إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

نبيل وحكيم هو الإنسان الذي يقرض غده من واقع يومه ويعمل اليوم خيراً ، فينتظره هذا الخير في غده فثمر الخير لابد أن تجنيه : إما هنا ، وإما في العالم الآخر، إنه لا يضيع مطلقاً

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email
2. الرسولان أمام المجمع

"وحدث في الغد أن رؤساءهم وشيوخهم وكتبتهم، اجتمعوا إلى أورشليم". [5]

اجتمع مجمع السنهدرين (السنهدريم)، وقد سبق لنا الحديث عنه في تفسير الإنجيل بحسب يوحنا. اجتمع الآن بعد مرور عدة أسابيع لاجتماعه وأخذ القرار بالخلاص من شخص يسوع، وبالفعل خططوا وسلموه للقتل، وإذا باسمه يتمجد بالأكثر، وعدد المؤمنين بلغوا الآلاف في أيام قليلة، وصاروا شهودًا جادين أن يسوع المصلوب هو المسيا مخلص العالم. في اجتماعهم الأول كانوا يشعرون أن وجود يسوع يزعزع مكانتهم، ويفقدهم موارد رزقهم. أما الآن إذ انتشرت الكرازة بقيامته وصعوده، هذا لا معنى له سوى أن الذين صلبوه قتلة وسافكو دم بريء.

كانت الجلسة بلا شك عاجلة تمت في اليوم التالي مباشرة، وإن لم تكن بذات العجلة كما عند محاكمة السيد المسيح، إذ لم يجتمع المجمع مساءً.

تمت المحاكمة في أورشليم، المدينة الذي ينتظر الكل أن يتمتعوا فيها بالخلاص، لأنها مدينة الله، صارت مقاومة للحق الإنجيلي. يقول النبي: "كيف صارت القرية الأمينة زانية؛ ملآنة حقًا، كان العدل يبيت فيها، وأما الآن فالقاتلون" (إش ١: ٢١). وقد ناح عليها السيد المسيح نفسه، قائلاً: "يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا" (مت ٢٣: ٣٧).

ضمت هيئة القضاء الرؤساء والشيوخ وهم أصحاب سلطان جاءوا ليصدروا الحكم عليهم على الأقل بأن يكفوا عن الكرازة، أما الكتبة فهم الطبقة المتعلمة، كانوا يظنون أنهم قادرون أن يفحموا هؤلاء الرسل الأميين ويردعوهم بالحجج والبراهين.

"مع حنّان رئيس الكهنة وقيافا ويوحنا والإسكندر، وجميع الذين كانوا من عشيرة رؤساء الكهنة". [6]

"ولما أقاموهما في الوسط، جعلوا يسألونهما: بآيّة قوة، وبأيّ اسم صنعتما أنتما هذا؟" [7]

يجتمع المجمع في شكل دائرة، ويقف المتهمون في المنتصف (لو ٢: ٤٦). بهذا يتحقق قول الكتاب: "جماعة من الأشرار اكتنفتني" (مز ٢٢: ١٦)، "أحاطوا بي مثل النحل" (مز ١١٨: ١٢)، إذ كانوا يجلسون حولهما من كل جانب.

استدعوا التلميذين وبدأوا يستجوبوهما: "بأية قوة، وبأي اسم صنعتما أنتما هذا؟" لم يكن ممكنًا لهم أن ينكروا صنع المعجزة، فإن آلاف مؤلفة تشهد بها، ولا يمكن إخفائها، لكنهم كالعادة غايتهم تحويل الحق إلى باطل، فينسبوا الشفاء إلى بعلزبول رئيس الشياطين كما اتهموا السيد قبلاً، أو لقوةٍ سحريةٍ، ولعلهم ظنوا أن بالتهديد يضطر التلاميذ أن ينسبوا العمل لأحد أنبياء العهد القديم.

تحدثوا معهما في شيء من السخرية، فإن النص اليوناني الذي ترجمته: "بأي اسم صنع مثلكما هذا؟" يحمل معنى "أنتما لا تنتميان إلى الكهنة، ولا إلى سبط لاوي، ولستما نبيين، ولا من القادة، فبأي سلطان تفعلان هذا؟ من أين أتيتما بالقوة؟ وتحت أي اسم تتجاسران وتفعلان هذا؟"

إنهم يعرفون تمامًا أنه باسم يسوع الناصري وبسلطانه وقوته فعلا هذا، لكنهم أرادوا أن يبثوا روح الرعب فيهما، ويلفقان لهما اتهامًا أنهما يعملان باسمٍ غير شرعيٍ، وأنهما مرتكبان جريمة ضد الله والناموس وموسى.

