تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 3 جـ4 Print

"وبالإيمان باسمه شدد اسمه، هذا الذي تنظرونه وتعرفونه، والإيمان الذي بواسطته أعطاه هذه الصحة أمام جميعكم". [16]

ما يصبو إليه الرسول في كل حديثه هو جذب كل نفسٍ للإيمان بالقائم من الأموات، والتمتع بقوة اسمه القدوس.

ما قد تمتع به هذا الأعرج من صحة الجسد وتهليلٍ لنفسه وتسبيح، إنما بقوة اسم يسوع. إنها دعوة لكي يؤمن الكل باسمه، فيتمتعون بشخصه وقوته وسماته.

لا يقصد بالكلمة "اسم" مجرد لقب أو الاسم في ذاته، بل شخص يسوع المسيح، وقوته وسلطانه. فالإيمان باسم يسوع يعني الإيمان بشخصه وسلطانه وتدابيره الإلهية.

"تنظرونه وتعرفونه":
رأوا الرب خلال شفاء الرب للأعرج، وتعرفوا على شخصه وقدرته وحبه الفائق للإنسان!

"أمام جميعكم": ما حدث كان علانية أمام الجميع، فأنتم شهود على أنفسكم إن لم ترجعوا إليه.

"والإيمان الذي بواسطته أعطاه هذه الصحة أمام جميعكم". [16]

- الإيمان سراج، وكما ينير السراج البيت هكذا ينير الإيمان النفس.

- الإيمان هو نور النفس، طريق الحياة، أساس الخلاص الأبدي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الإيمان المسيحي يشبه حبة خردل، يبدو للنظرة الأولى شيئًا صغيرًا تافهًا وضعيفًا، لا يُظهر بوضوح قوته الحقيقية؛ عندما تبدأ تهاجمه تجارب متنوعة عندئذ يظهر نشاطه خارجيًا وقوته ويتنسم إيمانه الناري بالرب ويُثير نوع من الهوى الإلهي لا ليلتهب هو نفسه فقط بل ويلهب كل ما في داخل مجاله.

القديس أمبروسيوس

- بالرغم من أن كثيرين من اليهود شعروا بمرارة من مثل هذا الحديث الرفيع إلا أنهم كبحوا غضبهم رغمًا عن إرادتهم، إذ أنهم خجلوا من عظمة المعجزة.

هناك نقطة أخرى ينبغي ألا ننساها، وهي أن المسيح إذ وشح أولاً الرسل القدّيسين بقوات عظيمة هكذا، فإنه يدعوهم بعد ذلك للانطلاق بسرعة. ويبدأوا عملهم في إعلان سرّه إلى سكّان الأرض كلها. لأنه كما أن الثوّار المقتدرين بعد أن يزوّدوا جنودهم الشجعان بأسلحة الحرب يرسلونهم ضد كتائب العدو، هكذا يفعل المسيح، مخلصنا وربّنا جميعًا. يرسل معلّمي أسراره، القدّيسين، موشحين بالنعمة التي يمنحهم إيّاها، ومجهّزين كليّة بالسلاح الروحاني ضد الشيطان وملائكته، لكي يكونوا مقاتلين أشدّاء غير مغلوبين. لأنهم كانوا على وشك أن يدخلوا في معركة مع أولئك الذين سيطروا على سكّان الأرض في الزمن القديم، أي أن يحاربوا ضد القوّات الشرّيرة المضادة...

القديس كيرلس الكبير

- يلزم أن يعِّدك الإيمان ومخافة الرب لمواجهة أي شيء وكل شيء.

لتكن خسارة للأشياء القريبة منك والعزيزة لديك، فقدان الصحة بسبب مرض خطير، أو حرمان من الزوجة والأطفال. مثل هذه الأمور يلزم ألا تكون فرص لتربكك بل بالأحرى لحفظك. مثل هذه المصائب يلزم ألا تضعف إيمان المسيحي أو تزيله بل بالأحرى هي فرص لكي تقوم هذه الفضيلة بغيرة متجددة أثناء الصراع.

يلزمنا أن نتجاهل الشرور الحاضرة، مرتبطين برجائنا في المكافأة السماوية.

حيث لا يوجد صراع لا يمكن أن توجد نصرة. حيث تثور المعركة تُوهب النصرة، عندئذ ينال الغالب المكافأة.

يبرهن قائد السفينة على استحقاقه أثناء العاصفة، والجندي في المعركة. الشجرة ذات الجذور العميقة لن تسقط حتى إن هزتها الرياح. هكذا أيضًا الرسول بولس بعد أن انكسرت السفينة به، مع القيود واحتمال آلام جسدية كثيرة لم يتحدث بقلبٍ منكسرٍ بل بالأحرى صار إلى حالٍ أفضل بالمخاطر التي واجهها. فإنه بقدر ما تعذب بأمور خطيرة، كان بالأكثر يتزكى بأنه مستحق للمديح الحقيقي.

الشهيد كبريانوس

3. شهادة كل الأنبياء ليسوع

"والآن أيها الاخوة أنا أعلم أنكم بجهالة عملتم كما رؤساؤكم أيضًا". [17]

بعد أن وجه إليهم هذه الاتهامات الخطيرة بدأ يلاطفهم بروح المحبة، فدعاهم "إخوة"، وهو تعبير يستخدمه اليهود للحديث مع أشخاص من ذات الأمة، لهم ذات الرجاء، وذات الوعود الإلهية. وكأنه لم يقف كمن يعلم من على منبرٍ أو يتعالى عليهم، بل كواحدٍ منهم، يرجو لهم أن يشاركوه ما تمتع به.

فهو ليس بالرجل القديس الذي يحدث خطاة وينتهرهم، إنما يقترب إليهم ليجتذبهم إلى التوبة معه. فالإنسان يمارس التوبة بكل قلبه خلال كلمات الحب والتشجيع بروح التواضع، وليس التوبيخ بروح الكبرياء.

يفتح لهم القديس بطرس باب الرجاء، حاسبُا أن ما فعلوه هم ورؤساؤهم كان "بجهالة". لقد حذرهم بيلاطس مرة ومرات، وأكد لهم أنه لم يجد عليه علة. كانوا يجهلون خطة الله وتدبيره الفائق، كما يجهلون حقيقة شخص يسوع. إذ يقول الرسول بولس: "لو عرفوا رب المجد لما صلبوه" (1 كو 2: 8). كما قال السيد المسيح نفسه على الصليب: "يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 23: 24). كل قوانين العالم لا تبرئ الإنسان بسبب جهله بالقانون، لكن هذا هو قانون الحب والرحمة: "والرحمة تفتخر على الحكم" (يع 2: 13).

لقد اضطهد بولس الرسول كنيسة المسيح، وأراد إبادتها، ومحو اسم يسوع من العالم، وقد فعل ذلك بجهالة. إذ عرف الحق تحول عن الجهالة إلى حكمة الله، وصار إناءً مختارًا للعمل الإلهي، عوض الاضطهاد والتجديف والمقاومة المستمرة.

- لقد أرسل الرسل لأجل خلاصهم، فيسمعون على الأقل: "نحن نعلم أنكم بجهالة عملتم" (راجع أع 3: 17). بهذه الوسيلة يسحبونهم للتوبة. ليتنا نتمثل بهم، فإنه ليس شيء يجعل الله صفوحًا مثل محبة الأعداء، وأن نصنع صلاحًا للذين يسيئون إلينا. عندما يشتكي أحد لا تتطلع إليه بل إلى الشيطان الذي يحركه، وصب كل غضبك عليه، وترفق بالشخص الذي يحركه الشيطان.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأمّا اللَّه فما سبق وأنبأ به بأفواه جميع أنبيائه، أن يتألم المسيح قد تمّمه هكذا". [18]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بطرس خلال عظته كان لطيفًا إلى أبعد الحدود، فمع عدم تجاهله أن الحاضرين يُحسبون صالبين ليسوع المسيح، لكنه فى لطفٍ يفعل كما فعل يوسف مع إخوته إذ قال لهم: "لأنه لاستبقاء حياة أرسلني الله قدامكم" (تك 45: 5). فقد باعوه حسدًا، لكنه حسب بيعهم له بسماحٍ الهيٍ لأجل استبقاء حياته وحياتهم، أرسله الله نفسه قدامهم. هكذا فى لطف يقول بطرس الرسول أنه لخلاصهم وخلاص العالم سُلم يسوع للصلب.

ويلاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم أن القديس لم يورد النصوص التي تنبأ بها الأنبياء عن صلبه أو موته أو دفنه، بل اكتفى بالقول بأن "أنبأ به بأفواه جميع أنبيائه أن يتألم" [18]، معللاً بذلك أن هذه النصوص حملت اتهامات مع العقوبة التي يسقط تحتها صالبوه... وكأنه قد تركهم ليدرسوا النصوص ويدركوا خطورة عملهم، أما هو ففتح باب الرجاء لهم ليتمتعوا بالفرح من وجه الرب [19]، وأما ما فعلوه بالسيد فحقق خطة الله لخلاص العالم.

"فتوبوا وارجعوا لتُمحى خطاياكم، لكي تأتي أوقات الفرج anapsuxis من وجه الرب". [19]

تارة يقول لهم الرسول أن ما فعلوه كان بجهلٍ [17]، وأخرى أنه بذلك تحققت خطة الله التي أعلنها على أفواه جميع الأنبياء [18] وثالثة "ارجعوا لتُمحي خطاياكم" [19]، "لكي تأتي أيام الفرج" [19]... كل هذا كما يقول الذهبي الفم يهبهم الرجاء ويفتح أمامهم باب التوبة، مع تحذيرهم إن أصروا على تكملة الطريق بعدم الإيمان فى عصيان له [22-23].

- بعد نعمة المعمودية المعروفة للجميع، وتلك العطية العظمى التي للاستشهاد، التي هي الحميم بالدم، توجد ثمار كثيرة للتوبة التي بها يمكننا أن نقلع عن خطايانا.

إن الخلاص الأبدي ليس موعودًا به بالتوبة عن الخطايا فحسب حسبما يقوله الطوباوي بطرس الرسول: "فتوبوا وارجعوا لتُمحَى خطاياكم" (أع 19:3)، وحسبما قاله يوحنا المعمدان والسيد المسيح نفسه: "توبوا لأنهُ قد اقترب ملكوت السماوات" (مت 2:3)، لكن أيضًا ينبغي أن تكون مقرونة بأعمال المحبة، لأن "المحبَّة تستر كثرةً من الخطايا" (1 بط 8:4).

هكذا نجد الشفاء لكل جراحاتنا نتيجة لثمار التوبة كالصدقات وأفعال الرحمة. لأنه كما يقول الكتاب المقدس: "كما أن الماء يطفئ الحريق، كذلك الدموع تغسل خطايانا" (ابن سيراخ 33:3)، وأيضًا: "أعوّم في كل ليلة سريري وبدموعي أبلّ فراشي" (مز 6:6).

الأب بينوفيوس

"ويرسل يسوع المسيح المبشر به لكم قبل". [20]

ما قد حدث وإن كان بدافعٍ شريرٍ من جانبكم، لكنه حقق خطة الله لخلاص العالم؛ فلم يُصب السيد المسيح بصلبه ضرر، فإن هذه مسرته ومسرة أبيه أن يموت عن العالم. فإن كنتم قد فعلتم هذا بجهالة، الآن فرصة لتصحيح الموقف بالرجوع إليه بالتوبة، والإيمان به. ما اقترفتموه سبب لنا خلاصًا، فلماذا لا تتمتعوا معنا بذات الخلاص. الآن زمن الحب، زمن الفرج من وجه الرب. لقد ضاعت الفرصة الأولى لقبوله حين كان في وسطكم يخدمكم وهو بالجسد، الآن يود أن ترجعوا إليه، فيرجع إليكم ويحل بالإيمان في قلوبكم.

هكذا أنار الروح القدس للقديس بطرس خطة الخلاص لكل العالم، حتى لصالبي السيد المسيح، وفتح ذهنه لإدراك الكتب المقدسة والنبوات وطول أناة الله على البشرية.

لم يقل الرسول "أنبأ به الأنبياء" بل "بأفواه جميع أنبيائه"، وكأن يسوع هذا الذي صلبوه، إنما هو موضوع شهوة جميع الأنبياء بلا استثناء. هو المحك الذي به يُفرز النبي الحقيقي من النبي الكذاب. فإن كانت آلامه قد شغلت كل نبي منذ بدء الخليقة حتى النبي السابق يوحنا المعمدان، فإن عدم الإيمان به هو رفض تام لكل الأنبياء، ولعمل الله بهم.

تنبؤ الأنبياء عن آلامه لا يعطيهم عذرًا لما فعلوه، إنما يفتح لهم باب الإيمان ليقبلوه، فتُمحى كل خطاياهم بما فيها جريمة صلبه. النبوة والإعلان السابق للأحداث لا يدفع عنهم شرهم، ولا يغير من طبيعة شرهم، إنما يحول شرهم إلى خلاصٍ للعالم كله بما فيه الصالبين أنفسهم إن رجعوا إليه.

هذا وتأكيده أن ما حدث تنبأ عنه جميع الأنبياء يشهد لهم كما لغيرهم أنه هو المسيا المنتظر.




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 3 من سفر أعمال الرسل +
+ عودة لتفسير سفر أعمال الرسل +