تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ8 Print

"لذلك سُرّ قلبي، وتهلل لساني، حتى جسدي أيضًا سيسكن على رجاء". [26]

جاء اقتباس الرسول هنا عن الترجمة السبعينية: "تهلل لساني"، أما في العبرية "مجدي" عوض "لساني".

"لأنك لن تترك نفسي في الهاوية، ولا تدع قدوسك يرى فسادًا". [27]

تصوير رائع لحقيقة موت الموت. وُضع الجسد في القبر إلى حين ليطمئن الأموات بوجوده فيه مؤقتًا. وانطلقت نفسه إلى الجحيم تحطم متاريسه، وتنطلق بنفوس الراقدين على رجاء للتمتع بالفردوس.

لم يسقط السيد المسيح تحت الحكم: "لأنك تراب، وإلى ترابٍ تعود" (تك ٣: ١٩)، لأنه بلا خطية، فلا يحل به هذا الفساد. لم يكن ممكنًا للناسوت الذي صار للكلمة أن يحل به ما حل بطبيعة آدم الساقطة. حقًا يمكن لنفسه أن تفارق جسده، لكن إلى حين دون فسادٍ للنفس أو الجسد.

- لأنه قام محطمًا الهاوية، وقائلاً للأسرى: اخرجوا، وللذين في الظلام: اظهروا (إش 49: 9). وصعد إلى أبيه فوق في السماء، إلى الموضع الذي لا يمكن للبشر الدخول إليه، أخذ على عاتقه خطايانا، وصار كفّارة عنّا.

القديس كيرلس الكبير

"عرفتني سبل الحياة، وستملأني سرورًا مع وجهك". [28]

لم يكن ممكنًا للمرتل أن يقول: "عرفتني القيامة من الأموات"، إذ ما كان يمكن لأحد أن يدركها، لكنه رأى في قيامة الرب "سبل الحياة"، حيث يتحطم الموت، ويرتفع المؤمنون إلى الحياة الأبدية.

"أيها الرجال الاخوة، يسوغ أن يقال لكم جهارًا عن رئيس الآباء داود، أنه مات ودفن وقبره عندنا حتى هذا اليوم". [29]

ظن اليهود أن ما قاله داود النبي خاص به شخصيًا، وقد جاء في المدراش: [ليس من دودة ولا حشرة لها سلطان على داود.] لهذا أراد الرسول بطرس أن يوضح لهم أن داود لا يزال مدفونًا لم يقم، وها هو قبره قائم يشهد بذلك، فما قيل هنا يخص السيد المسيح، كما قال الربي يوسي Rabbi Jose أن داود قد مات في يوم الخمسين، وكان كل إسرائيل ينتحبونه، ويقدمون ذبائح في اليوم التالي.

يدعو القديس بطرس داود رئيس الآباء (بطريركًا)، قبره في الجهة الجنوبية من أورشليم بالقرب من سلوام، قد تحدث عن قيامة السيد المسيح الذي جاء من نسله (حسب الجسد) قائلاً: "نفسه لا تُترك في الهاوية، ولا جسده يرى فسادا".

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم الآن إذ يبدأ يشير إلى عظمة السيد المسيح يتحدث معهم كمن يبدأ يخاطبهم من جديد: "أيها الرجال الاخوة". كان القديس بطرس يعلم جيدًا أن اليهود لم يقولوا بأن ما نطق به داود النبي لا يخصه هو، بل يتنبأ عن المسيح ابن داود، ومع هذا فهو يؤكد لهم أن ما قاله لا يخصه شخصيًا، حتى يوضح أنه تحقق في يسوع الناصري المصلوب.

"فإذ كان نبيًّا، وعلم أن اللَّه حلف له بقسمٍ، أنه من ثمرة صُلبه يُقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه". [30]

"سبق فرأى وتكلّم عن قيامة المسيح، أنه لم تترك نفسه في الهاوية، ولا رأى جسده فسادًا". [31]
- لم يرَ جسده فسادًا؛ أما جسدنا فبعد الفساد يلبس عدم الفساد في نهاية العالم. لم يكن هو محتاجًا إلينا ليتمم الخلاص، لكننا بدونه لا نقدر نحن أن نفعل شيئًا. يعطينا ذاته بكونه الكرمة ونحن الأغصان، أما نحن فلا يمكن أن تكون لنا حياة خارجًا عنه.

القديس أغسطينوس

في رسالة القديس جيروم إلى بماخيوس Pammachius يؤكد قيامة الجسد وتمتعه بشركة المجد مع النفس البشرية، لهذا فإننا نحمل نظرة مقدسة ومكرمة للجسد. كمثالٍ صوم الجسد بالنسبة لنا ليس معناه مقاومتنا للجسد كشيءٍ دنسٍ، وإنما هو وسيلة للتمتع بالشركة مع الله، ليس على مستوى النفس وحدها، بل الإنسان ككل.

- ما نهدف إليه في الصوم هو الشركة مع الله. فتقتات (حتى الأجساد) بالخبز السماوي، وتشبع بكلمة الله، إذ يكون طعامها كما هو ربها. استمع إلى المخلص: "جسدي يستريح في رجاء" (مز 16: 9) وفي موضع آخر قيل: "ولا رأى جسده فسادًا" (أع 2: 31)، وأيضًا: "ويرى كل جسد خلاص الله" (إش 40: 5).

القديس جيروم

"فيسوع هذا أقامه اللَّه، ونحن جميعًا شهود لذلك". [32]

بعد أن قدم الرسول بطرس شهادة الأنبياء وركز على سفر المزامير فيما يخص مجيء المسيا من نسل داود أو موته أو قيامته، ختم ذلك بشهادة التلاميذ أنفسهم، وفي موضع آخر أحالهم الرسول إلى الروح القدس كشاهدٍ للسيد المسيح (أع 5: 32).

رآه كل الحاضرين من الرسل والتلاميذ وغيرهم بعد قيامته من الأموات، وهم مستعدون للشهادة بذلك حتى في وجه الاضطهاد والموت.

"وإذ ارتفع بيمين اللَّه، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه". [33]

يؤكد الرسول بطرس أن يسوع ليس فقط قام من بين الأموات، وإنما تمجد أيضًا عن يمين الآب، ومن خلال هذا المجد بعث الروح القدس الذي تنبأ عنه يوئيل النبي، وقد وعد به السيد المسيح نفسه (يو ١٤: ١٦ الخ؛ ١٦: ٧).

يستشهد الرسول بطرس بالمزمور: "يمين الرب رفعتني، يمين الرب صنعت قوة" (مز 119: 16). لا يفيد اليمين هنا مكانًا بل مكانة، فيشير إلى التساوي في المجد والكرامة "بجبروت خلاص يمينه" (مز 20: 6)، "يمينك يا رب تحطم العدو" (حز 15: 6).

يشير هنا إلى تحقيق وعد السيد المسيح بإرسال الروح القدس الذي يكمل عمل المسيح في قلوبنا. وكما يقول بولس الرسول: "لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة، بروحه في الإنسان الباطن: ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم..." (أف 3: 16).

سكب الآب الروح القدس من السماء ليشهد علنًا، ويشاهده الذين صلبوه. سكبه على التلاميذ الذين أغلقوا على أنفسهم الأبواب في رعبٍ وخوفٍ، لئلا يحل بهم ما حل بسيدهم. سكبه لكي يتحول خوفهم إلى شجاعة للشهادة للحق، ويتحول حزنهم إلى هتافٍ وتهليلٍ، وضعفهم إلى قوةٍ. يشهدوا بالروح القدس، ويسلموا الشهادة من جيلٍ إلى جيلٍ.

"لأن داود لم يصعد إلى السماوات، وهو نفسه يقول: قال الرب لربي اجلس عن يميني". [34]

ما نطق به داود النبي لم يكن يخصه شخصيًا، ولا تحقق معه، بل مع ابن داود.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن القديس بطرس لم يعد يتكلم بأسلوب متواضع بخصوص يسوع، بل يكشف عن شخصه بأنه هو وليس داود الذي صعد إلى السماوات، وأن الأمر ليس بعجيبٍ، لأنه رب داود، إذ قال: "قال الرب لربي".

- إذ هو نفسه أولاً صعد إلى السماء، أحضر الإنسان كعطية لله.

القديس هيبوليتس

"حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك". [35]

لقد عرض الرسول أعمال السيد المسيح والبركات التي قدمها وشهادة الأنبياء له، والآن إن لم يقبلوه خلال الحب، فليلتزموا أن يخضعوا له خلال الخوف، لئلا يسقطوا كأعداءٍ تحت قدميه.

- لا ينجذب البشر بالمنافع بالقدر الذي به يتأدبون خلال الخوف.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فليعلم يقينًا جميع بيت إسرائيل، أن اللَّه جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم، ربًا ومسيحًا". [36]

يقول الذهبي الفم أن القديس بطرس يتحدث بلغة اليقين إلى جميع بيت إسرائيل أنهم ملتزمون بقبول من صلبوه ربًا ومسيحًا.

ما كان يشغل ذهن اليهود هو التمتع بمجيء المسيا، وقد أكد لهم الرسول أنه قد جاء، وعلامات صدق مجيئه هي الآتي:

- قيامته من الأموات بشهادة الكثيرين.

- صعوده إلى السماء.

- جلوسه عن يمين الآب في العظمة.

- بعثه الروح القدس تحقيقًا للنبوات، وهو أول ثمر لمجده بعد الصعود.

- سقوط عدو الخير تحت قدميه، هذا الذي فقد بالصليب سلطانه.

تدرج الرسول بهم خلال شهادة المزامير حتى بلغ بهم إلى نبوة داود النبي عن صعود السيد المسيح وجلوسه عن يمين الآب، وأنه رب داود. وكما يقول الرسول بولس: "لذلك رفعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبةٍ ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسانٍ أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" (في 2: 9-11).

الذين أرادوا أن يهبطوا به إلى الهاوية بالصليب نزلوا هم إليها، فحمل مؤمنيه معه إلى السماء، وصار أعداؤه تحت قدميه وأقدام مؤمنيه. لقد أُعلنت ربوبيته وانحنى الكل له، وانسحق إبليس وكل جنوده تحت قدميه.

في بساطة مع عمقٍ لاهوتيٍ، انطلق بهم القديس بطرس خلال النبوات للتعرف على سرّ الخلاص وادراك عمل الصليب، والتلامس مع قيامة السيد المسيح، وصعوده إلى السماء، وجلوسه عن يمين الآب، ليدركوا الخاتمة أن الله أعلن أن الذي صلبوه هو الرب المسيح المخلص. وكأنه يختم حديثه عن السيد المسيح طالبًا من صاليه أن يخلعوا عنهم إنسانهم العتيق، ويلتصقوا بالمصلوب واهب النصرة ومصدر الفرح والسلام السماوي.

- من جانبنا نقول بأنه ليس صحيحًا أن تشير كلمة "جعل" إلى الطبيعة الإلهية، إنما تشير إلى "شكل العبد" (في 2: 7) الذي وُجد خلال التجسد، في الوقت المناسب لظهوره في الجسد.

القديس غريغوريوس النيسي

استخدم كل من أريوس وأونوميوس هذه العبارة بكونها تخص جوهر الابن أنه من صنع الآب كخليقة، وأنه قد أقامه ربًا ومسيحًا، ورد القديس أثناسيوس الرسولي على أريوس، والقديس باسيليوس على أونوميوس، وقد أورد القديس غريغوريوس النيسي هذا الرد في عمله "ضد أونوميوس" في الكتاب الخامس.

- على أي الأحوال يكتب باسيليوس الكبير معبرًا هكذا: "علاوة على هذا فإنه ليس في نية الرسول أن يقدم لنا وجود الابن الوحيد الذي هو قبل الدهور، وإنما يتحدث بوضوح لا عن جوهر الله الكلمة ذاته الذي هو من البدء مع الآب، وإنما عن ذاك الذي أخلى ذاته وأخذ شكل العبد، وصار في الهيئة مطابقًا جسد تواضعنا (في 3: 31)، وصُلب عن ضعف. مرة أخرى يقول: "معروف لكل شخص حتى الذي على مستوى أقل في استخدام عقله في معاني كلمات الرسول أنه لا يضع أمامنا الوجود الإلهي، بل يستخدم تعبيرات تخص التجسد، إذ يقول: "جعله الله ربًا ومسيحًا"، يسوع هذا الذي صلبتموه، مركزًا على الكلمة التي تثبت أنه بشري ويراه الكل.

القديس غريغوريوس النيسي




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من سفر أعمال الرسل +
+ عودة لتفسير سفر أعمال الرسل +