وُجه إليهم نفس السؤال الذي وُجه لسيدهم: "بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن أعطاك هذا السلطان؟" (مت ٢١: ٢٣).

حنان: وهو حما قيافا رئيس الكهنة، ذُكر أولاً بسبب كرامته، إذ كان رئيسًا للكهنة قبل استلام زوج ابنته هذا المركز. وقد رأينا في دراستنا لإنجيل يوحنا كيف كان ملتهبًا بالكراهية نحو شخص يسوع المسيح.

يوحنا والاسكندر: لا نعرف عنهما شيئًا، غير أن ذكرهما بالاسم يشير إلى أنهما صاحبا سلطان ونفوذ، يظن المجمع أنهما قادران أن يُسكتا الرسل.

أورشليم: واضح من هذا أن المجمع كان ينعقد أحيانًا في بلاد أخرى. وقد ذكر الكتَّاب اليهود أنه كان ينعقد في كل مرة في بلدة مختلفة، وذلك خلال الأربعين عامًا قبل خراب أورشليم.

"حينئذ امتلأ بطرس من الروح القدس، وقال لهم: يا رؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل". [8]

لقد حقق الرب وعده لتلاميذه: "فضعوا في قلوبكم أن لا تهتموا من قبل لكي تحتجوا، لأني أنا أعطيكم فمًا وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها" (لو 21: 14-15). كما وعدهم بأن الروح القدس يعطيهم كلمة عند مقاومتهم.

ألم يكن بطرس ممتلئًا بالروح حين حلّ عليه في عيد العنصرة مع بقية التلاميذ، فلماذا يقول: "حينئذ امتلأ بطرس من الروح القدس"؟ الامتلاء هنا يحمل معنى التمتع بإلهام جديد، وإعلان مساندة خاصة لموقف متأزم، فمع كل ظرف يعيش فيه المؤمن، يتحرك روح الله داخله ليهبه قوة وفهمًا وحكمة ومشورة إلهية.

تحدث القديس بطرس مع أعضاء المجمع بكل وقارٍ واحترامٍ، وفي نفس الوقت بكل شجاعةٍ، حاسبًا ذلك فرصة للشهادة للحق، وذلك حسب مبدأه: "مستعدين دائمًا لمجاوبة من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم بوداعةٍ وخوفٍ" (١ بط ٣: ١٥).

لقد سبق فجحد القديس بطرس سيده في نفس المدينة أمام ذات المجمع وفي حضور ذات الأشخاص، لهذا وجد الرسول فرصته ليحمل شهادة صادقة لمسيحه الذي سبق فأنكره.

كل مؤمنٍ يذوق عذوبة الحياة في المسيح يسوع بالحق لن يكف عن الشهادة له، مشتهيًا أن يختبر كل البشرية ما يتمتع به.

- عندما تكتشفون أن شيئًا ما نافع لكم، تريدون أن تخبروا الآخرين عنه... طبّق هذا السلوك الإنساني في المجال الروحي. عندما تذهب إلى اللَّه، لا تذهب وحدك.

- عندما تتحرّك متقدًّما، اجتذب آخرين ليذهبوا معك. لتكن لك رغبة في أن يكون لك رفقاء في الطريق إلى الرب.

البابا غريغوريوس (الكبير)

- قلب محب واحد يلهب قلبًا آخر بالنار.

- ماذا اشتهي؟ ماذا أريد؟ لماذا أتكلّم؟ لماذا أعيش إن لم يكن لهذا السبب: أن نحيا معًا مع المسيح... أنني لا أريد أن أخلص بدونكم.

- ضرورة الحب تبحث عن ممارسة العمل الرسولي.

القدّيس أغسطينوس

- خلص نفسك في خلاص الآخرين.

