إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصلاة هى تسليم الحياة لله ليدبرها بنفسه " لتكن مشيئتك "

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

الإعداد لميلاد الكنيسة


الآن وقد قُدم الثمن بالكامل قام السيد المسيح من بين الأموات، مؤكدًا قبول الآب لذبيحة الصليب، فصار من حق البشرية أن تتمتع بالدخول إلى السماويات خلال برّ المسيح القائم من الأموات. وقد جاء هذا الأصحاح يوضح التهيئة العملية لميلاد كنيسة المسيح في يوم الخمسين ككنيسة يقودها الروح القدس بنفسه.

١. جذب التلاميذ نحو الملكوت ١-٣.

٢. الوعد بالقائد الإلهي ٤-٨.

٣. ارتفاع الرأس إلى السماء ٩-١٤.

٤. تكملة عدد التلاميذ ١٥-٢٦.

١. جذب التلاميذ نحو الملكوت


بعد أن وجّه الإنجيلي لوقا السفر إلى ثاوفيلس أوضح عمل السيد المسيح مع تلاميذه خلال فترة الأربعين يومًا من يوم قيامته حتى صعوده، حيث سحب قلوبهم إلى ملكوت الله، وألهبها للبلوغ إليه. قيامته غيَّرت نظرتهم إليه، فلم يعد يعيش في وسطهم نهارًا وليلاً، يمارس الحياة البشرية اليومية، لكنه صار يلتقي بهم في ظهورات، حيث صار موضعه الطبيعي بعد القيامة هو السماء. مع كل ظهورٍ كانوا يشتاقون إلى الحياة الجديدة المُقامة ليمارسوا عربون السماويات حتى يحل يوم لقائهم معه على السحاب وينالوا شركة المجد الأبدي.

"الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس، عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به" [1].

تخدم مقدمة إنجيل لوقا (لو ١: ١-٤) السفرين معًا بكونهما أشبه بكتابٍ واحدٍ في مجلدين، أما مقدمة أعمال الرسل (١: ١-٢) فتربط السفرين معًا.

لقد قدم في الكلام (المقال) الأول عرضًا لأقوال السيد المسيح وأعماله. إنه لم يكن ممكنًا لسفرٍ ما أن يسجل تفاصيل كل أحاديث السيد ومعجزاته وأعماله الخلاصية (يو ٢١: ٢٥)، لكنه سجل جوهر الأحاديث والأعمال.

- لم يقل: "جميع" فقط، وإنما "عن جميع"، وكأنه يقول "ملخصًا عن" أو "في الإجمال" عن كل ما هو رئيسي وهام جدًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على قول الإنجيلي: "ابتدأ يسوع أن يفعله ويعلم به" [1] مقدمًا العمل عن الكلام، بهذا قدم نفسه مثالاً للمعلم الحقيقي.

- تأملوا كيف ثبَّت المسيح كلماته بأعماله.

هكذا يقول: "تعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29).

علَّم البشر أن يكونوا فقراء، وقد أوضح ذلك بأعماله، فإن "ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه" (مت 8: 20).

مرة أخرى أوصى البشر أن يحبوا أعداءهم، وقد علَّم ذات الدرس على الصليب حين طلب من أجل صالبيه.

لقد قال: "من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فأترك له الرداء أيضًا" (مت 5: 40). الآن لم يعطِ فقط الثياب بل قدم دمه. بهذه الطريقة أمر الآخرين أن يعلِّموا.

لذلك يقول بولس أيضًا: "كونوا متمثلين بي" (في 3: 17).

فليس شيء أكثر تفاهة من أن يظهر معلم ما فلسفته بالكلمات؛ فإن هذا ليس من عمل المعلم بل المرائي.

لذلك علَّم الرسل بسلوكهم أولاً وبعد ذلك بكلماتهم، بل بالأحرى لم يكونوا في حاجة إلى كلمات عندما نطقت كلماتهم بصوتٍ عالٍ. فليس من الخطأ أن تتحدث عن آلام المسيح كعملٍ، فإنه بآلامه، تمم عملاً عظيمًا وعجيبًا، بل دمَّر الموت، وقدَّم لنا أمورًا كثيرة فعلها من أجلنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يصير التعليم مخجلاً عندما يبكت الضمير الإنسان (الذي يُعلِم ولا يعمل بما يُعلِمه). باطلاً يكرز لسانه عن الفقر ويعلم عن العطاء إن كان منشغلاً بالغنى وعوض ارتدائه ثوبه البالي يرتدى الثياب الحريرية في بيته كي يدفع عنها العث.

القديس جيروم

- يلزمنا المثابرة بجهاد في القراءة، الأمر الذي أراكم تصنعونه، مع السعي بكل اشتياق لنوال المعرفة العملية الاختبارية أولاً، أي المعرفة الأخلاقية. لأنه بغيرها لا يمكن اقتناء النقاوة النظرية التي نتكلم عنها، وبهذا لا ينطقون بكلمات غيرهم معلمين بها، إنما بالسمو في العمل والتنفيذ. فبعدما يبذلون جهودًا وأتعابًا كثيرة يستطيعون أن ينالوا المعرفة الروحية كمكافأة لهم من أجلها. وإذ يقتنون المعرفة، لا من مجرد التأمل في الشريعة، بل كثمرة لتعبهم، يتغنون مع المرتل قائلين: "من وصاياك تفهمت" (مز 104:119). وإذ يقهرون كل شهواتهم يقولون بكل ثقة: "لك يا ربِّ أرنم. أتعقل في طريقٍ كاملٍ" (مز 1:101، 2). فمن يجاهد في طريقٍ كاملٍ بقلبٍ نقيٍ يترنم بالمزمور ويتعقل (يتفهم) الكلمات التي يسبح بها.

الأب نسطور

"إلى اليوم الذي ارتفع فيه، بعدما أوصى بالروح القدس الرسل الذين اختارهم" [2].

في حديثه الوداعي وعدهم بكل وضوح بعطية روحه القدوس المعزي، الذي يقدم لهم كل الحق، ويفتح أذهانهم لمعرفة الكتب المقدسة، ويجتذب العالم إلى معرفته، حيث يبكت على خطية وعلى برٍّ وعلى دينونة، كما نفخ في وجوه تلاميذه وأعطاهم نفخة الروح لكي كل ما يحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء، وما يربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء. أما بعد قيامته فقد "أوصاهم بالروح القدس". ربما ركز أغلب أحاديثه عن الروح القدس، لذلك كانت قلوبهم تلتهب حبًا نحو السماويات. ولعلهم كانوا يتساءلون علانية أو خفية: من يستطيع أن يسلك في شركة مع القائم من الأموات؟ جاءت إجابة السيد المسيح لهم: بالروح القدس!

لم يسجل لنا لوقا البشير أحاديث السيد معهم عن الروح القدس، بل ترك الأحداث الواردة في السفر تكشف عما وعد به السيد، وما تمتعوا به بحلول الروح القدس عليهم، وسكناه في داخل الكنيسة الحديثة الولادة.

- "بعدما أوصى بالروح القدس": ربما يقصد أنه تحدث معهم بكلماتٍ روحيةٍ، وليس بأمرٍ بشري، أو لعل المعنى هنا أنه قدم لهم الوصايا بالروح. ألا ترون كيف يتحدث بأسلوبٍ متواضعٍ عن المسيح، إذ ينقل ما قاله المسيح عن نفسه؟ "إن كنت بروح الله أخرج الشياطين" (مت 12: 28)، لأنه بالحق عمل الروح القدس في ذلك الهيكل.

حسنًا بماذا أوصاهم؛ يقول: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به " (مت 28: 19-20).

يا له من مديح عظيم للرسل أن توكل إليهم هذه المهمة، أقصد خلاص العالم! كلمات مملوءة بالروح!...

واضح أنه علَّم التلاميذ بعد القيامة، ولكن لم يروِ لنا أحد عما علمه في هذه الفترة بالتفصيل... علي أي الأحوال لقد عرفنا هذه الأمور خلال الرسل، فإنهم أخبرونا بما سمعوه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"الذين أراهم أيضًا نفسه حيًا ببراهين كثيرة، بعدما تألم وهو يظهر لهم أربعين يومًا، ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله" [3].

يقدم لنا لوقا البشير خدمة السيد المسيح لتلاميذه بظهوره لهم دفعات كثيرة خلال الأربعين يومًا، مؤكدًا لهم أنه حي ببراهين كثيرة، ومحدثًا إياهم عن ملكوت الله. خدمته في هذه الفترة مختلفة تمامًا عن خدمته خلال الثلاث سنوات السابقة. لم يعد يقدم أشفية وإقامة موتى، ولا عظات للجماهير، ولا حوار معه، إنما أعلن بكل وسيلة عن حقيقة شخصه أنه غالب العالم الشرير والموت والشيطان، من يقتنيه يقتني الغلبة والنصرة، ويتمتع بالحياة الجديدة المُقامة، بكونها عبورًا إلى عربون السماء، وتمتعًا بالمجد السماوي الداخلي.

التعبير اليوناني للكلمتين "ببراهين كثيرة tekmhrion" يعنى "علامات مُلزمة"، أو "علامات لا تُقاوم" أو "معصومة من الخطأ "infallible proofs. فإن كانت القيامة هو عصب الإيمان والخلاص، بدونها يُفقد الصليب دوره، لهذا قدم السيد المسيح براهين كثيرة لتأكيدها، أما هذه البراهين أو العلامات التي لا تُقاوم فهي:

1. كانت ظهوراته لأشخاصٍ مختلفين وفي أوقات متباينة (1 كو 15) خلال فترة دامت أربعين يومًا، هي إعلانات لا يمكن أن تحمل أي نوعٍ من الخداع، بل كانت تجتذب من يلتقون به. ربط السيد ظهوراته بآلامه وصلبه، إذ كشفت عن مجد الصليب بتأكيد قيامته، فصار التلاميذ يعتزون بالقول: "بعدما تألم"، فما كان يمكنهم التمتع بمجد هذه الظهورات الإلهية وإدراك حقيقة شخص السيد المسيح ورسالته لو لم يجتز الألم. هي طريق مجده، أي طريق تحقيق رسالته كمخلصٍ لنا، به ومعه نجتاز الألم لنعبر إلى الأمجاد. "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو 8: 17). "باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم (الأنبياء)، إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها" (1 بط 1: 11). هكذا صار الألم طريق المجد الحقيقي، إذ يقول الرسول: "كما اشتركتم في آلام المسيح، افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضا مبتهجين" (1 بط 4: 13). هنا ندرك سرّ اعتزاز الكنيسة بالتعبير "آلامك المحيية"، وتكراره يوميًا في صلوات السواعي وفي الليتورجيات الكنسية كسرّ خلاصنا ومجدنا الأبدي.

2. عدم توقعهم لقيامته (يو 20: 25؛ لو 24: 19-24) أكد أن ظهوراته لم تكن عن أوهامٍ أو خيالاتٍ أو تصوراتٍ كانت مسبقة في أذهانهم.

- قضى أربعين يومًا بعد القيامة بدخل ويخرج، يأكل ويشرب، دون أن يجوع أو يعطش، وإنما كشهادة لتأكيد حقيقة جسده الذي لم يعد في عوز، إنما يأكل ويشرب وهو حامل سلطان... لم يعد بعد معهم في شركة الضعف البشري.

القديس أغسطينوس

3. ظهر لهم كصديقٍ ورفيقٍ لهم، ولكن على مستوى جديدٍ وفائقٍ. لقد أكل وشرب معهم، ولكن ليس كحياةٍ يوميةٍ عاديةٍ، كما كان قبل قيامته.

4. لقاؤه مع تلاميذه في الجليل كما عيَّن لهم. لقد رأوا ذاك الذي عاشوا معه قرابة ثلاث سنوات عن قربٍ شديدٍ، يعرفونه حق المعرفة.

5. خضوع جسده للمس، ليصرخ كلٍ منهم في أعماقه مع توما الرسول قائلاً: "ربي وإلهي".

6. لم تكن ظهورات مجردة، بل قدم لهم أحاديثه عن ملكوت الله الذي بدأوا يدركونه بمفهومٍ جديدٍ بعد تمتعهم بالقائم من الأموات والحوار معهم.




 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك