الذين على الأرض يستريح عليها، مع أنه يرغب في أن يتمتع بدمارنا. فإنه إذ هزمه أيوب مرارًا لم يوقف المعركة، دون انتظار إلى النصرة الحاسمة، بل يتطلب مرارًا أن ينهك البار.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

4. الله ملجأ المتضايقين


لَكِنْ كُنْتُ أَطْلُبُ إِلَى اللهِ، وَعَلَى اللهِ أَجْعَلُ أَمْرِي [8].

إن استبعدنا نية أليفاز ونظرته الخاطئة لأيوب، فإن كلماته لا يشوبها عيب. إن كان الإنسان بسبب تعديه على وصية الله صار مولودًا للمشقة، فليس من علاجٍ آخر سوى الرجوع إلى الله، والاتكال عليه، فهو السند الحقيقي للمتألمين. كأن أليفاز يقول له: لو كنت في موضعك يا أيوب، ما كنت أتذمر وألعن يوم ميلادي، وإنما ألجأ إلى الله، وأخضع لمشيئته، بكونه مصدر كل خيرٍ وتعزيةٍ. أبسط أمري أمام الله، ما يحسن في عينيه يفعله (1 صم 3: 18). وكما يقول المرتل: "سلٌَم للرب طريقك، واتكل عليه، وهو يجري" (مز 5:37). "أقول للرب: ملجأي وحصني، إلهي فأتكل عليه" (مز 2:91). وقول الرسول: أعلى أحد بينكم مشقات فليصلِ" (يع 13:5).

     إذ وجدت حالي هكذا، يقول، فإن ثقتي لا تشبه ثقتك، إنما أنتظر عالمًا إن الله هو السيد. أنت تربك نفسك، أما أنا فأنتظر الله دون التوقف عن دعوته ودون فقدان الرجاء. فهو على الدوام قادر أن يستبدل الظروف ويغيرها. إني أجد نفسي في وسط الشرور، لكن الله قادر أيضًا أن يضعني في وسط الخيرات، إذ ينقلني من حالي السابق إلى هذا الحال. يقول: "الرب هو القدير، بمعنى أنه سيد الكل، ضابط كل الظروف، وكل الأماكن والأشياء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     يقول له: أنت في الواقع لست أهلاً للصلاة. أنا نفسي سأدعو رب الكل. فإنك إذ أنت معتد بنفسك لم تعد تدعو رب الكل، ولهذا هاجمتك هذه الشرور الحاضرة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     أيها الرب، إنك تتوجنا بترس إرادتك الصالحة. ماذا يعني هذا؟ إنك تحرسنا، وتجعلنا منتصرين، وبعد النصرة تعطينا إكليلاً[233].

 القديس جيروم

     أشر إليه بما يؤلمك، أشر إليه بما تشتهيه![234]

     "تقول للرب: ملجأي وحصني إلهي، فأتكل عليه" (مز 2:91).

من الذي يقول هكذا للرب؟ "الساكن في ستر العلي"، وليس في ستره هو. من هو هذا الذي يسكن في ستر العلي؟ ذاك الذي لا يتكبر مثل هذين اللذين أكلاً (من شجرة معرفة الخير والشر) ليصيرا إلهين، ففقدا خلودهما الذي خُلقا عليه. لقد اختارا أن يسكنا في سترهما، لا في ستر العلي. هكذا أنصتا إلى مشورة الحية (تك 5:3)، واستخفا بوصية الله، وأخيرًا اكتشفا أن ما هدد به الله تحقق فيهما وليس وعد الشيطان لهما. لذلك لتقل أنت أيضًا: "عليه أتكل، فهو ينجيني، ولست أنا أنجي نفسي[235].

     ليس أحد يعينه الله ما لم يصنع هو شيئًا. إنه سيُعان إن صلي[236].

     الأثر الكامل للإيمان هو هذا: يجعلنا نسأل فنأخذ، نطلب فنجد، نقرع فيُفتح لنا. بينما الإنسان الذي يجادل يغلق باب رحمة الله أمام نفسه[237].

     خلقتنا لك يا رب، ولن تستقر قلوبنا حتى تستريح فيك[238].

القديس أغسطينوس

الْفَاعِلِ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ، وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ [9].

لا نخشى من تسليم ذواتنا كما كل أمورنا بين يدي الله، فهو الصانع العظائم والعجائب بلا حصر. هو القدير، عظائمه لا يُمكن إدراكها. "لا يدرك الإنسان العمل الذي يعمله الله من البداية إلى النهاية" (جا 3: 11).

     تجاسر الهراطقة بالتجديف عليه... تجاسروا بالتجديف على من أعلن عنه الأنبياء أنه الله القدير. أما أنتم فاعبدوا الله الواحد القدير، أبًا ربنا يسوع المسيح. اهربوا من خطأ الإيمان بآلهة كثيرة. اهربوا من كل هرطقة، وقولوا: "أطلب من الرب القدير، الفاعل عظائم لا تفحص، وعجائب لا تُعد"... الذي له المجد إلى أبد الأبد، آمين[239].

القديس كيرلس الأورشليمي

يُدعى الله بالصانع العجائب، ليس استعراضًا لقوته بأنه يفعل ما يفوق الطبيعة التي خلقها، ولا رغبة في كسر نواميسها، إذ هو مُوجدها، ولكن من أجل محبته للإنسان يصنع عجائب، ليجعل من شعبه عجبًا! محبته الفائقة لبني البشر أمر عجيب للغاية! يجد رجال الله مسرتهم وسعادتهم في التسبيح لله أنه صانع عجائب!

"عظيم أنت وصانع عجائب، أنت الله وحدك" (مز 86: 10).

"السماوات تحمد عجائبك يا رب وحقك أيضًا في جماعة القديسين" (مز 89: 5).

"حدثوا بين الأمم بمجده، بين جميع الشعوب بعجائبه" (مز 96: 3).

"رنموا له، أنشدوا بكل عجائبه" (مز 105: 2).

"فليحمدوا الرب على رحمته وعجائبه لبني آدم (مز 107: 8).

"من هو فنغبطه، لأنه صنع عجائب في شعبه" (سيراخ 31: 9)

     يخبر بعجائب الله (مز 1:9) من يراها تتحقق ليس فقط علنًا في جسده، وإنما أيضًا بطريقة غير منظورة في نفسه، بل هذه العجائب أكثر سموًا ورفعة. فالبشر كأرضيين وينقادون بما يرونه بالعين يتعجبون بالأكثر أن لعازر الميت يقوم في الجسد، أكثر من تعجبهم أن بولس المضطهد يقوم في الروح (يو 11؛  أع 9). ولكن تدعو الأعجوبة المنظورة النفس للتمتع بالنور، أما بغير المنظورة يعبر الإنسان ليدرك غير المنظورة فيتحدث عن كل عجائب الله[240].

     أن تفرح بأعمال الله (العجيبة) تنسى حتى نفسك، إذ يمكنك أن تبتهج فيه وحده. فإنه أي شيءٍ أفضل منه؟ ألا ترى هذا أنك إذ ترجع إلى نفسك، إنما ترجع إلى أمر خاطئ. "أتذكر عجائبك منذ القدم" (مز 11:77)... "أنت الإله الصانع العجائب وحدك" (مز 14:77). بالحقيقة أنت الإله العظيم، تصنع عجائب في الجسد كما في النفس، أنت وحدك الصانع لها. الصم يسمعون، والعميان يبصرون، والضعفاء يشفون، والأموات يقومون، والمفلوجون يتشددون. لكن هذه العجائب تمت في ذلك الحين في الجسد. لننظر تلك التي تمت في النفس. هؤلاء الذين كانوا منذ قليل سكرى صاروا عاملين، هؤلاء الذين كانوا منذ قليل عبدة أصنام صاروا الآن مؤمنين، هؤلاء الذين كانوا قبلاً يسلبون الآخرين الآن صاروا يقدمون عطايا للفقراء[241].

     "السماوات تحمد عجائبك يا رب" (مز 5:89)... فإنه في كل عمل رحمة من نحو النفوس المفقودة، عمل تبرير للخطاة، ماذا نسبح سوى أعمال الله العجيبة؟ أنتم تحمدونه لأن الموتى يقومون، أحمدوه بالأكثر لأن المفقودين قد خلصوا. بالأمس قد رأيت يا إنسان دوامة سكر، الآن ترى جمالاً لضبط النفس. بالأمس كنت ترى مجدفًا على الله، الآن تراه مسبحًا له. بالأمس كان عبدًا للمخلوق، اليوم صار عابدًا للخالق. هكذا تحول البشر عن هذه الأحوال الرهيبة. ليتهم لا يتطلعون إلى استحقاقهم الذاتية. ليصيروا سماوات ويحمدوا عجائب ذاك الذي جعلهم سماوات"[242].

القديس أغسطينوس

الْمُنْزِلِ مَطَرًًًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، وَالْمُرْسِلِ الْمِيَاهَ عَلَى الْبَرَارِيِّ [10].

يقدم لنا مثلاً من الطبيعة على عظائم الله. "المُنزل مطرًا على وجه الأرض". غالبًا ما نستخف بالمطر، لكنه عمل عظيم يكشف عن قدرة الله، بدونه كان يمكن أن تتدمر الحياة.

في وسط آلامنا وضيقاتنا إذ نصرخ إلى الله خالق السماء والأرض، يتطلع إلينا فيغطي نفوسنا بالسحاب بكونها سماواته، ويمطر على حياتنا بمياه روحه القدوس واهب التعزيات السماوية. فنقول: عند كثرة همومي في داخلي... تعزياتك تُلذذ نفسي" (مز 19:94). يرى القديس جيروم أن السحاب الذي يغطي النفس السماوية هم جماعة الأنبياء والرسل، وأن المطر الذي يهبه الله إيانا هو وصيته المفرحة أو تعاليمه الإلهية.

     كل واحد غير أهلٍ لفهم التعليم الإلهي، فبالنسبة له هذا التعليم مُغطى بالسحاب. "المهيئ للأرض المطر" (مز 8:147) تحتاج الأرض إلى المطر، فإن لم تتقبل أرضنا المطر، الذي هو ينبوع التعليم الإلهي، لا تخرج ثمرًا[243].

     كان موسى سحابة لذلك يقول: "يهطل كالمطر تعليمي" (تث 1:32) رسالته هي مطر روحي ينزل علينا. كواقعٍ حقيقيٍ ماذا يقول بولس في رسالته إلى العبرانيين؟" لأن أرضًا قد شربت المطر الآتي عليها مرارًا كثيرة" (عب 7:6). مرة أخرى يقول: "أنا غرست وأبولس سقى" (كو 6:3)[244].

     السحاب هم الأنبياء والرسل الذين يسقون قلوب البشر القفر بأمطار تعاليمهم[245].

القديس جيروم

يترجم البابا غريغوريوس (الكبير) هذه الآية: "المرسل المياه على البراري" بأنها "على كل شيءٍ"، وأن الإنسان يمثل كل شيءٍ. فإن أعظم العجائب هي خلقة الإنسان الممثل للمسكونة كلها: [الإنسان يشترك مع الحجارة في الوجود، ومع الأشجار في الحياة، ومع الحيوانات في الإحساس، ومع الملائكة في التمييز. إنه بحق يمثل لقب "المسكونة"، إذ فيه تُحتوى كل المسكونة. هكذا يقول الحق لتلاميذه: "اذهبوا إلى كل العالم، وبشروا بالإنجيل لكل الخليقة" (راجع مت 19:28-20). فإن كل الخليقة هي من أجل الإنسان وحده، الذي فيه خلق ما هو عام بكل الأشياء.]

     لم يدخل الإنسان البشري إلى عالم الموجودات بعد (أي حتى اليوم السادس)... فإنه لا يليق بالحاكم أن يظهر قبل ظهور الأمور التي يسيطر عليها.

لكن ما أن صارت سلطنته مستعدة، حيث أعد الخالق كل الأشياء كمسكنٍ ملوكيٍ للملك القادم، حتى أُعلن عن الحاكم!

هذا المسكن الملوكي هو الأرض والجزائر والبحر والسماء التي هي كقوسٍ يحوط فوق الكل أشبه بسقفٍ لها.

في هذا القصر اختزن غنى من كل نوع: كل عالم النباتات والحيوانات، كل ما له جسد ونَفَسْ وحياة. وإن أراد أحد أن يحصي الأمور المادية كغنى يجد أيضًا كل ما هو جميل وذات قيمة في نظر الإنسان، من ذهبٍ وفضةٍ وحجارةٍ كريمةٍ، يتمتع بها.

لقد خبأ الخالق هذه الأشياء بفيضٍ في حضن الأرض، كما لو كانت كنزًا ملوكيًا، حتى متى ظهر الإنسان البشري في العالم، يتأمل بعضها، ويسيطر على البعض الآخر. فإنه إذ يتمتع بهذه الأمور يشكر واهب الخيرات. وإذ ينظر جمال الأمور التي يراها وضخامتها ينجذب إلى قوة خالقها العظيمة غير المدركة[246].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

     يعطى القدير مطرًا على الأرض، عندما يروي قلوب الأمم الجافة بنعمة الكرازة السماوية، ويرسل المياه على كل الأشياء، إذ بملء الروح يحول عقم الإنسان المفقود إلى الإثمار، كما يقول الحق نفسه بشفتيه: "من يشرب من الماء الذي أنا أعطيه لن يعطش" (يو 14:4).

البابا غريغوريوس (الكبير)

الْجَاعِلِ الْمُتَوَاضِعِينَ فِي الْعُلَى، فَيَرْتَفِعُ الْمَحْزُونُونَ إِلَى أَمْنٍ [11].

أما المثل التالي فهو قدرة الله التي تتجلى في المتواضعين حيث يرفعهم العلي، وعملهم في حياة الحزانى فيهبهم أمانًا.

دفعت النكبات المتوالية أيوب لينزل إلى المزبلة، إذ لم يُعد له موضع يسكن فيه ويستريح. لكن إذ يتواضع بدون تذمر يصير في العلا، أي يحلق في السماوات، فالتواضع هو السلم الذي تصعد به النفس بالمسيح يسوع إلى حضن الآب.

حقًا إن الحزن يسحق الإنسان ليصير كمن هو منحدر إلى المرارة والدمار، لكنه إذ يحزن في الرب يصعد إلى الأمان الحقيقي.

الْمُبْطِلِ أَفْكَارَ الْمُحْتَالِينَ، فَلاَ تُجْرِي أَيْدِيهِمْ قَصْدًا [12].

المثل الثالث تدخل الله في شئون البشر، فمع ما وهبهم من حرية إرادة لكنه لا يترك الأمور تسير بلا ضابط، فهو "يبطل أفكار المحتالين"، فلا تُترك أيديهم تستقر على رؤوس الصديقين.

بالالتجاء إلى الله يتمتع المؤمن بالحق الإلهي، فلا يستطيع المحتالون أن يضعوا أياديهم على المؤمن. ولا يقدر الباطل والخداع أن يتراءى في وجود الحق، لأن الحق نور يبدد الباطل، الظلمة. ففي وسط الظهيرة تصير حياتهم ليلاً قاتمًا للغاية. ليس لملكوت النور أن يملك عليهم، بل تسيطر عليهم مملكة الظلمة.

كثيرًا ما كانت القيادات اليهودية في مكرٍ يظنون أنهم قادرون على اصطياد السيد المسيح، أما هو فكان يسمح لهم أن يجربوه، وخلال مكرهم يحكمون على أنفسهم بأنفسهم. فالمكر والخداع لا يستطيعان الوقوف أمام الحكم. إنما يحملان الفساد في داخلهما.

     عندما يحتالون بأمورٍ شريرةٍ يُظهرون أنفسهم ما هم عليه، وإذ لا يستطيعون إتمام مقاصدهم يحفظ (الله) الذين يدبرون الشرور ضدهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

الآخِذِ الْحُكَمَاءَ بِحِيلَتِهِمْ، فَتَتَهَوَّرُ مَشُورَةُ الْمَاكِرِينَ [13].

اقتبس الرسول بولس هذه الآية في رسالته الأولى إلى كورنثوس [٣: ١٩].

يستطيع الله بسهولة فائقة أن يهدم مؤامرات الماكرين، الذين يحسبون في أنفسهم أنهما حكماء، ليس من يقدر أن يقف أمامهم. لقد أبطل ويبطل مشورات الكثيرين كمشورة أخيتوفل الذي كان يخطط لأبشالوم ليقتل أبيه داود ويستلم عرشه، وأيضًا أبطل مشورة سنبلط (نح 4: 7-23)، ومشورة هامان (اس 8). حقًا كل آلة صورت ضد كنيسة الله لن تنجح (إش 54: 17).

"في الشبكة التي أخفوها انتشبت أرجلهم" (مز 9: 15). "سقط في الهوة التي صنع، يرجع تعبه على رأسه، وعلى هامته يهبط ظُلمه" (مز 7: 15-16).

يقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) مثلين كيف يأخذ الله الحكماء بحيلتهم، الأول من العهد القديم والثاني من العهد الجديد. ففي العهد القديم أراد إخوة يوسف الخلاص من أخيهم لئلا يسمو عليهم ويخضعوا لسلطانه، وبحسب حكمتهم البشرية باعوه عبدًا. فاستخدم الله تصرفهم هذا وبتدبيره الإلهي صار عظيمًا في مصر، وسجدوا هم أمامه. أما الثاني فهو حكمة العبرانيين في العهد الجديد حيث أراد الكهنة والقيادات الدينية الخلاص منه لئلا يسير العالم كله وراء السيد المسيح (يو 19:21)، حكموا عليه بالموت، وإذا بذات الوسيلة – الصليب - سار العالم كله وراءه.

     كيف يأخذ الله الحكماء بمكرهم؟ بأنهم وهم يظنون أنهم قادرون أن يعملوا بدون الله يجدون أنفسهم بالأكثر محتاجين إليه. يسقطون في مأزق ليظهروا أنهم أقل من صيادي السمك والأميين الذين لا يستطيعون الآن أن يعملوا بدون حكمتهم[247].

القديس يوحنا ذهبي الفم

     تملق الرئيس يسوع (لو 18:18)، وحاول أن يخدعه، فتظاهر أنه يتخذ موقفًا متعاطفًا معه. ولكن بماذا أجاب العالم بكل شيءٍ وهو كما هو مكتوب عنه: "الآَخذ الحكماء بمكرهم" (13:5)؟[248]

 القديس كيرلس الكبير

فِي النَّهَارِ يَصْدِمُونَ ظَلاَمًا، وَيَتَلَمَّسُونَ فِي الظَّهِيرَةِ كَمَا فِي اللَّيْلِ [14].

المؤمن الحقيقي حياته نهار مستمر بلا ظلمة، وكما يقول الرسول: "جميعكم أبناء نور، وأبناء نهار، لسنا من ليلٍ ولا ظلمةٍ" (1 تس 5:5). كان لوط لا يعرف الظلمة حين استقبل الملاكين وألح أن يستضيفهما ويبيتا في منزله، لكن الأشرار كانوا في ظلمة ولم يدركوا أنهما ملاكان من نور، فأرادوا أن يعرفوهما ويرتكبوا معهما شرًا مفسدًا، فأصيب الرجال بالعمى، وصاروا كمن في ظلمة وعجزوا عن أن يجدوا باب البيت (تك 11:19)، هكذا عوض التمتع بالنور الملائكي سقطوا في ظلمة الشر، وفقدوا بصيرتهم الداخلية والخارجية.

     "في النهار يصدمون ظلامًا"، لأنه في حضور الحق ذاته قد أُصيبوا بالعمى بخداع عدم الإيمان... هكذا فإن النور نفسه ينصحهم قائلاً: "سيروا مادام لكم النور لئلا يدرككم الظلام" (يو 35:12).

إذ يرى الأشرار جيرانهم يصنعون شيئًا حسنًا يُصابون بألم حسدهم، ويعانون من عذابات حقدهم المؤلم، عندما يرون بقلوبهم المفعمة بالحسد أمورًا صالحة في الآخرين. لذلك حسنًا قيل: " في النهار يصدمون ظلامًا" عندما تحزن أذهانهم لأجل سمو الغير يحدث ظلاً من شعاع النور...

ينشغلون بغيرة وبفحصٍ شديدٍ ليجدوا شيئًا يمَّكنهم أن يتهموا به الآخرين. إنهم بالحق يرون كل الأعضاء سليمة لكن بعيون قلوبهم المغلقة يطلبون أن يجدوا بالمشاعر بلوى للغير...

البابا غريغوريوس (الكبير)

     أشر ما في الحسد أنه داء يُطوى في الكتمان. ترى الحسود خافض البصر، كالح الوجه، يشتكي باستمرار من عذاب داخلي مما يذبل وجهه ويضني جسده، فيهزل ويضعف. فهو يستحي أن يقول: "إني حسود، اشعر بالمرارة والحزن للخير الذي حصل عليه إنسان غيري، وإني أتعذب لسعادة أصدقائي، ولا أطيق نجاح أترابي. إني أرى أن سعادة الآخرين سيف يمزق أحشائي ويطعنني في الصميم". هذا ما كان يجب أن يبوح به الحاسد. لكنه يفضل أن يحفظه في قلبه ويصمت، وهكذا يبقى الداء في ذاته، فيضنيه العذاب، ويفنى جسمه قليلاً قليلاً[249].

القديس باسيليوس الكبير

     تتألم الوحوش والطيور والدبابات لآلام أجناسها التي في الطبيعة، وتتعاون معًا ضد المضادين لها، أما الحاسد فيفعل عكس هذا، يفرح بسقوط الأخ والقريب والبعيد والنسيب والصديق.

     يحسب الحاسد مصائب الآخرين فائدة لنفسه أكثر من أي نجاح له... صائرًا كعدوٍ عامٍ ضد البشرية وصفعة لأعضاء الكنيسة. لأنه أي شيء أقرب إلى الجنون من الحسد؟!

    الشيطان حاسد، لكنه يحسد البشرية، ولا يحسد شيطانًا آخر، أما أنت فإنسان تحسد أخاك الإنسان، وبالأخص الذين هم من عائلتك وعشيرتك، الأمر الذي لا يصنعه الشيطان.

     ليس داء أشر من الحسد والحقد فعلى أساسه دخل الموت إلى العالم (حك 2: 24)، لأن إبليس لما أبصر الإنسان مكرمًا لم يحتمل حُسن حاله، فعمل كل ما أمكنه حتى قتله. وبالحسد ذُبح هابيل، وقارب داود أن يُقتل، وقُتل آخرون كثيرون من ذوي البر، وصار اليهود قتلة المسيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم


الْمُنَجِّيَ الْبَائِسَ مِنَ السَّيْفِ،
مِنْ فَمِهِمْ وَمِنْ يَدِ الْقَوِيِّ [15].

تهدف مشورة الماكرين إلى إبادة المساكين، لكن الله ينجيهم من سيفهم كما من فمهم وأياديهم. هو ضابط الكل، يعمل لحساب المساكين، ولا تقف مشورات الأشرار ولا أياديهم القوية ولا سيوفهم أمامهم.

إذ يلقى المؤمن بحياته كلها في يد الرب لا يخشى سيف إبليس القاتل للنفس، ولا يفقد رجاءه بسبب هذا القوي. فإن كان إبليس يحمل سيف الافتراء والتدمير، وهو قتال منذ البدء، لكن الذي معنا أعظم من الذي علينا. معنا إلهنا الذي ينجي بنفسه، كما يرسل ملائكته لحراستنا. فيه تتمتع بالرجاء، ولا يقدر اليأس أن يسيطر على قلوبنا أو أفكارنا.

    "صوت الرب مُكسٌَر الأرز" (مز 5:29)، لأن المسيح يعتمد، والشياطين التي كانت قبلاً منتفخة متعالية تتحطم في كومة الدمار "يكسرهم الرب. مثل عجلٍ، يقذف بهم في الهواء كقطعٍ من الأشجار ويبعثرهم في أماكن بعيدة في أجزاء[250].

     "اخرس" (مر 25:1)! ليكن صمتك مديحًا لي. لا أطلب صوتك يمدحني، بل عذابك وعقوبتك مديح لي. لست أُسر بمديحك لي، أفرح بمفارقتك. "أخرس وأخرج من الرجل" (راجع مر 25:1). كأنه يقول: أخرج من مسكني، ماذا تفعل في حجرتي التي للضيوف؟ أريد أن أدخل. أخرس وأخرج من الرجل (الحيوان العاقل). أخرج من الرجل، أترك حجرة الضيافة التي أُعدت لي. الرب يريد مسكنه... إنها ليست إرادتي أن تقتنيه... لقد أخذت أنا جسدًا بشريًا... الجسد الذي تقتنيه الآن يشارك جسدي، أخرج منه![251]

     إنهم يهدفون إلى إطلاق أسهمهم في الظلمة نحو القلب المستقيم... لأنني أقف في خط المعركة، متيقظًا ومتمنطقًا مستعدًا للمعركة. إنني لن أغفل عن الجهاد الذي بدأ، خاصة وأنكم تقولون إنهم قد شدوا أوتار أقواسهم، وصارت السهام مُعدة في جبعتهم، وها هم ينتظرون في الظلمة ليجرحوا قديسيَّ، لكنهم ليسوا بعد قادرين على تصويبها. لقد شدوا الوتر، لقد ملأوا الجعبة. إنهم مستعدون لتصويب سهامهم في الظلمة في القلب الصادق. الآن إذ استعدوا تمامًا أضع نفسي بينهم، وأقف مقابل سهامهم، حتى بألمي لا يشعر خدامي بالألم، وبجراحاتي يُشفون، وبآلامي لا يتألمون، بل يقولون: "كأنه بترس تحيطه بالرضا" (مز 13:5)[252].

القديس جيروم

     يضيف أن الله يعمل ما هو مضاد عندما يُظهر اهتمامًا بالضعفاء. "يعطى الضعفاء رجاء، ويبكم أفواه الظالمين"... كان أليفاز مشغولاً بأن يقيم حوارًا، به يحط من شأن أيوب. لكن من عادة الله أن يرفع الضعفاء ويذل الأقوياء ويُخزى المخادعين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

فَيَكُونُ لِلذَّلِيلِ رَجَاءٌ، وَتَسُدُّ الْخَطِيَّةُ فَاهَا [16].

إذ يتطلع البائس إلى الماكرين ينهار في اليأس، لكن إذ يتطلع إلى الله يمتلئ رجاءً، فتُسد أفواه الماكرين، ولا تستطيع الخطية الكامنة فيهم أن تنطق بكلمةٍ، لأن الله نفسه تِكلم.

     حتى وإن كانت هذه القوى (الشريرة) ترتفع وتغلب، فلتعلم أن هذا تأديب الله، فإنهم وإن انتصروا لكنهم سيُدانون بدينونة عادلة. لتكن متأكدًا من هذا، أن الوحش سيُذبح في الوقت المعين. وأما أنت يا أخي فلتكن غيورًا في التماس الرحمة لكي يكون سلام شعب الله[253].

القديس أفراهاط

هُوَذَا طُوبَى لِرَجُلٍ يُؤَدِّبُهُ اللهُ، فَلاَ تَرْفُضْ تَأْدِيبَ الْقَدِير [17].

يميز أليفاز بين تأديب الرب لمؤمنيه وبين العقوبة التي يفرضها على الأشرار. فهو يقدٌَر تأديب الله الأبوي للمؤمن متى سقط.

يقدم أليفاز في آخر حديثه الأول تعزية، كان أليفاز نفسه محتاجًا إليها، وهي قبول تأديب الرب القدير.

ما حلّ بأيوب لم يكن إلا تأديبًا من الله القدير المحب. ومن الحماقة والجنون مخاصمة الرب وتجاهل أبوته الحانية حتى في لحظات التأديب نفسها.

جاءت الكلمة العبرية المترجمة "لا ترفض" تعني "لا تكره"، فيليق بالمؤمن أن يخضع بسرورٍ لإرادة الله وتأديباته، حتى وإن كانت مرة، فنحن في حاجة إلى عصا التأديب، ولنحسب أن ما يحل علينا نستحقه، وهو دواء مرّ نافع لشفائنا.

كما تعني أيضًا لا تسيء بتفكيرك عنه، ولا تستخف بما عمله، بل تنحني أمامه وتثق في حكمته وعنايته.

كما تعني ألا تتغاضى عنه، كأن ما حلّ هو من قبيل الصدفة، وليس عن خطة إلهية حكيمة ومحكمة. لتحسب التأديب هو صوت الرب ورسالته السماوية.

هكذا يليق بنا قبول تأديب الرب، وتقدير حكمته، والخضوع له بخوفٍ ورعدةٍ، واثقين أنه لبنياننا الأبدي. إنه يفطمنا عن العالم والخيرات الزمنية لكي نلتصق بواهب الخيرات نفسه ويهيئنا للمجد الأبدي.

ما أجمل أن يوجه القائد نفسه ومن هم حوله نحو بركات تأديب الرب لمؤمنيه. فمع ما فيها من مرارة ومتاعب، لكنها غير مدمرة، إنها وقتية، تهب قوة ليقف المؤمن حتى أمام وحوش الأرض، لأنه يشعر أن ما يحل به هو بسماحٍ من الله لبنيانه وإصلاحه وتزكيته.

لكن هدف أليفاز هنا ليس تشجيع أيوب على قبول الألم من يد الله، إنما يدعوه إلى أن الله لا يطلب تأديبه بل تدميره، لأنه تعدى الحدود، وبهذا لم تعد آلامه إلا عقوبة،  وإن بدت عنيفة للغاية، لكنها ليست إلا عربونًا لما يليق بأيوب أن ينتظره في يوم الدينونة، لأنه أشر الأشرار.

     الرمانة مغطاة بقشرة جامدة ومرّة، فإن هذه القشرة الخارجية غير صالحة للأكل، ولكن الداخل جميل المنظر، وبه بذور منسقة بعناية، وطعمه حلو. وهكذا حياة الفلسفة (الحكمة الروحية)، تبدو من الخارج جافة وغير مبهجة، ولكن عندما تنضج تكون مليئة بالآمال الطيبة. وعندما يفتح البستاني (الله) رمانة الحياة في الوقت المناسب ويظهر جمالها المخفي، فإن الذين يذوقونها يستمتعون بحلاوتها. ويقول بولس الرسول: "وأي تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن (أي أول انطباع عن الرمان بالنسبة لقشرته)، أما أخيرًا فيعطي الذين يتدربون به ثمر برّ السلام" (عب 12: 11) (أي حلاوة الثمرة من الداخل)[254].

القديس غريغوريوس النيسي

لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ، يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ [18].

بينما سمح الله بالقروح في جسد أيوب كجراحات مرة، لكنه جرّاح ماهر، يعصب الجراحات الداخلية للنفس، ويهبها تعزيات روحه القدوس الشافية.

في تأديبه يبدو كمن يسحق، لكنه يرد لمؤمنيه كل كرامةٍ ومجدٍ على مستوى أبدي، بهذا يداه تشفيان. يرتل موسى النبي: "فرحنا كالأيام التي فيها أذللتنا، كالسنين التي رأينا فيها شرًا" (مز 90: 15). ويقول هوشع النبي: "هو افترس فيشفينا" (هو 6:1).

     إذ يجرح يشفي، فإننا إذ نُطعن برمح مخافته يردنا إلى الحس السليم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     لذلك فإذا رأى أحد في أي وقت الشر في أشخاص كثيرين، ولكن غضب الله لا يحل على الجميع، وإنما على البعض فقط، يجب أن يُدرك أن التأديب يُطبق بحبٍ على الجنس البشري. فإن الضربات لا تحل على الجميع، ولكن الضربات التي تحل على البعض تؤدب الجميع ليرجعوا عن الشر[255].

القديس غريغوريوس النيسي

     "لأن الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله" (عب 12: 6). أولاً يجرح، وبعد ذلك يشفي. فهو يجلب ألمًا ثم يعصب.

على نفس الوتيرة يقول: "قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك، لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض، وتبني وتغرس" (إر 1: 10). مهما يكن الأمر فإنه يلزم أولاً إزالة ما هو رديء منا (من داخلنا)، فالله لا يقدر أن يبني حيث يوجد بناء حقير. فأية شركة بين البرّ والشر، وأيّ اتفاق بين النور والظلمة (2 كو 6: 14).

يلزم اقتلاع الشر من جذوره، يلزم هدم بناء الشر من نفوسنا، حتى يمكن للكلمة أن تبني وتغرس[256].

     عندما لا تُنزع الشرور أولاً، لا نقبل الصلاح. إنه يحطم المباني الهزيلة التي لعدم الإيمان، إذ هو السيد الذي يبني الخيمة الحقيقية التي يصنعها هو وليس إنسانًا (عب 8: 2)، والتي قال عنها بولس: "أنتم بناء الله" (1 كو 3: 9)[257].

     "وأيضًا في تلك الأيام يقول الرب أفنيكم" (إر 5: 18)...

يتمهل الله في إدانته للذين يستحقون العقاب، حتى يعطيهم فرصة للتوبة. فهو لا يعاقب على الخطية في الحال، ولا يوقع الفناء بالخاطئ، بل يتمهل في العقاب.

نجد مثالاً على هذا في سفر اللاويين: في اللعنات التي قيلت للذين يخالفون الشريعة، فبعد الإعلان عن العقوبات الأولي، قيل: "وإن كنتم مع ذلك لا تسمعون لي أزيد على تأديبكم سبعة أضعاف" (لا 26: 18). ثم يذكر أيضًا عقابًا آخر: "وإن كنتم بذلك لا تسمعون لي بل سلكتم معي بالخلاف، فأنا أسلك معكم بالخلاف ساخطًا" (لا 26: 27). من هنا يتضح لنا أن الله يوقع العقوبات ببطءٍ شديدٍ، لأنه يريد أن يقود الخاطئ إلى التوبة بدلاً من أن يجعله يدفع الثمن في الحال.

هذا أيضًا ما حدث مع الشعب، فقد كان الرب يتوعد بالآلام التي سوف تحل به، ثم قال له بعد ذلك: "وأيضًا في تلك الأيام لا أفنيكم"[258].

v     "لأن هذا زمان انتقام الرب". يوضح الكتاب المقدس أن العقوبات تُوقع على الإنسان الذي يحتملها ويصبر في احتمالها. فعندما لا يعاقب الإنسان على الأرض يظل هكذا بدون عقاب حيث يتم عقابه في يوم الدينونة. ويقول الرب على لسان هوشع النبي: "لا أعاقب بناتكم لأنهن يزنين، ولا كناتكم لأنهن يفسقن" (هو 4: 14). الله لا يعاقب الخطاة بسبب غضبه عليهم، كما يظن البعض، أو بمعني أخر إن الله عندما يوقع عقابًا بإنسان خاطئ، فإنه لا يوقعه بدافع الغضب من هذا الإنسان، بل على العكس، فإن علامة غضب الله على الإنسان تتمثل في عدم توقيع العقاب عليه. لأن الإنسان المُعاقب حتى ولو تألم تحت تأثير هذا العقاب، إلا أن القصد هو إصلاحه وتقويمه. بقول داود: "يا رب لا توبخني بغضبك ولا تؤدبني بسخطك" (مز 6: 1). لو أردت أن تؤدبني، فكما يقول إرميا: "أدبني يا رب، ولكن بالحق لا بغضبك لئلا تفنيني" (إر 10: 24). كثيرون أُصلحوا بسبب عقوبات الرب وتأديباته لهم. كما يقول الكتاب، إن أبناء السيد المسيح حينما يخطئون يتم عقابهم لكي تكون أمامهم فرصة للرحمة من قبل الرب: "إن ترك بنوه شريعتي، ولم يسلكوا بأحكامي، إن نقضوا فرائضي، ولم يحفظوا وصاياي، افتقد بعصا معصيتهم وبضربات إثمهم، أما رحمتي فلا أنزعها عنهم" (مز 89: 30-33).

من ذلك نفهم أنه إذا ارتكب أحد الخطايا ولم يعاقب حتى الآن يكون علامة عن عدم استحقاقه للعقاب بعد[259].

العلامة أوريجينوس

فِي سِتِّ شَدَائِدَ يُنَجِّيكَ، وَفِي سَبْعٍ لاَ يَمَسُّكَ سُوءٌ [19].

كان الحديث السابق عامًا، أما الآن فيوجه حديثه بوجه خاص إلى أيوب مباشرة، مقدمًا له مواعيد الله الثمينة، ومعلنًا عن مراحمه العظيمة.

حقًا لم يكن أصدقاء أيوب مسترشدين برَوح الله في كل ما قالوه، لكنهم قدموا وعودًا إلهية عرفوها بالتقليد الشفوي. وإن كانوا أحيانا نطقوا على الله وعلى أيوب كلامًا غير مستقيم.

بقوله: "في ست شدائد ينجيك، وفي سبع لا يمسك سوء" يؤكد تكرار الضيقات والمتاعب، مع تكرار العون والخلاص. مادمنا في العالم نتوقع ضيقات، لكننا نثق في عون الله أبينا واهتمامه بخلاصنا وسلامنا. يقول الرسول بولس: "أية اضطهادات احتملت، ومن الجميع أنقذني الرب" (2تى 3: 11).

"لا يمِسك سوء" لن تسبب الضيقات أضرارًا حقيقية، فالشرير لا يمس أولاد الله (1 يو 5: 18)، بل هم محفوظون في يد الله مخلصهم.

     بماذا يشير رقم 6 الذي تلاه رقم 7 إلا إلى التعب في فترة الحياة الحاضرة؟ فإن الله بعد أن أكمل كل شيء في اليوم السادس خلق الإنسان واستراح في اليوم السابع. هذا اليوم السابع عينه بدون مساء، إذ ليس بعد أية نهاية لينهي الراحة التي تبعتها. فعندما أُكملت كل الأشياء تبع ذلك الراحة، فإنه بعد الأعمال الصالحة للحياة الحاضرة تأتي بعدها مكافأة الراحة الأبدية. لهذا فإنه "في ست شدائد ينجيك الرب"، وهكذا "في سبع لا يمسك سوء". فإنه بتوجيه الحنو الأبوي يدربنا على متاعب الحياة الحاضرة. ولكن عند مجيء الديان يخفينا من البلاء... بل يحضرنا إلى خلاصه الأكثر تأكيدًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

    إن كان أيوب هو أحد هؤلاء الذين يحذرهم الله ويُصلح من أمرهم، وليس الذين يضربهم بالعقوبة والدمار، لهذا في ست شدائد ينجيه الله، هذه التي تنهكه، لكنه إذ هو خادمه وصديقه وجنديه، فإن الشر لن يمسه في المرة السابعة، فإن عون الله يحفظه. لكن يبدو أن الحال ليس هكذا، كما عني أليفاز. هنا الكارثة التي حلت بك المرة الأولى هي احتراق القطيع، والثانية الغارة على الثيران، والثالثة فقدان الأتن، والرابعة سلب الجمال، والخامسة موت الرعاة، والسادسة موت أبنائك وبناتك المفاجئ، وبعد ذلك السابعة الشر قد مسك أنت وهو الألم الجسدي وقروح أعضائك. على أي الأحوال، فإن الله لا ينجيك، ذاك الذي يضرب ويشفي، الذي يسبب الألم ويداوي، لتستحق الافتقاد الإلهي.

ما قاله أليفاز عني به أن يقود أيوب إلى اليأس. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لم يكن يعلم أن هذا شجع المصارع بالأكثر. فإن الله في ست مرات نجاه من الشدائد، فإن المصائب الست التي عددناها الآن قد حلت عليه من العدو. أما الله إذ يتطلع إلى البار، فقد وضع مقدمًا حدودًا لا يتعداها العدو. "انظر، ها أنا أسلمه لك، لكن احترم نفسه" ( راجع 12:1). بمعنى "لك أن تمس خارجه، لكن هذه الكلمات لن تعطيك سلطانًا أن تدخل إليه في داخله... لاحظوا كيف حفظ الله أيوب من هذه المحن، وباطلاً قال أليفاز لأيوب الأمور السابقة واللاحقة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     لاحظوا كيف يحطم كل نفعٍ فيما يقوله ويقدم لطمة عنيفة. كيف وبأية وسيلة؟ بإظهار أن أيوب لم يكن طرفًا بين الذين يتقبلون تحذيرًا، ولا الذين ينالون رجاءً. لكن في الواقع ما قاله ينطبق على شخص أيوب تمامًا. لكن مُحادثته كان لها تطبيقها العام، إذ قال أن هذا هو ما رأيناه وسمعناه. فإن كان هذا لم يحدث في حالتك، إن كنت باقيًا في شدائدك، فإنها لفائدتك لتعرف ضلالك.

القديس يوحنا الذهبي الفم

فِي الْجُوعِ يَفْدِيكَ مِنَ الْمَوْتِ، وَفِي الْحَرْبِ مِنْ حَدِّ السَّيْفِ [20].

لن يقدر الجوع أن يهلكهم، إذ "في أيام الجوع يشبعون" (مز 37: 19). "لينجي من الموت أنفسهم، وليستحييهم في الجوع" (مز 33: 19). يحتاج الإنسان إلى كلمة الله - لا بصفته المخلِّص الذي يعيد نفس الإنسان إلى طبيعتها الأولى فحسب، بل أيضا لإشباع جميع الاحتياجات. فهو يقدم نفسه للإنسان كأنه كل شيء بالنسبة إليه. ففي السيد المسيح لا يقدر الجوع أن يحطمنا لأن السيد هو شبعنا. يقدم المسيح ذاته لأولئك الذين يشعرون بأنهم في حاجة إليه. فهذا الشعور يمنحهم استحقاق تواجده وسكناه في قلوبهم. وهو واحد، يقدم ذاته لكل مؤمن حسب حالته الروحية.

     ربما، كما يقول الرسول لأولئك "قد صار لهم الحواس مدّربة على التمييز بين الخير والشر" (عب 14:5)، قد صار المسيح كلاً من هذه الأشياء، حتى يلائم الحواس المختلفة للنفس.

فقد دُعي النور الحقيقي، حتى تجد أعين النفس شيئًا ينيرها.

وهو(اللوغوس)، حتى تجد آذانها شيئًا تسمعه.

ثم هو خبز الحياة، حتى تجد للنفس شيئًا تتذوقه.

وبشكل ما دُعي بالناردين أو الدهن، حتى يمكن لحاسة الشم عند النفس أن تعي الرائحة الذكية للكلمة.

ولنفس السبب قيل أيضا أنه قادر أن يُحَسُ ويُمسك به، ودُعي باللوغوس المتجسد، حتى تلمسه يد النفس الداخلية فيما يتعلق بكلمة الحياة (يو 1-4:1، 1 يو1:1).

ولكن كل هذه الأمور هي الواحد - كلمة الله ذاتها - الذي يتكيف مع الانفعالات المختلفة للمصلي، تبعا لتلك المسميات المتعددة، فلا يتركُ بذلك أيا من قدرات النفس خالية من نعمته[260].

     حقا، يمكنني القول أنه يصير كل شيء يحتاجه كل مخلوق قادر على التحرر. لذلك فهو يصبح نور الناس، إن كانوا - وهم في ظلمة الشرور - يبحثون عن ذلك النور الذي يسطع في الظلام الذي لا يدركه. فلم يكن ليصبح نورا للناس لو لم يصيروا في الظلمة[261].

العلامة أوريجينوس

ينجي الرب الإنسان من سيوف الأعداء، مهما بلغ عددهم، فلا تقدر حروب الشياطين أن تهلكنا. "يسقط عن جانبك ألف، وربوات عن يمينك، إليك لا يقرُبُ" (مز 91: 7).

     يسوع ابن اللَّه، ربي، يهبني ويأمرني أن أسحق تحت أقدامي روح الزنا، وأن أطأ عنق روح السخط والغضب، وشيطان الجشع الخ[262].

     كما أن الآب "له وحده عدم الموت" (1تي16:6)، أخذ الرب يسوع، حبًا فينا، على نفسه ثِقَل الموت نيابة عنا.

وعلى النمط نفسه ينطبق هذا الوصف على الآب وحده: "ليس فيه ظلمة". فإن المسيح، لمنفعة البشر، أخذ على نفسه ظلامنا، حتى يمكنه بسلطانه أن يأتي بموتنا إلى لا شيء naught وأن يبدد ظلمتنا الداخلية[263].

     قبل مجيء ربنا ومخلصنا، ملكت كل الشياطين على عقول الناس وأبدانهم، واستقرت في أرواحهم. ثم ظهرت نعمة الرب المخلص ورحمته على الأرض، تعَلِّمنا كيف يجدر بنفس كل إنسان أن تستعيد الحرية، وتسترد صورة الله التي خُلِقَت عليها...

من هو هذا، إذا لم يكن يسوع المسيح، الذي بجلداته قد شفينا نحن المؤمنين به، عندما "جَرَّدَ الرئاسات والسلاطين" الذين في وسطنا و"أَشْهَرَهُم جهارا" فوق الصليب؟ (كو 15:2)[264].

     لقد سقطنا تحت سلطان أعدائنا، أي "مَلِكُ هذا الدهر" وأعوانه من قوى الشر. لهذا نشأت حاجتنا إلى الفداء بواسطة ذاك الذي يشترينا حتى نعود من حالة التغرب عنه. لذلك بذل مخلصنا دمه فدية عنا...

ولما كانت "مغفرة الخطايا"، وهي تتبع الفداء مستحيلة قبل أن يتحرر الإنسان، لابد لنا أولاً أن نتحرر من سلطان ذاك الذي أخذنا أسرى، واحتفظ بنا تحت سيطرته، نتحرر بعيدًا عن متناول يده، حتى نتمكن من أن نحظى بغفران خطايانا والبُرْء من جراحات الخطية، حتى ننجز أعمال التقوى وغيرها من الفضائل[265].

العلامة أوريجينوس

 

مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ [21].

كما يحمي الله أولاده من السيف في المعركة، كذلك يحميهم من لسان الأشرار الذي هو أحد من السيف؛ يحميهم من الاتهامات والافتراءات الموجهة إليهم باطلاً. هكذا في وقت الحرب كما في وقت السلم يعيش المؤمن تحت مظلة الله في سلامٍ، لا يخاف من الخراب، حتى إن رآه قادمًا.

يقدم أليفاز اتهامًا ضد أيوب في شكل نصيحة: "من سوط اللسان تُختبأ، فلا تخاف من الخراب إذا جاء". كأنه يقول: لقد انهزمت في التجربة، لأنه إذ حلّ بك الضيق، كان يجب ألا تخطئ بلسانك، بل تختبئ من هذا الخطأ. لسانك يشهد على شرك، فقد سقطت في فخ اللسان، وانحنيت لجلداته القاتلة. لم يدرِ أليفاز أن ما يقوله لا ينطبق على أيوب، لأن الله نفسه يشهد أنه في هذا كله لم يخطئ، ولم ينسب لله جهالة (22:1)، إنما الذي سقط في شراك اللسان وتحت جلداته هو أليفاز نفسه الذي أراد بها أن يسقط أيوب البار. أما أيوب فينطبق عليه قول المرتل: "لأنه ينجيك من فخ الصياد، ومن الكلمة القاسية" ( مز 3:91).

     أحب قديسو الرب حفظ الصمت، لأنهم أدركوا أن صوت إنسان هو بدء الخطية. فقال قديس الرب[266] في نفسه: "قلت أتحفظ لسبيلي من الخطأ بلساني". لأنه عرف ما سبق فقرأه أن من علامات الحماية الإلهية للإنسان أن يختبئ من جلدات لسانه، ومن شهادة ضميره.

إننا نؤدب بواسطة توبيخات أفكارنا، وحكم الضمير.

نؤدب أيضًا بجلدات أصواتنا، عندما ننطق بأشياء تصيب نفوسنا إصابات قاتلة، ويُضرب ذهننا بجراحات دامية. لكن أين ذاك الإنسان الذي تنقى قلبه من نجاسات الخطية، فلا يخطئ بلسانه؟

هكذا إذ رأى أنه لا يوجد أحد أمكنه أن يحفظ فمه متحررًا من الكلام الرديء وضع لنفسه قانون البرّ بالتزامه بأحكام الصمت. وضع نصب عينيه أن يتجنب بالصمت السقطة التي كان يصعب عليه الهروب منها بالكلام[267].

 القديس أمبروسيوس

     "لا تخف من الخراب إذا حلّ" [22] فإذ يرى القديسون أنفسهم منهمكين مع المقاوم في أشكال متنوعة، يجهزون أنفسهم بأساليب مختلفة في معركتهم.

لهم معونة كلمة الله في مواجهة المجاعة.

ولهم درع ضبط النفس في مواجهة سيف الحرب.

ولهم حصن الصبر في مواجهة سوط اللسان.

ولهم عون الحب الداخلي في مواجهة الأذى الذي للكوارث الخارجية.

هكذا بطريقة عجيبة يجتازون التجارب المتنوعة التي يجلبها عليهم العدو الخبيث، فينالون غنى أعظم في الفضيلة كجنود الله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     "أفنيتهم، وأبوا قبول التأديب" (إر 5: 3). الله في عنايته ورحمته، حينما يقوم بعمله التطهيري من أجل خلاص النفس، فإنه يذهب في عمله حتى النهاية (حتى الفناء)، على الأقل من جانبه. فإذا كان كل الذي يأتي علينا من قبل العناية الإلهية يهدف إلى كمالنا وإلى تأديبنا، ومع ذلك لا نقبل التأديبات الإلهية التي تقودنا إلى الكمال، فإن الذي يفهم معنى هذه الفقرة يمكنه أن يقول للرب: يا رب، لقد أفنيتهم (أدبتهم)، وأبوا قبول التأديب[268].

العلامة أوريجينوس

تَضْحَكُ عَلَى الْخَرَابِ وَالْمَجَاعَةِ، وَلاَ تَخْشَى وُحُوشَ الأَرْضِ [22].

يتطلع المؤمن إلى مؤامرات الأشرار وهياج وحوش البرية، وفي طمأنينة يستخف بهم، لأنه محفوظ في الله. هذا هو حال بولس الرسول الذي لم يخشَ آخر عدو وهو الموت، وأكمل تسبحته قائلاً: "أين شوكتك يا موت؟" (1 كو 15: 55)، "لكننا في هذه جميعها، يعظم انتصارنا بالذي أحبنا" (رو 8: 35).

     "على الخراب والمجاعة يضحك"... حسنًا قيل بالمرتل: "فيرى الصديقون ويخافون، وعليه يضحكون، هوذا الإنسان الذي لم يجعل الله معينه" (مز 6:52-7). الآن ينظر الأبرار إلى الأشرار ويخافون، يتطلعون فيما بعد ويضحكون. إنهم يُمسكون الآن بالخوف خشية أن يتمثلوا بهم، ولكنهم إذ لا يقدرون أن يصلحوا من سقطوا تحت الحكم الأبدي لا يضمرون لهم عطفًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     تجد أجزاء كثيرة في الكتاب المقدس يتشبه فيها الله بصفات الإنسان. فإذا سمعت يومًا كلمات "غضب الله وثورته" لا تظن أن الغضب والثورة عواطف وصفات موجودة عند الله، إنما هي طريقة بها يتنازل الله ويتكلم ليؤدب أطفاله ويصلحهم.

لأننا نحن أيضًا حينما نريد أن نوجه أولادنا ونصحح أخطائهم نظهر أمامهم بصورة مخيفة ووجه صارم وحازم لا يتناسب مع مشاعرنا الحقيقية، إنما يتناسب مع طريقة التأديب.

إذا أظهرنا على وجوهنا التسامح والتساهل الموجود في نفوسنا ومشاعرنا الداخلية تجاه أطفالنا بشكل دائم، دون أن نغير ملامح وجوهنا بحسب تصرفات الأطفال، نفسدهم ونردهم إلى الأسوأ. بهذه الطريقة نتكلم عن غضب الله، فحينما يقال أن الله يغضب، فإن المقصود بهذا الغضب هو توبتك وإصلاحك، لأن الله في حقيقته لا يغضب ولا يثور، لكنك أنت الذي ستتحمل آثار الغضب والثورة عندما تقع في العذابات الرهيبة القاسية بسبب خطاياك وشرورك، في حالة تأديب الله لك بما نسميه غضب الله![269]

العلامة أوريجينوس

لأَنَّهُ مَعَ حِجَارَةِ الْحَقْلِ عَهْدُكَ، وَوُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ تُسَالِمُكَ [23].

متى كان المؤمن في سلام مع الله تصير له صداقة مع كل الخليقة. يقيم عهدًا حتى مع حجارة الحقل، فلا تصدم بحجر رجله. يقيم عهد سلامٍ حتى مع وحوش البرية. "وأقطع لهم عهدًا في ذلك اليوم مع حيوان البرية وطيور السماء ودبابات الأرض، وأكسر القوس والسيف والحرب من الأرض، وأجعلهم يضطجعون آمنين" (هو 2: 18). من كان في عهدٍ مع خالق السماء والأرض، وتشتهي السماء والأرض مصالحته وتجد مسرة في خدمته.

     هكذا إنه لأمر إلزامي علينا أن نجاهد، وأن نصلح من أخطائنا، ونصحح سلوكنا، فبدون شك متى تم هذا باستقامة نصير في حالٍ أفضل جدًا حتى مع الحيوانات المفترسة والوحوش، ولا أقول عن الكائنات البشرية.

 هذا يطابق ما دُوِن في سفر أيوب الطوباوي: تكون الوحوش المفترسة في سلامٍ معك" (23:5 LXX). لن تخشى هجمات تصدر عن الخارج، ولن تقدر أن تؤثر فينا عثرة في الخارج مادامت جذورها لم يُسمح لها بالدخول وأن تُغرس فينا. فإن "سلامة جزيلة لمحبي اسمك، وليس لهم معثرة" (مز 165:119)[270].

 القديس يوحنا كاسيان

     "ووحوش الأرض في سلام معك" [23]. واضح أن الشياطين خضعت له، ليس بإرادتها، بل تحت إلزام. إذ يفهم ذلك كله بشجاعة وصبر... إنه يعرف أن يحرس بيته في سلام، إذ لم يكن جسد أيوب في صراع ضد الروح (1 كو 16:3)، وعواطف الجسد لم تقاوم ناموس الروح.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     عدونا المخادع يُدعى "وحش الأرض"، إذ يفترس بعنف طبيعته المتوحشة، ممسكًا بنفوس الخطاة في ساعة موتهم... أما الصالحون، فإنهم إذ يخضعون بكل قلوبهم لخوف الله يزول عنهم كل ثقل الخوف الحال من الخصم.

     أعطى "الحق" السلام لتلاميذه في البداية عندما قال: "سلامًا أترك لكم، سلامي أنا أعطيكم" ( يو 27:14). اشتهى سمعان السلام الكامل عندما طلب إليه قائلاً: "الآن أطلق عبدك بسلام حسب قولك" ( لو 29:2). فإن سلامنا يبدأ بشوقنا للخالق، ويكمل بالرؤية الواضحة. فإنه سيكون كاملاً عندما لا تعمى أذهاننا بالجهل، ولا تتأثر بهجمات جسدية. فإننا إذ نلمسه في بداياته، إما تخضع النفس لله أو يخضع الجسد للنفس، فيُقال عن خيمة البار إنها في سلام، أي في جسده الذي يسكنه عقله، فتكون العواطف المتمردة والتي للشهوات تحت قيادة يد البرّ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

فَتَعْلَمُ أَنَّ خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ، وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ، وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئًا [24].

في المصالحة مع الله يتحقق السلام في البيت والأسرة. من يسكن في ستر العلي (مز 91: 1)، يسكن العلي في بيته، ويتعهد خلاص أسرته.

ما هي الخيمة إلا الجسد الذي يتقدس بالسيد المسيح، فيصير ممجدًا وفي أمانٍ على مستوى أبدي؟

     لسنا نريد أن نتخلص من الجسم، وإنما من الفساد الذي فيه. جسمنا هو ثقل علينا، ليس لأنه جسم بل لأنه فاسد وقابل للألم. ولكن إذ تحل الحياة الجديدة، فإنها تنزع هذا الفساد، أقول هذا الفساد لا الجسم نفسه[271].

القديس يوحنا الذهبي الفم

     أرانا موسى النبي كمثالٍ، بواسطة مجد الروح الذي سطع على وجهه الذي لم يستطع أحد أن يتفرّس فيه، كيف أنه في قيامة الأبرار ستتمجد أجساد أولئك المستحقين، بمجدٍ تحصل عليه منذ الآن النفوس المقدسة الأمينة، إذ تُحسب أهلاً لاقتناء هذا المجد في داخلها، في الإنسان الباطن[272].

القديس مقاريوس الكبير

     إنهم بعدل ينالون مكافأة آلامهم في الجسم الذي تألم فيه الأبرار وحزنوا وتزكوا بالآلام بكل وسيلة. وفي ذات الجسم الذي فيه قُتلوا من أجل محبتهم لله، فيه ذاته سيحيون، وفي ذات الجسم الذي فيه احتملوا العبودية فيه سيملكون[273].

القديس إيريناؤس

وَتَعْلَمُ أَنَّ زَرْعَكَ كَثِيرٌ، وَذُرِّيَّتَكَ كَعُشْبِ الأَرْضِ [25].

فقد أيوب كل بنيه، وها هو أليفاز يقول له إنه إن رجع إلى الله يكثر زرعه وتزدهر ذريته.

ذرية الأبرار كثيرة كعشب الأرض، إذ يعطى الله كلمة ونعمة للأبرار فيكسبون نفوسًا كثيرة للرب كأولاد له.

     عندما نكون خاضعين بالكامل لله، نُزود أيضًا بكلمة الكرازة. ويخلف نفوس المؤمنين ذرية ضخمة عندما يُمنحون أولاً الكرازة المقدسة... تُشَّبه ذرية البار بعشب الأرض حيث أن من يولد في صورة منه بينما ينزع فساد المجد الزمن الحاضر، يصير أخضر بالرجاء في الأبديات.

البابا غريغوريوس (الكبير)

تَدْخُلُ الْمَدْفَنَ فِي شَيْخُوخَةٍ، كَرَفْعِ الْكُدْسِ فِي أَوَانِهِ [26].

الرجوع إلى الله يهبه طول العمر، فيتمم رسالته ويدخل القبر في شيخوخة صالحة في الأوان اللائق كما يُجمع القمح ويُخزن في أوانه.

     "تدخل قبرك في كمال (الشيخوخة)، ككدس (كومة) الحنطة في أوانها". ماذا يعنى بالقبر سوى حياة التأمل، فإنها كمن تدفنا نحن الموتى عن العالم، وتخفينا في العالم الداخلي بعيدًا عن الشهوات الأرضية. فإن الذين هم موتى عن الحياة الخارجية هم أيضًا مدفونون بالتأمل، هؤلاء الذين يقول لهم بولس: "لأنكم قد متم، وحياتكم مستترة مع المسيح في الله" (2 كو 3:3)...

فمن يُخضع غطرسة الجسد فيه يترك له هذا العمل: أن يدرب العقل بتداريب مقدسة. ومن يفتح ذهنه في الكلمات المقدسة يسمو ويمتد متمتعًا بالتأمل الداخلي. فإنه ليس بكارز كامل من يتكرس للتأمل متجاهلاً الالتزام بالعمل الموكل إليه أو بسبب الالتزام بالعمل يترك الالتزام بالتأمل...

بالتأمل يقومون في حب الله، وبالكرازة يعودون إلى خدمة قريبهم...

وقت العمل يأتي أولاً وبعد ذلك التأمل. لهذا يلزم كل إنسان كامل أن يبدأ بتدريب فكره بالعادات الفاضلة وبعد ذلك يستلقي في أكداس حنطة الراحة... "أرجع إلى بيتك وحدث بكم صنع الله بك" (لو39:8)...بعد أن نُشفي يرسلنا الرب إلى بيتنا. إنه يأمرنا أن نروي الأمور التي صنعها معنا، حتى تنشغل النفس أولاً بالعمل وبعد ذلك تنتعش بالتأمل. تبعًا لهذا خدم يعقوب من أجل راحيل واقتنى ليئه. وقد قيل له: "ليس من عادة مكاننا أن تُعطى الصغيرة قبل البكر" (تك 26:29)... ماذا يُعنى براحيل سوى الحياة التأملية؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

هَا إِنَّ ذَا قَدْ بَحَثْنَا عَنْهُ، كَذَا هُوَ. فَاسْمَعْهُ، وَاعْلَمْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ [27].

إذ أبرز أليفاز صلاح الله القابل التائبين ليرد لهم سلامهم وسعادتهم وخيراتهم، يختم محادثته الأولى بتقديم ضمانٍ أكيدٍ لحكمته التي قدمها لأيوب.

لقد تسلمنا الإيمان بالله خلال التقليد المقدس، هذا لا يعني تراخينا، بل يلزمنا أن نبحث عنه ونطلب أن يتجلى في حياتنا، ونتعرف عليه كل يوم، فنحبه ونقتنيه. ننصت إلى صوته، ونتعلم منه لتكون لنا خبرة شخصية في التعامل معه.

يطالب أيوب أن يبحث عن ما سمعه بخصوص وحوش الأرض وأكداس الحنطة والقبر، حتى لا يأخذ المعاني حرفيًا، بل يدرك أسرارها الروحية العميقة فيتمتع بالتأمل في الله.

     بمعنى لتكن أنت قاضيًا لنفسك، الحكم لضميرك وجهًا لوجه. لكن أعمال أيوب مضيئة، وأفكاره الخفية أكثر إشراقًا من أعماله المنظورة، وذلك خلال المعركة التي أثارها العدو ضده.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

 

 
تفسير سفر أيوب اصحاح6 PDF Print Email

حاجة المتألم إلى مواساة أصحابه


خيبة أمل أيوب من جهة موقف أصدقائه
لم يتهم أليفاز أيوب مباشرةً أنه خاطيء عظيم، وإنما بدأ حديثه برقةٍ، غير أن حديثه يحمل بطريقة غير مباشرة عدة اتهامات خطيرة، منها أنه مرائي يخفي خطاياه التي بسببها حلت به كل هذه الكوارث، وأنه إنسان جاهل يتهم الله. لقد فهم أيوب ما كان يعنيه أليفاز.

اتفق أيوب مع أصحابه أن ما حلّ بأيوب هو من الله، لكن كان الاختلاف في تفسير ما وراء هذه الآلام، هل حلت عليه كعقوبةٍ إلهيةٍ من أجل خطايا خفية.

يبرر أيوب صراخه، فإن الحيوانات متى شبعت لا تصرخ بل تصمت، فصرخة أيوب ليست من فراغ.

كان أيوب يتوقع وهو متوهج بالحرارة أن يجد في أصدقائه ماءً مثلجًا يطفئ الحرارة التي في داخله. لقد توقع منهم العطف، وتوقعه هذا مبني على مبادئ الإنسانية، ومن لا يظهر هذا العطف يكون قد ترك خوف القدير. ثم إن التجرد من الإنسانية كفر وإلحاد، وإن الشدائد محك الصداقة. لقد ذكَّرهم أنه لم يطلب منهم رد أملاكه، ثم سألهم أن يروه في أي شيء أخطأ، وأن يعاملوه بالعدل، ويكلموه بالاستقامة.

لقد أخذوا موقفًا جافًا شبيهًا بجدول تنضب مياهه عند الحاجة الشديدة إليه. يشبه نفسه بمسافرٍ في الصحراء يعرف أماكن المياه العادية، وإذ بلغ إليها وجد المياه قد تسربت في الرمل وجف الموضع تمامًا.

كان أيوب حزينًا بسبب خيبة أمله من جهة موقف أصحابه، هؤلاء الذين حاولوا الإيحاء له بأن الله قد صار عدوًا له. هذا هو ما أثر في نفسه جدًا، وسبب له ارتباكًا، إذ يرى أن الله الذي أحبه وعبده قد جلب عليه كل تلك المتاعب، ووضعه تحت علامات غضبه هذه، مما بعث فيه الرغبة في أن يحل به الموت الذي كان يشتاق إليه.

كانت فحوى كلمات أليفاز أنه يجب على أيوب أن يعترف بخطيئته الخفية، ويطلب مغفرتها؛ هذا أنشأ في نفس أيوب نفورًا، عبر عنه بالكلمات الآتية: "حق المحزون معروف من صاحبه، وإن ترك خشية القدير" (أي 14:6). ولهذه الكلمات تفسيران الأول إن الترك يشير إلى أصحابه الذين بامتناعهم عن مشاركتهم مشاعره يتركون القدير. والثاني إن أيوب أيضًا يشعر بأنه قد زل عن طريق الله، فإظهار شيء من العواطف اللطيفة نحوه يقوي ثقته بالله. هذا المعنى هو الأرجح. يليق بنا وجوب الامتناع عن الغلظة والمجافاة حتى مع الذين يسيئون التصرف، لئلا يُساقوا إلى عدم الإيمان.

يوجه أيوب نظره وكلامه إلى الله بعبارات تبدو كما لو كانت تخلو من الاحترام. يخاصم الله الذي ينسب إليه أنه هو سبب كل آلامه، وينطق بكل ما يجول في فكره، ويسأل بتهكم هل هو جاد حتى يضع الله رقيبا عليه؟ ويتوسل إلى الله أن يتركه وشأنه أو ينهي حياته، لماذا يعني القدير بشيء صغير كالإنسان؟

تتقدم نفسه إلى الله تطلب شفقته وعطفه على أساس أنه خليقة ضعيفة جدًا وإقامته في هذا العالم قصيرة، وانتقاله من العالم سريع، وعودته إليه مستحيلة ولا يمكن قط توقعها. هذا لا يعني أن أيوب أخطأ، ولكن على فرض أنه ارتكب شرًا، فإنه يريد أن يعرف أي ضرر أصاب الله من خطأه، ولماذا لا يغفر الله له ذنبه ويزيل إثمه؟

ظن أليفاز أن ما قاله لأيوب هو عين الحكمة، يقين لا يمكن لأحد الاعتراض عليه. لكن أيوب لم يقتنع بكل ما قاله، واستمر يبرر نفسه في شكواه، وقد تحدث بمنطق مقبول يشوبه الضعف البشري.

1. من حق المتألم أن يشكو           1-7.

2. الموت هو نهاية المتاعب         8-13.

3. نقده لقسوة أصدقائه           14-30

1. من حق المتألم أن يشكو


"فأجاب أيوب وقال" [1].

إن كان الذي دخل معه في الحوار أليفاز إلا أن أيوب أدرك أن أليفاز يتكلم باسم الكل معُا، لذا وجه أيوب إجابته للجميع (15:5).

اتسم أيوب بالتعقل والاتزان إذ لم يقاطع أليفاز الذي بدأ حديثه بقسوة. واستمع أيوب بصبرٍ حتى أكمل أليفاز كل ما أراد أن يقوله.

لَيْتَ كَرْبِي وُزِنَ،
وَمَصِيبَتِي رُفِعَتْ فِي الْمَوَازِينِ جَمِيعَهَا [2].

كشف أيوب عن كربه، أنه لا يمكن تصويره تمامًا، ولا أن يدركه أحد إدراكًا كاملاً. وليس من ميزانٍ في العالم يستطيع أن يزن حزنه، فطلب أن تُجمع كل الموازين لتزن حزنه الشديد.

     "فأجاب أيوب وقال: آه، من يزن بالحق كربي، ويرفع مصيبتي في الموازين جميعها؟" هذه العبارة تخص الكلمات السابقة (3:4-5): "أنت قد أرشدت كثيرين... وثبت الركب المرتعشة، والآن إذ جاء عليك ضجرت، إذ مسَّك ارتعت".

أود أن تصير كربتي واضحة، وتدرك أنه ليس أحد اختبر مثل هذه الأحزان. تطلع إلى كارثتي، فإنها بطبيعتها تقيم لي عذرًا، وإن كان على وجه الدقة ما يخصني هو أمر لا يغُفر...

لقد برهن أليفاز على أن هذه الكارثة بسبب شره، مقدمًا الحجة على ذلك: "أذكر من هلك وهو بريء، وأين أبيد المستقيمون؟" (7:4). إنه يقول تمامًا كما قال البرابرة عن بولس بعد أن لدغته الحية في مالطة: "لم يدعه العدل يحيا ولو نجا من البحر" (أع 4:28).

 يقول: البشر - خاصة العامة - يحكمون على الأحداث بطريقة ساذجة عشوائية، لا يضعون أساسًا لأحكامهم على تصرفات الشخص، بل بالحري على ما يحل به من تأديبات وعقوبات. لهذا يقول أليفاز: "هل المائت (الإنسان) أبرّ من الله؟" (17:4). يجيب أيوب: لا أستطيع أن أجيب، ولا أن أقول إنني أعاني من أحزانٍ كثيرةٍ ومرعبةٍ هكذا دون أن أرتكب أية خطية، فإن الضربات تنطق ضدي. يقول: إني أستطيع أن أقترب من القدير وأناضل معه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     من الذي يُعطى له لقب "الموازين" سوى الوسيط بين الله والإنسان، الذي جاء ليزن استحقاق حياتنا ويُنزل معه كل من العدل والحنو معًا؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

لأَنَّهَا الآنَ أَثْقَلُ مِنْ رَمْلِ الْبَحْرِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَغَا كَلاَمِي [3].

كانت كوارثه مضاعفة وثقيلة جدًا لا يُمكن إحصائها ولا وزنها، فهي "أثقل من رمل البحر". لهذا طلب التماس المعذرة إن "لغا كلامه" أي وجد فيها ما يبدو باطلاً أو ممتزجًا بمرارة، فإنه وسط هذه الآلام يصعب تزيين الكلمات أو حتى ضبطها.

هكذا يعتذر أيوب عما صدر من فمه تعبيرات ثائرة عندما سبَّ يوم الحبل به أو يوم ميلاده. فهو لا يبرر ذلك، لكنه كان يتوقع من أصدقائه أن يضعوا في اعتبارهم حاله قبل أن ينتقدوه. كان يليق بهم أن يترفقوا به وسط هول مصيبته، فهو في حاجة إلى الحنو لا إلى النقد المر.

     إن وضعت كربي في ميزان، أحكامي مع عذابات آلامي، وتزنهم، ليس منفصلين بل جميعًا معًا، تجد أحزانى "أثقل من رمل البحر". لأن ما أحزن أيوب ليس فقدان ممتلكاته، وخسارة ثروته، وسحق أبنائه، ولا القيح الصادر عن قروحه، بل النتائج المؤلمة التي بلغت إليها روحه... كل أمواج البحر الظاهرة ليست في ثقل الكلمات التي تصدر مع التدمير الصادر عن مقاطعة العدو.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

لأَنَّ سِهَامَ الْقَدِيرِ فِيَّ، تَشْرَبُ رُوحِي سُمَّهَا، أَهْوَالُ اللهِ مُصْطَفَّةٌ ضِدِّي [4].

ما هي سهام القدير التي تصوب نحو أولاد الله، فتشرب روحهم؟ إنها سهام الحب التي يصوبها الله نحو قديسيه فيُجرحون بالحب الإلهي، ويشتهون الموت ليَلتقوا معه، ويختبروا محبته الإلهية في أكمل صورها.

يرى كثير من الآباء أن الآب في محبته للبشرية صوٌَب سهمه الثمين، كلمة الله، حيث دفع به نحو قلوب البشر، ليجرحهم بجراحات الحب، فتصرخ النفس: "أنا مجروحة حبًا" (نش 5:2).

وكما يصوب الله سهام حبه نحو قلوبنا ليهبها جراحات الحب الواهبة للشفاء والسعادة على مستوى أبدي، هكذا يقذف عدو الخير سهامه الملتهبة نارًا في قلوب البشر لكي يقتلها، ويؤهلها لجهنم الأبدية (أف 16:16).

هذه الصورة حتمًا منقولة عن عادة شائعة بين الأمم المتبربرة حيث يغمسون رؤوس السهام في مواد سامة، حتى متى أصابت أحدًا تفيض بهم إلي الموت[274].

إن كانت الكوارث التي حلت به لا يمكن لموازينٍ أن تزنها، فإن ما هو أخطر من ذلك السهام الداخلية، سهام القدير التي وُجهت إليه. يرى الله الذي يحبه ويعبده قد جلب عليه تلك المتاعب، وصَّوب سهامه فيه.

شعر كأن حمتها أو السم الذي مُسحت به السهام قد تسرب إلى روحه، ففقد اتزانه وانهارت أعماقه.

لقد وقف مذهولاً. إنه في معركة أمام جيش الله المصطف ضده، يحاربه الله بأهواله، فمن أين له بالتعزية؟ لا يستطيع أن يرفع عينيه إلى السماء، إذ لا يجد تعزيات تحل عليه منها، بل أهوال الله تقاومه.

     مدحت العروس رامي الرمح على تصويبه الدقيق، لأنه رماها بسهمه. فقالت العروس: "إني مجروحة (مريضة) حبًا" (نشيد 5:2). تعنى هذه الكلمات أن سهام العريس قد نفذت إلى داخل قلبها. إن مُصوّب هذه السهام هو الحب (1 يو 8:4)، الذي يرسل "سهمه المختار" (إش 2:49)، الابن الوحيد، إلى هؤلاء الذين يخلصون، ثم يغمس سن السهم الثلاثي في روح الحياة. وسن السهم هو الإيمان وبواسطته يقدم الله مُصوّب السهم وكذلك السهم معًا إلى القلب كما يقول السيد المسيح: "إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبى وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً" (يو 23:14)[275].

البابا غريغوريوس النيسي

     النفس التي ارتفعت إلى درجات إلهية عليا ترى بداخلها سهم الحب العذب الذي جرحها، وتفتخر بهذا الجرح قائلة: "إني مجروحة بالحب". أيها الجرح الجميل والسهم العذب الذي أدخل الحياة إلى قلبي! فلقد فتح نفاذ السهم بابًا ومدخلاً للحب، وهو التحول الخيالي من رمي السهام إلى فرح العرس. يشير القديس أيوب إلي تلك السهام، وعندما قاسى من آلامه المكثفة أعلن أن سهام الرب طعنته (أي 6: 4). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). حقًا نتطلع عادة إلي السهام بكونها كلمات الله. ولكن هل استطاع أن يشعر بآلام كثيرة عندما طُعن بها؟

كلمات الله، وإن كانت سهامًا، فهي تثير الحب لا الألم. أو هل هي سهام لأنه لا يوجد حب بدون ألم؟ عندما نحب شيئًا دون أن نملكه لا نستطيع إلا أن نشعر بحزنِ. الإنسان يحب بغير ألم عندما يملك موضوع حبه، فلا يتألم ولا يتأوه. لهذا فإن عروس المسيح في شخص الكنيسة تنطق بهذه الكلمات في نشيد الأناشيد: "فإني مجروحة حبًا" (نش 2: 5؛ 5: 8). تعلن بنفسها أنها مجروحة بالحب. إنها تحب ما لم تبلغه بعد، إنها تحزن لأنها لم تقتنه بعد. وإذ تحزن تُجرح، ولكن هذا الجرح يُحضرها سريعًا إلي كمال الصحة الحقيقية. من لا يُضرب بهذا الجرح لن يقدر أن يبلغ تمام الصحة الحقيقية[276].

     "سهامك انغرست فيٌ، ويدك ثقلت عليٌ" (مز 2:38)... ذات العقوبة (التي على آدم)، ذات السخط، أي آلام كل من الذهن والجسد، هي ضرورة يلزمنا أن نحتملها هنا، هذه التي وصفها بأنها "سهام". وقد أشار أيوب إلى ذات السهام (4:6)، وقال إن سهام البرّ انغرست فيه، بينما كان يعاني تحت تلك الآلام.

لقد اعتدنا أيضًا ان ندعو كلمات الله سهامًا كمن تهب الحب لا الألم... لنفهم إذن "سهامك انغرست" هكذا: "كلماتك انغرست في قلبي".

بهذه الكلمات ذاتها يحدث أن أتذكر السبت، وبتذكري السبت (الأبدية) وعدم نوالي إياه، أُحرم من الفرح في الوقت الحاضر، وأتذكر أنه ليس لي صحة في جسدي، بل ولا يليق بي أن أحسبها صحة عندما أقارنها بالصحة التي أنالها في الراحة الأبدية، حينما يلبس هذا الفاسد عدم الفساد، وذاك المائت عدم الموت (1 كو 53:15)، وأرى بمقارنة ما سأكون عليه أن الصحة الحاضرة ليست إلا مرضًا[277].

القديس أغسطينوس

     إنها تطعنني بهذه الطريقة، ليس مجرد رُشقت في جسمي، بل حرمتني من الحكم المتزن.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     لأن سهام الرب في جسمي، عنفها يشرب دمي، كلما أردت الكلام تطعنني" (أي 6: 4). انسحق أيوب بهذه السهام. هذا ما تغنى به داود في المزامير: "لأن سهامك قد انتشبت في، وثقلت يدك عليّ" (مز 2:38). فإن كليهما يتحدثان عن أحزان يصوبها الأعداء ضدهما بسماح من الله، ولهذا السبب يقول أيوب: "عنفهم يشرب دمي". كأنه يقول: "غنى نفسي قد اُستنزف، لا أستطيع أن أصمد في مواجهة هذه التي تفسدني بوجه متقد. فإنه إذ يبدأ أيوب يتحدث تطعنه الآلام. خاصة عندما يطول الحديث، فإن جراحاته تظهر بوضوح في أكثر قوة، لذا يضع لجامًا يكتم كلماته خشية أنها لا تسر الله تمامًا.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

هَلْ يَنْهَقُ الْفَرَاُ عَلَى الْعُشْبِ، أَوْ يَخُورُ الثَّوْرُ عَلَى عَلَفِهِ؟ [5]

كان يليق بهم عوض نقده أن يشاركوه آلامه، فإن شكواه ومرارة نفسه ليست من فراغ، فالحيوانات غير العاقلة لن تصرخ بدون سبب.

عبٌر أيوب عن حال الهزال الذي بلغه بسبب كثرة الكوارث وشدتها وعنصر المفاجأة بجانب عدم مبالاة أصدقائه لحاله، فعوض تقديم كلمة تعزية تسنده، بدأوا يكيلون له اتهامات كثيرة وخطيرة.

صار أشبه بحجرٍ بلا إحساس، ليس في قدرته أن يعبر عما في داخله، فلا يقدر أن ينهق مثل الفرا (الحمار الوحشي) لأنه لا يجد عشبًا، ولا يصيح (يخور) كالثور على علفه. اضطر أن يأكل طعامًا لا يليق به كإنسان دون أن يفتح فاه.

لقد صار في موقفٍ لا يُحسد عليه، فهو يعلم أنه لا يقدر أن يتبرر أمام الله، لكنه كان يترقب كلمات تعزية من أصحابه، تفتح أمام نفسه المحطمة أبواب الرجاء، لا أن يحطمه اليأس.

يرى البابا غريغوريوس أنه صار كمن سقط تحت لعنة الناموس الفاضح للخطية دون أن تمتد إليه النعمة لتقيمه. حقًا ليس في الناموس خطأ، إنما الحاجة إلى النعمة الغافرة للخطايا التي كشفها الناموس. كان يليق بأصدقاء أيوب أن يسندوه بالتطلع إلى نعمة الله، لا أن يبكتوه بمرارة ويحطموا نفسه.

     هل يمكن لأحدٍ أن يذوق ما يجلب موتًا بتذوقه؟ فإن من يتذوق الناموس بطريقة جسدانية يجلب موتًا، إذ وصيته تُظهر الخطية ولا تزيلها... كما يشهد بولس قائلاً: "إذ الناموس لم يكمل شيئًا" (عب 19:7). وأيضًا: "إذ الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة" (رو 12:7-13)، بعد ذلك يقول للحال: "لكي تظهر خطية منشئة لي بالصالح موتًا لكي تصير الخطية خاطئة جدًا بالوصية" (رو 13:7)

البابا غريغوريوس (الكبير)

     وصايا موسى هي "خدمة الدينونة"، أما النعمة بالمخلص فيدعوها "خدمة البرّ" التي فاقت في المجدٍ...

الناموس الذي يدين أُعطي بموسى، وأما النعمة التي تبرر، فقد صارت بواسطة الابن الوحيد. فكيف لا يكون المسيح فائق المجد وبما لا يمكن مقارنته؟[278]

القديس كيرلس الكبير

     يدين الناموس الخطاة، وأما النعمة فتتقبلهم وتبررهم بالإيمان. إنها تقودهم إلى المعمودية المقدسة وتهبهم غفران الخطايا[279].

ثيؤدورت أسقف قورش

     مازال اليهود عند مارّة مقيمين عند المياه المرة، لأن الله لم يرهم بعد الشجرة التي يصير بها الماء عذبًا[280].

     ألقى الرب بشجرة في المياه، مما جعلها عذبة. أما عندما تأتي شجرة (صليب) يسوع، ويسكن في داخلي تعليم مُخلصي حينئذ يصير ناموس موسى "عذبًا"، ويصير مذاقه، لمن يقرأه ويفهمه، بالحقيقة حلوًا"[281].

العلامة أوريجينوس

هَلْ يُؤْكَلُ الْمَسِيخُ بِلاَ مِلْحٍ، أَوْ يُوجَدُ طَعْمٌ فِي مَرَقِ الْبَقْلَةِ؟ [6]

كان أيوب ملحًا نزع بنعمة الرب وبحبه الفائق الفساد عن كثيرين، مقدمًا لهم تعزيات سماوية صادقة، والآن إذ دخل في بوتقة التجارب لم يقدم له أحد ملحًا. لقد صار في فقرٍ مادي مدقعٍ، وفي فقره لم يجد ملحًا يملح به الطعام الماسخ الذي يتصدق به البعض عليه.

     "هل يمكن للطعام الكريه أن يؤكل بدون ملح؟" (أي 6:6) في الناموس المعنى الخفي هو ملح الحرف. فمن يعتمد على الملاحظات الجسدية ويرفض فهم المعنى الروحي ماذا يفعل سوى أنه يأكل طعامًا كريهًا؟ ولكن هذا الملح، أي الحق، يوضع في الطعام عندما تعلم أن رائحة المعنى الخفي توجد في أعماق الناموس، قائلاً: "لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني" (يو 46:5). وأيضًا: "ليكن لكم في أنفسكم ملح، وسالموا بعضكم بعضًا" ( مر 50:9).

البابا غريغوريوس (الكبير)

عَافَتْ نَفْسِي أَنْ تَمَسَّهَا،  فَصَارَتْ خُبْزِيَ الْكَرِيهِ! [7]

ما كانت نفسه تعافه في أيام رخائه، وما لم يكن قادرًا أن يمسه بيده صار خبزه الكريه. يقول المرتل: "صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً، إذ قيل لي كل يوم: أين إلهك؟" (مز 42: 3). "قد أطعمتهم خبز الدموع، وسقيتهم الدموع بالكيل" (مز 80: 5). "إني قد أكلت الرماد مثل الخبز، ومزجت شرابي بدموعٍ" (مز 102: 9). "قال الرب: هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم" (حز 4: 13). كما قيل: " قل لشعب الأرض هكذا قال السيد الرب على سكان أورشليم في ارض إسرائيل، يأكلون خبزهم بالغم، ويشربون ماءهم بحيرةٍ، لكي تخرب أرضها عن ملئها من ظلم كل الساكنين فيها" (حز 12: 19). "هوذا أيام تأتي يقول السيد الرب أرسل جوعًا في الأرض، لا جوعًا للخبز ولا عطشًا للماء، بل لاستماع كلمات الرب" (عا 8: 11).

    "ما عافت نفسي أن تمسها، هذه صارت مثل خبزي الكريه" (أي 7:6). قبلاً كانت النفس مهتمة فقط بما لنفعها، مشمئزة من أن تحمل أثقال الغير، عطفها على الآخرين قليل، وكانت عاجزة عن أن تواجه المضادين. الآن تلزم نفسها أن تحتمل ضعف قريبها. إنها تحتاج إلى قوة لتغلب المضاد، حتى بحب الحق تطلب متاعب الحياة الحاضرة بشجاعة عظيمة هكذا، حتى الأمور التي كانت قبلاً تهرب منها في ضعفها. فبانحنائها (من أجل الغير) تُبنى. بانجذابها إلى الغير تمتد إلى قدام، وبمشاركتها المشاعر تتقوى، وإذ تنفتح لحب قريبها تكون كمن بتصميم عزيمتها ترتفع نحو خالقها.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     بنفس الطريقة كما أن الحمار (الوحشي) لا يختار أن ينهق بلا سبب، ولا الثور أن يخور عند المزود، هكذا لا يختار أحد أن يأكل خبزًا بدون ملح، ولا أن يصغي إلى كلمات باطلة. بالحقيقة قدم أمثلة مستحيلة للغاية.

يقول هكذا: ما كنت قد اخترت أن أنتحب على هذا الأمر، لو لم توجد ضرورة تحثني على هذا. فإن كان ليس من المقبول أكل خبز بلا ملحٍ، فليس أقل من أن ألتزم بالنحيب وأتوجع وانطق بكلمات زائدة...

 "فإن نفسي لا تجد راحة"، لماذا؟ لأني أعرف أن طعامي له رائحة تعافه النفس كرائحة الأسد.

 القروح والصديد لا يكفيان، فأضاف عذابًا جديدًا.

المرض قد أفسد كل أحاسيسه حتى صار الطعام بالنسبة له عذابًا.

يقول إن الغثيان مع رائحة كريهة للغرغرينا نزعت تمييزه الحسي. أي شيء أكثر عذابًا من هذا؟ النوم لا يعطى راحة والطعام لا يقوته!

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. الموت هو نهاية المتاعب


يَا لَيْتَ طِلْبَتِي تَأْتِي،  وَيُعْطِينِيَ اللهُ رَجَائِي! [8]

وبخ أليفاز أيوب بعنفٍ لأنه طلب الموت، وبدلاً من أن يسحب ما قاله عاد أيوب يكرر ذلك أكثر من قبل، وقد سجل لنا السفر كلماته، لا لنقتدي به، وإنما لكي ينذرنا.

لقد سأل الله أن يحقق طلبته ويهبه رجاءه، لا بأن يعبر به التجربة، بل أن يتعطف عليه بالموت.

أَنْ يَرْضَى اللهُ بِأَنْ يَسْحَقَنِي وَيُطْلِقَ يَدَهُ فَيَقْطَعَنِي [9].

ما يرجوه أيوب وسط ضيقته أن الله الذي مّد يده عليه فافتقر ثم تثكل ومرض، يمد يده بالأكثر فيسحقه ويأخذ حياته. ومع هذا لم يفكر قط في الانتحار، على عكس الفيلسوف سينكا الذي كان يشجع على الانتحار كوسيلة شرعية للتخلص من الآلام التي لا تُحتمل، الأمر الذي ليس فيه احترام لناموس الله، ولا ناموس الطبيعة.

اشتهى أيوب سرعة موته، وقد حوَّل هذه الشهوة إلى طلبة يقدمها لله، لكنها صلاة أو طلبة ليست حسب مشيئة الله.

فَلاَ تَزَالُ تَعْزِيَتِي وَابْتِهَاجِي فِي عَذَاب لاَ يُشْفِقُ، أَنِّي لَمْ أَجْحَدْ كَلاَمَ الْقُدُّوسِ [10].

مع رغبته الشديدة في الخلاص من الآلام بالموت إلا أن قلب أيوب يحمل لمسات روحية، فيترقب في إيمان التمتع بالتعزية والبهجة بعد خروجه من العالم. واضح أن أيوب كان له ضمير صالح ورجاء حي في الأبدية، وإن كان قد توقع عذابًا أليمًا يلحق به قبل موته "ابتهاجي في عذاب لا يشفق".

"لا يشفق" أو "دعه لا يشفق"، كأنه يقول: "لست ابتغي أن يشفق الله عليّ، بل ليسمح بالآم الموت التي تضع حدًا لآلامي وتدخل بي إلى الراحة.

في جسارة غير لائقة يتحدى أيوب الرب الله ويقول: "دعه لا يشفق!"

مزج أيوب عتابه - حتى وإن تعدى الحدود - بإيمانه وتمسك بكلام الله، إذ يقول: "لم أجحد (أكتم) كلام القدوس". فكان يحسب نفسه مؤتمنًا على كلام الله القدوس، ربما تمتع برؤى إلهية. كأنه يقول مع الرسول بولس إنه لم يقبل نعمة الله باطلاً (2 كو 6: 1). كان مستعدًا أن يتمتع بالكلمة الإلهية، وأن يشهد لها للغير ليتمتع الآخرون معه بها.

قانون حياته هو كلمة القدوس، لم يخجل منها ولا يتراخى في الشهادة بها.

يرى القديس مار يعقوب السروجي أنه لا يستطيع حتى الموت أن يكتم فمه عن الشهادة والتسبيح لله.

     يا رب لن أتوقف عن تسبيحك، حتى بعد وفاتي.

من يحيا لك وبك لا يموت؛

ولا يقوَ صمت الموت على إسكاته.

إذن، فليتكلم بفمي، ليُكررّ بعد موتي في المستقبل.

     أنت هو الكلمة التي تعطى كلمة للمتكلمين،

بك يتكلم جميع المتكلمين من أجلك.

شعاعًا وإشراقًا ونورًا عظيما أشرق فيّ فأنظر إليك.

فبنظري لك تستضيء النفس، فتقتني الصلاح.

وحين تبتعد منك النفس تمتلئ ظلامًا،

وإذا ما تفرست فيك لبست النور لتنطق بكلام خبرك...

الصمت والكلام قائمان عليّ يطالبانني.

يا رب دبر حياتي كإرادتك.

إن صمت أدهش، إذ أشعر بعدم كفايتي في (للكلام).

اصمت في دهشة، وليس بطغيان باطل.

وإن تكلمت تكون كلمتي حسب مجدك ولأجلك.

عندما تمتلئ النفس بالصمت في دهشٍ بك، يكون هذا الصمت حديثًا مملوءً بكل منفعة. وإذا ما تحركت النفس لتمجدك بمحبة... فبالحب أتحرك، وأتحرك لأمجدك. وفي دهش أصمت ولا اهدأ من تمجيدك.

هب لي يا رب الدهش (بالصمت) والكلمة فأغتني. وفي كل يوم أدهش، وفي كل يوم أتحرك بالكلام!

القديس مار يعقوب السروجي

     يقول: بالتأكيد لست أقدم لك أمرًا فيه أي تناقض. فإنه ليس لدي ضمير ينجذب للتشبه بهذه الأشياء التي تنطق بها. في بساطةٍ أقول إنني احتمل تأديبات تتعدى حدود الطبيعة، فإن المحن التي حلت بي تفوق طاقة الجسم البشرى... إنه لم يقل: "لقد اجتزت آلامًا بالرغم من إني بار"، بل يقول إنه لا يقدر أن يحتملها كما يقول داود: "تراءف عليّ يا رب، فإني ضعيف" (مز 2:6).

القديس يوحنا الذهبي الفم

     "إني لم أجحد كلام القدوس". غالبًا ما تكون كلمات الله لنا ليست أصوات كلمات بل هي فرض أعمال علينا. فإنه يتحدث معنا بالأمور التي يعملها معنا في صمتٍ. لذلك فإن الطوباوي أيوب يكون قد جحد كلام الله لو أنه تذمر على الضربات عليه. ولكن تظهر مشاعره من نحو ضاربه بدعوته إياه "القدوس"، خاضعًا لذاك الذي يضربه.

     "إني لا أجحد كلام القدوس". إنه لم يتذمر قط على ظلم ذاك الذي ضربه. ففي وسط ضرباته يدعو الضارب "القدوس". لكن يلزمنا أن ندرك أنه أحيانًا يقوم الخصم بضربنا بالأحزان، وأحيانًا يقوم الله بذلك...

بضربات الخصم نحن نختلس الفضيلة، وعندما تنكسر عاداتنا الشريرة بضربات الرب نصير أقوياء في الفضيلة.

لقد سبق فرأى النبي هذه الضربة عندما قال: "ترعاهم بقضيبٍ من حديدٍ، ومثل آنية الفخاري تسحقهم" (مز 9:2). فالرب يرعانا ويكسرنا بقضيب من حديد، بعصا البٌر القوية حسب تدبيره، بينما يحّيينا من الداخل، يحزننا من الخارج. فإنه يحط من قوة الجسد ويسمو بغاية الروح.

هكذا تشَّبه هذه الضربة بآنية الفخاري، كما يقول بولس: "لنا كنز في أوانٍ خزفية" (2 كو 7:49). ويصف التحطيم مع الرعاية قائلاً: "وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يومًا فيومًا" (2 كو 16:4). ليت الإنسان القديس الذي يتوق إلى الاقتراب من الله، يعلن بقوة بروح التواضع حتى من خلال الضربات التي تحل به.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     أعلن بصراحة: "إنني لا أفتري على إلهي القدوس". هذا معناه: إنني لا أبالي بهذه الحياة، لا أخشى الرحيل من هذا الجسد، إذ لا أود أن أُوجد كاذبُا في علاقتي بالشهادات التي قدمها عني الله القدوس (1:1، 3:2). فإن الله لا يشهد عن قداسة أحدٍ إلا للذين يجدهم يمارسون أعمال القديسين. لقد قال أيضًا: "ليس أحد مثل أيوب على الأرض" (8:1، 3:2). لهذا يلزم أن نكون حريصين خلال هذه الحياة الفاسدة، إذ ليس من الممكن للناس الجسدانيين أن يتقبلوا شهادة من الله لها أهميتها كهذه وبذات السمة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

مَا هِيَ قُوَّتِي حَتَّى أَنْتَظِرَ؟ وَمَا هِيَ نِهَايَتِي، حَتَّى أُصَبِّرَ نَفْسِي؟ [11]

لم يكن أيوب يترجى أن يرى أيامًا صالحة بعد، فقد بلغت صحته إلى الحضيض، وصار في حالة ميئوس منها. ليس بعد من شفاء لجسمه، ولم تعد بعد فيه قوة للانتظار. لقد أدرك أيوب ما بلغ إليه من ضعف، وكان يليق به أن يترجى ذاك الذي يحمل ضعفنا عوض اشتهاء الموت عن يأسٍ.

     ما هي قوتي حتى استمر؟ وما هي نهايتي حتى تهدأ نفسي؟" حياتي قصيرة المدى (5:14) كم من مدارات للشهور والسنين تحتويها؟ كيف لا انزعج على هذه الحياة السريعة الزوال؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     شفق السيد (المسيح) على ضعفه (آدم)، ودخل يقبل الخزي عوضًا عنه!

     يا نور المسيح، الذي ينير العيون المظلمة، دعْ نورك يضيء على ضعفي، حتى استنير بك.

القديس مار يعقوب السروجي

     لنضع على رؤوسنا خوذة الخلاص، لكي لا نُجرح ونموت في المعركة. لنمنطق أحقاءنا بالحق، فلا نوجد ضعفاء في القتال.

لنقم ونوقظ المسيح، فيهدئ الأمواج عنا.

لنأخذ الترس تجاه الشرير، كاستعدادٍ لإنجيل مخلصنا (أف 6: 15-16).

لنقبل من ربنا السلطان أن نسود على الحيات والعقارب (لو 10: 19)...

لنفرح في رجائنا في كل وقتٍ (رو 12: 12)، حتى يفرح بنا ذاك الذي هو رجاؤنا ومخلصنا...

لنأخذ لأنفسنا سلاحًا للمعركة (أف 6: 16)، هو الاستعداد للإنجيل.

لنقرع باب السماء (مت 7: 7)، فيُفتح أمامنا وندخل فيه.

لنسأل الرحمة باجتهاد، فننال ما هو ضروري لنا. لنطلب ملكوته وبره (مت 6: 33).

لنتأمل في ما هو فوق، في السماويات، حيث المسيح صاعد وممجد.

لكن لننسى العالم الذي هو ليس لنا، حتى نبلغ الموضوع الذي نحن مدعوون إليه.

لنرفع أعيننا إلي العلا لنرى الضياء المتجلي.

لنرفع أجنحتنا كالنسور، لنرى حيث يكون الجسد (مت 24 28)...

عدونا حاذق يا عزيزي، ومحتال ذاك الذي يقاتلنا. يُعد نفسه للهجوم على الشجعان الظافرين، ليجعلهم ضعفاء. أما الواهون الذين له فلا يحاربهم، إذ هم مسبيون مُسلمون إليه.

من له جناحان يطير بهما عنه، فلا تبلغ إليه السهام التي يقذفها نحوه؟ يراه الروحيون يحارب، ولا يتسلط سلاحه على أجسادهم. لا يخافه كل أبناء النور، لأن الظلمة تهرب من أمام النور. أبناء الصالح لا يخشون الشرير، لأنه أعطاهم أن يطأوا عليه بأقدامهم (تك 3: 15)[282].

القديس أفراهاط

هَلْ قُوَّتِي قُوَّةُ الْحِجَارَةِ؟  هَلْ لَحْمِي نُحَاسٌ؟ [12]

     "هل قوتي قوة الحجارة؟ أو هل لحمي نحاس؟" (أي 6: 12) حتى إن كانت قوتي كقوة الحجارة أو النحاس، فإن العذابات الصادرة عن العدو تجعلها تتراجع، لأنه يحسب الحديد كالقش، والنحاس مثل خشب مسوس (أي 18:41). إن كان الله يقول هذا عن العدو، فمن الضروري إذن أن نبحث عن الرحيل من هذا الجسد من كل جانب.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     من الضروري أن نضع في الذهن أن "قوة" الأبرار من نوعٍ معينٍ، وقوة الفاسدين من نوعٍ آخر.

فقوة الأبرار هي أن نُخضع الجسد ونقاوم إرادتنا الذاتية، ونبيد مسرة الحياة الحاضرة، ونحب خشونة هذا العالم من أجل المكافآت الأبدية، وأن نستخف بإغراءات الرخاء، وأن نغلب رُعب المحن في قلوبنا، أما قوة الفاسدين فهي التعلق غير المنقطع بالأمور الزائلة، وطلب المزيد المستمر من المجد الباطل، حتى مع ضياع الحياة، والبحث عن مقاييس أكبر للشر، ومقاومة حياة الصالحين، ليس فقط بالكلمات، والسلوك وإنما أيضًا بالسلاح، لكي يعتدوا بذواتهم، وارتكاب الشر يوميًا دون أي نقص في الشهوة.

لذلك قيل للمختارين بالمرتل: "لتتشدد ولتتشجع قلوبكم يا جميع المنتظرين الرب" (مز 24:31). وأُعلن للفاسدين بواسطة النبي: "ويل للأبطال على شرب الخمر، ولذوي القدرة على مزج المسكر" (إش 22:5).

كيف أدرك إشعياء حسنًا كلا النوعين من القوة في الكلمات: "وأما منتظرو الرب فيجددون قوة" (إش 31:40). فإنه إذ لم يقل: "ينالون" بل قال: "يغيرون" (يجددون) قوة، يدرك بوضوح أن القوة التي يتركونها من نوعٍ والتي تدخل فيهم من نوع آخر.

     ما نشير إليه هنا بالنحاس والحجارة ليس ضربات العلي التي لم تلن بواسطة أية ضربات للتأديب؟ على العكس قيل للمختارين بالنبي بوعد من الرب: "وأنزع قلب الحجر من لحمهم، وأعطيهم قلب لحمٍ" (حز 19:11).

البابا غريغوريوس (الكبير)

لم يكن ممكنًا لأيوب أن يتكل على قوته الذاتية، بل يضع رجاءه في ربنا يسوع واهب القوة.

     بين كل المولودين الذين لبسوا جسدًا واحد هو البار، إنه يسوع المسيح، كما يشهد عن نفسه، إذ قال: "أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33). وشهد عنه النبي أيضًا: "لم يعمل ظلمًا، ولم يكن في فمه غش" (إش 35: 9). وقال الرسول الطوباوي: "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا" (2 كو 5: 21). كيف جعله خطية؟ حمل الخطية دون أن يرتكبها، وسمرها على الصليب (كو 2: 14). يقول الرسول أيضًا: "الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون، ولكن واحدًا يأخذ الجعالة" (1 كو 9: 24).

أضف إلي هذا أنه ليس من بين البشر من نزل إلي المعركة ولم يُجرح أو يُضرب، لأن الخطية سيطرت منذ تعدى آدم الوصية (رو 5: 14)، فضربت الكثيرين، وجرحت الكثيرين، وقتلت الكثيرين. ولم يقتلها أحد من بين الكثيرين حتى جاء مخلصنا على صليبه. كان لها شوكة تخز الكثيرين، حتى جاءت النهاية، وتحطمت شوكتها حين سُمرت على الصليب[283].

القديس أفراهاط

أَلاَ إِنَّهُ لَيْسَتْ فِيَّ مَعُونَتِي، وَالْمُسَاعَدَةُ مَطْرُودَةٌ عَنِّي! [13]

     "ليس من معونة لي من نفسي" [13]. كان الطوباوي أيوب غنيًا في الفضيلة إلا أنه لم يكن معتدًا بذاته، فتكلم هكذا كمن هو بلا قوة... واضح الآن أنه كمن ضُرب فكره من جهة الرجاء، متطلعًا أن لا رجاء له من نفسه. لكنه إذ يعلن أنه ضعيف في ذاته يضيف أيضًا أن أقرباءه قد هجروه. "أيضًا أصحابي تركوني". لكن لاحظوا أن ذاك المحتقر من الخارج يجلس في الداخل على كرسي الحكم. ففي اللحظة التي فيها يعلن عن نفسه أنه متروك للحال يكسر ذلك بالنطق بالحكم بالكلمات: "من ينزع الحنو عن صاحبه ينسى مخافة الرب".

البابا غريغوريوس (الكبير)

كان أيوب يئن من أصدقائه لأنهم تركوه في محنته، أما ربنا المجد يسوع فلم يترك محبوبه الإنسان، بل عبر إليه حتى إلى الجحيم ليحرره منه.

     إذ جاء يسوع قاتل الموت، والتحف بجسدٍ من نسل آدم، وصُلب بجسده، وذاق الموت، وعندما أدرك الموت أنه قد جاء إليه ارتعب في موضعه، وارتبك إذ رأى يسوع. لقد أغلق أبوابه ولم يرد أن يلتقي به. عندئذ فجَّر أبوابه، ودخل إليه وسلبه غنائمه.

وعندما رأى الأموات نورًا في الظلمة، رفعوا رؤوسهم من عبودية الموت، وتطلعوا ورأوا سمو المسيا الملك. عندئذ جلست قوات الظلمة في حدادٍ، إذ سُلبت سلطة الموت منهم.

ذاق الموت الدواء القاتل له، وسقطت يداه، وتعلم أن الأموات سيقومون ويهربون من سلطانه. وإذ أصاب (يسوع) الموت بسلبه ممتلكاته ولول وصرخ عاليًا في مرارة، قائلاً: "أبعد عن مملكتي، لا تدخلها. من هو هذا الحي الذي يدخل عالمي؟"

وإذ كان الموت يصرخ مرتعبًا (إذ رأى الظلمة بدأت تزول، وقام بعض الأبرار الراقدين ليصعدوا معه) أدرك أنه عندما يأتي في كمال الزمن، سيخرج كل المحبوسين من تحت سلطانه، ويذهبون ليروا النور.

لذلك عندما أكمل يسوع خدمته بين الموتى، أخرجه الموت من مملكته، ولم يسمح له بالبقاء فيها. وحسب أن افتراسه له كبقية الموتى ليس فيه مسرة، إذ ليس له سلطان على القدوس، ولا يقدر أن يحل به فساد...

كما أن الإنسان متى أخذ سمًا في الطعام الذي يُعطى للحياة، ويدرك في نفسه أنه أكل سمًا في الطعام، يتقيأ الطعام المختلط بالسم من بطنه، لكن تبقى فاعلية السم عاملة في أعضائه، حتى ينحل كيان الجسم قليلاً قليلاً ويفسد. هكذا موت يسوع أبطل الموت، إذ به تملك الحياة، ويبطل الموت، هذا الذي يُقال له: "أين غلبتك يا موت؟" (1 كو 55:15)[284].

القديس أفراهاط

 

3. نقده لقسوة أصدقائه


حَقُّ الْمَحْزُونِ مَعْرُوفٌ مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ تَرَكَ خَشْيَةَ الْقَدِيرِ [14].

يوبخ أيوب أصدقاءه على عنفهم وقسوتهم. حقًا لم يتكلم سوى أليفاز، لكن ظهرت علامات القبول والموافقة من الصديقين الآخرين. يشعر أيوب أن قسوتهم صارت علة جديدة ليتمنى الموت، لأنه أية راحة له في هذا العالم إن كان أصدقاؤه الذين جاءوا ليعزوه صاروا معذبين له؟

إنه من حق الإنسان الحزين أن يُقدم له المستريحون عطفًا، ويظهروا له محبة خالصة، ويطيبوا خاطره، ويستمعوا إلى شكواه، ويمزجوا دموعه بدموعهم. هذا ما يليق بهم كأعضاء مع الحزين في ذات الجسد الواحد.

من لا يقدم حنوًا للمتألم يكون قد ترك خشية القدير، أي فقد مخافة الرب لأنه كيف تثبت محبة الرب ومخافته فيمن لا يبالى بآلام أخيه (1 يو 3: 17)؟

الشدائد هي محك الصداقة؟ تكشف الأصدقاء بالحق ممن يدعون الصداقة. "الأخ للشدة يولد" (أم 17: 17).

     توجد وصيتان للحب: محبة الله ومحبة قريبنا. بحب الله يصير لمحبة القريب وجودها. وبمحبة القريب تتشدد محبة الله. فمن لا يبالي بمحبة الله بالحق لا يعرف شيئًا عن كيفية محبة القريب، وحين نتقدم بأكثر كمالٍ في محبة الله نرضع لبن الحب نحو قريبنا.

لأن محبة الله تلد محبة القريب، لذلك عندما تحدث الرب بصوت الناموس ونطق بالكلمات: "تحب قريبك" سبق ذلك قوله: "تحب الرب إلهك" (مت 37:22؛ تث 5:6، 10، 12)... مرة أخرى محبة الله تتقوى بحب قريبنا، وقد شهد يوحنا بذلك إذ يقول: "من لا يحب أخاه الذي أبصره كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره؟" (1 يو 20:4)... بهذا يقول بحق حكيم: "لا يمكن معرفة صديق وقت الرخاء، ولا يمكن أن يختفي عدو وقت المحنة" (ابن سيراخ 8:12).

البابا غريغوريوس (الكبير)

     لا يكفي أن نظهر رحمة، وإنما يليق بنا أن نقدّمها باتساع، بروح سمِحة، وليس فقط بروح سمِحة بل بروح فرحة مبتهجة...

وقد ركّز على نفس النقطة بقوّة عندما كتب إلى أهل كورنثوس ليحثّهم على الاتساع، إذ يقول: "من يزرع بالشح فبالشح أيضًا يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضًا يحصد" (2 كو 9: 6). ولكي يصحّح مزاجهم يقول: "ليس عن حزنٍ أو اضطرارٍ" (2 كو 9: 7)... فإنك إن حزنت وأنت تصنع رحمة فأنت قاس وعنيف.

إن كنت حزينًا كيف تقدر أن تسند الذين هم في حزن؟... هذا هو السبب في قوله "الراحم فبسرور"، لأنه كيف يكون حزين الملامح من يتقبّل الملكوت؟! من يبقى كئيب النظرة وهو ينال غفران خطاياه؟ إذن لا تفكّر في إنفاقك المال (عمل الرحمة)، بل في الفيض الذي تناله خلال الإنفاق. فإن كان الذي يبذر يفرح مع أنه يبذر وهو غير متأكد من جهة الحصاد، كم بالأكثر من يُفْلِح السماوات؟ فإنك تعطي إنما القليل لتنال الكثير... بالفلسين حُسبت الأرملة أنها فاقت من قدّم وزنات كثيرة وذلك بسبب روحها المتسع[285].

     يرتبط القوي بالضعيف فيسنده، ولا يسمح بهلاكه.

مرة أخرى إن ارتبط بشخص متكاسل يقيمه ويدفعه للعمل. قيل: "أخ يعينه أخ هو مدينة قوية". هذه لا يفوقها بعد المسافة ولا السماء ولا الأرض ولا الموت، ولا أي أمر آخر، إنما هي أقوى وأكثر فاعلية من كل الأشياء. هذه وإن صدرت عن نفسٍ واحدةٍ، قادرة أن تحتضن كثيرين دفعة واحدة.

اسمع ما يقوله بولس: "لستم متضايقين فينا بل متضايقين في أحشائكم. كونوا أنتم أيضًا متسعين"[286].

القديس يوحنا الذهبي الفم

     "الصديق الأمين دواء الحياة" (ابن سيراخ 6 : 16).

لا يوجد علاج مؤثر في شفاء الأوجاع مثل الصديق الصادق الذي يعزيك في ضيقاتك، ويدبرك في مشاكلك، ويفرح بنجاحك، ويحزن في بلاياك. من وجد صديقًا هكذا فقد وجد ذخيرة. فالصديق الأمين لا شبيه له، فوزن الذهب والفضة لا يعادل صلاح أمانته (انظر ابن سيراخ 6 : 14، 15).

     بحق ليكن لك صديق تدعوه "نصف نفسي".

     لا توجد صداقة حقيقيّة، ما لم تجعلها كوصلة تلحم النفوس، فتلتصق معًا بالحب المنسكب في قلوبنا بالروح القدس.

     لا يوجد علاج مؤثر لشفاء الآلام مثل الصديق الصادق الذي يعزيك في ضيقاتك.

القدّيس أغسطينوس

أَمَّا إِخْوَانِي فَقَدْ غَدَرُوا مِثْلَ الْغَدِيرِ، مِثْلَ سَاقِيَةِ الْوِدْيَانِ يَعْبُرُون َ[15].

إذ جاءوا معًا ليعزوه، وبقوا سبعة أيام وسبع ليالِ صامتين، كان ينتظر منهم كلمة تعزية تطفئ اللهيب الداخلي، لكنهم انقضوا عليه بوحشية كمن يغدرون به، يكيلون له الاتهامات الباطلة، ويصبون على جرحه ما يلهبه، بدلاً من تقديم زيت يلطف من التهابه.

     "أقرب معارفي لم يسندوا احتياجاتي". ذلك لمجرد تجاهل الله له جعل أقرباءه يستخفون به وسط مثل هذه الآلام. ففي كل مرة يبتعد الله، يُحرم الإنسان من ملجأه، ويصير الكل ضده معادين له. يقول لم يعرفني أحد في محنتي. لكن هذا في خطورة ان "كل الذين اعتادوا أن يكرموني صاروا الآن ضدي". هذا أمر سيء للغاية أن يسحق الشخص تحت قدميه إنسانًا منبطحًا. يبدو لي أنه كان يلمح بذلك إلى أصدقائه الذين كانوا معه.

     لو لم يكن شريرًا ما كان قد صار لكم عدوًا. إذن اشتهوا له الخير فينتهي شرّه، ولا يعود بعد عدوًا لكم. إنه عدوّكم لا بسبب طبيعته البشريّة وإنما بسبب خطيّته!

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن أيوب يشبه أصدقاءه بالخائفين من الجليد الذي يتجمد من أسفل ويسقط عليهم الثلج النازل من أعلى. أنهم يطأون بأقدامهم من حلت بهم المحن الزمنية الأرضية، إذ يطلبون مجد العالم، ولا يدركون أنه ستحل بهم العقوبة السماوية كثلجٍ ساقطٍ عليهم لا يستطيعون الهروب منه.

     لنتبعه وهو مُضطهد وهارب من عناء مقاوميه، حتى أننا نحن أيضًا "نصعد إلى جبلٍ ونجلس معه". فنرتفع إلى نعمة مجيدة، أسمى من كل شيءٍ، ونملك معه. وكما قال بنفسه: "أنتم الذين تبعتموني في تجاربي متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده في التجديد، تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر" (مت ١٩: ٢٨؛ لو ٢٢: ٢٨).

القدِّيس كيرلس الكبير

الَّتِي هِيَ عَكِرَةٌ مِنَ الْبَرَدِ، وَيَخْتَفِي فِيهَا الْجَلِيدُ [16].

جاءوا في مظهر الغدير الذي يقدم ماءً للظمآن، فقدموا له ماءً محملاً بالطين، ويختفي فيه الجليد، لا يمكن شربه.

يئن أيوب من تعزيات أصدقائه العكرة، المملوءة وحلاً. فإنه من فضلة قلوبهم الترابية يقدمون وحلاً. ومن برود محبتهم يقدمون ثلجًا. هكذا كل نفس تضع رجاءها في تعزيات البشر، لا تتقبل إلا وحلاً وجليدًا. التي عوض أن تروي النفوس المجروحة، تحطمها بما تخفيه من الفكر الترابي الزمني، ومن البرود الروحي.

أما من يتقبل تعزيات الروح القدس التي ترفع النفس إلى السماء، وتحررها من وحل هذا العالم، وتهبها حرارة الروح. فيتحول قلبه الترابي بماء الروح إلى فردوسٍ سماوي. ينزع الروح من داخله كل محبة للأرضيات، فيترنم: "أَجلسنا معه في السماويات". يبدد كل برود للنفس، واهبًا لهيب الحب الفائق، لا تستطيع كل مياه العالم أن تطفئه.

     يسمى (الروح القدس) المعزي، لأنه يعزي ويفرح الذين في الشدائد[287].

 القديس مقاريوس الكبير

     لقد دَعي الروح القدس الذي سيرسله بالمعزي، ملقبًا إياه هكذا بسبب عمله، لأنه ليس فقط يعطي راحة لمن يجدهم مستحقين، ويخلصهم من كل غمٍ واضطرابٍ في النفس، بل في نفس الوقت يمنحهم فرحًا أكيدًا لا ينحل. يسكن في قلوبهم فرح أبدي حيث يقطن الروح القدس.

     يستحيل أن ينال أحد نعمة الله ما لم يكن له الروح القدس، الذي فيه كل عطايا الله[288].

 القديس ديديموس الضرير

     حينما تمتلئ النفس من ثمر الروح تتعرّى تمامًا من الكآبة والضيق والضجر، وتلبس الاتساع والسلام والفرح بالله، وتفتح في قلبها باب الحب لسائر الناس .

 القديس مار اسحق السرياني

     مملكة طاهر النفس داخل قلبه، والشمس التي تشرق فيها هي نور الثالوث القدوس، وهواء نسيمها هو الروح القدس المعزي، والسكّان معه هم طبائع الأطهار الروحانيين، وحياتهم وفرحهم وبهجتهم هو المسيح ضياء الآب...

     من نظر في ذاته إلى ربنا، وامتزجت نفسه بنوره، يمتلئ قلبه بالفرح.

الشيخ الروحاني

إِذَا جَرَتِ انْقَطَعَتْ، إِذَا حَمِيَتْ جَفَّتْ مِنْ مَكَانِهَا [17].

يشٌَبه أيوب أصدقاءه بجدول ماء، صار بسبب الحرارة جافًا، ليس فيه نقطة ماء للشرب. فإذ يعرج إليه المسافرون مترجين أن يرووا ظمأهم وظمأ حيواناتهم، فيتركون طريق السفر ويذهبون إليه إلى مسافات بعيدة حتى يكادوا أن يتوهوا عن الطريق، إذ بهم يفاجئون بجفافه، فيحل بهم الخزي.

لم يقف الأمر عند وجود طين في مياه الغدير، وإنما سرعان ما تجف، يذهب إليها أيوب ليشرب، فيجد جدول ماءٍ جاف.

ماذا يقصد بكلمة "حميت"؟ يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هؤلاء الذين تسقط عليهم التأديبات تصير أذهانهم حامية، ملتهبة بنيران الندامة غير المثمرة، لأنهم لا يفكرون في الأبديات، بل هم مشغولون بالمجد الزمني. فندامتهم تحطمهم بالأكثر، ويذوبون في مكانهم.

     "الذين يرتعبون أمامي، انظروا فقد طرحوني إلى أسفل مثل جليدٍ أو ثلجٍ كثيفٍ الذي عندما يذوب عند الاقتراب من الحرارة يتعذر تمييزه". يقول: كأن الأحزان قد ضغطت عليّ من كل جانب، وصار الخاضعون لي وأصحابي ضدي. فإنه ليس فقط قانون الحب قد أبطل، وإنما حتى المهابة التي تقود إلى الطاعة قد زالت. وأما أنا الذي أصارع مع محنٍ وانفعالاتٍ عنيفةٍ، فقد صرت كثلجٍ مجمدٍ، وعندما يحل فصل الحر ينحل ويزول ولا يبقى له أثر. لا يترك أية علامات وراءه لأن الملك - الذي هو أنا - جالس على مزبلة. واللابس الأرجوان قد صار عاريًا تمامًا خارج المدينة. إنه يجلس في الخارج ليقضي الليل، هذا الذي كان قبلاً يقطن مساكن فاخرة، كانت منازله مغشاة بالذهب والفضة بفيضٍ. هذا الذي كان محاطًا بخدمٍ كثيرين، الآن صار مهجورًا. الذي له أبناء كثيرون وأكاليل موروثة، فجأة صار في دمار، فقد كل غنى بيته.

الأب هيسيخوس الأورشليمي

     هذا الثوب الذي لبسته يا إنسان داخل المعمودية سداه نور، ولحمته روح، وهو لهيب. لقد أعده لك الآب، ونسجه لك الابن، وحاكه لك الروح. في داخل المياه نزلت ولبسته إلهيًا. لقد قدم الثالوث النار بالمعمودية ليحرق الإثم ولكي تحيا النفوس مع الله[289].

مار يعقوب السروجي

تَحِيدُ الْقَوَافِلُ عَنْ طَرِيقِهَا، تَدْخُلُ التِّيهَ فَتَهْلِكُ [18].

تحول جدول الماء عن المحتاجين إليه، فلا يجد العطشى ماءً للشرب. هكذا ابتعد الأصدقاء بتعزياتهم بعيدًا عن أيوب، فصاروا كمجرى ماء يهرب من الظمأى. أما الروح القدس المعزي فيروي النفس ويشبعها، فلا تحتاج إلى شيءٍ.

     من المعلوم يا إخوتي أن كلاً منا يطلب راحته وفرحه، إلا أنه لا يطلب ذلك كما يجب، ولا حيثما يوجد. فالأمر يتوقف على تمييز الفرح الحقيقي من الفرح الكاذب، وبالعكس فإننا غالبًا ما نُخدع بخيالات الفرح الباطل والخير الكاذب.

فالبخيل والمتجبر والشره والشهواني، كل منهم يطلب الفرح، إلا أن هذا يضع فرحه في جمع غنى وافر، وذاك في شرف الرتب والكرامات، وهذا في المآكل والمشارب اللذيذة، وذاك في إشباع شهواته النجسة. ليس منهم من يطلب فرحه كما يجب، ولا حيثما يوجد، من ثمَّ لا يجده أحد منهم بالرغم من أن الكل يشتهونه.

كل ما في العالم لا يقدر أن يُشبع النفس ويُخوِّل لها فرحًا حقيقيًا، فلماذا إذًا تتعب أيها الإنسان الغبي، وتطوف باطلاً في أماكن كثيرة متوقعًا أن تجد خيرات تملأ بها نفسك وتُرضي بها جسدك؟! أحبب خيرًا واحدًا يحوي جميع الخيرات، ففيه وحده تجد الكفاية.

استرح إلى الخير الواحد العظيم العام، ففيه الكفاية عن كل شيء.

وأما أنتِ يا نفسي فباركي الرب الذي يُشبع بالخيرات عمرك (مز 103: 2، 5).

 القديس أغسطينوس

نَظَرَتْ قَوَافِلُ تَيْمَاءَ. مَوَاكِبُ سَبَأ رَجَوْهَا [19].

تطلعت قوافل تيماء وسبأ، قوافل تجار تلك البلاد الموجودة في صحراء العرب، نظرت إلى المياه، وترجت أن تشرب منها، لكنها خزت إذ هربت منهم.

يطلب الطوباوي أيوب أن نتأمل سبل تيماء وطرق سبأ. ويرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن تيماء تترجم بالريح الجنوبية، وسبأ تترجم "شبكة". فلإنسان الذي لا ينشغل بالأبديات إنما كمن تهب عليه الريح الجنوبية الحارة، فتجعل حياته منحلة كما بفعل الحرارة، وتصير قدماه كمن قد أُمسكتا في شبكة أو تقيدتا بقيود الزمنيات.

خَزُوا فِي مَا كَانُوا مُطْمَئِنِّين. جَاءُوا إِلَيْهَا فَخَجِلُوا [20].

إذ يتجه المسافرون في البرية نحو جدول مياه معروف، يشعرون براحة لأنهم واثقون أنهم يجدون ماءً للشرب، لكن تتحطم ثقتهم تمامًا حين يجدونه جافًا. هذا هو موقف أيوب نحو أصدقائه الذي كان يظن أنه يجد تعزياته فيهم، فإذا بهم يقدمون كلمات جافة وقلوبًا بلا حب، فيخيب أمله تمامًا من جهتهم.

كانت ثقته عظيمة أن يشرب من مياه الجدول في وسط البرية. لكن طمأنينته ظهرت باطلة.

لقد جاء الأصحاب إلى أيوب وخجلوا، وكما يقول البابا غريغوريوس (الكبير) إنهم لم يستطيعوا أن يهزوا فكر القديس بنقدهم العنيف المرّ.

هذه هي مشاعر الطوباوي أيوب أن أصحابه قد صاروا في خزي، إذ فشلوا بكل افتراءاتهم أن يدخلوا به إلى اليأس، بل هم أنفسهم صاروا في ارتباك بجنون غباوة عنفهم.

     "يخزون فيما أنا أترجى". عندما يصوب الأشرار شرورهم إلى الصالحين، إذ يرون رجاءهم الداخلي يهتز يتهللون، لأن خداعهم قد أثمر. إنهم يحسبون نشر أخطائهم أعظم ربحٍ اقتنوه، إذ يفرحون حين يهلك زملاؤهم. ولكن إذ يتأصل رجاء الإنسان الصالح في الداخل ولم يهتز وينحنِ إلى الأرض بالشرور الخارجية تخزى نفوس الأشرار، لعجزهم البلوغ إلى أعماق الذين في محنة، ويخجلون، إذ يظهر أن عنفهم بلا هدف.

البابا غريغوريوس (الكبير)

 

 

في رأي الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن أيوب يقول لهم: "انظروا مقاطعاتكم الخاضعة للجزية أو إلى جيرانكم كما إلى طرقكم. فإنكم بالتأكيد تدركون أنهم إ

ذ ظنوا أنهم أكثر شهرة من غيرهم إلا إنهم مستحقون للوم. "يغطيهم العار، هؤلاء الذين يتكلون على مدنهم وغناهم، هذه التي كانت لدى أيوب بفيضٍ. وإذ أصيب بالتجارب نزع الله عنه كل هذا، لهذا فإن ثقتهم فيما هو لهم خطأ، فعن قريب يبطل كبرياؤهم ويهلك تشامخهم.

فَالآنَ قَدْ صِرْتُمْ مِثْلَهَا. رَأَيْتُمْ ضَرْبَةً فَفَزِعْتُمْ [21].

يؤكد أيوب لأصدقائه أنهم صاروا هكذا مثل هذا الغدير المخادع الذي لا يروي أحدًا ولا يهب تعزية، بل يقدم سرابًا وخداعًا... هذه هي تعزيات البشر الباطلة، إنها كلا شيء!

"رأيتم ضربة ففزعتم". كأنه يقول: حين كنت في رخاء كنتم تلاطفونني في وقتٍ لم أكن فيه محتاجًا إلى ملاطفتكم. وإذ حلت بي الضربة، فزعتهم وقدمتم لي مرارة عوض الكلمات العذبة، ونقدٍ لاذع عوض التعزيات.

     "الآن قد جئتم ورأيتم ضربتي ففزعتم"... كأنه يقول في وضوح: "لقد خشيت الله عندما كنت مدعمًا بالرخاء، ولم أشعر بجراحات الضربة. أما أنتم فلم تخشوا الله بالحب، إنما ارتعبتم منه فقط خلال ضربات العصا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

هَلْ قُلْتُ: أَعْطُونِي شَيْئًا، أَوْ مِنْ مَالِكُمُ ارْشُوا مِنْ أَجْلِي؟ [22]

وإن كان قد افتقر إلى حالة العدم، لكنه لم يستجدِ منهم شيئًا، ولم يثقل عليهم في شيءٍ، ولا طلب مالاً، ولا كبَّدهم أية نفقات، فلماذا يأخذون هذا الموقف المؤلم؟

أَوْ نَجُّونِي مِنْ يَدِ الْخَصْم،ِ أَوْ مِنْ يَدِ الْعُتَاةِ افْدُونِي؟ [23]

لم يسألهم أن ينقذوه من عدو أو من يد عتاة، ولا سألهم أن يدفعوا فدية لإنقاذه. هكذا كان أيوب عفيف النفس، حتى عندما بلغ إلى أمّر حالات الفقر.

عَلِّمُونِي فَأَنَا أَسْكُتُ، وَفَهِّمُونِي فِي أَيِّ شَيْءٍ ضَلَلْتُ [24].

لقد اختلف أيوب معهم في الرأي، إلا أنه لم يعاند، بل كان مستعدًا أن يقبل الحق إن كان مخطئًا، إذ يقول: "علموني فأنا أسكت، وفهموني في أي شيء ضللت".

في وسط الضيق متى قام أحد بتوبيخنا، خاصة إن كان متحاملاً علينا، يصعب أن نصغي إليه أو نقبل مشورته، مركزين أنظارنا نحو تحامله الشرير واستغلال ضيقتنا لتحطيمنا. أما أيوب ففي وسط الضيقة يعلن لأصدقائه أنه مستعد أن ينصت ويسمع، بل وإن ابرزوا خطأ في حياته يصحح من حاله.

يا لها من صورة رائعة لنفسية وإن اضطربت بسبب مرارة الكوارث المتلاحقة، لكنه يحمل هدوءً داخليًا، واستعدادًا عجيبًا لقبول مشورة أصدقائه مهما كانت نياتهم.

     "علموني" ها أنتم ترون أيوب يصغي إليكم في صمت. في أحزاني هل أنا متمرد؟ أما أشعر بفيضان المحنة؟ لست منغلقا على قبول المشورات. إن كنتم تدحضوني لأني مخطئ، فسترونني مسرعًا نحو إصلاح الموقف.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     هذا معناه: لم أطلب منكم شيئًا في الماضي، ولا طلبت منكم الآن، وأنتم قد جئتم بناء على مبادرة من جانبكم لكي تجدوني وتعزوني. فلماذا تتعاملون معي كعدوٍ؟ "علموني فأسكت؛ إن كنت أخطئ في شيء ما اخبروني".

على أي الأحوال، حتى تحت هذه الظروف لست أرفض التعلم مادمتم تنطقون بما هو نافع. وسأصمت إن نطقتكم بكلمات مقبولة.

بالتأكيد لا يقدرون أن يقدموا اتهامات واضحة، إنما مجرد حدس وتخمينات.

إذ كانت حياة الشخص مملوءة بالفضائل بوضوح، كان يليق بهم ألا يروا في التأديبات ما يقولونه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الله وحده مطلق الكمال، يعلِّم المسكونة ولا يحتاج إلى التعلُّم. أمَّا نحن كرعاة إذ نخدم بالله الساكن فينا، يلزمنا أن يتسع القلب دائمًا، ويستمر في الاتساع ليأخذ من الله، وتفوح بالأكثر رائحة المسيح فينا، لأنَّه مهما عظم اتِّساع قلبنا فهو ليس إلاَّ نقطة صغيرة بالنسبة لِلُجَّة محبَّة الله وفيضه اللانهائي.

فالراعي – ولو كان بطريركًا – إن لم يكن دائم التعلُّم يقف نموه ويظهر جموده ويُعثر شعبه عن النمو الروحي. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وبقدر ما يخشع تحت أقدام الرب، ويفتح قلبه له في الصلاة والدراسة في الكتاب المقدَّس، وبقدر ما يصغي دائمًا بكل قلبه ليتعلَّم في كل أمر أحكام الله، ينمو في شركته وتنمو معه رعيَّته أيضًا.

     إنَّني لا أقدر على الهروب من عمل التعليم مادام الكهنوت قد ألقي على عاتقي، رغم محاولتي الهروب منه.

وإنَّني أرغب في الجهاد في التعلُّم حتى أكون قادرًا على التعليم.

لأنَّه يوجد سيِّد واحد (الله) الذي وحده لا يتعلَّم ما يعلِّمه للجميع.

أمَّا البشر فعليهم أن يتعلَّموا قبل أن يعلِّموا، ويتقبَّلوا من الله معلِّمهم ما يعلِّمون به الآخرين.

القدِّيس أمبروسيوس

     اقرأ الكتب المقدَّسة باستمرار، فلا ترفع الكتاب المقدَّس قط عن يدك. تعلَّم ما ستعلِّمه للآخرين، ملازمًا للكلمة الصادقة التي بحسب التعليم، لكي تكون قادرًا أن تعظ وتوبخ المناقضين (١ تي ٣: ٤)، "وأما أنت فاثبُت على ما تعلَّمت وأيقنت، عارفًا ممَّن تعلَّمت". كن مستعدًا دائمًا لمجاوبة كل من يسألك عن الرجاء الذي فيك" (١ بط ٣: ١٥).

القدِّيس جيروم

مَا أَشَدَّ الْكَلاَمَ الْمُسْتَقِيمَ، وَأَمَّا التَّوْبِيخُ مِنْكُمْ، فَعَلَى مَاذَا يُبَرْهِنُ؟ [25]

لم يسترح أيوب لأسلوبهم في معالجة الأمر، فكان يليق بهم أن يحاوروه بروح الحب والاستقامة. أما أن يستخدموا أسلوب النقد والتوبيخ على افتراضات وظنون لا أساس لها، فهذا ليس للبنيان.

     "حسنا! تبدو كلمات الإنسان الحق بلا قيمة". يقول: يبدو لي إني عاجز عن أن أقود المعركة، لأن خصومي يقاومونني، ولأنه إذا قيل الحق وأعلن عنه بصراحة، ليس من يصغي إليه. فإن كلمات الإنسان البار تبدو بلا قيمة لكل أحد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     "إذ تبدو كلمات الإنسان الحق باطلة". إنها باطلة بالنسبة للذين ليسوا حقًا. ولكن إذ أتطلع إليكم لا أعرف من تخدمون؟!

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

هَلْ تَحْسِبُونَ أَنْ تُوَبِّخُوا كَلِمَاتٍ، وَكَلاَمُ الْيَائِسِ لِلرِّيحِ! [26]

التوبيخ بروح العنف وفي قسوة لن يثمر.

     "لست أسألكم كلمة أو قوة، ولا توبيخكم يجعلني أن أكف عن النطق". نعم، فإنه وإن كان يليق بكم أن تحكموا في قضيتي حسب الظروف الحاضرة، فإني لا أتوسل إليكم... "فإنني لست أطلب قوة منكم"... لا أعبأ بأصوات حديثكم هذا بجانب أنكم تهاجمون الأيتام، وتسيئون إلى أحد أصدقائكم. إنه يقول لهم بأنه ليس للعداوة ولا للصداقة تأثير عليكم. على أي الأحوال، إن رغبتم دعوني أعود إلى قولي: "إني لا أطلب شيئا". فإنكم حتى إن أخذتم موقف المقاومة أكرر مرة أخرى: ضميري لا يثور عليَّ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

بَلْ تُلْقُونَ عَلَى الْيَتِيمِ، وَتَحْفُرُونَ حُفْرَةً لِصَاحِبِكُمْ! [27]

إذ يتطلع أيوب إلى تصرفاتهم مع الأيتام كما مع أصدقائهم يستطيع أن يكرر: "إن ضميري لن يوبخني بكلماتكم".

يشبههم وهم يوبخونه بينما هو في حالة مرة وفي كارثة، كمن يذل يتيمًا عاجزًا عن صد الإهانات.

حسب أيوب نفسه وقد فقد أولاده كاليتيم الذي يفقد والديه، يحتاج إلى حنوهم فيتشبهون بالله، إذ هو "أبو اليتامى وقاضي الأرامل" (مز 68: 5).

ما يحزنه أنهم وهم أصدقاء له ينصبون فخًا يسقط فيه، عوض مساندته ليخرج من فخ التجارب المتلاصقة.

     "نعم، أنتم تسحقون وتبذلون الجهد لتدميري". إنه يظهر نفسه كم هو ضعيف، إذ يدعو نفسه "يتيمًا". عندما تجرح المحبة لن تنزع الحب، لذا يشكو في الحال أنهم يدمرونه، ومع هذا يشهد أنه صديقهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     يجب على كل راهبٍ (إنسانٍ) ينشد الكمال ويرغب في أن يجاهد قانونيًا في قتاله الروحي، أن يتخلص من خطية الغضب والسخط بأكملها، وأن ينصت للتحذير الذي يُوجهه إليه "الإناء المختار"، قائلاً: "ليُرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خبث" (أف 31:4). وحين يقول: "ليُرفع من بينكم كل غضب" لا يستثني أحدًا مهما كان، لما تقتضيه الضرورة أو لما هو نافع لنا، وإذا احتاج الأمر، فينبغي فورًا أن يُعالج أي أخ مخطئ بطريقة لا يكون من شأنها أن تجعله شبيهًا بشخصٍ ذهب يعالج مريضًا بحمى خفيفة فورط نفسه بغضبه وسخطه فيما أدى به إلى فقد بصره وبصيرته. ذلك لأنه ينبغي على من يريد أن يشفي جرح شخصٍ ما أن يكون سليمًا مُعافى، لا يشكو من أي ضعف، لئلا تُوجه إليه عبارة الإنجيل: "أيها الطبيب اشف نفسك" (لو 23:6)، ولئلا وهو يرى القذى الذي في عين أخيه لا يرى الخشبة التي في عينه. إذ كيف يرى حتى يخرج القذى من عين أخيه، ذاك الذي في عينه خشبة الغضب؟ (مت 7: 3-5)[290]

القديس يوحنا كاسيان

وَالآنَ تَفَرَّسُوا فِيَّ، فَإِنِّي عَلَى وُجُوهِكُمْ لاَ أَكْذِبُ [28].

كان أيوب صادقًا مع نفسه كما مع الغير، لهذا سألهم أن يتفرسوا فيه ويعيدوا النظر في الأمر، فإنه لا يكذب ولا يخدع أحدًا.

كأنه يقول لهم: لا تتصيدوا بعض كلماتي، تطلعوا إلى وجهي، فإني وإن كنت قد لعنت يوم الحبل بي ويوم ميلادي، الأمر الذي تتصيدونه، لكنني لم أجدف على إلهي.

تفرسوا في قروحي فإنها لا تُحتمل، فما ينطق به لساني ليس بدون مبررٍ. إنني لست أخاصم إلهي.

اِرْجِعُوا. لاَ يَكُونَنَّ ظُلْمٌ. ارْجِعُوا أَيْضًا. فِيهِ حَقِّي [29].

يعود فيكرر مطالبًا إياهم بإعادة التفكير، يسألهم أن يرجعوا إلى أنفسهم ولا يتحاملوا عليه، فيروا حقه، فإن كان لم يقدر أن يحتفظ بهدوئه فلا يعني هذا أنه فقد استقامته ونبله.

هَلْ فِي لِسَانِي ظُلْمٌ، أَمْ حَنَكِي لاَ يُمَيِّزُ فَسَادًا؟ [30]

يسألهم هل نطق بلسانه كلمة فيها تجديف على الله. أي إثم يتهمونه به؟ أليس ما نطق به يتكافأ مع ما يعانيه من مرارة.

     عندما نفضح خطية أخينا يفضح الله خطيتنا، وعندما نخبر الناس عن جريمة أخينا يفعل الله معنا هكذا.

أحد آباء البرية

     احفظوا ألسنتكم. وذلك بأن لا تقولوا عل إخوتكم شرًا. لأن الذي يقول على أخيه شرًا يغضب الله الساكن فيه. ما يفعله كل أحدٍ برفيقه فبالله يفعله.

القدِّيس مقاريوس الكبير

 

 
تفسير سفر أيوب اصحاح7 PDF Print Email

شهوة الموت


في هذا الأصحاح يقدم لنا أيوب صورة حية لما يليق بالمؤمن أن يفعله وسط متاعبه، خاصة مع المقاومين له. إنه لم يتجاهلهم، بل تحدث معهم بحكمةٍ وهدوءٍ وصدقٍ، لكن بين الحين والآخر يحول وجهه عنهم ليرفعه نحو الله، ويدخل معه في حديث صريح. هكذا جاء هذا الأصحاح صلاة تخرج من قلبٍ يذوق المر من قلوب أصدقائه، فيلجأ إلى قلب الله واهب التعزيات، صديقه السماوي الفريد، ومخلص نفسه.

يعود أيوب فيكرر أنه يلتمس لنفسه العذر في تطرفه في شهوة الموت، مقدمًا الحجة لذلك.

أغلب الأصحاح موجه إلى الله. في وسط آلامه تطلع أيوب بنظرة تشاؤمية حيث يرى كل البشرية أشبه بالعبيد والخدم الذين يشتهون دومًا عبور الزمن للدخول إلى المساء لينالوا شيئًا من الراحة، ويستلمون أجرة تعبهم. إذ كانت أتعابه تلازمه كان يشتهي حلول الليل لكي يستريح من أتعاب النهار.

يصرخ أيوب بأن آلام النهار وأحلام الليل المرعبة جعلته يشتاق أن يحل به الموت عوض استمرار الحياة. إنه يتساءل: هل الإنسان الضئيل هام جدًا لدى الله، حتى يضع الله عينه عليه، ويتحين كل فرصة لكي يعاقبه؟ (١٧-١٨؛ ١٤: ١-٣).

يعترف أيوب أنه أخطأ، لكنه يتعجب كيف أن خطيته تجعل الله يلقي به أرضًا، كما لو كان حملاً ثقيلاً. إنه يطلب من الله ألاَّ يتأخر في الإعلان عن المغفرة، لئلا يموت قبل أن يتمتع بالغفران.

1. أيامه كأيام الأجير مملوءة شقاءً 1  -6.

2. الموت يضع حدًا للشقاء الحاضر 7-10.

3. وصف لحالته التعيسة            11-16.

4. صرخة إلى الله لإنقاذه           17-21.

 

 

1. أيامه كأيام الأجير مملوءة شقاءً


أَلَيْسَتْ حَيَاةُ الإِنْسَانِ جِهَادًا عَلَى الأَرْض، وَكَأَيَّامِ الأَجِيرِ أَيَّامُهُ؟ [1]

يلتمس أيوب لنفسه العذر حتى في تطرفه في شهوة الموت، مدعمًا رأيه بأن حياة الإنسان كلها تعب، فهو "قليل الأيام وشعبان تعبًا" (أي 14: 1). كل إنسانٍ يدرك أن أيامه قليلة، له ما يبرره في اشتهاء الموت عن قريب، لهذا يدهش كيف يعتبرونه قد ارتكب جريمة شنيعة عندما اشتهى ذلك.

بقوله "على الأرض" هذه التي أعطاها الله لبني البشر (مز 115: 16)، ينم عن وضاعة الإنسان، فإن مكان إقامته لا يزال أسفل على الأرض، وليس بين الطغمات السماوية. حقًا لا يسكن كعدو الخير في جهنم، إنما إلى حين على الأرض. نعيش مؤقتًا هنا لا يحكمنا القدر الذي للرواقيين، ولا الحظ الأعمى للأبيقوريين، إنما مشورة الله وخطته الإلهية السمائية العالية.

أما عن حالة الإنسان هنا فهي "جهاد، كأيام الأجير" في حالة جهادٍ مستمرٍ، كجنودٍ في معركة لا تتوقف. أعداؤنا لا يكفون عن المقاومة، ولا ينامون الليل. بالموت تُحسم المعركة، إما لكي نكلل أبديًا أو نصير في خزي وخجلٍ.

أيامنا كأيام الأجير نعمل طوال النهار لنقدم حسابًا في نهايته. كأجير يود أن ينتهي اليوم سريعًا حتى يستريح من الإجهاد في العمل المستمر. يرحب الأجير بعبور النهار وحلول الليل للراحة، كما يفرح الحارس بعبور الليل بنور الصباح (مز 130: 6). يشتاق الأجير إلى نهاية اليوم، لأن "نوم المشتغل حلو" (جا 5: 12).

     أليست حياة الإنسان على الأرض بمثابة جهاد، وحياته كأيام الأجير؟ كالعبد الذي يكمن في الظل خوفًا من سيده، أو كالأجير الذي يترجى أجرته؟ هكذا أيضًا أنتظر شهورًا فارغة وليالي شقاء قُسِمت لي. إذا اضطجعت أقول متى يطلع النهار؟ وإن قُمت أقول ثانية، متى يحل المساء؟ إني مملوء ألمًا من الليل حتى مطلع الصباح. جسدي أنتن بتلوث الدود، وبلّلت كتل الأرض بحك قروحي التي تخرج إفرازات قيح! أيامي أتفه من كلام فارغ، وتنتهي بغير رجاء. أقول: "سيُعزّيني فراشي"، لكنك تروعني في الأحلام، وتُخيفني في الرؤى" (أي 1:7-6، 13، 14 LXX)[291].

     ما أتعس حال الإنسان! كالأجير، يتعب ويكد لأجل الآخرين وهو نفسه في عوزٍ! ولا يقوى على مساندة نفسه، إلا بواسطة تعاطف الآخرين! كل يوم يتكبد عبودية مُرّة تحت قهر الخوف والفزع. ولئلا يمسك به سيده، يظن أنه يستطيع أن يختبئ منه في ظل هذا العالم؛ الظل الجائل الهائم الهارب! فكِّر في ذاك الذي يتحدث عنه سيراخ في سفر الحكمة Ecclesiascticus "كل إنسان يخطئ على فراشه مستهينًا وقائلاً في نفسه: "من يراني؟ فالظلمة حولي، والحيطان تخفيني؛ ممن أخاف؟" (سيراخ 18:23). ألا تظنوا أن ذلك الإنسان أجير مسرف؟...، مثل الشاب الذي ورد في الإنجيل الذي نقرأ عنه أنه تسلم من أبيه نصيب الميراث، وعندما صار في عوزٍ وفي حاجة، بدأ يرعى قطعان الآخرين كوسيلةٍ لإشباع جوعه وسداد نفقاته بما يتقاضاه (لو 11:15-16)، لكنه على الأقل قد اهتدى في النهاية وتاب، لأنه عاد إلى أبيه، ولم يكتم خطاياه بل كشف عنها.

لكن الإنسان الذي يظن أن الله لا يراه، ذاك الذي يرى كل شيء، وأن آثامه يمكن أن يخفيها الظلام، إنما يعيش في الظل، لكنه عبثًا يظن أنه يهرب من المراقبة، حيث عين الرب، الأبهى من الشمس، تكشف عن كل الأسرار والخفايا، وتنير كل ظلمة، وتدخل إلى معرفة عمق القلب، وتخترق إلى العلو والأعماق (يو 19:3-20؛ سيراخ 19:23(28)). ولهذا فالإنسان الذي يظن أنه في حماية الظلام، ظنه باطل؛ لأنه لا يقوى على الهروب من النور الذي ينير في الظلمة، والظلمة لم تمسك به (يو 5:1).

من ثمة يُكتشف كهاربٍ وأجيرٍ شريرٍ، ويتم التعرف عليه قبل أن يُخفي نفسه! لأن كل الأشياء معروفة للرب، قبل أن يفحصها، لا بالنسبة للأحداث الماضية فقط، بل والمستقبلة أيضًا[292].

     من يظن أنه يخفي جُرمه، إنما يُفقد في رجاءٍ فارغٍ، لأن ذلك مجرد حديث واهٍ وليس الحق. حقًا "حديث الخطاة الفارغ مكروه" (سيراخ 13:27(14))، لا يعطي ثمرًا، بل بكاءً فقط! لأن "حديث الأحمق مثل حِمْلٍ في الرحلة" (سيراخ 16:21 (19))، وما الخطية إلا ثقلٍ؟ إنها ثقلٌ على كاهل عابر السبيل في هذا العالم، حتى أنه يتثقل بحملٍ ثقيلٍ من الجُرم! فإن كان راغبًا في عدم الخضوع لحمل الثقل، عليه أن يلتفت إلى الرب الذي قال: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم" (مت 28:11)[293].

القديس أمبروسيوس

     الله في قديسيه عندما يُجربون، والقداسة تتبع التجربة. يستحيل على أيٌ شخص، حتى وإن كان قديسًا أن يجتاز هذا العالم بدون تجربة. وكما يقول أيوب: "حياة الإنسان على الأرض نضال (جهاد)" (أي 7: 1)[294].

     نقرأ في سفر أيوب كيف أنه بينما كان رسول الشر الأول يتحدث جاء أيضًا آخر (1: 16). وفي نفس السفر كتب: "ألا توجد هنا تجربة" وبحسب النص العبري الأفضل: "توجد حرب ضد الإنسان على الأرض". إننا نجاهد في هذه الحياة لكي ما نكلل في الحياة العتيدة، ولهذا الهدف نخاطر بحياتنا؛ في معركة هذا العالم (مت 4: 1 الخ). يشهد الكتاب المقدس عن إبراهيم أن الله جربه (تك 22: 1 الخ). ولهذا السبب أيضا يقول الرسول: "نفتخر في الضيقات... عالمين أن الضيق ينشئ صبرًا، وفي الصبر رجاء، والآن الرجاء لا يخزى" (راجع رو 5: 3-5). وفي موضعٍ آخر: "من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟ كما هو مكتوب: إننا من أجلك نُمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح" (رو 8: 35- 36). يعزي إشعياء النبي مثل هؤلاء بالكلمات: "أنتم المفطومون عن اللبن، المفصولون عن الثدي، أنظروا تجربة فوق تجربة بل، وأيضا رجاء فوق رجاء (إش 28: 9- 10 LXX) فكما عبر الرسول: "آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" (رو 8: 18)[295].

القديس جيروم

     عندما تهرب من مصر تأتي إلي مصاعد علوية جدًا للعمل والإيمان. تواجه برجًا وبحرًا وأمواجًا. طريق الحياة لا نسلكه دون أمواج التجارب. يقول الرسول: "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون" (2 تي 3: 12). أيوب أيضًا لم يعلن بأقل من هذا: "حياتنا على الأرض تجربة" (أي 7: 1)[296].

العلامة أوريجينوس

    أيوب بدوره ردد قول أليفاز: لكن الإنسان مولود للمشقة (5: 7). ماذا يعني هذا بالنسبة لأيوب؟ لقد جاء إلى النتيجة النهائية بأن هذا ليس هو الظلم الوحيد، بل هو نابع عن طبيعة الإنسان نفسها التي تثير هذه التجارب، كما أن الله يقرر أن حياة الإنسان يجب أن تكون مؤلمة. لكن أيوب أضاف"على الأرض"، إذ لا تكون بعد هكذا "في السماء".

القديس يوحنا الذهبي الفم

     ما هذه الحياة إلا ملء من الشباك؟

نحن نسلك بين شباك (ابن سيراخ 9: 13)؛ إننا نعيش بين تجارب عديدة. "ما هي حياة الإنسان على الأرض إلا حالة من التجربة" (أي 7: 1 LXX).

حسنًا أضاف "على الأرض"، لأنه يوجد من هو حياته في السماء.

حياته "على الأرض" أجرة أجير، كلها تعبِ وشدةِ، أوهى من القصص الباطلة (أي 7: 1-2، 6LXX )، تسبح في كلمات وتفيض بكلمات.

سكناها في مساكن من طين، والحياة ذاتها وحل. ليس من ثبات للفكر ولا جَلَده. في النهار يتوق الإنسان إلي الليل، وفي الليل يبحث عن النهار (راجع أي 7: 4)[297].

القديس أمبروسيوس

     الشرور التي تحل عليكم ستعبر، وذاك الذي تنتظرونه بصبرٍ سيأتي. أنه سيمسح عرق التعب. أنه سيجفف كل دمعة، ولا يكون بكاء بعد. هنا أسفل يلزمنا أن نئن وسط التجارب، إذ يتساءل أيوب: "ما هي حياة الإنسان على الأرض سوى محنة؟" (أي 7: 1)[298].

     أحزاني الشريرة تناضل مع أفراحي الصالحة، وفي أي جانب تتحقق النصرة؟ لست أعرف.

الويل لي! تراءف يا رب عليٌ!

الويل لي! هوذا لم أخفِ جراحاتي!

أنت الطبيب، وأنا مريض.

أنت رحوم وأنا بائس. أليست حياة الإنسان على الأرض تجربة؟

من يرغب في مصادر الإغاظة والمصاعب؟ إنك تأمر بأن نحتمل المتاعب، لا أن نحبها.

لقد أمرت أن نحتمل لا أن نحبها. فإنه ليس من إنسانٍ يحب ما يحتمله، وإن كان يجب أن يحتمل[299].

     لا تظنوا أنكم بلا خطية مادمتم في هذه الحياة، إذ نقرأ عن هذا في الكتاب المقدس "أليست حياة الإنسان على الأرض تجربة؟" لهذا مادمنا في هذا الجسد حتما يلزمكم أن تقولوا في الصلاة كما علمنا الرب: "أغفر لنا معاصينا، كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا". تذكروا أن تغفروا سريعًا. ان أخطأ إليكم أحد وسأل الغفران، حتى يمكنكم أن تصلوا بإخلاص وتفوزوا بغفران خطاياكم[300].

     "الحياة البشرية على الأرض تجربة" (أي 1:7 LXX)، ليس أحد قط في آمان تام، ولا يلزمه أن يكون هكذا حتى يأتي إلى تلك المدينة، حيث لا يخرج منها صديق ما، ولا يلتحق بها عدو ما. الآن ونحن في ذات مجد الكنيسة نتعرف على أصوات تجاربنا، وكأعضاء المسيح نخضع لرأسنا في رباط الحب، ونسند بعضنا البعض بروحٍ مشتركٍ، ونقول من المزامير ما نجده فيها عن الشهداء الذين سبقونا قائلين إن التجارب عامة على كل البشر من البداية حتى النهاية[301].

     قدر ما يحب (الشخص) وطنه السماوي تصير رحلته الأرضية هي في ذاتها تجربة عظمى... في هذه التجربة، أي في هذه الحياة، من يثبت فوقها يطلب الله[302].

     أنتن بالفعل تعشن في عفة وقداسة ونقاوة وبتولية، ومع هذا ما هي حياتكن هنا؟ أما تتواضعن عند سماعكن: "ما هي الحياة البشرية على الأرض إلا تجربة" (أي 7: 1 LXX)؟

ألا يسحبكن من الاعتداد بالذات في زهوٍ القول: "الويل للعالم من العثرات" (مت 18: 7)؟

أما ترتعبن لئلا تُحسبن بين الكثيرين الذين تبرد محبتهم بسبب الإثم (مت 24: 12)؟

أما تقرعن صدوركن عند سماعكن: "من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" (1 كو 10: 12)؟

وسط هذه الإنذارات الإلهية والمخاطر البشرية، هل نجد الأمر صعبًا أن نحث العذارى القديسات على التواضع؟[303]

     لا يليق بإنسانٍ ما أن يشعر بالضمان في هذه الحياة، التي في كليتها تُدعى تجربة (أي 1:7). فإن ذاك الذي استطاع أن يبلغ إلى حالٍ أفضل مما كان عليه من السوء، ليته لا يتحول مما هو أفضل إلى ما هو أسوأ. رجاؤنا الوحيد، وثقتنا الوحيدة ووعدنا الأكيد الوحيد هو مراحمك[304].

     إني أقول: آه! يا ليت لي جناحين مثل حمامة، فأطير بعيدًا وأكون في راحة!

إذن لأتجول بعيدًا وأبقى في البرية.

بل وحتى في البرية ربما سأمارس ذات الخبرة، إذ قيل: "انتظرت ذاك الذي يخلصني من الضعف ومن العاصفة" (مز 5:558 LXX).

حقًا، حياة الإنسان على الأرض هي حياة تجربة[305].

     ليس أحد يتأكد من الحياة الأبدية هذه التي يعد بها الله غير الكاذب أبناء الوعد قبل أزمنة الأبدية. ليس أحد يتأكد ما لم يكمل حياته التي هي حالة من التجربة على الأرض (أي 7: 1). فإن الله يحثنا على المثابرة فيها حتى نهاية هذه الحياة، إذ نقول له كل يوم: "لا تدخلنا في تجربة" (مت 6: 13)[306].

     لا يوجد إنسان يمكن أن يقول عنه البشر بتأكيدٍ كاملٍ أنه بار حتى يرحل من هذا العالم. فإنه في حياته التي هي تجربة على الأرض يلزم لمن كان قائمًا أن يحذر ألا يسقط (1 كو 10: 12)[307].

     هناك سنكون مثله، نراه كما هو (1 يو 3: 1). أما الآن، مادام الجسد الفاسد يضغط على النفس (حك 9: 15)، والحياة البشرية على الأرض كلها تجربة (أي 7: 1)، فإن في نظره ليس من إنسان حي يتبرر (مز 143: 2)[308].

     لقد ظهر بما فيه الكفاية أنه في هذه الحياة، التي هي بكليتها تجربة، يليق ألا يفتخر أحد كما لو كان قد تحرر من كل الخطايا[309].

     من سوى المتكبر، يظن أنه قادر أن يعيش هكذا دون حاجة أن يقول لله: "اغفر لنا ما علينا"؟ مثل هذا الشخص ليس بالإنسان العظيم، بل المنتفخ بالباطل، ومقاوم لله الذي يعطي بفيض نعمة للمتواضعين (يع 4: 6، 1 بط 5: 5)[310].

القديس أغسطينوس

     "أليست أيامه مثل أيام أجير؟"... هكذا أيام الإنسان إذ تتشرب بمعرفة الحق والأبديات تقارن بأيام الأجير، إذ يحسب الحياة الحاضرة طريقه وليست مدينته، هي نضال وليست سعف النصرة. إذ يرى أنه بعيد عن مكافأته، ينسحب بالأكثر ببطء ليقترب من غايته...

الآن قيل بصوت المخلص: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يو 18: 36). إذن كلنا نحن الذين وهبنا الرجاء في السماء نرتدي متاعب الحياة الحاضرة، وننشغل بالاهتمام بالغير. إذ غالبًا ما يحدث أننا حتى إن أُكرهنا على خدمة أبناء الهلاك نلزم أنفسنا أن نرد للعالم ما هو له، ونهتم بما للغير لننال المكافأة التي لنا. هكذا ننشغل بأمور الآخرين بأمانة حتى نبلغ إلى مكافأتنا. على عكس هذا يقول الحق للبعض: "إن كنتم لستم أمناء فيما هو للغير، فمن يأتمنكم على ما هو لكم؟" (لو 16: 12).

هكذا يقول مواطنو الأرض العليا لخالقهم كلمات المرتل: "من أجلك نُمات كل النهار" (مز 44: 22). ويقول بولس: "أموت كل يوم يا إخوة لمجدكم" (راجع 1 كو 15: 31)؛ وأيضًا: "لهذا السبب احتمل هذه الأمور أيضا لكنني أخجل، لأنني عالم وموقن أنه قادر أن يحفظ ما التزم به لأجله إلى ذاك اليوم" (2 تي 1: 12)...

     يليق بنا أن نلاحظ أنه لم يُقل أن حياة الإنسان تلحقها تجربة، بل وُصفت أنها هي ذاتها صارت تجربة. فإنه إذ كان (للإنسان) حرية الإرادة انحرف عن الشكل المستقيم الذي خُلق به وصار خاضعًا إلى حالة الفساد الدنيئة. بينما أنجبت حياة الإنسان من ذاتها الأذى لذاتها، صارت هي نفسها ذات الأمر الذي انحدرت إليه... لقد صارت حياة الإنسان بطريقة ما هي "تجربة". فإننا حتى إن كبحنا أنفسنا لكي لا نخطئ، فإننا ونحن نمارس الأعمال الصالحة يغشانا تذكر الأعمال الشريرة بضباب النفس.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) أمثلة كثيرة كيف صارت حياة الإنسان حتى في جهاده الروحي "تجربة" يعاني منها.

على سبيل المثال يذكر أن الإنسان وهو يجاهد أن يمتنع عن الحياة المترفة المُبالغ فيها، فإن امتناعه هذا أو نسكه يمكن أن يصير تجربة له. فبالنسك يصير وجهه شاحبًا، وإذ يلاحظ الآخرون وجهه الشاحب يحسبونه مستحقًا للكرامة فيمدحونه، وخلال مديحهم له يتسرب المجد الباطل إلى ذهن الناسك.

يقدم لنا مثلاً آخر: قد يوهب لإنسان معرفة الناموس الإلهي، فيبتهج بأنه نال فهمًا أكثر من غيره، فيرتفع ببهجة تحمل أنانية، وبتشامخه يفسد عطية الفهم التي نالها. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ففي يوم الدينونة يكون حاله أسوأ من غيره بذات الأمر الذي بدا فيه أكثر من غيره بهاء في هذه الحياة.

هكذا يقدم أمثلة كثيرة لفضائل متنوعة تتحول إلى تدميره بسبب فساد طبيعته، فيصير ما هو للبنيان هو عينه لهلاكه، لأن حياته "تجربة".

يتساءل القديس أغسطينوس أنه إذ قيل في سفر أيوب "أليست حياة الإنسان على الأرض تجربة؟ (أي 1:7 LXX) فلماذا نصلي: " لا تدخلنا في تجربة؟"

يجيب بأنه يلزم أن نميز بين نوعين من التجارب، النوع الأول الذي فيه حث على الخطية، عن هذا قيل: "لا يقل أحد إذا جُرب أني أجرب من قبل الله" (يع 13:1)، وتوجد تجربة للتذكية هذه التي قيل عنها: "لأن الرب إلهكم يمتحنكم (يجربكم)، لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم" (تث 3:13). الله يعلم ما في القلب، إنما يعني هنا "إننا نحن نعلم" ما في قلوبنا"[311].

     هذا أنا أعرفه أن حياة الإنسان على الأرض تجربة (أي 1:7)، وأنه يوجد نير ثقيل على أبناء آدم (ابن سيراخ 1:40). لكن ما يسرني بالأكثر هو أن أناقش السؤال الخاص بهذا البناء، إذ نقول إننا نزلاء أو غرباء على الأرض، إذ وجدنا مدينتنا العليا، حيث ننال هنا العربون، وعندما نبلغها لن نفارقها[312].

 القديس أغسطينوس

كَمَا يَتَشَوَّقُ الْعَبْدُ إِلَى الظِّلِّ، وَكَمَا يَتَرَجَّى الأَجِيرُ أُجْرَتَهُ[2].

يشتاق العبد الذي يكد في حر النهار إلى الظل، هكذا يشتاق أيوب إلى الخروج من نهار هذا العالم بالموت ليستظل في القبر.

يشير طول الظل إلي نهاية اليوم بأتعابه، حيث يكون العامل مشتاقًا أن ينهي يومه. في الهند كان يُقاس الزمن حسب طول ظل الشخص. إذ سأل إنسان عن طول يوم عمله يُسال أن يقف في مكان به شمس ويُقاس طول ظله فيخبرونه عن الزمن. فمن يرغب في ترك عمله غالبًا ما يقول كم هو طول ظلي القادم؟[313]    

     "أنقذني من أعدائي يا رب، إليك التجأت" (مز 9:143). أنا الذي هربت منك مرة، الآن أهرب إليك. فقد هرب آدم من وجه الله، واختفى بين أشجار الفردوس، فقيل عنه في سفر أيوب: "كعبدٍ يهرب من سيده، ويجد ظلاً" (أي 2:7  LXX). لقد هرب من وجه سيده ووجد ظلاً. الويل له إن استمر في الظل، لئلا يُقال بعد ذلك: "كل الأمور تعبر كظلٍ" (الحكمة 9:5)[314].

 القديس أغسطينوس

     "مثل عبد يشتاق بشغفٍ نحو الظل، وأجيرٍ يتطلع إلى نهاية عمله، هكذا أنا أقتني أشهر الباطل، وأحصي الليالي المتعبة..." يركض بولس لاهثا ليمسك بهذا الظل، مشتاقًا أن ينطلق ويكون مع المسيح (في 1: 13). هذا الظل يقتنيه بالفعل القائلون بكل شهوة قلوبهم: "نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر" (مت 20: 12)... هذا هو السبب الذي لأجله يرتفع بولس على الدوام بجسارة في مواجهة النكبات، فإنه "كالأجير الذي يتطلع إلى نهاية عمله"... إذ يعلن أنه تثقل فوق الطاقة، قائلاً: "إننا تثقلنا جدًا فوق الطاقة حتى أيسنا من الحياة" (2 كو 1: 8). لكن كيف مسح من نفسه مجاري هذا التعب الشديد بمنشفة مكافأته، يخبرنا بنفسه عن هذا قائلاً: "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" (رو 8: 18) هكذا كأجير يتطلع إلى نهاية عمله، مهتمًا أن يزيد من المكافأة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

هَكَذَا تَعَيَّنَ لِي أَشْهُرُ سُوءٍ،  وَلَيَالِي شَقَاءٍ قُسِمَتْ لِي [3].

حسب أيوب وسط معاناته أنه قد ضاع كل عمره بلا نفع، فظن أن كل أشهر حياته سوءً، ولياليه شقاء. بعد المنحة لم يكن قادرًا في مرضه أن يعمل فنسي كل ما سبق فعمله في أيامه صحته ورخائه، أما الله فلن ينساها. شعر أن وجوده على الأرض يمثل عبئًا على الجماعة، فهو بلا عمل، ولم يدرك كيف يعتز به خالق السماء والأرض، وبه يتبارك الكثيرون.

يشتاق المؤمن إلى الراحة الأبدية كظلٍ يلتجئ إليه بعد معاناته من حرارة شمس التجارب والضيقات في هذا العالم. وهو في هذا يدرك أن حياته رحلة قصيرة لا تبلغ السنة أو السنوات لكنها شهور محصية، شهور باطلة وليالٍ قاسية، ليالي شدة وتعب. إنها حياة عابرة، لكن إلى أبدية مجيدة. كلما أدركنا قصر الزمن عبرنا متهللين إلى الأبدية غير مبالين بثقل الحياة ومتاعبها.

يحسب حياتنا شهور سوء أو شهورًا باطلة، وليالي سوء أو شتاء وتعب، وهي محصية ومحددة "قسمت لنا". يذكر الشهور التي تضم الأيام كما لا ينسى الليالي، فالمؤمن يهتم بخلاصه ككلٍ، أو حياته كوحدةٍ واحدة، كما يهتم بكل ليلة وحدها. يهتم بكل صغيرة وكبيرة في تصرفاته، كما بالحياة في مجملها.

إِذَا اضْطَجَعْتُ أَقُولُ مَتَى أَقُوم.  اللَّيْلُ يَطُولُ، وَأَشْبَعُ قَلَقًا حَتَّى الصُّبْحِ [4].

صارت لياليه طويلة للغاية، لأن النوم لم يجد له فيه مكانًا، فبالكاد تعبر الدقائق، وفي نفس الوقت لا يترقب نهارًا يجد فيه راحة.

ليس المكان ولا الزمان يهبان راحة حقيقية للإنسان، إنما سلام القلب الداخلي، فمن يهرب من الآلام بالنوم ليلاً، يجد في نومه قلقًا وأهوالاً ربما أشد مما يعانيه في نهاره.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) في هذه العبارات صرخات الكنيسة المقدسة مادامت في هذه الحياة المملوءة فسادًا، فتولول غير مقتنعة بما هي عليه من عدم استقرار. تود أن تصعد بالتأمل الدائم في الله لتستقر فيه، وأن تتحصن به لتخدم خالقها بحبٍ، ولا يقدر الفساد أن يقترب إليها ويلمسها. أفسدت الخطية حياة الإنسان وحرمته من الاستقرار، فصار في صراعٍ دائمٍ إن استراح كما بالليل يطلب أن يعمل، وإن عمل يطلب أن يستريح. إذ أفقدته الخطية اقتناء الله لم يعد فكره يجد راحة. راحته الحقيقية هي في الله ينبوع الراحة.

وللبابا غريغوريوس تفسير آخر، وهو أن النوم هنا يشير إلى السقوط في الخطية التي تجلب للإنسان الفساد.

     هذا أيضًا يمكن أن يُفهم بمعنى آخر. فإن النوم هو الانبطاح في الخطية. لو أن النوم ليس رمزًا للخطية ما كان يمكن لبولس أن يقول لتلاميذه: "اصحوا للبرّ ولا تخطئوا" (1 كو 15: 34). ولذات السبب يعهد بسامعه الآتي: "استيقظ أيها النائم، وقم من الأموات، فيضيء لك المسيح "(أف 5: 14). وأيضًا: "إنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم" (رو 13: 11).

بموافقتنا للممارسات الشريرة نهلك بالفساد، وأما بالسماح لصور الأعمال الشريرة أن تقوم في القلب، نتدنس بوصمات التراب، لذا يقول: "جسدي يلتحف بقذارة التراب".

البابا غريغوريوس (الكبير)

لَبِسَ لَحْمِيَ الدُّودُ مَعَ الطِّينِ.  جِلْدِي تَشَقَّقَ وَتَقَيَّحَ [5].

قروحه ولَّدت دودًا ملأ جسمه، فصار الدود حول جسمه في جروحه أشبه برداء يلبسه، ولا يقدر الخلاص منه. وقشور القروح صارت مثل أكداس التراب، أما جلده فتقلص وتمزق. هكذا من يقدر أن يصف منظر أيوب الذي صار أشبه بكومة تراب مشحونة بالدود، رائحتها كريهة للغاية، دبَّ الفساد فيها، من ينظر إليه يشمئز تمامًا.

     كانت قروح جسمه تعد له إكليل السماء[315].

القديس جيروم

أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنَ الْمَكُّوكِ، وَتَنْتَهِي بِغَيْرِ رَجَاءٍ [6].

إن كان أيوب يشتهى سرعة الموت، فلأن حاله يكشف عن ذلك. اعتقدَ أن ما هو عليه يسرع به إلى نهاية حياته على الأرض، لم يبقَ له سوى أيام قليلة، فبالطبيعة لا يقدر جسمه على مقاومة هذا المرض. حياته تنتهي بلا رجاء في العودة إلى حال رخائه الأول.

 

 

2. الموت يضع حدًا للشقاء الحاضر


اُذْكُرْ أَنَّ حَيَاتِي إِنَّمَا هِيَ رِيحٌ، وَعَيْنِي لاَ تَعُودُ تَرَى خَيْرًا [7].

ربما لاحظ أيوب أن أصدقاءه وإن كانوا لم يقاطعوه في كلامه، لكنهم لم يعودوا يحتملون التطلع إليه في منظره البشع، ولا أن يسمعوا صوته، لذا تحول من الحديث معهم إلى الحديث مع الله، فهو وحده طويل الأناة، يصغي إلى القلوب المجروحة، ولا يستنكف من الأجسام المريضة مهما تشوهت صورتها. لقد صرخ نحو الله قائلاً: "أذكر أن حياتي إنما هي ريح". هكذا أراد أيوب أن يجلب حنو الله وعطفه بكونه مخلوقًا ضعيفًا للغاية، تعبر حياته سريعًا دون توقف كما تعبر الريح. وكما يقول المرتل: "أذكر أنهم بشر، ريح تذهب ولا تعود" (مز 78: 38-39).

هكذا كان أيوب يضع نصب عينيه حقيقة واضحة عن قِصَرْ الحياة، وعن يقينه بموته وعدم الإفلات منه. هذه الحقيقة تجعلنا لا نضع رجاءنا في العالم، ولا نرتبط بالأمور المنظورة، ولا تسيطر علينا الأمور الحسية. فسعادتنا هنا تقوم على إدراكنا أننا غرباء يلزمنا أن نسلك بأمانة، وبروح متهلل حتى نعبر إلى مسكننا الدائم.

     عين الميت لا تعود ترى خيرًا، إذ لا تعود تمارس النفس الأعمال الصالحة ما أن تجردت من الجسد. لهذا السبب فإن الغني الذي كان يهلك في نار جهنم عرف أنه لا يقدر أن يُصلح من أمره بأعمال صالحة، فإنه لا يعود ثانية لممارسة ما هو لخيره، إنما طلب لإخوته الذين تركهم: "أسألك إذا يا أبتِ إبراهيم أن ترسله إلى بيت أبي، لأن لي خمسة إخوة، حتى يشهد لهم لكيلا يأتوا هم أيضًا إلى موضع العذاب هنا" (لو 16: 27-28).

البابا غريغوريوس (الكبير)

لاَ تَرَانِي عَيْنُ نَاظِرِي. عَيْنَاكَ عَلَيَّ وَلَسْتُ أَنَا! [8]

لاحظ أيوب أن أصدقاءه قد أحاطوا به وجلسوا حوله سبعة أيام لا ينطقون، لكن وهم ناظرون إليه كانوا كمن هم عميان لا يرون أيوب في حقيقته، أما عينا الله فتنظران إليه وسط محنته حتى وإن بدأ بسبب شدة الكوارث كمن هو غير موجود، أو كمن فقد حياته وكيانه!

يحتاج الإنسان إلى نظرات الرب إليه، فهو وحده ينظر إلى القلب، وقادر على تعزيته، بل وتجديده. حينما تطلع ربنا يسوع وسط محاكمته إلى سمعان بطرس لم يحتمل عيني السيد، فخرج خارجًا يبكي بكاء مرًا حتى يلتقي به ثانية بعد قيامته فيقيمه من قبر جحوده، ويرده إلى عمله الرعوي!

لقد أدرك ايوب المجٌَرب أنه ليس من طريق للشكوى فيما حلٌَ به بسماح من الله إلا أن يرفعها لله نفسه.

سيعبر الزمن سريعًا ولا يرانا من ينظروننا الآن، "نذهب فلا نوجد" (مز 39: 13)، نترك ما هو منظور لنتمتع بغير المنظورات.

بقوله "عيناك عليّ ولست أنا" يكشف البار أيوب أنه يثق في رعاية الله وعنايته به، وإنه سيرسله إلى الأبدية ليتمتع بها، لا عن فضل من جانب أيوب. لهذا يقول: "لست أنا"، فمن جهتي أموت لكن من يقيمني سواك؟ ومن يدخل بي إلى المجد إلا أنت؟

     "لا تراني عين إنسان" [8]. لأن "عين الإنسان" هو حنو المخلص، الذي يلين قسوة جفافنا عندما يتطلع إلينا. هكذا يشهد الإنجيل، قائلاً: "فالتفت الرب ونظر إلى بطرس، فتذكر بطرس كلام الرب... فخرج بطرس إلى خارج وبكى بكاء مرا" (لو 22: 61-62). لكن إذ تتجرد النفس من الجسد، لا تعود بعد تلتفت "عين الإنسان"، إذ لن تخَّلص إنسانًا بعد موته، إن كانت النعمة لم تهبه المغفرة قبل موته. لهذا يقول بولس: "هوذا الآن وقت مقبول. هوذا الآن يوم خلاص" (2 كو 6: 2). هكذا يقول المرتل: "لأن رحمته لحال الكائن الحالي" (راجع مز 118: 1).

فمن لا تنقذه الرحمة الآن في الحال الحاضر، تسلمه العدالة وحدها للعقوبة. يقول سليمان: "وإذا وقعت الشجرة نحو الجنوب أو نحو الشمال، ففي الموضع حيث تقع الشجرة هناك تكون" (جا 11: 3). ففي لحظة سقوط الكائن البشري، يتقبل الروح القدس أو الروح الشرير النفس الراحلة من حجرات الجسد، فيحتفظ الروح بها إلى الأبد دون تغير.

فإن كانت قد تمجدت لا تطرح في الويلات، ولا إن انطرحت في الويلات الأبدية تعود فتقوم لتجد وسيلة للهروب...

بعد الحياة الحاضرة لا يعود الإنسان بعد "يرى بعين إنسان"، لذا يضيف في الحال: "عيناك علي، وأنا لست واقفًا!" وكأنه يقول بكلمات واضحة: عندما تأتي في صرامة للدينونة لا ترى لكي تخلص، بل ترى لكي تعاقب. فالشخص الذي لم تلتفت إليه في الوقت الحاضر بعنايتك المخلصة المترفقة تتطلع إليه فيما بعد بناموس العدل.

البابا غريغوريوس (الكبير)

السَّحَابُ يَضْمَحِلُّ وَيَزُولُ. هَكَذَا الَّذِي يَنْزِلُ إِلَى الْهَاوِيَةِ لاَ يَصْعَدُ [9].

في حديثه مع الله يعترف أيوب أنه ذاهب إلى مقره الأخير بلا عودة إلى هذا العالم، حياته هنا على الأرض أشبه بسحاب يتحرك ويضمحل بلا عودة.

     إذا قيل: "ليس الأموات يسبحونك يا رب" (مز 115: 17). فهذا يُظهر أن هذه الحياة فقط هي الوقت المعين للندم والمغفرة. "والذي يهبط إلى الهاوية ولا يصعد" [9]، فالذين يسرون بهذه الحياة هم الذين سيُسبحون الله. أما الذين ماتوا في الخطايا، فلا يبقى لهم وقت أن يسبحوا بعد الموت كالمتمتعين بالبركات. إنما ينوحون على أنفسهم، لأن التسبيح لمن يشكر، والنحيب لمن هو تحت العقاب. لذلك يقوم الأتقياء بالتسبيح، أما الذين ماتوا في الخطايا فليس لهم وقت للاعتراف (الحمد) بعد ذلك[316].

     بخصوص العبارة: "هكذا الذي ينزل إلى القبر ولا يصعد" (أي 7: 9). لاحظ ما جاء بعد ذلك "لا يرجع بعد إلى بيته"، ولما كان العالم كله سينتهي، وكل بيت سيخرب، كيف يرجع ثانية إلى بيته عندما تكون أرض جديدة مغايرة؟ لكن كان يجب أن يسمعوا أيوب يقول: "لأن للشجرة رجاء، إن قطعت تُخلف أيضًا ولا تعدم خراعيبها. ولو قدم في الأرض أصلها ومات في التراب جذعها، فمن رائحة الماء تفرخ، وتنبت فروعًا كالغرس. أما الرجل فيموت ويبلى. الإنسان يسلم الروح، فأين هو؟ إنه يتكلم بعتاب ولوم! يقول إذا كانت الشجرة تقع ثم تحيا ثانية، ألا يحيا الإنسان مرة ثانية الذي من أجله وُجد الشجر كله؟ ولكي لا تتصور أنه ختم الكلمات اقرأ ما يتبع ذلك: "ويقول إن مات رجل فيحيا" (أي 14:14) ، وحالاً يضيف: "سأنتظر إلى أن أقوم". وفي موضع آخر: "بعد أن يفنى جلدي هذا وبدون جسدي أرى الله" (أي 26:19). وفي إشعياء: "تحيا أمواتك، تقوم الجثث" (أش 16:26). وفي حزقيال: "ها أنذا افتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم" (حز 37: 12). وفي دانيال: "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار والازدراء الأبدي" (دا 2:12)[317].

القديس كيرلس الأورشليمي

     أنه كمن يقول بوضوح إن من يطير إلي العلا (كالسحاب) يضمحل، إذ يفتخر بذاته، مندفعًا إلى الدمار.

     بحق تُشبه قلوب اليائسين بالسحاب، إذ تصير مظلمة بضباب الخطأ، وكثيفة بالعديد من الخطايا، ولكن إذ تضمحل تزول، حيث يشرق عليها لهيب الدينونة الأخيرة فتتبدد بالرياح.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لاَ يَرْجِعُ بَعْدُ إِلَى بَيْتِهِ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مَكَانُهُ بَعْدُ [10].

يعلم أيوب تمامًا أن بموته لا يعود بعد إلى بيته في هذا العالم، لا يعود يمتلك شيئًا، ولا يتمتع بعد بالأرضيات، ولا يمارس أعماله الزمنية. إنه يترك كل شيءٍ لمن يأتي بعده ويحتل موضعه.

"ولا يعرفه مكانه بعد": ليس فقط لا يعود أيوب بعد موته إلى موضعه، وإنما الموضع ومن يسكنون فيه لا يعرفون أين هو أيوب، إذ تنقطع الصلة تمامًا بين أيوب ومن يسكن في موضعه.

     ما أن يُسلم إنسان إلى العقوبات الأبدية لا يُستدعى مرة أخرى من هناك، حيث يمكن أن يربط ذاته بالحب...

البابا غريغوريوس (الكبير)

عندما شفي السيد المسيح الرجل المجنون، "قال له: اذهب إلى بيتك" (مر 5: 19)، أي يرجع إلى أعماقه، فيحرص ألا يخطئ مرة أخرى، أما بعد الموت فلا يستطيع أن يرجع إنسان إلى بيته ليُصلح من أعماقه فلا يخطئ.

     خُلق الإنسان ليتأمل خالقه، فيبقى دومًا يطلب أن يكون على مثاله، ويقطن في بهجة حبه. أما إذا طُرد خارجًا عن ذاته بالعصيان، يفقد أساس ذهنه. إذ يُترك خارجًا في الطرق المظلمة يجول بعيدًا عن مسكن النور الحقيقي.

     "ولا يعرفه مكانه بعد"، فإن مكان الإنسان – ليس المكان المحلي - فقد صار الخالق نفسه، الذي خلقه لكي يكون فيه، كمكانٍ للإنسان. لكنه ترك المكان عندما أنصت لكلمات المخادع، متخليًا عن محبة الخالق... لكن يوجد كثيرون جدًا بعدما نالوا عون المخلص، انحدروا في ظلام اليأس وهلكوا مرة أخرى في يأسٍ شديدٍ، إذ يستخفون بأدوية الرحمة المقدمة لهم. وبحق قيل عمن يُحكم عليه بالهلاك الأبدي: "ولا يعرفه مكانه بعد". يلاحظ على وجه الخصوص أنه لا يقول: "ولا يعرف مكانه بعد"، بل يقول: "ولا يعرفه مكانه بعد". فان كلمة "يعرف" لا تنسب للشخص بل للمكان، هذا الذي في حزم يقول للقاطنين في الشر في النهاية: "لا أعرفكم من أين أنتم" (لو 13: 25).

البابا غريغوريوس (الكبير)

 

 

3. وصف لحالته التعيسة


أَنَا أَيْضًا لاَ أَمْنَعُ فَمِي.  أَتَكَلَّمُ بِضِيقِ رُوحِي.  أَشْكُو بِمَرَارَةِ نَفْسِي [11].

عندما أدرك داود النبي بطلان الحياة الزمنية قال: "صمت. لا أفتح فمي" (مز 39: 3)، أما أيوب فإذ عرف ذات الحقيقة لم يتوقف عن الكلام، بل أعلن عن شكواه بمرارة لكي يقدم وصيته الأخيرة لأصدقائه ومن هم حوله.

يليق بنا في الأنفاس الأخيرة أن نعترف بخطايانا كما نسبح ونشكر الله، لننطلق في سلام الله عوض الشكوى والتذمر.

     "أنا أيضا لا أمنع فمي" فإن الإنسان الذي يخجل من أن يعترف بالشر الذي فعله "يمنع فمه"... لذا يقول المرتل: "لتأتي إلى حضرته بالاعتراف" (مز 95: 2). تسلمنا من سليمان: "من يكتم خطاياه لا ينجح، ومن يقر بها ويتركها يُرحم" (أم 28: 13). كما كُتب أيضًا: "الإنسان البار هو الأول في اتهام نفسه" (راجع أم 18: 17).

     "سأتكلم بضيق روحي"، لأن "ضيق الروح" يهيئ اللسان للكلام، فيكون صوت الاعتراف ضد ارتكاب الشر. فإنه يليق أن نضع في ذهننا أن الفاسدين غالبًا ما يعترفون بالخطايا، لكنهم يفتخرون بها جدًا، ولا يبكون عليها. أما المختارون فيعَّبرون عن إدانتهم المرة لأنفسهم بالدموع، هذه التي تكشف كلمات الاعتراف. لهذا حسنًا بعد أن تعهد الطوباوي أيوب ألا يمنع شفتيه أضاف للحال ضيق الروح.

"إني أتحدث بمرارة نفسي (روحي)"... مرارة الروح لها لسانها الخاص في قلب البار، فينطق بأكثر دقة ويسمع إليه أكثر (من اللسان الجسماني). لذلك لم يقل: “أتكلم في مرارة روحي" بل قال: "سأتحدث (أحاور) بالمرارة"، حيث أن قوة الحزن تأخذ كل خطية على حدة وتثير الذهن المخدر للنواح.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     حين تنشغل بخطيةٍ ما كن متهمًا لنفسك ( أم 18: 17)، ولا تنتظر الآخرين ليقدموا الاتهام. بهذا تصير أشبه بإنسانٍ بارٍ يتهم نفسه في أول حديث له في المحكمة، أو تكون كأيوب الذي لم يعقه جمهور الشعب في المدينة من الإعلان عن جريمته أمام الكل"[318].

القديس باسيليوس الكبير

     ينصت الآب إليك وأنت تتكلم في داخل نفسك، ويسرع لمقابلتك. عندما تكون لا تزال بعيدًا يراك ويركض.

          إنه ينظر ما في داخل قلبك، ويُسرع حتى لا يؤخرك أحد، بل ويحتضنك.

"مقابلته لك" هي سبق معرفته، و"احتضانه لك" هو إعلان رحمته، وتعبير عن حبه الأبوي.

          يقع على عنقك لكي يقيمك أنت الساقط تحت ثقل الخطايا، ولكي يرجعك إلى السماء إذ اتجهت إلى الأرض، فتطلب خالقك.

          يقع المسيح على عنقك، لكي يخلص عنقك من نير العبوديَّة، فيحملك نيره الهين (مت 11: 30)...

 يقع على عنقك بقوله: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، احملوا نيري عليكم" (مت 11: 28).

          هكذا يحتضنك الرب عندما تتوب[319].

القدِّيس أمبروسيوس

أَبَحْرٌ أَنَا، أَمْ تِنِّينٌ حَتَّى جَعَلْتَ عَلَيَّ حَارِسًا؟ [12]

تطلع داود المرتل إلى الله وهو يفكر في عبوره من العالم، فصمت بفمه لكي يسبح قلبه الله، ويتأمل فيما أعده الله له من أمجاد، أما أيوب فتطلع إلى نفسه وفكر في آلامه، فصار في ثورةٍ عارمةٍ، وقد أعطى لنفسه عذرًا بقوله: "أبحر أنا أم تنين؟" [12]. هل أنا بحر هائج بلا توقف يحتاج إلى أن يلتزم بحدوده؟ أو تنين يلزم كبح جماحه حتى لا يلتهم كل سمك البحر.

     لست في قوةٍ تماثل البحر، فقد جعلته عظيمًا بين المخلوقات، وبسببه وضعت رمالاً حوله كحارسٍ له، الذي بأمرك يضع البحر في حدوده ويكسر سلطانه...

وليس لي خبث التنين، فقد أقمت عداوة بينه وبين الإنسان.

لقد أشرت إليه أن يحفظ نفسه بعيدًا عن الإنسان كعدوٍ له، مقدمًا له تحذيرًا في هذا الشأن: “أضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. إنه يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه" (تك 3: 16).

على أي الأحوال: "جعلت عليَّ حارسًا" بمعنى أنك أقمت حارسًا حاقدًا عليَّ، الخائن، الذي يلاحظ كل تصرفاتي وكل كلماتي. إنه يفحص حتى أفكاري ويخونني في كل ما أفعله.

علاوة على هذا يضع لي في شكل اتهام أمرًا لم يكن في اعتباري. لم احفظ وصيتك لكي ما أنال السعادة الزائلة، بل أحب الله من أجل الحياة العتيدة، كعبدٍ أمينٍ (مت 24: 25؛ 25: 21، 23). لقد جعله العدو كحارسٍ لدي، تحت حراسته كان مربوطًا وموثقًا في حالة بائسة وبتجارب قاسية للغاية. وأنت مددت يد معونتك إليه، وليس إليَّ، لذلك حلت التجارب بي.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِنْ قُلْتُ: فِرَاشِي يُعَزِّينِي، مَضْجَعِي يَنْزِعُ كُرْبَتِي [13].

كان يرجو كما اعتاد كثير من البشر أن يجد في النوم هروبًا مما يحل به، فيترقب مجيء الليل لعله ينعس ولو إلى حين.

     في الكتاب المقدس عادة ما تُستخدم الكلمات: "سرير" أو "مضطجع" أو "المهد" الذي من القش الذي ترقد عليه الحيوانات لتشير إلى أسرار أعماق القلب. لهذا فإن كل نفس منفردة إذ يطعنها العريس برماح الحب المقدس تقول في نشيد الأناشيد: "في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي" (نش 3: 1)...

هكذا يقول الحق لمحبيه أنفسهم: "ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21) مرة أخرى: "إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي" (يو 16: 7) وكأنه يقول بوضوح: "إن لم أسحب جسدي من انتباهكم المركز عليه لن أقودكم بالمعزي الروح، وتدركون غير المنظور. لذلك قيل بالمرتل عن الأبرار: "ليبتهج الأتقياء بمجدٍ، ليرنموا على مضاجعهم" (مز 149: 5)، حيث أنهم إذ يهربون من الأذى للأمور الخارجية، يتمجدون في سلامٍ داخل أعماق قلوبهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     يشبه ذلك الملائكة الذين لا ينامون لأنهم دائمًا قائمون على الحراسة. لذلك فإنك تقول الصدق وهكذا تقلد الملائكة التي لا تنام والتي لا تهرب من مواجهة الحق بواسطة خيالات غير واقعية[320].

     ينام الإنسان بعد ما يدخل في غيبة، وفي أثناء النوم يتم هضم الطعام وتُحفظ صحة من يشاركون في مائدة الاحتفال. لذلك تنام العروس بعد الاحتفال. ويُعتبر هذا النوم غير مألوفٍ، ويختلف عن النوم العادي الذي لا يكون الشخص فيه غير واعٍ بما حوله. وكلاهما يضادان بعضهما البعض، لأن النوم والاستيقاظ يتلو أحدهما الآخر. ونرى في العروس خليط من التعارض المميّز: تقول "أنا نائمة، وقلبي مستيقظ" (نش 2:5) ماذا نفهم من هذه الآية؟ يشبه هذا النوم الموت، وفيه تتوقف كل وظائف الإحساس: فلا توجد رؤية أو سمع أو شم أو تذوق أو إحساس باللمس ولكن ينخفض ضغط الدم. وينسى الشخص القلق أثناء النوم، ويهدأ انفعال الخوف، ويقلل الغضب وينخفض القلق من التجارب المريرة، ويجعل الشخص غير واعٍ بالشرور. لذلك نتعلم من العروس أنها ارتفعت وتفخر قائلة: "أنا نائمة، وقلبي مستيقظ"[321].

القدِّيس غريغوريوس النيسي

     اِطرح عنك نوم الغفلة لتقرع باب المسيح. لقد طلب بولس إن يُفتح له هذا الباب ليتكلَّم عن سِرّ المسيح (كو 3: 4)، ربَّما هذا هو الباب الذي رآه يوحنا مفتوحًا: "بعد هذا نظرت، وإذا باب مفتوح في السماء، والصوت الأول الذي سمعته كبوق يتكلَّم معي قائلاً: اِصعد إلى هنا، فأُريك ما لابد إن يصير بعد هذا" (رؤ 4: 1) فُتح الباب ليوحنا وأيضًا لبولس لينالا من أجلنا أرغفة لغذائنا، لأنهما ثابَرَا وقرعا الباب في وقت مناسب ووقت غير مناسب (2 تي 4: 2)، ليُعيد الحياة للأمم الذين تعِبوا وأُرهَقوا من طريق العالم بوفرة الغذاء السماوي[322].

 القدِّيس أمبروسيوس

تُرِيعُنِي بِالأَحْلاَمِ، وَتُرْهِبُنِي بِرُؤًى [14].

لم يستطع الليل أن يهرب به من التعب، ولا النوم أن يسحبه من الضيق، بل صارت الأحلام ترعبه والرؤى ترهبه. صار الليل مزعجًا ليس بأقل من النهار.

إننا محتاجون إلى يد الله القوية، هذا الذي وحده يقدر أن يحفظنا، ها حارسنا الذي لا ينعس ولا ينام.

     ماذا نفهم هنا عن الأحلام والرؤى سوى تصورات عن الفحص الأخير في الدينونة...

لولا أن الأحلام غالبًا ما تحمل صورًا مخادعه تصدر عن عدونا الخفي ما كان الحكيم يشير إليها بقوله: "لأن الأحلام والتصورات الباطلة تخدع الكثيرين" (ابن سيراخ 34: 7).

البابا غريغوريوس (الكبير)

فَاخْتَارَتْ نَفْسِي الْخَنْقَ،  وَالْمَوْتَ عَلَى عِظَامِي هَذِهِ [15].

لم يبالِ بأي نوع يموت، إنما ما يشغله أن يسمح الله له بالموت. إنه لا يطلب الخلاص من الضيقة، بل من الحياة الزمنية ككلٍ.

قَدْ ذُبْتُ. لاَ إِلَى الأَبَدِ أَحْيَا. كُفَّ عَنِّي، لأَنَّ أَيَّامِي نَفْخَةٌ! [16]

بجانب الكوارث التي حلت بالطوباوي أيوب سواء بخصوص ممتلكاته وموت بنيه ومقاومة زوجته له يضيف القديس يوحنا الذهبي الفم الأمور التالية التي جعلت من التجربة مرارة فائقة:

[أولاً: عدم معرفته الأكيدة عن ملكوت السماوات والقيامة، الأمر الذي بالحق تحدث عنه حزينًا: "لا إلى الأبد أحيا، فيلزمني أن أحتمل الكثير" (أي 16:7LXX ).

ثانيًا: شعوره بأنه مارس أعمالاً صالحة كثيرة.

ثالثًا: شعوره بأنه لم يمارس شرًا.

رابعًا: افتراضه أن ما حلٌ به من يدي الله، فلو أنها من يدي الشيطان لكان في هذا يخفف من مضايقته.

خامسًا: سماعه من أصدقائه الذين يتهمونه بالشر، قائلين: "الله يغرمك بأقل من إثمك" (أي 6:11).

سادسًا: يرى الذين يعيشون في الشر في رخاء، وينتفخون عليه.

سابعًا: ليس أمامه آخر يتطلع إليه قد عانى بمثل هذه الأمور[323].]

     "لتحرر حياتي من روحي، ونفسي من جسدي، وعظامي من الموت. فإنني لا أحيا إلى الأبد فألتزم أن أحتمل بصبرٍ"... كانت له الرغبة أن ينتقل من هنا... حتى صار جسمه منحلاً. لم يبالِ أيوب من تعرية عظامه. لماذا هذا؟ لأنه يقول بأن الحياة الحاضرة سريعة الزوال. "لا أحيا إلى الأبد". واضح أن أيوب يتكلم عن الحياة الأرضية. كيف يكون طويل الأناة في هذا الأمر؟ فقط لأن نوال السعادة يتطلب طول الأناة والصبر، أي السعادة العتيدة... حديث أيوب يحمل بوضوح تلميحًا عن الحياة المادية أنها ضعيفة، وفاسدة، غير مستقرة، سريعة الزوال، لا تحمل سمات الحياة الأبدية.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

4. صرخة إلى الله لإنقاذه


مَا هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَعْتَبِرَهُ،  وَحَتَّى تَضَعَ عَلَيْهِ قَلْبَكَ [17].

في ضيقته شعر أيوب أن الإنسان أتفه من أن يكون موضع التفات الله ومخاصمته وامتحانه. كأنه يقول لله: لماذا تشغل نفسك بكائنٍ ضعيفٍ هكذا؟ لماذا تتعهده منذ الصباح وتمتحنه؟ إنه أتفه من أن يقف أمامك، عاجز كل عجز عن أن يدخل في بوتقة التجارب. يقول المرتل: "من هو الإنسان حتى تذكره، وابن آدم حتى تفتقده" (مز 8: 4).

ولعل أيوب وقف مندهشًا أمام اهتمام الله الفائق بالإنسان، فمع ضعف الإنسان وحقارته، لكن الله مشغول به، يمتحنه لكي يزكيه ويمجده.

يعجب أيوب أن يضع الله قلبه على الإنسان فيكون عزيزًا عليه، كشخصٍ يعطف عليه، ويقيم له موضعًا في قلبه الإلهي. يتعهده كل صباح بمراحم جديدة كما يحرص الصديق على حب صديقه له، أو كما يسأل الطبيب كل صباح عن حال مريضه. وفي كل لحظة يمتحنه، كمن يجس نبضه ويغار عليه.

في حديث القديس غريغوريوس النيسي عن خلقة الإنسان يرى أن الله قد خلق العالم بكل إبداعٍ كقصرٍ عظيمٍ أعده لأدم وحواء كملكٍ وملكةٍ. وأن الله قدم للإنسان كل إمكانية السعادة والسلطان على الخليقة التي أوجدها الله من أجله.

وفي حديثه عن العظمة الحقيقية والعظمة الباطلة تحدث القديس مار يعقوب السروجي[324] في إبداع حيث يبرز حب الله الفائق نحو الإنسان. فقد زين السماء بالكواكب وهيأ الأرض بالمخلوقات الجميلة، وقدمهما للإنسان لتكونا تحت سلطانه. لقد أراد الله للإنسان أن يكون صاحب مجد وسلطة، لكن بحسد إبليس سقط في العظمة الباطلة، ففقد عظمته الحقيقية. ومع هذا فقد سمح الله لآدم إن يعود إلى ما كان عليه من تراب لا ليذله، بل لكي لا يحيا إلى الأبد فاقدًا عظمته، إنما باكتشاف حقيقته ينال المجد خلال عمل المخلص.

     يمجد الله الإنسان بأن يغنيه بفيض من عطية العقل، ويفتقده بإلهام النعمة، ويمجده بعظمة عطية الفضيلة، فمع أنه هو لا شيء في ذاته، لكنه خلال سخاء حب الله المترفق يهبه أن يكون شريكًا في معرفة الله ذاته. يضع الرب قلبه على الإنسان، وهكذا يمجده فيأتي به إلى الدينونة بعد أن يهبه عطاياه، يزن استحقاقاته بدقةٍ، وبحزمٍ يحاكم أثقال الحياة، ويقدم عقوبة دقيقة بعد أن وُهب مزايا كثيرة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     منْ مِنَ الكائنات الأرضية خُلق على صورة الله إلا الإنسان؟

ولمن أُعطى السلطان على كل الطبيعة ومخلوقاتها ليختصها لذاته؟

إنه لشرف أصيل يكلل جبينه، ويسمو به إلى السماء، فوق الكواكب، أرفع من الشمس تشامخًا وعزة... ومع أنه أوضع منزلة من الملائكة لارتباطه بجسدٍ ماديٍ فقد وُهب قوة لفهم ومعرفة ربه وخالقه[325].

القديس باسيليوس الكبير

     بسط السماء، ووضع فيها جميع الأنوار: الشمس والقمر وجميع الكواكب، تطوف فيها.

لم تسأل السماء، بل هو زينها بمناظر حسنة، تُبهر عيون الناظرين.

ليس للشمس فم لتطلب منه نورًا عظيمًا يضيء على الخليقة جميعها.

زيَّن جميع أجناس الطيور والبهائم بألوان شهية وبهية منذ البدء.

زين الخليقة، وفي كمالها لم تتغير زينتها.

أتقن بيت الخليقة جميعها كما قيل، وزينها بصور جميلة.

قام البيت من بناء مملوء عجبًا.

ملأه جميعه حُسنًا، بزيناتٍ لا يُنطق بها.

ولما أتقن البيت بجميع ما فيه طلب الصانع أن يقيم فيه من هو ممتلئ جمالاً.

أخذ ترابًا وجبل آدم، ونفخ في وجهه نسمة حياة محيية.

أتقن نفسه، فصار مثالاً مملوء عجبًا!

صنعه كشبهه، وملأه مجدًا وبهاءً!

اشتعل ضوءه، وانطفأ أمامه نور الشمس لما فيه من مجدٍ وهبه إياه سيده عندما خلقه.

القديس مار يعقوب السروجي

     لم يُخلق آدم لكي يموت، بل لكي يجاهد من أجل الخلود. ولكي يظهر مصداقيته. هذا ويقدم برهانًا عليه أضاف: "الذي أعطانا غيرة الروح"... والآن يعمل خلال المعمودية، ويهبنا عربونا ليس بقليلٍ: الروح القدس[326].

القديس يوحنا الذهبي الفم

وَتَتَعَهَّدَهُ كُلَّ صَبَاحٍ،  وَكُلَّ لَحْظَةٍ تَمْتَحِنُهُ! [18]

v     بماذا تغنى داود مشابهًا هذه العبارة؟ "يا رب من هو الإنسان حتى تعرفه؟ أو ابن الإنسان حتى تهتم به؟" (مز 144: 3-4) لماذا قال داود هذا عن البشر، وما هو تفكيره عندما شرح ما جاء بعد ذلك: "الإنسان مثل الباطل، تعبر أيامه كظل". (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لماذا بكل الحق، يمجد الله هذا الإنسان الضعيف، ويعيره اهتمامًا لحال الشر الحاضر؟ يسأل الأبرار الله بسبب جهلهم... ذلك لأنه "صانع الخيرات ومحب للإنسان "(حك 7: 12)، يفتقد الذي خلقه مرارًا ويعطيه اهتمامًا عظيمًا. لهذا يضيف أيضا داود: "يا رب طأطأ سماواتك وانزل" (مز 144: 5؛ 18: 9). بهذا يظهر اهتمام الله الشديد بالبشر، فإنه إذ يطأطأ السماوات ينزل بنفسه إلينا "الكلمة صار جسدًا" (يو 1: 14)، فإنه شاركنا حالنا، يقوي ويحصن ضعفنا. أما أيوب فيُظهر بإسهاب مدى الخير الذي يلحق بالإنسان الذي يذكره الله.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     "وتتعهده كل فجرٍ (صباح)، وتمتحنه فجأة" [18]... يتحول الليل إلى نور عندما تستنير ظلمة خطأنا بمعرفة الحق. يتحول الليل إلى نورٍ، عندما ينير بهاء البرّ قلوبنا، هذه التي غطاها عمى الخطية الكثيف. رأى بولس الفجر قد ظهر في أذهان التلاميذ عندما قال: “قد تناهي الليل وتقارب النهار" (رو 13: 12).

لكن لنلاحظ أن الله بعد أن يفتقد الإنسان في الفجر يمتحنه فجأة، فإنه باقترابه يرفع قلوبنا إلى الأعالي الفاضلة، وإذ ينسحب يسمح له أن يُهاجم بالتجربة. بعد نوال عطايا الفضائل، فإنها إن لم تتحرك النفس بهجوم التجربة تنتفخ، وتظن أن ما نالته هو من عندها...

هكذا إيليا أُفتقد عند الفجر، ففتح أبواب السماء بكلمة، لكن حالاً جُرب، فهرب إلى البرية كمن بلا عون، خوفًا من سيدة وحيدة (1 مل 19: 3).

وهكذا بولس إذ رًفع إلي السماء الثالثة، واخترق أسرار الفردوس نال تأملاً. ومع هذا إذ عاد إلى نفسه كان يصارع ضد هجمات الجسد، وخضع لناموس آخر في أعضائه، فكان حزينًا بسبب تمرده متطلعًا إلى أن ناموس الروح صار مهددًا (2 كو 12: 2 الخ).

البابا غريغوريوس (الكبير)

حَتَّى مَتَى لاَ تَلْتَفِتُ عَنِّي،  وَلاَ تُرْخِينِي رَيْثَمَا أَبْلَعُ رِيقِي؟ [19]

يطلب من الله أن يرفع عصاه عنه ولو إلى لحظات لكي يتنفس.

عالج القديس يوحنا الذهبي الفم في مقاله: "العناية الإلهية" مشكلة الذين يتعثرون في محبة الله بسبب الضيفات التي تحل بهم:

     لنسرع إذن بإصلاح الذين يتعثّرون بسبب الضيق ناسين عناية الله وحبه، فنجنّبهم السقوط تحت هذه العقوبة، موضّحين لهم علّة دائهم.

ما هي علّة هذا الخطر العظيم: تجاهل عناية الله؟!

إنّه طيش الفكر وفضوليّته. اشتهاء تفهّم كل علل الأحداث التي تحل بنا، والرغبة في مقاومة عناية الله غير المدركة ولا موصوفة، تلك العناية الفائقة لكل فحص واستقصاء! ومع هذا لا يخجل الإنسان من هذا الموقف الفضولي المملوء تهورًا.

تُرى من فاق بولس في حكمته؟ اخبرني، ألم يكن إناءً مختارًا؟ ألم يأخذ نعمة الروح الفائقة غير المنطوق بها؟ ألم يتكلّم المسيح فيه؟ ألم يكشف الله له عن أمورٍ لا يُنطق بها؟ ألم يسمع ما لا يحق لإنسان أن ينطق به؟ ألم يُختطف إلى الفردوس ويرتفع إلى السماء الثالثة؟ ألم يَجُبْ البحار والبر يجذب الوثنيّين إلى المسيحيّة؟ ألم ينل من مواهب الروح المتنوّعة؟... ومع هذا كلّه، فإن هذا الرجل بعظمته وحكمته وقوّته وامتلائه بالروح – إذ خصّه الله بهذه الامتيازات، عندما يتطلّع إلى عناية الله، لا في كل جوانبها، بل في جانب واحد منها، تأخذه الدعوة منسحقًا، ويتراجع سريعًا خاضعًا لله غير المدرك. فإنه لم يبحث عن عناية الله بالملائكة ولا رؤساء الملائكة أو الشاروبيم والسيرافيم وكل الطغمات غير المنظورة، ولا في عنايته بالشمس والقمر والسماء والأرض والبحر، ولا في سهره على الجنس البشري بأكمله واهتمامه بالحيوانات غير العاقلة والزرع والعشب والأهوية والينابيع والأنهار... لكنه عناية الله الخاصة باليهود واليونانيين وأفاض في بحث النقطة، وشرح كيف دعي الله الأمم ورفض اليهود ثم أوضح كيف حقق الخلاص... وحينما أدراك هذا، اكتشف الرسول أنه أمام محيط واسع، وإذ حاول فحص أعماق هذه العناية ارتجف متحققًا استحالة تفسير عللها، وارتعب قدام عنايته اللانهائية غير المحدود ولا موصوفة ولا مفحوصة ولا مدركة، فتراجع في مهابة متعجبًا،وهو يقول: "يا لعمق غني الله وحكمته وعلمه"! (رو 11: 33)

لقد أوضح بعد ذلك كيف تلامس مع أعماقها دون أن يفلح في استقصائها، قائلاً "ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء؟!"

إنه لم يقل أن أحكامه عن الفحص فحسب وإنما بعيدة أيضًا عن الاستقصاء. ليس فقط لا يقدر الإنسان على فهمها، بل ولا حق له أن يبدأ في الاستقصاء. يستحيل عليه أن يدرك غايتها أو حتى يكتشف بدأ تخطيطها؟!

وإذ قال "ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء" أنهى حديثه – وقد امتلأ عجبًا ورعدة – بأنشودة شكر قائلاً: "لأن من عرف فكر الرب، أو من صار له مشيرًا. أو من سبق فأعطاه فيُكافأ؟! لأن منه وبه وله كل الأشياء. له المجد إلى أبد الأبد. آمين"[327].

القديس يوحنا الذهبي الفم

أَأَخْطَأْتُ؟  مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ يَا رَقِيبَ النَّاسِ؟ لِمَاذَا جَعَلْتَنِي هَدَفًا لَكَ،حَتَّى أَكُونَ عَلَى نَفْسِي حِمْلاً! [20]

شهد الله عن أيوب أنه كامل ومستقيم، أما أيوب فيعترف أنه مخطئ. يقول "أأخطأت؟" أو إني "أخطأت". إن كان أمام أصدقائه يعلن أنه بريء لم يرتكب إحدى الخطايا الشنيعة التي ربما ظن الأصدقاء أنه ارتكبها سرًا، إذا به يعلن أمام الله أنه لن يتبرر قدامه، لأنه يخطئ. كيف يبرر نفسه أمام الله "رقيب الناس"، الذي يعرف ما في قلوبهم وأفكارهم ويشغله قداستهم ونقاوتهم.

يعلن أيوب أمام الله عجزه عن التصرف، فقد أخطأ ولكن ماذا يفعل لله؟ إنه لا يوجد من يرضي العدل الإلهي، لكن نطلب مراحمه، ونختفي تحت ظل جناحيه، ونتهيأ لعمل نعمته، فنصير موضع سروره.

     يقول: "إن كنت قد أخطأت، فماذا أفعل، يا من تدرك ذهن البشر؟" [20] أليس أنت الذي دعوتني "بلا لوم، حقًا، بارًا، تقيًا، لا يوجد فيَّ شر؟" (1: 8؛ 2: 3). إنك لم تقدم هذه الشهادة عن جهل، فأنت تعرف الإنسان بكليته، إذ خلقت ما بداخله وما بخارجه؛ لكن إن كان الذين يشتمونني ويحتقرونني قائلين إنني مخطئ، يستخفون بأعمالي البارة التي تأهلت لشهادتك، فماذا أفعل؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     يقول هذا لا ليتهم الله شخصيًا، حاشا! وإنما لأن ما حدث له سبب اتهامًا عظيمًا ضد الله.

لهذا يقول: "أنت تدرك ذهن البشر". فإنهم وإن لم يتكلموا فأنت تعرف أفكارهم السرية، كل الانعكاسات الشخصية.

لقد احتمل مثل هذا الإنسان الكثير. فإنه لم يقل: "أنا بار"، بل قال: لديهم فكرة صالحة عني. أنظر إنهم يوجهون اتهامًا ضدك بسبب تجاربي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

وَلِمَاذَا لاَ تَغْفِرُ ذَنْبِي، وَلاَ تُزِيلُ إِثْمِي، لأَنِّي الآنَ أَضْطَجِعُ فِي التُّرَابِ؟  تَطْلُبُنِي فَلاَ أَكُونُ! [21]

في صلاة حارة صرخ يطلب المغفرة: "لماذا لا تغفر ذنبي، ولا تزيل إثمي؟" واضح أنه لم يطلب مجرد الراحة الزمنية، ورفع التجربة عنه، إنما يطلب رضا الله حتى يُرجع إليه سروره الداخلي.

يطلب المغفرة الآن وهو في العالم، لأنه إن مات واضطجع في التراب لا يكون للتوبة موضع، وتنقطع علاقته بالله.

     بهذه الكلمات عينها، ماذا يعلن سوى الرغبة في الوسيط المتوقع، الذي يقول عنه يوحنا: “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يو 1: 9). أو بالحري تنزع الخطية تمامًا عن البشرية عندما يتحول فسادنا إلى مجد عدم الفساد.

فإننا لا نستطيع أن نتحرر قط من الخطية مادمنا ممسكين في الجسد المائت. لذلك يتوق الشخص إلى نعمة المخلص لأجل كمال القيامة عندما يتطلع الشخص إلى الشر أنه قد زال تمامًا. لهذا فإنه في الحال بعدما تحدث عن العقوبة التي كان يستحقها (خلال ميراثه من آدم) والدينونة التي يرتعب منها بسبب أفعاله يكمل: "الآن أضطجع في التراب، تطلبني في الصباح فلا أكون. لقد قيل للإنسان الأول عندما أخطأ: "أنت تراب، وإلى تراب تعود" (تك 3: 19). الآن في الصباح، أي في الإعلان عن النفوس، عندما تصير الأفكار عارية عند مجيء الديان، يحل النور عوض ظلمة الليل. قال المرتل في هذا: "في الصباح أقف أمامك وأنظر" (مز 5: 3).

البابا غريغوريوس (الكبير)

     أنا الخاطي على الدوام، أحتاج دومًا إلى علاج[328].

     كلما قبلناه (بالتناول) نعلن موت الرب. بالموت نعلن غفران الخطايا. إن كان سفك الدم من أجل غفران الخطايا، فيليق بي دائمًا أن أقبله لكي يغفر دومًا خطاياي.

القديس أمبروسيوس

     إنك تُدعى إنسانًا فهذا من عمل الله، وأن تُدعى خاطئًا فهو من عمل الإنسان ذاته.

 امحُ ما تفعله أنت لكي يخَّلص الله ما قد فعله.

يليق بك أن تكره عملك الذاتي فيك، وتحب عمل الله فيك.

عندما لا تسرك أعمالك الذاتية، في هذا تبدأ أعمال الله الصالحة، إذ تجد خطأ في أعمالك الشريرة.

الاعتراف بالأعمال الشريرة بداية الأعمال الصالحة.

إنك تعمل الحق وتأتي إلى النور. كيف تعمل الحق؟ إنك لا تدلل نفسك ولا تهادنها ولا تتملقها، ولا تقول: "إني بار"، بينما أنت غير بار؛ هكذا تبدأ تفعل الحق.

إنك تأتي إلى النور لكي ما تعلن أعمالك أنها بالله معمولة، لأن خطيتك، الأمر ذاته الذي تكرهه، لا يمكنك أن تبغضه ما لم يشرق الله فيك ويظهره الحق لك.

أما من يحب خطاياه حتى بعد نصحه، فهو يبغض النور الذي ينصحه ويهرب منه، فالأعمال التي يحبها لا تظهر له أنها شريرة. من يفعل الحق يتهم أعماله الشريرة فيه ولا يبرر نفسه، ولا يصفح عن نفسه حتى يغفر له الله.

فمن يرغب في أن يغفر له الله هو نفسه يعرف خطاياه ويأتي إلى النور، حيث يشكر على إظهار ما يلزمه أن يبغضه في نفسه. إنه يقول لله: "ردّ وجهك عن خطاياي". ولكن بأي وجه يقول هذا ما لم يضف "لأني أنا عارف بآثامي، وخطيتي أمامي في كل حين" (مز 51: 11)؟

لتكن آثامك أمامك يا من لا تريدها أن تكون أمام الله.

لكن إن وضعت خطاياك خلفك، فسيدفعها الله ليجعلها أمام عينيك، يحدث هذا في الوقت الذي لا يعود يوجد فيه ثمر للتوبة[329].

القديس أغسطينوس


 

 
تفسير سفر أيوب اصحاح8 PDF Print Email

حكمة القدامى


لم يعلق أليفاز على إجابة أيوب إنما ترك الأمر لبلدد الذي يحمل ذات تفكيره في هذا الأمر. فالأصدقاء الثلاثة كانوا يعتقدون في يقين أن ما حلّ بأيوب هو عقاب إلهي عادل عن خطايا خفية لا يعرفها أحد سوى الله.

يوبخ بلدد أيوب بسبب ما سبق أن قاله، ثم يؤكد بلدد إن الله يعمل بحكمةٍ، أي أنه يكافئ البار ويعاقب الشرير، ويتعجب من أن أيوب يتهم الله بعدم الإنصاف. كذلك عندما ينسى الناس الله، فإنهم يهلكون هلاكًا عادلاً، وافترض أن الموت المفاجئ لأبناء أيوب كان عقابًا إلهيًا عن خطاياهم؛ فكان ذلك سيفًا غرسه في قلب أيوب الذي يعاني الألم.

من الصعب أن ندعو أحاديث بلدد "محاورة"، فإنه إنسان تقليدي يهتم بحكمة القدامى، دون التمتع بخبرة شخصية. يبدو أنه لم يدخل في آلام أو تجارب شديدة. يرى أن ما حلّ بأيوب هو ثمرة طبيعية لسلوكٍ شرير من جانب أيوب أو أولاده، وأنه لو كان بارًا لالتمس من الله أن يرد له البركات المفقودة، فيردها له الله بأكثر وفرة عما كان لديه قبلاً [٢-٧].

يوبخ أيوب لأن خبرته لا تقارن بحكمة الشيوخ القدامى.

قدم بلدد أمثلة من الطبيعة، فأوراق البردي تحتاج إلى مياه كثيرة لكي ينمو، وإلاَّ جفت. الإنسان الشرير يفقد ماء بركات الله [١١-١٣]. إنه يظن أن بيته وممتلكاته في أمان، لكنها تتبدد سريعًا مثل نسيج العنكبوت. كما يشبه عشبًا سرعان ما يظهر وسرعان ما يقتلع من جذوره فيزول ليحل محله آخر [١٦-١٩].

في رأيه أن أيوب كان يجب أن يبلغ إلى النتائج اللائقة بسبب الكوارث التي حلت به. وأن براءته تتحقق إن أُصلح حاله [٢٠-٢١].

لا يمكننا أن نرفض آراء بلدد تمامًا، لكن يجب مقابلتها بما ورد في لو ١٣: ٤؛ يو ٩: ٢-٣.

1. أقوال أيوب ضد الحق الإلهي             1-2.

2. الله عادل فيما يحلّ بالمؤمنين           3-4.

3. نصيحة مدمرة                                5-7.

4. اتهام أيوب بالرياء                          8-19.

5. دعوة للكمال                             20-22.

1. أقوال أيوب ضد الحق الإلهي


فَأَجَابَ بِلْدَدُ الشُّوحِيُّ: [1]

إِلَى مَتَى تَقُولُ هَذَا؟ وَتَكُونُ أَقْوَالُكَ رِيحًا شَدِيدَةً! [2]

في حدة شديدة يحاول بلدد أن يبكم فم أيوب وينتقد ثورته النفسية. احتد بلدد مهاجمًا أيوب: "إلى متى تقول هذا؟" وكأنه يقول إن أقوال أليفاز فيها كل الكفاية، وكان يلزم أيوب الصمت والخضوع. لقد شبَّه ثورة أيوب بريح شديدة عاصفة، لكنها لن تقدر أن تقف أمام العدل الإلهي.

يرى القديس يوحنا ذهبي الفم أن بلدد قد اندفع في هجومه على أيوب البار، فلو أنه صمت وتأنى لأدرك أن ما قاله أيوب ليس إلا رد فعل طبيعي للآلام الشديدة والتجارب التي لم يسقط فيها آخر غيره. هذا ومع عتابه لله لم ينكر أنه خاطي يطلب منه المغفرة. لكن الثرثرة أو اندفاع بلدد في الكلام أسقطه في إدانة البار وفي النقد المُبالغ فيه، حتى رأى في كلمات البار الصالحة شرًا. لم يدرك بلدد أن تعبير الإنسان المتألم عما يعاينه من تعبٍ هو أمر تقتضيه الطبيعة البشرية بالضرورة.

     هل قال (أيوب) إنه يعاني من الظلم؟

ها أنتم ترون (أصدقاء أيوب) لم يبلغوا هدفهم بأية طريقة، لأنه لم يقل هذا قط. لكن أيوب تحدث عن ضعف طبيعته، قائلا: “أبحر أنا أم تنين؟" (7: 12)، "هل قوتي قوة الحجارة؟" (6: 12) ما هي حياتي؟ "فإنني لا أحيا إلى الأبد فأحتمل بصبرٍ" (7: 16). علاوة على هذا فقد عرف خطاياه: "لماذا لا تغفر ذنبي؟" (7: 12)...

بعد ذلك، دان بلدد نفسه في ثرثرته، إذ فشل في فهم أن الذين يختبرون الألم بالفعل يجدون تعزية في التعبير عن أنفسهم، إذ قال أيوب نفسه: "أنا أيضًا لا أمنع فمي، إذ في ضيق" (7: 11). علي أي الأحوال يقول إن هذه الكلمات التي أعبر بها تستلزمها الضرورة.

     لا يُستعمل الوعاء الذهبي للأشياء الدنيئة لغِلوّ ثمنه، فكم بالحري الفم، فهو أثمن من الذهب والمرجان، فلا يجوز أن ندنِّسه بالكلام القبيح والشتم وطعن الآخرين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     كلمات الأبرار دائمًا محزنة بالنسبة للظالمين، وما يسمعونه للبنيان يحملونه ثقلاً على كاهلهم. هذا ما يشير إليه بلدد الشوحي بوضوح بالنسبة له، حيث يقول: "إلى متى تقول هذا؟" من يقول: "إلى متى" يُظهر أنه غير قادر بعد على احتمال كلمات البنيان.

يفتخر الظالمون جدًا بأنهم يقولون ما هو صواب، ويجدون أخطاء في الأقوال الصالحة...

عندما يكون النقد مبالغًا فيه بالتأكيد يفقد الحديث معناه...

يلوم الأشرار الأمور الصالحة، لئلا يظهروا هم أنفسهم أنهم لا يعرفون ما هو صالح.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لقد حذرنا الكتاب المقدس كما الآباء من خطية بلدد: الثرثرة في الكلام باندفاع والتي ولَّدت الإدانة والنقد اللاذع المُبالغ فيه:

"كثرة الكلام لا تخلو من معصية، أما الضابط شفتيه فعاقل" (أم 19:10).

"لأن الحلم يأتي من كثرة الشغل، وقول الجهل من كثرة الكلام" (جا 3:5).

"ذلك من كثرة الأحلام والأباطيل، وكثرة الكلام، ولكن اخشَ الله" (جا 7:5).

     لم يقل الرسول إنه لا يوجد من يُذَل اللسان، بل لا يستطيع أحد (من البشر) أن يُذَلل اللسان، حتى متى أُلجِم نعترف بأن ذلك بفضل حنان نعمة الله ومعونته[330].

     يستطيع الإنسان ترويض الوحوش المفترسة، أما لسانه فلا يقدر أن يُلجِمه!...

يستطيع الإنسان تهذيب كل شيء ما عدا ذاته، فما يقدر عليها!

يقدر على تهذيب كل ما يخاف منه، أو يجدر به أن يخافه، أما ذاته التي لا يخافها فلا يقدر عليها!

إذن لنلجأ إلى الله الذي يستطيع أن يُلجِمه. أنتم لا تقدرون على إقناع ألسنتكم لأنكم بشر... فلنطلب من الله لكي يروضنا قائلين له: "يا رب ملجأ كنت لنا".

هل يستطيع (الإنسان) صورة الله أن يُرَوِّض الأسد، ويعجز الله عن ترويض صورته؟

إن رجاءنا يكمن في هذا المُرَوِّض لنخضع له ملتمسين رحمته... لنحتمله حتى يُرَوِّضنا، فنصير كاملين، لأنه كثيرًا ما يسمح لنا بتأديبات. فإن كنتم تستخدمون الأسواط في ترويض الحيوانات المفترسة، أمَا يستخدم الله ذلك ليحوِّلنا نحن وحوشه إلى أولاد له؟[331]

القديس أغسطينوس

     الثرثرة هي عرش الغرور، ومن هذا العرش تظهر محبة إبراز الذات والمباهاة والافتخار.

الثرثرة إشارة إلى الجهل، وباب الاغتياب، وموصل إلى الهزل والضحك، وخادم للكذب والرياء.

     هي دليل النوم وتشتيت الذاكرة، تُزِيل اليقظة وتبرد الحرارة وتفتر الصلاة[332].

القديس يوحنا الدرجي

     احذر اللسان الثرثار والأذنين المتلهفتين (لسماع الأخبار). لا تحط من شأن الآخرين ولا تصغي إلى من يحط من شأن الغير.

القديس جيروم

     لا تتسرع بلسانك، فالفم مصيدة الموت.

المدعو برناباس

     من يحذر بلسانه لن يُسلب كنزه منه إلى الأبد. فم الساكت يترجم أسرار الله. ومن يتكلم بسرعة يبعد عن خالقه[333].

الشيخ الروحاني

     علينا ألا نستخدم التوبيخ إلا نادرًا. وإذا اضطررنا إلى استخدامه يجب علينا أن نسعى بشغفٍ إلى خدمة الله لا أنفسنا.

ليكن لنا هدف واحد، فلا نفعل شيئًا بقلب مزدوج. لنخرج من أعيننا خشبة الحسد أو الحقد أو التصنع، حتى نتمكن من الإبصار فنخرج القذى من عيني أخينا. للنظر إلى القذى بعيني الحمامة، اللتين لعروس المسيح (نش 1:4)، التي اختارها الله لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن، أي نقية لا غش فيها (أف 27:5)[334].

القديس أغسطينوس

     لا تكن ديانًا لأخيك، لتؤهل أنت للغفران، فربما تراه دائمًا مخطئًا، لكنك لا تعلم بأية خاتمة يفارق العالم. فاللص المصلوب مع يسوع كان قاتلاً وسفاكًا للدماء، ويهوذا كان تلميذًا للمسيح ومن الأخصاء، إذ كان الصندوق عنده، إلاَّ أنهما في زمن يسير تغيرا، فدخل اللص الفردوس، واستحق التلميذ المشنقة وهلك.

القديس أنسطاسيوس

2. الله عادل فيما يحلّ بالمؤمنين


هَلِ اللهُ يُعَوِّجُ الْقَضَاءَ، أَوِ الْقَدِيرُ يَعْكِسُ الْحَقَّ؟ [3]

حسب بلدد في ثورة أيوب هياجًا ضد الله، وكأن الله يعوج القضاء ويعكس الحق. حاشا لأحدٍ أن يظن هذا. الإنسان في ضعفه قد يلجأ إلى عكس الحق بسبب خوفه، أما الله فهو "القدير"، فلا يكون ظالمًا ولا يفعل ما هو باطل.

     لم ينكر الطوباوي أيوب ذلك في حديثه، ولا كان يجهله عندما كان يمسك لسانه. لكن كل الوقحين يتكلمون بالحقائق المعروفة بكلمات ضخمة لكي يظهروا بهذا أنهم متعلمون.

إنهم يستنكفون من أن يحفظوا سلامهم بروح التواضع، لئلا يُظن أنهم صامتون عن جهلٍ. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). إنما من المعروف أنهم يمدحون استقامة عدالة الله عندما يكونون هم في أمانٍ من المصائب، ويتمتعون برخاء حياتهم بينما يكون الغير يعانون من كوارث.

إنهم يسلكون في الشر، ومع هذا يظنون أنهم أبرار. إذ هم في رخاءٍ يتصورون أن هذا بفضل استحقاقاتهم، ويستنتجون أن الله لا يعمل ظلمًا... ولكن إن لمست حياتهم قوة للتصحيح (بالتأديب) ولو إلى أقل درجة، يندفعون للحال مهاجمين السياسة الإلهية، بينما كانوا منذ قليل - إذ لم يصبهم أذى - يطرون في المديح والإعجاب بالتدبير الإلهي.

إنهم يرفضون أي حكم أن يكون عادلاً متى حلّ بهم... حسنًا ينطق المرتل ضد اعتراف الشرير: “يحمدك إذا أحسنت إليه" (مز 49: 18)... لهذا لا نعجب أن يحمد بلدد عدالة الله مادامت لا تمسه شخصيًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) في أصدقاء أيوب رمزًا للهراطقة، فإنهم إذ يرون الكنيسة المقدسة في ضيقة لبنيانها يحسبون أن ما حلّ بها هو من قبيل العدالة الإلهية، وأن ما يتمتعون به من رخاء هو من أجل فضائلهم.

غالبًا ما يسند عدو الخير الهراطقة في كل الأجيال بالإمكانيات المادية والكرامة الزمنية ليقتنصوا أولاد الله من أحضان العروس المقدسة، تارة بالفلسفات البّراقة المخادعة، وأخرى بالإغراءات المادية، وثالثة بحفظهم من الضيق الذي تعانيه العروس شريكه المصلوب.

هذا هو دور بلدد الذي ظن في جهله حكمة، وحسب أيوب مجدفًا على الله القدير ومتذمرًا على العدالة الإلهية.

     اخترع (عدو الخير) الهرطقات والانشقاقات لكي يتلف الإيمان، ويفسد الحق، ويحطم الوحدة.

وإذ يعجز عن أن يحفظنا في طرق الخطأ الجديد المظلمة يسحبنا إلى متاهة جديدة للخداع.

إنه يصطاد الناس بعيدًا عن الكنيسة نفسها، وإذ يظنون أنهم اقتربوا من النور وهربوا من ليل العالم يغمرهم في ظلمة جديدة وهم غير مدركين لها.

ومع أنهم لا يتمسكون بالإنجيل ونظام المسيح وناموسه يدعون أنهم في النور خلال مداهنات العدو المخادعة، هذا الذي يقول عنه الرسول أنه يغير نفسه إلى ملاك نور ويزين خدامه  كخدام للبرَ.

يدعون الليل نهارًا، والموت خلاصًا، واليأس رجاءً، والخيانة أمانة، وضد المسيح المسيح، ويثبط الحق بالخداع بإبراز الحق بصورة كاذبة.

هذا هو ما يحدث يا إخوتي عندما لا نعود إلى ينبوع الحق، عندما لا نتطلع إلى الرأس ونحفظ التعليم الصادر من السماء[335].

القديس كبريانوس

     من عادة إبليس أن يقلد الأمور الخاصة بالله. إنه يقيم رسلاً كذبة ليقاوموا الرسل الحقيقيين، ويأخذ شكل ملاك لكي يخدع  البشر[336].

ثيؤدورت أسقف قورش

     يوجد فلاسفة لهم مناقشات بارعة عن الفضائل والرذائل، يميزون بينها، ويقدمون تعريفات لها، وفي النهاية يقدمون تسلسلاً عقليًا دقيقًا، يملأون الكتب، ويحمون حكمتهم بأحاديث ثرثارة؛ هؤلاء يجسرون ويقولون للناس اتبعونا، انضموا إلى فرقتنا إن أردتم أن تعيشوا سعداء. لكنهم لا يدخلون من الباب؛ هؤلاء يريدون أن يحطموا ويذبحوا ويقتلوا[337].

     إن وجدنا هذه الشخصيات الثلاث أيها الأخوة القديسون، نجد من يليق بنا أن نحبهم، ومن يجب علينا أن نحتملهم، ومن يلزمنا الحذر منهم. فالراعي يُحب، والأجير يُحتمل، واللص يُحذر منه[338].

القديس أغسطينوس

     "الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالمًا أن مثل هذا قد انحرف، وهو يخطئ، محكومًا عليه من نفسه" (تي 10:3-11). ليتنا كبحارة حكماء نبحر في إيماننا في المسلك السليم حتى نعبر بأكثر أمانٍ، ونتبع سواحل الأسفار المقدسة.

القديس أمبروسيوس

إِذْ أَخْطَأَ إِلَيْهِ بَنُوكَ دَفَعَهُمْ إِلَى يَدِ مَعْصِيَتِهِمْ [4].

يحاول بلدد أن يثير أيوب بأن ينسب ما حلّ بأبناء أيوب هو ثمرة خطيتهم وشرهم، فنالوا مجازاة عادلة من الله. ما ألهب جراحات أيوب بالأكثر، أن بلدد حسب موت أبناء أيوب بهذه الصورة البشعة ليس له تفسير آخر سوى أنهم عصوا الله، فدفعهم إلى يد معصيتهم. لقد اعترف أيوب بأنه خاطئ، وكان يقدم محرقات بأسماء أبنائه لئلا يكون قد عبر بأفكارهم فكر خاطئ ضد الله. لكن لا يمكن الحكم بأن ما حدث هو ثمر طبيعي لعصيانٍ قد ارتكبوه.

3. نصيحة مدمرة


فَإِنْ بَكَّرْتَ أَنْتَ إِلَى اللهِ، وَتَضَرَّعْتَ إِلَى الْقَدِيرِ [5].

يقدم بلدد نصيحة طيبة لأيوب أن يسرع ويبكر طالبًا ومتضرعًا إلى الله، لكن بلدد لم يكن يشعر بأن أيوب يستحق أن ينال ما هو أكثر مما كان عليه. يشير عليه بالصلاة والطلبة من الله ليرد له أضعافًا مما فقده إن كان زكيًا مستقيمًا.

يا للعجب، يقدم بلدد نصيحة مدمرة لأيوب تكشف عن دمار قلب بلدد نفسه. لقد طالبه بالصلاة إلى القدير مبكرًا. هذه تبدو نصيحة كتابية رائعة، فالمؤمن يطلب من القدير، يطلب وينال لأنه يبكر إلى الله لكنه لا يجعل الصلاة لا للتمتع بواهب العطايا بل لاقتناء عطايا زمنية، حاسبًا ان استجابة الصلاة بالتمتع بالزمنيات علامة رضا الله وقداسة المصلي. إنه مؤشر خطير يفسد الإيمان بالله الذي يود ان نطلب ملكوت الله وبرٌه وهذه كلها تزاد لنا.

ليس ما يمنع أن نسأل الله كأبٍ لنا في كل شيء حتى الأمور التافهة، علامة شركتنا الحية معه، لكن لن تكون الإجابة بنوال ما نسأله علامة تقديسنا ومحبة الله لنا.

ولعل بلدد هنا كان متيقنًا أن أيوب لن يسترد ما فقده، فيكون ذلك علامة شره، مثله مثل أبنائه الهالكين. ومن جانب آخر يضع بلدد مقياس البرّ والاستقامة هو تمتع الشخص بالأمور الزمنية. يقول البابا غريغوريوس (الكبير) [يحسب الناس الأشرار الملذات الوقتية هي بركة خاصة للمكافأة الإلهية. ما يجرون هم وراءه باهتمام وشوق شديد، يعدون به الآخرين كأمر عظيم.]

الصلاة – في ذهن القديس أغسطينوسهي لغة شوق النفس نحو الله. إنها المترجم لاشتياق القلب.

     الصلاة هي بلوغ العقل المملوء حبًا إلى الله، إنها تشغل الذهن والقلب، الفكر والرغبة، المعرفة والحب. الحياة الكاملة للمسيحي الصالح هي رغبة مقدسة[339].

     وآسفاه. إنه من السهل أن تطلب أشياء من الله ولا تطلب الله نفسه، كأن العطية أفضل من العاطي[340].

     الله لا يمنع محبة هذه الأشياء بل أن نجد سعادتنا في حبنا لها. يليق بنا أن نجعل حب خالقنا هو غاية تقديرنا لهذه الأشياء... فالمهر يُقدم للمخطوبة لكي في مهره لها تحبه هو. هكذا يعطيك الله كل شيء، فلتحب ذاك الذي صنعها[341].

     أي شيء ثمين يطلبه من الله من يستهين بتقديره لله نفسه؟![342]

     لا تطلب شيئًا من الله، بل عطية ذاته لك[343].

     أن تترجى الله من الله، هذا هو أن تحب الله صاحب النعمة[344].

     ليس بعدل يُحب ما يأتي من الله إن كان الله نفسه يُنسى بسببه[345].

     لا تجد شيئًا يقدمه لك أفضل من ذاته، لكن أن كنت تجد ما هو أفضل منه أطلبه بكل وسيلة[346].

     هل لا يوجد لدى الله مكافأة؟ لا توجد إلا عطية ذاته![347]

القديس أغسطينوس

يتطلع الأب أفراهاط إلى الصلاة بكونها لقاء داخليًا للقلب النقي مع الله القدوس، فالصلاة هي حديث القلب، الذي لن يكون موضوع سرور الله القدوس ما لم يكن طاهرًا ونقيًا.

     الصلاة جميلة وأعمالها مستقيمة، الصلاة المقبولة تُشعر الإنسان بالراحة. تُسمع الصلاة عندما نشعر بالغفران فيها.

الصلاة المحبوبة هي الصلاة النقيَّة الخالية من كل غش. وتكون الصلاة قويَّة عندما تعمل قوَّة الله فيها.

عزيزي، كتبت إليك أن الإنسان عندما يلتزم أن يتمم مشيئة الله، وتكون المحور الأساسي لصلاته، يسمو الإنسان في صلاته. قلت لكم هذا: لا تهملوا الصلاة.

يلزم أن تشتاقوا إلى الصلاة ولا تكلُّوا منها. كما قال ربنا وهو مكتوب: "انه ينبغي أن يُصلى كل حين ولا يُمل" (لو 18: 1)، يجب أن تتُوقوا إلى السهر، واِنزعوا عنكم الغفلة والنوم. يجب أن تكونوا مستيقظين في كل وقت بالنهار والليل ولا تفتروا[348].

القديس أفراهاط

     هل كان أيوب محتاجًا إلى تعليمك هذا؟

ألم يكن خلال كل حياته دائما يصلي؟ وأنت تقول: "بكر في الصلاة إلى الرب القدير".

إنه ليس فقط لم يتوقف عن الصلاة مبكرًا للرب، بل كان يقدمها مبكرًا (1: 5) وخلال النهار وفي كل لحظة، يسبح الله سبع مرات في اليوم (مز 119: 37، 164) نهارًا وليلاً، فإن هذا بالنسبة له لم يكن غباوة. نهاية تجاربه تظهر هذا، نتيجة صراعاته (أبرزت أنه رجل صلاة)...

لقد أسأت الحكم (يا بلدد) وظلمت المصارع، فإن أيوب لم يفشل في رؤية الله الذي تتحدث أنت عنه لتنتقد البار، وليس لتمجد الله.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِنْ كُنْتَ أَنْتَ زَكِيًّا مُسْتَقِيمًا،  فَإِنَّهُ الآنَ يَتَنَبَّهُ لَكَ، وَيُسْلِمُ مَسْكَنَ بِرِّكَ [6].

يرى بلدد أنه لو أن أيوب زكيًا مستقيمًا ما حدثت له هذه النكبة، ولو أنه تصرف حسنًا مع أول تجربة لما حلت به التجربة الثانية.

هذا ليس بصواب، فقد يُجرب الإنسان الصالح أكثر من مرة، بل وقد يتعرض لتجربةٍ تمتد كل حياته، التي تُحسب كلا شيء إن قورنت بالأبدية التي يتمتع بها.

تظاهر بلدد بأنه ينصح أيوب ليتوب عن شره كي يرد الله له ما كان عليه، بل وأكثر مما كان عليه، لكن في أعماقه كان يبغي أن يؤكد له أنه شرير ومرائي.

وَإِنْ تَكُنْ أُولاَكَ صَغِيرَةً،  فَآخِرَتُكَ تَكْثُرُ جِدًّا [7].

يرى بلدد أن أيوب إنسان شرير، لو كان مستقيمًا وسقط في تجربة لكانت آخرته أفضل مما كان عليه قبل التجربة. بالفعل أراد الله أن يبرهن لبلدد أن أيوب بار ومستقيم، فجعل آخرته أفضل من أولاه.

لقد صارت آخرة أيوب أكثر مجدًا من أولاده، لكن ما ناله في آخر حياته لم يكن إلا عربونًا للمجد المُعد له في الحياة الأبدية. لقد مات شيخًا شبعان الأيام، لكنه يقوم ليعيش في أورشليم العليا أبديًا.

كثير من الشهداء والقديسين تألموا في أواخر حياتهم، لكن هذه الآلام والعذابات هي لآلئ وجواهر روحية نتعرف على عظمتها وبهائها في يوم الرب العظيم، حيث يعتزون بالحب الذي عبَّروا عنه بقبولهم الآلام بشكرٍ وفرحٍ!

4. اتهام أيوب بالرياء


اِسْأَلِ الْقُرُونَ الأُولَى، وَتَأَكَّدْ مَبَاحِثَ آبَائِهِمْ [8].

لم يجسر بلدد أن يعلن لأيوب أن ما حلٌ به - حسب خبرته الشخصية - ليس إلا تأكيد بأنه شرير، وإنما وضع أساس حكمه هذا على خبرة الأجيال القديمة. فإن كان أليفاز قد اعتمد على خبرته الشخصية، فإن بلدد يكمل ذلك بالرجوع إلى خبرة القدامى.

في تعليق الأب هيسيخيوس الأورشليمي على هذه العبارات (8-10) يرى أن ما حدث مع أيوب يشبه ما حدث مع هابيل. تطلع قايين إلى جثمان أخيه هابيل ملقيًا عن الأرض قتيلاً (تك 4)، فظن أن هذا ثمرة عمله، وأن قايين بار وقد استقرت الأرض واستراحت لتكون بين يديه وهو في طمأنينة، ولم يكتشف الحقيقة أن صوت دماء أخيه تصرخ، وقد بلغت إلى السماء.

كما تطلع قايين إلى هابيل حاسبًا ما حدث له هو بسبب شره، هكذا تطلع بلدد وزملاؤه إلى أيوب وهو في المزبلة، فحسبوه شريرًا. وكما شهد الله لبرّ القتيل معلنًا أن أبواب السماء مفتوحة لتستقبل صوته، هكذا يشهد الله لأيوب ويستمع إلى صرخات قلبه. لقد أراد أن يطأ أخاه تحت قدميه، وأراد الأصدقاء أن يسحقوا نفس أيوب تحت أقدامهم.

كان يليق بأصدقاء أيوب أنفسهم أن يسألوا القرون الأولى فيروا أن ما حل بهابيل من ظلمٍ، ليس عن شر فيه، بل سبب برِّه، ولم تنته حياته ببركات أرضية وخيرات زمنية، وإنما بانفتاح أبواب السماء لتتقبل صرخات دمه المسفوك على الأرض.

قال أليفاز إن الله لا يسمح لأحد المستقيمين أن يُباد هكذا (أيوب 4: 7)، أما بلدد فيقول هنا أن الله يدفع بالأشرار المرائين إلى الخزي والعار والدمار في هذا العالم. فإن كان أليفاز أراد تأكيد أن أيوب ليس مستقيمًا وإلا ما كان قد حلّ به هذا كله، إذا ببلدد يوجه له اتهامًا صريحًا أنه شرير مرائي.

يطلب من أيوب أن يلجأ إلى القرون الأولى ليتأكد بنفسه أن ما يقوله حق، وذلك خلال الخبرة العملية الطويلة عن أحكام الله من جهة الأشرار منذ القرون الأولى حتى عصرهم.

لأَنَّنَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ، وَلاَ نَعْلَمُ لأَنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الأَرْضِ ظِلٌّ [9].

يطالبه ألا يعتمد على خبرته حتى وإن كان شيخًا لأن العمر كله أشبه بيومٍ، كأنه بالأمس قد مضى، ومعرفته محدودة، وخبرته تكاد تكون عابرة مثل حياته. هذا ما يدفعنا للتطلع إلى خبرة الأجيال القديمة.

جاءت كلماته متقاربة مع ما تغنى به الملك داود في صلاته الوداعية، قائلاًً: "لأننا نحن غرباء أمامك ونزلاء مثل كل آبائنا. أيامنا كالظل على الأرض، وليس رجاء" (1 أي 29:15)، لكن قلبه وفكره لم يكونا كقلب داود وفكره. فالكلمات التي نطق بها بلدد نافعة، وكان يُمكن أن تكون مقدسة لو أن قلبه كان طاهرًا نقيًا ومحبًا ومقدسًا.

فَهَلاَّ يُعْلِمُونَكَ، يَقُولُونَ لَكَ، وَمِنْ قُلُوبِهِمْ يُخْرِجُونَ أَقْوَالاً قَائِلِينَ [10].

يحمل الآباء الأولون حبًا نحو أولادهم وأحفادهم، فيقدمون مع خبرتهم قلوبهم المتسعة لنا، لذا فإن كلماتهم لها وزنها.

     وضع بلدد كلمات الحق العجيب ضد المرائين، لكنه بحديثه هذا كان يشير إلى نفسه. لأنه لو لم يكن متظاهرًا بالبرّ بصورة هزيلة ما كان قد تجاسر ليعلم إنسانًا صالحًا بطيشٍ عظيم كهذا... كلماته بالحق تحمل قوة رائعة، لكن كان يليق توجيهها للأغبياء وليس لرجلٍ حكيمٍ؛ للأشرار وليس لإنسان صالح، فإن من يسكب ماء في النهر بينما حدائقه جافة وظمأى يكشف أنه ليس بأقل من مجنون.

البابا غريغوريوس (الكبير)

سبق لي الحديث عن أهمية تراث الآباء في كتاب "بدء الأدب المسيحي الآبائي"، جاء فيه[349]:

[ما هو مدى التزامنا بما ورد في تراث الآباء؟

يمثّل الآباء القدّيسون فكر الكنيسة الجامعة الذي تسلّمته من الرسل بفعل الروح القدس الذي يعمل بلا انقطاع في حياة الكنيسة. يتحدّث عنهم القدّيس أغسطينوس، قائلاً: "تمسّكوا بما وجدوه في الكنيسة، عملوا بما تعلّموه، وما تسلّموه من الآباء أو دعوه في أيدي الأبناء[350]"، "من يحتقر الآباء القدّيسين إنّما يعرف أنّه يحتقر الكنيسة كلّها[351]".

يقوم هذا السلطان على عاملين: عامل طبيعي إذ اتّسم الآباء بالحياة القدسيّة والأمانة في استلام وديعة الإيمان الحيّ من أيدي الرسل لذلك هم أقدر على الشهادة للحياة الكنسيّة من كل جوانبها، خاصة وأنهم يحملون الفكر الواحد، بالرغم من اختلاف الثقافات والمواهب والظروف، مع بُعد المسافات بين الكراسي الرسوليّة وصعوبة الاتصالات في ذلك الحين. والعامل الثاني إلهي حيث عاش الآباء منحصرين بالروح القدس قائد الكنيسة ومرشدها إلى كل الحق، يحفظها داخل دائرة صليب المسيح.

هذا لا يعني عصمة الآباء كأفراد، وإنّما تعيش الكنيسة الجامعة ككل محفوظة بروح الرب...

احتل تراث الآباء مركزا مرموقًا في حياة الكنيسة وإيمانها، اعتمد عليه القدّيس أثناسيوس في دفاعه[352]، كما اعتمد القدّيس باسيليوس على كثير من التقاليد الكنسيّة خلال أقوال الآباء السابقين له.

تزايد هذا الاتجاه، إي الالتجاء إلى أقوال الآباء السابقين، في القرن الرابع، ونما جدًا في القرن الخامس[353]. فالقدّيس كيرلس الإسكندري كمثال، في كتاباته إلى الرهبان المصريّين[354] دفاعًا عن لقب القدّيسة مريم ثيؤتوكوس – لتأكيد أن المولود هو كلمة الله المتأنّس دون انفصال اللاهوت عن الناسوت – أشار إليهم أن يقتفوا آثار القدّيسين. إذ حفظوا الإيمان المسلم إليهم من الرسل، وعلّموا المسيحيّين باستقامة. مرّة أخرى يؤكّد أن التعليم الصحيح الخاص بالثالوث القدّوس قد وضح "بحكمة الآباء القدّيسين[355]". وفي حديثه ضدّ نسطور[356] التجأ إلى تعليم الكنيسة المقدّسة الممتدّة في كل العالم وإلى الآباء المكرّمين أنفسهم، معلنًا أن الروح القدس تحدّث فيه. ولتدعيم حديثه عن السيّد المسيح استند إلى بعض متقتطفات آبائيّة في كتاباتهم الجدليّة[357]، قدّمها إلى مجمع أفسس[358].]

هَلْ يَنْمُو الْبَرْدِيُّ فِي غَيْرِ الْمُسْتَنْقَعِ، أَوْ تَنْبُتُ الْحَلْفَاءُ بِلاَ مَاءٍ؟ [11]

إذ يتهم بلدد أيوب بالرياء يقدم صورًا مؤلمة عن المرائي بوجه عام، غير أنه يعني أيوب بوجه خاص:

أولاً: بالبردي الذي لا ينمو إلا في مياه مملوءة وحلاً، والحلفاء الجاف الذي بلا ماء [11].

ثانيًا: بالعنكبوت الذي يتكل على بيته، فيظن أنه في آمان، مع أن بيته لن يثبت [14-15].

ثالثًا: بالعشب الذي تحرقه الشمس فتجففه، مع أنها سٌر حياة ونمو النباتات [16].

رابعًا: بمن يتعثر بالحجارة في الطريق، فيسقط ويهلك.

خامسًا: بالشجرة المورقة الجميلة التي يضرب الفأس بجذورها فتُقلع وتموت.

ما هي خبرة الآباء الأولين في هذا الأمر؟ يجيب الآباء بأن آمال المرائين وأفراحهم كالبردي والحلفاء. كلاهما ينميان في المستنقع وسط الطين أو الوحل أو الحمأة، وبالماء. هكذا المرائي لا يحقق رجاء. بدون أرض متعطنة أو جو غير الوحل. يتكل على مظاهر خارجية للتدين والتقوى والنجاح، مظاهره مخادعة، على الغرور بنفسه كلمات المديح الموجهة إليه، هذه كلها ليست إلا وحلاً، وآمالهم ليست إلا بردي وحلفاء.

إن كان البردي يشير إلى الإنسان المرائي الذي يحتاج إلى مياه الروح القدس المقدسة. في وسط المياه يوُلد المؤمن ابنًا لله بالروح القدس، وبمياه الروح يرتوي ويتجدد، حتى يحمل أيقونة السيد المسيح، فيتأهل لنوال شركة المجد الأبدي.

     يشير بالبردي والحلفاء إلى حياة المرائي، إذ له مظهر الخضرة، لكن بلا ثمر نافع لخدمة الإنسان فمع كونه أخضر، له مجرد لون القداسة، يكون دائم الجفاف عديم الثمر عمليًا...

المراءون منفصلون عن واهب البركات الكثيرة بسبب نزعات فكر قلوبهم فمع نوالهم عطاياه يطلبون مديحهم لا مجد العاطي. وبينما يمجدون أنفسهم بمديح ذواتهم عن بركات موهوبة لهم، يقاومون صانع الخيرات بذات العطايا.

المرائي ينتقد بشدة حياة من يوبخه. إذ يتوق أن يثبت انه مخطئ فوق كل حدود، حتى يبرر نفسه، لا بما يمارسه من أفعال بل بإبراز أخطاء الآخرين... حسنا قيل بسليمان: "لا توبخ مستهزئا لئلا يبغضك" (أم 9: 8)...

هنا نحتاج أن نعرف أن سمو الصالحين يبدأ بالقلب وينمو إلى نهاية الحياة الحاضرة. أما ممارسات المرائين، فإذ ليس لهم جذور فإنهم غالبًا ما يبلغوا إلى لا شيء قبل نهاية الحياة الحاضرة. غالبًا ما يكرسون حياتهم للدراسات المقدسة، وإذ هم يفعلون هذا لا لإقامة مخازن للفضائل بل لنوال مديح وإطراء، فعندما يبلغون عبارة تهبهم مديحًا بشريًا يسرون بالنجاح الزمني. لهذا فهم فارغون تمامًا من الثقافة المقدسة، ويظهرون بسلوكهم بعد ذلك كيف يحبون الزمنيات، أما عن الأبديات فلا تتعدي الحديث عنها بشفاههم... إنهم شهود على أنفسهم أن صلاحهم ليس نابعًا عن القلب.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     لهذه الغاية اعتمد المخلّص هذا الذي لا حاجة به إلى العماد، حتى يقدِّس الماء لأجل الذين سيولدون من جديد[359].

القدّيس إكليمنضس السكندري

     يُسمى العماد "غسل التجديد"، إذ يصحبه تجديد الروح الذي يرف على المياه.

     يخلق الروح القدس لنفسه شعبًا جديدًا، ويجدد وجه الأرض، عندما يخلع الناس عنهم، من خلاله، "إنسانهم العتيق مع أعماله" (كو 9:3)، "ويسلكون في جِدَّة الحياة" (رو4:6).

     كل من حُسِب مستحقا لشركة الروح القدس، بمعرفة أسراره غير المنطوق بها، سيحصل، وبكل تأكيد، على راحة وابتهاج القلب. فحيث قد توصل ، بإرشاد الروح إلى معرفة لكل ما يحدث من أمور - وكيف ولماذا تحدث - فلا يمكن لنفسه أن تضطرب أو تشعر بأسف.

     الطبيعة الإنسانية ضعيفة. وحتى تصير قوية، فهي تحتاج إلى مساعدة من يقويها. مساعدة من؟ مساعدة الروح.

بمعنى أن الذي ينشد القوة الحقيقية، لا بد أن يصير قويا بالروح.

الأغلبية تصير قوية بالجسد، وحسب الجسد. أما جنود الله (2 تيموثاوس 3:2) فيصيرون أقوياء بالروح، وبالتالي شجعانا في مواجهة “الفكر الجسدي الذي يهتم بما للجسد (رومية 7:8). فالروح في مصارعة مع الجسد، أما روح الإنسان التي يقويها ذلك الروح فستحرز النصر.

العلاّمة أوريجينوس

     اعتمد الرب لا ليتطهّر بل ليطهّر المياه، حتى إذا اغتسلت المياه بجسده الذي لم يعرف الخطيّة، جاز لها أن تُستخدم في العماد[360].

القدّيس أمبروسيوس

     اعتمد المسيح، أعني طهَّر الماء بعماده[361].

العلاّمة ترتليان

وَهُوَ بَعْدُ فِي نَضَارَتِهِ لَمْ يُقْطَعْ يَيْبَسُ قَبْلَ كُلِّ الْعُشْبِ [12].

سرعان ما يظهر البردي بأوراقه الجميلة الخضراء، لكنه ييبس ويتلاشى في وقت وجيز، وقبل أن يُقلع (مز 129: 6).

هَكَذَا سُبُلُ كُلِّ النَّاسِينَ اللهَ، وَرَجَاءُ الْفَاجِرِ يَخِيبُ [13].

سرّ الرياء هو نسيان الإنسان لله فاحص القلوب والعارف بالأسرار الخفية في الفكر.

     "هكذا سبل كل الناسين الله، ورجاء المرائي يخيب"... رجاء المرائي لا يمكن أن يثبت، فإنه إذ لا يجعل الأبدية غايته يفقد كل ما يمسك به في يده. ميل فكره غير مثبت على المجد الذي لا ينتهي، وإنما إن هو يشهق طالبًا المديح الزائل يفقد ما قد تعب في نواله، يشهد "الحق" بذلك، قائلاً: "الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم" (مت 6: 2).

لا يستطيع أحد أن يربط نفسه بالزائل ويبقى هو نفسه غير زائل. فإن من يحتضن الأمور الزائلة بالطبع ينحدر إلى الزوال. ليقل: "ورجاء المرائي يخيب".

البابا غريغوريوس (الكبير)

     أيوب الذي خضع مرة أخرى للتجربة سبح الله وباركه، بالحق لم ينسَ الله. لهذا فإن نهاية الأبرار لا تُقارن بالعشب الذي يذبل بالحرارة [12]. إنه إذ يشبه شجرة مغروسة على مجاري المياه، تعطى ثمرها في حينه (مز 1: 3)، فإنه إذ يحتفظ بثمر الفضائل يسبب لغروس كثيرة في العالم أن تزهر.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     إنه مصدر فرح ومجد للبشر أن يكون لهم أبناء يتشبهون بهم... كم بالأكثر تكون مسرة الله عندما يؤكد إنسان روحي في أعماله وتسابيحه ويعلن السمو الإلهي في حياته[362].

القديس كيريانوس

     يا أيتها النفس، ذاك الذي خلقكِ يمكنه أن يشبعكِ. فإن طلبت ِأمرًا آخر فلبليتكِ.

القديس أغسطينوس

فَيَنْقَطِعُ اعْتِمَادُهُ،

وَمُتَّكَلُهُ بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ! [14]

إذ لا يعتمد المرائي على الله، فإن كل ما يرجوه بل حتى ما يناله يصير كبيت العنكبوت الذي ينسج مسراته وتعزيته بنسيج واهٍ.

ورد هذا النص في كتابات البابا غريغوريوس (الكبير) "غباوته لا تشبعه..."

     إنها غباوة لامتناهية أن يعمل الإنسان بمشقة ويركض لاهثًا وراء لحظة مديح، فيمارس الشخص الوصايا السماوية بجهدٍ جهيدٍ ويبتغي أجرة أرضية...

"ومتكله بيت العنكبوت"... قد يحدث أن كلمات المرائين تدوم حتى نهاية الحياة الحاضرة ذاتها، ولكن إذ لا يطلبون مديح خالقهم، لا تحسب أعمالهم صالحة في عيني الله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     "لأن رجاء الفاجر يخيب، بيته يكون بلا ساكن، وخيمته تبرهن أنها نسيج عنكبوت" (LXX). لماذا تقول هذا لأيوب؟ هل لأنك بالفعل تعرف نهاية المصارع، ولك وجهة نظرك من جهة ساكن بيته وخيمته كنسيج عنكبوت؟

لكن أنت تظن بأن بيته مصنوع من خشب وحجارة، مبني لأجله بالفضائل (مت 7: 24). إنك تتخيل خيمته مصنوعة من هذه الأرض، ولهذا السبب تظن أنها ستهلك كنسيج عنكبوت، مع أن مسكنه فعلاً في السماوات، ككلمات بولس: “لأننا نعلم أنه إن نقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السماوات بناء من الله، بيت غير مصنوع بيدٍ، أبديٌ؛ فإننا في هذه أيضا نئن مشتاقين إلى أن نلبس فوقها مسكنًا الذي من السماء" (2 كو 5: 1-2).

لهذا السبب أيوب أيضًا يئن، لكنك تنظر (يا بلدد) إلى هذه المراثي بكونها جبنًا وتجديفًا. إنه "يدعم بيته"، لا بأمورٍ منظورة، بل بما هو غير منظور.

لهذا ينطق الكتاب المقدس بعبارات الحكمة: "الحكمة بنت بيتها لنفسها، شيدت أعمدتها السبعة" (أم 9: 1)...

أخذ أيوب هذا بصبر، ولم يجحد ثقته في علاقته بالله، بل على العكس احتمل العدو بشجاعة، وصد هجماته الباطلة، حتى يستطيع أن يكون له وجه باسل ضد كل النزاعات في الهجمات الجديدة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     الرياء يكرهه الله، ويمقته الإنسان. لا يجلب مكافأة، وبلا منفعة تمامًا في خلاص النفس، بل بالحري يكون علَّة هلاكها.

إن كان الرياء لا ينفضح أحيانًا، لكن إلى حين، إذ لا يدوم كثيرًا، بل ينكشف كل شيء، فيجلب على صاحبه وبالاً، وهكذا يكون أشبه بامرأة قبيحة المنظر تُنزَع عنها زينتها الخارجيَّة التي وُضعت لها بطرق صناعيَّة.

     الرياء غريب عن سمات القدِّيسين، إذ يستحيل أن يفلت شيء مما نفعله أو نقوله من عيني اللاهوت، إذ "ليس مكتوم لن يُستعلن، ولا خفي لن يُعرف". كل كلماتنا وأعمالنا ستُعلن في يوم الدين. لذلك فالرياء مُتعب وبلا منفعة. يليق بنا أن نتزكَّى كعباد حقيقيِّين نخدم الله بملامح صريحة وواضحة[363].

القدِّيس كيرلس الكبير

     الكل يرى اللص "الرياء" يحمل كل شيء أمام عينيّه ويبتهج بذلك! يا لها من لصوصيّة جديدة من نوعها، تجتذب الناس وتبهجهم بينما هم يُسلبون![364]

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

يَسْتَنِدُ إِلَى بَيْتِهِ فَلاَ يَثْبُتُ. يَتَمَسَّكُ بِهِ فَلاَ يَقُومُ [15].

يفتخر المرائي بأعماله ويتكل عليها، كما يمسك العنكبوت ببيته الواهي.

كما يظن العنكبوت أنه متحصن بنسيجه الذي به يصطاد فريسته وهو لا يدرك أن نسيجه يُمكن أن يُكتسح بسهولة هكذا الإنسان المرائي يتحصن في شكلياته ومظاهر تقواه وإمكانياته، وإذا به يفقد كل شيء.

     "يستند إلى بيته فلا يثبت، يدعمه (بدعامة) فلا يقوم" [15]. كما أن بيت حياتنا الخارجية هو المبنى الذي يعيش فيه الجسم، هكذا بيت فكرنا هو أي شيء يركز الذهن عليه... لأن كل شيء نحبه يكون بالنسبة لنا كما لو كان مسكنًا يعطيه راحة. لذلك إذ ركز بولس قلبه على العلويات، فإنه وإن كان لا يزال على الأرض فهو غريب عليها. "محادثتنا في السماء" (في 3: 20). أما ذهن المرائي فإنه في كل ما يفعله لا يفكر في شيء إلا في سمعته وشهرته...

النفس الخاوية إذ تجد نفسها لا تحتفظ بشيء في داخلها بالرغم من كل أتعابها، تطلب شهادة من الخارج...

يتكئ المرائي على هذا البيت من الإطراء باطلاً، لأنه في يوم الدينونة لن تثبت شهادة بشرية. فإن المديح الذي ناله شهادة له تقبله كأجرة له.

البابا غريغوريوس (الكبير)

المسيحي وهو يسلك على الأرض بروح المسئولية والالتزام في كل ما يؤتمن عليه، يحمل لمسة سماوية في أفكاره كما في أحاسيسه ومشاعره، تترجم في كلماته وسلوكه الظاهر. حياتنا هي مدرسة إلهية خلالها نتعلم ونتدرب على الحياة السماوية، في كل اتجاهات حياتنا.

     أريدكم أن تحفظوا أذهانكم في هذه الأمور على الدوام (كو 1:3). فإن اهتمامنا بها يحررنا من الأرض وينقلنا إلى السماء[365].

القديس يوحنا الذهبي الفم

     يحق لنا أن نكون هناك في حضرة الله في السماوات، نحن الذين حفظنا الدرس بينما كنا على الأرض، وذهبنا هناك إلى السماء كي نكون في محبة الله الآب، ذاك الذي عرفناه ونحن على الأرض، ولأن الله الكلمة القدوس صنع كل شيء وعلمنا ويعلمنا كل شيء، وهو يدربنا في كل الأمور الصالحة[366].

القديس إكليمنضس الإسكندري

     عندما تتحقق إرادة الله بواسطتنا نحن الذين على الأرض كما تتحقق في الذين هم في السماء نتشبه بالسمائيين إذ نحمل مثلهم صورة السماوي (1 كو 49:15) ونرث ملكوت السماوات (مت 34:25). ويأتي الذين بعدنا وهم على الأرض يصلون لكي يتشبهوا بنا إذ نكون نحن في السماء (الفردوس)[367].

العلاّمة أوريجينوس

هُوَ رَطْبٌ تُجَاهَ الشَّمْسِ، وَعَلَى جَنَّتِهِ تَنْبُتُ أَغْصَانُهُ [16].

جاء كلمة الله المتجسد "شمس البرّ" الذي يشرق على الجالسين في الظلمة ليتمتعوا بنور البرّ، فيصيروا أبناء النور، وأبناء النهار. الشمس التي تنقلنا من ظلمة القبر إلى نور السماء، تجفف العشب. هذا هو عمل السيد المسيح الذي أقام البشرية من موت الخطية ودخل بها إلى أحضان الآب، أما الجاحدون الذين يصرون على عدم الإيمان به، فيجفون ويتأهلون للنار الأبدية.

     "يرى رطبا قبل مجيء الشمس". كثيرًا ما يُمثل الرب في الكتاب المقدس بلقب "الشمس"، كما قيل بالنبي: "ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البرّ" (مل 4: 2). الأشرار الذين يطردون في الدينونة يُوصفون في سفر الحكمة: “لقد ضللنا عن طريق الحق، ونور البرّ لم يشرق علينا، والشمس لم تشرق علينا" (حك 5: 6). لهذا فانه قبل الشمس يُرى البردي رطبًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

وَأُصُولُهُ مُشْتَبِكَةٌ فِي الرُّجْمَةِ، فَتَرَى مَحَلَّ الْحِجَارَةِ [17].

يقيم منا حجر الزاوية حجارة حية مبنيين في بيت الرب، في الهيكل السماوي. أما الأشرار فيتعثرون في حجر الزاوية، فيسقطون ويهلكون.

يستخدم الأب هيسيخيوس الأورشليمي الترجمة السبعينية (LXX)، بينما يرجع البابا غريغوريوس (الكبير) للفولجاتا.

     "يسقط على كومة من الحجارة، ويحيا وسط صوان"... يُشار إلى الناس في الكتاب المقدس بالحجارة، كما قيل للكنيسة المقدسة بإشعياء: “وأجعل شرفك ياقوتًا، وأبوابك حجارة منحوتة (بهرمانية)" (إش 54: 12)...

عبر بطرس عن ذلك بتقديمه النصيحة: "كونوا أنتم أيضا مبنيين كحجارة حية، بيتًا روحيًا" (1 بط 2: 5). هنا إذ يدعوهم حجارة لم يدعهم بأي حال "حجارة حية"، إنما باللقب المجرد للحجارة، إنه يقيم المفقودين والمختارين ممتزجين معًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     "ينام على كومة من الحجارة، ويعيش بين الحصى" هذه تخص أولئك الذين تكلم عنهم إشعياء: "هيئوا طريق الشعب... نقوه من الحجارة" (إش 62: 10). وأيضا: هيئوا الطريق، ارفعوا المعثرة من طريق شعبي" (إش 57: 14؛ 1 مكابيين 5: 4؛ مز 140: 6). يستنزف (العدو) ويجرح نفسه بموتٍ عضالٍ، عندما ننقي طرقنا من الشباك والحجارة المعثرة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِنِ اقْتَلَعَهُ مِنْ مَكَانِهِ يَجْحَدُهُ قَائِلاً: مَا رَأَيْتُكَ [18].

يقدم تشبيهًا آخر للمرائي وهو الشجرة الجميلة المزدهرة، التي تحتفظ بخضرتها بالرغم من أشعة الشمس، وجذورها ثابتة في التربة الصخرية، لا تزعزها الرياح. هذه الشجرة متى ضربها الفأس تُستأصل تمامًا ولا يبقى لها علامة في المكان الذي زُرعت فيه.

المرائي كالشجرة التي يشتهي الكل أن يتمتع بمنظرها، لكن إذ ضرب الرياء كالفأس بجذورها، تفقد حيويتها وثمارها وجمالها. تصير كالعذارى الجاهلات اللواتي لهن كل مظهر العذارى الحكيمات، لكن ليس لديهن زيتًا، فلا يحملن نورًا يخرج من مصابيحهن. يبقين في الظلمة، عاجزات عن الدخول في حجال العريس السماوي، حيث لا يمكن للظلمة أن يكون لها موضع فيه.

     "إن كان الله يلزم أن يهلكه، فإن مكانه يجحده". يهلك المرائي من مكانه، عندما يُنزع من مديح الحياة الحاضرة بتدخل الموت. لكن الشاهد الداخلي يجحده، وهكذا يهلكه، وتثبت أن الله لا يعرفه، إذ بعدل يدين حياة المتظاهر. الحق لا يعرفه، ولا يتعرف على الأعمال الصالحة التي مارسها. فإنه لم يمارسها بهدفٍ سليمٍ في الفكر. لهذا عندما يأتي الله إلى الدينونة سيقول للعذارى الجاهلات: "الحق أقول لكن إني لا أعرفكن" (مت 25: 12). فإنه إذ يرى فساد الفكر يدين حتى عدم الفساد الذي في الجسد.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     "إن كان أحد يُبتلع، فالموضع يجحده". يقصد بالابتلاع في الكتاب المقدس ما قاله النبي إشعياء: "يُبتلع الموت إلى الأبد، ويمسح السيد الرب كل دمعة عن كل وجه" (إش 25: 8). لهذا السبب فإن "موضعه سيجحده"، لأن الابتلاع الذي به ابتلع الموت آدم (راجع رو 5: 17) حثه على عصيان أوامر الله (تك 2: 17)، يبتلع الموت نفسه لدماره.

لكن "موضعه يجحده". أي موضع؟ ربما هذا يخص الموت، لأن موضع الخائن هو الموت.

أيضا يمكن القول: "يمسح كل دمعة عن كل وجه" (أش 25: 8). جعل (السيد المسيح) آدم مجيدًا بصلبه وموته وقيامته، ويحول للعدو مكر الواشي. لقد خلص آدم، واُغتصبت اللعنة بواسطة ذاك الذي تنتمي إليه كل الموجودات.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

هَذَا هُوَ فَرَحُ طَرِيقِهِ، وَمِنَ التُّرَابِ يَنْبُتُ آخَرُ [19].

هذا هو مصير الشرير الرائي، فإنه كان يظن أن رجاءه يتحول إلى فرحِ. فانه يُقتلع كالشجرة ويحل محله آخر، في ذات الموضع.

 

5. دعوة للكمال


بعد أن استعرض صورًا مؤلمة عن الإنسان المرائي ويقصد به "أيوب"، يقدم لنا صورة مبهجة للإنسان الكامل، مطالبًا أيوب أن يترك رياءه ليسلك طريق الكمال. ولعله وهو يصف ما يتمتع به الإنسان الكامل من رضا الله عنه وعن ذبائحه وتقدماته، وكيف يملأ فمه فرحًا وشفتيه هتافًا، ويتمتع بالنصرة على الأعداء الذين يحزنهم الرب، وضع أمام نفسه والصديقين أليفاز وصوفر. وكأنه يدعو أيوب أن يترك شره الخفي ويقتدي بأصحابه الثلاثة، الذين في ذهن بلدد هم كاملون. يرى بلدد أن خيمة أيوب الشرير لم يعد لها وجود، أما هم فلهم مساكنهم محصنة بالله، يرى الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن ما تحدث به بلدد بخصوص الكاملين في الرب ينطبق على أيوب، ففيما هو يتهمه بالشر ويدعوه إلى الكمال، إذا به يدافع عنه وهو لا يدري.

هُوَذَا اللهُ لاَ يَرْفُضُ الْكَامِلَ،  وَلاَ يَأْخُذُ بِيَدِ فَاعِلِي الشَّرِّ [20].

في ختام حديثه يلخص بلدد فهمه اللاهوتي الأدبي وهو أن الله لا يرفض الكامل، بل يستجيب لطلبه حتى وإن بدا كأنه قد رفضه. ويحول نوحه إلى رقصٍ وفرحٍ، فيملأ فمه الداخلي بالضحك الروحي. عندئذ يخزى الذين عيروه حينما يرونه قد عاد على رخائه الأول وفرحه. يصير لباسهم هو الخزى والعار عندما يرونه متوجًا بالمجدِ

يقابل هذا أن الله لا يسند فاعلي الشر ويبيد خيمهم. ولعله أراد أن يلمح هنا إلى أيوب بكونه شريرًا لم يسمع الله لصرخاته، وقد أباد مسكنه تمامًا مع أسرته.

هذا هو حكم بلدد على أيوب الذي ينصحه أن يرجع عن شره ويتوب ويتهمه بالشر والرياء. حكم عليه وهو لا يعلم ما في قلبه ولا ما في فكره، بل لا يعلم ما دار بين الله والشيطان في السماء.

     علي أي الأحوال فإن أيوب ليس بالإنسان الشرير، ولا بالجندي الشرير. على العكس يمكن للشخص أن يطبق عليه ما أضافه بلدد وهو غير مدرك أنه فيما هو يتهمه إذا به يصير مدافعًا عنه.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     بالتأكيد عندما يظهر الكامل في الدينونة يرفع في الحال من حال البسطاء المرذولين ويمجدهم، ويحطم عظمة أصحاب الفكر الشرير ويدينهم... هكذا لا يمد الله يده للأشرار في الفكر حيث أن كل الذين يطلبون المجد الأرضي يتركهم أسفل، حتى وإن كانوا قد فعلوا أمورًا صالحة، أيا كان صلاحها، فانه لا يهبهم الأفراح العلوية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

عِنْدَمَا يَمْلأ فَمَكَ ضَحِكًا،  وَشَفَتَيْكَ هُتَافًا [21].

يدعو بلدد أيوب لترك الشر والسلوك في طريق الكمال، لكي يتمتع بالضحك الروحي، والفرح في الرب. هذا الفرح الذي ينعم به المؤمن الحقيقي، حيث يحمل في داخله ربنا يسوع مُفرح القلوب.

المسيحية دعوة للتمتع بفرح السماء، فإن كان مسيحنا قد نزل من السماء متجسدًا، إنما لكي يحملنا إلى سماواته عروسًا متهللة بعريسها، لهذا يدعونا الرسول بولس وهو في السجن: "افرحوا في كل حين، وأقول يا إخوتي افرحوا".

يرى القديس أنبا أنطونيوس أن الفرح هو طعام النفس، بدونه تجوع وتموت. الفرح الداخلي السماوي يسند النفس في تغربها عن موطنها السماوي، ويهيئ الجسد ليحمل سمة أشبه بالروحانية، فيتهيأ ليصير جسدًا روحانيًا في يوم الرب العظيم.

     كما أن الأشجار إن لم تشرب من الماء لا يمكنها أن تنمو، هكذا النفس إن لم تقبل الفرح السماوي لا يمكنها أن تنمو وتصعد إلى العلاء. أما النفوس التي قبلت الروح والفرح السمائي فهي التي تستطيع الارتفاع إلى العلاء… فقد انكشفت لها أسرار ملكوت السماوات وهي بعد في هذا الجسد، ووجدت دالة قدام الله في كل شيء، وكملت لها جميع طلباتها.

     النفس دائما تتربى بهذا الفرح وتسعد به، وبه تصعد إلى السماء، فهي كالجسد لها غذاؤها الروحي.

القديس أنطونيوس الكبير

     من نظر في ذاته إلى ربنا، وامتزجت نفسه بنوره، يمتلئ قلبه بالفرح.

           الشيخ الروحاني

     لا يليق بالإنسان أن يضحك في كل الأوقات فيكون كحيوانٍ ضاحكٍ... فالأحمق يرفع صوته عندما يضحك" (ابن سيراخ 23:21). أما الإنسان العاقل فيبتسم بشكل لا يلفت النظر...

ومن الجانب الآخر يليق بالإنسان ألا يكون مكتئبًا متجهمًا، بل فقط جادًا. لأني أفضل لمن كانت له ملامح صارمة أن يبتسم.

الابتسامة هي إحدى مبادئ التربية وموضوعاتها[368].

القديس إكليمنضس السكندري

     الفرح الحقيقي هو فرح الحياة الأخرى، حيث لا تعذب النفس وتتمزق بالشهوة[369].

القديس يوحنا الذهبي الفم

     ملكوت الله داخلكم يعنى الفرح الذي يغرسه الروح القدس في قلوبكم، بكونه أيقونة وعربون للفرح الأبدي الذي تتمتع به نفوس القديسين[370]. 

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

     "أفواه المخلصين تمتلئ ضحكًا، وشفاههم بهجة". انتبه يا بلدد، وبسرعة تطلع إلي كلماتك وزنها... لكن "لا يمتلئ" بالحق إلا فيما بعد في الدهر الآتي، حيث تنتظر أيوب النعمة، وذلك بكونه إنسانًا مخلصًا. هناك أيضا سيتمتع بشفاهٍ مملوءةٍ بعمل النعمة، بمعنى مملوءة بالشكر لله.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     أعلن المسيح عن الضحك الصادر عن الفرح والبهجة كما يقول الكتاب المقدس في أيوب: "يملأ الفم الحق ضحكًا" (أي 8: 21). ربما لهذا السبب دُعي اسم أحد الآباء (البطاركة أي اسحق) "الضحك"، لأن الاسم يعني البهجة الإلهية[371].

العلامة أوريجينوس

     "عندما يملأ فاك ضحكًا، وشفتيك هتافًا" [21]. فم الأبرار سيمتلئ ضحكًا عندما تكمل دموع رحلتهم، وستمتلئ قلوبهم بالكامل بهتاف الفرح الأبدي. بخصوص هذا الضحك يقول الحق لتلاميذه: "الحق الحق أقول لكم إنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح" (يو 16: 20). مرة أخرى: "سأراكم أيضا فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 16: 22). بخصوص هذا الضحك الذي للكنيسة المقدسة يقول سليمان: "تضحك في اليوم الأخير" (أم 31: 25). قيل أيضًا إن من يخاف الرب يسير ذلك معه حسنًا حتى النهاية. لا يوجد هناك ضحك الجسد، بل ضحك القلب...

البابا غريغوريوس (الكبير)

يَلْبِسُ مُبْغِضُوكَ خِزْيًا، أَمَّا خَيْمَةُ الأَشْرَارِ فَلاَ تَكُونُ [22].

     "يلبس مخاصموك خزيًا"، سواء كانوا المنظورين أو غير المنظورين... فقد لبس المصري الخزي عندما رأى يوسف (تك 39: 20-21). صارت إيزابيل في نفس الوضع عندما رأت إيليا يشترك في وضع القديسين، ذاك الذي اضطهدته بطغيان (1 مل 19: 2)، أيضا المخاصمون لأيوب غير المنتصرين لبسوا أيضًا خزيًا عندما رأوا أيوب متهللاً بين الملائكة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     إذ يرون أمام عيون ذهنهم أفعالهم الشريرة الماضية تتدفق، يلبسهم الإثم من كل ناحية، وينحدر بهم بثقله. عندئذ يعانون من ذكرى شرورهم وهم يُعاقبون.

البابا غريغوريوس (الكبير)

 

 
تفسير سفر أيوب اصحاح9 PDF Print Email

الحاجة إلى مُصالح وسيط


يجيب أيوب على بلدد في الأصحاحين التاسع والعاشر.

لم تُقدم هذه الحوارات بلا هدف، فقد كان لكل صديقٍ لمسته الخاصة للمشكلة. أما أيوب صاحب المشكلة، فكان في جدية يبحث عن حلٍّ أو آخر. يتكلم عن الله بوقارٍ، وعن نفسه في تواضعِ، وعن متاعبه في انفعالٍ، لكنه لم ينطق بكلمةٍ واحدةٍ لتوبيخ أصدقائه، أو اتهامهم بالقسوة عليه. كما لم يجب مباشرة على بلدد.

يتفق أيوب مع بلدد في الخطوط الخاصة بأحكام الله السلوكية، ولكن كيف يمكن لنا الالتقاء مع الله وجهًا لوجه عندما تبدو أعماله وخططه فائقة؟ إنه دومًا يغمرنا بحكمته وقوته [٣-٤]. لكن خلال ما يعانيه أيوب يتطلع إلى الله فيراه عنيفًا. حقًا إن الله يدبر الطبيعة ويهتم بها، ولكن هذا – في نظره – لا يهبه تفسيرًا لمشكلة الألم التي حلت به.

الآن بدأ أيوب بموافقة أصحابه على أنه لا يستطيع إنسان أن يكون بارًا أمام الله، وعلى قول بلدد إن الله لا يعوج القضاء (3:8).

ثم يتكلم عن حكمة الله وقدرته وقد استقاها أيوب من مملكة الطبيعة، التي يعمل فيها إله الطبيعة بقدرة لا تُقاوم. يفعل ما يرضيه وكل نظم الطبيعة وقواتها مستمدة منه، وتعتمد عليه. فهو يستطيع أن يزحزح في الجبال ويجعل أعمدة الأرض تتزلزل، ويتحكم في الشمس والنجوم.

ثم يثبت برَّه بقوله: "كامل أنا لا أبالي بنفسي، فرذلت حياتي" [21]. أي أنه يتمسك ببرِّه، ولو كلفه حياته، وينكر أيوب على بلدد قوله إن الله يميز في معاملته للناس بين الكامل والشرير (20:8). ثم يرجع أيوب إلى التأمل في حالته الخاصة [25-31]. إنه لا يمكن أن ينسى ألمه أو يتعلل بالرجاء، لأنه يشعر بأن الله يحكم عليه ولا يزال يعامله كنجسٍ.

يرى أيوب أن الله قد طرحه كمن هو في غضبٍ شديدٍ من جهته، وأن رجاءه الوحيد هو أن يلتقي معه وجهًا لوجه ليحقق له العدالة، لكن لا يزال غير الممكن الوصول إليه، حتى في المحكمة يتعامل الله معه كما لو كان قاضيًا غير عادلٍ. يكتشف الحاجة إلى وسيط بين الله غير المنظور والناس. اشتاق أيوب أن يجد هذا الوسيط الذي يستطيع أن يقدمه لله القدير. يترجى أيوب لو كان له وسيط لدى الله، أو يتخلى الله عن عصا سلطانه ويصير بشريًا لمرة واحدة!

لم يكن ممكنًا لأيوب أن ينسى آلامه [٢٥-٢٨]، وأن الله يبدو كمن هو مصمم على إظهار أيوب أنه نجس ومذنب. يحاول أيوب أن يجعل من نفسه أن يكون أبيض كالثلج، وطاهرًا كما بالزوفا [٢٩-٣١].

لقد قدم لنا أيوب مفهومًا إنجيليًا صادقًا عن التطهير من الخطايا.

طلب أن يرى الله مذلته، ويتطلع إلى حالته بعين الشفقة، وأن يمنحه الله بعض الراحة، ثم يتأمل في إمكانية إيجاد المصالحة [32-39]. وإنما يجد صعوبة في أن معاملته ليست مع إنسان مثله بل مع الله، ويشعر أن كل محاولة يثبت بها أنه بريء عقيمة، لذا يتوق إلى مُصَالِح حكيم يوفق بينهما ويصالحهما [33].

يشتكي أيوب من الله فيتحدث عنه بصيغة الغائب. كيف الحوار معه، وهو لا يسمع ولا يحاور، وإن الله يجازي البار والخاطئ على السواء، حين تأتي الكارثة ويُقتل الأبرياء، يهزأ الله بالضيقات التي تصيبهم [32-33]. إنه في حيرة عظيمة بين الشعور بظلم الله نحوه وبين تذكر الشركة المباركة معه في الماضي. واضح إن مشاعر أيوب تنطوي على شيئين متناقضين فهو يعتقد أنه على صواب، ولكنه لا يعرف كيف يثبت ذلك، فحتى الآن لم يوجه إليه اتهام محدد من الله. وفي نفس الوقت إذا دخل في مواجهة مع الله يخشى ألا يتمكن من الدفاع عن نفسه بنجاح.

1. لن يتبرر أحد أمام الله                1-2.

2. البرهان على ذلك                   3-13.

3. عجزه عن أن يحاجج الله         14-21.

4. لا نحكم حسب الظاهر           22-24.

5. هول متاعبه وحيرته              25-31.

6. الحاجة إلى وسيط                32-35.

 

 

1. لن يتبرر أحد أمام الله


فَقَالَ أَيُّوبُ: [1]

صَحِيحٌ. قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ كَذَا. فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟ [2]

لم يدافع أيوب عن اتهام بلدد له بكثرة الكلام (أي 8: 2). كذلك كشف له أنه يتفق معه في مبدأ: "الله لا يعوج القضاء، وأن الأتقياء محفوظون بعناية الله، وأن الشرير يهلك بشره".

لكنه تساءل: "كيف يتبرر الإنسان عند الله؟". لا يحمل هذا التساؤل روح التذمر، ولا يحمل ثورة ضد صرامة الله، وإنما هو اعترف بالواقع أن الله إن عاملنا حسب استحقاقنا لهلك كل البشر، لأنه ليس بار في عيني الله، ليس ولا واحد.

إذا ما تطلع أيوب إلى نفسه مقارنًا نفسه بمن هم حوله يرى أنه بار، لكن إذ يتطلع إلى الله القدوس البار، يجد نفسه ليس بطاهرٍ، ولا يقدر أن يتبرر أمامه. فإنه حتى ملائكته القديسين لن يتبرروا أمامه. يقول المرتل: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حيٌ" (مز 2:143).

لن يقدر أحد أن يتبرر أمام الله سوى كلمته الأزلي الذي صار إنسانًا بلا خطية وحده، من يختفي فيه يحمل برَّه، فيتبرر أمام الرب.

يقول الرسول: "ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء" (1 كو 30:1)، "وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحق" (أف 24:4).

     انظروا كيف يعترف أيوب أيضًا بخطاياه (9: 2-3، 19-20، 30؛ 13: 26-5:14، 16:14، 17). يقول أنه متأكد أنه لا يوجد بار أمام الرب. هكذا هو متأكد من هذا أيضًا أننا إن قلنا إننا بلا خطية، فالحق ليس فينا. بينما يقدم الله شهادة سامية عن برِّه بالنسبة لمستوى السلوك البشري، إلا أن أيوب نفسه يعرف الحقيقة أنها هكذا حيث يقول: كيف يتبرر المائت أمام الرب؟ إن شاء أن يحاجه لا يقدر أن يجيبه"[372].

 القديس أغسطينوس

     نراه من خلال كلماته يعبر عن نفسه بطريقة رائعة بكونه ورعًا وفاضلاً، إذ يقدم سلوكه كتقدمه لله، مكيفًا كلماته لحساب مجد الله. حتى عندما يتكلم من نفسه، أو عند إثارة زوجته له، وعندما أغضبه أصدقاؤه، بل وعندما سحب الواشي (إبليس) حنجرته ليجدف، لم يتوقف البار عن تمجيد الله. "أبارك الرب في كل حين" (مز 34: 1).

بطريقة أفضل صحح أيوب كلمات أصحابه الذين أهانوه، محولاً كل ما نطقوا به ضد المصارع في حقدٍ واستخفافٍ نحو أيوب البارع إلى بركة من أجل الله. إن قلت: كيف ذلك؟ تعلم هذا، فإن بلدد بنية حاقدة في عبارته بدأ بهذه المقدمة: "هل الرب يعوج القضاء أو الصانع كل الأشياء يعكس الحق؟" (8: 3) ماذا يمكن لأيوب أن يقول عن هذا؟ كيف يجيب خصمه محولاً بطريقة عجيبة ما قد عني به أن يصرعه؟ لنصغ، "فأجاب أيوب وقال: "صحيح قد عرفت أنه كذا. فكيف يتبرر الإنسان المائت عند الرب؟" [1-2].

لماذا تهين أيوب كمن هو ليس ببارٍ؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     أجابهم أيوب: "صحيح، قد علمت إنه كذا. فكيف يتبرر الإنسان المائت عند الله؟ لأنه إن شاء أن يحاجه لا يسمعه، فلا يجيبه عن كلمة واحدة بألف كلمة، لأنه حكيم في فهمه وقوي وعظيم، فمن هو صلب بما فيه كفاية حتى يقوى على الوقوف أمامه؟ الذي يجعل الجبال تشيخ وهي لا تعلم! والذي يقلبها في غضبه. المزعزع الأرض من أساساتها، فتزلزل أعمدتها! يتحدث إلى الشمس، فلا تشرق ويضع ختمه على النجوم. الباسط السماوات وحده والماشي على البحر كما على أرض ممهدة، صانع النعش (أو العاس ّPleiades)[373] ونجمة المساء Evening star والدب الجبار (العظيم) Great Bear ومخادع الخيول.

فاعل عظائم لا تُفحص، وعجائب لا تعد، مجيدة وبلا قياس ولا عدد. إن مرّ عليّ لا أراه، وإن اجتاز بي فلا أدرك كيف؟" (أي 2:9-11 LXX). كم كان بوقه أقوى، حينما جعله يهتف بخصوص قدرة الرب! لكن في هذه القوة ينال البار عوناً لا هلاكًا. حقًا بينما تبدو أنها قدرة الرب هي التي توصف، إذا في الحقيقة أسرار فدائنا تُستعلن![374]

القديس أمبروسيوس

     إنه الكنز الذي أُعطي لهم في هذه الحياة ليمتلكوه في داخل نفوسهم، الذي "صار لنا حكمة الله وبرًّا وقداسةً وفداءً" (1 كو 1: 30). فالذي وجد كنز الروح السماوي وامتلكه يتمم به كل برّ الوصية وكل تتميم الفضائل بنقاوةٍ وبلا لومٍ، بل بسهولة وبدون تغصبٍ.

لذلك فلنتضرع إلى الله، ونسأله ونطلب منه بشعور الاحتياج، أن ينعم علينا بكنز روحه، لكي ما نستطيع أن نسلك في وصاياه كلها بطهارةٍ وبلا لومٍ، ونتمم كل برّ الروح بنقاوة وكمال، بواسطة الكنز السماوي، الذي هو المسيح[375].

القديس مقاريوس الكبير

     إذ يخضع الإنسان لله يتقبل برًّا، أما من يقف أمامه فيفقد البرّ. فإن من يقارن نفسه بمصدر كل الخيرات، يحرم نفسه من الصلاح الذي ناله. من ينسب لنفسه البركات الموهوبة له من الله يحارب الله بذات عطايا الله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     برّ الله هو المسيح، يقول الرسول: "صار لنا من الله حكمة وبرًّا وقداسة وفداءً"؛ كما هو مكتوب "من يفتخر فليفتخر في الرب".

برّ الله الذي هو عطية النعمة بدون استحقاقات، لا يُعرف بواسطة أولئك الذين يريدون أن يُقيموا برّهم الذاتي، فلا يخضعون لبرّ الله الذي هو المسيح.

في هذا البرّ نجد غنى عذوبة الله التي يقول عنها المزمور: "ذوقوا وانظروا ما أعذب الرب" (مز 8:43)[376].

القديس أغسطينوس 

2. البرهان على ذلك


إِنْ شَاءَ أَنْ يُحَاجَّهُ لاَ يُجِيبُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَلْفٍ [3].

لا يستطيع إنسان ما أن يباري خالقه في المناقشة أو في النضال. لا يقدر الإنسان أن يجيب عن سؤال واحدٍ من بين كل ألف سؤال يقدمه الله له. لقد تكلم الله مع أيوب وعرض عليه عدة أسئلة، ووقف أيوب عاجزًا عن الإجابة عن أي سؤال منها (أي 38، 39). هكذا تقف حكمة الإنسان صامته في عجز أمام حكمة الله الفائقة.

يوجه الله إلى الإنسان ألف اتهام، ولا يجد الإنسان إجابة ليبرر ما يفعله ولو في أمرٍ واحد من الألف، لأن الله لا يخطئ في حكمه. وهو يعرف أعماقنا أكثر من معرفتنا نحن لأنفسنا. ليس لنا إلا أن نضع أيادينا على أفواهنا كما فعل أيوب (أي 40: 4-5).

     ألم اعترف لك بمعاصي، يا إلهي، وأنت نزعت أثم قلبي؟ إنني لا أناضل في المحاكمة معك، إذ أنت هو الحق. لست أود أن أخدع نفسي، لئلا يقف إثمي ضد نفسه. لذلك لست أجادل في أحكامك، لأنك "إن كنت تراقب الآثام يا رب فمن يقف؟" (مز 130: 3)[377].

     لست أجادل في المحاكمة معك، يا من أنت هو الحق. لن أخدع نفسي، لئلا تقف آثامي ضد الحق. لذلك لن أناضل في المحاكمة معك. لأنك إن كنت تراقب الآثام يا رب فمن يقف أمامك؟ (مز 3:130)[378].

     الله وحده هو البارّ والذي يبرّر، يهب الإنسان البرّ.

إنهم يطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم، بمعنى أنهم يظنّون بأن الصلاح هو من عندهم لا عطيّة إلهية. بهذا "لم يخضعوا لبرّ الله" (رو 10: 3)، لأنهم متكبرون ويحسبون أنهم قادرون على إرضاء الله بذواتهم لا بما لله[379].

القديس أغسطينوس

     في الكتاب المقدس رقم 1000 عادة ما يشير إلى "المجموع الكلي".... يقول المرتل: "الكلمة التي أوصي بها ألف جيل" (مز 105: 8 )... هكذا قيل بيوحنا الرائي: "يملك معه ألف سنة" (رؤ 20: 6)، لأن ملك الكنيسة المقدسة يتم حيث يصير كاملاً في مجموعه...

الآن من يناضُل مع الله لا يُنتسب إليه، بل ينسب لنفسه مجد صلاحه. ليت الإنسان القديس يعتبر أن ما قد ناله فعلاً حتى أعظم العطايا أهمية إنما إذا تمجد إنما بسبب ما ناله كهبة... وليقل: "من يحاججه لا يقدر أن يجيب واحد عن ألف". لأن من يناضل مع خالقه يعجز عن الإجابة عليه عن واحد من ألف. فإن الإنسان الذي يضع نفسه في موضع الكمال يبرهن على أنه ينقصه حتى بداية الحياة الصالحة نفسها.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     "إن كنت تراقب الآثام يا رب، يا رب فمن يقف؟" (مز 3:130). بمعنى أن كل أحدٍ يقول: "أنا خاطي، إني مملوء بخطايا بلا حساب، لا أقدر أن أقترب إلى الله وأصلي وأدعوه"... إنه مستحيل بالنسبة لأي أحدٍ أن يقدم حسابًا دقيقًا عن شئونه، وإنما يطلب الرحمة والحنو. نقول هذا، لا لنسحب النفوس إلى عدم المبالاة، بل لنقدم تعزية لأولئك الذين سقطوا في اليأس. "من يقول: إني زكيت قلبي، وتطهرت من خطيتي" (أم 9:20) فليتذكر: "من يثق في أنه حرٌ من الخطايا؟[380]"

القديس يوحنا الذهبي الفم

هُوَ حَكِيمُ الْقَلْبِ وَشَدِيدُ الْقُوَّةِ. مَنْ تَصَلَّبَ عَلَيْهِ فَسَلِمَ؟ [4]

إن تجاسر أحد وأصر على عناده وتمرده على الله، حتما يجني ثمر حماقته. كل الذين تحدوا ولم يتوبوا لم يسلموا، ولا وجدوا سلامًا في أعماقهم، وراحة في طريقهم، ونجاحًا في أعمالهم. كل مقاومة الله تشبه العشب أو الشوك الذي يتحدى النار فيحترق ويهلك (إش 27: 4؛ حز 28: 24).

الملائكة الذين تصلبوا على الله لم يسلموا (2 بط 2: 4). وإذ حارب التنين الله طُرح إلى الأرض (رؤ 12: 7-9). هكذا الخطاة المتمردون "يذخرون لأنفسهم غضبًا في يوم الغضب" (رو 2: 5).

إنه لجنون مطبق أن يقف الإنسان ليقاوم الله أو يناضل ضد الكلي الحكمة والقدرة، العارف بكل شيء والقادر على كل شيء.

من يريد السلام الحقيقي لا يدخل في خصومة مع الله، بل يقبل السيد المسيح الذي هو سلامنا، يهبنا المصالحة مع الله أبيه، ومع نفوسنا ومع إخوتنا، بل ومع الطبيعة نفسها.

     "فإنه هو حكيم في القلب، وقدير في القوة". أي عجب إن دعونا خالق الحكماء حكيمًا، هذا الذي نعرف أنه الحكمة ذاتها؟ وأي دهشة أن يصفه ب "القدير"، حيث أنه هو القدرة ذاتها؟ لكن القديس إذ يسَّبح الخالق بهاتين الكلمتين ينقل إلينا المعنى حيث يدعونا أن نرتعب عند معرفتنا لأنفسنا. فإن الله يدعى "الحكيم" إذ يعرف تمامًا أسرار قلوبنا، كما يضيف "القدير"، إذ معروف أنه يضربهم بقوةٍ. لذلك فإنه لا يُخدع بواسطتنا إذ هو حكيم، ولا نقدر أن نهرب منه لأنه قوي...

"من يقاومه ويكون له سلام؟" لأن خالق كل الأشياء بطريقة عجيبة هو نفسه يديرها، حتى إذ خلقت تعمل معًا في تناغمٍ. لهذا فإن أية مقاومة ضد الله تكسر التناغم معًا في سلام، ولا يمكن إدارة هذه الأمور حسنًا، إذ تفقد الإدارة التي من فوق. إن خضعت هذه الأمور لله تستمر في السلام، وإن تركت لذاتها تعمل في تشويش... أب الجنس البشري الأول إذ عصى وصية خالقه تعرض لغطرسة الجسد، وإذا لم يخضع لخالقه في طاعة له، ينحط بذاته حتى يفقد سلام الجسد...

الآن يُقال إننا نقاوم الله حينما نعارض تدبيره. ليس أن ضعفنا يقاوم قراراته غير المتغيرة، ولكن ما يفعله ضعفنا ليس فيه قوة لإتمامه. لكن إن حاول الضعف البشري غالبًا ما يعرف قوة تدبيره، ومع هذا يهدف نحو معارضته قدر استطاعته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     من يطلب السلام يطلب المسيح، إذ هو السلام[381].

القديس باسيليوس الكبير

     يقول: "(المسيح) هو سلامنا" (أف 14:2). يدعوه في موضع آخر وسيطًا. إنه بإرادته يتوسط بين مجالين منقسمين.

النفوس المولودة من ينبوع صلاح الله، حُجزت في العالم. وُجد حاجز في الوسط، نوع من السياج. حاجز من صنع خداعات الجسد والشهوات العالمية. والمسيح بسٌَره، بصليبه وآلامه وطريق حياته، حطم هذا الحاجز. لقد هزم الخطية وعلَّم أنه يلزم تحطيمها.

نزع الحاجز من الوسط. لقد غلب العداوة في جسده. العمل ليس عملنا نحن. لم نُدع لنحرر أنفسنا.

الإيمان بالمسيح هو خلاصنا[382].

الأب ماريوس فيكتورينوس

الْمُزَحْزِحُ الْجِبَالَ وَلاَ تَعْلَم، الَّذِي يَقْلِبُهَا فِي غَضَبِه ِ[5].

كثيرًا ما نتطلع إلى الجبال في الطبيعة فنظنها ثابتة ومستقرة، ليس من يقدر أن يحركها أو يزحزحها، لذا دُعيت "الجبال الدهرية" (حب 3: 6)، وتبدو الشمس والمسكونة بقوانينها ثابتة، لكن عندما يشاء الرب السماء والأرض تزولان، وأيضًا الجبال تتزحزح بكلمة منه. إلهنا هو "المزحزح الجبال ولا تعلم"، أي إن أرادت أو لم ترد. هو إله المستحيلات،  أمامه ارتعد جبل سيناء (مز 68: 7)، وقفزت الجبال (مز 114: 4)، واندكت أو تبددت الجبال الدهرية (حب 3: 6).

"تهتز الجبال من أساسها مع المياه، والصخور كالشمع تذوب أمام وجهك" (يهوديت 18:16).

"ارتجفت الأرض وارتعشت، أسس الجبال ارتعدت وارتجت، لأنه غضب" (مز 7:18)

"ذابت الجبال مثل الشمع قدام الرب، قدام سيد الأرض كلها" (مز 5:97)

"يمس الجبال فتدخن" (مز 32:104).

"الجبال قفزت مثل الكباش، والآكام مثل حملان الغنم" (مز 4:114).

"انزل ألمس الجبال فتدخن" (مز 5:144).

     ما هي الجبال التي جعلها الرب تشيخ؟ إنها موسى وهرون ويشوع بن نون وجدعون والأنبياء وكل رجال أسفار العهد القديم. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لقد جاء الرب يسوع، واحضر العهد الجديد، وما قد صنعه (قبلاً) صار قديمًا. تجدد المسيحي وشاخ اليهودي؛ النعمة تجددت، والحرف شاخ. لقد تزحزحت الجبال وانتقلت. نعم لقد زحزح المفهوم الذي بحسب الحرف، وهدمه، وأقام الإدراك الذي بحسب الروح. لهذا فإن فهم الناموس حسب الجسد قد عبر وصار الناموس روحيًا. لهذا يقول الرسول: "فإننا نعلم أن الناموس روحي، وأما أنا فجسدي" (رو 7: 14). ولكن هو نفسه الذي كان جسديًا صار روحيًا، كما يؤكد الرسول قائلاً: "أظن إني أنا أيضًا عندي روح الله" (1 كو 7: 40). هكذا جعل يسوع هذه الجبال تشيخ ولم يعلم اليهود ذلك. حقًا لو عرفوا ذلك لما صلبوا رب المجد، ولما اتبعوا الخرافات اليهودية[383].

القديس أمبروسيوس

     نقول إن اليهود، بالرغم من سابق تمتعهم بعطف الله إذ كانوا محبوبين منه أكثر من غيرهم، إلا أن هذا التدبير والنعمة الإلهيين قد تحولا إلينا، عندما نقل يسوع السلطان العامل بين اليهود إلى مؤمني الأمم[384].

     عندما خاطب يسوع اليهود بقوله: "ملكوت الله ينزع منكم، ويُعطي لأمة تعمل أثماره" (مت 21: 43)، فأي تدبيرٍ آخر كان بسلطانه الإلهي مزمعًا تقديمه، غير أنه دفع الكتاب اليهودي بأكمله – الذي كان يتضمن أسرار ملكوت الله- إلى دائرة الضوء[385].

     نحن الذين نُقلنا من الناموس والأنبياء إلى الإنجيل، قد أعيد ختاننا (يش 7:5) (بالصخرة) التي هي المسيح (1 كو 4:10)، فتحققت فينا كلمة الرب ليشوع، "اليوم قد دحرجت عنكم عار مصر" (يش 9:5)[386].

العلامة أوريجينوس

     يقول: الجبال لا تعرف ذلك. وكما قال داود: "يمس الجبال فتدخن" (مز 104: 32). يتحدث في هذه العبارة عن قدرة الله قائلاً إنه قادر أن يفعل كل شيء في قوة غضبه. فإن أيوب يقدم شهادة عن عدله، كما يقدم شهادة أيضًا عن قوته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     "يستخدم الجبال وهي لا تعلم، الذي يقلبها في سخطه". "يستخدم" الجبال المنظورة بالحق عندما يريد أن يغير وجه الخليقة المنظورة. لكنه ليس بالأمر العجيب لهذه (الجبال) التي لا تعرف أنها "تُستخدم"، لأنها لم تُمنح عقلاً مثل الكائنات البشرية والملائكة الأحياء. لذلك يدعو أيوب قوة الشياطين المتعجرفة جبالاً. لهذا فإن إرميا النبي يدعو الواشي (إبليس) "جبل الفساد الذي يفسد كل الأرض" (إر 28 [35]: 25). لأن فساد الشياطين خسيس. فمع أنهم مملوءون خداعًا لا يستطيعون أن يبلغوا أفكار الله، إذ يريد أن يخفي أفكاره عنهم، ولا أدركوا السقوط الذي حل بهم. ما يقوله بولس هو مثال لهذا: "لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر، ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله في سرٍّ. الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا. التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر، لأن لو عرفوا لم صلبوا رب المجد" (1 كو 2: 6-8).

ذاك الذي يستخدم هذه (القوات) في صراعات سرّ الصلب، هو نفسه الذي خلقهم (كو 1: 16)، وأهلكهم (عا 3: 14)، وليس فقط أهلكهم بل و"في غضبه" دمر مذابحهم، وبدد هياكلهم، وأتلف تماثيلهم. في نصرة، نزع مجدهم (كو 2: 15)، فإنه ليس فقط اغتصبت الشياطين المجد (رؤ 13: 4-8)، إذ كان يجب ألا يفعلوا هذا، إنما أيضًا أفسدوا البشرية معهم. ولكن في أي وقت يحل بهم الدمار الحقيقي العادل، كما في سخطٍ كاملٍ؟ عندما ينتهي هذا العالم المنظور. على أي الأحوال، إن قلتم، كيف يفعل هذا؟ فستتعلمون ذلك من الآتي: “المزعزع الأرض من مقرها" [6].

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

الله في محبته للبشرية يقيم من مؤمنيه الحقيقيين جبالاً مقدسة ثابتة، تكون كجبل سيناء حيث يظهر عليه الرب ويقدم شريعته لموسى، أو كجبل تابور حيث يتجلى عليه في وسط كنيسته التي تضم رجال العهد القديم، ممثلين في موسى وإيليا، ورجال العهد الجديد ممثلين في بطرس ويعقوب ويوحنا. من الجانب الآخر فإن الأشرار المقاومين للرب، غير الخاضعين له، وإن كانوا يظنون في أنفسهم أنهم جبال راسخة، فإن أساساتهم ترتعد أمام الرب في غضبه، وبرجزه يرجفهم، يمسهم بغضبه فيدخنون. تقفز مثل الكباش من أمام وجهه، وتذوب كالشمع أمام النار.

     "ارتجت الأرض وارتعشت" (مز 7:18). عندما تمجٌَد ابن الإنسان هكذا ارتج الخطاة وارتعشوا. "أسس الجبال ارتعدت" (مز 7:18)، فإن رجاء المتكبرين الذين كانوا في هذه الحياة قد ارتعد. "وارتجت لأنه غضب". هذا هو الرجاء في البركات الزمنية، لم يعد بعد متأسسًا في قلوب الناس[387].

     "ذابت التلال مثل الشمع قدام الرب" (مز 5:97). من هم التلال؟ المتكبرون. كل شيء يرتفع ضد الله خلال المسيح والمسيحيين يرتعب ويخضع... أين تشامخ القوات؟ أين قسوة غير المؤمنين؟ كان الرب بالنسبة لهم نارًا، فذابوا عند حضرته مثل الشمع. كانوا قساة حتى عملت النار.

القديس أغسطينوس

     "ذابت الجبال مثل الشمع" (مز 5:97). بالنسبة لي تبدو الجبال أنها قوات الشياطين. سواء كانوا جبالاً أو لا يكونون، فهم بالتأكيد الناس المتكبرون.

هذه النار لا تهلك الذين في الأسفل (المتواضعين) وإنما تهلك المتشامخين وحدهم. كحقيقة واقعة فإن البرق نادرًا ما يؤثر على الذين هم في الوادي، وإنما لن ينجو منه أولئك الذين في الأعالي على الجبال.

القديس جيروم

يقدم لنا القديس أمبروسيوس مفهومًا رائعًا عن زحزحة الجبال وهي لا تعلم، فإنه إذ جاء إلى العالم حرك الجبال المقدسة، حيث حرك مفاهيمنا عن موسى النبي مستلم الشريعة وعن الأنبياء ورجال العهد القديم. حركها من الفكر اليهودي الحرفي لنتسلمها نحن بالروح خلال الإنجيل. فمع تمسك اليهود بالشريعة والآباء والأنبياء، لكنهم لا يعلمون سٌر الله وحكمته الخفية، لأنهم لا زالوا يرونهم خلال البرقع الموضوع على وجه موسى. لقد تحرك هذا كله ليكون نصيبنا، فندرك ونعلم سٌر خطة الله الأزلية وحكمته الفائقة وتدبيره لخلاصنا. هذا ما كان يعتز به الرسول بولس بعدما التقى بالسيد المسيح وتزحزحت الجبال بالنسبة له، وصارت له دراية بالسٌر الإلهي، فلم يستطع أن يصمت.

"الذي بحسبه حينما تقرأونه تقدرون أن تفهموا درايتي بسٌر المسيح" (أف 4:3).

"ليفتح الرب لنا بابًا لنتكلم بسٌر المسيح" (كو 3:4).

"لكي تتعزى قلوبهم مقترنة في المحبة لكل غنى يقين الفهم لمعرفة سٌر الله الآب والمسيح" (كو 2:2).

"وأنير الجميع في ما هو شركة السرّ المكتوم منذ الدهور في الله خالق الجميع بيسوع المسيح" (أف 9:3).

الْمُزَعْزِعُ الأَرْضَ مِنْ مَقَرِّهَا، فَتَتَزَلْزَلُ أَعْمِدَتُهَا [6].

إن كانت الأرض تبدو كأنها مستقرة على أعمدة ليس من يقدر أن يزعزعها، فإنها بأمر خالقها تتزعزع، وليس ما يوجد من يدعمها.

من الجانب الرمزي، رأينا أن الجبال تتزحزح بمعنى أن المتشامخين الذين يسكنون قمم الجبال يتعرضون للدمار خلال البروق الإلهية. هذا ومن جانب آخر، فإن الناموس والآباء والأنبياء هم جبال مقدسة عالية، تتحرك من أيدي اليهود الحرفيين في  فهمهم إلى أبناء العهد الجديد الذين انكشفت لهم الحكمة الإلهية، وتعرٌفوا على سٌر المسيح المكتوم. بنفس المنطق بالنسبة للأرض فإنها تشير إلى الأشرار الذين صاروا ترابًا كأبيهم آدم الأول، حيث قيل له: أنت تراب، وإلى التراب تعود". الآن إذ نزل السماوي إلى أرضنا، وحل بيننا، صار كواحدٍ منا، صرنا نتمتع بالحياة السماوية، فنسمع الصوت الإلهي: "أنت سماء وإلى السماء تعود".

وحل بيننا، وصار كواحدٍ منا، صرنا نتمتع بالحياة السماوية، فنسمع الصوت الإلهي: "أنت سماء وإلى السماء تعود".

     قائد المئة الغريب يعرف، بينما اللاوي الذي من خاصته لم يعرف. الأممي سجد له، والعبراني جحده. لهذا فإنه ليس بالأمر غير المعقول أن أعمدة العالم قد تحركت (أي 9: 6) عندما لم يؤمن رؤساء الكهنة.

لقد تحركت الأعمدة لكي تحتل مكانها أعمدة جديدة. كما لو ان الله نفسه حسب ذلك لائقًا أن يقول:" أنا أقمت أعمدتها" (مز 75: 3). تعلموا أية أعمدة أقامها: "يعقوب وصفا ويوحنا المعُتبرون أنهم أعمدة أعطوني وبرنابا يمين الشركة" (غلا 2: 9)[388].

القديس أمبروسيوس

     بالأواني والدلو يكيل الماء الخارج من الينابيع الطبيعية، أما الماء النابع من الينابيع الروحية فإنه يقاس بفهمنا ورغبتنا المتقدة ووقارنا، بهذا نقترب إليها. من يسلك بهذا الترتيب يحمل في الحال بركات لا تعد، حيث تعمل نعمة الله فيه بطريقة غير منظورة، وتخفف عبء ضميره ، وتأتى به إلى آمان وفير، وتعده بعد ذلك لكي ينسحب من شاطئ الأرض، ويحمل مرساة السماء. فإنه يمكن للإنسان الذي لا يزال يحتضن جسده ألا يكون له شيء يتعلق بالأرض، بل يضع أمام عينيه كل مباهج السماء ويتأملها بلا انقطاع[389].

     أريدكم أن تحفظوا أذهانكم في هذه الأمور على الدوام (كو 1:3). فإن اهتمامنا بها يحررنا من الأرض وينقلنا إلى السماء[390].

القديس يوحنا الذهبي الفم

     يحق لنا أن نكون هناك في حضرة الله في السماوات، نحن الذين حفظنا الدرس بينما كنا على الأرض، وذهبنا هناك إلى السماء كي نكون في محبة الله الآب، ذاك الذي عرفناه ونحن على الأرض، ولأن الله الكلمة القدوس صنع كل شيء وعلمنا ويعلمنا كل شيء، وهو يدربنا في كل الأمور الصالحة[391].

القديس إكليمنضس السكندري

     ترك إبراهيم مدينته وأقاربه بناء على أمرٍ إلهي، لكن هجرته كانت تناسبه كنبي، هدفها طلب معرفة الله.

 بالحق لم تكن هجرة جسدية – كما أظن – إنما كانت تُعدهُ لمعرفة تلك الأمور التي تكتشفها الروح.

بتركه وطنه، أي خروجه من ذاته، خارج دائرة الأفكار الدنيئة والأرضية، رفع إبراهيم ذهنه قدر المستطاع فوق الحدود العامة للطبيعة البشرية، وتخلي عن ارتباط النفس بالحواس.

هكذا إذ لم تعقه تعلقات الحواس، صار عقله نقيًا، يدرك ما هو غير منظور، ولم يعد السمع والنظر يسببان لذهنه خطأ بسبب المظاهر[392].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

     عندما تتحقق إرادة الله بواسطتنا نحن الذين على الأرض كما تتحقق في الذين هم في السماء نتشبه بالسمائيين إذ نحمل مثلهم صورة السماوي (1 كو 49:15) ونرث ملكوت السماوات (مت 34:25). ويأتي الذين بعدنا وهم على الأرض يصلون لكي يتشبهوا بنا إذ نكون نحن في السماء (الفردوس) [393].

العلامة أوريجينوس

     يجب أن تتوقوا إلى السماء، والأمور التي في السماء، بل حتى قبل السماء، فقد أمرنا أن نجعل الأرض سماءً، وأن نتصرف ونتحدث في كل الأمور كما لو كنا نتحدث هناك، بينما نحن على الأرض. هذا أيضًا يجب أن يكون غاية صلاتنا التي نقدمها للرب. فلا شيء يُعيق وصولنا إلى كمال القوى العلوية لأننا نقطن على الأرض؛ إنما من الممكن حتى ونحن نسكن هنا أن نفعل كل شيء كما لو كنا قاطنين سلفًا في الأعالي[394].

     حقًا لقد جاء السيد ليُلغي الأمور القديمة ويدعونا إلى وطن أعظم.

إنه يصنع كل شيء ليعتقنا من الأمور غير الضرورية، ومن عاطفتنا نحو الأرض. لهذا السبب أشار إلى الوثنيين أيضًا قائلاً: "إن هذه كلها تطلبها الأمم" (مت 33:6)؛ التي تقدم تعبها كله من أجل الحياة الحاضرة، ولا تبالي بالأمور المقبلة، ولا بأي فكر سماوي[395].

القديس يوحنا الذهبي الفم

الآمِرُ الشَّمْسَ فَلاَ تُشْرِقُ، وَيَخْتِمُ عَلَى النُّجُومِ [7].

لا يتوقع أحد ما ألا تشرق الشمس في موعدها، إذ وضع لها الرب قوانين ثابتة. لكنه إن شاء فلا تشرق. مرة أمر أن تقف لخدمة شعبه فوقفت (يش 10: 12). ما حدث في أيام يشوع بن نون يعلن عمل الله العجيب خلال خدامه، وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [إن كانت الشمس قد توقفت في جبعون، والقمر في وادي إيلون إلاَّ أن هذا العمل ليس عمل ابن نون، بل عمل الرب الذي سمع الصلاة، هذا الذي انتهر البحر، وعلى الصليب جعل الشمس تظلم (مت 27: 45)[396].]

مرة أخرى طلب الله أن تتراجع الشمس فأطاعت الأمر الإلهي (2 مل 20: 9). هكذا أيضًا بالنسبة للنجوم فهو وحده يقدر أن يختمها أو يخفيها عن أعيننا.

الله بإرادته يحفظ نظام سير الطبيعة كامتداد لعملية الخلق، وكعمل من أعمال عناية الإلهية.

الْبَاسِطُ السَّمَاوَاتِ وَحْدَهُ، وَالْمَاشِي عَلَى أَعَالِي الْبَحْرِ [8].

الله الذي خلق الكون يحفظ ناموس الطبيعة فتبقى السماوات مبسوطة، وبدون عنايته لانهار نظامها. إنه يطأ البحار بقدميه ويمنعها من أن "ترجع لتغطي الأرض" (مز 104: 9). إنه يسير على الأمواج الهائجة، معلنًا أنه وحده يهدئ كل أمواج التجارب الثائرة ضدنا.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه ليس من وجه للمقارنة بين ما فعله موسى النبي أثناء عبور البحر الأحمر وسير السيد المسيح على الماء. فما فعله موسى مارسه كخادمٍ خلال الصلاة, أما السيد المسيح فبسلطانٍ مطلقٍ. عندما هبت الريح عبروا تحت قيادة موسى على أرض جافة وسط البحر (خر 14: 21), أما السيد المسيح فسار على سطح البحر كما على طريقٍ، ليشهد عن ما ورد في الكتاب المقدس "السائر على البحر كما على رصيف"[397].

     "الباسط السماوات وحده" [8] بماذا يشير بالسماوات إلا إلى الحياة السماوية ذاتها التي للكارزين، الذين قال عنهم المرتل: "السماوات تعلن مجد الله" (مز 19: 1).

البابا غريغوريوس (الكبير)

     يعلمنا إنجيل الرب أنه ليس الآب بل الابن هو الذي مشى على البحر عندما سأله بطرس قائلاً: "مرني أن آتي إليك على الماء" (مت 28:14)[398].

     إنه الرب الذي يختم ويحصي حشد الكواكب (أي 9: 6). هو وحده الذي يبسط السماء، وقد سار على البحر كما على رصيف (أي 9: 8، مت 14: 25).

عندما رآه بطرس يسير قال: "يا سيد، مرني أن آتي إليك علي الماء" (مت 14: 28). أمره الرب، لكنه تردد وكاد أن يغرق ويهلك بين الأمواج، لولا أن الرب بسط يمينه إليه (مت 14: 29-31). الجسد ترنح، ويمين الرب أنقذت. وقال له الرب: "يا قليل الإيمان، لماذا شككت؟" (مت 14: 31) إنه الإيمان هو الذي مشى في شخص الرسول، وليس الجسد[399].

القديس أمبروسيوس

     من كان قادرًا أن يمشي على البحر إن لم يكن خالق المسكونة؟

بالحق قال عنه بالروح القدس الذي نطق قديمًا جدًا خلال الطوباوي أيوب: "الباسط السماوات وحده، والماشي على البحر كما على الأرض".

قيل عنه في شخص الحكمة: "سكنت في الأماكن العلوية، وعرشي كان في عمود سحاب" (سيراخ 4:24-5).

بالمثل أعلن داود في المزمور: "في البحر طريقك يا الله، وسبلك في المياه الكثيرة" (مز 19:77) لاحظ أيضًا حبقوق: "سير المياه طما، أعطت اللجة صوتها" (حب 10:3)[400].

 الأب خروماتيوس

صَانِعُ النَّعْشِ وَالْجَبَّارِ وَالثُّرَيَّا وَمَخَادِعِ الْجَنُوبِ [9].

هو خالق مجموعات النجوم، وقد ذكر هنا ثلاث مجموعات نيابة عن الجميع: "النعش والجبار والثريا"، ولا يزال يحفظها في الوجود ويوجه تحركاتها، وذلك لخدمة بنى البشر.

يرى القديس غريغوريوس النزينزي أنه عندما يشير الكتاب المقدس هنا إلى النعش والجبار والثريا، يقصد كل الكواكب وعنايته الإلهية بها. وذلك مثلما يشير إلى اهتمامه بفراخ الغربان (مز 8:147) فيعني كل الطيور[401].

"مخادع الجنوب"، أي النجوم التي ترى من جهة القطب الجنوبي ولا يراها من هم في نصف الكرة الشمالي.

يري البابا غريغوريوس (الكبير) في هذه الكواكب معنى رمزيًا للكنائس السبع التي هي الكنيسة الجامعة، هذه التي رآها القديس يوحنا الحبيب كسبعة منائر. إنها تتمتع بعطايا النعمة الإلهية السبع، أشعتها تشرق بنور الفضيلة الصادر عن الحق.

     يشير بالنعش والجبار والثريا ومخادع الجنوب إلى كل مجموعة كواكب السماوات وكل ما يوجد هناك... حتمًا يتحدث أيوب عن كل نوع من المعجزات التي تمت بواسطة الله. على أي الأحوال إنه يتحدث بالأكثر عن التدابير التي تحققت من أجلنا، فإنها بالتأكيد تدابير إلهية سامية تفوق الطبيعة. إنها غير مدركة، لأنها أعلى جدًا من أن يبلغ إليها روح بشري. وهي مجدية لأن الله يتقبل العبادة من الخلائق هنا من أسفل، وتلك التي هي في العلا المملوءة بأعمال عجيبة... لقد أعلن لنا يوحنا اللاهوتي: "وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كُتبت واحدة فواحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" (يو 21: 25). ليس فقط لأنها فوق كل عدد، وإنما لأن أعماله سامية، وأن أذان هذا العالم تعجز عن تقبلها.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

فَاعِلُ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ، وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ [10].

هنا يكرر أيوب ما سبق أن قاله أليفاز حرفيًا، أرجو الرجوع إلى تفسير أيوب 5: 9.

هُوَذَا يَمُرُّ عَلَيَّ وَلاَ أَرَاهُ، وَيَجْتَازُ فَلاَ أَشْعُرُ بِهِ [11].

أعمال الله فائقة، يعمل معنا وحولنا وفينا دون أن نراه (أع 17: 23). إدراكنا المحدود يعجز عن معرفة تحركاته لأجلنا، لذا يصعب علينا بل ويستحيل تقييم تصرفاته حتى الظاهرة، لأننا لا ندرك ما هو وراءها. ليس من حقنا أن نعلق على تصرفاته، أو نظن أننا قادرون على تفسيرها.

     إذ حُرم الجنس البشري من الفرح الداخلي وذلك بسبب الخطية، فقد بصيرة الذهن، ولا يستطيع أن يخبر أين تسير هذه الأمور.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     "إذ يرتفع (الله) عليّ لا أراه، وإذ عبر بي لا أعرف أيضًا هذا". الله يرتفع فوق كل واحدٍ منا، عندما يرجئ الحكم الذي علينا. ومن جانب آخر يعبر بنا، أي يعبر في وسطنا... في المقام الأول لا نقدر أن نراه بعيون جسدنا، وثانيًا لا نستطيع أن نبلغ إليه بروحنا، لأن ما يشكله رقيق للغاية ليس فقط بالنسبة للعيون، وإنما حتى بالنسبة للأرواح.

     إنه يعبر خلال أذهاننا، لكن من الواضح أن عبوره تم خلال حياتنا حيث عبر بطريق تدبير تجسده وآلامه على الصليب وقيامته المجيدة... وفوق هذا كله من يقدر أن يعرف كيف كان هو إنسانًا والله (في نفس الوقت)؛ كيف تألم وحطم الألم؛ كيف ذاق الموت كإنسان، وكإله أخضع الهاوية وحطم الموت (1 كو 15: 54؛ 2 تي 1: 10؛ 1 بط 3: 22).

إنه ذاك الذي حرر البشرية من تلك اللعنة ومن شر الخطية (رو 8: 2)، ولم يستطع أحد أن يخفف من الأثقال التي علينا التي حررنا هو منها.

لا يستطيع أحد بعد أن يقول له: "ماذا تفعل؟" أو لماذا تبرر الخطاة، وتُدخل - تحت البركة - ذاك الذي كان تحت تهديد اللعنة (غل 3: 13-14؛ تث 21: 23). لقد فعل هذا أولاً بكونه الله، بالقوة التي تخصه بكونه الله، إذ عمل بسلطانٍ، إذ دفن دين خطايانا في الأرض (كو 2: 14)، لذلك يضيف: "يرد غضبه" هذا الذي كان ضدنا.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هذا حال الإنسان الذي يشعر بالعزلة عن الله. لقد عبر به ووهبه خبرة الطهارة، لكنه بعد ذلك سقط تحت مرارة تجارب الجسد، هذه التي تحوط بالذهن، وتحتشد به، فتصير العين الداخلية غير طاهرة، وبالتالي عاجزة عن رؤية الله. هذا بسماح من الله لكي يتواضع الذهن ويطلب العون الإلهي.

     إذ يجد الذهن نفسه تحت التجربة ضعيفًا يلجأ إلى طلب عون الكائن الإلهي، ويتوقف تمامًا عن اعتماده على ذاته. وهكذا يحدث أن يعبر، فيلصق الذهن ذاته بالله في أكثر عمق، وذلك بذات المركبة التي بها صار في حزنٍ لسقوطه وبُعدِه عن الله.

لذلك فإن دخول الله وخروجه لا يمكن اكتشافه تمامًا بقدراتنا مادام موضع تناوب حالنا (من دخول الله وخروجه) مخفيًا عن أعيننا. كمثال لا يوجد تأكيد معين أن تجربة ما هي لاختبار الفضيلة أم هي أداة لتدميرنا.

أما عن العطايا، فإننا لا ندرك قط إن كانت هي مكافآت عن أعمال مارسناها، أم هي سند في طريق الإنسان إلى وطنه (السماوي).

البابا غريغوريوس (الكبير)

     عندما تعرض الرسول لمعرفة الأمور الإلهية - في رسالته إلى أهل كورنثوس - أكد أن معرفته - بالرغم مما ناله منها- لا تزال محدودة وغاية في الضآلة. إذ قال: "فإن كان أحد يظن أنه يعرف شيئًا، فإنه لم يعرف شيئًا بعد كما يجب أن يُعرف" (1 كو 8: 12).

لقد أكد لنا أننا الآن نعرف بعض المعرفة، أما الجانب الأعظم منها فسنعرفه في الدهر الآتي: "لأننا نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبؤ، ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض" (1 كو 13: 9-10).

وعندما أراد توضيح الفارق بين معرفتنا هنا ومعرفتنا في الحياة الأخرى لجأ إلى هذا التصوير: "لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم، وكطفلٍ كنت أفطن، وكطفلٍ كنت أفتكر، ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل. فإننا ننظر الآن في مرآة، في لغز، ولكن حينئذ وجهًا لوجه" (1 كو 13: 11-12).

هل لمست مدى الفارق بينهما؟ إنه كاختلاف معرفة الطفل الصغير عن معرفة الرجل الناضج، وكاختلاف الرؤية في مرآة عن التطلع وجهًا لوجه، إذ تشير المرآة إلى التعبير العميق لكن في غموض!... فلماذا إذن لا نصدق قول بولس: "من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله؟ ألعل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا؟!" (رو 9: 20)

تأمل كيف يليق بنا الخضوع لإرادة الله في صمت!

إنه بلا شك لا يقصد بقوله هذا أنه يود أن يفقدنا إرادتنا. حاشا! لكنه يؤكد أنه ينبغي على الباحث الالتزام بالصمت، كالطين في يدَّ الخزاف لا يقاوم ولا يجادل. وقد ذكر الخزاف والطين ليذكرنا بطبيعتنا، فإنهما في درجة واحدة من حيث وجودهما (لأن الخزاف مخلوق من التراب) ومع هذا يخضع الطين للخزاف، فأية مغفرة يترجاها الإنسان وهو يتجاسر بتهور مجادلاً إرادة الله جابله، مع أن الفارق بينه وبين الوجود ذاته لا نهائيًا؟!

أذكر أيها الإنسان من أنت؟

ألست طينًا وترابًا ورمادًا؟

ألست بخارًا؟

ألست عشبًا؟ ألست زهرة عشب؟

هكذا يتسابق الأنبياء في رسم صور قدام أعيننا للتعبير عن حقيقة وجودنا. أما الله الذي تود أن تخضعه لفضولك الطائش فهو لا يخضع للموت أو التغيير. إنه سرمدي لا بداية له ولا نهاية، غير مدرك، فائق لكل فهم وكل منطق، غير موصوف ولا منظور! هذه الصفات التي لا نقدر إدراكها أنا وأنت أو حتى الرسل والأنبياء، بل ولا القوات السمائية – بالرغم من طهارتها غير المنظورة وروحانيتها ومعيشتها في السماء على الدوام[402].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إِذَا خَطَفَ فَمَنْ يَرُدُّهُ، وَمَنْ يَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَفْعَلُ؟ [12]

الله صاحب السلطان، ليس من خليقة لها أن تراجعه فيما يعمل. نضع ثقتنا فيه، ونقبل مشيئته، حتى وإن بدت مُرة بالنسبة لنا. إذا خطف حتى نفوسنا من يقدر أن يقاومه، أو يدخل في مناقشته؟ من يقول له: ماذا تفعل؟ أو لماذا تفعل هكذا؟ (را 4: 35).

     "إن أراد أن يهلك فمن يرده، ومن يقول له: ماذا تفعل؟"

"من يرده؟" أي من ينقذنا؟ لا يستطيع أحد أن يقول: "ماذا تفعل؟" أولاً لا يجسر أحد على ذلك، ولا يكون أحد هناك لأن النتائج تحمل شهادة ذاتية.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     يلزم تكريم أعمال خالقنا على الدوام دون فحصٍ، فإنها لن تكون ظالمة.

فإن من يبحث عن علة مشورته السرية لا يُحسب هذا إلا مقاومة من الإنسان ضد مشورته في كبرياءٍ.

فعندما لا يمكن للإنسان أن يكتشف دافع أعمال الله يلزمنا أن نصمت في تواضعٍ، خاضعين لأعماله، لأن الحواس الجسدية ليست على مستوى يمكنها أن تخترق أسرار جلاله...

يضيف فيما بعد بولس: "ألعل الجبلة تقول لجابلها: لماذا صنعتني هكذا؟" (رو 9: 20)

البابا غريغوريوس (الكبير)

يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على قول أيوب: "من يقول له: ماذا تفعل؟" قائلاً بأنه لا يستطيع أحد أن يقاوم غضب الله. مع هذا فالكتاب المقدس يقدم لنا عدة أمثلة لوقوف بعض رجال الله أمام غضب الله.

لقد قاوم موسى النبي غضب الله حين وقف يشفع في الشعب الساقط، قائلاً: "والآن إن غفرت خطيتهم وإلا فأمحني من كتابك الذي كتبت" (خر 32: 32).

أيضًا طلب موسى من هرون أن يأخذ جمرة ويجعل فيها نارًا من على المذبح، ويضع بخورًا، ويذهب مسرعًا إلى الجماعة، ويكفر عنهم "لأن السخط قد خرج من قبل الرب" (عد 16: 46- 48).

كما أطفأ فينحاس غضب الله حين زنى الشعب مع نساء غريبات، فأظهر غيرته بأن طعن الإسرائيلي والمديانية في بطنها فامتنع الوبأ عن بني إسرائيل (عد 25: 8).

وهكذا وقف داود يشفع في شعبه أمام الرب ليرفع غضبه عنهم (2 صم 24).

وطالبنا الحق أن نصلي حتى من أجل أعدائنا ومضطهدينا (مت 5: 33).

هكذا يظهر الله عظمة حبه الفائق للإنسان فإنه وإن عجز أي كائن عن الوقوف أمام غضب الله إلا أنه حتى في غضبه يعلن حبه، فيعطي فرصة للإنسان أن يقتحم محبة الله بتواضعه وتوبته ومحبته لله والناس ولخلاص نفسه؛ فيطلب رحمة لنفسه ويشفع عن إخوته.

يقدم لنا القديس مار يعقوب السروجي صورة رائعة لمقاومة غضب الله، وذلك بالتوبة:

     قال يونان: ليس من وسيلة لإبطال الغضب، فقد اعتصم الإثم وحلّ الانقلاب ليحطمكم...

قرب الضيق، وصار السقوط على الباب.

الرب أرسلني، ذاك الجبار الحامل الخليقة، لكي أدعو بالانقلاب وبصوت الفزع على أسواركم...

لطمت هذه الأصوات ملك نينوى، وارتعب عندما سمع الأخبار الشنيعة. خاف من يونان أكثر من صفوف الجبابرة. وتذلل الملك المخوف قدام إنسان حقير. قام من كرسيه البهي. وتذلل الملك المخوف قدام إنسان حقير. قام من كرسيه البهي وطرح التاج عنه، ولبس مسوحًا، وأعد نفسه للتوبة...

أدرك أن هذه المعركة ليست كالمعارك المعتادة، فجمع شعبه وحثهم على الجهاد. جمع جنوده وصفهم للطِلبة، وموَّن صفوف الجنود بالصلوات ليسّيج الأبواب. جعل الرجال والنساء والأطفال يمسكون بالصوم، كل واحدٍ حسب قوته ليصطفوا للقتال مقابل الغضب.

قال الملك لجنوده مثل هذه الكلمات: اجتمعوا معًا للطِلبة، فإن قتالاً جديدًا ندخل فيه على غير العادة...

ليس ابن يومٍ واحد يكف عن الجهاد. قتال شديد، لا ترون فيه مللاً. رُضّع اللبن يشتركون معنا هنا بين الصفوف ويسندوننا قبل أن يحل الشر بنا.

 في هذا القتال الصبيان أقوى من الرجال، والأطفال يجاهدون أسهل من الجبابرة.

الأطفال الذين لم يخطئوا في هذه المعركة يخرجون بالألوف ويشتركون معنا، فبهم يصير النضال أفضل.

ها العبراني يجزم ويهدد بهلاكنا، لنعمل لئلا يفرح إذا ما غلبنا. لم يهدأ عن أن يدعو بالغضب على فسادنا. ونحن لن نهدأ حتى ندعو المراحم لخلاصنا. طلب الرجل أن يثٌَبت كلمته لأنه نبي، اتركوه يكرز، وتعالوا نطلب نحن من سيده...

نرجع إلى سيده صاحب السلطان لكي لا يهلكنا. إنه رسول ينطق بما قيل له. في سلطانه أن يكرز لا أن يُهلك، فلا نحزن. لو أن بيده (النبي) الأمر لقلب المدينة. لا نمل، فإن الدمار بيد الرب. ليس بيد النبي أن يبني ويهدم كما يهدد... لكن مقابل صوته نوقظ أصوات التوبة، وندعو بالبكاء، فنُسكت الرجل ونخمده. لا نسأله فإنه لا يطيعنا ويتوقف عن كلامه. لنرسل أصوات آلامنا إلى العلي فهو يخلصنا.

القديس مار يعقوب السروجي

اللهُ لاَ يَرُدُّ غَضَبَهُ. يَنْحَنِي تَحْتَهُ أَعْوَانُ رَهَبَ [13].

متى غضب ليس من يرده عن غضبه سوى رحمته وحبه. فهو يسحق المتكبرين المقاومين له. وكما جاء في سفر زكريا، "فليسكت قدامه كل البشر" (زك 2: 13). التوبة بتنهداتها ودموعها وتواضعها ترد الغضب الإلهي.

v     التوبة نار تلتهم كل ضعف بشري، تنزع التهاون والكسل وثقل الجسد، وتعطي للنفس جناحًا تطير به نحو السماء، وتظهر لها خلال هذه  القمّة المرتفعة بطلان هذه الحياة الحاضرة.

من لا يرتفع إلى مركز المراقبة لا يستطيع أن يلتقط صورة صادقة للأرض ومحتوياتها. فإن أمورًا كثيرة تظلم مجال الرؤية وتصم الأذنين وتلعثم اللسان. لهذا يليق بالإنسان أن ينتزع نفسه من هذا الصخب، ويبتعد عن الدخان، ويدخل إلى الوحدة ليجد السلام العميق والهدوء والسكون مع الاستنارة.

عندما تركز الأعين على حب اللَّه، ولا تعود تسمع الأذن إلا كلماته وكأنها سيمفونية روحية عذبة، تصبح النفس أسيرة (اللَّه) تشعر بتقزز من الطعام والنوم.

حقًا أن ضجة العالم والاهتمامات المادية تنزلق على النفس لكنها لا تدخل إليها، وبارتفاع النفس هكذا لا تعود تبالي بفرقعات العواصف الأرضية.

وكما أن سكان الجبال لا يعودون يسمعون أصوات المدينة ولا يرون ما يدور فيها، إنما يحسبون هذه كلها أشبه بضجيج مبهم، هكذا الذين تركوا العالم بإرادتهم وانطلقوا يطيرون في مرتفعات الفلسفة (الحكمة) لا يعودون يدركون شيئًا عن أحوال العالم، لأن كل حواسهم متجهة نحو السماء.

إذن لنبحث لا عن وحدة البرية فحسب، إنما عن وحدة الرغبة الداخلية. لنختبئ فوق أعلى قمة النفس حيث لا يسكن فيها شيء أرضي.

إن قوة التوبة كمثل هواء يطرد الغبار ويكتسح الشهوات أسرع من الدخان.

القديس يوحنا ذهبي الفم

     أية خطايا يمكن للندامة أن تفشل في غسلها؟ أيّة وصمات راسخة لا يمكن لمثل هذه الدموع أن تغسلها؟ باعتراف بطرس الثلاثي مسح إنكاره الثلاثي[403].

القديس جيروم

     الصلاة الممتدَّة والدموع الغزيرة تجتذبان الله للرحمة.

     البكاء وحده يقود للضحك المطوَّب.

     أراد يسوع أن يُظهر في نفسه كل التطويبات، إذ قال: "طوبى للباكين"، وقد بكى هو نفسه لكي يضع أساس هذا التطويب حسنًا[404].

العلامة أوريجينوس

 

 

3. عجزه عن أن يحاجج الله


كَمْ بِالأَقَلِّ أَنَا أُجَاوِبُهُ، وَأَخْتَارُ كَلاَمِي مَعَهُ [14].

يقف أيوب في انسحاق أمام الله معترفًا أنه يعجز عن الدخول في حوارٍ معه. لكن كما يرى كثيرون ركز أيوب أنظاره على ضعفه، فانحدر نحو اليأس، عوض التطلع إلى مراحم الله الفائقة وحبه للبشرية، ونسي أن الله الكلي القدرة يشتاق أن يدخل في حوار مع خليقته، ولم يمنع الشيطان أن يحاوره، كما رأينا في الأصحاحين الأولين من السفر.

     من الجدير بالملاحظة أن هذا القديس (أيوب) قد عبر إلى دينونة نفسه حتى متى حلت دينونة الله لا تجد فيه شيئا تمسك به. إنه يتطلع إلى ضعفه فيقول: "كم بالأقل أنا أجاوبه، وأختار كلامي معه" [14]. فإنه لا يتكل على برّه الذاتي، بل يلجأ إلى الرجاء وحده في استعطاف الله. لذا أضاف: "حتى إن كان لي شيء من البرً فإنني لا أود أن أجيب، بل أقدم طلبة لدياني [15]. وإذ يدرك استعطاف الله يضيف: "عندما أدعو يجيبني، فإنني أؤمن انه لا يسمع صوتي" [16]. لماذا يتضاءل هكذا... لماذا يرتعب بمثل هذه الريبة المحزنة؟ عيناه مثبتتان على رهبة الديان... فيتضاءل أمام قوة العين الفاحصة. فإن كل ما يفعله يبدو له ضئيلاً.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لأَنِّي وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لاَ أُجَاوِبُ، بَلْ أَسْتَرْحِمُ دَيَّانِي [15].

قد يبرر الإنسان نفسه لأنه لا يعرف حتى حقيقة نفسه، وما بداخله. إنه لا يعرف الأخطاء الخفية التي قد لا يدركها الإنسان نفسه. هذا ما عبَّر عنه الرسول بولس بقوله: "لست أشعر بشيء في ذاتي"، أي لم يكن يشعر بشرٍ متسلط عليه، "لكنني لست بذلك مبررًا" (1 كو 4: 4). هكذا كان يخشى الرسول أنه إن برر نفسه يكشف له خطايا خفية لا يعرفها. هذا ما دفع أيوب أن يطلب الرحمة من الديان فاحص القلوب، ويرتمي على مراحمه لا على استحقاقاته الشخصية.

ما يشغل ذهن أيوب ليس أن يتبرر في أعين الناس، فإنهم وإن كانوا يهينونه ويطرحونه أرضًا، ويسحقونه بأقدامهم، فإن الذي يدينه هو الديان الرحوم، الذي لن يقدر أن يتبرر أمامه بذاته، بل يطلب رحمته وحنوه الإلهي.

     يقول (أيوب لبلدد): إنك تسب أيوب باطلاً. ماذا تنتفع، وأنت تطأ البار بقدميك؟ إني أرجئ الحكم لله، ملتجئًا إلى عنايته الإلهية وحنوه. إنه لا يصغي إلى ما يقال عني دون أن يفحص؛ لا يخضع لما قيل عني. لا يتهم الله أيوب كخاطئ، بل ولا يصغي لذلك، ذلك للسبب التالي: وإن كنت بارًا بمقارنتي بمن هم أبرار لكنني محتاج إلى نوع من حكم الله من جهتي وشهادة من العلا. إن كانت حياتي تتفق مع الحق الإلهي الذي للديان، فليس من يقدر أن يبطل قوة هذا الحق.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     كل برٍّ بشريٍ لا يحسب برًا لو فحص بأحكام دقيقة... كأنه يقول في وضوح: وإن كان يلزمني أن أنمو في ممارسة الفضيلة، فإنني أكون متقدمًا في الحياة، ليس عن استحقاق ذاتي، بل بنعمة الله الغافرة. لهذا يلزم أن نكون حارين في الصلاة عندما نسلك باستقامة، حتى تصير كل طرق البرّ التي نسلكها مملحة بالتواضع.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لَوْ دَعَوْتُ فَاسْتَجَابَ لِي، لَمَا آمَنْتُ بِأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتِي [16].

يفسر البعض هذه العبارة: إنه إذ آمن سُمعت صلواته، ليس من أجل صلاته نفسها، لكن من أجل اسم الله القدوس الذي آمن به. "لا من أجلكم أنا صانع يقول السيد الرب، فليكن معلومًا لكم" (حز 36: 32).

يري البابا غريغوريوس (الكبير) في حديث أيوب هنا صورة حية للصراع المستمر في حياة المؤمن، فإنه بالنعمة يدعو الله فيستجيب له، حيث يلتهب قلبه بحب الإلهيات لكن وسط هذا السمو العجيب تقتحم الأفكار الزمنية الفكر، فيجد المؤمن نفسه كمن سقط، فيظن أن الله لا يسمع صوته.

     كثيرًا ما يلتهب الذهن بنار الحب الإلهي، ويرتفع ليرى السماويات والأسرار الخفية. ينتقل الذهن إلى العلا، وُيجرح بالحب الكامل، ويصير متغربًا عن الأمور السفلية؛ لكنه بعد ذلك إذ يُضرب بتجربة مفاجئة تنحني النفس التي سندها الله بهدفٍ واضحٍ، وتُجرح بتجربةٍ تهاجمها. إنها تقف في حيرة تتردد بين الممارسات الصالحة والشريرة، ولا تستطيع أن تخبر أي الجانبين أقوى.

كثيرًا ما يحدث أنها تقف في دهشة كيف تقتني الحقائق العلوية بينما تصارع مع الأفكار الشريرة. مرة أخرى تحتاج أن تعرف كيف تتسلل إليها الأفكار الشريرة بينما تنقلها غيرة الروح القدس بقوةٍ إلى الأمور السامية. هذه الحركات المتناوبة (بين الأفكار السماوية والشريرة) يراها المرتل بحق عندما يعلن: "يصعدون إلى السماوات، يهبطون إلى الأعماق" (مز 107: 26)... يرتعب الذهن من تحركاته هذه، ومن الأمور التي يخضع لها لا إراديًا، حتى يظن في نفسه أنه مطرود ومرذول.

البابا غريغوريوس (الكبير)

ذَاكَ الَّذِي يَسْحَقُنِي بِالْعَاصِفَةِ، وَيُكْثِرُ جُرُوحِي بِلاَ سَبَبٍ [17].

شعر أيوب بأنه لم يرتكب خطايا غير عادية، مع هذا حدثت له نكبات غير عادية، فقد هبت عواصف التجربة لا لتزعجه وإنما لتسحقه. فقد جرحته النكبات بكثرة بلا سبب.

يرى بعض المفسرين أن أيوب هاجم العدالة الإلهية بقوله "بلا سبب"، لكن البعض يرى أن أيوب كان في ذهول لأنه لم يسقط في تعدٍ صارخ، ولا ارتكب خطية في نظر الناس أنها جريمة كبرى.

     "ذاك الذي يسحقني بالعاصفة" [17]... دُعيت بالحق "عاصفة"، لأنها تُعلن باضطراب العناصر. وكما يشهد المرتل بقوله: "يأتي إلهنا ولا يصمت؛ نار قدامه تحرق، وحوله عاصف عنيف" (مز 60: 3). يقول نبي آخر أيضًا: "الرب في الزوبعة، وفي العاصف طريقه" (نا 1: 3). في هذه الزوبعة لن ينكسر البار، لأنه يخشى على الدوام ويخاف لئلا ينكسر.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     لاحظوا في كلماته أنه لم يقل: "لم يجرحني قط بلا سبب" بل "يكثر جروحي بلا سبب". فإنه ليس بسبب كثرة خطاياه حلت به تلك الجراحات الكثيرة، إنما من أجل امتحان صبره...

مرة أخرى، يقول: "حفظت طريقه ولم أحد، من وصاياه لم أبرح" (أي 23: 11، 12). إنه يحفظ طرق الله ولم يحد عنها إذ لم ينسها، بل كان يتقدم راكضًا فيها، بالرغم من أنه ضعيف، وأحيانا يتعثر ويسقط. ومع هذا فهو يستمر في الطريق، يخطئ أقل فأقل حتى يبلغ حالة الكمال، حتى لا يعود يخطئ[405].

     قال هذا عن اليهود الذين في اعتدادهم بذواتهم احتقروا النعمة، ولم يؤمنوا بالمسيح أنه يقول بأنهم أرادوا أن يُقيموا برّهم، هذا البرّ الذي من الناموس، لا أنهم ينفّذون الناموس، بل يقيمون برّهم في الناموس، عندما يحسبون في أنفسهم أنهم قادرون على تنفيذ الناموس بقوتهم، جاهلين برّ الله (رو 10: 3)، لا البرّ الذي لله بل البرّ الذي يمنحه الله للإنسان[406].

القديس أغسطينوس

لاَ يَدَعُنِي آخُذُ نَفَسِي، وَلَكِنْ يُشْبِعُنِي مَرَائِرَ [18].

يتعرض كل إنسان لآلام بين حين وآخر، أما أيوب فلم تتركه الآلام يتنفس، ولم يفارقه المر. وفي هذا كله لم يعرف ما هي العلة.

     "لا يدعني آخذ نفسي، ولكن يشبعني مرائر" [18]. كثيرًا ما يسمح للتجارب أن تحل بي، فلا أستطيع أن آخذ نفسي. إذ كثيرًا ما يجلب العدو عذابات عليً، "إنني مملوء مرائر". أيضا زوجتي وأصحابي هم الذين يسفهونني بسبهم لي وحديثهم معي بحقدٍ. لهذا أشعر بأن هذا يحل بي من عند الله الذي يسمح له أن يحلّ بي، مع أن في استطاعته أن يمنعه عني. ومع هذا لن أكف عن الشهادة لعدل الله وقوته (مز 71: 19). بعنايته الإلهية يحفظ كل الأمور في يده. لا يجسر إنسان له حس صالح أن يفتري على أحكامه، إذ هي صادر عن البار القدير.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْقَوِيِّ يَقُولُ: هَأَنَذَا. وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ يَقُولُ: مَنْ يُحَاكِمُنِي؟ [19]

يتطلع أيوب إلى الله فيراه دون منازع القوي، ليس من يقدر أن يقف أمامه. هو يتكلم فيفعل (حز 22: 14). أما من جهة القضاء فليس من سلطة أعلى، ولا من محكمة عليا تستمع إلى احتجاج إنسان، هو ديان الكل،  فوق كل الخليقة.

     "إذ هو قوي يحكم؛ فمن إذن يقاوم حكمه؟" [19]... تعلن لنا الشمس عنه كما تعلن غيرها من المخلوقات، كم هو عظيم وقدير، ولا تقدر أن تعصى أمره (مز 104: 19). كذلك يعلن القمر عنه وهو ينمو (حتى يصير الهلال بدرًا) وينمحق (حيث يتضاءل بعد اكتماله) حسب قانونه. يعلن البحر أيضًا عنه حيث لا يتعدى الحدود المعينة له، ويقاوم الرمل عنف الأمواج.

هذا هو السبب الذي لأجله لا يستطيع أحد أن يقاوم أحكامه، وأن يعصاها. على أي الأحوال، إن كنتم تتحدثون عن الأحكام التي يدين بها البشرية، من له الجراءة أن يقاومه؟ فإن كنتم تتحدثون عن إبراهيم، فقد قال عن نفسه: "أنا تراب ورماد" (تك 18: 27). وداود بنفس الروح قال: "آثامي قد طمت فوق رأسي، كحملٍ ثقيلٍ أثقل مما أحتمل" (مز 38: 4).

إنه لا يكف عن أن يتغنى بقيثارته ما يعلنه إشعياء الشهير: "ويل لي، لأني إنسان بائس، نجس الشفتين، وأنا ساكن بين شعب يحتفظ بتعاليم دنسةه" (راجع إش 7: 5). لهذا يضيف المصارع: "إن بديت بارَا يتدنس فمي" [20] كيف يكون هذا؟ أنصتوا: ليس من السهل عل شخصٍ ما أن يكون بلا لوم في الأعمال والكلمات. لهذا بحق يضيف: "وإن بديت كاملاً، فإني بالتأكيد أحمق".

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     قد يقول قائل: ماذا أفعل؟ كيف أكون نورًا، وها أنا أعيش في الشرور والآثام؟! وبهذا يتطرق إليه اليأس والحزن، إذ ليس لنا خلاص بدون الشركة مع الله، والله نور وليس فيه ظلمة البتة، والخطية ظلمة، فكيف أتطهر منها؟! يكمل الرسول قائلاً: "ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية". يا لعظم هذا الضمان الذي وهبه لنا! إننا بحكم وجودنا في هذا العالم وسط التجارب قد يتعثر الإنسان بعدما غفرت له خطاياه في المعمودية، لذلك يجب علينا أن نبذل ما في وسعنا معترفين بحالنا كما هو حتى يشفينا السيد المسيح بدمه[407].

القديس أغسطينوس

إِنْ تَبَرَّرْتُ يَحْكُمُ عَلَيَّ فَمِي؟ وَإِنْ كُنْتُ كَامِلاً يَسْتَذْنِبُنِي [20].

أما من جانب أيوب فإن برر نفسه يتحول دفاعه إلى إثم، ويُحكم عليه من كلماته، لأن الله عارف بخبايا القلب التي قد لا يعرفها الإنسان نفسه. "إن قلنا إنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا". إن حسب أيوب نفسه كاملاً، يحسب هذا اتهامًا لله، وذنبًا يرتكبه كمتكبر جاهل بأعماقه.

     إنني افتخر لأنني أخلص، وليس لأنني بلا خطايا، بل لأن الخطايا قد غُفرت. إنني لا أفتخر لأني نافع أو لأن أحدًا ما نافع لي، وإنما لأن المسيح هو شفيعي (محامي) أمام الآب، لأن دم المسيح سفك من أجلي[408].

القديس أمبروسيوس

كَامِلٌ أَنَا. لاَ أُبَالِي بِنَفْسِي. رَذَلْتُ حَيَاتِي [21].

يتطلع أيوب إلى شيخوخته فيرى في نفسه أنه كهل، لا ينتفع بطول السنين التي عاشها، فقد أنتجت لا شيء! إنها سنين مرذولة بلا ثمر. هذه أحاسيس الإنسان الذي يتطلع إلى حياته خارج دائرة حب الله ونعمته واهب الثمر!

 

 

4. لا نحكم حسب الظاهر


هِيَ وَاحِدَةٌ. لِذَلِكَ قُلْتُ إِنَّ الْكَامِلَ وَالشِّرِّيرَ هُوَ يُفْنِيهِمَا [22].

يصر أصدقاء أيوب على أن الأبرار ينجحون في هذا العالم ومصونون من التجارب، وإن لحقتهم سرعان ما تُرفع عنهم. أما الأشرار ففاشلون تحوط بهم التجارب في هذا العالم وتسحقهم، وليس من منقذ. أما أيوب فيؤكد عكس ذلك فقد ينجح بعض الأشرار في هذا العالم ويزدهرون، بينما يتعرض الأبرار للتجارب المتلاحقة. هذه هي نقطة الخلاف الرئيسية في كل المناقشات بين أيوب وأصدقائه، هدفها أن يؤكد الأصدقاء بأن أيوب شرير مرائي، يحمل صورة التقوى ويخفى شرورًا تغضب الله.

يؤكد أيوب هنا أن الأحداث الزمنية ليست هي المقياس للتعرف على حقيقة الإنسان إن كان بارًا أو شريرًا.

"هي واحدة"، قد تحل النكبات على الأشرار كما على الأبرار، والموت يحل بهؤلاء وأولئك. "السيف يأكل هذا وذاك" (2 صم 11: 25). يأكل يوشيا الملك الصالح كما يأكل آخاب الملك الشرير. هكذا نرى أن "الكامل والشرير هو يفنيهما". لقد أُرسل الصالحون والأشرار معًا إلى سبي بابل (إر 24: 5، 9).

     "هي واحدة، أنا قلت الكامل والشرير هو يفنيهما" [22]. يمكن توضيح ذلك بالكلمات التالية: إني قلت هذه الكلمات عن نفسي، حتى وإن كنت كاملاً لا أظهر كاملاً لو فُحصت بدقة، ولا إن كنت شريرًا أظهر هكذا إن بقيت مخفيًا، أنسحب من الامتحان الدقيق الثاقب. أما الديان الحازم فهو يدرك كل الأمور، ويخترق حيل الأشرار بطريقة عجيبة. من أجل البلوغ إلى الأفضل يدين كل حسب ميله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     أليست هذه هي منطوقات مواطن أورشليم السماوية:

"صارت دموعي لي طعامًا نهارًا وليلاً" (مز ٣:٤٢).

"أعوم كل ليلة سريري بدموعي، بدموعي أبلل فراشي" (مز ٦:٦).

"تنهدي ليس بمستور عنك" (مز ٩:٣٨).

"حزني قد تجدد" (مز ٢:٣٩)؟

أليس أولاد الله الذين يئنون مثقلين لا يريدون أن يتعروا، بل يلبسوا فوقها حتى يُبتلع المائت من الحياة؟ أليس حتى الذين لهم ثمار الروح يئنون داخلهم مترقبين التبني، خلاص أجسادهم؟ (رو ٢٣:٨).

ألم يكن للرسول بولس نفسه مواطن أورشليم السماوية هذا كله عندما كان مثقلاً وفي حزن قلب مستمر من أجل إخوته الإسرائيليين؟ لكن سوف لا يكون موت في المدينة إلا عندما يُقال: "أين نضالك يا موت؟ أين شوكتك يا موت، فإن شوكة الموت هو الخطية"[409].

القديس أغسطينوس

إِذَا قَتَلَ السَّوْطُ بَغْتَةً  يَسْتَهْزِئُ بِتَجْرِبَةِ الأَبْرِيَاءِ [23].

إذ امتد السيف بغتة يقتل هذا وذاك؛ الشرير لهلاكه، والبار لتزكية إيمانه. "لكي تكون تزكية الإيمان مع أنه يُمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد" (1 بط 1: 7). إذ يستخف الأبرياء بالموت لأنه عبور إلى المجد!

يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على عبارة: "يضحك بتجربة الأبرار" قائلاً: [إن كان يستخدم تعبير "ضحك" الله ليعني به فرحه، فإنه يقال أنه يضحك بتجربة الأبرار، إذ يطلبوه بغيرةٍ (في وقت التجربة) وفي حنو يفرح بنا، فإن ألمنا يسبب له نوعًا من الفرح حينما تصير لنا رغبات مقدسة أن نؤدب أنفسنا من أجل حبنا له.]

     يقول بولس (2 كو 4: 17) أن أحزاننا الحاضرة خفيفة إذ تحدث في حدود زمنٍ ما ومكانٍ معين. مقابل هذا التعب الهيّن نقتني المجد بدرجةٍ تفوق كل قياسٍ[410].

أمبروسياستر

     كل محنة إما هي عقاب للأشرار أو اختبار للأبرار... هكذا السلام والهدوء في أوقات المشاحنات يمكن أن ينتفع بهما الصالحون بينما يفسد الأشرار[411].

القديس أغسطينوس

الأَرْضُ مُسَلَّمَةٌ لِيَدِ الشِّرِّيرِ. يُغَشِّي وُجُوهَ قُضَاتِهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُو،َ فَإِذًا مَنْ؟ [24]

كثيرًا ما يسمح الله للأشرار أن ينجوا بل ويتسلطوا على الأرض، فمن جانب لا يشتكي العدو بأن الأبرار يعبدون الرب ويتقونه لنوال بركات زمنية ونجاح أرضي، ومن جانب آخر فإن الله يترك الشرير في حريته لعله يتوب عن فعله إن تلامس مع محبة الله، أو يمتلئ كأس شره إن أصر على تمرده وعناده.

إن كان العدو الشرير يُدعى "إله هذا الدهر"، فلا نعجب إن تسَّلم الأشرار الأرض، وظنوا أنهم ناجحون وملوك.

تُسلم الأرض ليد الأشرار، ويتمتع الأبرار بالسماء، لأن السماوي ساكن فيهم.

"يغشى وجوه قضاة الأرض" بينما يتعرض الأبرار للظلم على الأرض ويلبس الأشرار قناعات، فيظهرون كقضاة للأرض، كمن يحكمون بالعدل، وإن لم يكن الأمر كهذا.

مع تقديم هذه الحقيقة، لكن يرى الكثيرون أن أسلوب أيوب يحمل نوعًا من التذمر، كيف يترك الرب الأشرار ينجحون ويسيطرون على الأرض، ويظهرون كقضاة يحكمون على الأبرياء.

مع تقديم مبدأ هام بحكمة كان يمكن لكلمات أيوب أن تعزيه داخليًا، فلا يبالي باتهامات أصدقائه. لكن يبدو أن التذمر الداخلي – كضعف بشري - أثار فيه مشاعر مرة. فقد رأى أيام رخائه قد عبرت سريعًا، هربت منه، ولم يبقَ لها أثر، فصار كمن لم يذق الخير قط.

يرى القديس أغسطينوس أن الأرض هنا تشير إلي الجسد[412]، فقد يسمح الله بتسليم الجسد للتأديب بيد الشرير، أو للفحص والتزكية، أما نفس البار فلن يقدر العدو أن يقترب إليها.

ماذا يعني القول: "الأرض مسلمة ليد الشرير" (24:9) سوى أنه إذ خُلق الجسد من التراب، فقد يسمح الله بتسليم أجسادنا الترابية للأشرار ، لكن لا سلطان لهم عليها سوى ما فيها من تراب، أما إذ تحمل الطبيعة الجديدة التي على صورة خالقها وتلبس صورة آدم الثاني الذي من السماء، فلا سلطان لأحدٍ منهم عليها. يرى القديس أغسطينوس أن الكلمة الإلهي نفسه وقد تجسد، أخذ هذا الجسد الترابي وسمح بتسليمه للأشرار للمحاكمة وقتله، لكي لا نخشى الأشرار، بل نشارك مسيحنا آلامه وموته لنختبر قيامته وأمجادها[413].

     غالبًا ما يُسلم البار في يدي الشرير، لا ليُكرم الأخير، وإنما لكي يُختبر الأول، وبالرغم من أن الشرير يأتي إلى موت مهيب كما هو مكتوب (أي 23:9)، إلا أنه في الوقت الحاضر يكون الصديق موضع سخرية، بينما صلاح الله والمخازن العظيمة المخزونة لكل منها مخفية[414].

 القديس غريغوريوس النزينزي

     ما هو معني: "الأرض مُسلمة ليد الشرير" (أي 9: 24)؟ يُسلم الجسد في أيدي المضطهدين، لكن الله لا يترك باره هناك. من الجسد المسبي يحضر النفس التي لا تُغلب[415].

     "الشرير يراقب الصديق محاولاً أن يميته، الرب لا يتركه في يده" (مز 32:37-33). فلماذا إذن ترك الشهداء في أيدي الأشرار؟ لماذا فعلوا بهم ما أرادوا (مت 12:17)؟ ذبحوا البعض بالسيف، وصلبوا البعض، وألقوا البعض للوحوش، وحرقوا البعض بالنار، وقادوا البعض في سلاسل، وأهلكوهم بخططٍ مدمرةٍ. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). بالتأكيد "لم يترك الرب قديسيه" إنه لا يتركهم في أيديهم. أخيرًا لماذا ترك ابنه الوحيد في أيدي الأشرار؟... اسمع ما يقوله سفر آخر متنبأ عن آلام ربنا المقبلة في أيدي الأشرار: "أُعطيت الأرض في أيدي الأشرار" (أي 24:9)... إنه يتحدث عن تسليم الجسد في أيدي المضطهدين. لكن الله لم يترك "صفية" (مز 10:16) هناك، فمن خلال الجسد الذي أُسر، قاد النفس غير المنهزمة[416].

     "هلموا نقتله، فيكون لنا الميراث" (مر 7:12). يا لكم من أغبياء! كيف يكون لكم الميراث؟ هل لأنكم قتلتموه؟ نعم، لقد قتلتموه، لكن لا يكون لكم الميراث... عندما افتخرتم أنكم قتلتموه إنما نام، إذ قال في مزمور آخر: "أنا اضطجعت ونمت".

لقد ارتجوا وأرادوا قتلي، وأنا نمت، لو لم أرد ذلك لما نمت.

أنا نمت، لأن "لي سلطان أن أضع (حياتي)، ولى سلطان ان آخذها أيضًا" (يو 18:10).

"أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت" (مز 5:3).

لتثوروا أيها اليهود،  لتُعطَ الأرض في أيدي الأشرار، أي ليُترك الجسد في أيدي المضطهدين، ليعلقوه على خشبة، ويثبتوه بالمسامير، ويطعنوه بالحربة.

ألم يضف ذاك الذي ينام أنه يقوم أيضًا؟.. متى خُلقت حواء؟ عندما نام آدم! متى خرجت أسرار الكنيسة من جنب المسيح؟ عندما نام على الصليب[417].

     ليثر المضطهدون! لتُسلم الأرض في يد الشرير (أي 10: 17)! ليسمر الجسد على الخشبة بالمسامير، ويُطعن بحربة. فإن ذاك الذي يضطجع وينام يقول "أنا أقوم ثانية[418]".

القديس أغسطينوس

 

 

5. هول متاعبه وحيرته


أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنْ عَدَّاءٍ تَفِرُّ  وَلاَ تَرَى خَيْرًا [25].

سرعة العدائبن (الذين يجرون المركبة) غالبًا ما تُستخدم في العصور القديمة لنقل الرسائل العاجلة. كان الملوك يحتفظون ببعض هؤلاء العداء لخدمة القصر الملوكي.

حينما أرسل الملك حزقيا دعوة إلي جميع إسرائيل ويهوذا للاحتفال بعيد الفصح في أورشليم "ذهب السعاة بالرسائل من يد الملك ورؤستائه، في جميع إسرائيل ويهوذا" (2 أي 30: 6). وفي أيام إرميا يبدو أنه كانت هذه الخدمة قد استقرت وانتظمت، ففي نبوته عن خراب بابل قيل: "يركض عداء للقاء عداءٍ، ومخبرٍ للقاء مخبرٍ، ليخبر ملك بابل بأن مدينته قد أخذت عن أقصى" (إر 51: 31). كذلك استخدم الفارسيون رسل سريعين. اُستخدموا عندما صدر الأمر بقتل جميع اليهود في الإمبراطورية (إس 3: 13، 15)، وأيضًا عندما صدر الأمر للانتقام من أعدائهم: "فخرج البريد ركاب الجياد والبغال، وأمر الملك يحثهم ويعجلهم" (إس 8: 14)[419].

     اخبرني أي شيء ثابت في هذا العالم؟ الثروة التي غالبًا ما لا تبقى حتى المساء؟ أم المجد؟ أستمع ماذا يقول رجل بار: "حياتي أسرع من عدًّاء (a runner)[420].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الله خلق الإنسان ليرى خيرًا، أي يرى الله الخير الأعظم،، أما وقد دخلت الخطية في حياته، ففقد بصيرته الداخلية ولم يعد ينظر النور الإلهي ولا يرى خيرًا، فيتشكك في تصرفات لله.

     خُلق الإنسان لهذا الهدف، أن يرى خيرًا، الذي هو الله. ولكنه إذ لم يرد أن يقف في النور، هرب من النور، وفقد عينيه. على نفس المستوى تعهد الأمور الجسدية بالخطية. فخضع للعمى وصار غير قادر على رؤية النور الداخلي...

لكن عندما نفكر في مثل هذه الأمور متشككين على الدوام (في الله كصانع خيرات) تلح علينا أسئلة صعبة ونحن صامتون: "لماذا يخلق الله شخصًا سبق فرأى أنه سيهلك؛ لماذا وهو الأعظم في القوة والصلاح لم يضع في ذهنه أن يخلق الإنسان عاجزًا عن أن يهلك؟

وإذ في صمته يتساءل الفكر هكذا، يخشى الإنسان أنه في تهوره خلال هذه الأسئلة يسقط في الكبرياء، فيتراجع نحو التواضع الذي يحجم أفكار القلب.

وكلما صار في محنٍ أشد - وسط المتاعب - يتألم بخصوص تفسير المعنى السري للأحداث، لذلك يكمل:" إن قلت لا أتكلم بهذه الطريقة، أغير ملامح وجهي وأصاب الحزن" [ 27].

البابا غريغوريوس (الكبير)

تَمُرُّ مَعَ سُفُنِ الْبَرْدِيِّ. كَنَسْرٍ يَنْقَضُّ إِلَى صَيْدِهِ [26].

هجرته أيام رخائه كسفينة تُسرع نحو مينائها الآمن، وكالنسر الذي ينقض على فريسته في لمح البصر، كما لا يبقى للسفينة أثر بعد عبورها، ولا للنسر في الجو بعد انقضاضه على الفريسة، هكذا عبرت أيام الرخاء وليس من أثرٍ لها. هوذا الزمن يسرع بالإنسان كما إلى الزوال، سرعان ما يعبر بنا إلى الأبدية، فلا يكون للزمن موضع في أبديتنا.

     "حياتنا أسرع من العدٌاء runner تعبر فلا يُرى شيء. إنها كممر سفينة أو كنسر طائر يطلب طعامًا" (9: 25-26 LXX)، هكذا تعبر حياة الإنسان. ما نقوله ننساه، ولا تبقى علامة لعبورنا ظاهرة سوى أنها مملوءة حزنًا وآسى. "ضُربت في كل أطرافي. هل وُجد وسيط بيننا لكي يوبخ ويفصل بيننا" (أي 9: 28، 33 LXX)[421].

القديس أمبروسيوس

     كما لا يترك البحر أثارًا للسفن، ولا يوجد آثار في الهواء للنسر المنقض على الفريسة (حك 5: 10-11)، هكذا يكون غنى العالم عندما يعبر، فإنه لن يترك ذرة من الآثار التي للسعادة. فإن الغنى وما يصدر عنه يُطرح في النسيان. لهذا فإن أيوب كمثالٍ احتقر كل تأثير لتلك الحياة وعدم استقرارها، وهو يشير علينا ألا نرتبط بها.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِنْ قُلْتُ: أَنْسَى كُرْبَتِي، أُطْلِقُ وَجْهِي وَأَبْتَسِمُ [27].

يبدو أن أيوب بدأ يتطلع إلى ما وراء الزمن ليجد أن كربته ستنحل يومًا ما ولا يكون لها وجود، حين تنطلق نفسه من هذا العالم، فتصير كل حياته كظل قد عبر لا أثر له. قال في نفسه أن ينسى ما هو عليه من كربٍ، يترك همومه ويتعزى أو يبتهج (يضحك).

إن أراد أيوب البار ألا يتكلم وسط ضيقته، ووضع في قلبه أن يتجاهل ما حلّ به، فإن ملامح وجهه تشهد عن عنف التجربة وتنطق بقسوة العاصفة وعنفها دون أن ينطق بكلمة.

     الشرور التي تحل عليكم ستعبر، وذاك الذي تنتظرونه بصبرٍ سيأتي. أنه سيمسح عرق التعب. أنه سيجفف كل دمعة، ولا يكون بكاء بعد. هنا أسفل يلزمنا أن نئن وسط التجارب، إذ يتساءل أيوب: "ما هي حياة الإنسان على الأرض سوى محنة؟" (أي 7: 1)[422].

القديس أغسطينوس

َأخَافُ مِنْ كُلِّ أَوْجَاعِي عَالِمًا أَنَّكَ لاَ تُبَرِّئُنِي [28].

يرى أيوب أنه أن دخل حتى مع نفسه في حوار بخصوص آلامه ربما يخطئ في حق الله، لذا يخشى التفكير فيها إذ لا يقدر أن يتبرر. خشي أن يعاتب الله من أجل سماحه له بهذه الآلام، لأنه يعلم أنه بهذا لا يبرئه الله، بل يكون ذلك ضده.

     "كنت أخاف من كل أعمالي، عالمًا أنك لا تبرئني، عندما أكون مذنبًا" [28- 29].

ما هي الأعمال التي مارسها الطوباوي أيوب، هذه قد أوضحها هذا التاريخ المقدس. فقد تعلم أن يسترضي خالقه بتقديم محرقات كثيرة. بحسب عدد أبنائه - كما هو مكتوب - كان يبكر في الصباح وقدم محرقات عن كل واحدٍ منهم، مطهرًا إياهم ليس فقط من الأعمال الدنسة، بل ومن الأفكار الشريرة. سجل لنا بشهادة الكتاب المقدس: "لأن أيوب قال ربما أخطأ بني، وجدفوا على الله في قلوبهم" (1: 5).

مارس مشاعر العطف حيث أعلن عن نفسه عندما أزعجه أصدقاؤه: "ألم أبكِ لمن عسر يومه؟" (30: 25). لقد تعهد القيام بدور الحنو، إذ يقول: "كنت عيونًا للعمي وأرجلاً للعرج" (29: 15).

احتفظ بنقاوة الطهارة في قلبه؛ في هذا يكشف نفسه بكل وضوح في وقارٍ: "إن غوى قلبي على امرأة" (41: 9).

بلغ أعلى قمة التواضع من أعماق قلبه، إذ يقول: "إن كنت قد رفضت حق عبدي وأمتي في دعواهما علي" (31: 13).

لقد وهب بسخاء عظيم، قائلاً: "أو أكلت لقمتي وحدي، فما أكل منها اليتيم؟" (أي 31: 17)... مارس الضيافة قائلاً: "غريب لم يبت في الخارج، فتحت للمسافر أبوابي" (31: 32).

وفي وسط كل هذه الأمور، لتكميل فضائله بأسمى طريق للحب، أحب أعداءه أنفسهم. يقول في هذا: "إن كنت قد فرحت ببلية مبغضي، أو شمت حين أصابه سوء، بل لم أدع حنكي يخطئ في طلب نفسه بلعنة " (31: 29-30).

إذن لماذا كان القديس خائفًا من أعماله (9: 28)، مادام قد مارس علي الدوام أعمالاً تجعل الله يلين أمام العصيان؟ كيف هذا؟ كيف يخاف حتى من هذه الأعمال العجيبة في ذعر، حيث يقول: "أخاف من كل أعمالي" [28] إلا إذا استنتجتا من أعمال القديس وكلماته أننا بالحق نريد أن نسر الله بعد أن تغلبنا على العادات الشريرة يلزمنا أن نخاف من ذات الأعمال الصالحة التي نمارسها. فإنه يوجد على وجه الخصوص أمران يلزم أن نخشاها بصورة جادة في ممارستنا للأعمال الصالحة وهما: الكسل والخداع. قيل بالنبي حسب الترجمة القديمة: "ملعون من يعمل عمل الرب بخداع ورخاوة" (إر 48: 10).

فالإنسان يرتكب جريمة الخداع في عمل الرب عندما يحب ذاته بمبالغة من أجل الأعمال الصالحة التي فعلها. فيبذل كل وسعه أن يحول الأعمال الصالحة إلى مكافأة. كذلك يليق بنا أن نضع في ذهننا أنه يوجد ثلاثة طرق يُمارس فيها الخداع. إن يكون هدفه إما كسب المشاعر الخفية لزملائه المخلوقين، أو طلب المديح، أو نوال نفع خارجي (مادي). على نقيض ذلك قيل بالنبي عن الإنسان المستقيم: "طوبى لمن ينفض يديه عن كل منفعه" (راجع إش 33: 15)... وذلك إن كان لا يهدف إلى نوال مجد باطل من زملائه، ولا إطراء من شفاههم، ولا هبات من أياديهم...

لهذا لأن الأعمال الصالحة ذاتها لا تقدر أن تهرب من الخطية الكامنة ما لم تُحرس بمخافة شديدة. لذلك بحق قال القديس في هذا الموضع: "كنت خائفًا من كل أعمالي".

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَنَا مُسْتَذْنَبٌ،  فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثًا؟ [29]

يرى أيوب أنه عبثًا يُتعب نفسه لكي يتبرأ أمام الله.

     من يعرف وهن الطبيعة البشرية ينال خبرة قوة الله.

الأب مكسيموس المعترف

     يقول: أنا أعرف إنني ضعيف أمام عدل الله اللانهائي؛ أما أمام البشر فإني بار حسب شهادتك (1: 1؛ 8؛ 2: 3).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     هؤلاء لأنهم كانوا ينظرون عظمة الله، ظهر لهم صغر أشخاصهم. كانوا ينظرون إلى أمواج بهائه، وصفاء طبيعته، وعجب أزليته، ومجد عظمته، وقوة عدم محدوديته، وجمال قداسته السامي، وإلى هذه الأمور الموجودة طبعًا منه وعليه وله وبه. فكانت أفكارهم مستنيرة ليروا نفوسهم، ويتأملوا أشخاصهم كما هو مكتوب. كانوا أيضًا محترسين لئلا يوجد جواب الإثم في قلوبهم أو التفكير الذي يؤدي إلى الظن أن صلاح شخصياتهم استحقوه بفضائلهم ليبلغوا إلى قمة عظمة الله[423].

     لا تقدر نفسي أن تثبت في التواضع الحقيقي، وترى صغر ذاتها، وتفكر في فقر طبيعتها، ما لم تبهرها ثروات الله الخفية، ويُحركها سمو منظرها. فالفقر يُترك بالغنى، والظلمة تُبغض بإشراق النور. ويُشعر بتواضع النفس من سمو الله العجيب، من شعر بعظمة الله، يرى صغر ذاته[424].

القديس مار يعقوب السروجي

وَلَوِ اغْتَسَلْتُ فِي الثَّلْجِ  وَنَظَّفْتُ يَدَيَّ بِالأَشْنَانِ [30].

     الثلج هو دموع التواضع الذي فيها تسمو كل الفضائل الأخرى في عيني الديان الحازم... فإن البعض يحزنون، ولكن في غير تواضع، وذلك إذ يحزنون يبكون، ولكن هذه الدموع عينها يقدمونها وهم مستخفين بحياة إخوتهم، أو في تعالي على تدبير خالقهم. هؤلاء لهم ماء ولكن ليس ثلجًا (snow water)، ولن يمكنهم أن يغتسلوا، لأنهم لا يغتسلون بدموع التواضع. أما من يغتسل ويتطهر من الخطية بالثلج، فهو الذي في يقين يقول: "القلب المنكسر والمتواضع لا ترذله يا الله" (مز 51: 17).

     يمكن أيضًا أن يُفهم "الثلج" بمعني آخر. فإن الماء الصادر عن ينبوع وفي مجرى نابع عن الأرض، أما الثلج فيسقط من السماء. كثيرون جدًا يحزنون مولولين على أمور أرضية... إنهم يجرحون بالألم في صلواتهم، ولكن من أجل الأفراح بالملذات الزمنية لذلك فإنهم لا يغتسلون بالثلج، لأن دموعهم نابعة من أسفل...

أما الذين يحزنون لأنهم يتوقون إلى مكافآت في العلا فهم يغتسلون ويتطهرون بالثلج، حيث تفيض عليهم الندامة السماوية. إذ يطلبون الأبدية بدموعٍ وحزنٍ، وقد التهب فيهم الشوق إليها، وبهذا ينالون من العلا الوسائل التي بها يتطهرون.

     ماذا يُقصد بالأيدي سوي "الأعمال"؟ فقد قال النبي لأشخاص معينين: "أياديكم مملوءة دمًا" (إش 1: 15)، قاصدًا "أعمالكم مملوءة قسوة".

البابا غريغوريوس (الكبير)

     في هذه المعركة العظيمة، إذ يعيش الإنسان تحت النعمة فتعينه، وبالتالي يحارب حسنًا ويفرح في الرب بمخافة، فإنه لا يحتاج إلى مقاتلين جبابرة أو مهلكين عتاة لأجل إماتة أعمال الجسد، إنما يمكننا الشفاء من بعض جراحات الخطية بهذا القول اليومي: "وأغفر لنا ذنوبنا" (مت 6: 12)، مجاهدين بهذه الصلاة ضد الرذائل وضد الشيطان رئيس الرذيلة بحرصٍ عظيمٍ جدًا وحذاقة بالغة، مبطلين مشوراته المميتة التي يقدمها ألا وهي عدم إدانة الإنسان نفسه وتقديم أعذار يبرر بها خطاياه.

هذه المشورات (الشيطانية) ليست فقط تترك الجراحات بغير شفاء، بل تدفع بها إلى أضرار خطيرة ومهلكة.

وهنا تظهر الحاجة إلى عفة مملوءة حذرًا، حتى تقمع شهوة الكبرياء البشرية، حيث يسر الإنسان بنفسه، ولا يريد أن يرى في نفسه أنه مستحق للوم. فإذا أخطأ يستنكف من الاعتراف بخطئه، وبدلاً من أن يتهم نفسه بتواضعٍ مشفي، يبحث لنفسه عن عذر يقدمه بزهوٍ مميت.

ولأجل قمع هذا الكبرياء، نجد ذاك الذي طلب العفة من الله بقوله "ضع يا رب حارسًا لفمي وبابًا حصينا لشفتي، ولا تمل قلبي إلى كلام شر"، يخشى لئلا "يتعلل بعللٍ ". فإن هذا "التعليل" أكثر من كلام الشر …

فالشرير ينكر أنه شرير، بالرغم من ارتكابه الشر الذي لا يقدر أن ينكره. فإذ لا يقدر أن يخفي عمل الشر، لأنه واضح أنه قد ارتكبه، يبحث كيف ينسب الشر إلى غيره ظانا بهذا أنه يُبعد نفسه عما يستحقه.

وإذا لا يرغب في نفسه أن يكون مجرمًا، يضيف إلى خطئه خطأ بتقديمه تبريرات. وبدلا من أن يتهم نفسه بخطاياه يقدم أعذارًا دون أن يدري أنه بهذا ينزع عن نفسه العفو لا العقوبة[425].

القديس أغسطينوس

فَإِنَّكَ فِي النَّقْعِ تَغْمِسُنِي، حَتَّى تَكْرَهَنِي ثِيَابِي [31].

كان يُظن في القديم أن ماء الثلج له خاصية تطهير الجلد. كانوا يظنون أن الجلد يصير أبيض بواسطة ماء الثلج، وأنه يمنع العرق. وكان البعض يظن أن الشخص الأسود يمكنه أن يصَّير البشرة بيضاء باغتساله بالثلج.

ليس من طريق للتبرئة أمام الله، فالثلج يعجز عن تنظيف جلده، والاشنان (الصابون أو المطهر) عن تنظيف يديه. ليس من جدوى في ذلك، فإنه كلما حاول الإنسان أن يبرئ نفسه يجد نفسه مغموسًا في الوحل (النقع)، حتى يكره ثيابه ويعاف لمس نفسه.

ولعل أيوب يرى أنه ليس فقط باطلاً يبرئ نفسه أمام من هم حوله، بل مع كل محاولة للتبرئة يكشف الله ضعفاته الخفية، فيرى نفسه غائصًا في الوحل الكريه في نظر الناس. لم يكن أيوب يجسر على الحوار مع الله كما لو كان إنسانًا مثله، فليس للخزف أن يحاور الخزاف.

     واضح أن البشر يدعون أبرارًا ويُقال عنهم أنهم بلا أخطاء، ولكن إن تسلل إهمال إليهم يسقطون. يحتل الإنسان دائمًا المكان الوسط، فيمكن أن ينزلق من أعلى الفضيلة إلى الرذيلة، ويمكن أن يقوم من الرذيلة إلى الفضيلة. لن يكون في أمان، بل يلزمه أن يخشى تحطيم سفينته حتى في الجو الحسن، بهذا لا يمكن لإنسانٍ أن يكون بلا خطية. يقول سليمان: "لأنه لا إنسان صديق في الأرض يعمل صلاحًا ولا يخطئ" (7: 20) كذلك في سفر الملوك: "ليس إنسان لا يخطئ" (2 أي 6: 36). كذلك يقول الطوباوي داود "الأخطاء من يشعر بها؟ من الخطايا المستترة أبرئني ومن خطايا الكبرياء احفظ عبدك" (مز 19: 12-13). وأيضًا: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حي" (مز 143: 2). والكتاب المقدس مملوء من مثل هذه العبارات[426].

القديس جيروم

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) في عبارات أيوب هنا صرخات التوبة حيث يشعر أنه وإن كان بحسب البشر هو بار، لكنه مذنب في عيني الله، فيطلب الصفح. هكذا عاش أيوب كل حياته يطلب التوبة، فتصير حياته مطوبة.

     تستطيع في يوم واحد أن تقتني كل أبدية يا أخي، وفي يومٍ واحدٍ تفقدها. أعطيت لك آلاف الأيام على الأرض لتُستخدم لخلاصك الأبدي أو دينونتك الأبدية. مطوب مئات المرات اليوم الذي تتوب فيه عن كل أعمالك الشريرة وكلماتك الدنسة وأفكارك، وتعود إلى الله بصرخة تطلب الرحمة. هذا اليوم أفضل لك من ألف يوم آخر!

ما هو هذا اليوم المبارك؟ إنه يوم إدانة الإنسان لنفسه. عندما يبزغ فجر ذاك اليوم فإن الإنسان الذي يدين العالم كله حتى ذلك الحين حين يتطلع إلى نفسه أنه أعظم الخطاة على أرض الله. يشعر بالخجل أمام الله، وأمام كل إنسان وأمام كل شيء خلقه الله على الأرض. هذا الخجل يلتهب فيه كنارٍ، عندئذ يعرف ويعترف: "أنا أعظم الخطاة على أرض الله، كل البشر الآخرين أفضل منى... يا رب أرحمني، يا رب أنا الخاطي واغسلني من وحل خطاياي، حتى ابدأ أتشبه بخليقتك."

لا تتوقع يا أخي أن يوم التوبة المبارك يأتي من ذاته، بل تمسك به في أول يوم يلتقي فيه بك، وقل: "أنت هو اليوم المبارك الذي فيه أشتري الحياة الأبدية[427]".

الأسقف نيقولاي فيليميروفيش

     ماذا يقصد "بالثياب" إلا الجسم الأرضي، الذي تلتحف به النفس وتتغطي؟... يقال إن ثيابنا تشمئز منا، إذ تجعلنا مكروهين. لقد شعر بكراهية الثياب ذاك الذي قال: "ولكني أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي" (رو 7: 23). هذه الثياب عينها التي لم يكن قادرًا أن يسر بها نهائيا رغب بكل غيرة أن يلقيها جانبًا لكي يستردها يومًا ما في حالة أفضل بكثير، قائلاً: "ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت؟"

البابا غريغوريوس (الكبير)

6. الحاجة إلى وسيط


لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي،  فَأُجَاوِبَهُ فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ [32].

     هذا ما يعنيه تقريبا؟ إن كان الذي يعاقبني إنسانًا، فإن عقوباته لا تدين بالتمام من يسقط تحتها. أستطيع أن أحاكم أمامه، وأبرهن له أنه ظالم، ولكن لأنك أنت هو الله فهذا مستحيل.

 القديس يوحنا الذهبي الفم

لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ  يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا! [33]

شكوى أيوب تمثل صرخة البشرية منذ سقوطها، فهي في حاجة إلى مصالحٍ يمكن اللجوء إليه ليرد الإنسان إلى الأحضان الإلهية. من هو هذا الذي له القدرة أن يمد يده بالحب ليضم الإنسان إلى الله. من هو هذا الذي له تلك الدالة إلا كلمة الله المتجسد، الذي هو واحد مع الأب في ذات الجوهر، ومساوٍ له، وقد صار واحدًا مع بنى البشر، صار آدم الثاني.

إذ الشفيع ربنا يسوع المسيح وحده بلا خطية، فهو قادر أن يقوم بعمل المصالحة بين الآب والإنسان.

     ألا ترون كيف أعلن أيوب عن مجيء المسيح، متنبأ تحت مظهر هذه الصلاة، سرّ وسيط حياتنا؟ لهذا قال أيضًا بولس: "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح" (1 تي 2: 5). فإنه ماذا يحدث لو أن المسيح قد تجسد وقام بتكرار ما قاله إشعياء في توبيخه للناس؟ "اغتسلوا، تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني. كفوا عن فعل الشر. تعلموا فعل الخير. اطلبوا الحق، أنصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة. هلم نتحاجج يقول الرب. إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج" (إش 1: 16- 18).

لماذا قيل عن المسيح أنه "الوسيط"؟ لأنه أخذ شكل الإنسان والله (في 2: 6) فإنه من الضروري للوسيط أن يكون قادرًا على قيادة الأعداء للمصالحة (رو 5: 10)، أن يحمل وجه الاثنين، فإنه بهذا يحقق الاتفاق والمصالحة. وإذ يريد المسيح أن يصالح الإنسان مع أبيه (2 كو 5: 18)، إذ هو الله وصار إنسانًا (في 2: 7) أخذ شكل الاثنين.

بل ذهب إلى أبعد من هذا؛ إذ يعلن للبشر ما يفعله في أمر دينونتهم، كيف أنه الديان وهو المحب لهم، وكيف يبرز الديان كصانع الخيرات والرؤوف، فإنه يصف الاغتسال، شاهدًا عن الغسل بالمعمودية.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     "لنا سلام مع الله" (رو1:5)، من خلال ربنا يسوع المسيح الذي صالحنا مع الله خلال ذبيحة دمه...

جاء المسيح لكي يُهْلِك الأعداء، ويصنع السلام، ويصالحنا مع الله الذي فَصَلْنَا عنه حاجز الشر الذي أقمناه بخطايانا.

     ظهر في هيئته الجسدية وبذل ذاته كجسدٍ، يجذب لنفسه الجسديين حتى يُحوِّلهم أولاً إلى شبه الكلمة الذي صار جسدًا، ثم بعد ذلك إلى ما كان عليه قبل أن يصير جسدًا.

العلامة أوريجينوس

لِيَرْفَعْ عَنِّي عَصَاهُ  وَلاَ يَبْغَتْنِي رُعْبُهُ [34].

     من يقدر أن يرفع عصا الله، أي غضبه الإلهي، فلا يعود يرتعب الإنسان منه؟ إنه ربنا يسوع المسيح الذي وضع إثمنا عليه، ودخل بنا إلى الحب الإلهي فصرنا بروحه القدوس أبناء لله، لنا من الدالة عليه.

"ليرفع عني عصاه" [34]، فإنه إذ تجسد وصار مثلنا فلا يضربنا بالعصا ولا بالخوف، بشرط أن نهرب إلى نعمته وإلي الإيمان، نهرب إلى ذاك الذي قام من الأموات: قال الملاك للنسوة: "لا تخفن" (مت 28: 5؛ 10). وعندما ظهر للتلاميذ استخدم ذات اللغة مرة أخرى. في هذا المعني أكمل أيوب: "إذا أتكلم ولا أخافه [35]. فقد أبطل الخوف عنا، وشيّد ناموس الحب (مت 22: 37- 39). هذا ما كتبه يوحنا اللاهوتي: "المحبة الكاملة تطرد خوفنا" (راجع 1 يو 4: 18).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِذًا أَتَكَلَّمُ وَلاَ أَخَافُهُ. لأَنِّي لَسْتُ هَكَذَا عِنْدَ نَفْسِي [35].

بالمُصالح ندخل إلى الأب في دالة البنوة، نتمتع بحبه، ونفرح بالاتحاد معه.

     في الناموس امسك الله العصا، حيث قال: "إن فعل إنسان هذا أو ذاك ليمت موتا". وأما في تجسده فقد نزع عصاه، مظهرًا طريق الحياة بوسائل لطيفة. فقد قيل له بالمرتل: "تقدم وأملك وتهلل من أجل الحق والدعة والبرّ". فإنه لا يفكر في أن يخيف بكونه الله، بل يسكن في قلوبنا كأبٍ يحب. كما يعلمنا بولس بوضوح: "إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف، بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا، الآب" (رو 8: 15). لهذا لاق أن يضيف هنا: "إذًا أتكلم ولا أخافه" [35]، لأنه إذ رأى القديس مخلص العالم قادمًا في وداعة لم يلتحف بالخوف، بل بنعمة التبني صعد إلى الحب. يقول يوحنا: "لا خوف في المحبة، بل المحبة الكاملة تطرد الخوف" (1 يو 4: 18). ويقول زكريا: "منقذين من أيدي أعدائنا نعبده" (لو 1: 74).

فالخوف ليس له قوة ليقيمنا من موت الخطية، لكن نعمة الوداعة المنسكبة تقيمنا إلى عرش الحياة. هذا ما أشير إليه بأليشع، فإنه إذ أرسل خادمه بالعصا لم يرد الحياة للصبي الميت مطلقًا. ولكن عند مجيئه شخصيًا بشخصه وبسط نفسه على الجسم الميت، ولصق نفسه بأعضائه ومشى هنا وهناك، ونفخ في فم الجسم الميت سبع مرات، رده إلى نور الحياة الجديدة خلال خدمة الحنو... فالله إذ قدم رعب الناموس بواسطة موسى يكون كمن أرسل العصا بواسطة الخادم. لكن عندما جاء بشخصه وبسط نفسه في تواضع على الجسد الميت جعل نفسه ملتصقًا بأعضاء الجسد الميت". الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كانسان..." (في 2: 6 -8).

لقد نفخ في الجسم الميت سبع مرات، وذلك بالإعلان عن النعمة الإلهية، واهبًا روح النعمة السباعية للذين انطرحوا في موت الخطية. بعد هذا قام حيًا، في ذاك الصبي الذي لم تستطع عصا الرعب أن تقيمه إنما نال الحياة بروح الحب.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     لماذا تخافون أيها المسيحيون؟

المسيح يتحدث: "أنا هو لا تخافوا".

لماذا تنزعجون لهذه الأمور؟ لماذا تخافون؟

لقد سبق فأخبرتكم بهذه الأمور أنها ستحدث حتمًا... "أنا هو لا تخافوا. فرضوا أن يقبلوه في السفينة".

إذ عرفوه وفرحوا تحرروا من مخاوفهم. "وللوقت صارت السفينة إلى الأرض التي كانوا ذاهبين إليها". وُجدت نهاية عند الأرض، من المنطقة المائية إلى المنطقة الصلدة، من الاضطراب إلى الثبات، من الطريق إلى الهدف[428].

القديس أغسطينوس

     إرادة الله لا أن يخلّصك من المخاوف بل يحثّك على ازدرائها، فإن هذا أعظم من التخلُّص منها[429].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

 

 
تفسير سفر أيوب اصحاح10 PDF Print Email

هل التفكير في المصير هو الحل؟


يصعب علينا أن نحكم على أيوب، إذ لم نتعرض لنكباتٍ مثله، بذات الصورة من جهة الكمية والتنوع، مع عنصر المفاجأة. هذا بجانب أنه لم يكن لديه الشريعة ولا الإنجيل، حيث تعلن لنا كلمة الله عن دور الشيطان كخصمٍ مقاومٍ لا يهدأ، وعن الخطية، وأيضًا عن الحياة المقبلة، ومع هذا مع ما لدينا من إمكانيات روحية تسندنا، ففي مواقفٍ كثيرةٍ يصعب علينا إدراك أحكام الله.

في هذا الأصحاح نرى أيوب المُجرب يصارع بين الحقائق التالية:

1. إدراكه أنه لم يفعل شرورًا خفية تستوجب مثل هذه التجارب المُرة من كل جانبٍ.

2. في نفس الوقت كان على يقينٍ من الرعاية الإلهية الفائقة، فهو خليقته المحبوبة جدًا لديه.

3. لا يمكن لإنسانٍ أن يفحص حكمة الله، ولا أن يقف أمامه ليحاوره كمن في ساحة القضاء.

4. واثق من عدل الله، فهو ليس بظالمٍ.

5. عاجز عن أن يصمت، فالتجربة فوق احتمال الطبيعة البشرية.

أمام هذه الحقائق يرى أيوب أن الحل الوحيد هو التفكير في المصير المحتوم. كأنه يقول لله: إن كنت لا تقدر أن تقدم لي أسسًا مقنعة لتعاملك هكذا مع شخصٍ بريء مثلي [٢-٣]، وإذ لا يمكنك أنك تُخدع كما قد يُخدع القضاة البشريون [٤-٥]، فهل قررت منذ البداية أن تعاملني كخاطيء، سواء كنتُ مذنبًا أم غير مذنب؟ هل كُتب عليَّ المصير الزمني بالدمار [٦-٧]؟

ولكن كيف يمكن أن يتفق هذا مع معجزة خلقتي عندما كونتني من التراب إلى لحمٍ وعظام؟ [٨-١١] فإنك حتى الآن لازلت تهبني الحياة وترعاني [١٢]، لكن يبدو أنك من البداية وضعت المصير الخفي بتدمير كل ما أعطيتني إياه [١٣]، بغض النظر إن كنتُ صالحًا أو شريرًا [١٤-١٥]، حتى وإن كنت قادرًا أن ارتفع لأبرهن على براءتي، فقد صممت أن تصطادني وتسكب عليّ آلام وأحزان، لكي تشهد على ذنبي أمام أعين العالم [١٦-١٧].

بالتأكيد كان الأفضل أنني لم أكن قد وُلدت عن أن أبقى حيًا [١٨-١٩]. لكن إذ أنا حيّ، فحياتي على الأكثر قصيرة هكذا، حيث تصوب عذاباتك عليّ، إذ سرعان ما يحل بي الموت، حيث الظلمة والمصير النهائي [٢٠-٢١].

يكمل أيوب حديثه في الرد على بلدد، فمع تأكيده أن جميع الأبرار كما الأشرار يتعرضون للتجارب، لكن تحت ثقل النكبات صار يئن، وليس له أن يتبرر أمام الله إلا أنه يشكو من عجزه عن أن يرزح تحت المتاعب التي حلت به. كأن يتردد بين التزامه التسليم بين يدي الله، وبين ثقل الحمل وشهوة التخلص منه بالموت.

1. صارت حياته كريهة     1-7.

2. حياته في يد الله         8-13.

3. عدالة الله ورحمته      14-17.

4. الموت نهاية الأتعاب     18-22.


1. صارت حياته كريهة


قَدْ كَرِهَتْ نَفْسِي حَيَاتِي.
أُسَيِّبُ شَكْوَاي،  َأَتَكَلَّمُ فِي مَرَارَةِ نَفْسِي [1]. 

في شيءٍ من الشجاعة يقف أيوب أمام الديان ليرفع شكواه إلى من أصدر الحكم عليه بالدخول في ضيقات مرة. لقد أدرك أيوب المُجَّرب أنه ليس من طريق للشكوى فيما حلٌَ به بسماح من الله إلا أن يرفعه إلى الله نفسه.

عجز أيوب عن أن يدافع عن نفسه أمام الله، وقد خشي عظمته، ولم يجد من يصالحه معه، عندئذ صرخ: "قد كرهت نفسي حياتي". اشتهى الموت يأسًا.

أطلق أيوب شكواه ضد نفسه، فهو لا يتهم الله بالظلم والقسوة، إنما يتهم نفسه بالجهل، لا يعرف أساس الخصومة، إذ افترض أيوب أن العيب فيه، لكنه لا يعرفه.

لم يرد أن ينطق بكلمة، لئلا يخطئ، لكن انطلقت المرارة التي في داخله تتكلم. وكما يقول الرسول "الخطية الساكنة فيّ" (رو 7: 20).

     "نفسي قلقة من جهة حياتي" [1]. الآن إذ بدأت الحياة الحاضرة أن تصير بلا طعم، وتصير محبة الخالق عذبة، التهبت النفس ضد ذاتها، فتتهم ذاتها بالخطايا التي كانت قبلاً تبررها، بكونها تجهل العلويات. لهذا أكمل: "أسيب كلامي ضد نفسي" [1].

البابا غريغوريوس (الكبير)

     لتكن آلامك كتبًا تنصحك.

مار أفرآم السرياني

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن أيوب البار وسط المحن الشديدة ارتفع قلبه نحو السماويات، والتهب قلبه بالحب نحو الله، فتجلت أمامه الخطايا التي لم يكن يشعر بها قبلاً أو التي كان يستتفهها أو يبررها، لذلك كره ما كانت عليه حياته، وصار هو متهمًا لنفسه، يسمح لنفسه أن ينطق بشكواه ضد نفسه.

صار أيوب ديانًا لنفسه، حتى لا يسقط تحت الدينونة في يوم الرب العظيم الذي يستذنبه. إنه يفضل أن يستذنب نفسه قبل أن يستذنبه الله حتى في هذا العالم، فيسخر منه أعداؤه حين يسلمه الله لهم لتأديبه. حقًا ما أعذب أن يلقي الإنسان باللوم على نفسه!

هكذا تتحول الضيقة من ثقل يمرر النفس، إلى تمتع بثقل أمجادٍ أبديةٍ، نختبرها وسط الآلام. لذا يقول الرسول بولس: "لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدي" (2 كو 17:4).

     "أتكلم في مرارة نفسي"، من يخبر عن خطاياه، مشمئزا منها، يلزمه أن يتكلم في مرارة نفسه، حتى أن المرارة ذاتها تعاقب اتهامات لسانه في تبريره لضميره. لكن يلزمنا أن نضع في ذهننا أنها تجلب نوعًا من الأمان من آلام الندامة التي تسدد ضربة إلى نفسها، وعندئذ ترتفع بثقة أعظم لمواجهة استجواب الديان السماوي.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     لا ترجع النفس إلي الله إلا إذا انتزعت من العالم، ولا ينزعها بحق إلا التعب والألم.

القديس أغسطينوس

     لم تكن طبيعة بولس الرسول تختلف عن طبيعتنا؛ ولا نفسه مختلفة عن نفوسنا، ولا عاش في عالمٍ آخرٍ، بل سكن في نفس العالم والمدينة وخضع لنفس القوانين والعادات، لكنه فاق في الفضيلة كل البشر في الماضي والحاضر. الآن، أين هؤلاء المعترضين على صعوبة الفضيلة وسهولة الخطية؟ فهذا الرجل يدينهم بكلماته: "لأن خفة ضيقاتنا الوقتية تُنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدىٍ" (2 كو 17:4). فإن كانت ضيقاته محتملة وخفيفة، فكم بالحري ضيقاتنا التي إن قارنتها صارت كلا شيء أو مجرد لذٌات؟...

احتضن بولس الآلام بمحبة بلا مُقابل، وتحْمَل بكل فرحٍ ما اعترضه من صعوبات وعوائق في طريق الفضيلة. فلم يتضايق من ضعف الجسد أو ضغوط المسئولية أو بطش العادات، ولا من أي شيءٍ آخر. عِلاوة على ذلك فاقت مسئولياته كل مهام القادة والملوك، لكنه كان يزداد في الفضيلة يوميًا. وصار ازدياد المخاطر سببًا في التهاب غيرته بالأكثر، فقال: "أنسى ما هو وراء، وأمتد إلى ما هو قدام" (في 13:3).

عندما اقترب منه الموت، دعا الجميع لمشاركته هذا الفرح، قائلاً: "وبهذا عينه كونوا أنتم مسرورين أيضًا، وأفرحوا معي" (في 18:2). فكان يتهلل فرحًا في الضيق والألم وفي كل مذلةٍ. كتب إلى أهل كورنثوس: "لذلك أُسَر بالضيقات والشتائم الضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح" (2 كو 10:12). ودَعا ذلك أذرع العدالة، موضًحًا أنها مصدر مثمر لفائدته، فصار لا يُهزَم أمام أعدائه. وبالرغم من الضرب والاضطهاد والشتم كان كمن في عرسٍ مبهجٍ، مُصحِحًَا الكثير من مفاهيم النصرة، متهللاً فرحًا، شاكرًا الله بقوله: "ولكن شكرًا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين" (2 كو 14:2)[430].

     ما أمجد الآلام! بها نتشبه بموته!

كما يُلقى ممحص الذهب بقطعة الذهب في الفرن لتحتمل النار إلى حين حتى يراها قد تنقت، هكذا يسمح الله بامتحان البشرية بالضيقات حتى تتنقى وتحصل على نفعٍ عظيمٍ... فليتنا لا نضطرب ولا نيأس عندما تحل بنا التجارب. لأنه كما أن ممحص الذهب يعلم الزمن الذي ينبغي أن يترك فيه الذهب في الفرن، فيُخرجه في الوقت المعين، ولا يتركه بعد في النار، حتى لا يفسد ولا يحترق، هكذا كم بالأكثر يعلم الله ذلك. فعندما يرانا قد تنقينا بالأكثر، يعتقنا من تجاربنا حتى لا ننطرح ونُطرد بسبب تزايد شرورنا.

عندما يحل بنا أمر ما لم نكن نتوقعه، لا نتذمر ولا تخور قلوبنا، بل نتحمل الله الذي يعرف هذه الأمور بدقةٍ، حتى يمتحن قلوبنا بالنار كيفما يُسر، إذا يفعل هذا بهدفٍ لفائدة المجربين، لذلك يوصينا الحكيم قائلاً بأن نخضع لله في كل الأمور، لأنه يعرف تمامًا متى يخرجنا من فرن الشر. (حكمة يشوع 1 :1، 2)

نخضع له على الدوام، ونشكره باستمرار، محتملين كل شيءٍ برضا، سواء عندما يمنحنا بركات أو يقدم لنا تأديبات. لأن هذه الأخيرة هي نوع من أنواع البركات.

فالطبيب ليس فقط يسمح لنا بالاستحمام (في الحمامات)... أو الذهاب إلى الحدائق المبهجة، بل وأيضًا عندما يستخدم المشرط والسكين هو طبيب!

والأب ليس فقط عندما يلاطف ابنه، بل وعندما يؤدبه ويعاقبه... هو أب!

وإذ نعلم أن الله أكثر حنوًا من كل الأطباء، فليس لنا أن نستقصي عن معاملته، ولا أن نطلب منه حسابًا عنها، بل ما يحسن في عينيه يفعله. فلا نميز إن كان يعتقنا من التجربة أو يؤدبنا لأنه بكلٍ من الطريقين يود ردنا إلى الصحة، ويجعلنا شركاء معه، وهو يعلم احتياجاتنا المختلفة، وما يناسب كل واحدٍ منا، وكيف، وبأية طريقة يلزمنا أن نخلص.

لنتبعه حيثما يأمرنا، ولا نفكر كثيرًا إن كان يأمرنا أن نسلك طريقًا سهلاً وممهدًا أو طريقًا صعبًا وعرًا[431].

القديس يوحنا الذهبي الفم

قَائِلاً لله: لاَ تَسْتَذْنِبْنِي. فَهِّمْنِي، لِمَاذَا تُخَاصِمُنِي! [2]

مع ما يبدو في أيوب من تذمرٍ، لكنه يعلن جهله عن سرّ الخصومة ويستذنب نفسه، وإن كان لا يعرف ما هو ذنبه، لهذا في تواضع يطلب: "لا تسذنبني"، أي لا تفصلني عنك.

إذ سمحت لي بحمل الآلام، فلا تسمح للخطية علة تعبي أن تستقر في داخلي.

إذ سمحت لي بعصا التأديب، لا تسمح بهلاكي.

أدبني لكن لا تحكم علىّ إني مستحق للدينونة. وكما يقول الرسول: "إذ قد حُكم علينا نؤدب من الرب لكي لا نُدان مع العالم" (1 كو 11: 32).

ما اشتهاه أيوب تحقق بالمسيح يسوع: "إذ لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" (رو 8: 1).

يسمح الله بالتجارب لكي يصرخ المؤمن طالبًا المعرفة، واكتشاف أسرار الله: "فهمني، لا تخاصمني".

خلال الضيق أدرك أيوب البار أنه خاطي، لكن هذا لا يكفيه، بل يريد من الله أن يهبه فهمًا ليدرك ما هي خطيته، فيعترف بها لله، ويهرب منها خلال النعمة الإلهية.

     عظيم هو الإيمان، وعظيمة هي قوة الضمير، أن يستدعي الإنسان الله كشاهدٍ على تحقيق هدفه.

لم يرفض أيوب ما يحل به خلال حاله البشري، إنما يرفض ما يأتي من عدم القداسة، معترفًا أنه يحل به عن ضعفٍ.

أن يخطئ الإنسان هذا من خلال واقعه البشري، لأنه ليس أحد مُستثنى من السقوط.

أما أن يعمل بطريقٍ غير مقدس، فهذا ليس من حاله البشري، إنما هو سم عدم الإيمان خلال القلب الشرير.

لا يليق بالإنسان البار أن يفعل هذا.

تعتمد المغفرة للإنسان على مراحم الله، لا على قوة الإنسان[432].

القديس أمبروسيوس

     "قائلاً لله: لا تدينني، فهمني لماذا تخاصمني؟" [2] إذ يعلن عن نفسه أنه خاطي، "في مرارة نفسه"، ماذا يقول لله إلا أنه يطلب ألا يُدان، حيث أن مرارة ندامته الحاضرة تنزع آلام السخط عن خطاياه؟

يدين الله الإنسان في هذه الحياة بطريقين: بإدراك أنه بالمتاعب الحاضرة قد بدأ فعلاً أن يجلب عليه العذابات العتيدة، وإلا أن يرفع العذابات العتيدة خلال الضربات الحالية...

يُخَّلص التأديب من الويل أولئك للذين يتغيرون وحدهم. أما الذين لا ينصلحون بالمتاعب الحاضرة، فيدخلون إلى متاعبٍ أخرى كنتيجة لذلك.

لو أن بعض العقوبات الحاضرة لا تحفظ من الويل الأبدي، ما كان بولس يقول: "ولكن إذ قد حُكم علينا نؤدب من الرب، لكي لا ندان مع العالم" (1 كو 11: 32). كما قيل ليوحنا بصوت الملاك: "إني كل من أحبه أوبخه وأؤدبه" (رؤ 3: 19)، كما كتب: "لأن الذي يحبه الرب يؤدبه، ويجلد كل ابن يقبله" (عب 12: 6)...

بعدلٍ قيل هنا: "فهمني، لماذا تحاكمني؟" [2]. وكأنه يقول بوضوح: لقد مارست حكمك عليّ بضرباتك علي، لكي بهذه الضربات تجعلني في أمانٍ من الدينونة.

يمكن أيضًا أن تفهم هذه العبارة بمعنى آخر. كثيرًا ما يتقبل البار ضربات التجربة، وإذ يمتحن حياته بالعين الحاذقة التي تستجوبه لا يقدر أن يحدد أية خطية علي وجه التدقيق لأجلها قد ضُرب، حتى وإن شعر في نفسه أنه خاطي. إنه يرتعب بالأكثر تحت العصا بالنسبة لجهله السبب الحقيقي للضربات. إنه يصلي للديان ليُظهر له غاية ضربه إياه، حتى يتأدب بالبكاء على خطيته. فهو متأكد تمامًا أن المنتقم البار لن يُحزن أحدًا بظلمٍ. وأنه قد وُضع تحت الجلدات كإنذارٍ خطيرٍ، ومع ذلك لم يقدر أن يكتشف من نفسه ما يجب أن يحزن عليه

أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِم،َ أَنْ تَرْذُلَ عَمَلَ يَدَيْكَ، وَتُشْرِقَ عَلَى مَشُورَةِ الأَشْرَارِ؟ [3]

عاد أيوب يعاتب الله كمن شعر بالظلم، إذ يترك الأشرار يتممون مشورتهم الشريرة في حياة مؤمنيه الذين هم من عمل يديه.

واضح في السفر كله أن أيوب لم ينسب الظلم إلى الله، لكنه كان في حيرة شديدة، إذ لم يعرف كيف يفسر الأحداث بالرغم من إدراكه وتأكده من عناية الله.

إذ يركز الإنسان في ضعفه على الضيقات التي حلت به، يتعجب كيف يترك الله الأشرار يتممون مشوراتهم الشريرة ضد أولاد الله. يظن الإنسان كأن الله قد نسي أنه عمل يديه، وموضع رعايته، وأنه ترك الأشرار يفعلون ما يريدون.

لكن إذ يرفع المؤمن نظره إلى الله، يدرك أنه الطبيب السماوي الصالح الذي يحٌَول مشورات الأشرار لبنيان أولاده ومجدهم. يسمح لهم أن يمارسوا الضيق، لكنه يهب أولاده قدرة على الصبر والاحتمال. لن يسمح الله بتجربة فوق طاقة مؤمنيه وإمكانياتهم! بحق نترنم قائلين: "قد كسر الرب عصا الأشرار، قضيب المتسلطين" (إش 5:14) .

     الرب لم "يهتم بمشورة الأشرار" بطريقة تكبح نفس البار، حتى عندما يسلم جسده لفنون تجربتهم له... لكن حدة مشورتهم تصير كلا شيء، إذ يكيف الخالق الضربات حسب قدرتنا على الاحتمال...

حسنًا قال بولس: "ولكن الله أمين، الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضا المنفذ، لتستطيعوا أن تحتملوا" (1 كو 10: 13). فلو أن الله الرحيم يسمح بالتجارب فوق قدرتنا، بالتأكيد ما كان يوجد إنسان يقدر أن يقف أمام خطط الأرواح الشريرة الماكرة دون أن يسقط أرضًا.

     إنه بلياقة يضيف: "عمل يديك"، كمن يقول بصراحة: إنك لن تضغط بقسوة صلدة على من تذكر أنك قد خلقته بنعمتك.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     لم يقل: "لماذا تتبرأ من البار، الإنسان الفاضل"، بل من "عمل يديك".

القديس يوحنا الذهبي الفم

     "أنت تهتم بمشورة الأشرار"، فإن كان بسبب خطاياي (تؤدبني)، فكيف تهتم بمشورتهم؟

     حقًا يتألم الأبرار في الوقت الحاضر في حدودٍ معينة، وفي الوقت الحاضر يطغي الأشرار على الأبرار، كيف؟ يبلغ أحيانًا الأشرار مراكز عالمية، فيكونوا قضاة أو ملوكًا. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يفعل الله هذا لتأديب قطيعه، لتأديب شعبه... لكنه لا يترك العصا هكذا. فإن عصا الأشرار تُترك إلى حين على نصيب الأبرار، لكنها لا تُترك إلى الأبد.

القديس أغسطينوس

     "أورشليم الجبال حولها، والرب حول شعبه من الآن وإلى الدهر" (مز 2:125)... يقول: إن كانت حتى الجبال محصِّنة لها، فهي في حاجة إلى الحصانة من الرب لكي تكون منيعة... ليس لها أن تثق في سلسلة الجبال.

ما الذي يجعلها مُحصنة، انظروا هذا: "لأن الرب لا يسمح لعصا الخطاة أن تستقر على نصيب الصديقين" (مز 3:125). إنه يشير إلى سبب لائق لنوال معونة الرب، حتى يشجعهم أن يثقوا فيه. ما هو؟ يقول المرتل: إنه لم يحتمل أن يكون صلاح الصديقين في أيدي الخطاة...

إنه لا يسمح لهم أن ينالوا سلطانًا على ميراث الأبرار، فإن سمح به، إنما إلى حين لأجل إصلاحهم ونصحهم وتأديبهم[433].

القديس يوحنا ذهبي الفم

أَلَكَ عَيْنَا بَشَرٍ، أَمْ كَنَظَرِ الإِنْسَانِ تَنْظُرُ؟ [4]

وثق أيوب أن عيني الله ليستا كعيون البشر الجسدية، فهو يري في الظلام، ويعرف الخفيات، عيناه في كل مكان (أم 15: 3)، تجولان في كل الأرض (2 أي 16: 9). كل شيء مكشوف أمام الله. لهذا يقول الرسول: "نحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق" (رو 2: 2).

مادام الله مدركًا لأسرار قلب أيوب، ويعلم محبته له ونقاوة قلبه، فهو ليس بمحتاجٍ أن يسمح للعدو أن يجربه كيف يتزكى أمام الرب.

حقًا لم يكن الله محتاجًا أن يُسلم أيوب للتجربة لكي يفحص أعماقه، إنما سمح بذلك ليخزي عدو الخير، ولكي يتزكى بالأكثر أيوب خلال صبره واحتماله بشكرٍ دون أن يجدف على الله.

في عتاب صريح يقول أيوب لله إن عينيه ليست كعيون البشر، فهي فاحصة لأعماق الإنسان بلا حدود، تعرف حتى ما سيفعله في المستقبل، فما الحاجة لفحصه؟ يسأله ألا يسلمه للشرير حتى لا يضغط عليه فيخطئ.

     "ألك عينا بشر، أم كنظر الإنسان تنظر؟" [4]... لا تقدر أعين الجسد أن تتطلع إلي أعمال الحقبات الزمنية إلا في حدود زمنٍ معين، علاوة على هذا فإن أيام البشر وسنواتهم تختلف عن أيام الأبدية وسنواتها. حياتنا تبدأ في زمنٍ وتنتهي في زمنٍ، بينما الأبدية فبلا حدود...

البابا غريغوريوس (الكبير)

     "أم كنظر الإنسان تنظر؟" هذه الكلمات معناها... ليس من ضرورة لك أن تفحص أيوب، وتمعن النظر فيه لتنظره إن كان هو كما يدعي العدو، فإذ أنت هو الله تعرفه مقدمًا. إنك لا تنظر كما ينظر المائت، فلماذا سُلمت أنا للعدو ليلزمني أن أرتكب إثمًا؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

أَأَيَّامُكَ كَأَيَّامِ الإِنْسَانِ أَمْ سِنُوكَ كَأَيَّامِ الرَّجُل [5].

كما أن الله غير محدود، فإن أيامه غير محدودة، هو خالق الزمن. أيام الإنسان كما قال ليعقوب لفرعون: "قليلة ورديئة"، عرضة للتغيير. لذا فإن نظرة الله للأمور وأحكامه تختلف عن نظرة الإنسان. فبالنسبة لله الماضي كما الحاضر والمستقبل، الكل حاضر قدامه.

حَتَّى تَبْحَثَ عَنْ إِثْمِي، وَتُفَتِّشَ عَلَى خَطِيَّتِي؟ [6]

يرى أيوب أن الله أعظم من أن يبحث عن خطيته أو يفتش عن إثمه، أو أن أيوب في عيني نفسه أتفه من أن ينشغل به الله ليبحث عن خطاياه. وكأنه يقول مع إرميا النبي: "قد عرفنا يا رب شرنا، إثم آبائنا، لأننا قد أخطأنا إليك، لا ترفض لأجل اسمك. لا تهن كرسي مجدك" (إر 14: 20-21).

     كأنه يقول وهو يتساءل في تواضعٍ: لماذا تفحصني بالضربات في زمنٍ، بينما حتى قبل أن يوجد الزمن تعرفني معرفة كاملة في داخلك؟ لماذا تقيم استجوابًا عن خطاياي خلال الضربات، وأنت بقدرة أبديتك تعرفني قبل أن تخلقني؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

فِي عِلْمِكَ أَنِّي لَسْتُ مُذْنِبًا، وَلاَ مُنْقِذَ مِنْ يَدِكَ [7].

سبق أن اعترف أنه خاطئ، لكنه ليس بالمعاند الشرير والمقاوم لله ووصيته، ولا بالمرائي. لهذا يقول: "في علمك إني لست مذنبًا".

هكذا يليق بنا أن نعترف أننا خطاة، لكننا بالنعمة نعلن له مع الرسول: "أنت تعرف إني أحبك" (يو 21: 17).

مع اعترافي بأني شرير، لكن ليس من ينقذني من يدك سواك! إليك ألجأ فلا تغضب عليّ!

     "ليس من يفلت من يدك"، إنه كمن يقول بوضوح: ماذا لك سوى أن تصفح، يا من لا يقدر إنسان على مقاومة قدرتك؟ فإنه كما لا يوجد من ينعم بافتقادك عن استحقاق بسموه، هكذا، فإن حنوك هو الذي يسمح بنوال المغفرة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

    حتى إن قدمت شهادة عني، فإني لا أستطيع أن أخلص ببري، وإذ أنت تريد أن تضربني لا أقدر أن أخلص نفسي، لأنه "من يقدر أن ينقذني من يديك؟" كل الخليقة في يمين هذا الذي له المجد الأبدي.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

 2. حياته في يد الله


يَدَاكَ كَوَّنَتَانِي وَصَنَعَتَانِي كُلِّي جَمِيعًا.
أَفَتَبْتَلِعُنِي؟ [8]

الإنسان مدين لله بوجوده، لكن عندما تحلّ به تجربة يرى كأن الله يريد أن يبتلعه.

استخدم كثير من الآباء الكنسيين هذه العبارة للرد على أتباع ماني وغيرهم ممن ادعوا أن جسم الإنسان عنصر ظلمة، وأنه فاسد بطبعه يجب الخلاص منه[434].

يرى القديس مار يعقوب السروجي أن الجسد لا يستطيع أن يعيش وحده، كذلك لا تستطيع النفس أن تعيش وحدها. [لم يُمنح الجسد حياة دائمة من دون النفس، ولم تُمنح النفس إحساسًا من دون الجسد. فحياة النفس هامدة بدون الجسد، والجسد الموضوع في التراب يبقى بدون حياة.]

أشار كثير من آباء الكنيسة إلى أن إحدى بركات التجسد الإلهي، أن الله ردّ للجسد الذي خلقه كرامته، إذ لم يأنف كلمة الله الأزلي أن يحمل جسدًا بشريًا حقيقيًا، ويمارس أعمالاً جسدية.

     من أجل أن الكلمة نزل وأتى ليكون جسدًا مع الجسدانيين، سار في طريق كل المولودين، وبقي في العالم ثلاثين سنة بتواضعٍ. حينئذ بدأ يفعل بقوة جبروته.

عجيب أنه كان ساكنًا في بيت النجار، ومختلطًا بهم، ويسلك حسب عادتهم...

العجب أن السماوات ممتلئة من تمجيده، وقد اكتفي ببيتٍ صغيرٍ يتربى فيه!...

صار طفلاً ورضع اللبن ولم يمل... صار صبيًا وقاس الأسواق بخطواته... صار شابًا وتعبد في بيت النجار. صار رجلاً وأحنى رأسه قدام يوحنا، ومع التائبين نزل للتعميد بتواضعه...

لنصدق أنه أتى وصار جسدًا، لا بالتشبيه بل بالحق. صار إنسانًا ليشعر العالم أن آدم الثاني أظهر نفسه ليجدد العالم عوض الأول الذي لدغته الحية.

لو بدأ يفعل القوات من صباه لكانوا يظلمونه قائلين إنه لم يتجسد بالحق. وأن جسده خيال ولم يكن جسدًا. من أجل هذا ثبَّت ربنا ثلاثين سنة، وحينئذ بدأ يسير بطريق القوات. ليكون بالجسد رجلاً كاملاً يشبه آدم. لأنه خرج ليخاصم العدو (الشيطان) عوض آدم.

القديس مار يعقوب السروجي

     لسنا نريد أن نتخلص من الجسم، وإنما من الفساد الذي فيه. جسمنا هو ثقل علينا، ليس لأنه جسم، بل لأنه فاسد وقابل للألم. ولكن إذ تحل الحياة الجديدة، فإنها تنزع هذا الفساد، أقول هذا الفساد لا الجسم نفسه[435].

     إن أردتم أن تتعلموا أية نوعية للجسد الذي خلقه الله أولاً، فلنذهب إلي الفردوس، ونبحث عن الإنسان الذي خُلق في البداية. فإن ذاك الجسد لم يكن فاسدًا ولا ميتًا. لكنه كان أشبه بتمثال ذهبي خارج من الفرن يشرق بهاءً، هيكله متحرر من كل فسادٍ. العمل لا يجعله متُعبًا ليس من عرق يتصبب منه. لا يتآمر عليه، ولا وجد شيء من هذا النوع يزعجه[436].

القديس يوحنا الذهبي الفم

     يا لشدة فاجعة هذا القديس من أجل الضعف العام لكل البشر! يا لقسوة الرعاية أن الله صنع الإنسان بيديه! يمكن أن يعفي عن الإثم بحجة الضعف (البشري)، وتعلن النعمة عملها الأبدي فينا خلال حنو الحصانة السماوية[437].

القديس أمبروسيوس

     "يداك كونتاني وصنعتاني كلي جميعًا، ثم عدت فطرحتني فجأة" [8]. كأنه يقول له في تواضعٍ: وإن كان ما أفعله غير لائق باسترضائك إن خضع لفحصٍ عادلٍ، فلتذكر رحمتك، لئلا تهلك صنعة يديك... لماذا تستخف بي هكذا، وأنت خلقتني بمثل هذه الظروف من الكرامة؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

     "لقد ضربتني" ليس كديانٍ، بل كأب تصلحني!

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

ماذا يعني بيديْ الله؟

     إذ نقرأ أن الروح القدس هو إصبع الله (لو 11: 20)، فإننا نحسب أن الأصابع تشير إلي الابن والروح. أخيرًا لكي يشير أنه يقتني التقديس من كل من الابن والروح يقول قديس معين: "يداك كونتاني وصنعتاني" (أي 10: 8)[438].

القديس أمبروسيوس

     "يداك كونتاني وشكلتاني". إنها تشير إلي العناية الإلهية التي تعمل بعد خلقتنا[439].

ثيؤدورت أسقف قورش

اُذْكُرْ أَنَّكَ جَبَلْتَنِي كَالطِّينِ. أَفَتُعِيدُنِي إِلَى التُّرَابِ؟ [9]

يلجأ أيوب إلى حب الله الفائق للإنسان. أقامه الله من الطين، وقدم له كل هذه الإمكانيات الفائقة، فهل يرجع الله عن حبه، ويرد الإنسان إلى ما كان عليه؟

ليس للإنسان أن يفتخر لأنه جُبل من الطين، وفي نفس الوقت لا يستهين بنفسه، ولا يستخف بحياته، فهو من صنع الله، الذي خلقه على صورته ومثاله.

     يبدو أيوب كمن يقول: أذكر ضعف الجسد، وأغفر إثمي.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     لماذا تنسى عملك؟ لماذا تنسى افتقادك؟

نعم لماذا تنسَ ضعفي؟

لأنه من هو الإنسان إلا افتقادك له؟ (مز 8: 4؛ عب 2: 6)

لهذا لا تنسى من هو ضعيف. تذكر يا رب أنك خلقتني ضعيفًا، أذكر أنك جبلتني كالطين (مز 103: 14؛ أي 10: 9). كيف يمكنني أن أقف ما لم توجهني عنايتك على الدوام لتقوي هذا الطين، فتصدر قوتي عن وجهك؟ "تحجب وجهك، فيرتاع كل شيء" (مز 104: 29)[440].

     احتياجات الجسم تولد اهتمامات، وتدخل بنا إلي مساعٍ تعوق قوة النفس وتمنع تركيزها. أوضح القديس أيوب ذلك حسنًا: "أذكر أنك جبلتني من الطين" (أي 10: 9). فإن كان الجسم طينًا، فبالتأكيد يلوثنا ولا يغسلنا. إنه يفسد النفس ويلوثها بالإفراط في إشباع الهوى. "كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ" (أي 10: 11). هكذا ترتبط نفوسنا وتتعذب بأعصاب الجسم وأحيانًا تقسو غالبًا عندما تنحني. "من ذنبي لا تحلني. إن كنت شريرًا، فيا ويلي! إن كنت بارًا، لا أتجاسر وأرفع رأسي، لأني شبعان هوانًا. تجلب عذابات ضدي" (أي 10: 14-15، 17LXX )[441].

القديس أمبروسيوس

     يُوضع (الإنسان) في يد الله (مز 31: 6)، الذي هو ميناء آمن (مز 107: 30)، وبرج حصين (مز 61: 3)، بالطبيعة هو رءوف ينقذ ويخلص. يهتم الله بأولئك الذين خلقهم من الطين برعاية فائقة... لقد أقام شكلاً ملوكيًا ملتحفًا بالمجد (مز 8: 6)، صورة مستحقة للكرامة؛ أعطاه سمات على مثال الخالق، إذ أراد ذلك. لذا يليق بكل واحدٍ منا أن يحفظ هذه الصورة في كل حينٍ، وبالأكثر في وقت التجربة... هكذا الآن يصور أيوب بدقة كل تاريخ آدم، مقدمًا لنا تعليمًا مختصرًا، هذا الذي شرحه موسى بإفاضة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     لقد تضايق يونان بعد هروبه ومصالحة شعب نينوى مع الله... متألمًا ومنفعلاً بطريقة بشرية مملوءة حزنًا. فأمر الله الأرض أن تنبت يقطينه ليونان تحمى رأسه، ثم أمر الشمس أن تزيد من حرارتها فتحرقها. فغضب يونان لهلاكها، لكن إذ عزاه الرب ثم جربه اسمع ماذا يقول له: "أنت تشفق على اليقطينة التي لم تتعب فيها ولا ربيتها، التي بنت ليلة كانت، وبنت ليلة هلكت. أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من أثنى عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم؟!" (يونان 4: 10-12)

هذا ما أراد أن يقوله: ألم تفرح بظل اليقطينة، فكم بالحري ينبغي لي أن أفرح بخلاص أهل نينوى؟! ألم تتألم بهلاكها؟! هكذا يؤلمني هلاك البشرية...

لم يقل له: "أنت شفقت على اليقطينة" وتوقف... بل أكمل: "التي لم تتعب فيها ولا ربيتها". لأنه كما يشفق البستاني على الشجرة التي تعب فيها أكثر من غيره، هكذا أراد الله أن يثبت محبته للبشر خلال هذه المحبة. كأنه يقول له: أنت تدافع بقوة عن عمل غيرك الذي لم تتعب فيه، بالحري يليق بي الدفاع عن عمل يدي! ثم يخفف من حدة الاتهام الموجه ضدهم بقوله: "لا يعرفون يمينهم من شمالهم"، أي أخطأوا بغير معرفة...

ويعاتب الذين يئنون بأنهم متروكون قائلاً: "من جهة بني ومن جهة عمل يديَّ أوصوني!" (إش 45: 11) وكأنه يقول: من يُذَّكر الأب بابنه أو يحثه ليفكر فيه؟ أو من يُذَّكر الفنان ألا يتلف فنه؟!

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الإنسان الترابي يحمل فكرًا ترابيًا يميل إلى الزمنيات الأرضيات، لكن الروح القدس يرفعه إلي السماويات.

من محبة الله أنه يسحب نعمة روحه القدوس منه كما إلى حين حتى يكتشف حقيقته فيصرخ: "أفتعيدني إلى التراب؟" [9]. يشعر الإنسان بضعفه ويدرك أنه بدون تدخل نفخة النعمة السماوية يكون ترابًا جافًا.

أَلَمْ تَصُبَّنِي كَاللَّبَنِ، وَخَثَّرْتَنِي كَالْجُبْنِ؟ [10]

تشبيه رائع، فكما يمكن للشخص البسيط أن يصب اللبن أو يصنع الجبن هكذا في يُسر وسهولة صنع الله الإنسان.

     إذ أخذ الرب جسدًا لم يخجل منه، إذ هو مكوِّنًًا للأجساد. لكن من الذي أخبرنا بهذا؟ يقول الرب لإرميا: "قبلما صورتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدستك" (إر 5:1). فإن كان لم يخجل من خلقه جسد الإنسان، أفيخجل من الجسد الذي أخفي فيه لاهوته، الذي يخلق الأطفال في الأحشاء كما كتب أيوب: "ألم تصبني كاللبن، وخثرتني كالجبن، كسوتني جلدًا ولحمًا فنسجتني بعظام وعصب؟!"[442]

القديس كيرلس الأورشليمي

مرة أخري إذ تعمل فيه نعمة الروح القدس ينسحب فكرنا مما كان عليه، فيصير ذهننا كاللبن المصبوب، فيتشكل بالروح القدس إلى الحنو والرقة من جديد، ويصير أشبه بقطعة من الجبن.

        تختفي الطبيعة العاقلة الخالدة في جسدنا البالي، وتوحي بكل أفعالها فيه وخلاله. وهكذا إذ لكم هذا الجسد الذي صار مذبحًا يُقدم عليه البخور، لذلك ضعوا عليه كل أفكاركم ومشوراتكم الشريرة قدام وجه الرب، رافعين عقولكم وقلوبكم إليه، متوسلين أن يرسل ناره المقدسة لتحرق كل ما هو على هذا المذبح وتنقيه، فيخافكم خصومكم (الشياطين والخطايا) - كهنة البعل - ويهلكون على أيديكم، كما حدث مع إيليا النبي (1 مل 25:18 - الخ) حينئذ تشاهدون المعزى القدوس في الماء الإلهي (المعمودية) الذي يمطر عليكم مطرًا روحيًا.

القديس أنطونيوس الكبير

كَسَوْتَنِي جِلْدًا وَلَحْمًا، فَنَسَجْتَنِي بِعِظَامٍ وَعَصَبٍ [11].

حين خلق الله الإنسان، لم يخلقه عريانًا، لأنه كساه بالجلد، ولا أوجده ضعيفًا، إذ نسجه بالعظام والعصب. هكذا تتشح أجهزتنا الداخلية بالجلد وتتحصن بالعظام والأعصاب. وكان يُمكن أن يعيش الإنسان في وقارٍ وقوةٍ لو لم تعريه الخطية وتضعف قدرته.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الإنسان الداخلي ملتحف بجلدٍ ولحمٍ، وذلك لأنه في أثناء ارتفاعه نحو السماويات يجد في نفس الوقت إعاقة حيث يُحاصر بتحركات جسدية تعوقه.

ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن أيوب يلمس رعاية الله الفائقة الذي خلقه من العدم ووهبه جلدًا وجسمًا، عظامًا وأعصاب، فكيف يمكن لهذا الخالق المبدع في حبه ورعايته وقدراته ألا يهتم بالإنسان محبوبه؟

     إنه يعني: ألست أنت هو الذي تقدم له تأكيدًا على عظمة الحب نحو الإنسان، وعلى عظمة الحكمة هذه؟ فإن كان أيوب يشير إلى تكوين الإنسان في شيء من التفصيل إنما ليبرهن أنه بعدما خلقه من العدم، هل ينكر رعاية الله العظيمة وحكمته الفائقة هذه؟ وقد أظهر أن الإنسان (بذاته) عدم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     إنه لصانع حكيم، من الذي أعد الرحم ليحمل الجنين؟!

من يهب الحياة للأشياء التي بلا حياة في داخلك؟!

من الذي ربطنا بعضلات وعظام، وكسانا بجلدٍ ولحمٍ، وما أن يولد الطفل حتى يفيض اللبن من الثديين؟!

كيف ينمو الطفل ليكون صبيًا، فشابًا، فرجلاً، ويبقى هكذا حتى يعبر إلى الشيخوخة، دون أن يلاحظ أحد هذا التحول الدقيق من يومٍ إلى يومٍ؟![443]

القديس كيرلس الأورشليمي

مَنَحْتَنِي حَيَاةً وَرَحْمَةً، وَحَفِظَتْ عِنَايَتُكَ رُوحِي [12].

إن كان لنا ما نشتكي منه حتى مما صدر عن الله، فإننا نلجأ إليه. إنه يسمح بالضيق لكي نتعلم أن نلجأ إليه فهو الذي خلقنا لكي ننعم به، لا لكي نتذمر.

مع عطية الجسد في روعة خلقته وإمكانياته الظاهرة والخفية، قدم الله لنا ما هو أعظم، ألا وهي نسمة الحياة التي من فم الله. منحنا الحياة والرحمة، وقدم لنا نعمة العقل والفكر مع القلب والعواطف.

أقام النفس مخفية في الجسم، لكن ما يحفظها، ليس الجسم بقدراته وطاقاته، إنما عناية الله.

     يا لقوة مرثاة هذا الرجل القديس للضعف العام لكل البشر! كم كان ثقل الاتهام بأن الله صنع الإنسان بيديه قويًا، ومع ذلك يُقدم الإنسان عذرًا عن ارتكاب الذنب بدعوى أنه ضعيف، بينما تعلن النعمة عن العمل الأبدي فينا خلال حنو الحماية السماوية[444].

القديس أمبروسيوس

     "وحفظت عنايتك روحي" [12]. لا يكفي أن يكون لك ذلك بالطبيعة، بل يتطلب عنايتك الإلهية علينا. يقول: خلال كل حياتي استعين بعنايتك الإلهية.

     إن كنت تشك في عناية الله سْل الأرض والسماء والشمس والقمر، سلْ الكائنات غير العاقلة والزروع... سلْ الصخور والجبال والكثبان الرملية والتلال. سلْ الليل والنهار. فإن عناية الله أوضح من الشمس وأشعتها. في كل مكان، في البراري والمدن المسكونة، على الأرض وفي البحار... أينما ذهبت تسمع شهادة ناطقة بهذه العناية الصارخة...

في كل موضع ترتفع الأصوات مدوية بوضوح أعلى من أصوات البشر العاقلين، تعلن لكل من يريد أن يسمع عن محبة الله الساهرة!

وإذ أراد النبي أن يسجل قوة هذه الأصوات قال: "في كل الأرض خرج صوتهم وفي أقصى المسكونة كلماتهم" (مز 19: 4).

لا يفهم لغتنا نحن إلا أهل لساننا، أما الخليقة فتنطق بلغة تفهمها جميع الشعوب![445]

القديس يوحنا الذهبي الفم

لَكِنَّكَ كَتَمْتَ هَذِهِ فِي قَلْبِكَ. عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عِنْدَكَ [13].

كان أيوب في صراعٍ بين هذه النعم الإلهية المجانية ورعاية الله الفائقة للحفاظ على الجسم كما على النفس، وبين ما سُمح له بأن تحلّ به متاعب لا تُحتمل. لهذا يقول: "لكنك كتمت هذه في قلبك"، أي أن الأمرين يتفقان معًا خلال مشيئتك المكتومة في داخلك، لا يستطيع أحد منا أن يدرك أعماقها. إنه في يقين من نحو عناية الله ومن نحو سماح الله له بالألم: "علمت أن هذا عندك".

     "إذ كتمت هذه في نفسي، أعرف أنك تستطيع كل شيء، ولا يستحيل عليك شيء". ألا ترون أن إمكانية معرفة الله معلنة في خليقته (رؤ 1: 19)؛ فإنه يكفيني خلقتي أن تظهر لي وجود الله وقوته دون حاجة إلى السماء؟ فإننا إذ خُلقنا هكذا، أن نوجد من حيوان منوي (بذرة)، وأن نكون بهذا العون، ولا يسمح لنا بالسقوط في مخاطرٍ، هذا كله يكفي ليظهر قوة الله وسلطانه. وذلك كما في حقيقة حفظ الخاطي وعدم معاقبته (هنا)، وفي تأديب البار ومعاقبته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

     كيف لا يكون مثل هذا (منح الحياة والرحمة) لخالق كهذا؟

أي شيء يمكن أن يكون مستحيلاً عليه؟

فإن كنت جعلت الطين على صورة الله (تك 2: 7)، وجعلت التراب يعبر إلى درجة الكائن العاقل، إن كنت تهب الكائنات الأرضية سعادة تعادل ما للكائنات السماوية، كيف لا تقدر أن تصنع معجزة لي؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

3. عدالة الله ورحمته


إِنْ أَخْطَأْتُ تُلاَحِظُنِي، وَلاَ تُبْرِئُنِي مِنْ إِثْمِي [14].

لا ينكر أيوب أنه مخطئ، وأن خطاياه يعلمها الله، ويلاحظها، وبهذا لن يتبرر أيوب أمامه. "إن كنت تراقب الآثام يا رب، يا سيد فمن يقف؟" (مز 130: 3)

     إن أخطأت تلاحظني، لئلا أسقط في الحفرة (مز 28: 1)، في خطية قصوى، وأضيع تمامًا، ولئلا أضل عن القطيع (يو 10: 1)، واذهب إلى جب الذئاب. حسب قانون العدل لا تجدني بارًا، بل تجدني ملومًا تحت ضربة اللعنة الموروثة (تك 3: 17).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

أدرك أيوب أنه لن يستطيع أن يتبرر بذاته، بل محتاج إلى من يهبه. إنه كسائر آباء العهد القديم كان يترجى مجيء المسيا المخلص.

     تألم السيد المسيح في الوقت الذي كان فيه بيلاطس بنطس يعمل حاكمًا وقاضيًا...

من الذي تألم؟ ربنا، ابن الله الوحيد!

وماذا حدث له؟ صُلب ومات وقُبر!

ومن أجل من؟ لأجل الأشرار والخطاة!

يا لعظم هذا التنازل! يا لعظمة النعمة!

"ماذا أرد للرب من أجل كل حسناته لي؟ (مز 116: 12)[446].

القديس أغسطينوس

     يظهر المسيح لكل واحدٍ حسب احتياجه. فالمحتاجون إلى البهجة يتقدم إليهم ككرمة، والمحتاجون إلى الوجود في حضرة الآب يأتيهم كبابٍ، والمحتاجون إلى من يقدم صلواتهم يجدونه الشفيع فيهم الكاهن العلى، وللخطاة هو الحمل (المذبوح) لأجل تقديسهم.

إنه كل شيء لكل واحد دون أن تتغير طبيعته بل يبقى كما هو. هو باقٍ، وعمل بنوته لن يتغير، لكنه يكيف نفسه حسب ضعفنا، بكونه طبيبًا ممتازًا أو معلمًا مملوء حنوًا إنه الرب نفسه، لم يقبل الربوبية عن تقدم، إنما عمل بنوته طبيعي[447].

     كلمة "يسوع" تعني "مخلص"، أما في اليونانية فتعني "الشافي"، إذ هو طبيب النفوس والأجساد، شافي الأرواح، فتح عيني المولود أعمى، وقاد الأذهان إلى النور. يشفي العرج المنظورين، ويقود الخطاة في طريق التوبة، يقول للمفلوج: "لا تخطئ"، وأيضًا: "احمل سريرك وامش" (يو 14:5، 8)، لأن الجسد كان مفلوجًا بسبب خطية النفس. خدم النفس أولاً حتى يمتد بالشفاء إلى الجسد.

لذلك إن كان أحدكم متألمًا في نفسه من خطايا، فإنك تجده طبيبًا لك. وإن كان أحدكم قليل الإيمان فليقل له: "أعن عدم إيماني" (مر 24:9).

وإن أصابت أحدكم آلام جسدية، فلا يكون غير مؤمنٍ، بل يقترب، فإن يسوع يعالج مثل هذه الأمراض، وليعلم أن يسوع هو المسيح[448].

القديس كيرلس الأورشليمي

     كثيرًا ما يضطرب الذهن في أعماقه عند تذكر الخطية، فيحث على ممارستها بصورة أشر مما كان عليها حين سبق فارتكبها.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     "إن أخطأت تلاحظني" (أي 10: 14). اعترف يا إنسان بخطاياك لتنال المغفرة "اظهر آثامك فتتبرر" (إش 43: 26 LXX).

لماذا تخجلون من الاعتراف بها وأنتم قد وُلدتم فيها؟ (مز 51: 7). من ينكر ذنبه ولا يعترف به ففي الحقيقة ينكر مولده.

لكن أتريدون أن تحتفظوا بما تتسلموه! لماذا تظنون أنكم تملكون ما لم تتسلموه؟ لهذا فليعترف الخاطي، وغير المقدس، ولا يرتفع البار ولا يتشامخ، لئلا يفقد مكافأة برِّه بالكبرياء (أي 10: 15)[449].

القديس أمبروسيوس

إِنْ أَذْنَبْتُ فَوَيْلٌ لِي. وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لاَ أَرْفَعُ رَأْسِي. إِنِّي شَبْعَانُ هَوَانًا وَنَاظِرٌ مَذَلَّتِي [15].

بدون التوبة نسقط في هذا الويل الذي يشير إليه أيوب هنا. فإنه ليس ما ينقذني منه، لا سمو أخلاقي ولا عبادتي أيا كانت مادامت بدون توبة. هذا ما يعنيه أيوب بقوله: "إن تبررت" أي اتكلت على بري الذاتي أو على سلوكي أو خدمتي، هذا كله لن يرفع رأسي أمام إلهي.

حذرنا الكتاب المقدس من الخطية أيا كانت فإنها تجلب العار والهوان، "إِنِّي شَبْعَانُ هَوَانًا وَنَاظِرٌ مَذَلَّتِي" [15].

"البر يرفع شأن الأمة، وعار الشعوب الخطية" (أم 14: 34).

"ارحمنا يا رب ارحمنا، لأننا كثيرًا ما امتلأنا هوانًا" (مز 123: 3).

"الحكماء يرثون مجدًا، والحمقى يحملون هوانًا" (أم 3: 35).

"تأتي الكبرياء فيأتي الهوان، ومع المتواضعين حكمة" (أم 11: 2).

"فقر وهوان لمن يرفض التأديب، ومن يلاحظ التوبيخ يُكرم" (أم 13: 18).

"إذا جاء الشرير جاء الاحتقار أيضًا، ومع الهوان عار" (أم 18: 3).

"لا تترفع لئلا تسقط، فتجلب على نفسك الهوان" (سيراخ 1: 38).

"شأن الإنسان الكذوب الهوان، وخزيه معه على الدوام" (سيراخ 20: 28).

"الكسلان أشبه بحجر قذر، كل أحد يصفر لهوانه" (سيراخ 22: 1).

"على حسبما كثروا هكذا أخطأوا إليّ، فأبدل كرامتهم بهوانٍ" (هو 4: 7).

"لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان، لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة" (رو 1: 26).

     بجانب الشرور الموروثة (الجدية) أضفت شرورًا من عندي... خطية آدم بلا شك لا تسمح لإنسان أن يتطلع إلى فوق بجسارةٍ، ولا أن يمجد ذاته. لهذا يقول أيوب: "أنا شبعان هوانًا".

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

     نعم، فإن "الويل" للشرير، وللبار "الحزن"، فالعقوبة الأبدية تلحق بالخاطي الهالك، بينما كل شخص من المختارين يتطهر بآلام الحزن الوقتي...

ولكن إن تغاضينا عن خطية أبينا الأول إلى حين، نجد أنفسنا نُصطاد بواسطة عادة الكبرياء الشريرة.

كثيرًا ما يحدث أنه بالفضائل الموهوبة، ينتفخ الإنسان في جسارة وبرّ ذاتي، ولكن خلال تدبير العناية الإلهية العجيبة يُسمح له أن توضع أمام عينيه بعض الأمور المعارضة التي يسقط فيها البعض...

إذ يري القديس ما يحدث لزملائه تصدر عنه شخصيًا صرخة من جهة المخاطر التي نتعرض لها.

بهذا إذ نقرأ عن نوح شخصٍ ما نتعلم أن نحزن على ما في داخلنا.

الآن إذ يثور الكبرياء في الفكر، فإن الشعور المجروح بحب الأعالي يفارقنا، ولكن عندما تحل النعمة من فوق علينا تحثنا في الحال على الاشتياق إليها بدموع.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     بحق يقول: "إن تبررت لا أرفع رأسي، فإني شبعان هوانًا" [15]. يعرف الإنسان البار ضعفه...

الحكيم يتحرك للتعرف عليها، والغبي لا يفعل ذلك.

بالحق يتحرك الحكيم نحو التوبة ويتذكر أخطاءه، والجاهل يسر بها.

الحكيم هو من يتهم نفسه (أم 18: 17)، أما الشرير فهو المدافع عن نفسه.

البار يود أن يسبق متهمه في اتهام نفسه بخطاياه، أما الشرير فيرغب في أن يبكمه.

واحد يسرع من البداية في الحديث عن أخطائه، والآخر يحاول أن يتهم الغير بحديثه الثرثار حتى لا تنفضح خطاياه[450].

القديس أمبروسيوس

في إحدى الرسائل الفصحية يصور لنا القديس أثناسيوس الرسولي الهوان الذي يحل بالنفس البشرية بسبب الخطية، بينما يتمتع الأبرار أصحاب القلوب النقية بالمجد، أي مجد رؤية الله.

     إننا نقول بأن الأشرار أموات، لكن لا في حياة تعبدية ضد الخطية، ولا هم مثل القديسين يحملون الموت في أجسادهم، إنما يدفنون النفس في الخطايا والجهالات، فتقترب النفس من الموت. وإذ يشبعونها بالملذات المميتة، تكون نفوسهم أشبه بنسورٍ صغيرةٍ تحوم فوق جثث الموتى. وقد أعلنت الشريعة عن هذا إذ تأمر في صورة رمزية بعدم أكل النسور وجميع الطيور التي تأكل الجيف (لا 13:11).

هؤلاء يقتلون النفس بالشهوات، ولا يقولون سوى "لنأكل ونشرب، لأننا غدًا نموت" (إش 13:22).

وقد وصف النبي الثمرة التي يجتنيها أمثال هؤلاء الذين ينغمسون في الملذات، فقال: "فأعلن في أذني رب الجنود: لا يغفرن لكم هذا الإثم حتى تموتوا" (إش 14:22).

نعم، حتى عندما يعيشون، فإنهم يكونون في عارٍ، إذ يحسبون آلهتهم بطونهم، وعندما يموتون يتعذبون، لأنهم افتخروا بمثل هذا الموت.

ويحمل بولس أيضًا شهادة عن هذه النتيجة فيقول: "الأطعمة للجوف، والجوف للأطعمة، والله سيبيد هذا وتلك" (1 كو 13:6).

وتعلن الكلمة الإلهية عن هؤلاء بأن موت الأشرار شر، ومبغضو الصديق يخطئون (مز 21:34)، لأن الأشرار يرثون نارًا مرة وظلامًا مهلكًا.

أما القديسون والذين يمارسون الفضيلة ممارسة حقيقية، فقد أماتوا أعضاءهم التي على الأرض، الزنا والنجاسة والهوى والشهوة الرديئة (كو 5:3). فيتحقق فيهم، بسبب هذه النقاوة وعدم الدنس، وعد مخلصنا: "طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله" (مت 8:5).

القديس أثناسيوس الرسولي

وَإِنِ ارْتَفَعَ رَأْسِي تَصْطَادُنِي كَأَسَدٍ، ثُمَّ تَعُودُ وَتَتَجَبَّرُ عَلَيَّ! [16]

كأنه قد صار فريسة في فم أسد، ليس من مفرٍ ولا مهربٍ، ولا من رحمةٍ أو شفقةٍ! جاءت إحدى الترجمات: "إن تكبرت وتجبرت كأسدٍ فإنك تصطادني".

     عين الإنسان بحق كأسد، لأنه وحش ملوكي (تك 28: 8-9). علاوة على هذا فإن البار إذ يحفظ كرامة صورة (الله) فيه يكون مرعبًا لخصومه. قيل في هذا في سفر الأمثال: "الصديق جرئ كأسد" (راجع 28: 1). أما إن انحط إلى الطمع، كما يحثه الأعداء على ذلك، ففي ذات اللحظة "يُصطاد كأسدٍ للذبح". يصير موضوع سخرية للذين كانوا يقتفون أثره، فيكون كالأسد الذي ما أن يسقط في إغوائهم له، يصطادونه.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

تُجَدِّدُ شُهُودَكَ تُجَاهِي، وَتَزِيدُ غَضَبَكَ عَلَيَّ. مَصَائِبُ وَجَيْشٌ ضِدِّي [17].

ما ضاعف نكبة أيوب أنه شعر بغضب الله يتزايد، مما زاد التجربة مرارةً وثقلاً. لم ينقص الله وجود شهودٍ ضد أيوب، إن عجز شاهد يقوم شاهد جديد محله. ولما كانت كلمة "شهود" في اليونانية تعني "شهداء، فكأن الذين يشهدون لله على محبته ورعايته الإلهية وعمله الخلاصي حتى الموت، يصيرون شهودًا ضد المتشككين في عناية الله والمتذمرين عليه. ظهور هؤلاء الشهود القديسين يديننا، فلا يكون لنا حجة أو تبرير لتصرفاتنا الخاطئة، وقد عبَّر أيوب على ذلك بقوله: " وَتَزِيدُ غَضَبَكَ عَلَيَّ. مَصَائِبُ وَجَيْشٌ ضِدِّي".

"مَصَائِبُ وجيش ضدي"، جاءت إحدى الترجمات: "جيوشك تتناوب الموقف ضدي".

     شهود الله هم الذين يحملون شهادة بممارسة الأعمال المقدسة... أيضًا أولئك الذين يتألمون من أجل الحق. في اللسان اليوناني "الشهداء" هم "الشهود". يقول الرب خلال يوحنا على لسان الملاك: "حتى في الأيام التي كان أنتيباس شاهدي الأمين الذي قًتل عندكم" (رؤ 2: 13).

الآن يجدد الرب شهوده ضدنا، عندما يضاعف حياة المختارين، فيتحدون شرنا بقصد إقناعنا وتعليمنا... كل ما يفعلونه يضاد شرنا. لذلك دعيت كلمة الحق "الخصم"، حيث يقول الوسيط في الإنجيل: "كن مراضيًا لخصمك، سريعًا مادمت معه في الطريق" (مت 5: 25). ويقول أبناء الهلاك في اضطهاداتهم بخصوص نفس المخلص: "إنه ضد أفعالنا تمامًا"، وبعد ذلك: "لأن حياته ليست كحياة الناس الآخرين" (حك 2: 12، 15). هكذا يجدد الله شهوده ضدنا، حتى يُظهر أن الأعمال الصالحة التي نهملها نحن يمارسها الآخرون، لتوبيخنا...

لاق أن يضيف: "وتزيد غضبك علي"... وذلك كما شهد بطرس القائل: "لأن الوقت لابتداء القضاء من بيت الله، فإن كان أولاً منا، فما هي نهاية الذين لا يطيعون إنجيل الله؟" (1 بط 4: 17). لذلك إذ يحدد الله القدير شهوده ضدنا "يزيد غضبه" كما يليق، إذ يضع حياة الصالحين أمام أعيننا، ويظهر بأية قسوة سيضرب عنادنا، ونحن نمارس الخطية، وذلك في الدينونة.

البابا غريغوريوس (الكبير 

4. الموت نهاية الأتعاب

جاءت كتابات الكنيسة الأولى ومفاهيمها في عبادتها ونسكها وقوانينها وكل جوانب حياتها لها مسحة أخروية كتابية. وكانت عقيدة الحياة الأخرى ليست عنصرًا إيمانيًا رئيسيًا فحسب، وإنما هي صُلب الإيمان نفسه! لقد كانت الكنيسة الأولى ككنيسة كتابية بحق كنيسة أخروية، وضعت قلبها في السماء، لتعيش سفيرة للمسيح السماوي، تجتذب العالم نحو السماء، وتدخل به إلى الحياة الفردوسية، لكي تترقب في رجاء كمال المجد الأبدي والميراث السماوي.

أما عن نظرة مؤمني العهد القديم إلى الموت، فقد عبَّر عنها ما ورد في سفر الحكمة: "فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله صورة ذاته الإلهية، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم" (حك 23:2، 24). لم يخلق الله الموت، لذا فبالبر ينال الإنسان الخلود: "لأن الله لم يصنع الموت، ولا يُسر بهلاك الأحياء؛ فإنه خلق كل شيء لكي يكون، وأن خلائق العالم مفيدة، وليس فيه سمّ مهلك، ولا مُلك لمثوى الأموات على الأرض، لأن البرّ خالد" (حك 13:1-15). كما قيل: "العلم بقدرتك هو أصل الخلود" (حك 3:15).

كان الآباء المؤمنون في العهد القديم ينظرون إلى الموت أنه انضمام أو نوم مع آبائهم (تك 8:25؛ 30:47)، وكانوا يخشون فقط من النزول إلى الهاوية Sheol في حزنٍ (تك 35:27). يحسبون الموت في شيخوخة صالحة بركة (تك 15:15؛ 8:25)، أما قطع الإنسان من أرض الأحياء في ريعان شبابه، فهو أمر مخيف (إش 10:38).

مع هذا فقد اختلفت نظرة اليهود إلى الموت من شخصٍ إلى آخر، وقد قدم لنا الفريد أديرشايم مقارنة بين قائدين يهوديين في نظرتهما للموت[451].

القائد الأول هو الحاخام يوخانان بن ساكاي Jochanan ben Saccai. وقد جاء في التلمود[452] عنه أن تلاميذه جاءوا إليه وهو على سرير الموت، فانفجر في البكاء. دهشوا لذلك، فتساءلوا كيف أن "نور إسرائيل، عمود الهيكل الحق"، تخونه هكذا علامات الخوف؟ أجابهم الحاخام: "لو أنني أُقدم أمام ملك أرضي يحيا اليوم ويموت غدًا، غضبه وقيوده ليست أبدية، وإصداره الحكم بالموت لا يكون موتًا أبديًا، ويمكن بسهولة الدخول معه في حوارٍ، أو شرائه بالمال، من هذا ارتعب وأبكي، فكم بالأكثر يكون حالي وقد اقتربت من الوقوف أمام ملك الملوك، القدوس، المبارك، الذي يحيا ويقطن إلى الأبد، قيوده قيود دائمة، وحكمه بالموت حكم أبدي، هذا الذي لا أستطيع أن أحاوره بالكلمات، ولا أرشيه بالمال! ولا يقف الأمر عند هذا، وإنما قدامي طريقان: واحد نحو الفردوس والآخر نحو الجحيم، وأنا لا أعلم إلى أي الطريقين سأذهب: هل إلى الفردوس أم إلى الجحيم، فكيف لا أسكب الدموع؟"

أما المثل الثاني فهو ر. يهودا Jehudah R. الذي يدعى القديس، فإنه عندما مات رفع يديه نحو السماء مؤكدًا أنه لا يوجد أصبع واحد من أصابعه العشرة قد كسر ناموس الله!

الأول فاقد الرجاء تمامًا، يعيش في يأسٍ شديدٍ ويخشى اللقاء مع الله بالرغم من مركزه كرئيسٍ لأعظم مجمع عند اليهود، والثاني في اعتزازٍ شديدٍ ويقينٍ يظن أنه حتمًا يتمتع بالفردوس، لأنه لم يكسر وصية ما بأحد أصابعه. صورتان متطرفتان تمامًا، واحد يحطمه اليأس، والآخر يحطمه الكبرياء![453]

فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنِي مِنَ الرَّحِمِ؟ كُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ الرُّوحَ، وَلَمْ تَرَنِي عَيْنٌ! [18]

يكرر أيوب ذات الرغبة التي سبق فأعلنها في حديث سابق (3: 11).

مرة أخرى كان يشتهي أيوب أن يُخنق في الرحم، ولا يخرج إلى العالم، ولا يراه أحد.

لعل أيوب شعر بأنه صار مثلاً وسخرية لكل ناظريه، فاشتهي لو لم يَرَ أحدًا قط، ولا أحد يراه.

فَكُنْتُ كَأَنِّي لَمْ أَكُن،ْ فَأُقَادَ مِنَ الرَّحِمِ إِلَى الْقَبْرِ [19].

كما أن الذي يضع قلبه في الحياة الزمنية يخطئ، هكذا من ييأس من الحياة ويشتهي الموت عن يأس يخطئ. الأول يحب العالم والخليقة أكثر من خالقها، والثاني يستخف بخطة الله من نحوه.

أَلَيْسَتْ أَيَّامِي قَلِيلَةً؟ اتْرُكْ! كُفَّ عَنِّي، فَأَبْتَسِمُ قَلِيلاً [20].

يطلب من الله أن يكف عن التأديب ليلقط أنفاسه ويستريح قليلاً.

يعلم أيوب أن أيام الإنسان قليلة، فيطلب في هذا القليل شيئًا من الراحة، ولو من حين إلى آخر.

     قال سليمان: "لأنه إن عاش الإنسان سنين كثيرة، فليفرح فيها كلها، وليتذكر أيام الظلمة لأنها تكون كثيرة، كل ما يأتي باطل" (جا 11: 8). مرة أخري كتب: "أيا كان ما تأخذه في اليد، تذكر نهايتك، فلا تخطئ". لذلك عندما تجرب الخطية الذهن يليق بالنفس أن تدرك قصد بهجتها، لئلا تسرع بها الخطية إلى موت محقق، حيث من الواضح أن الحياة القابلة للموت تنتهي سريعًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     يا أبناء آدم، يا من ملك الموت عليكم، فكروا في الموت، وتذكروا الحياة، ولا تتعدوا الوصية مثل أبيكم الأول.

أيها الملوك المتوجون بالأكاليل، تذكروا الموت الذي سينزع الأكاليل الموضوعة على رؤوسكم، سيكون مَلكًا عليكم حتى يأتي الوقت الذي فيه تقومون للدينونة.

يا أيها المتعالون والمتكبرون والمتعجرفون، تذكروا الموت، الذي سيحطم تعاليكم، ويحل أعضاءكم، ويفك المفاصل، ويحل الفساد بالجسم وكل أشكاله. بالموت ينحط المتعالون، والعنفاء القساة يُدفنون في ظلمته...

يا أيها الجشعون المغتصبون والسالبون لزملائكم تذكروا الموت، ولا تضاعفوا خطاياكم. ففي ذلك الموضع لا يتوب الخطاة، ومن سلب ممتلكات رفيقه لا يملك حتى ماله، بل يذهب إلى الموضع الذي لا تُستخدم فيه الثروة، ويصير بلا شيء، تعبر عنه كرامته، وتبقى خطاياه لتقف ضده يوم الدينونة[454].

القديس أفراهاط

قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ وَلاَ أَعُودَ إِلَى أَرْضِ ظُلْمَةٍ وَظِلِّ الْمَوْتِ [21].

يضع الموت أمام عينيه، فيطلب شيئًا من الراحة، ربما لكي يستعد للرحيل، ولكي لا يخطئ ولو بفكره تحت ثقل التجارب. وكما يقول المرتل: "أنر عيني لئلا أنام نوم الموت" (مز 13:3). طلب وقتًا يرجع فيه إلى نفسه، ويطلب عمل الله في حياته قبل أن يموت ويُغلق الباب. "أفلعلك للأموات تصنع عجائب؟" (مز 88: 10)

لا يطلب أيوب الراحة لأنه متعلق بالحياة الزمنية، فهو يعلم أنه راحل ولا يعود بعد. "قبل أن أذهب ولا أعود".

يقدم لنا أيوب صورة مؤلمة عن الموت والقبر، هذه التي كانت سائدة حتى بين المؤمنين قبل قيامة المسيح. "إلى أرض ظلمة وظل الموت".

كان منظر أيوب فيه سخرية لأصدقائه والمارين به، لعله اشتهي القبر حيث الظلمة، فلا يرى أحد قروحه، بل ويتحلل جسمه كبقية الأجسام دون تفرقة!

بالنسبة لنا حياتنا معركة دائمة، موقعها هو أرض القلب والفكر والحواس؛ فهي حرب داخلية بين النور والظلمة. لن يهدأ عدو الخير حتى النفس الأخير، حاسبًا نفسه ملكًا من حقه اقتناء كل البشرية تحت سلطانه. فالمؤمن برحيله يعلن نصرته النهائية، أو نصرة نعمة الله العاملة فيه.

     كثيرون من شعبنا يموتون بهذا الموت (الجسدي)، فيتحررون من هذا العالم. هذا الموت الذي يحسبه (أهل العالم) كارثة، يراه عبيد الله رحيلاً إلى الخلاص.

يموت الأبرار كالأشرار بلا تفرقة... لكن الأبرار يُدعون إلى الراحة، والأشرار إلى العقاب.

سلام عظيم يوهب للمؤمنين، وعقاب لغير المؤمنين[455].

     من جهة الراحة، ماذا نجد في العالم سوى حرب دائمة مع الشيطان، وصراع في معركة دائمة ضد سهامه وسيوفه؟! حربنا قائمة ضد محبة المال والكبرياء والغضب وحب الظهور، وصراعنا دائم ضد الشهوات الجسدية وإغراءات العالم.

ففكر الإنسان يحاصره العدو من كل جانب، وتحدق به هجمات الشيطان من كل ناحية. وبالجهد يقدر للفكر أن يدافع، وبالكاد يستطيع أن يُقاوم في كل بقعة. فإن استهان بحب المال، ثارت فيه الشهوات. وإن غلب الشهوات انبثق حب الظهور. وإن انتصر علي حب الظهور اشتعل فيه الغضب والكبرياء، وأغراه السُكر بالخمر، ومزّق الحسد اتفاقه مع الآخرين، وأفسدت الغيرة صداقاته.

هكذا تعاني الروح كل يوم من اضطهاداتٍ كثيرةٍ كهذه ومن مخاطرٍ عظيمةٍ كهذه تضايق القلب، ومع هذا لا يزال القلب يبتهج ببقائه كثيرًا هنا بين حروب الشيطان! مع أنه كان الأجدر بنا أن تنصب اشتياقاتنا ورغباتنا في الإسراع بالذهاب عند المسيح، عن طريق الموت المعجل. إذ علمنا الرب نفسه قائلاً:لاً "الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح؛ أنتم ستحزنون، ولكن حزنكم يتحول إلي فرحٍ" (يو 20:16).

من منّا لا يرغب في أن يكون بلا حزن؟!

من منّا لا يتوق إلى الإسراع لنوال الفرح؟!

لقد أعلن الرب نفسه أيضًا عن وقت تحويل حزننا إلي فرح بقوله: "ولكن سأراكم أيضًا، فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 20:16). مادام فرحنا يكمن في رؤية المسيح... فأي عمى يُصيب فكرنا، وأيسخافة تنتابنا متى أحببنا أحزان العالم وضيقاته ودموعه أكثر من الإسراع نحو الفرح الذي لا يُنزع عنا؟![456]

الشهيد كبريانوس

أَرْضِ ظَلاَمٍ مِثْلِ دُجَى ظِلِّ الْمَوْتِ، وَبِلاَ تَرْتِيبٍ، وَإِشْرَاقُهَا كَالدُّجَى [22].

لم يرد القديس يوحنا الذهبي الفم أن يتحدث عن موضع  جهنم سوى أنها "خارج هذا العالم"[457]، لكنه تحدث في شيء من التفصيل عن لعناتها. ففي إحدى عظاته يقول:

[إنها بحر من النار، ليست بحرًا من ذات النوع بالأبعاد التي نعرفها هنا، بل أعظم وأعنف، بأمواج نارية، نيران غريبة مرعبة. توجد هناك هوة عظيمة مملوءة لهيبًا مرعبًا. يمكن للإنسان أن يرى النار تخرج منها من كل جانبٍ مثل حيوانٍ مفترسٍ...

هناك ليس من يقدر أن يقاوم، ليس من يقدر أن يهرب.

هناك لا ُيرى وجه المسيح الرقيق واهب السلام في أي موضع.

وكما أن الذين صدر عليهم الحكم بالعمل في المناجم هم أناس عنفاء، لا يرون بعد عائلاتهم، بل الذين يسخرونهم، هكذا يكون الأمر هناك. ولكن ليس بالأمر البسيط هكذا، بل ما هو أردأ بكثير. لأنه هنا يمكن أن يقدم الإنسان التماسًا للإمبراطور طالبًا الرحمة، وقد ُيعفي عن السجين، أما هناك فلن يحدث هذا. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). إنهم لن يخرجوا بل يبقوا، يحتملون عذابات لا يمكن التعبير عنها[458].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إنه بالرغم من كل هذه العذابات فإن العذاب الرئيسي للمدانين هو حرمانهم من حضرة الرب وشركة القديسين في السماء[459].

درجات العذابات مختلفة في الجحيم، تعتمد على مدى خطايا الإنسان[460]، لكن الكل يسقط تحتها أبديًا[461].

يقول: [مستحيل أن يكون عذابات جهنم غير موجودة[462].] وهو يرى أن هذه العذابات ليست لمجرد تحقيق العدل الإلهي، لكنها وُضعت لحث البشرية على التوبة والامتناع عن الخطية[463]. يقول: [إن كان الله يهتم ألاّ نخطئ، وإن ندخل في متاعب كهذه لتصحيحنا، فواضح أنه يعاقب الخطاة ويكلل الأبرار[464].] كما يقول إنه يعد جهنم، حتى لا يُلقى أحدًا في جهنم[465].

     كما أن الموت الخارجي يفصل الجسد عن النفس، هكذا الموت الداخلي يفصل النفس عن الله. هكذا فإن "ظل الموت" هو ظلمة الانفصال، حيث كل واحدٍ من الذين يُدانون بنار أبدية تهلكه، يكون في ظلمةٍ من جهة النور الداخلي.

الآن فإن طبيعة النار أن تصدر نورًا، ولها سمة التدمير، أما النار التي تسخط على خطايا سابقة، فلها سمة التدمير وليس لها نور. لذلك يقول الحق للهالكين: "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدة لإبليس وملائكته" (مت 25: 41). وإذ يتمثلون جميعًا في شخصٍ واحدٍ، يقول: "اربطوا رجليه ويديه، وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية" (مت 22: 13).

لو أن النار التي تعذب الهالكين يمكن أن يكون لها نور لما قيل عن المطرودين خارجًا "اطرحوه في الظلمة". هكذا أيضا يقول المرتل:" تسقط النار عليهم ولا يعاينوا الشمس" (مز 58: 8 Vulgate). إذ تسقط النار على الأشرار.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"بلا ترتيب"، يبدو لنا أنه ليس في القبر نظام معين، إنما يستوي الملوك مع العبيد، والأغنياء مع الفقراء الخ.، كل منهم يُدفن بدوره حسبما يعين الله له، لكن توجد خطة إلهية دقيقة من جهة ما قد يحل بنا من تأديبات حتى وإن لم نستطع تفسيرها.

     الكلمات: "بلا ترتيب" عجيبة للغاية، فإن الله القدير، الذي بحق يعاقب على الشرور لن يسمح حتى للعذابات أن تكون "بدون ترتيب". العقوبات ذاتها التي تصدر عن ميزان العدالة لا يمكن بأية كيفية أن توقع "بدون ترتيب"، إذ كيف يمكن ألا يكون ترتيب في العقوبات التي يصدرها، مادامت حسب قياس الجريمة هكذا تكون العقوبة التي تلحق بالذين يدانون أبديًا. وكما هو مكتوب: "لكن القادرين يكون عذابهم أشد، والعذابات الأشد تحل على الأقوياء" (حك 6: 6 ،7). قيل في دينونة بابل: "بقدر ما مجدت نفسها وتنعمت، بقدر ذلك أعطوها عذابًا وحزنًا" (رؤ 18: 7). فإن كانت العقوبة حسب قياس الخطية، فإنه حق لا يمكن إنكاره إنه يوجد ترتيب محفوظ في العقوبات...

كما أنه في بيت أبينا منازل كثيرة حسب تنوع الفضائل، هكذا يوجد اختلاف في الجريمة، ويخضع المدانون لعقوبة متباينة في نيران جهنم. فمع أن جهنم واحدة وهي بعينها للكل، لكن هذا لا يعني أن الكل يحترقون بذات الكيفية.

     "وإشراقها كالدجي" [22]. بالرغم من النار في ذلك الموضع لا تعطي نورًا للراحة، إلا أنه لأجل عذابهم بالأكثر تضيء بهدف معين. فإن المدانين سيرون باللهيب المنير أتباعهم معهم في العذاب، هؤلاء الذين من أجل حبهم للعصاة فضلوا محبة الحياة الجسدانية عن وصايا الخالق...

يُظهر لنا الحق أن الغني الذي كان نصيبه أن ينزل في عذابات النار الأبدية (لو 17: 19-31) وصف بأنه يتذكر إخوته الخمسة، وقد سأل إبراهيم أن يرسل لهم لتعليمهم، حتى لا يسقطوا تحت نفس العقوبة في المستقبل. فمن الواضح – دون شك - إن ذاك الذي يتذكر أقرباءه الغائبين قد ضاعف من آلامه، فكم بالأكثر عندما يراهم فيما بعد بعينيه حاضرين معه يزيد من عذابه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     في يوم الدينونة، ما من شك أن الصالحين سيُفصلون عن الطالحين، والأبرار عن الأشرار. وسوف يُخصص لكل نفسٍ من خلال دينونة الله مكانًا يليق بجدارتها واستحقاقها، إن شاء الله[466].

العلامة أوريجينوس

     نتحدث عن درجات كثيرة ومقاييس متنوعة في كل من الملكوت وجهنم... فإن الله كقاضٍ عادلٍ يعطي كل واحد حسب مقدار إيمانه[467].

     في النور وفي المجد توجد درجات. وفي جهنم نفسها وفي العقاب يظهر أنه يوجد سحرة ولصوص، كما يوجد آخرون ممن ارتكبوا خطايا أقل[468].

القديس مقاريوس الكبير

 

 
تفسير سفر أيوب اصحاح11 PDF Print Email

نظريات وحقائق!


لم يستطع كل من أليفاز وبلدد أن يحركا ذهن أيوب سنتيمتر واحدًا، فهل يمكن لصوفر أن يفعل شيئًا؟ يبدو أن صوفر كان أكثر الأصدقاء بساطة، كان رجلاً عمليًا يمثل الإنسان الكنسي، لكن للأسف في حرفية وبدون علاقة شخصية مع الله، مما يفقده الفكر الكنسي الحق.

فكر الكنيسة الحقيقي، ليس فكر الرغبة في المجادلات والمناقشات العقيمة والغبية، لكن فكر التمسك بروح الحق والاستقامة والإيمان السليم بقلبٍ متسعٍ، ونفسٍ منحنيةٍ في خشوعٍ وتواضعٍ، ووجهٍ باشٍ كوجه المخلص الدائم الابتسامة.

كانت قروح أيوب تدمي وجراحات قلبه المنكسرة تتزايد، وليس من يسكب زيتًا يلطف القروح، ولا من يضمد الجراحات، بل جاء حديث الصديق الثالث صوفر كالسابقين يزيد جراحاته التهابًا حتى وإن نطق لسانه بالحقٍٍ.

لقد أنصت صوفر إلى أيوب وهو يعترض على ما حلّ به إذ هو بار.

بالحق ظن صوفر لو أن أيوب التقى مع الله وجهًا لوجه لأدرك أنه خاطيء عظيم، وأن ما حلّ به أخف بكثير مما كان يستحقه [٤-٦].

يتحدث صوفر بكلمات بليغة عظيمة الحكمة الإلهية، مظهرًا أن الله كلي القدرة [٧-١٠]، ولا يُمكن فحصه.

وأن لله السلطان المطلق على المذنب، وأنه يراقب بني البشر بدقةٍ وعدلٍ. ولا يمكن للإنسان أن يخفي خطيته عنه [١١-١٤].

لذا يليق بالإنسان أن يتوب وأن ينزع عنه خطيته، بهذا يتمتع بالرخاء والسلام [١٥-٢٠].

يرسم صوفر صورة جميلة عن شقاء أيوب، وإمكانية الخلاص من هذا الشقاء إذا اعترف بخطيئته وتاب عنها، وذلك بإتباع الخطوات التالية:

1- أن يتطلع في داخله، ويغير تفكيره.

2- أن يتطلع إلى فوق، ويتحرك ليلتصق بالله، ويصلي إليه بغيرة ولجاجة.

3- يجب أن يصلح الاعوجاج في تصرفاته، وإن وجد في يديه أية ثروة عن طريق الإثم أو الخداع والغش والظلم يعوض عنها.

4- يجب عليه أن يبذل أقصى جهده ليصلح حال بيته أيضًا.

مع ما قدمه صوفر من حكمة لكن كان متكبرًا يعوزه التواضع، كما كان يتكلم بالمنطق السليم دون الشركة في الآم أخيه بحبٍ صادقٍ.

1. اتهام أيوب بالكبرياء والكذب                              1-4.

2. عدل الله لن يخطئ                                         5-6.

3. كمال الله لا يُفحص                                       7 -9.

4. سلطان الله لا يُحد                                          10.

5. علم الله شامل                                         11-12.

6. لا مفر من الغضب الإلهي إلا بالتوبة والصلاة15 -20.

 1. اتهام أيوب بالكبرياء والكذب

فَأَجَابَ صُوفَرُ النَّعْمَاتيُّ: [1]

أَكَثْرَةُ الْكَلاَمِ لاَ يُجَاوَبُ،  أَمْ رَجُلٌ مِهْذَارٌ يَتَبَرَّرُ؟ [2]

بدأ أليفاز بمقدمة في وقار شديد (أي 4: 2)، أما بلدد فكان في حديثه أكثر خشونة مع أيوب (أي 8: 2). وجاء صوفر ينقَّض عليه بغير رأفة، موجهًا إليه عبارات قاسية جدًا.

لم يكن ممكنًا لصوفر أن يقبل منطق أيوب أن الله هو الذي سمح له بالتجارب بالرغم من كونه بارًا (4:11،21:9، 7:10).، فإن هذا يناقض كل فلسفة دينية سواء في عصره أو سابقه لعصره. بدا أيوب كمن هو مناقض لكل الفلاسفة وأصحاب المعرفة الدينية.

بدأ بقوله: "أكثرة الكلام لا يجاوب، أم رجل مهذار يتبرر؟" ظن صوفر في أيوب إنسانًا ثرثارًا، ورجل كلام بلا عمل، لا يستحق أن يُرد عليه، ومهذارًا لا يحمل جدية، ليس في حديثه روية، أو اتزان ليجاوب عليه.

سبق بلدد فقال لأيوب: "وتكون أقوال فيك ريحًا شديدة" (8: 2)، وجاءت في الترجمة السبعينية: "نسمات فمك تفيض في كلمات". هنا يتهمه صوفر النعماتي بالثرثرة.

حقًا لقد قدم صوفر آراء سديدة وحكيمة، لكنه اتهم أيوب ظلمًا، لأنه لم يشاركه مشاعره كإنسانٍ متألم للغاية، ولم يدقق في كلمات أيوب وظروفه. اتهم أيوب بالثرثرة وكثرة الكلام الباطل بغية تبرير نفسه. مع أن ما نطق به لا يُحسب ثرثرة بالنسبة لما حلّ به. وفي حديثه لم يبرر نفسه بل اعترف أنه خاطي (9: 20).

هنا يدعو صوفر أيوب أن يكون حكيمًا، بأن يجلس عند أقدام الشيوخ، وينصت صامتا، لا أن يكون كثير الكلام. يقول القديس يعقوب : "ليكن كل إنسانٍ مسرعًا في الاستماع، مبطئا في التكلم" ( يع 1: 19). ولعله يقصد بالشيوخ أصحابه الثلاثة. بمعني آخر يرى صوفر أن من حقه ومن حق زميليه ان يقدما عظات ونصائح ومشورات لأيوب، وما على أيوب سوى أن يجلس عند أقدامهم يتعلم منهم في صمتٍ!

    لم يقدم صوفر رأيًا خاطئًا بقوله: "رجل كثير الكلام لن يقدر أن يتبرر. مادام الإنسان يترك نفسه يتكلم مسترسلاً، تهرب منه رزانة الصمت، ويفقد حفظ نفسه في أمان. لهذا كتب: "عمل العدل سكونًا" (إش 32: 17). هكذا يقول سليمان: "مدينة متهدمة بلا سور، الرجل الذي ليس له سلطان على روحه في الكلام" (أم 25: 28 Vulgate). كما يقول أيضًا: "كثرة الكلام لا تخلو من معصية" (أم 10: 19). ويحمل المرتل شهادة بذلك، قائلاً: "رجل كثير الكلام لا يثبت علي الأرض" (مز 140: 11)، بل وتُفقد قيمة العبارة الصادقة عندما تُقال دون تمييز...

العبارة الصادقة هي ضد الأشرار، إن كانت تهدف إلى نفع الصالحين... أما الأشرار فلا يقدرون أن يسمعوا الكلمات الصالحة بصبرٍ، متجاهلين إصلاح حياتهم، فيلصقون أنفسهم بكلمات للرد على الغير.

     من يتذكر كلمات الطوباوي أيوب يعرف مدى بطلان هذا الاتهام... إذ كيف يدعو نفسه زكيًا (طاهرًا) من قال: إن تبررت يحكم علي فمي" (9: 20).

البابا غريغوريوس (الكبير)

حقًا لقد حثّ الكتاب المقدس على الصمت ما أمكن إن كان مقدسًا، كما حثّ على الكلام البنّاء. طلب المرتل حراسة إلهية مشددة لفمه، قائلاً: "اجعل يا رب حارسًا لفمي، احفظ باب شفتي" (مز 141: 3).

     يعلم الروح القدس الإنسان أن يحفظ جسده كله - من الرأس إلى القدمين - في تناسق:

فيحفظ العينين لتنظرا بنقاوة...

ويحفظ اللسان لينطق بالصلاح فقط، معطيًا وزنًا لكل كلمة، فلا يسمح لشيء دنس أو شهواني أن يختلط بحديثه[469].

     اهربوا من أولئك الذين يحملون اسم "رهبان وبتوليين" دون أن يكون لهم الإدراك الحقيقي والتمييز الحسن. لأنكم إن اختلطتم بهم، لن يدعوكم تتقدمون، بل وربما يطفئون حرارة غيرتكم، إذ لا حرارة لهم، بل برودة، وهم يسيرون وراء أهوائهم. فإن أتوا إليكم وتحدثوا معكم في أمورٍ أرضيةٍ حسب أهوائهم الخاصة، لا تستكينوا لهذا، إذ كتب الرسول بولس: "لا تطفئوا الروح، لا تحتقروا النبوات" (1 تس 2.:5)، عالمين أنه لا شيء يطفئ الروح أكثر من الكلام الباطل[470].

القديس أنبا أنطونيوس الكبير

     إن الصمت من أجل الله جيد، كما أن الكلام من أجل الله جيد.

الأب بيمين

     عندما يكون لسانك كلِسان المسيح، ويصير فمك فم الآب، وتكون هيكلاً للروح القدس، عندئذ أيّة كرامة تكون هذه؟! فإنه وإن كان فمك مصنوعًا من الذهب ومن الحجارة الكريمة فإنه لن يضيء هكذا كما بحُليّ الوداعة. أيّ شيء أكثر حبًا من الفم الذي لا يعرف أن يشتم، بل هو معتاد أن يبارِك وينطق بالكلمات الصالحة[471].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

     كثيرًا ما تكلمت وندمت، وأما عن الصمت فما ندمت قط[472].

القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك

     يصمت البار، إذ يُعلّم أن للسكوت وقت، وللكلام وقت (جا 3: 7)، لكنّه لا يصير أبكم. إنّما هذه سِمة خاصة بالصدّوقيّين، وكل من يُعلّم بالباطل، إذ هم يبكمون ولا يصمتون. فإنهم وإن كانوا بُكمًا عن الحق، لكنهم غير صامتين، هكذا قال الرب للبحر وليس للإنسان أن يبكم، منتهرًا إيّاه إذ كان عاصفًا[473].

العلاّمة أوريجينوس

أَصَلَفُكَ يُفْحِمُ النَّاسَ،  أَمْ تَلْغُو، وَلَيْسَ مَنْ يُخْزِيكَ؟ [3]

دعاه مستهزئًا، يهزأ بالله حيث يشتكي عليه، ويسخر بالناس، إذ لا يخجل من أن يخدع من هو حوله. كما دعاه متهكمًا، هكذا استخدم صوفر ألفاظًا قاسية، ووصفه بصفات غير لائقة.

يرى البعض في كلمات صوفر هنا اتهامًا غير مباشرٍ لأليفاز وبلدد، فكان يليق بهما أن يبكماه، ولا يتركاه يثرثر بكلامٍ عنيفٍ وخاطئٍ وبلا معنى.

في رأيه قد تصَّلف أيوب في تشامخ وبأكاذيب باطلة، ولم يستطع صديقاه أن يفحماه، بل صمتا عن الدفاع عن الحقٍ.

يتهمه بأنه "يلغو" أي "يسخر" أو "يتهكم"، بتقديمه اللوم لله خلال شكواه.

إِذْ تَقُولُ: تَعْلِيمِي زَكِيٌّ،  وَأَنَا بَارٌّ فِي عَيْنَيْكَ [4].

اتهم أيوب بكلمات لم يتفوه بها. اتهمه بالقول إن تعليمه زكي، وهو لم يقل هذا.

اتسم أيوب بسلامة الإيمان. حقًا أحيانًا اندفع مشتهيًا الموت بسبب ثقل التجربة، لكنه لم يفكر في الانتحار.

وعاتب الله، لكنه لم ينكر عدالة الله ومراحمه.

وأعلن أنه ليس شريرًا ولا مرائيًا لكنه لم ينكر أنه خاطئ وينتظر المغفرة.

تعليم أيوب عن الله أفضل بكثير من أصدقائه.

لقد أساء هؤلاء الأصدقاء، خاصة صوفر، كلمات أيوب، وأعطوها معانٍ غير ما في ذهنه، ولم يراعوا ظروفه، وأنهم لو وضعوا في مكانه ربما أخطأوا في حق الله.

 2. عدل الله لن يخطئ


وَلَكِنْ يَا لَيْتَ اللهَ يَتَكَلَّمُ، وَيَفْتَحُ شَفَتَيْهِ مَعَكَ [5].

يستشهد صوفر بالله نفسه، أنه وإن صمت ولم يجاوب أيوب، لكن إلى حين، فإن تكلم وفتح شفتيه لاكتشف أيوب أنه يستحق أكثر بكثير مما حلّ به.

ما أصعب أن نضع أنفسنا كما على العرش الإلهي وندَّعي أننا نعلم ما في فكره، ونحكم على الآخرين ناسبين الحكم لله.

لقد تحققت أمنية صوفر، وتكلم الله مع أيوب، فتح شفتيه مدافعًا عنه، مطالبًا أصدقائه بالاعتذار له، وأن يطلبوا صلواته عنهم فيسامحهم.

حقًا شتان ما بين أن يفتح الإنسان فمه ليحكم على إخوته ويدينهم تحت ستار الدفاع عن الحق والشهادة لله القدوس، وبين ان يفتح الله فمه ويتحدث مع الإنسان. يتكلم الله بالحق، لكنه الحق المملوء حبًا وحكمة عملية، في صراحة عاتب سمعان بطرس، بل ودعاه "شيطانًا" حين اعترض على صلب السيد المسيح وموته، لكنه كان يسنده ، كما مدحه عندما اعترف أان يسوع هو المسيح ابن الله.

يفتح الإنسان الخاطئ الضعيف فمه ليعكس ضعفه وأخطاءه على الغير، أما لله فيفتح فمه لكي يهب الخاطئ قوة للاعتراف وإمكانية للتوبة، وقدرة على التقديس الدائم والنمو الروحي المستمر بعمل روح الله القدوس.

     يقول الحق لبطرس الذي كان لا يزال مملوءً بالمفاهيم الأرضية: "لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" (مر 8: 33)، ومع هذا عندما اعترف حسنًا قيل له: "إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك، لكن أبي الذي في السماوات" (مت 16: 17). هكذا يفتح الله شفتيه عندما يعلن إرادته للبشر بافتقادٍ صريحٍ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

     لما كنا لا نستطيع أن ننتحل لأنفسنا صفة القضاء بسبب خطايانا، وجب علينا أن نتنحى عن القيام بهذه الوظيفة، لأنه كيف ونحن خطاة نحكم على الآخرين وندينهم؟!

إذن يجب علينا ألا يدين أحد أخاه، فإن حدثتك نفسك بمحاكمة الآخرين فاعلم أن الناموس لم يقمك قاضيًا ومحاكِمًا، ولذلك فانتحالك هذه الوظيفة يوقعك تحت طائلة الناموس، لأنك تنتهك حرمته...

إذن يجب أن نعني بفحص أنفسنا قبل الجلوس على منصة القضاء للحكم على غيرنا، خصوصًا إن كنا في وظيفة المرشد والمعلم[474].

القديس كيرلس الكبير

     سيحكم الله في وقته المناسب. فإن القاضي يُهان متى ادعى خادم ونطق بحكم قبل معرفة قرار الحكم الذي للقاضي[475].

     ابسط رداءك على المذنب واستره، إن كنت لا تقدر أن تحتمل وتضع أوزاره على نفسك.

مار إسحق السرياني

وَيُعْلِنُ لَكَ خَفِيَّاتِ الْحِكْمَةِ!  إِنَّهَا مُضَاعَفَةُ الْفَهْمِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ اللهَ يُغَرِّمُكَ بِأَقَلَّ مِنْ إِثْمِكَ [6].

يرى صوفر أنه كان يليق بأيوب أن يلتزم الصمت عوض اتهام الله بالظلم لأنه يجربه وهو بار. وقد أكد له صوفر ان ما حلٌ به هو عقوبة أقل مما يستحقه إثمه. فيليق به أن ينتظر المزيد من النكبات.

إذ كان صوفر يشعر بعجزه عن إقناع أيوب اشتهي أن يُظهر الله لأيوب خفيات حكمته الإلهية ويعطيه فهمًا مضاعفًا، فيعلم أن التأديب الذي حلّ به أقل مما يجب.

يميز البابا غريغوريوس (الكبير) بين معرفة أعمال الحكمة الإلهية العظيمة وبين أعمال الحكمة الإلهية الخفية العظيمة. فمن السهل أن يتمتع الإنسان بمعرفة حكمة الله العظمي خلال الطبيعة التي خلقها لأجل الإنسان، وعطاياه الفائقة اليومية. أما معرفة حكمته الخفية العظيمة فيصعب إدراكها حيث يبدو الله كأنه تخلى عن الإنسان، فيسمح له بالضيق أو التجربة. يحتاج الإنسان إلى نعمة إلهية ليدرك ما وراء الألم من حكمة إلهية خفية، فإذا ما نال الإنسان هذه المعرفة تحسب معرفة مضاعفة، حيث يدرك حكمة الله عندما يعطي وأيضا عندما يأخذ؛ عندما يقدم للإنسان ما يشتهيه وأيضًا عندما لا يقدم له طلبته.

     "ويعلن لك خفيات الحكمة، وأن ناموسها مضاعف" (أي 11: 6).

أعمال الحكمة العظمي هي أنه عندما يحكم الله القدير الذين خلقهم يأتي بهم إلى نهاية الصالحات التي بدأ بها، ويعين بإلهاماته هؤلاء الذين ينيرهم بنور افتقاده، فمن الواضح لأعين كل البشر أن الذين خلقهم بسخائه المطلق يسندهم برأفاته. وعندما يمنحهم هبات روحية هو بنفسه يدخل بهم إلى الكمال، هؤلاء الذين بدأ معهم في سخائه بالرأفات.

أما أعمال الحكمة العظمي السرية فهي عندما (يبدو كأنه) يتخلى عن من خلقهم، عندما لا يكمل الأعمال الصالحة التي بدأ بها معنا بسبب الخطية، عندما ينيرنا ببهاء نعمته المنيرة، ومع هذا يسمح بتجربة الجسد أن تضربنا بضباب العمى. عندما لا يهتم إن يحفظ لنا العطايا الصالحة التي وهبنا إياها، فيسمو بأشواق نفوسنا نحوه، ومع هذا يضغط علينا بطريقة خفية خلال عجز ضعف طبيعتنا.

كان بولس قلقًا كي يبلغ أسرار هذه الحكمة عندما قال: "يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه! ما أبعد أحكامه عن الفحص، وطرقه عن الاستقصاء، لأن من عرف فكر الرب أو من صار له مشيرا؟" (رو 11: 33)... إذ كان بولس عاجزًا عن بلوغ أسرار الله عاد إلى معرفة ضعفه.

كان صوفر متعلمًا بالسعي وراء المعرفة، لكنه كان جاهلاً بسبب وقاحة حديثه المتعجرف، غير مدرك لحقيقة نفسه، ناظرًا إلى حاله الضعيف كشخصٍ فاضلٍ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يقول صوفر أنه حيث يعلن الله للإنسان حكمته الخفية، يهبه فهمًا مضاعفًا. هذه حقيقة يتمتع بها المؤمن الصادق والأمين. إنه لا يكف عن أن يطلب من الله أن يهبه حكمة لإدراك خطة الله، فينال فهمًا مضاعفًا.

ماذا يعني بالفهم المضاعف؟

أولاً: يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن إدراك حكمة الله الخفية، ليس إدراكًا نظريًا عقلانيًا بحتًا، لكنه معرفة الخبرة والحياة، حيث ترتبط الحكمة بالحب، فالحكيم ينال فهمًا مضاعفًا، حيث يمارس حبًا مضاعفًا، ألا وهو حب الله وحب القريب. ينال حبًا مضاعفًا نحو الله وبلا حدود؛ وينال حبًا مضاعفًا نحو إخوته، فيود بكل كيانه أن يقدم إخوته عنه في كل شيءٍ، ويشتهي أن يتعامل معهم كما يريد أن يعاملونه به.

ناموس المحبة ناموس مضاعف، حيث نلتزم بالحب لله أو للقريب.

هذا ومن جهة محبتنا لله ينبغي أن يكون حبًا مضاعفًا، حيث نحبه بكل القلب وكل النفس وكل القدرة، فلا نترك لأنفسنا شيئًا لا نقدمه لله.

ومن جهة حبنا للقريب فهي مضاعفة، حيث نُطالب من جانب ألا نستخف بقريبنا خلال الطمع أو الإهانة باللسان أو الاستهانة بأجساد الغير خلال أنانية الشهوات الجسدية؛ ومن الجانب الآخر أن نسلك مع الغير حسبما نود الغير أن يفعل بنا.

     "وناموسها مضاعف" " (أي 11: 6). بماذا يُفهم "ناموس الله" سوى الحب؟ به نقرأ بطريقة باطنية كيف يجب مساندة وصايا الحياة بأعمال خارجية. يقول صوت الحق عن هذا الناموس: "هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضًا" (يو 15: 12). يقول عنها بولس: "المحبة هي تكميل الناموس" (رو 13: 10). وأيضًا: "احملوا بعضكم أثقال بعض" (غل 6: 2). فإنه بماذا يمكن أن يفهم ناموس المسيح أكثر من المحبة، التي بالحق نتممها حينما نحمل أثقال إخوتنا على أساس المحبة؟

هذا الناموس عينه يدعي "مضاعفًا"، حيث أن المحبة، المملوءة بالعناية الفائقة بغيرة، تمتد إلى كل أعمال الفضيلة. لقد وُضعت بوصيتين فقط لكنها تبلغ إلى عددٍ لا يُحصي. فإن بدء الناموس هو محبة الله ومحبة قريبنا (مت 22: 39- 40)...

لكن "محبة الله" تنقسم إلى ثلاثة أقسام. فإننا نُوصى بحب خالقنا "بكل قلبنا وكل نفسنا وكل قدرتنا". وفي هذا يلزمنا أن نلاحظ أن الكلمة المقدسة توصي بالالتزام بمحبة الله. فهي لا تخبرنا فقط كيف، وإنما تعلمنا إلي أي مدى حيث تضيف "من كل". فمن يرغب أن يسر الله بالكمال يليق به ألا يترك في نفسه شيئًا لنفسه.

ومحبة قريبنا جاءت في وصيتين. فمن جانب قيل بواسطة رجلٍ بارٍ: "افعلوا هذا أن لا يكون لك إنسان تبغضه" (طوبيت 4: 15). ومن الجانب الآخر يقول الحق: "كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم" (مت 7: 12). بهاتين الوصيتين أُحجم التصرف الشرير ووُضع علينا التصرف الحسن.

     لذلك ناموس الله بحق يدعي "مضاعفا"، فبينما هو ذو مبدأ المحبة، ما أن يستولي على العقل حتى يلهبه بطرق مضاعفة بأعمالٍ لا حصر لها... يعلن بولس عن مضاعفة هذا الناموس عبنه بطريقة لائقة، معددًا الآتي: "المحبة تتأنى وتترفق، المحبة لا تحسد، المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ، ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها، ولا تحتد، ولا تظن السوء، ولا تفرح بالإثم، بل تفرح بالحق" (1 كو 13: 4-6).

البابا غريغوريوس (الكبير)

ثانيًا: الفهم المضاعف يعني المزيد المستمر غير المنقطع. مادمنا في الجسد لن نتوقف عن طلب النمو في الحكمة والمعرفة والحب. بل ويرى بعض الآباء أن هذا النمو لا يتوقف حتى في الحياة الأبدية. فكلما تطلع المؤمن إلى الله، ونال اتحادًا أعمق، ينمو بلا توقف في الحكمة والمعرفة والحب. إنه لن يكف عن أن يتغنى على الدوام: "هوذا الكل قد صار جديدًا" ( (رؤ 21: )

     مع أن كل واحد يطلب المزيد من المعرفة على الدوام، فإنها تبقى المعرفة ناقصة في كل الأمور بالنسبة لكمالها الحقيقي حتى يحل الزمن ليأتي ما هو كامل ويزول ما هو جزئي[476].

القديس باسيليوس الكبير 

     إنه يشجعها ويحثّها ألا تجلس خاملة هناك، بل تخرج إليه خارجًا، وتحاول أن تراه لا من الشبابيك، ولا من مرآة في لغز، بل تذهب إليه وتراه وجهًا لوجه (نش 2: 9). لأنه الآن إذ هي لا تستطيع أن تراه يقف هكذا خلفها وليس أمامها، يقف وراء ظهرها، وخلف الحائط (نش 2: 9)[477].

العلامة أوريجينوس

لم يعرف صوفر حدوده، فإن كان ما يحث به أيوب هو طلب معرفة مضاعفة، وهذه طلبة مقدسة، ومشورة حسنة، لكن في عدم التزامه بالحدود أعلن في غباوة أن ما حلّ بأيوب أقل مما يستحقه. وكأنه يليق بأيوب أن يتوقع المزيد من الضربات.

هنا يشبه البابا غريغوريوس (الكبير) صوفر بالصديق الذي يرافق صديقه ويذهب معه إلى الوعر ليساعده في قطع أخشاب، وإذا به في عدم حكمة يضرب بالفأس، فيطير رأس الفأس، ويحطم رأس صاحبه. عوض أن يساعده في قطع الأخشاب، بغباوة قطع رأسه!

يليق بنا في حكمة أن ندرك ما هي حدود التوبيخ والانتهار، وما هي حدود التأديب، حتى لا نحطم إخوتنا. وكما يقول الرسول بولس عن تأديب الشاب الذي أراد أن يلتصق بامرأة أبيه فأمر بعزله، عاد ليقول: "حتى تكونوا بالعكس تسامحونه بالحري وتعزونه، لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المفرط، لذلك أط