القدّيس جيروم

- لو كنتم مسيحيّون بالحق لما بقي وثني واحد.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

"إن كنا نفحص اليوم عن إحسان إلى إنسانٍ سقيم، بماذا شُفي هذا". [9]

في شجاعة بعمل الروح القدس يعلن بطرس الرسول شهادته ليس أمام مجمع السنهدرين وحده، بل وأمام جميع شعب إسرائيل، أن ما حدث هو بقوة يسوع المسيح الناصري وباسمه. هكذا يصر الرسول أنه لن يتوقف عن الشهادة ليسوع المسيح أمام جميع شعب إسرائيل. وأنه يوجه لهم الاتهام، إنهم هم قتلة ذاك الذي جاء ليشفي كساح الشعب وأمراضه، جاء ليشفي ويهب قوة وحركة عمل في حياة الشعب، فهل يودون محاكمتهم على هذا الإحسان كما سبق فحاكموا البار وقتلوه؟ ليكن، لكن رسالتهم هي أن يعلنوا للجميع عن صاحب هذا الاسم وقوته الإلهية الفائقة المقدمة لكل مؤمنٍ.

أوضح الرسول بطريقة غير مباشرة أنه ليس من شرٍ قد ارتكبه، وإنما يُحاكم من أجل إحسان قُدم لرجلٍ سقيمٍ لم يستطع مجمع السنهدرين ولا كل القيادات الدينية أن تفعله. فلا توجد مادة لجريمةٍ ما، بل مادة لإحسانٍ عظيمٍ وفريدٍ.

ومن جانب آخر، فإنه ليس من ينكر الشفاء، لأنه حقيقة ملموسة من الجميع، إنما موضع الاتهام هو "بماذا شفي هذا؟" الجريمة التي كانت تلاحق الكنيسة، ولا تزال تلاحقها، هي جريمة "الاسم"، أنه باسم يسوع يتم الخلاص، ويتحقق كل إحسان ونعم إلهية!

"فليكن معلومًا عند جميعكم، وجميع شعب إسرائيل، أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم، الذي أقامه اللَّه من الأموات، بذاك وقف هذا أمامكم صحيحًا". [10]

يؤكد حديث القديس بطرس أن السيد المسيح يتمم وعده الصادق لنا: "فمتى ساقوكم ليسلموكم فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا. بل مهما أُعطيتم في تلك الساعة بذلك تكلموا، لأن لستم أنتم المتكلمون بل الروح القدس" (مر ١٣: ١١).

يا للعجب! بطرس الذي أنكر أمام جارية وأصر على الإنكار يقف الآن أمام السنهدرين بكل قوةٍ ليشهد لاسم يسوع المسيح الناصري المصلوب والقائم من الأموات. إنه يعلن أن الذي قتلوه هو الحي غالب الموت، الذى يملك وليس من يقدر أن يقاومه.

في حكمة الروح القدس يكشف بجرأة أن حكمهم باطل، فقد قتلوا البار، وأن حكم الله الآب القدير لا يُقاوم إذ أقامه من الأموات. فقد نقضت السماء حكمهم، وكشفت عن فسادهم كقتلة مملوءين حسدًا وغيرة.

أما الشهادة على ذلك فظاهرة، لا تحتاج إلى دفاع: "بذاك وقف هذا أمامكم صحيحًا" [10].

كان لدى القديس بطرس الفرصة للهروب من الإجابة على تساؤلهم لو أراد، لكنه وجدها فرصة قد لا تتكرر كثيرًا أن يقف أمام مجمع السنهدرين يشهد للسيد المسيح وعمله الخلاصي، كما أنها فرصة ليصحح ما ارتكبه أثناء محاكمة السيد المسيح حيث أنكره ثلاث مرات. لم يعد بطرس الإنسان الخائف والمرتعب أمام جارية، بل الشاهد الأمين أمام أصحاب السلاطين، لقد اختبر بحق كيف صار صفا، إذ صار قلبه كالصخرة خلال الإيمان الحي، ويشتهي أن يختبر كل من هو حوله عمل الروح القدس ليحمل الكل صخرة الإيمان التي لن تهتز أمام تيارات العالم مهما بلغ عنفها.

لم يكن دافع شهادته كرامة شخصية ولا عن تعصبٍ، وإنما عن حبٍ صادق لله وللبشرية.

بقوله "باسم يسوع المسيح"، أي يربط الاسمين معًا، يتحدى مجمع السنهدرين الذي يرفض أن يكون يسوع هو المسيا الذي تنبأ عنه رجال العهد القديم، والذي تشتهي كل الأجيال اللقاء معه.

لم يعد لقب "الناصري" ولا "المصلوب" موضوع خزيٍ وعارٍ، بل شرف ومجد وقوة.


 


8 توت 1736 ش
19 سبتمبر 2019 م

نياحة موسى النبي عام 1485ق م
استشهاد زكريا الكاهن
استشهاد القديس ديميدس القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك