إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لاتجعلوا اللحظات المؤقته تسرق منكم الابدية
الأنبا انطونيوس

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email
"أما هم المجتمعون فسألوه قائلين: يا رب هل في هذا الوقت ترُد الملك إلى إسرائيل؟" [6]

تعتبر هذه الآية امتدادًا للآية ٣، فقد كان من الصعب جدًا على التلاميذ أن يتخلصوا مما ثبت في أذهانهم عن ملكوت الله خلال الفكر اليهودي الحرفي، حيث كان الشعب يطلب المسيا كملكٍ أرضي (يو ٦: ١٥)، وكانوا يتطلعون إلى شعب الله كمملكة سياسية لها سلطانها الزمني. خلال الأربعين يومًا من قيامة السيد إلى صعوده كان يسحب قلوب التلاميذ من المفاهيم الأرضية البشرية إلى الفكر الإلهي السماوي.

لقد تحطم كل أملٍ لليهود في إقامة يسوع ملكًا، فهل أعادت قيامته الرجاء فيهم ليحتل ذات المركز بذات الفكر؟

سؤال التلاميذ للسيد يكشف عن مدى خطورة الأفكار الخاطئة التي تبعث بجذورها في أعماق الفكر، فمع كل هذا الزمن الذي عاش فيه التلاميذ أثناء خدمة السيد، ومع قيامته وأحاديثه معهم عن الملكوت السماوي خلال الأربعين يومًا، لازالت أفكارهم القديمة المتجذرة تقود أعماقهم. إنهم في حاجة إلى الروح القدس، روح المسيح، أن يحتل أعماقهم ويجدد أفكارهم ويخلصهم من الأفكار القديمة الخاطئة.

سؤالهم يكشف عن حيرتهم، فقد التصق العصر المسياني في ذهنهم بظهور مملكة إسرائيل المجيدة، والنصرة على الأمم والشعوب. وإذ لم يكن بعد قد حلّ عليهم الروح القدس لم يكن ممكنًا لهم التعرف على "مملكة المسيح" كما هي.

هل سيحتل يسوع كرسي موسى عوض رؤساء الكهنة والفريسيين؟

هل يجلس يسوع القائم من الأموات على العرش ليهب إسرائيل النصرة على الأمم؟

هل حان الوقت لطرد الرومان واستقلال إسرائيل؟

هذا وقد جاء التعبير "ترد apokaqistanein" ليعني "يعيد الأمر إلى وضعه" أو "تجديد".

"فقال لهم: ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" [7].

هنا الحديث الأخير للتلاميذ مع السيد المسيح قبل صعوده. لم تكن قلوبهم قد ارتفعت بعد مع المسيح إلى السماء ليطلبوا مملكة سماوية. بينما كان السيد المسيح يقدم لهم الوعد بالروح القدس ليصعد بهم كما بجناحي حمامة إلي السماء، كانت قلوبهم لاتزال ملتصقة بالزمن والمجد الأرضي. كانوا يحملون في صدورهم حنينًا قويًا نحو ملكوت إسرائيل.

إذ كان السيد في طريقه للصعود، كانت آخر وصية لهم ألا ينشغلوا بالأزمنة والأوقات، حتى تنفتح قلوبهم على الأبدية، وتسمو أفكارهم فوق حدود الزمن.

أراد السيد المسيح ألا يعرف أحد الأزمنة والأوقات حتى لا يسقطوا في الكبرياء بسبب هذه المعرفة، بل يريد لهم التواضع. وكما يقول القديس أغسطينوس: [أنتم تريدون أن أعلن لكم عن الملكوت الآن... إنكم تحبون العلو، ستنالونه ولكن اتبعوني خلال التواضع.]

ماذا يعني بالأزمنة والأوقات؟ يقصد بالأزمنة البحث في تحديد أزمنة إقامة المملكة المسيانية. فعوض طلب الملكوت والتمتع بإمكانياته، ينشغل الإنسان بالحسابات الزمنية، وهذا أمر يشغل كثير من المؤمنين عبر القرون.

وأما الأوقات فتعني البحث في الأحداث القادمة، ماذا سيحدث حتى مجيء السيد المسيح الأخير.

في عصرنا الحالي مع الشعور بقرب النهاية ينشغل كثير من الدارسين بالأزمنة والأوقات، على سبيل المثال يتساءل الكثيرون:

- متي ينتهي العالم؟

- ما هو موقف إسرائيل الحالي؟ هل يقبلون الإيمان بالمسيح؟ هل ينالون ملكًا على مستوى العالم كله؟

- بماذا تٌفسر أحداث 11 سبتمبر 2001 على ضوء سفر الرؤيا والأسفار النبوية في العهد القديم؟

- هل نتوقع حربًا عالمية مدمرة؟

- من يشترك في الحرب؟

- وما هي التحالفات؟

تحول كثيرون في دراستهم للكتاب المقدس بعهديه إلي أبحاث في الأزمنة والأوقات، التي حذرنا منها السيد المسيح في آخر كلمات مع تلاميذه قبل صعوده.

خلال الأربعين يومًا من قيامته إلى صعوده أدركوا أمورًا سامية لم يكونوا بعد قد أدركوها، مثل الآتي:

- إنه ابن الله المساوي للآب في الكرامة (يو 5: 17-20).

- ستكون قيامة من الأموات (مت 17: 9).

- أن الذي يصعد يجلس عن يمين الآب (لو 22: 69).

- أنه مسجود له بواسطة الملائكة، وأنه سيأتي ثانية (مر 16: 19).

- ما سيحدث في يوم الدينونة (مت 16: 27)، وأنهم يجلسون يدينون أسباط إسرائيل الإثني عشر (لو 21: 27).

- يُطرد اليهود ليدخل الأمم (مت 19: 28).

بدأت تتجلى أمامهم كل هذه الأقوال التي أعلنها السيد قبل صلبه، وتتضح خلال ظهوراته العجيبة، لكن لم يكونوا بعد قد تخلصوا من الأفكار اليهودية المادية تمامًا، لأنهم لم يكونوا قد نالوا بعد الروح القدس الذي يحملهم إلى السماويات، ويختبروا الحياة الجديدة المقامة.

يميز القديس جيروم بين ما يلزمنا أن نعرفه وما لا نطلب أن نعرفه، كمثال يصلي المرتل قائلاً: "يا رب عرفني نهايتي" (مز 39: 4) كأمرٍ ضروريٍ للغاية، حيث نعرف ما أعده الله لنا. أما ما هو أصل النفس البشرية وبدايتها فليس لنا أن ننشغل به، هل هي تولد من الوالدين كالجسد أم غير مولودة منهما؟ هذا لا يشغل ذهننا. والمثل الرائع في هذا التمييز الرسول بولس، فإنه عرف ما رآه وسمعه وتمتع به عندما ارتفع إلى السماء الثالثة، أما كونه قد ذهب بجسده أم خارج جسده، فهو ليس موضوع بحثه ولا سؤاله من الرب.

- كانوا شغوفين هكذا نحو معرفة هذا اليوم. لكن يبدو لي بالحقيقة أنه لم يكن لديهم فهم واضح نحو طبيعة ذلك الملكوت، لأن الروح لم يكن بعد قد علمهم... لقد كانوا لا يزالوا متأثرين بالأمور المحسوسة، لم يصيروا بعد أفضل من الذين كانوا قبلهم. لقد صار لهم بعد ذلك مفاهيم سامية عن المسيح، فقد ارتفعت أذهانهم، وها هو يحدثهم بأسلوب علوي. إذ لم يعد يقول لهم: "وأما ذلك اليوم ولا ابن الإنسان يعرفه" (راجع مر 13: 32)، إنما يقول لهم: "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" [7]. إنكم تطلبون ما هو فوق قدرتكم. يود أن يقول لهم: وإن كنتم قد تعلمتم الآن أمورًا أعظم من هذه، وها أنتم ترون أن هذا هو الحال بكل دقةٍ، أنظروا كم من الأمور قد أعلنتها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب". (مر 13 : 32). لا يجهل الابن شيئًا يعرفه الآب... الآب والابن يقطنان في وحدة الطبيعة، أما جهل الابن (للساعة) فينتمي للخطة الإلهية للصمت، إذ فيه تختبئ كل كنوز الحكمة والمعرفة. هذا ما شهد به الرب نفسه عندما أجاب سؤالهم بخصوص الأزمنة. "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" (أع 1: 7). المعرفة مرفوضة بالنسبة لهم، ليس هذا فحسب، بل والرغبة في معرفة (الأزمنة) ممنوعة، فإنه ليس لهم أن يعرفوا الأزمنة.

القديس هيلاري أسقف بواتييه


- يقول الرسول: "إن يوم الرب كلصٍ في الليل هكذا يجيء" (1 تس 5: 2). لهذا اسهروا بالليل حتى لا تُفاجئوا باللص. لأن نوم الموت - أردتم أو لم تريدوا - قادم.

القديس أغسطينوس

- ستزول الأشياء المنظورة وتأتي الأمور المقبلة التي هي أفضل. أما عن الزمن فليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" (أع 7:1).

لا تتجاسروا في إعلان زمان حدوث هذه الأمور، وفي نفس الوقت لا تخافوا وتتهاونوا، إذ قيل: "اسهروا إذًا، لأنكم في ساعة لا تتوقعونها يأتي ابن الإنسان" (راجع مت 42:24، 44). ولكن إن كان لزامًا أن نعرف علامات المنتهى، إذ ننتظر المسيح فلا نموت مخدوعين ونضل بواسطة الضد للمسيح الكذاب، فإن التلاميذ مدفوعين بإرادة إلهية وحسب ترتيب العناية الربانية قالوا للمعلم الحقيقي: "قل لنا متى يكون هذا؟ وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر"؟ (مت 3:24). إننا نتطلع إليك وأنت آتٍ ثانية، لكن "الشيطان يغيّر نفسه إلى ملاك نور" فإعطنا حرصًا حتى لا نعبد آخر غيرك.

فتح السيد فمه الإلهي المبارك قائلاً: "انظروا لا يضلكم أحد". هذه العبارة تنذركم جميعًا أن تحذروا وتهتموا لما يُقال، لأنه لم يتحقق بعد بل يتنبأ عن أمور مقبلة حادثة بالتأكيد.

إنه ليس لنا أن نتنبأ لأننا غير مستحقين لهذا، إنما نضع أمامكم الأمور المكتوبة، ونوضح لكم العلامات، لاحظوا أنتم ما قد تحقق منها فعلاً، وما لم يتحقق بعد وكونوا في أمان.

القديس كيرلس الأورشليمي

"لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا في أورشليم، وفي كل اليهودية، والسامرة، وإلى أقصى الأرض" [8].

بقوله: "لكنكم" يصحح السيد المسيح وضع التلاميذ، فعوض الرغبة المتقدة لمعرفة الأزمنة والأوقات التي هي من سلطان الآب، يوجههم إلى تحقيق رسالتهم. فقد دُعوا لنوال قوة الشهادة على مستوى العالم كله، بفاعلية الروح القدس الذي يحل عليهم.

بينما كانوا لا يزالوا يتطلعون إلى مملكة المسيح بفكرٍ ماديٍ، فكانوا يتعجلون اليوم الذي فيه يُتوج ملكًا على إسرائيل ليسودوا العالم، إذا به يتحدث عن تتويجه ملكًا علي قلوب البشرية في العالم كله. هذا لن يتحقق إلا بتدبير الآب، الذي في سلطانه أن يجتذب القلوب إلى ابنه المصلوب بعمل روحه القدوس. هم سألوا عن اليوم، أما هو فحوّل فكرهم إلى السلطان الذي ينالونه من الآب للكرازة. هم سألوا عن إسرائيل، أما هو فحدثهم عن إسرائيل الجديد الذي يضم أورشليم وكل اليهودية والسامرة وأقصى الأرض. هذا ما قد سبق فتنبأ عنه داود النبي (مز 2: 8) وأيضًا حزقيال النبي (حز 21: 27).

ما سأله التلاميذ بخصوص معرفة اليوم لا ينفعهم شيئًا، لذلك حول أنظارهم إلى ما هو لبنيانهم. يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم هذا الموقف بطفلٍ يصرخ طالبًا منا شيئًا غير نافعٍ له، فنخفي الشيء عنه، ونظهر له أيادينا فارغة كأنه ليس معنا، ثم نقدم له ما هو لنفعه. هكذا إذ سأل التلاميذ عن ذلك اليوم قال لهم إنه "في سلطان الآب" معرفة الأزمنة والأوقات، وكأنه بدا كمن كان فارغ اليدين، وكأن ليس في سلطانه تقديم هذه المعرفة لهم، ثم عاد فقدم لهم ما هو أهم بالنسبة لهم وهو نوال القوة والسلطة للعمل الجاد لإقامة هذا الملكوت.

يقول القديس الذهبي الفم إنه المعلم الذي يقدم لتلاميذه لا ما يختارونه بل ما هو مناسب لهم، وما يجب أن يتعلموه ويتعرفوا عليه.

Didaskalou touto esti mh a bouletai o maqhthv، alla sumferei maqein didaskein.

"قوة"
: ينالون قوة إلهية لا تقف عند صنع الآيات والمعجزات باسم يسوع المصلوب، وإنما قوة سحب النفس بكل طاقاتها للإيمان بالسيد المسيح والتمتع بخبرة الحياة الجديدة المقامة من الأموات. الروح القدس وحده يقدر أن يخترق القلب والفكر ويعمل داخل النفس معلنًا الحرب على الخطية (أع 2: 37)، ومشرقًا ببهاء الثالوث القدوس فيها لتقبل عمل الله بفرحٍ.

- لكي لا يتجمدوا بالخوف التهبوا بنيران الحب (الروح القدس).

القديس أغسطينوس


 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك