إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

راحة الجسد ليست خطية إنما هى وصية إلهية إنما من الخطأ أن شخصاً يبنى راحته على تعب الآخرين

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل

+ تفسير سفر أعمال الرسل +



تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 18 جـ3 PDF Print Email
"ولكن إذا كان مسألة عن كلمة وأسماء وناموسكم، فتبصرون أنتم، لأني لست أشاء أن أكون قاضيًا لهذه الأمور". [15]

المشكلة في ذهن الوالي لا تتعدى اختلاف في الرأي بخصوص كلمات، ربما يقصد تفسير كل منهما للنبوات بطريقة مغايرة، وأيضا بخصوص أسماء، إذ لم يقبل اليهود يسوع أن يدعى المسيا كما ينادى الرسول بولس، وأيضا بخصوص شرائع الناموس مثل طقوس التطهيرات والختان الخ.

لا يود أن يكون حكَمًًا في هذه الأمور، فإنها ليست من اختصاصه، ولا في دائرة عمله كوالٍ روماني.

"فطردهم من الكرسي". [16]

رفض أن يسمع أو يقرر شيئًا بخصوص هذا الخلاف. جاءت كلمة "طردهم" في اليونانية لا تحمل معنى استخدام القوة، لكنه رفض دعواهم وصرفهم بسلطانه كوالٍ.

"فأخذ جميع اليونانيين سوستانيس رئيس المجمع، وضربوه قدّام الكرسي، ولم يهم غاليون شيء من ذلك". [17]

ربما جاء سوستانيس رئيس المجمع اليهودي كقائدً للشعب الثائر ضد القديس بولس، فقد قام اليونانيون الذين هم يهود دخلاء بضرب هذا الرئيس لأنه إذ سمع ما قاله الوالي انسحب للحال، فحسبوا هذا خزلانًا لهم وإهانة لموقفهم.

يرى البعض أنه كان قد آمن بالمسيحية، وصار مساعدًا للرسول بولس في كرازته (1 كو 1: 1-2)، فأراد الثائرون التعبير عن غضبهم، فضربوه أمام الوالي. ويرى البعض أن الأمم فعلوا ذلك تعبيرًا عن غضبهم على ثورة اليهود التي بلا معنى، وكانوا يحملون مشاعر كراهية لليهود بصفة عامة.

لم يتدخل الوالي بالرغم من اعتداء الجماهير على سوستانيس، ربما لأنه لاحظ عدم اضطرابه، فتركه كنوع من تنفيس الجماهير عن غضبها، ولكن في حدود معينة.

- لنصد الضربة بالضربة وذلك بالوداعة والصمت وطول الأناة. فإن هذه الجراحات أخطر وهذه الضربة أعظم وأكثر ثقلا. فبكونك تظهر أن قبول ضربة في الجسد ليست خطيرة، بل الضربة التي في الذهن، بهذا غالبًا ما نسد ضربة قوية على الناس، وحيث هذا هو طريق الصداقة... لنضرب قلوبهم، لأن الوداعة هي ضربة أعظم من الشراسة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

6. عودته إلى إنطاكية

"وأمّا بولس فلبث أيضًا أيامًا كثيرة، ثم ودع الإخوة وسافر في البحر إلى سورية، ومعه بريسكلاّ وأكيلا بعدما حلق رأسه في كنخريا، لأنه كان عليه نذر". [18]

إذ قرر الرسول أن يرحل من كورنثوس متجهًا نحو أورشليم أخذ معه أكيلا وبريسكلا اللذين قررا ترك كورنثوس. وقد تكونت صداقة حميمة بينهم، فسألوه أن يذهبا معه.

في ميناء كنخريا شرقي كورنثوس حلق بولس أو أكيلا رأسه، إذ لم يوضح النص اليوناني من الذي حلق رأسه من أجل النذر. كنذير هذا كان يتم في أورشليم في الهيكل بالنسبة لسكان اليهودية، أما الذين يعيشون خارجها فيمكن ممارسة ذلك في أماكن أخرى.

كان اليهود يقدمون هذا النذر كنوعٍ من الشكر لله على عمل معين صنعه معهم في حياتهم كشفاء من مرض أو إنقاذ من خطر.

ليس عجيبًا أن الرسول بولس الذي سمح للأمم القابلين الإيمان ألا يمارسوا هذه الطقوس في حرفية يخضع هو لها حتى لا يتعثر به اليهود ككاسرٍ للناموس.

"فأقبل إلى أفسس وتركهما هناك، وأمّا هو، فدخل المجمع وحاج اليهود". [19]

ذهب إلى أفسس عاصمة آسيا الصغرى، وهي ميناء بحري. هناك ترك أكيلا وبريسكلا لكي يمارسا عملاً روحيًا وخدمة للإنجيل في أفسس، فقد اعتاد الرسول تشغيل طاقات أصدقائه وأحبائه لحساب إنجيل المسيح.

لم يضيع الرسول الفرصة للحديث والحوار في المجمع لحساب السيد المسيح، مع أنه كان متعجلاً للذهاب إلى أورشليم، ورفض أن يتأخر في أفسس. ولا يعرف أحد تفسيرًا لاستعجاله.

"وإذ كانوا يطلبون أن يمكث عندهم زمانًا أطول لم يجب". [20]

"بل ودّعهم قائلاً: ينبغي على كل حال أن أعمل العيد القادم في أورشليم، ولكن سأرجع إليكم أيضًا إن شاء اللَّه، فأقلع من أفسس". [21]

صمم الرسول على الرحيل حتى يمكنه أن يكون في أورشليم ليحضر العيد، ربما لكي يلتقي بالكثيرين من أحبائه ومواطنيه القادمين للعيد. وقد وعدهم بالعودة إليهم إن شاء الرب، وقد فعل (أع 19: 1) حيث بقي عندهم ثلاث سنوات (أع 20: 31).

"ولمّا نزل في قيصرية، صعد وسلّم على الكنيسة، ثم انحدر إلى إنطاكية". [22]

نزل من السفينة في قيصرية، ثم صعد إلى الكنيسة التي في أورشليم وحياها، ثم عاد وانحدر إلى إنطاكية. جاء في زيارة قصيرة إلى الكنيسة الأم في أورشليم في ميناء قريب لها "قيصرية" لم يأتِ إلى ميناء يافا لأنه كان خطرًا، وكان ميناء قيصرية قد جدده هيرودس.

كان الرسول بولس يحرص على المحافظة على أصدقائه في كل مدينة خاصة في أورشليم حيث الكنيسة الأم.

انحدر إلى إنطاكية حيث قضى فيها بعض الوقت مع أصدقائه القدامى حينما أرسل من هناك مع برنابا لخدمة الأمم (أع 13: 1). لعله كان يحسب إنطاكية مركزه حيث يجدد نشاطه، ويراجع حساباته، ويتعزى مع الخدام القدامى، ويقدم شكرًا على عمل نعمة الله معه مع كل رحلة تبشيرية يقدم بها مبتدأ من إنطاكية وعائدا إليها.

غلاطية: لا يوجد في التاريخ القديم ذكر مدينة باسم "غلاطية"، إنما هي مقاطعة، لذلك يرجح البعض أنه يقصد هنا أهم مدن هذه المقاطعة خاصة أنقرةAncyra حاليًا عاصمة أسيا الصغرى التركية، وهي مركز عبادة سبلة Cybele الحكيمة، المدعوة: "الأم العظيمة" أم الآلهة، لها هيكل مشهور في أنقرة. وهي شخصية أسطورية ترجع عبادتها إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وكانت إلهة الخصوبة.

أما المدينة الثانية هي باسينوس، وكانت مركز تجمع قبائل الغلاطيين الذين كانوا يسمون أيضا باسم توليستوبىTolestobi أو الغلاطيون المغاربة.

7. بدء رحلته الثالثة

إذ لم يكن القديس لوقا في صحبة الرسول جاء الحديث عن هذه الرحلة مقتضبًا للغاية.

واضح أنها كانت رحلة افتقاد وتثبيت لمؤمنين وتشديدهم.

1. من إنطاكية سوريا إلى غلاطية وفيريجية (18: 22-23): مساندة المؤمنين.

2. ثلاث سنوات في أفسس (18: 24- 19: 41). حرق كتب السحر (19: 19). هناك يوجد هيكل ديانا (19: 35).

3. ثلاثة شهور في مكدونية (أع 20: 15): مكيدة ضد القديس بولس من اليهود (20: 30).

4. في ترواس (20: 3-6): سقوط افتيخوس من النافذة (20: 6-12).

5. إلى ميليتس عبر البحر (20: 13-15). هناك ودع الرسول قسوس أفسس (20: 18-38).

6. إلى صور عبر رودس وباترا (21: 1-3)، حيث ترك بولس التلاميذ في صور بالرغم من إلحاحهم أن لا يصعد إلى أورشليم (21: 3- 6).

7. إلى أورشليم عبر قيصرية (21: 7-15): في قيصرية ربط أغابوس يدي نفسه ورجليه بمنطقة بولس، وتنبأ عن قيوده ( 21: 10-11).

"وبعدما صرف زمانًا، خرج واجتاز بالتتابع في كورة غلاطية وفريجية، يشدّد جميع التلاميذ". [23]

يقدر البعض هذا الزمان بثمانية عشر شهر.

عاد يسقى ما زرعه في هذه الكنائس، مثبتا إياهم في الإيمان ومقدما نصائح لهم.

"ثم أقبل إلى أفسس يهودي اسمه أبلوس إسكندري الجنس، رجل فصيح، مقتدر في الكتب". [24]

ترك القديس لوقا حديثه عن أسفار القديس بولس ليتحدث عن القديس أبُلوس حيث التقى معه في أفسس. قدم لنا صورة مختصرة عنه حتى يمكننا تفهم عبارات في رسائل القديس بولس، خاصة رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس.

من هو أبُلوس؟

1. يهودي مولود في الإسكندرية من والدين يهوديين، وقد كانت الإسكندرية بها جماعة ضخمة من اليهود يحتلون اثنين من أحيائها الخمسة.

2. اسمه أبُلوس، وهو اسم إله وثني، ويرى البعض انه ذات الاسم أبيليس Apelles (رو 16: 10).

3. كانت شخصيته قوية، قائد حي ومقتدر في أسفار العهد القديم، وفي الثقافة اليهودية.

4. كان بليغًا، على مستوى عالٍ من العلم، له شهرته في حديثه الجذاب في أي موضوع.

5. جاء إلى أفسس، وكان يفسر الكتب المقدسة، حيث كان يضرم موهبته، وكان قادرًا على الحوار في المجامع اليهودية.

6. كانت معرفته قاصرة على معمودية يوحنا المعمدان، الذي كان يهيئ الطريق للرب بكونه الصوت الصارخ في البرية، لكن يبدو أنه لم يكن بعد قد سمع عن صلب المسيح وقيامته وصعوده إلي السماء، ولا عن حلول الروح القدس على الكنيسة. هو نفسه نال معمودية يوحنا، ولم يتمتع بالمعمودية باسم الرب يسوع، ولا نال الروح القدس.

7. كما رأينا أضرم موهبته، وكان يعلم بما يخص الرب من العهد القديم، لكن معرفته قاصرة بخصوص عمل السيد المسيح الخلاصي والتمتع بالمعمودية باسم الرب.

8. كان كارزًا ناجحًا، يعلم بتدقيق وبمثابرة، متحدث عن مجيء المسيا. يتحدث بمجاهرة بكل شجاعة.

"كان هذا خبيرًا في طريق الرب، وكان وهو حار بالروح يتكلم ويعلم بتدقيق ما يختص بالرب، عارفًا معمودية يوحنا فقط". [25]

سمعاه أكيلا وبريسكلا يتحدث في المجمع وأدركا قصر معلوماته بخصوص ربنا يسوع، فشجعاه وأوضحا له ما لم يكن قد بلغه. تعرف على شخص الرب وأعماله وتعاليمه. هذا ما عبر عنه القديس لوقا هنا بقوله "طريق الرب".

شرحا له أن من يتحدث عنه "المسيا" قد جاء، وأنه تمم رسالته.

"وابتدأ هذا يجاهر في المجمع، فلما سمعه أكيلا وبريسكلاّ اخذاه إليهما، وشرحا له طريق الرب بأكثر تدقيق". [26]

"وإذ كان يريد أن يجتاز إلى آخائية، كتب الإخوة إلى التلاميذ يحضّونهم أن يقبلوه، فلما جاء ساعد كثيرًا بالنعمة الذين كانوا قد آمنوا". [27]

قبل هذا العظيم المقتدر في المعرفة والبليغ أن ينصت إلى أكيلا وبريسكلا، والتهب قلبه حبًا للكرازة بالرب يسوع، لهذا إذ أراد أن يجتاز إلي أخائية كتب للإخوة الذين في أفسس أن يقبلوه، فعمل بكل قوة بالنعمة الإلهية لحساب ملكوت الله.

"لأنه كان باشتداد يفحم اليهود جهرًا، مبينًا بالكتب أن يسوع هو المسيح". [28]

معرفة أبُلوس للكتاب المقدس سندته ليكرز بيسوع أنه المسيا المنتظر، فصار له دوره الفعّال في حياة الكنيسة.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 18 جـ4 PDF Print Email

من وحي أع 18

هزيمة الشيطان في كورنثوس

- دخل رسولك إلى كورنثوس بلد الفساد،

دخل كما إلى الشيطان في عرينه.

جذبت عبادة الإلهة أفروديت بكل رجاستها كثيرون من العالم.

لكن هل يقدر إبليس أن يقف أمامك؟

- دخل رسولك إلى المدينة كمحتاجٍ،

يعمل بيديه لكي يأكل،

وأنت تقوت الخليقة كلها بنعمتك.

لبس ثوب الاحتياج.

فاقتدى بك يا من افتقرت لكي بفقرك تغني الكثيرين.

لم تستكنف أن تعمل،

لكي لا نتوقف نحن عن العمل الذي تقدس.

- في دهشةٍ أقف أمام رسولك العجيب!

يمد يديه ليعمل مع أكيلا وبريسكلا ليلاً،

فلا يقبل معونة من أحد!

جاهد في المعركة الروحية كجندي صالح،

وغرس في كرمك بكل اجتهاد،

ورعى القطيع الذي لك بكل قلبه،

لكنه يرفض حتى الضروريات لكي لا يعثر أحدًا!

من أجلك تنازل عن حقه الطبيعي،

بل وحقه حسب الإنجيل!

فخلاص كل نفس في عينيه،

لا يعادله شيء حتى حياته!

- عمل يديه المادي لم يحصر فكره ولا قلبه في الماديات.

لكن بروحك القدوس صار محصورًا،

يعمل بالروح ليحمل الكل إليك‍‍‍‍‍.

- هب لي أن أخدمك بكل كياني!

لتكن كل نسمة من نسمات عمري لحسابك!

قلبي وفكري ومواهبي وكل طاقاتي، فلتكرسها لحساب إنجيلك.

- كان يعمل الرسول بيديه في أيام الأسبوع،

ويكرس السبت والأحد للعبادة والكرازة.

لكن قلبه ولسانه لم يتوقفا عن الشهادة لك مع كل من يلتقي بهم.

- كان منحصرًا بالروح حتى في لحظات عمل يديه.

أحاطت به التجارب، لكنه لم يفقد تعزياتك قط.


- طُرد من المجمع وصار اليهود يقاومونه

وأما أنت فأعلنت معيتك له.

الوالي الأممي ترفق به،

والشعب الذي ينسب نفسه إليك أراد الخلاص منه ومنك‍.

1 و بعد هذا مضى بولس من اثينا و جاء الى كورنثوس
2 فوجد يهوديا اسمه اكيلا بنطي الجنس كان قد جاء حديثا من ايطالية و بريسكلا امراته لان كلوديوس كان قد امر ان يمضي جميع اليهود من رومية فجاء اليهما
3 و لكونه من صناعتهما اقام عندهما و كان يعمل لانهما كانا في صناعتهما خياميين
4 و كان يحاج في المجمع كل سبت و يقنع يهودا و يونانيين
5 و لما انحدر سيلا و تيموثاوس من مكدونية كان بولس منحصرا بالروح و هو يشهد لليهود بالمسيح يسوع
6 و اذ كانوا يقاومون و يجدفون نفض ثيابه و قال لهم دمكم على رؤوسكم انا بريء من الان اذهب الى الامم
7 فانتقل من هناك و جاء الى بيت رجل اسمه يوستس كان متعبدا لله و كان بيته ملاصقا للمجمع
8 و كريسبس رئيس المجمع امن بالرب مع جميع بيته و كثيرون من الكورنثيين اذ سمعوا امنوا و اعتمدوا
9 فقال الرب لبولس برؤيا في الليل لا تخف بل تكلم و لا تسكت
10 لاني انا معك و لا يقع بك احد ليؤذيك لان لي شعبا كثيرا في هذه المدينة
11 فاقام سنة و ستة اشهر يعلم بينهم بكلمة الله
12 و لما كان غاليون يتولى اخائية قام اليهود بنفس واحدة على بولس و اتوا به الى كرسي الولاية
13 قائلين ان هذا يستميل الناس ان يعبدوا الله بخلاف الناموس
14 و اذ كان بولس مزمعا ان يفتح فاه قال غاليون لليهود لو كان ظلما او خبثا رديا ايها اليهود لكنت بالحق قد احتملتكم
15 و لكن اذا كان مسئلة عن كلمة و اسماء و ناموسكم فتبصرون انتم لاني لست اشاء ان اكون قاضيا لهذه الامور
16 فطردهم من الكرسي
17 فاخذ جميع اليونانيين سوستانيس رئيس المجمع و ضربوه قدام الكرسي و لم يهم غاليون شيء من ذلك
18 و اما بولس فلبث ايضا اياما كثيرة ثم ودع الاخوة و سافر في البحر الى سورية و معه بريسكلا و اكيلا بعدما حلق راسه في كنخريا لانه كان عليه نذر
19 فاقبل الى افسس و تركهما هناك و اما هو فدخل المجمع و حاج اليهود
20 و اذ كانوا يطلبون ان يمكث عندهم زمانا اطول لم يجب
21 بل ودعهم قائلا ينبغي على كل حال ان اعمل العيد القادم في اورشليم و لكن سارجع اليكم ايضا ان شاء الله فاقلع من افسس
22 و لما نزل في قيصرية صعد و سلم على الكنيسة ثم انحدر الى انطاكية
23 و بعدما صرف زمانا خرج و اجتاز بالتتابع في كورة غلاطية و فريجية يشدد جميع التلاميذ
24 ثم اقبل الى افسس يهودي اسمه ابلوس اسكندري الجنس رجل فصيح مقتدر في الكتب
25 كان هذا خبيرا في طريق الرب و كان و هو حار بالروح يتكلم و يعلم بتدقيق ما يختص بالرب عارفا معمودية يوحنا فقط
26 و ابتدا هذا يجاهر في المجمع فلما سمعه اكيلا و بريسكلا اخذاه اليهما و شرحا له طريق الرب باكثر تدقيق
27 و اذ كان يريد ان يجتاز الى اخائية كتب الاخوة الى التلاميذ يحضونهم ان يقبلوه فلما جاء ساعد كثيرا بالنعمة الذين كانوا قد امنوا
28 لانه كان باشتداد يفحم اليهود جهرا مبينا بالكتب ان يسوع هو المسيح




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 19 جـ1 PDF Print Email

اضطراب خطير في أفسس


في الأصحاح السابق رأينا القديس بولس يبدأ رحلته التبشيرية الثالثة. وقد سجلها الإنجيلي لوقا باختصارٍ شديدٍ، غير أنه يسجل لنا في هذا الأصحاح عمل الله مع الرسول بولس، كان يصنع على يديه قوات غير المعتادة [11]. وكأنه كان يسنده ويشجعه لاحتمال ما يحل به بسبب ثورة الأفسسين عليه هو ومن معه. لم يحتمل عدو الخير أن يرى أبناءه الذين أغتصبهم لنفسه يلقون كتب السحر في النار، لكي يرجعوا بالتوبة إلى الآب السماوي. أنها معركة خطيرة بين السيد المسيح وقوات الظلمة.

1. بولس في أفسس 1.

2. عمادهم باسم الرب يسوع 2-5.

3. حلول الروح القدس عليهم 6.

4. خدمته في المجمع 7-8.

5. خدمته في مدرسة تيرانس 9-10.

6. قوات غير المعتادة 11-12.

7. أبناء سكاوا المعزمين 13-18.

8. حرق كتب السحر 19-20.

9. اضطراب في أفسس 21-41.

1. بولس في أفسس

"فحدث فيما كان أبلوس في كورنثوس، أن بولس بعدما اجتاز في النواحي العالية، جاء إلى أفسس، فإذ وجد تلاميذ". [1]


أفسس: كانت عاصمة آسيا الصغرى بناها أندروكليس الأثيني، كانت في مظهرها مدينة يونانية، لكن طبيعة أهلها وعبادتهم شرقية إلى حد ما. كانت ملتقى الشعوب والحضارات. وهي مدينة ذات طبيعة غنية في أرضها وأنهارها ومينائها، امتازت بالخصوبة والتجارة وملتقى طرق جميع أنحاء العالم.

كانت أفسس مكتظة بالأبنية الفخمة، تفاخر بها أثينا. أعظم الأبنية هيكل أرطاميسArtemis ، والمعروف بدياناDiana . وهو أحد عجائب الدنيا السبع، ولكن ما أن أُكمل بناؤه حتى قام المتعصبون بحرقه، وذلك يوم ولد الاسكندر الأكبر. لكن أُعيد بناؤه بأفخر مما كان عليه. وعند زيارة الاسكندر الأكبر له طلب أن يُنقش اسمه عليه، فرفض الأفسسيون في تشامخ. وبقى هكذا حتى أيام القديس بوليكربس. لكن اقتحمه الغوطيون الذين نزحوا من وراء الدانوب، وهدموه حتى الأساس، وانمحت معالمه، فلا يُعرف موقعه تمامًا. استخدمت أعمدته المرصعة بالأحجار الكريمة في بناء كنيسة آجيا صوفيا بالقسطنطينية (حاليًا اسطنبول)، وبعض الكاتدرائيات في إيطاليا.

كان طول هذا الهيكل 425 قدمًا وعرضه 220 قدمًا، وارتفاع العامود 60 قدمًا، وعدد الأعمدة 127 عامودًا، كل عامود أهدي إليها من أحد الملوك. وكان تمثالها في داخل الهيكل بدائيًا يمثل آلهة الصيد، به بروزات عديدة بشكل الثدي، تعبيرًا عن الخصوبة. سماه القديس جيروم "عديد الأثداء multimammeam، كان المتعبدون له يعتقدون أنه هبط من السماء.

تبارى صناع الفضة في عمل تماثيل مصغرة وهياكل مصغرة من الفضة يشتريها العباد والسياح، وكان ذلك مصدر رزق ليس بقليل (أع 19: 24-25). وقد عُثر على نقود في ذلك الموضع نُقش عليها من جانب هيكل أرطاميس، ومن الجانب الآخر نيرون. فإن كان الرسول بولس قد قتل بكرازته أرطاميس فقد أقام عدو الخير نيرون ليقتل قاتل أرطاميس.

حين دخل بولس الرسول إلى أفسس كان أبلوس في كورنثوس (أع 19: 1)، هذا الذى كان قبلاً في أفسس قبل دخول بولس الرسول إليها (أع 18: 24-28)، وقد دخل القديس بولس أفسس حوالي عام 54 أو 55م ومكث هناك، إما ثلاث سنوات حسب القول: "ثلاث سنين ليلاً ونهارًا لم أفتر عن أن انذر بدموع كل واحد" (أع20: 31)، أو سنتين كما جاء في أع 19: 10.

كما قيض الله لبولس في كورنثوس يسطس المبارك ليفتح له بيته، هكذا دفع صاحب مدرسة، غالبًا لتعليم الأدب والفلسفة، ليقبل بولس ومن معه كأنه ملاك من الله، وهو رجل يوناني يدعى تيرانس، كان قد عمده الرسول (ع 19: 9).

أما عن ثمار الخدمة هناك فيقول القديس لوقا: "حتى سمع كلمة الرب يسوع جميع الساكنين في آسيا من يهود ويونانيين" (أع 19: 10).

جاء أبلوس يسقي ما قد غرسه بولس، وكان القديس بولس يفرح حين يأتي آخر ليسقى غرسه، واثقا أن الله هو الذي ينمي.

اجتاز الرسول بولس النواحي العالية، وهي المناطق العالية المستوي في آسيا الصغرى، مشيرًا هنا على وجه الخصوص إلى ولايتي فريجية وغلاطية (أع 18: 23)، تُدعى هكذا بينما أفسس كانت في مستوي أقل من البحر ودعيت المدينة المنخفضة. جاء متممًا وعده لهم (أع 18: 21).

2. عمادهم باسم الرب يسوع

"قال لهم: هل قبلتم الروح القدس لمّا آمنتم؟ قالوا له: ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس". [2]

التقي هناك بتلاميذ لهم معرفة غير كاملة عن السيد المسيح، مثلهم مثل أبولس، فقد قبلوا تعليم القديس يوحنا المعمدان أن المسيا يظهر قريبًا، لكنهم لم يعرفوا أنه قد ظهر فعلاً، ولا سمعوا عن حلول الروح القدس. وكان عدد هؤلاء المؤمنين اثنى عشر [7]. هؤلاء لم يكونوا بعد قد تعرفوا على أكيلا وبريسكلا اللذين كان قد تركهما الرسول بولس في أفسس، والآن وجدهما هناك.

يرى البعض أن هؤلاء الاثنى عشر كانوا قد آمنوا بأن المسيا قد جاء لكنهم لم يتعرفوا على حلول الروح القدس ولا حتى سمعوا عنه. كانت قلوبهم مستعدة لقبول الروح القدس والتمتع بالميلاد الثاني وتجديد الطبيعة البشرية لكنهم لم يجدوا من يكرز لهم بذلك. كانوا في حاجة إلى قبول ختم الروح القدس الذي وهب للكنيسة كي ينير لهم الحق، ويثبتوا في تعليم المسيح، ويهبهم ثمر الروح الذي هو الشركة في الطبيعة الإلهية، فيتمتعوا بالحب والفرح والسلام والتعفف والصلاح. يسيروا بالروح وتحت قيادته.

يقول د. لاتيفوت أنه بحسب تقليد أمتهم يعتقدون أنه بعد موت عزرا وحجي وزكريا وملاخي فارق الروح القدس إسرائيل وصعد، وأنهم لم يسمعوا قط أنه عاد. يبدو أنهم كانوا يتوقعون عودته، لكنهم لم يسمعوا أنه جاء، وأنه موجود في وسط المؤمنين.

- لم يكن في سلطان يوحنا (المعمدان) أن يهب الروح، كما أظهر أولئك الذين اعتمدوا بواسطته إذ قالوا: "ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس".

القديس يوحنا الذهبي الفم

- المعمودية الأولى هي معمودية الطوفان (في أيام نوح) التي تقطع الخطية. والثانية هي بالبحر الأحمر والسحابة (ا كو 10: 2)، لأن السحابة رمز للروح، بينما البحر رمز الماء. والمعمودية الثالثة هي الخاصة بالناموس (خاصة اللاوي)، إذ تغسل كل شخص غير طاهر بالماء، كما يغسل ثيابه، فيدخل المحلة. المعمودية الرابعة ليوحنا، وهي معمودية للتهيئة، تقود المعمدين إلى الندامة، حتى يؤمنوا بالمسيح.

الأب يوحنا الدمشقي

"فقال لهم: فبماذا اعتمدتم؟ فقالوا: بمعمودية يوحنا". [3]

طالبهم الرسول بولس بالمعمودية، إذ كانوا لا يعرفون شيئًا عن الروح القدس، فإن من يعتمد يتعلم أولاً على الروح القدس. معموديتهم هي معمودية يوحنا دون معرفة بالروح القدس، لذا لم ينالوا الروح، ولا تمتعوا بالميلاد الجديد.

لا يعني أن الذي عمدهم يوحنا المعمدان، لكنهم اعتمدوا بواسطة أحد تلاميذه، وربما عمدهم باسم يوحنا المعمدان، إذ وجد فريق كانوا يكرمونه بطريقة مُبالغ فيها، وكما رأينا في دراستنا لإنجيل يوحنا أن بعضهم ظنوه أعظم من يسوع المسيح، وأنهم كانوا يغيرون بسبب انتشار اسم يسوع الذي عمده يوحنا، وقد اشتكوا ليوحنا من ذلك (يو 3: 26).

"فقال بولس: أن يوحنا عمَّد بمعمودية التوبة، قائلاً للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي بالمسيح يسوع". [4]

أوضح لهم القديس بولس معنى معمودية يوحنا بكونها تهيئ للإيمان بالسيد المسيح، وألا يقف الشخص عندها، بل يتقدم لينال ما هو أكمل. لم يسئ القديس بولس لمعمودية يوحنا، إذ هي معمودية للتوبة، حتى يعترف الناس بحاجتهم إلى مخلص يغفر لهم خطاياهم، لهذا وجب عليهم قبول من هدفت إليه معمودية يوحنا. فالقديس يوحنا رجل عظيم، لكنه هو النذير، صديق العريس، أما العريس السماوي الذي له العروس فهو يسوع المسيح.

v عامل الذين طلبوا معمودية التوبة، كما لو كانوا طالبي العماد، يتهيّأون لنوال معمودية المغفرة والتقديس التي جاءت لاحقة لها في خدمة المسيح. عندما كرز يوحنّا بمعمودية غفران الخطايا (مر1: 4). كان الإعلان هو عن نوال غفران مقبل. فإن كان الأمر هكذا، فإن دعوة يوحنا للتوبة تقود إلى الطريق، وأما نوال المغفرة فجاء لاحقًا. هذا ما يعنيه "يعد الطريق" (لو1: 67). لكن من يعد الطريق هو نفسه ليس كاملاً، بل بالأحرى يهيئ لآخر كامل.

العلامة ترتليان

"فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع". [5]

إذ عرفوا الحق كاملاً لم يجادلوا مع الرسول، بل قبلوا المعمودية في الحال باسم يسوع الناصري.

- الذين ينالون معمودية يوحنا وحدها وليس لهم معرفة الروح القدس يُعمدون ثانية، لئلا يظن أحد أن ذاك الماء الذي لم يُقدس يستطيع أن يهب خلاصًا ليهودي أو أممي.

القديس جيروم


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 19 جـ2 PDF Print Email
3. حلول الروح القدس عليهم

"ولمّا وضع بولس يديه عليهم، حلّ الروح القدس عليهم، فطفقوا يتكلّمون بلغات ويتنبّأون". [6]

بعد العماد وضع الرسول يديه، غالبًا على شكل صليب، عليهم لينالوا سرّ التثبيت، بحلول الروح القدس عليهم، وقد نالوا بعض مواهب الروح مثل التكلم بألسنة والتنبوء. لعل الله سمح هنا بنوالهم هذه المواهب للتأكد من التمييز بين معمودية يوحنا ومعمودية باسم يسوع المسيح. إنها ليست تكرارا ليوم البنطقستي، إنما هو امتداد ليوم البنطقستي، الذي له فاعليته إلى مدى الدهور.

- لقد وضع (اللَّه) عقيدة لا يمكن لهم في ذلك الحين إنكارها، وهي أن يسكن الروح القدس في المؤمنين. أُعلنت هذه العطيّة بواسطة اللَّه لكي يجمع آثار الإيمان، حيث كانت في البداية عندما تمّت بين الرسل وبقيّة التلاميذ... فقد حلّ عليهم الروح القدس وأعطاهم القدرة على التكلّم بألسنة، مع موهبة التفسير، حتى لا يجسر احد أن ينكر حلول الروح القدس فيهم.

أمبروسياستر

4. خدمته في المجمع

"وكان جميع الرجال نحو اثني عشر". [7]

"ثم دخل المجمع، وكان يجاهر مدة ثلاثة أشهر، محاجًا، ومقنعًا في ما يختص بملكوت اللَّه". [8]

كعادته بدأ بالخدمة في المجمع اليهودي، مقدمًا لهم الإنجيل، لعله يجمع خراف بيت إسرائيل الضالة، المشتتة على الجبال. وهو في هذا كان يقتدي بالسيد المسيح. كان يشترك معهم في العبادة داخل المجمع كواحدٍ منهم، فينزع عنهم روح الإجحاف، ويستميلهم نحوه لعله يكسب أحدهم. كان يشاركهم عبادتهم في أيام السبوت، حتى تتكون كنيسة العهد الجديد في المدينة وينقل المؤمنين للعبادة في يوم الرب.

بقي لمدة ثلاثة شهور في حوار معهم دون يأس ولا ملل. كان حديثه معهم طوال الثلاثة أشهر يركز على "ملكوت الله" الذي يؤسسه في قلوب البشر، ليهبهم الحياة المطّوبة، ويجعل من أعماقهم أيقونة السماء. كان يصحح مفاهيمهم عن مملكة المسيا الذي كانوا ينتظرونه، إنها ليست مملكة زمنية أرضية، بل مملكة من السماء روحية.

كان يحاججهم، أي يدخل معهم في حوار، ويقدم لها براهين من الكتاب المقدس، ويجيب على اعتراضاتهم، ويقدم لهم أسئلة ويتقبل إجاباتهم. لم يطالبهم بالإيمان دون تفكيرٍ بل "مقنعًا" إياهم بدلائل عقلية وفهم.

بماذا كان الرسول يقنعهم؟ بملكوت الله الذي يقيمه الرب داخل قلوبهم. هو تمتع بسكنى الرب فيهم، فإن الملكوت في جوهره هو تمتع بشخص السيد المسيح.

- بماذا يقول الكتاب المقدس؟ الكلمة قريبة منك، في فمك، وفي قلبك (تث 30: 14). هذا أشار إليه المخلص بلطفِ، فلا يطلبوا أمورًا خارجًا عنهم. أو قل: "لا يقولون ههنا، أو هوذا هناك". إذ يقول لهم: "ها ملكوت الله داخلكم" (لو21:17).

- ملكوت الله حسب كلمة ربنا ومخلصنا لا يأتي بمراقبة، "ولا يقولون هوذا ههنا أو هوذا هناك"، إنما "ملكوت الله داخلكم"... فمن الواضح أن من يصلي لكي يأتي ملكوت الله، إنما يصلي بحقٍ أن يتأسس الملكوت ويكمل في داخله، ويحمل ثمرًا.

العلامة أوريجينوس

5. خدمته في مدرسة تيرانس

"ولمّا كان قوم يتقسّون ولا يقنعون، شاتمين الطريق أمام الجمهور، اعتزل عنهم وأفرز التلاميذ، محاجًا كل يوم في مدرسة إنسان اسمه تيرانس". [9]

إذ قسى البعض قلوبهم وقاوموا كلمة الحق لمدة ثلاثة شهور بالرغم من الجهود التي بذلها معهم ترك المجمع اليهودي، وسحب معه الذين أمنوا، ليتتلمذوا على يديه يوميًا في مدرسة تيرانس. لعله اضطر إلى ذلك ليس يأسًا، وإنما خشية تأثر تلاميذه الذين قبلوا الإيمان من المقاومين، فأراد أن يحّوط حولهم، ويثبتهم في الإيمان، لكي ينمو في المعرفة الروحية، ولا يتعثروا بسبب شتائم غير المؤمنين وهجومهم المستمر.

"محاجًا": الترجمة الدقيقة "محاورًا" إياهم، أي التعليم خلال الحوار.

يرى البعض أن مدرسة تيرانس هي معهد لاهوتي يهودي، إذ كان لليهود مدارس لاهوتية بجوار المجامع، خاصة في المدن الكبرى، وكانوا يدعونها "بيت مراش" أي بيت المدرسة أو بيت البحث والسؤال، أو بيت الإلقاء والاستماع. كان اليهود يذهبون إليها يوم السبت مع العبادة في المجمع. لا نعرف شيئًا عن تيرانس، لكن يبدو أنه كان يهوديًا لا يحمل عداوة نحو الإيمان المسيحي، سمح للرسول بولس أن يستخدم أحد حجرات المدرسة للتعليم، إذ لم يكن بعد توجد كنيسة، فكان المسيحيون يجتمعون في أي موضع لائق يمكن أن يمارسوا فيه العبادة والتعليم. يعتقد البعض إنها مدرسة فلسفية للأمم تنتمى لتيرانس، وهو شخص كان له مركز كبير وربما كان حاكم المدينة.

انسحابه من المجمع ليس فقط حفظ تلاميذه من العثرة، وإنما أعطاه فرصة للقاء مع التلاميذ ليس يومًا واحدًا في الأسبوع، أي يوم "السبت"، وإنما كان يلتقي معهم يوميًا. هذا وقد انفتح الباب للإيمان أمام الكثيرين، ففي المجمع اليهودي لم يكن ممكنًا أن يحضر سوى اليهود والدخلاء، أما في المدرسة، فكان يمكن لليهود كما للأمم أن يدخلوا أبواب الحكمة الإنجيلية المفتوحة لكل البشرية.

"وكان ذلك مدة سنتين، حتى سمع كلمة الرب يسوع جميع الساكنين في آسيا، من يهود ويونانيين". [10]

استمر الرسول بولس يكرز ويحاور لمدة عامين في هذه المدرسة، فسمع كثيرون من بلاد كثيرة في آسيا عنها، وجاء يهود ويونانيون من كل آسيا يسمعون للرسول. في هذه الفترة تأسست كنائس في كولوسي ولاودكية وهيرابوليس (كو2: 1؛ 4: 13)، وربما بعض الكنائس الأخرى التي في آسيا الصغرى والواردة في سفر الرؤيا (رؤ2: 3).

إذ كان كثيرون يحضرون إلى أفسس بكونها عاصمة آسيا، لممارسة العبادة أو للتجارة أو للتعليم أو للقضاء، كانوا يسمعون عن الرسول بولس فيستمعون إليه. وهكذا الشعب الجالس في الظلمة رأى نور شمس البرّ، ربنا يسوع مشرقًا عليهم.

6. قوات غير المعتادة

"وكان اللَّه يصنع على يديّ بولس قوات غير المعتادة". [11]

ثبت الله كرازة الرسول بولس وتعليمه بصنع الآيات والعجائب.

لم نسمع عن آيات صنعها الرسول بولس منذ إخراج الروح الشرير من العرافة في فيلبي. فلم يذكر أنه صنع آيات في تسالونيكي وبيريه وأثينا، فهل صنع آيات لم يسجلها لوقا البشير؟ غالبًا حيثما كانت كلمة الإنجيل تنجح، لم تكن توجد حاجة لعمل الآيات. أما حينما توجد مقاومة شديدة، فإن الله يسند العمل بالآيات. ففي أفسس وُجدت مقاومة شديدة وشتائم من اليهود والأمم، لهذا "كان الله يصنع على يدي بولس قوات غير المعتادة". هذا وإننا لا نتجاهل أن القديس بولس لم ينشغل بتسجيل كل الآيات والقوات. ففي كورنثوس كما يقول الرسول وجدت آيات على رسولية تمت بينهم بأعمال عجيبة وقوات (2 كو 12: 12)، ومع هذا لم يسجل لنا لوقا البشير آية واحدة مما صنعها الرسول هناك.

لقد اقتضت ظروف أفسس أن يصنع الله على يديه قوات غير المعتادة، أي لم يفعلها رسول آخر.

"حتى كان يؤتى عن جسده بمناديل أو مآزر إلى المرضى، فتزول عنهم الأمراض، وتخرج الأرواح الشريرة منهم". [12]

إذ كان عدو الخير يعمل بكل قوةٍ خلال عظمة أرطاميس، سند الرب كنيسته فأعطى الرسول أن يصنع قوات غير معتادة (أع 19: 11-12)؛ وكان اسم يسوع يتعظم (أع 19: 17)، وجاء كثيرون بكتب السحر يحرقونها أمام الجميع، قُدرت أثمانها بخمسين ألفًا من الفضة. هكذا كانت كلمة الرب تنمو وتقوى بشدة (أع 19: 19-20).

هكذا قدرما سيطرت قوات الظلمة على أفسس عمل الرب بقوة ليجتذب السحرة أنفسهم للإيمان.

لم يكن بولس الرسول هو الذي يصنع القوات غير المعتادة، إنما كان هو الأداة المقدسة التي يستخدمها الله. إذ يقول: "من هو بولس؟ ومن هو أبولس؟"

لقد قدس الله ليس فقط جسده بل وحتى المناديل والمآزر التي على جسمه الضعيف، فتوضع على المرضى ومن بهم أرواح شريرة. وهكذا حقق الله وعده لتلاميذه أنهم يفعلون أعمالاً أعظم مما فعلها (لكن باسمه). وأكد أنه أعطاهم سلطانًا على الأرواح النجسة وأن يشفوا كل الأمراض (مت 10: 1).

- صار الكلمة جسدًا لكي يغير جسدنا إلى روح... ولكي يقدس الجسد كله معه، إذ فيه تقدست البكور.

القديس غريغوريوس النيسي


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 19 جـ3 PDF Print Email
7. أبناء سكاوا المعزمين

"فشرع قوم من اليهود الطوّافين المعزمين، أن يسموا على الذين بهم الأرواح الشريرة باسم الرب يسوع، قائلين: نقسم عليك بيسوع الذي يكرز به بولس". [13]

يقتبس هنا لوقا البشير مثلاً عن مدى تأثير خدمة القديس بولس في أفسس. فإن بعض العزامين الذين يدعون انهم يخرجون الشياطين فيطوفون أفسس للمكسب المادي، ظنوا أنهم يمارسون هذا العمل بقوة اسم يسوع الذي يكرز به بولس، هؤلاء اليهود شاهدوا القوات غير المعتادة التي وهبت للرسول، فعوض أن يؤمنوا أرادوا استخدام قوة الاسم في عمل السحر.

الكلمة اليونانية المترجمة طوّافين تشير إلى شخص يطوف وهو عاطل سيئ، ليس له موضع يقيم فيه. هؤلاء كانوا كثيرون في العالم، عملهم أن يطوفوا لعمل السحر والادعاء أنهم يخرجون الأرواح الشريرة، بأن يقسموا عليه باسم الله لكي يخرجوا.

"وكان سبعة بنين لسكاوا رجل يهودي رئيس كهنة الذين فعلوا هذا". [14]

- تطلعوا إلى خسة الناس! لقد استمروا كيهود بينما حاولوا الانتفاع من هذا الاسم. كل ما فعلوه من أجل المجد والنفع المادي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

كلمة سكاوا يونانية، ولا يُعرف رئيس كهنة بهذا الاسم. وإن كان رئيس كهنة، فلماذا يعيش في أفسس؟ لذا يرى البعض أنه أقام نفسه أو أقامه بعض اليهود رئيس كهنة. ويرى آخرون انه ربما ينتسب لعائلة هرون الكهنوتية، ولعله كان عضوًا في مجمع السنهدرين، وقد ترك أورشليم ليعيش في أفسس، أو كان يجول مع أبنائه من بلد إلى آخر كخدام لإبليس، يدعون القدرة على إخراج الشياطين وممارسة السحر.

هذه الخرافة كما يقول يوسيفوس المؤرخ انتشرت بين اليهود بعد أن وضع سليمان بعض التعاويذ لشفاء الأمراض وإخراج الشياطين، ولعل السيد المسيح قد أشار إلى هؤلاء في مت 12: 27.

حقًا إنه لأمر محزن أن السبط الذي قدسه الله لخدمته وبيت هرون الذي خصصه ككهنة له، قد انحرف ليصير منهم خدام لإبليس يمارسون السحر والرقي باسم الله نفسه، ليس تكريمًا لله، ولا إيمانًا بقدرته، وإنما لممارسة السحر الشيطاني. لهذا يصرخ الرسول: "هل من شركة بين المسيح وبليعال؟"

لا نعجب إن كان إبليس وجنوده أحيانًا يُظهرون نوعًا من الغيرة على اسم الله، لكن في كل الحالات ما يودونه هو تدمير خلاص البشر، لهذا لم يقبل السيد المسيح ولا رسله شهادتهم حتى وإن بدت صحيحة.

إن كنا نقاوم إبليس بروح الحق، بالإيمان الحي خلال ميثاقنا مع الله فحتمًا نحطمه؛ أما إن حسبنا أننا بمجرد ترديد اسم الله وخلال الشكل نقاومه، فإنه يقوى علينا ويصيب نفوسنا بجراحات خطيرة ويفضح عرينا الداخلي من نعمة الله.

يمكن سر غلبتنا على إبليس لا في النطق باسم يسوع دون الحياة معه بنعمته. لذا يقول الأب ثيؤدورت أسقف كورش [بعد أن أعلن بولس عن العدو أشار إلى المخلص (رو 6: 20). الذين ينالون نعمة الله لن يُغلبوا قط].

- ليت الله ينصركم، ليس من الخارج على عدوكم، وإنما من الداخل على أنفسكم.

- لا ترهب العدو الذي يأتي من الخارج، فإنك إن غلبت نفسك ستصير غالبًا للعالم.

القديس أغسطينوس

- دُعي الشيطان قويًا ليس لأنه بالطبيعة هو هكذا، إنما بالإشارة إلى سلطانه الذي صار له بسبب ضعفنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فأجاب الروح الشرير، وقال: أمّا يسوع فأنا أعرفه، وبولس أنا اعلمه، وأمّا أنتم فمن أنتم؟" [15]

لقد أدركت الأرواح الشريرة أنهم يفعلون هذا ليس عن إيمان بقوة يسوع المسيح للخلاص والتمتع بالملكوت، وإنما بإساءة استخدام هذا الاسم، لهذا وإن اقسموا باسم يسوع لا يحملون قوته. فيقول الروح الشرير: "وأما أنتم فمن أنتم؟" يعنى: أين هي قوتكم؟ فإنكم لا تنتمون ليسوع، ولا تدركون إمكانية بولس الكارز باسم يسوع، فليس من حقكم أن تفعلوا آيات باسمه"

- واضح أن الأرواح النجسة لا تقدر أن تجد لها طريقًا في أجساد من اغتصبتهم بأي وسيلة ما لم تملك أولاً علي عقولهم وأفكارهم فتسلب منهم مخافة الله وتذكره والتأمل فيه، وبهذا تتجاسر فتتقدم إليهم كمن هم بلا حصانة إلهية، وتقيدهم بسهولة وتجد لها موضعًا فيهم، كما لو كان لها حق الملكية عليهم.

الأب سيرينوس

"فوثب عليهم الإنسان الذي كان فيه الروح الشرير، وغلبهم وقويَ عليهم، حتى هربوا من ذلك البيت عراة ومجروحين". [16]

- تظهر قوة الشياطين عظيمة حينما تكون ضد غير المؤمنين، لأنه لماذا لم يقل: "من هو يسوع؟" كان خائفًا لئلا هو نفسه أيضًا يسقط تحت العقوبة، لكن سمح له أن ينتقم من الذين سخروا به، لقد قال: "أما يسوع فأنا أعرفه". لقد كان خائفًا من بولس. لأنه لماذا هؤلاء البؤساء لم يقولوا له: نحن نؤمن؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وصار هذا معلومًا عند جميع اليهود واليونانيين الساكنين في أفسس، فوقع خوف على جميعهم، وكان اسم الرب يسوع يتعظم". [17]

لم يكن يهدف عدو الخير نحو تمجيد الله، لكنه وجد الفرصة متاحة لإيذاء السبعة بنين، أما الله الصالح فحوّل حتى هذا الحدث لبنيان الكنيسة، إذ وقع خوف الرب على جميع اليهود والأمم الساكنين في أورشليم، وتعظم اسم الرب يسوع أمام كثيرين.

- تولد مخافة الرب الحقيقيّة من الإيمان الحقيقي،

فمن يؤمن حقيقة، حقًا يخاف ذاك الذي يؤمن به...

يولد الإيمان من البساطة الطبيعيّة،

كما يحفظ ويثبت أيضًا بتلك البساطة...

تحافظ البساطة على الإيمان،

وتحافظ مخافة الرب على وصايا اللَّه.

- "لنتحدّث عن مخافة الرب بفكر يخاف الرب".

فانه لا يريد أن يقترب إلى هذا الموضوع ليستعرض أفكارا فلسفية، أو ليدخل في حوار عقلاني جاف، وإنما تحت قيادة مخافة الرب يدخل كما إلى المقادس عن العلاقة بين الله والإنسان كحياة عاشها الآباء وتسلّمها جيله. وكأنه يقول: "أتريد أن تتعرف على مخافة الرب؟ أطلب من الرب مخافة الرب هذه لتدخل بفكرك المقدس إلى أعماق نفسك، وتكتشف عمل اللَّه العجيب في وفيك!"

إنه لا يريد "مخافة" الجدل والكلام، وإنما مخافة خبرة الروح الحية!

الفكر البشري هو هبة يقدّمها الله للإنسان، تحتاج أن تدخل في دائرة مخافة الرب، تقوده كطفل صغير في رعاية أبيه أو أمه، يسير معها ليتعرّف على أسرار الحياة ويتدرّب وينمو وينضج!

مار فيلوكسينوس أسقف منبج

"وكان كثيرون من الذين آمنوا يأتون مقرين، ومخبرين بأفعالهم. [18]

لعل بعض الذين آمنوا واعتمدوا أخفوا بعض خطاياهم، ولم يقدموا توبة جادة. هذا الحدث أرعبهم، فإنه لا يكفي التمسك باسم الرب يسوع، بل يلزم التجاوب مع عمل روحه القدوس، والسلوك حسب العهد الجديد الذي التزموا به. هؤلاء جاءوا في مخافة لرب يعترفون بكل ما في أعماقهم! هكذا تحول الحدث إلى توبة الكثيرين واعترافهم لدى الرسل والتلاميذ، كما جذب بعضًا من غير المؤمنين إلى الإيمان الحي.

"وكان كثيرون من الذين يستعملون السحر، يجمعون الكتب، ويحرقونها أمام الجميع، وحسبوا أثمانها، فوجدوها خمسين ألفًا من الفضة". [19]

8. حرق كتب السحر

أدرك كثير من السحرة وهواة الأعمال السحرية ضعف قوة إبليس وكل جنوده أمام اسم الرب يسوع، إن صدر عن قلب له شركة معه ونفس مقدسة له. في جدية جاء كثيرون بكتب السحر التي كانوا يستعملونها وكانوا يحرقونها علانية، دون أية اعتبار لبهاظة أثمانها.

كما كانوا يمارسون السحر علانية، حرقوا كتب السحر علانية أمام الجميع، معلنين توبتهم ومعترفين بخطأهم. قدموا كل رصيدهم، كتب السحر الثمينة، ليعلنوا عدم الرجوع إلى السحر، ما كانوا يظنونه مصدر رزقهم بل وغناهم لم يعد ذات قيمة بل صار أشبه بوباءٍ يريدون الخلاص منه. ولعل حرق الكتب علانية كان تعبيرًا عن روح الفرح بالنصرة على عدو الخير والبهجة بخلاص السيد المسيح.

"هكذا كانت كلمة الرب تنمو وتقوى بشدة". [20]

بينما كانت أعمال إبليس التي تجلت بالأكثر في أعمال السحر تتحطم، كانت كلمة الرب تنمو وتتشدد، حيث يدرك المؤمنون أعماق جديدة للكلمة وينجذب غير المؤمنين للتمتع بالكلمة.

9. اضطراب في أفسس

"ولمّا كملت هذه الأمور، وضع بولس في نفسه أنه بعدما يجتاز في مكدونية وآخائية، يذهب إلى أورشليم قائلاً: أني بعدما أصير هناك ينبغي أن أرى رومية أيضًا". [21]

كانت شهوة قلب بولس كرسول للأمم أن يشهد لمسيحه في روما بكونها عاصمة العالم الأممي في ذلك الحين. لقد وضع الله ذلك في قلبه؛ وضع خطة لزيارة كنائس مكدونية وأخائية، خاصة فيلبي وكورنثوس المدينتين الرئيسيتين لهاتين الولايتين [21]. أراد زيارة الكنائس التي غرسها ليطمئن على عمل الله في حياة هذه الكنائس. كما وضع في خطته أن يذهب إلى أورشليم لكي يبهج قلوب الإخوة بعمل الله وسط الأمم، ويقدم هبات الكنائس التي جمعها لفقراء أورشليم، ومن هناك يذهب إلى روما وهو في طريقه إلى أسبانيا (رو 15: 24، 28).

"فأرسل إلى مكدونية اثنين من الذين كانوا يخدمونه، تيموثاوس وأرسطوس، ولبث هو زمانًا في آسيا". [22]

تيموثاوس: كان الشخص المناسب لإرساله إلى مكدونية، إذ سبق أن كان هناك مع الرسول بولس، عندما قام بتأسيسها (أع 16: 3؛ 17: 14).

أرسطوس أمين خزانة الملك أو المدينة (رو 16: 23)، لذلك فهو الشخص المناسب إرساله مع تيموثاوس بغرض الجمع لفقراء أورشليم.

"لبث زمانًا في آسيا"، في أفسس، حتى يتهيأ الجمع للفقراء، وبقي مع القديس لوقا.

"وحدث في ذلك الوقت شغب ليس بقليل بسبب هذا الطريق". [23]

قرار بولس الرسول بترك أفسس نفذ بأكثر سرعة، حيث حدث شغب ليس بقليل بسبب الإيمان المسيحي والتعاليم المسيحية التي كان يكرز بها الرسول بولس. فقد كانت أفسس مركز عبادة الآلهة العظيمة أرطاميس (وتدعى باللاتينية ديانا). يحسبونها الإلهة الأم لآسيا الصغرى، تعرف سبلة Cybele، وكان البعض يعتبر هيكل أرطاميس أحد عجائب الدنيا السبع.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 19 جـ4 PDF Print Email
"لأن إنسانًا اسمه ديمتريوس صائغ صانع هياكل فضة لأرطاميس، كان يكسب الصناع مكسبًا ليس بقليل". [24]

كانت هذه الهياكل الصغيرة على شكل الهيكل، وتوضع فيها الآلهة ديانا. تُصنع من الخشب أو المعادن النفيسة ويضعها المتعبّدون في رقابهم كتعويذة لحمايتهم. كان الهيكل به باب واحد من الجنب يُغلق لحفظ الآلهة في الداخل.

كان صناعة هياكل صغيرة من الفضة أو تماثيل للإلهة أرطاميس تجارة مربحة للغاية. وإذ نجحت خدمة الرسول بولس انهارت هذه التجارة، لذلك عقد شخص يدعى ديمتريوس اجتماعًا لصانعي التماثيل الفضية، وأوضح لهم الخطر الذي يحدق بهم. لقد عرف الوثنيون بحمل تماثيل صغيرة، تمثل آلهتهم أينما ذهبوا، كما اشتهر الرومانيون بوضع تماثيل الآلهة في بيوتهم. أشير إلى هذه العادة في أيام لابان (تك 31: 19) حيث سرقت راحيل ابنته تماثيله. وجاء في سفر القضاة عن ميخا الذي كان له بيت آلهة (قض 17: 5). وذكر مثل هذا في 1 صم 19: 13 ؛ هو 3: 4. هذه التماثيل كانت غالبًا ما توضع في صندوق صغير من الخشب أو الحديد أو الفضة.

أرطاميس: أحد أشهر اثني عشر إلهًا تدعى في السماء لونا Luna أو ميو Meui وتعني القمر، وعلى الأرض أرطاميس أو ديانا، وفي جهنمHecate . أحيانا كانت تُمثل بهلال يوضع على يدها، وترتدى ثياب صيد، وأحيانا تصور بثلاثة وجوه، معها أدوات تعذيب. ينظر إليها بأنها إلهة الصيد. تُعبد خلال أسماء متنوعة مثل بروسيربين Proserpine وتريافا Triavia الخ. تصور بعديد من الثدي إشارة إلى أنها مصدر البركات، توزعها لكل واحد حسب حالته. كانت تعبد في مصر وأثينا وكيليكية وفي وسط أمم كثيرة، لكن مركزها الرئيسي هو أفسس.

"فجمعهم والفعلة في مثل ذلك العمل، وقال: أيها الرجال، أنتم تعلمون أن سعتنا إنما هي من هذه الصناعة". [25]

لم يلجأ ديمتريوس إلى الحكام أو القضاة، بل إلى أصحاب المصالح المادية والعمال الذين كل ما يشغلهم في هذه العبادة مكسبهم المادي. إنه الطريق السهل للكسب وأحيانا للغنى أن يسيء الإنسان استغلال الدين، فيصير مصدر غنى وسعة.

"وأنتم تنظرون وتسمعون أنه ليس من أفسس فقط، بل من جميع آسيا تقريبًا، استمال وأزاغ بولس هذا جمعًا كثيرًا قائلاً: أن التي تصنع بالأيادي ليست آلهة". [26]

قيل أنه كان يوجد 33 مركزًا لعبادة الإلهة أرطاميس. يقولون: أنتم تنظرون في أفسس وتسمعون عن بلاد كثيرة في آسيا الصغرى كيف اجتذب جمعًا كثيرًا لرفض العبادة الوثنية. هذه شهادة من الوثنيين أنفسهم عن نجاح خدمته، ليس فقط في أسيا، وإنما في بلاد كثيرة في آسيا الصغرى.

"فليس نصيبنا هذا وحده في خطر من أن يحصل في إهانة، بل أيضًا هيكل أرطاميس الآلهة العظيمة أن يُحسب لا شيء، وأن سوف تهدم عظمتها، هي التي يعبدها جميع آسيا والمسكونة". [27]

يكشف ديمتريوس عن مدى الخطورة التي تحل بهم، حيث أن انتشار الإيمان حتمًا يسبب غلق متاجر هؤلاء الصناع، وتبطل صياغة هياكل أرطاميس الفضية. لا يقف الأمر عند فقدان مصدر رزقهم، وإنما تحصل له إهانة بكونهم يعبدون آلهة باطلة. ولكي يثيرهم دينيًا يعلن لهم أن ما هو أخطر أنه يهين الإلهة التي تتعبد لها جميع آسيا والمسكونة.

كأن كرازة الرسول بولس تسبب لهم ثلاثة خسائر خطيرة:

أولاً: حرمانهم من المكسب المادي، فيصبهم الفقر والعوز.

ثانيًا: فقدانهم كرامتهم بكونهم يعملون لحساب آلهة باطلة، وهذا أخطر من الخسارة المادية.

ثالثًا: تشويه صورة الإلهة العظيمة أرطاميس التي تتعبد لها المسكونة، وهذا ما لا يحتمله أحد!

"فلما سمعوا امتلأوا غضبًا، وطفقوا يصرخون قائلين: عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين". [28]

إذ سمع الصناع أن مهنتهم وإلهتهم في خطر امتلئوا غضبًا ضد الإنجيل والكارزين به. وإذ لم يجدوا علة حقيقية لقتل الرسول بولس ليشتكوا بها عليه هو ورفقائه، أثاروا ضجيجًا وصخبًا شعبيًا.

"فامتلأت المدينة كلها اضطرابًا، واندفعوا بنفس واحدة إلى المشهد، خاطفين معهم غايوس وأرسترخس المكدونيين، رفيقي بولس في السفر". [29]

خطفت الجماهير غايس وارسترخس، الأول من دربة (أع 20: 4)، والثاني أشير إليه في أع 20: 4؛ كو 4: 10. الجريمة الموجهة إليهما أنهما في صحبة الرسول بولس ومرافقان له في سفره. ولعل الجماهير أرادت تقديمهما للوحوش المفترسة في المشهد "المسرح". كان المسرح اليوناني هو مكان التجمعات الشعبية، وأيضًا للانتخابات والمحاكمات، وفيه أيضًا يُقدم المجرمون للوحوش المفترسة.

"ولمّا كان بولس يريد أن يدخل بين الشعب، لم يدعه التلاميذ". [30]

إذ رأى الرسول بولس هذه الصخب الشعبي هرب، لكنه إذ وجدهم قد اختطفوا رفيقيه أراد تسليم نفسه للجمهور، لينقذ حياتهما من خلال محبته لهما، لكن التلاميذ أمسكوه ولم يسمحوا له بهذا. وكأنهم قالوا له ما قاله خدام داود للملك بأنه هو أفضل من ربوة منهم (2 صم 18: 3).

لعل بولس الرسول أراد بدخوله وسط الجماهير أن يتحدث معهم مدافعًا عن نفسه وعن صديقيه، أو ليشهد لهم بطريق أو آخر عن الإنجيل.

"وأُناس من وجوه آسيا كانوا أصدقاءه، أرسلوا يطلبون إليه أن لا يسلّم نفسه إلى المشهد". [31]

لقد سمع بعض الأشخاص من القادة (وجوه) في آسيا وكانوا أصدقاء له فأرسلوا إليه ألا يسلم نفسه، إذ أدركوا خطورة الموقف. "وجوه أسياAsiarchae هم قادة مسئولون عن حفظ الخدمات الدينية المناسبة، يُختارون للإشراف على المقدسات والألعاب العامة التي تُقام تكريمًا للآلهة وللإمبراطور الروماني في الأعياد الشعبية. كان دورهم شبه ديني، كان بعض السلطان يدعونهم كهنة، ويحسبون عملهم كهنوتيًّا. في كل عام كان يُختار عشرة من المواطنين ذوي الشخصيّات السامية للمدن الكُبرى لهذا المركز. هؤلاء يُختارون سنويًا، ويلزم موافقة روما عليهم، ويُمكن إعادة تعيين الشخص. وكانوا يعقدون مجلسًا في المدينة الرئيسية للولايات مثل أفسس وسميرنا وساردس الخ. لتدبير هذه الأمور والتشاور معًا. كانوا بالضرورة أغنياء جدًا لأن هذه الألعاب تكلفتها باهظة، وكان الوجهاء ملتزمين بالانفاق عليها. عند ممارستهم للعمل يرتدون ثيابًا أرجوانيّة، ويحملون أكاليل . أما إن كان العشرة يشرفون معًا على الألعاب أو يقوم أحدهم بالعمل ويساعده الآخرون، فهو أمر غير مؤكّد.

في هذه اللحظات التي كانت الجماهير ثائرة كان المجلس منعقدًا، وكانوا قد سمعوا الرسول بولس وأحبوه وصاروا له أصدقاء. لكن ليس بالضرورة أن يكونوا قد صاروا بعد مسيحيين، إنما كانوا يكنون الحب والتقدير لشخصية الرسول بولس، وكانوا يودون الدفاع عنه. وكان يلزم امتصاص غضب الجماهير حتى يمكن السيطرة على الموقف دون أن يهلك الرسول ورفقاؤه.

يرى البعض أن شخصًا واحدًا كان هو الرئيس الذي يهتم بعبادة الإمبراطور في الاحتفالات الشعبية، لكن البقية كانوا رؤساء سابقين، ربما كان الرئيس في ذلك الحين مجتمعًا معهم للتشاور في بعض الأمور والانتفاع بخبرتهم السابقة.

لعل تلاميذ الرسول وهؤلاء الوجوه رأوا أن تسليم بولس نفسه للجماهير يلهب الموقف بالأكثر، فستعامله الجماهير بعنفٍ شديدٍ وقد تقتله، وليس بذات المعاملة التي يعاملون بها رفيقيه. فالأفضل أن ينتظر حتى يتهيأ الجو للقاء مع الجماهير بعد إقامة محفل للقضاء.

"وكان البعض يصرخون بشيء، والبعض بشيء آخر، لأن المحفل كان مضطربًا، وأكثرهم لا يدرون لأي شيء كانوا قد اجتمعوا". [32]

كان البعض يصرخ مطالبًا بقتل اليهود بوجه عام، وآخرون بقتل بولس ومن معه، والغالبية العظمى لا تعرف لماذا اجتمعت، ولماذا هذه الثورة.

"فاجتذبوا إسكندر من الجمع، وكان اليهود يدفعونه، فأشار إسكندر بيده يريد أن يحتج للشعب". [33]

إذ شعر اليهود أنهم في خطر، لأن كثير من المجتمعين لا يميزون بين بولس وبين اليهود، لهذا دفعوا الكسندر للحديث معهم لتهدئتهم. يرى جروتس Grotius أنه الكسندر الحداد الذي صنع شرورًا لبولس الرسول (2 تي 4: 14)، وإن كان بعض الدارسين يرفضون ذلك. لقد وقف بين الجماهير، فعرفت أنه يهودي. وقف لا ليدافع عن نفسه، وإنما عن اليهود ككل.

"فلما عرفوا أنه يهودي صار صوت واحد من الجميع، صارخين نحو مدة ساعتين: عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين". [34]

إذ عرفت الجماهير أنه يهودي ثارت بالأكثر وهي تصرخ لمدة ساعتين، لأنهم كانوا يتطلعون إلى المسيحيين أنهم شيعة يهودية. لقد أرادوا أن يبكموا اسكندر فلا يتكلم.

"ثم سكن الكاتب الجمع، وقال: أيها الرجال الأفسسيون، من هو الإنسان الذي لا يعلم أن مدينة الأفسسيين متعبدة لأرطاميس الإلهة العظيمة، والتمثال الذي هبط من زفس". [35]

ظهر كاتب المدينة أو سكرتير مجلس المدينة، كان يقوم بنساخة الكتب، ويلزم أن يكون ضليعًا في القانون وذا ثقافة عالية (2 صم 8: 17؛ عز 7: 6،11-12؛ مت 5: 20؛ 12: 38؛ 13: 52؛ 15: 1؛ 23: 34؛ 1 كو 1: 20).

تحدث معهم باللغة التي تهدئهم من ثورتهم، مؤكدًا لهم أن هذه الإلهة العظيمة النازلة من السماء لا يمكن أن يدمرها قلة قليلة جدًا من اليهود. لقد وبخهم على مخاوفهم غير اللائقة بعظمة أرطاميس.

"فإذ كانت هذه الأشياء لا تُقاوم، ينبغي أن تكونوا هادئين، ولا تفعلوا شيئًا اقتحامًا". [36]

يؤكد لهم أنه إن كان لا يستطيع أحد أن يطفئ غيرة الأفسسين على عبادتهم لأرطاميس، وإخلاصهم لها، وبالتالي فليس من خطر على هذه العبادة بسبب قلة شريرة من اليهود، فلا مجال لهذا الهياج. وكأنه يقول لهم هذا الهياج يهين العبادة فتظهرون كأنها ضعيفة ومعرضة للخطر بلا سبب.

"لأنكم أتيتم بهذين الرجلين، وهما ليسا سارقي هياكل، ولا مجدّفين على آلهتكم". [37]

يقول أن هذين الرجلين ليسا منجسين للهيكل، ولا سارقين لهيكل ديانا أو غيرها. لقد كرزا ضد العبادة للتماثيل، لكنهما لم يلزما أحد باستخدام العنف ضد الهياكل ولا حاولا تعطيل العبادة. ما فعلاه إنما بالحوار السلمي.

"فإن كان ديمتريوس والصنّاع الذين معه لهم دعوى على أحد، فإنه تُقام أيام للقضاء، ويوجد ولاة فليُرافعوا بعضهم بعضًا". [38]

إن كان ديمتريوس والصناع قد أصابهم أذى، فأبواب القضاء مفتوحة، ويمكن تحديد أيام للمحاكمة في هدوء وبحكمة، والولاة أو القضاة الرومانيون مستعدون أن يسمعوا كل الأطراف.

"وإن كنتم تطلبون شيئًا من جهة أمور أخرى، فإنه يُقضى في محفل شرعي". [39]

يؤكد لهم الكاتب أنه إن كانت هناك أية شكاوي أخرى، فالقضاء مستعد للاستماع بمحفلٍ شرعيٍ وليس بالهياج والثورة، حتى يمكن تحقيق العدالة وتنفيذ القانون.

"لأننا في خطر أن نحاكم من أجل فتنة هذا اليوم، وليس علّة يمكننا من أجلها أن نقدم حسابًا عن هذا التجمع". [40]

يوضح الكاتب أن هذا الهياج يسيء إلى سمعة المدينة لدى روما، لأنه بلا ترتيب ولا نظام، ويتجاهل الإجراءات القانونية السليمة. يلزمهم أن يتذكروا أن من يشترك في هياج هكذا يحسب جريمة يعاقب عليها القانون الروماني بالإعدام.

"ولمّا قال هذا صرف المحفل". [41]

إذ خشي الكثيرون لئلا يُقبض عليهم، ويُحاكموا بجريمة التظاهر والشغب، انسحبوا، فانصرف المحفل كله.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 19 جـ5 PDF Print Email
من وحي أع 19

هزيمة الشيطان في أفسس

- وهبت رسولك بولس روح الرجاء المفرح.

لم يهتز للمضايقات التي لم تفارقه.

دخل إلى أفسس، وكأنه دخل إلى عرين آخر للأسد.

كان يعلم أن التجارب تلاحقه،

ويدرك أن نعمتك تهب تعزيات لا حصر لها.

- جذب الكثيرين لقبول المعمودية باسمك،

ووضع يديه عليهم، فحل روحك القدوس عليهم.

نالوا ختم الروح، فصاروا في ملكيتك.

نالوا الختم الملوكي، فصاروا ملوكًا!

حملوا سمتك، فلن يقدر العدو أن يقترب إليهم.

- طُرد بولس الرسول من المجمع.

فتمتع ببركة الطرد خارج المحلة معك.

وكأنه صار يرافقك في طريق الجلجثة، ليصلب معك هناك!

- طُرد من المجمع، الذي لا تجد فيه موضعًا تسند راسك.

انطلق للخدمة بين الأمم،

تسنده نعمتك بعجائبٍ فائقة.

انهارت قوى إبليس وتحطم!

- ظن أبناء سكاوى اسمك سحرًا،

وباسمك حسبوا أنهم يخرجون أرواحًا شريرًا.

كيف يخرجون الشيطان من آخرين،

وهو يقيم في بني سكاوا أنفسهم؟

كيف يستخدمون اسمك الذي ينادي به رسولك،

دون أن يتمتعوا بنعمتك؟

- انكشف عدو الخير تمامًا،

وتعرى ليدرك السحرة ضعفه.

أتوا بكتب السحر وحرقوها،

لكي تعمل نيران الروح القدس فيهم.

وطأوا قوات الظلمة تحت أقدامهم،

فقد أشرق نور برّك عليهم.

- أثار العدو أتباعه.

وظن ديمتريوس الصائغ أنه قادر على الخلاص من سفرائك.

أعمت محبة الفضة عينيه.

فادعى أنه يدافع عن إلهته أرطاميس!

لكن ذراعك الرفيعة تسند على الدوام خدامك.

لك المجد أيها الرب السماوي!

1 فحدث فيما كان ابلوس في كورنثوس ان بولس بعدما اجتاز في النواحي العالية جاء الى افسس فاذ وجد تلاميذ
2 قال لهم هل قبلتم الروح القدس لما امنتم قالوا له و لا سمعنا انه يوجد الروح القدس
3 فقال لهم فبماذا اعتمدتم فقالوا بمعمودية يوحنا
4 فقال بولس ان يوحنا عمد بمعمودية التوبة قائلا للشعب ان يؤمنوا بالذي ياتي بعده اي بالمسيح يسوع
5 فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع
6 و لما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس عليهم فطفقوا يتكلمون بلغات و يتنباون
7 و كان جميع الرجال نحو اثني عشر
8 ثم دخل المجمع و كان يجاهر مدة ثلاثة اشهر محاجا و مقنعا في ما يختص بملكوت الله
9 و لما كان قوم يتقسون و لا يقنعون شاتمين الطريق امام الجمهور اعتزل عنهم و افرز التلاميذ محاجا كل يوم في مدرسة انسان اسمه تيرانس
10 و كان ذلك مدة سنتين حتى سمع كلمة الرب يسوع جميع الساكنين في اسيا من يهود و يونانيين
11 و كان الله يصنع على يدي بولس قوات غير المعتادة
12 حتى كان يؤتى عن جسده بمناديل او مازر الى المرضى فتزول عنهم الامراض و تخرج الارواح الشريرة منهم
13 فشرع قوم من اليهود الطوافين المعزمين ان يسموا على الذين بهم الارواح الشريرة باسم الرب يسوع قائلين نقسم عليك بيسوع الذي يكرز به بولس
14 و كان سبعة بنين لسكاوا رجل يهودي رئيس كهنة الذين فعلوا هذا
15 فاجاب الروح الشرير و قال اما يسوع فانا اعرفه و بولس انا اعلمه و اما انتم فمن انتم
16 فوثب عليهم الانسان الذي كان فيه الروح الشرير و غلبهم و قوي عليهم حتى هربوا من ذلك البيت عراة و مجرحين
17 و صار هذا معلوما عند جميع اليهود و اليونانيين الساكنين في افسس فوقع خوف على جميعهم و كان اسم الرب يسوع يتعظم
18 و كان كثيرون من الذين امنوا ياتون مقرين و مخبرين بافعالهم
19 و كان كثيرون من الذين يستعملون السحر يجمعون الكتب و يحرقونها امام الجميع و حسبوا اثمانها فوجدوها خمسين الفا من الفضة
20 هكذا كانت كلمة الرب تنمو و تقوى بشدة
21 و لما كملت هذه الامور وضع بولس في نفسه انه بعدما يجتاز في مكدونية و اخائية يذهب الى اورشليم قائلا اني بعدما اصير هناك ينبغي ان ارى رومية ايضا
22 فارسل الى مكدونية اثنين من الذين كانوا يخدمونه تيموثاوس و ارسطوس و لبث هو زمانا في اسيا
23 و حدث في ذلك الوقت شغب ليس بقليل بسبب هذا الطريق
24 لان انسانا اسمه ديمتريوس صائغ صانع هياكل فضة لارطاميس كان يكسب الصناع مكسبا ليس بقليل
25 فجمعهم و الفعلة في مثل ذلك العمل و قال ايها الرجال انتم تعلمون ان سعتنا انما هي من هذه الصناعة
26 و انتم تنظرون و تسمعون انه ليس من افسس فقط بل من جميع اسيا تقريبا استمال و ازاغ بولس هذا جمعا كثيرا قائلا ان التي تصنع بالايادي ليست الهة
27 فليس نصيبنا هذا وحده في خطر من ان يحصل في اهانة بل ايضا هيكل ارطاميس الالهة العظيمة ان يحسب لا شيء و ان سوف تهدم عظمتها هي التي يعبدها جميع اسيا و المسكونة
28 فلما سمعوا امتلاوا غضبا و طفقوا يصرخون قائلين عظيمة هي ارطاميس الافسسيين
29 فامتلات المدينة كلها اضطرابا و اندفعوا بنفس واحدة الى المشهد خاطفين معهم غايوس و ارسترخس المكدونيين رفيقي بولس في السفر
30 و لما كان بولس يريد ان يدخل بين الشعب لم يدعه التلاميذ
31 و اناس من وجوه اسيا كانوا اصدقاءه ارسلوا يطلبون اليه ان لا يسلم نفسه الى المشهد
32 و كان البعض يصرخون بشيء و البعض بشيء اخر لان المحفل كان مضطربا و اكثرهم لا يدرون لاي شيء كانوا قد اجتمعوا
33 فاجتذبوا اسكندر من الجمع و كان اليهود يدفعونه فاشار اسكندر بيده يريد ان يحتج للشعب
34 فلما عرفوا انه يهودي صار صوت واحد من الجميع صارخين نحو مدة ساعتين عظيمة هي ارطاميس الافسسيين
35 ثم سكن الكاتب الجمع و قال ايها الرجال الافسسيون من هو الانسان الذي لا يعلم ان مدينة الافسسيين متعبدة لارطاميس الالهة العظيمة و التمثال الذي هبط من زفس
36 فاذ كانت هذه الاشياء لا تقاوم ينبغي ان تكونوا هادئين و لا تفعلوا شيئا اقتحاما
37 لانكم اتيتم بهذين الرجلين و هما ليسا سارقي هياكل و لا مجدفين على الهتكم
38 فان كان ديمتريوس و الصناع الذين معه لهم دعوى على احد فانه تقام ايام للقضاء و يوجد ولاة فليرافعوا بعضهم بعضا
39 و ان كنتم تطلبون شيئا من جهة امور اخر فانه يقضى في محفل شرعي
40 لاننا في خطر ان نحاكم من اجل فتنة هذا اليوم و ليس علة يمكننا من اجلها ان نقدم حسابا عن هذا التجمع
41 و لما قال هذا صرف المحفل


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 20 جـ1 PDF Print Email

إقامة أفتيخوس في تراوس
وخطاب وداعي في ميليتس


كانت الضيقات في رفقة الرسول بولس، وكانت نعمة الله لا تفارقه، وكأنهما أختان ملازمتان له أينما حل. ففي الأصحاح السابق رأينا في أفسس أحرق السحرة كتب السحر، وأثار ديمتريوس الصائغ شغبًا لمحاكمة الرسول. وفي هذا الأصحاح يتمجد الله فيه حيث سقط الشاب أفتيخوس من الطاقة وحُمل ميتًا، لكن الرب أقامة على يدي رسوله. وفي ميليتس ألقى الرسول خطابًا وداعيًا لقسوس الكنيسة كشف عن مفهوم الرسول بولس العملي عن الرعاية.

1. مكيدة في هيلاس باليونان 1-3.

2. ذهابه إلى تراوس 4-6.

3. أقامة أفتيخوس الشاب 7-11.

4. ذهابه إلى ميليتس 13-16.

4. خطابه الوداعي 17-35.

5. وداع حار مؤثر 36-38.

1. مكيدة في هيلاس باليونان

في تعليقه على هذا الإصحاح يقول متى هنري: [أسفار بولس التي قدمت هكذا في اختصار، لو سجلت كلها لكانت جديرة بالذكر وبارزة تستحق كتابتها بحروف من ذهب، ما كان يمكن للعالم أن يحوي الكتب التي كانت تُكتب، لهذا فما لدينا هو لمحات عامة عن الأحداث، وهي ثمينة لغاية...]

"وبعدما انتهى الشغب دعى بولس التلاميذ وودّعهم، وخرج ليذهب إلى مكدونية". [1]

المُعتقد أن القديس لوقا تغاضى عن ذكر زيارة ثانية لكورنثوس لأنها كانت قصيرة جدًا، وكانت عبورًا سريعًا، خصوصًا إن القديس لوقا كان غائبًا لمدة ثلاث سنوات أثناء وجود بولس في أفسس. والآن يقوم الرسول بولس بزيارة ثالثة لكورنثوس كما جاء في 2 كو 12: 14؛ 13: 1-2.

كتب لكورنثوس لثالث مرة، ولم تسجل الرسالة السابقة للرسالة الأولى (1 كو 5: 9، 11) لأنها كانت قصيرة للغاية، ولأنه كان فحواها ألا يخالط المؤمنون الاخوة الزناة. ويبدو أن أهل كورنثوس ظنوا عدم مخالطة كل الأشرار، وبهذا يحجمون عن التعامل مع أهل العالم تمامًا، لهذا جاءت الرسالة التي نعتبرها الأولى تؤكد "ليس مطلقا زناة هذا العالم... وإلا فيلزمكم أن تخرجوا من العالم، وأما الآن فكتبت إليكم إن كان أحد مدعوًا أخًا زانيًا أو طماعًا أو عابد وثنٍ أو شتامًا أو سكيرًا أو خاطفًا أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا" (1 كو 5: 10-11). بهذا ما ورد في الرسالة الأولى بين أيدينا هو توضيح ما ورد في الرسالة السابقة لها المفقودة.

هكذا في مكدونية كتب الرسالة الثالثة لأهل كورنثوس والتي نحسبها الثانية وذلك في خريف 57م. وفي شتاء 58 كتب رسالته إلى أهل رومية.

غادر بولس الرسول أفسس بعد يوم الخمسين، أي في ربيع سنة 57م متجها إلى الشمال. "وودعهم (في أفسس) وخرج ليذهب إلى مكدونية (برا)، ولما كان قد اجتاز في تلك النواحي ووعظهم بكلام كثير جاء إلى هلاس فصرف ثلاث أشهر" [1-3].

هنا قدم لنا القديس لوقا وصفًا مختصرًا للغاية، جاءت رسائل القديس بولس تكشف عن تفاصيل دقيقة لم ترد في سفر الأعمال، منها أنه إذ ترك أفسس انطلق الرسول إلى الشمال متنقلاً من مدينة إلى مدينة، ومن جزيرة إلى جزيرة حتى جاء إلى ترواس. غالبًا ما كان في رفقته اثنان من أفسس هما تيخكس وتروفيموس، رافقاه في الذهاب والعودة ومعهما إخوة آخرون.

إذ هدأ الشغب الذي أثاره ديمتريوس وصائغي الفضة (أع 19 :40-41) حسب إن ما حدث هو إشارة من قبل نعمة الله أن يتحرك للخدمة في موضع آخر. خروجه من أفسس يهدئ من ثورة مقاوميه، ويعطى الكنيسة هناك جوًا من السلام.

يرى البعض أنه كتب رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس قبل خروجه حيث جاء فيها: "حاربت وحوشًا في أفسس"، مشيرًا بهذا إلى الشغب الذي حدث. وإن كان البعض يرى أنه بالفعل أُلقي في وسط وحوش جائعة والرب أنقذه.

لم يترك أفسس فجأة كمن هو خائف، بل في هدوءٍ دعاهم وودعهم بقبلة الحب كما كانت العادة في الكنيسة الأولى.

انطلق إلى الكنائس اليونانية التي قام بإنشائها لكي يسقي ما قد سبق فغرسه، مبتدأ بالكنيسة في كورنثوس كما كانت نيته قبل حدوث الشغب (أع 19: 21).

سجل لنا الرسول بولس تركه أفسس في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس. عندما وصل إلى ترواس وجد فرصة عظيمة للكرازة بالإنجيل، لكنه كان مغتمًا بالاضطرابات والانشقاقات التي كانت في كورنثوس، وكان الرسول قد بعث بتيطس إلى كورنثوس ليعالج هذه المشاكل الخطيرة بين المؤمنين هناك، وكان يتوقع اللقاء معه في ترواس. لم يستطع أن يصل إلى ترواس فتثقل قلب الرسول بولس وترك ترواس واتجه إلى مكدونية ليلتقي بمعينه (2 كو 12- 13). أخيرا جاء تيطس من كورنثوس يحمل أخبار طيبة عن تحسن الأحوال في الكنيسة (كو 7: 5-16). عندئذ كتب الرسول رسالته الثانية وبعث بها مع تيطس وأخ آخر (2 كو 8: 17-19) وذلك قبل ذهابه إلى كورنثوس.

"ولمّا كان قد اجتاز في تلك النواحي، ووعظهم بكلامٍ كثيرٍ جاء إلى هلاس". [2]

من هناك قام بزيارة فيلبي وتسالونيكي، وكان يهتم بوعظهم والكرازة بينهم دون أن يقيد نفسه بزمنٍ معينٍ.

لم يسجل لنا القديس لوقا أنشطة الرسول بولس في هذه المناطق مكتفيًا بالعبارة التي بين أيدينا، وقد بقي ثلاثة شهور يفتقد الكنائس ويكرز في اليونان أو أخائية. هناك كتب رسالته إلى أهل رومية، فيها يعلن لهم عن رغبته في الذهاب إلى أورشليم، ومن هناك يذهب إلى روما (رو 15: 22- 29). ولعل الرسول لم يكن يعلم أنه سينطلق من أورشليم إلى روما أسيرًا من أجل الرب.

لم يذكر لوقا البشير غاية ذهاب الرسول إلى أورشليم، وهو أن يقدم ما جمعه بسخاء من مكدونية وآخائية لمساعدة فقراء أورشليم (رو15: 25- 27؛ 2 كو 8: 1-9).

"اجتاز في تلك النواحي"
في مكدونية وما حولها. ربما ذهب إلى مكدونية خلال ترواس حيث توقع وجود تيطس (2 كو 2: 12)، وإذ لم يجده ذهب إلى فيلبي وتسالونيكي الخ. ثم عاد إلى اليونان.

- لاحظوا كيف أنه في كل موضع يحقق كل وسائل الكرازة بدون معجزات.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فصرف ثلاثة أشهر، ثم إذ حصلت مكيدة من اليهود عليه، وهو مزمع أن يصعد إلى سورية، صار رأي أن يرجع على طريق مكدونية". [3]

لم يسجل لنا القديس لوقا ما هي هذه المكيدة التي وضعت ضد بولس. يرى البعض أنها كانت هجومًا على السفينة أو القبض عليه داخل السفينة، لهذا قرر السفر برًا، وكان ذلك في صالح كنائس مكدونية حيث تمتعت بزيارة أخرى للرسول.

"مزمع أن يصعد إلى سوريا" في إنطاكية وذلك في طريقه إلى أورشليم.

2. ذهابه إلى تراوس

"فرافقه إلى آسيا سوباترس البيري، ومن أهل تسالونيكي أرسترخس وسكوندس وغايوس الدربي وتيموثاوس، ومن أهل آسيا تيخيكس وتروفيمس". [4]

أورد أسماء العاملين في كرم الرب المرافقين له في رحلته، غالبًا ما كانوا من تلاميذه.

سوباترس البيري: غالبًا ما يكون هو سوسباتير الوارد في رو 16: 21، الذي دعاه نسيبه.

تيموثاوس: كان من بين مرافقيه، مع أنه تركه في أفسس حين تركها الرسول، وبعد ذلك كتب له رسالته الأولى لتوجيهه للعمل ليس في أفسس فقط، بل وفي مناطق أخرى. بعد ذلك جاءه تيموثاوس ورافقه.

تروفيموس: من أفسس (أع20: 29). عندما كتب الرسول رسالته الثانية إلى تيموثاوس كان في مريضًا (2 تي 4: 20).

تيخيكس: موضع ثقة الرسول بولس ومحبته الشديدة دعاه في رسالته إلى أهل أفسس الأخ المحبوب والخادم الأمين في الرب (أف 6: 21-22).


لماذا كان يسير القديس بولس وفي رفقته كثير من تلاميذه العاملين في الكرم؟

1. كان يقوم هو بالكرازة بالكلمة، وإذ يقبل أحد الإيمان يسلمه لأحد التلاميذ لكي يهتم بتعليمه وتدريبه على الحياة الإيمانية المقدسة.

2. حيثما حلّ الرسول للخدمة كان عدو الخير يثير متاعب كثيرة في الداخل ومن الخارج. لهذا كثيرًا ما يحتاج الأمر إلى هؤلاء الخدام للعمل الداخلي، حتى لا ترتبك الكنيسة بالثورات ضد الرسول بولس.

3. كانوا يرافقوه كتلاميذ يتدربون على يديه على الكرازة، ويتهيأوا للخدمة بذات المنهج.

4. يرى البعض أنه إذ كان ضعيفًا في الجسد بسبب مرضٍ أو آخر، فقد كان تلاميذه سندًا له أثناء أسفاره الكثيرة.




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 20 جـ2 PDF Print Email

"هؤلاء سبقوا وانتظرونا في ترواس". [5]

سبقه أصدقاؤه ليلتقوا معه في ترواس، ويرافقه بعضهم، مثل تروفيموس، كل الرحلة حتى أورشليم (أع 21: 19).

هنا يعود القديس لوقا فيقول "نحن"، وقد استمر هكذا حتى أع 20: 15 ليبدأ من جديد في أع 21: 1، مما يدل على أن الكاتب بقي في فيلبي في رحلة بولس الرسول الثانية التبشيرية (أع 16: 16)، وها هو يلتحق بالقديس بولس في فيلبي في بيت ليدية ويبقى معه حتى يبلغ أورشليم.

بقية مجموعة الأصدقاء سبقوا الرسول حتى ترواس. بقى الرسول في فيلبي يحفظ أسبوع الفطير، وبعد ذلك أبحر مع لوقا البشير إلى ترواس ليلتقيا مع الأصدقاء، وإن كان البعض يرون أنه يذكر هنا التوقيت لكن ليس بالضرورة قام بحفظ العيد.

يرى البعض أن الذين سبقوا هم تيخيكوس وتروفيموس وحدهما.

"وأمّا نحن فسافرنا في البحر بعد أيام الفطير من فيلبي، ووافيْناهم في خمسة أيام إلى ترواس، حيث صرفنا سبعة أيام". [6]

لقد عبروا بحر الأيجيني، وقد أخذت هذه الرحلة قبلاً يومين فقط (أع 16: 11-12)، فالسفر بالبحر غير مضمون لهذا قضى هنا خمسة أيام، لأن الريح ربما كانت غير مواتية.

ما كان يشغل ذهن الرسول بولس في أيام الفطير أن السيد المسيح هو فصحنا الذي ذُبح لأجلنا، والحياة المسيحية هي عيد الفطير الجديد (1 كو 5: 7-8)، فقد جاء الحق ليحل محل الظل.

في ترواس: نقطة الانطلاق الأولى من آسيا إلى أوربا، حيث ظهر للرسول بولس رجل مكدوني في رؤيا يتوسل إليه: "أعبر إلينا وأعنا" (أع 16: 9) وذلك في رحلته التبشيرية الثانية.

لم يتوقف الرسول كثيرًا في هذه المدينة في الرحلة الثانية، لكنه صمم في هذه الرحلة الثالثة أن يمكث فيها زمانًا ليؤسس خدمة ثابتة للمسيح وللإنجيل. "ولكن لما جئت إلى ترواس لأجل إنجيل المسيح، وانفتح لي باب في الرب، لم تكن لي راحة في روحي، لأني لم أجد تيطس أخي، لكن ودعتهم، فخرجت إلى مكدونية " (2 كو 2: 12، 13).

3. أقامة أفتيخوس الشاب

"وفي أول الأسبوع إذ كان التلاميذ مجتمعين ليكسروا خبزًا، خاطبهم بولس وهو مزمع أن يمضي في الغد، وأطال الكلام إلى نصف الليل". [7]

إذ كان الرسول مزمعًا أن يغادر المدينة في اليوم التالي بقي يعد للاحتفال بسرّ الإفخارستيا (كسر الخبز) يتحدث معهم إلى ساعات طويلة حتى منتصف الليل من فجر الأحد.

كانت الكنيسة الأولى تقدس يوم الرب "الأحد" (1 كو 16: 2؛ رؤ 1: 10). هنا إشارة صريحة لتقديس يوم الأحد كيوم الرب في عصر الرسل، فيه تتم خدمة الكلمة والعبادة الجماعية بالاحتفال بسرّ الإفخارستيا. هذا ربما بجانب مشاركة بعض المسيحيين الذين من أصل يهودي اخوتهم اليهود العبادة يوم السبت في الهيكل في أورشليم بكونه الرمز ليوم الرب، حيث تذكار قيامة السيد المسيح وحلول الروح القدس على التلاميذ.

استمرت العظة حتى منتصف الليل، وذلك لأن الرسول كان يستعد للسفر، وكان الكل مشتاقًا إلى كلمة الله. وكأن كلمات الوداع للرسول هي تقديم كلمة الله كمصدر خلاص وتعزية له ولهم.

لا تفصل الكنيسة بين العبادة والاستماع إلى الكلمة، سواء خلال القراءات الروحية أو كلمة الوعظ. فالقراءات وكلمة الوعظ هي جزء لا يتجزأ من العبادة، وغاية العبادة التمتع بكلمة الله، واستنارة الذهن والقلب ليتقبل المؤمن أسرار الكلمة ويعيشها.

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم وصفًا رائعًا للموقف كيف كان البيت مملوءً بالمصابيح، وقد وقف الرسول بولس في المنتصف، بينما امتلأ الموضع حتى جلس البعض في الطاقات. وأنه كان يحدثهم إلى منتصف الليل والكل ينصت باشتياق إليه. أما علة سهره هكذا فإنه كان يعلم أنهم لا يعودوا يرونه بعد، وأنه لم يقل هذا لهم بسبب ضعفهم حتى لا يخور. أما هذا الشاب فهو يوبخنا، لأنه كان يقاوم الطبيعة وهو يبذل كل الجهد باشتياق للاستماع للرسول بولس حتى منتصف الليل.

"وكانت مصابيح كثيرة في العُليّة التي كانوا مجتمعين فيها". [8]

كانوا يجتمعون في العلية لسماع كلمة الوعظ والتمتع بسر الإفخارستيا، أما تأكيد "كانت مصابيح الكثيرة"، فليس بدون معنى، لأن الكنيسة منذ عصر الرسل كانت تهتم بالأنوار، لأنها تدعو للحياة في النور.

"وكان شاب اسمه أفتيخوس جالسًا في الطاقة متثقلاً بنوم عميق، وإذ كان بولس يخاطب خطابًا طويلاً غلب عليه النوم، فسقط من الطبقة الثالثة إلى أسفل وحُمل ميتًا". [9]

افتيخوس، معناها "سعيد الحظ". يلومه بعض الدارسين أنه كان جالسًا في الطاقة، فلو أنه كان جالسًا أرضًا لما سقط، وكان قد بقي في أمان. لكن ربما كان له عذره في هذا فقد ازدحمت العلية بالحاضرين، ولم يكن يوجد موضع له ان يجلس أرضًا. أما تثقله بالنوم العميق فلا يعني عدم مبالاته بما يقوله الرسول، لكنه تثقل بضعف الطبيعة البشرية، فكان يقاوم فغفل في لحظات في نوم عميق.

لعل عدو الخير أراد أن يسبب اضطرابًا بسقوط هذا الشاب ميتًا، لكن الله بعنايته الفائقة حول الأمر لمجده وبنيان الكنيسة.

- الأمر المدهش أنه وهو شاب لم يكن متوانٍ ولا غير مبالٍ، ومع أنه شعر بأنه مثقل بالنوم لم يترك الموضع، ولا خشي أن يسقط. لقد نعس ليس عن توانٍ، إنما بسبب ضرورة الطبيعة. أسألكم أن تلاحظوا كيف كانوا ملتهبين بالغيرة حتى اجتمعوا في الدور الثالث إذ لم يكن لهم كنيسة بعد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فنزل بولس ووقع عليه، واعتنقه قائلاً: لا تضطربوا لأن نفسه فيه". [10]

"وقع عليه"، ربما تمدد عليه كما فعل أليشع مع ابن الشونمية (2 مل 4: 33- 35)، وهي علامة حنو شديد ورغبة حارة في إعادته للحياة.

- يقول: "لا تضطربوا". لم يقل: "إنه سيقوم إلى الحياة لأني سأقيمه"، بل لاحظوا تواضعه وهو يريحهم، قائلاً: "لأن نفسه فيه".

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ثم صعد وكسر خبزًا وأكل، وتكلّم كثيرًا إلى الفجر، وهكذا خرج". [11]

صعد بولس إلى العلية، وقدم له طعامًا، وليس الإفخارستيا، ثم عاد الرسل ليكمل أحاديثه، ربما تحول الموقف من مجموعة عظات يقدمها الرسل إلى حوارٍ مشترك. بلا شك أن إقامة الشاب قد خلقت جوًا أعظم من الود، وفرصة لأحاديث وأسئلة حول الحياة الإيمانية الحية.

"وأتوا بالفتى حيًّا، وتعزّوا تعزية ليست بقليلة". [12]

بعد انقضاء هذه السهرة الممتعة حتى الفجر جاء كل من الحاضرين يهنئون الشاب على إقامته من الموت. هذا وقد تثبت إيمان الكثيرين بسبب هذه المعجزة.


4. ذهابه إلى ميليتس

"وأمّا نحن فسبقنا إلى السفينة، وأقلعنا إلى آسوس، مزمعين أن نأخذ بولس من هناك، لأنه كان قد رتّب هكذا مزمعًا أن يمشي". [13]

"آسوس": كانت توجد بلاد كثيرة تحمل هذا الاسم، مدينة في ليسيا، وأخري في إقليم أيولس، وثالثة في ميسيا، ورابعة في ليديا، وخامسة في ابريس هنا غالبًا ما يقصد المدينة الأخيرة، وهي ما بين ترواس وميتليني. تبعد 20 ميلاً برًا من ترواس بينما إن أخذت بحرًا فتكون المسافة مضاعفة، لذلك فضّل الرسول أن يذهب إليها على الأقدام. كثيرًا ما كان الرسول يفضل السفر على الأقدام إن أمكن ذلك.

يبرر البعض ذهابه مشيًا مع ترك رفاقه أن يذهبوا بحرًا، أنه مع محبته العظيمة لأصدقائه، لكنه بين الحين والآخر يفضل السير وحده ليختلي مع الله. آخرون يرون أنه في محبته لرفاقه كان يختار لهم الطريق السهل المريح، بينما يختار لنفسه الطريق الشاق، ليمارس نوعًا من الإماتة وبذل الذات، مخضعًا جسده للآلام كشركة مع آلام السيد المسيح.

تحت إلحاح المسئولين في ترواس آثر بولس الرسول أن يمكث معهم بضع ساعات زيادة عن إن تنتظره المركب في آسوس. لهذا تخلف عن السفينة، وأخذ طريق البر إلى آسوس. وهناك التقى مع الذين سافروا بحرًا إلى اسوس، وذهب معهم جنوبًا تجاه جزيرة لسبوس ومدينتها ميتليني توقفوا في ميناء الجزيرة، ثم ساروا بأرجلهم حتى وصلوا إلى ميتليني، ثم عادوا وأبحروا من ميتليني في سفينة أخرى.

ظن بعض الدارسين في الرسول بولس أنه لم يكن دقيقًا في حساباته، إذ قيل: "كان يسرع حتى إذا أمكنه يكون في أورشليم في يوم الخمسين". لكن البعض يرى أنه كان في غاية الدقة في حساباته، وأنه نجح في تحقيق وعده، حيث بدأ رحلته من فيلبي بعد أيام الفطير ليبلغ إلى أورشليم في يوم الخمسين. فالمدة كلها من الفصح إلى يوم الخمسين هي 49 يومًا قضاها هكذا:

- أيام الفطير السبعة بعد عيد الفصح، قضاها في فيلبي (أع 20: 6).

- خمسة أيام استغرقتها الرحلة إلى ترواس، لأن الريح كانت مواتية (أع 20: 6).

- سبعة أيام في ترواس (أع 20-6).

- أربعة أيام في جزيرة خيوس Chios إلي ميليتس Miletus (أع 20: 13-15).

- يومان في ميليتس في وداع مع قسوس كنائس أفسس (أع 20: 17).

- ثلاثة أيام استغرقتها الرحلة إلى باترا Patra مارا بكوس Cos ورودس Rhodes (أع 21: 1).

- يومان من باترا إلى صور (أع 21: 203).

- ستة أيام بقي في صور (أع 21: 4).

- يومان من بتولمايس إلى قيصرية (أع 21: 7-8).

مجموع هذه الأيام 37 يومًا، يتبقى 12 يومًا كاحتياطي للتحركات حيث كانت المواصلات في ذلك الحين لا يُمكن ضبط مواعيدها.

- غالبًا ما نجد بولس منفصلاً عن تلاميذه. فقد رتب هكذا مزمعًا أن يمشي، تاركًا تلاميذه يسلكون الطريق الأسهل، ويختار لنفسه الطريق الشاق. سار ماشيًا لكي يدبر أمورًا كثيرة، وفي نفس الوقت ليعطي تلاميذه فرصته للتدرب على احتمال انفصالهم عنه.

القديس يوحنا الذهبي الفم




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 20 جـ3 PDF Print Email

"فلما وافانا إلى آسوس أخذناه، وأتينا إلى ميتيليني". [14]

ميتيليني: عاصمة جزيرة ليسبوس تتميز بجمال موقعها ومبانيها الشاهقة الفخمة. جزيرة لسبوس من أكبر الجزائر التي في بحر ايجيني، والسابعة بين جزائر البحر المتوسط ويبلغ محيطها 168 ميلاً. اسم المدينة حاليا كاسترو.

"ثم سافرنا من هناك في البحر، وأقبلنا في الغد إلى مقابل خيوس، وفي اليوم الآخر وصلنا إلى ساموس، وأقمنا في تروجيليون، ثم في اليوم التالي جئنا إلى ميليتس". [15]

خيوس: تدعى أيضا كوس، وهي جزيرة بين مجموعة جزر، بين ليسبوس وساموس، على ساحل آسيا الصغرى، تُدعى حاليًا سكوي. عُرفت إلى وقت طويل بالمذبحة الرهيبة التي ارتكبها الأتراك عام 1823 حيث قتل غالبًا كل سكانها.

ساموس: هي أيضا جزيرة بين مجموعة جزر، تقع على ساحل ليديا، وقد عرفت هذه الجزائر قديمًا بالخمور بطريقة فائقة.

تروجيليون: اسم مدينة ونتوء في أيونيا بآسيا الصغرى، بين أفسس وفم نهر ميندر، مقابل ساموس.

مليتس: تدعى أيضا ميلتيرن وهي مدينة وميناء بحرى، عاصمة ايونيا القديمة. في الأصل تتكون من كولونية الكريتيين. صارت قوية للغاية، وكانت تبعث كولونية لعدد كبير من المدن على بحر ايوكسين تميزت بمعبدها الضخم للإله أبوللو. يدعوها الأتراك حاليا ميلاس. وهي مسقط رأس تاليس أحد حكماء اليونان السبعة، تبعد ما بين 40 و50 ميلاً من أفسس.

"لأن بولس عزم أن يتجاوز أفسس في البحر، لئلاّ يعرض له أن يصرف وقتًا في آسيا، لأنه كان يسرع حتى إذا أمكنه يكون في أورشليم في يوم الخمسين". [16]

اجتياز أفسس، لأنه لو ذهب إليها لتأخر في رحلته، فلا يقدر أن يصل إلى أورشليم في يوم الخمسين. من الصعب أن يقاوم إلحاح أحبائه في أفسس ان يبقى معهم، لهذا تجاوز المدينة.

- لماذا هذه السرعة؟ ليس من أجل العيد، وإنما من أجل الجموع. وفي نفس الوقت بتصرفه هذا استمال اليهود كشخصٍ يكرم الأعياد، راغبًا في كسب حتى المقاومين له، وفي نفس الوقت يقدم الكلمة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

4. خطابه الوداعي

"ومن ميليتس أرسل إلى أفسس واستدعى قسوس الكنيسة". [17]

استدعى الرسول بولس وجهاء اليهود بروما ليوضح لهم الموقف أنه لم يأت إلى روما ليشتكي أمته أو رؤساء الكهنة أو مجمع السنهدرين (أع 28: 17-19)، حتى لا يظنوا فيه أنه خائن لبلده أو دينه. واستدعى قسوس كنائس أفسس، وقد قطعوا رحلة لا تقل عن 20 ميلاً ليذكرهم برسالتهم الرعوية: "لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أع 20: 28)، مقدمًا نفسه مثلاً عمليًا في الرعاية.

- طبق كلمة "أساقفة" على الكهنة (القسوس)، فقد كانوا في ذلك الوقت يستخدمون كلا الاسمين... وواضح انه استخدم هذا الافتراض هنا أيضًا (في 1: 1)، إذ يضم الشمامسة إلى الأساقفة دون إشارة إلى القسوس. علاوة على هذا فإنه ليس من المحتمل وجود أساقفة كثيرين على مدينة واحدة، لهذا فمن الواضح أنه يدعو هنا القسوس أساقفة. وفي نفس الرسالة يدعو الطوباوي أبفرودتس " رسولكم" (في 2: 25)... بهذا يشير بوضوح انه قد أودع إليه العمل الرسولي إذ أخذ اسم "رسول".

الأب ثيؤدورت أسقف كورش

"فلما جاءوا إليه قال لهم: أنتم تعلمون من أول يوم دخلت آسيا، كيف كنت معكم كل الزمان". [18]

جاء حديثه يحمل روح الأبوة الحانية، يكشف لهم عن حياته وتعاليمه. يذكرهم بكيفية سلوكه حين كان في وسطهم. فقد عاش بينهم لمدة ثلاث سنوات (أع 20: 30)، وحتمًا لمسوا فيه حياته التي كرسها للإنجيل، وإيمانه الحي وإخلاصه في محبته لله ولهم. ليس من شهادة عن قدسية حياتهم سوى احتكاكهم معه عمليًا، واحتكاك البلاد القريبة منهم (في آسيا) معه.

"كل الزمان"، لم يسلك في وقتٍ ما بطريقة، ووقت آخر بطريقة أخرى، إنما كل زمان حياته تشع ببهاء عمل الله فيه.

"اخدم الرب بكل تواضع ودموع كثيرة، وبتجارب أصابتني بمكايد اليهود". [19]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول في خطابه هذا لقسوس الكنيسة يستعرض أمرين هامين: الحب والثبات أو الجلدْ. وأن ما قدمه لم يكن بروح الافتخار، وإنما لكي يعلم الكهنة أن يتمثلوا به في خدمته.

أسلوبه في الخدمة أنه يخدم الرب لا الناس، ما يشغله هو مجد الله وبنيان كنيسته وتأسيس ملكوته في قلب كل إنسان. لا يداهن ولا يجامل على حساب خلاص النفوس، وفي نفس الوقت لا يخدم في اعتدادٍ بنفسه، بل يخدم "بكل تواضعٍ ودموعٍ كثيرةٍ وبتجاربٍ". إنه يشارك سيده تواضعه واحتماله التجارب والآلام من أجل محبته للبشرية.

كثيرًا ما يشير الرسول إلى حنو قلبه الذي يعبر عنه بغزارة دموعه من أجل الكثيرين (في 3: 18).

أينما وًجد كان كثير من اليهود يخططون بمكائد لقتله بوسيلة أو أخرى. وقد جاء سفر الأعمال يقدم أمثلة لمقاومة اليهود له، ومحاولة قتله مرات ومرات.

"كيف لم أؤخر شيئًا من الفوائد إلا وأخبرتكم، وعلمتكم به جهرًا، وفي كل بيت". [20]

لم يكف عن أن يقدم كل ما فيه نفع لهم، فهو مخلص في محبته وسعيه لسعادتهم في الرب، والتمتع بالمجد الداخلي. لم يخدم عن تعصبٍ، ولا عن زيادة عدد، ولا لافتخارٍ بالنجاح، وإنما في أبوة يطلب ما هو لبنيان بنيه. هذا هو غاية الإنجيل، فالكتاب كله نافع (2 تي 3: 16).

"أخبرتكم"، جاءت الكلمة اليونانية لتعني إعلانها في اجتماعات عامة أو بطريقة علنية، فما يكرز به في الاجتماعات يعلنه في كل بيت.

في زيارته لكل بيت ليس له غاية سوى نشر كلمة الله. العجيب أنه كان وهو رسول الأمم على مستوى العالم، يتنقل من دولة إلى دولة، ومن مدينة إلى مدينة، فإنه أينما أتيحت له الفرصة يفتقد البيوت، لا للمجاملات ولا للأحاديث عن أخبار العالم أو حتى أخبار الكنيسة إداريًا، بل نشر كلمة الخلاص. بهذا استطاع القول: "إني برئ من دم الجميع" [26].

"شاهدًا لليهود واليونانيين بالتوبة إلى اللَّه، والإيمان الذي بربنا يسوع المسيح". [21]

أمران يشغلان فكر الرسول بولس وقلبه، وهما التوبة والإيمان. فيشهد بإيمانه بالسيد المسيح أمام كل يهودي أو أممي (يوناني)، أي أمام كل البشرية، أما عن التوبة فهي العودة "إلى الله" لأن الخطية في الواقع موجهة ضد الله القدوس الذي بلا خطية فتسحب الإنسان من الحضرة الإلهية، وتحرمه من القادر وحده على مغفرة الخطايا.

"والآن ها أنا أذهب إلى أورشليم مقيدًا بالروح، لا أعلم ماذا يصادفني هناك". [22]

كان الرسول بولس ذاهبًا إلى أورشليم حسب التدبير الإلهي، لذا يقول: "مقيدًا بالروح"، فمع معرفته بأن شدائد وضيقات تنتظره، لكنه لا يعلم ما هي، إلا أنه يذهب بتوجيه الروح القدس له. فهو لا يُلقي بنفسه وسط التجارب بإرادته الذاتية أو عن اعتداد بذاته أو بحكمته أو قدرته. ولم يذهب شوقًا لرؤية مدينة آبائه، أورشليم، ولا للعبادة في الهيكل اليهودي، إنما كمن يقيده الروح، ويسحبه إلى أورشليم، وفي مسرة يسلك حسب توجيه الروح القدس له، مهما تكن النتائج.

إنه منطلق من آسيا ليس هروبًا من التجارب والمتاعب التي أثارها الكثيرون، إنما هو عابر إلى طريق مملوء أيضًا بالتجارب، يدخل إلى معركة أعنف وأشد.

ذهابه إلى أورشليم ليس مقيدًا بالجسد، فإنه ليس له أي احتياج جسدي للذهاب، لكنه مقيد بروح الرب.

كل ما يعرفه أن عواصف شديدة سيجتازها في أورشليم، لكن رب العالم كله حاضر، قادر أن يحول العواصف لمجد اسمه وبنيان الكنيسة.

"غير أن الروح القدس يشهد في كل مدينة قائلاً: أن وُثقًا وشدائد تنتظرني". [23]

يشهد الروح القدس سواء بالإعلان المباشر له أو نبوات التي يسمعها من أناسٍ لهم موهبة النبوة كما جاء في أع 21: 11، أنه سيقيد ويدخل في شدائد لا يعلم تفاصيلها، وقد أعلن الروح هذا لا في مدينة واحدة، بل في مدن كثيرة.

"ولكنني لست احتسب لشيء، ولا نفسي ثمينة عندي، حتى أُتمّم بفرح سعيي، والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع، لأشهد ببشارة نعمة اللَّه". [24]

ليس شيء من كل هذه الشدائد يمكن أن تنزع عن الرسول بولس فرحه الذي يرافقه عبر كل جهاده، حاسبًا أن حياته الزمنية بلا قيمة. يقدمها ذبيحة حب لله. كل ما يشغله أن يحقق هدفه، ويتمم خدمته التى تسلمها من الرب نفسه (غل1: 12) شاهدًا ببشارة نعمة الله.

يحسب الرسول نفسه في كمن في سباق جري (2 تي4: 7؛ عب 12: 1؛1 كو 9: 24؛ أع 13: 25). ما يشغله في جهاده أن يحتفظ بفرحه في الرب حتى آخر نسمة من نسمات حياته، " أتمم بفرحٍ سعيي".

هنا يكشف لهم الرسول بولس عن نظرته للخدمة:

1. لا قيمة للحياة الزمنية أمام بلوغ الإنسان هدفه نحو خلاص نفسه وخلاص إخوته.

2. الخدمة سباق، لا يتوقف الخادم عن الركوض حتى يتسلم من يد الرب إكليل النصرة.

3. يتسم الخادم بالفرح الدائم وسط جهاده، حتى في مواجهته للموت.

4. إدراك أن الخدمة هي دعوة من الله شخصيًا.

5. عمل الخادم الشهادة المفرحة بنعمة الله التي تعمل بسخاء.




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 20 جـ4 PDF Print Email
- انظروا فإنه إذ يطرد طاغية الموت يتغلب حتى على قوة الشيطان، فإن ذاك الذي تعلم أن يدرس حقائق لا حصر لها بخصوص القيامة كيف يخشى الموت؟... لهذا لا تحزنوا قائلين: لماذا نتألم هكذا أو كذلك فإنه بهذا تكون النصرة اكثر مجدا.

- لا تظنوا إني أقول هذا لأحزنهم، فإن حياتي ليست ثمينة عندي. قال هذا لكي يرفع أذهانهم ويحثهم ليس فقط ألا يهربوا، بل أن يحتملوا الآلام بنبلٍ. لهذا يدعوها "سعي" و"خدمة". فمن جانب يظهر أنها مجيدة بكونها سباقًا، ومن الجانب الآخر فهي التزام بكونها خدمة، فإني خادم ليس إلا.

- تألّم بولس من أجل المسيح لا لينال الملكوت، ولا لنوال أيّة كرامة، ولكن من أجل محبّته العظيمة للسيّد. أمّا نحن فلا ننسحب من أمور هذه الحياة لأجل بالمسيح... بل مثل حيّات أو الخنازير نبقى نسحب أمور هذا العالم معنا كما في وحلٍ... مع أن اللَّه بذل ابنه لأجلكم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- جحد بولس ذاته عندما عرف أن قيودًا وضيقات تنتظره في أورشليم، وبإرادته قدم نفسه للخطر.

القديس أمبروسيوس

"والآن ها أنا أعلم أنكم لا ترون وجهي أيضًا، أنتم جميعًا الذين مررت بينكم كارزًا بملكوت اللَّه". [25]

أعلن الرسول بولس أن هذا اللقاء هو لقاء وداعي، فإنهم لن يروا وجهه بعد في هذا العالم. لن يعود إلى أفسس، إنما ستلحق به المخاطر في أورشليم، وتنتظره الشدائد، وسيذهب إلى روما، وأيضًا إلى مدن أخرى مثل أسبانيا.

يصعب التعبير عن مشاعر الرسول وهو يودعهم مدركًا أنه لا يراهم بعد، لكن ما يشغله أنه كرز بينهم بملكوت الله الذي يضم الجميع، ولا يقدر الموت أن يفصل بينهم.

"لذلك أُشهدكم اليوم هذا أني بريء من دم الجميع". [26]

يشهد الرسول بولس أنه كان مخلصًا في خدمته لهم، ولم يقصر في حق أحدٍ منهم، بل ويأخذهم هم أنفسهم شهودًا في يوم الدينونة على أمانته وإخلاصه. فإن هلك أحد منهم، فهو بريء أمام الله.

"برئ من دم الجميع": يشير الدم هنا إلى الهلاك الأبدي الذي أشبه بسفك الدم، والموت البشع، فلا لوم عليه. إنه بريء من هلاك أي يهودي أو أممي. فليس من خطأ أو إهمال من جانبه.

1. "إني بريء من دم الجميع". هذا القول يناسب بولس ويليق به، لكننا لسنا نجسر نحن أن نقوله إذ ندرك أخطاءنا الكثيرة. فبالنسبة له هذا الدائم السهر، مستعد دائمًا، يحتمل كل شيء من أجل خلاص تلاميذه، لهذا فالقول هنا لائق ومناسب له. أما نحن فنقول مع موسى: "الرب غضب عليّ بسببكم" (تث 3: 26)، لأنكم تقودونا في خطايا كثيرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأني لم أؤخر أن أخبركم بكل مشورة اللَّه". [27]

لم يمتنع عن تقديم مشورة الله وإرادته التي تطلب خلاص الجميع. لم يعقه خوف من أحدٍ، ولا مداهنة لأحدٍ. كان الإنجيل بالنسبة له مفتوحًا، يقدمه كما هو للجميع، لا يخشى الاضطهادات، ولا يطلب أمجاد زمنية وكرامات. لم يخفِ شيئًا من الحق، بل قدمه بكل صراحة بغير تزييف، في بساطة ووضوح دون فلسفة بشرية.

يقدم الرسول نفسه مثلاً كخادمٍ للسيد المسيح أنه لا يتوقف عن التعليم.

- ليس أحد في الكنيسة, حتى الشخص القديس أن يدعو نفسه راعيًا ما لم يكن قادرًا على تعليم من يرعاهم.

القديس جيروم

"احترزوا إذا لأنفسكم ولجميع الرعية، التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة، لترعوا كنيسة اللَّه التي اقتناها بدمه". [28]

يحذرهم الرسول من المخاطر التي سيتعرضون لها مما قد تسبب لهم ولرعية لمسيح دمارًا.

"لأنفسكم": فالخادم حتى الأسقف يلزمهم أن يكون حذرًا على خلاص نفسه (كو 4: 17؛ 1 تي 4: 14). يتعرض الأسقف للتجارب أكثر من الشعب، لأن عدو الخير يبذل كل الجهد ليدمره فيدمر الرعية.

"ولجميع الرعية": الأسقف ملتزم بكل نفسٍ، يعطي عنها حسابًا أمام الله. لا يكف عن أن ينصح ويعلم ويقود ويحمى كل إنسان من ضربات العدو القاتلة. لا يطلب الراعي ما لنفسه، أي ما هو لحياته الزمنية، بل يبذل ذاته عن الخراف، مقتديًا بالراعي الصالح.

لئلا يضطرب الأساقفة، لأنه من يقدر أن يخدم كل فرد في الرعية أكد لهم أن الروح القدس هو الذي أقامهم، وأن الكنيسة هو كنيسة الله الآب، وأن الابن المتجسد اقتناها بدمه. فالثالوث القدوس، الله القدير محب البشر، هو سند للراعي الجاد في حبه والمخلص في خدمته.

لقد دعاهم الله وأقامهم الروح القدس للخدمة والرعاية. هذا الفكر "دعوة الله للناس" كان يشغل قلب الرسول بولس، لم يفارقه. يرى العلامة أوريجينوس أن كل مؤمن يلزمه أن ينشغل بدعوة الله في دورٍ خاص به لبنيان الكنيسة. [يُقال أن بولس مدعو رسولاً، وأهل رومية مدعون، وإن كانوا ليسوا رسلاً. بالأحرى مدعوون أن يكونوا قديسين في الطاعة للإيمان. وقد تحدثنا فعلاً عن أنواعٍ مختلفة للدعوة.]

"أساقفة": في هذا الحديث يدعوهم تارة شيوخًا وأخرى قسوسًا (كهنة)، ثم اساقفة. فمن جهة السن هم شيوخ، ومن جهة دورهم للعمل هم كهنة العلي، ومن جهة الرتبة "أساقفة".

جاء تعبير "كنيسة الله" هنا في كثير من المخطوطات، خاصة السريانية "كنيسة الرب"، فقد اشتراها الرب بثمنٍ (1 كو 6: 20؛ 7: 23؛ 2 بط 2: 1).

- ها أنتم ترون إنه يدعو الأمور التي للروح إنها للابن، وما للابن للروح. النعمة والرسولية ليست بالأمور التي ننالها من أجل أنفسنا، فنصير رسلاً. فإنه ليس بالأتعاب الكثيرة والجهاد ننال هذه الكرامة المخصصة لنا، إنما النعمة والنجاح الذي يتحقق هو عطية سماوية.

- "احترزوا لأنفسكم"؛ قال هذا ليس لأن خلاصنا أثمن من خلاص الرعية، وإنما لأنه عندما نحترز لأنفسنا تصير الرعية رابحة.

- الأمر خطير للغاية، فإنه يمس "كنيسة الرب"، الخطر عظيم لأنه يخص الدم الذي به يخلص. الحرب عنيفة ومزدوجة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أنتِ لستِ مِلكًا للذين أنجباك، وإنما مِلك ذاك الذي يلدكِ من جديد ويقتنيكِ بثمنٍ عظيمٍ، هو دمه!

القديس جيروم

- بيع، وكان الثمن زهيدًا، ثلاثين من الفضة (مر 26: 15)، لكنّه هو اشترى العالم بتكلفة عظيمة التي لدمه. اُقتيد كحملٍ إلى الذبح (أع 8: 32)، أمّا هو فرعى إسرائيل، وها هو الآن يرعى العالم كلّه أيضًا.

القديس غريغوريوس النزينزي

"لأني أعلم هذا، أنه بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعيّة". [29]

يتنبأ القديس بولس عن ظهور معلمين كذبة، أشبه بالذئاب الخاطفة التي لا تبالي بالخراف، بل تفترس وتُهلك، إذ يطلب المعلمون كرامتهم الزمنية، ويتشبثون بإرادتهم الذاتية. كل ما كان يشغل الكثيرين منهم هو "المباحثة"، لا لبلوغ الحق، وإنما لحب الجدال في ذاته.

- تدخل ذئاب خاطفة بين قطعان المسيح، لا تشفق على الرعيّة كما يعلن بولس الإلهي. يتقيّأ العاملون المخادعون والرسل الكذبة مرارة مكر إبليس، فينطقون بأمورٍ مضادة، ليقودوا النفوس الجاهلة إلى الدمار، ويجرحون ضميرهم الضـعيف (1 كو 8: 12).

القديس كيرلس الكبير

- يغطى الهراطقة دواء تعاليمهم الشريرة المسمومة بعسل أسم يسوع.

القديس كيرلس الأورشليمي

- المداهنة دائمًا معزية وخادعة ورقيقة. وقد عرَّف الفلاسفة الإنسان المداهن بأنه عبد رقيق. أما الحق فهو قاسٍ ومر وصارم ومحزن ومقاوم للذين يوُبَخون.

القديس جيروم

- إن كان كل إنسانٍ كاذبًا والله وحده صادقًا (رو 3:39) ماذا يليق بنا كخدام الله وأساقفته أن نفعل سوى أن ننبذ الأخطاء البشرية، وأن نبقى في حق الله، ونطيع وصايا الرب.

القديس كبريانوس

"ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلّمون بأمور ملتوية، ليجتذبوا التلاميذ وراءهم. [30]

الخطر الذي يصدر من الداخل أمرْ بكثير من الذي يأتي من الخارج، خاصة أن صدر عن معلمين أو خدام داخل الكنيسة. ذكر الرسل أسماء لأشخاص أسأوا إلى كنيسة الله من الداخل، مثل ديوتريفوس (3 يو 9)، فيجيلوس أو هيرموجينس (2 تي 1: 15)، وهيمينيس والكسندر (1 تي 1: 20). هؤلاء الذين بسبب الطمع أو حب الكرامة كوَّنوا تحزبات داخل الكنيسة سببت انشقاقات وتشويشًا. فالكنيسة لا ترهب العدو الخارجي إذا لم يوجد أعداء مقاومون في داخلها. كل إمكانيات المضطهدين وخططهم ومقاومتهم تُحسب كلا شيء مادام الداخل مقدسًا في الرب.

"لذلك اسهروا، متذكّرين أني ثلاث سنين ليلاً ونهارًا، لم افتر عن أن انذر بدموع كل واحد". [31]

لم يكف الرسول بولس عن دعوة الأساقفة وكل الخدام كما الشعب للسهر، وكما يكتب إلى أهل تسالونيكي: "لا ننم إذا كالباقين بل لنسهر ونصح، لأن الذين ينامون فبالليل ينامون، والذين يسكرون فبالليل يسكرون، وأما نحن الذين من نهارٍ، فلنصحُ، لابسين درع الإيمان والمحبة وخوذة هي رجاء الخلاص" (1 تس 6:5-8),

- يلزمنا أن ننام نصف متيقظين... فالإنسان النائم لا يُصلح لشيءٍ، أكثر من الميت. لذا فإنه حتى خلال الليل يلزمنا أن نقوم من النوم، ونسبح الله. طوبى للذين يسهرون مترقبين مجيئه، إذ يجعلون أنفسهم مثل الملائكة الذين نتحدث عنهم أنهم دائمًا في سهر.

القديس إكليمنضس السكندري

- رسول النهار المجنح,

يغني عاليًا مبشرًا باقتراب الفجر.

وبنغمات مثيرة يدعو المسيح نفوسنا النائمة أن تحيا معه.

إنه يصرخ: اتركوا الاسترخاء الغبي,

اتركوا نوم الموت, والكسل المخطئ,

اسهروا بقلوب يقظة, بارة, وطاهرة,

فإنني آت قريب جدًا!

الأب برودانتس

إن كان الرسول لم يكف عن أن ينذر كل واحدٍ بدموعٍ طوال الثلاث سنوات، فكم يليق بكل واحدٍ منهم أن يسهر على خلاص نفسه بجدية.

لقد قضى في أفسس ثلاث سنوات، منها سنتان في مدرسة تيرانس (أع 19: 10)، وثلاثة شهور يعلم في المجمع أفسس (أع19: 8)؛ وبقية المدة في أماكن أخرى. وربما يقصد بالثلاث السنوات، حسب عادة اليهود أن أي جزء من السنة يعتبر كأنه سنة كاملة.

- عندما يرى المريض طبيبه يشترك في الطعام (الخاص بالمرضى) فإنه يحثه على فعل هذا، هكذا هنا عندما يراكم تبكون يرق ويصير صالحًا ورجلاً عظيمًا.

- أننا نوجه اتهامات، نحن ننتهر، نحن نبكي، نعاني آلامًا مبرحة وإن كان ليس في الظاهر بل في القلب. لكن هذه الدموع الداخلية أكثر مرارة بكثير من الدموع الخارجية. لأن هذه في الواقع تجلب تنفيسًا لمشاعر الحزن، أما الأخرى فتثيرها بالأكثر وتكتمها. فإنه حيث توجد علة للحزن ولا يستطيع الشخص أن يعبر عن حزنه لئلا يظهر أنه محب للمجد الباطل، فلتفكروا كم تكون آلامه... أي رجاء للمعلم حين تهلك رعيته؟ أي نوع من الحياة وأي أمل له؟ بأي نوع من الثقة سيقف أمام الله؟ بماذا يقول؟

القديس يوحنا الذهبي الفم


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 20 جـ5 PDF Print Email
"والآن استودعكم يا اخوتي للَّه، ولكلمة نعمته القادرة أن تبنيكم، وتعطيكم ميراثًا مع جميع المقدسين". [32]

إذ لم تعد هناك فرصة للقاء آخر معهم سلم حياتهم في يدي الله وتحت حمايته ورعايته، ولكلمة نعمته، أي لوعود الله الصادقة المجانية، لا لحفظهم من التجارب والضيقات فحسب، وإنما لبنيانهم وتهيئتهم للميراث الأبدي في شركة مع القديسين. ما يشغل ذهن الرسول بولس على الدوام الميراث المُعد للقديسين (مت 19: 29؛ 25: 34؛ مر 10: 17؛ عب 6: 12؛ رؤ 21: 7؛ أف 1: 11؛ 8:5؛ كو 1: 12؛ 3: 24؛ رو 8: 17؛ غل 3: 29).

- يذَّكرهم على الدوام بالنعمةٍ لكي يجعلهم في جدية كمدينين (لله) ولكي يحثهم أن تكون لهم ثقة: "القادرة أن تبنيكم" لم يقل إنها ستبنيهم بل "أن تبنيكم (الاستمرار في البناء)، مظهرا أنهم مبنيون فعلاًً.

القديس يوحنا الذهبي الفم


- إن كان الرسول قد كرز بكلمة الرب نهارًا وليلاً إلى الشعب الذي أؤتمن عليه حتى يكون في حل في عيني الله، ماذا يحدث لنا إن أهملنا خدمة التعليم للقطيع الذي أؤتمنا نحن عليه في أيام الأعياد والآحاد؟ لهذا يلزمنا أن نتعب بعون الله قدر ما نستطيع أن نوزع على الشعب الذي تحت رعايتنا عملة الرب الروحية، ليس فقط في الكنيسة، بل وفي الاجتماعات والولائم، وأينما وجدنا. من جانبنا لنوزع هذه العملة حتى إذ يجيء يطلب منا الرب (الفائدة). إن فعلنا هذا بإخلاص نستطيع عند مجيئنا أمام عرش الديان الأبدي أن نقول بكل تأكيد مع النبي: "ها أنا والأولاد الذين أعطيتني إياهم" (إش 8: 18). عندئذ مقابل تقديم الفائدة المضاعفة لمواهبنا سنسمع باستحقاق: "حسنًا أنت عبد صالح وملتزم، تعال اشترك في فرح سيدك" (راجع مت 15: 21). ليت الله نفسه يهبنا هذا، الذي يحيا ويملك إلى أبد الأبد.

الأب قيصريوس أسقف آرل

"فضة أو ذهب أو لباس أحدٍ لم اشتهِ". [33]

بعد أن أوصاهم بخصوص الاهتمام بخلاصهم وخلاص الرعية، كاشفا عن حنو ورعايته طوال مدة إقامته في أفسس، وبعد أن حذرهم من المعلمين الكذبة، الآن يقدم نفسه مثلاً عمليًا من جهة عدم طمعه في شيء مما لهم. فإنه لم يطلب ما لنفسه بل ما هو لهم (2 كو 12: 14). فمن حقه كخادم للإنجيل ان يأكل من الإنجيل، وبكونه يقدم الروحيات أن يأخذ احتياجاته الزمنية (1 كو 9: 13-14)، لكنه لم يطلب شيئًا من هذا، ولا اشتهاه في داخله.

لم يطلب حتى اللباس مكتفيًا بما يرتديه. لم يقل الرسول أنه لم يأخذ فضة أو ذهب أو لباس، إذ أخذ أحيانا للضرورة، كما جمع للفقراء في أورشليم، لكنه لم يشتهِ شيئًا من هذا، فقد تجنب محبة المال التي هي أصل الشرور.

- ليتنا لن نطلب هدايا قط، وبالكاد نقبلها نادرًا حينما يًطلب منا ذلك. "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع 9: 15). بطريق أو آخر فإن الإنسان الذي يتوسل إليك لتأخذ هدية يتطلع إليك باستهانة حين تقبلها، بينما إن رفضتها فإنه بالأكثر يحترمك مُعجبًا بك.

القديس جيروم

"أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي، خدمتها هاتان اليدان". [34]

في كورنثوس عاش مع أبولس وعمل معه، وكان يعول نفسه بعمل يديه (1 كو 4: 12؛ 1 تس 2: 9؛ 2 تس 3: 8).

في تعليق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة يكشف عن مدى سمو القديس فقد ارتفع إلى درجة عالية جدًا في هذه الفضيلة، ارتفع فوق الفقر الاختياري.

- الدرجة الأولى هو أن يهرب الشخص من أن تكون له ممتلكات، والثانية أن يكون مكتفيًا بالضروريات اللازمة، والثالثة أن يعطي الآخرين وهو لا يملك إلا الضروريات، والرابعة أن يفعل هذا كله وهو يكرز مع أنه من حقه أن يأخذ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يذكر لنا القديس يوحنا كاسيان في مناظرته مع الأب إبراهيم الآتي:

[جرمانيوس:... كيف يصيب نظامنا ضرر إن تحررنا من كل اهتمام خاص بهذه الحياة تاركين لأقربائنا أن يهيئوا لنا الطعام ونتفرغ نحن للقراءة والصلاة، حتى إذ نزيل عنا العمل الذي يشغلنا الآن نُكرس بأكثر غيرة للاهتمامات الروحية وحدها؟

إبراهيم: إنني لا أقدم لك رأيي الخاص، إنما أذكر رأي الطوباوي أنطونيوس الذي أخزي به كسل راهبٍ معينٍ غلبه اللامبالاة...

لأنه إذ جاءه إنسان وقال إن نظام النسك هذا غير كامل، معلنًا أنه يطلب للإنسان فضيلة أعظم، ممارسًا ما يخص الحياة الكاملة وحدها بطريقة أكثر مما يليق بالنسبة لسكان البرية... أردف الطوباوي أنطونيوس قائلاً: هذا النوع من الحياة وهذه اللامبالاة ليس فقط تدفع بك إلى الخسارة السابق ذكرها، ولو أنك لا تشعر بها الآن، كما جاء في سفر الأمثال: "ضربوني ولم أتوجع. لقد لكأُوني ولم أعرف" (أم 35:23)، وجاء في النبي: "أكل الغرباءُ ثروتهُ وهو لا يعرف، وقد رُشَّ عليهِ الشيب وهو لا يعرف" (هو 9:7)، وإنما أيضًا يسحبون ذهنك بغير انقطاعٍ نحو الأمور الزمنية، ويغيرونه حسب الظروف. كذلك إذ يقدمون ثمار أيديهم لك ويمدونك بالمئونة، بهذا يحرمونك من تنفيذ وصية الرسول المبارك، لأنه عندما قدم آخر وصية لرؤساء كنيسة أفسس أكد لهم أنه بالرغم من مشغوليته بواجباته المقدسة الخاصة بالكرازة بالإنجيل إلا أنه كان يعمل من أجل احتياجاته واحتياجات الذين يعملون معه في الخدمة قائلاً: "أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي خَدَمَتهْا هاتان اليدَان" (أع 34:20). ولكي ترى كيف أنه فعل هذا كمثال لنا يقول في موضع آخر: "إذ أنتم تعرفون كيف يجب أن يُتَمثل بنا لأننا لم نسلك بلا ترتيبٍ بينكم... ليس أن لا سلطان لنا، بل لكي نعطيكم أنفسنا قدوةً حتى تتمثَّلوا بنا" (2 تس 7:3، 9).]

- كثيرون كانوا يرغبون في الحصول على فرصة لتعطيل الإنجيل، وقد أراد أن يضيع عليهم هذه الفرصة، لذلك كان يعمل بيديه، قائلاً: لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة" (2 كو 11: 12).

القديس أغسطينوس

"في كل شيء أريتكم أنه هكذا ينبغي أنكم تتعبون، وتعضدون الضعفاء، متذكرين كلمات الرب يسوع، أنه قال: مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ". [35]

قدم حياته درسًا عمليًا في التعب بعمل اليدين، لا لإشباع احتياجاته فحسب، بل ولكي ينفق على من معه، وعلى الضعفاء المحتاجين. وكان قانون حياته كلمات السيد المسيح: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ".

- يظهر الرسول كم من الشرور تسببها البطالة، وكم من المنافع يحققها العمل، فالعمل هو علامة الحب للإخوة، به لا نأخذ منهم وإنما نساعدهم... إذ قيل: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع ٢٠: ٣٥).

القديس يوحنا الذهبي الفم

5. وداع حار مؤثر

"ولمّا قال هذا، جثا على ركبتيه مع جميعهم وصلّى". [36]

جثا على ركبتيه معهم وصلى، ليودعهم في يد الله، لكي لا تفارقهم الحضرة الإلهية. لم يصلِ فقط من أجلهم بل وصلى معهم، ليقدم الكل صلاة جماعية، إنها صلاة وداعية جاءت بعد الحديث الوداعي، لكي تبقى البصمات الأخيرة في ذهنهم، أنه لا طريق للنجاة إلا بالصلاة.

اعتاد الرسول بولس أن يصلي جاثيًا على ركبتيه (أف 3: 14). فالركوع يحمل روح التواضع والخشوع أمام الله (2 أي 6: 13؛ دا 6: 10؛ لو22: 41؛ أع7: 60؛ 9: 40؛ 21: 5؛ رو11: 4؛ في2: 10؛ أف3: 14؛ مر1: 40).

نرى صورة حية لطقس الوداع: "ولما قال هذا جثا على ركبتيه مع جميعهم وصلى" [36].

"وكان بكاء عظيم من الجميع ووقعوا على عنق بولس يقبلونه". [37]

تركهم والدموع منهارة بغزارة منهم، ولعله لم يستطع بولس صاحب القلب الرقيق أن يحبس دموعه وهو يلقي نظراته الأخيرة على محبوبيه، فانهار الكل أمام محبته الحانية، وارتمى الكل على عنقه يقبله. لم تستطع الكلمات أن تعبر عن شكرهم له على كل جهوده ومحبته لهم، فتحدثوا بلغة الدموع والقبلات المقدسة.

يحدثنا القديس أغسطينوس عن حياتنا على الأرض بكونها زمن تسميد الأرض حتى تقدم ثمارًا كثيرة، هذا التسميد هو ممارسة التوبة في حزن على خطايانا ورجاء في التمتع ببهجة الثمار. [شكرا لله! فإن التسميد في موقع مناسب، فإنه ليس بلا ثمرة، بل يجلب ثمرًا. هذا هو وقت الحزن المفرح حقًا، لكي نبكي على حال موتنا، وكثرة تجاربنا، وهجمات الخطاة الخفية، والاصطدام مع الشهوات، والصراع مع الأهواء الثائرة ضد الأفكار الصالحة. من أجل هذا ولنحزن. لنحزن على حالنا هذا.]

- إن كنا مدعوين لملكوت الله، فلنسلك بما يليق بالملكوت، نحب الله وقريبنا، لا يتحقق الحب بالقبلة، بل بالحنو الداخلي. فإنه يوجد من لا يفعلون سوى أن تردد الكنيسة صدى القبلة، وهم لا يقتنون الحب في داخلهم. هذا الأمر ذاته، أي الاستخدام المخزي للقبلة، كان يلزم أن يكون داخليًا... لذلك يدعوها الرسول "قلبة مقدسة" (رو 16:16).

القديس إكليمنضس السكندري

- كيف تكمل الصلاة ان عُزلت عن القبلة المقدسة؟

العلامة ترتليان

يليق ممارسة القبلة المقدسة في للعبادة الكنسية كعلامة على ما يحمله المؤمنون من سمات ملكوت الله، أي الحب المقدس في الرب. لهذا يليق بالمؤمنين أن يسلكوا بروح السلام الحقيقي والحب قبل القبلة، حتى لا تحمل سمة قبلة يهوذا الخائن.

"متوجّعين ولا سيما من الكلمة التي قالها، أنهم لن يروا وجهه أيضًا، ثم شيّعوه إلى السفينة". [38]

يا لها من لحظات رهيبة وهم يتطلعون إلى الوجه الذي يحمل كل سمات المحبة الصادقة، يعكس حب الله لهم، وقد أدركوا أنها آخر لحظات لرؤيته.

"شيعوه إلى السفينة" وهم يرونه كمن ينطلق من بينهم إلى السماء، لن يروه بعد إلا مع رب المجد يسوع حين يأتي على السحاب، ليضم كنيسته إليه، وينطلق بها إلى حضن الآب.

يقدم لنا الإنجيلي لوقا كشاهد عيان وصفًا رائعًا لمشاعر الجماهير وهي تودع الرسول بولس.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 20 جـ6 PDF Print Email
من وحي أع 20

هب لي أن أكون أميناً إلى النهاية

- ماذا فعلت المكائد برسولك العجيب,

زكته أمامك,

وفاحت رائحتك الذكية فيه!

- لم تشغله الضيقات عن الخدمة غير المنقطعة.

يحَّول الليل إلى نهار بكرازته الجذابة.

مشتاقاً أن يصير الكل أبناء نور وأبناء نهار.

ليس بينهم ابن لليل والظلمة.

ولا يكون للظلمة موضع في قلب البشر!

- سقط أفتيخوس الشاب من الطاقة وحملوه ميتاً!

سقط عليه بولس، فوهبه الله الحياة.

آمن الرسول أنك تقيم النفوس من موتها وفسادها,

فهل يصعب عليك أن تقيم الأجساد؟

- سقط الشاب من الطاقة فمات,

وسقط الإنسان من الحياة الفردوسية, ففقد حياته الأبدية.

نزلت إليه واحتضنته,

حملته معك إلى عرشك السماوي!

- في ميليتس قدم رسولك خطابه الوداعي،

حقاً بكل جرأة تحدث مع الأساقفة والكهنة.

فقد عاش أميناً حتى النهاية.

بانسحاقٍ ودموعٍ قضى حياته كخادمٍ لك.

رافق شعبه مستعبدًا نفسه لهم.

لم يستنكف من أن يكون عبدًا,

لأولئك الذين من أجلهم صرت أنت عبدًا.

- كيف لا تنهمر الدموع من عينيه,

وهو يراك في البستان نفسك حزينة حتى الموت من أجل كل إنسان؟

- تمتع بك يا أيها الحق الإلهي,

فلم يصمت عن أن يعلم بلا انقطاع,

لكي يدخل بكل نفسك إليك.

- في كل بيت يدخله لا يشغله سوى كلمتك.

صار كل موضع بالنسبة له منبرًا.

يقف ليكرز بالتوبة دون ملل.

يحث على الإيمان بك ليتمتع الكل بشركة أمجادك.

قدم نفسه رخيصة من أجل الكرازة بإنجيلك.

ووجد في الميتات الكثيرة عذوبة الحياة معك.

- أعلن براءته من دم الجميع,

إذ تحولت حياته كلها إلى عظة عملية لا تتوقف.

حذر شعبك من كل معلم كاذب, ونبي مخادع,

حتى يتمتع الكل برعايتك الإلهية.

- أعلن براءته إذ لم يشته شيئًا عوض خدمته.

لم يعمل كأجير يطلب أجرة,

فهو ابنك يا صاحب الكرم,

تبنيته بنعمتك، ليتمتع بشركة الميراث معك!

- أخيرًا يا له من وداعٍ فريدٍ!

فقد تفجرت منه ومن الخدام ينابيع الحب العميقة.

ركع الكل معًا للصلاة,

يشكرونك يا أيها الراعي الصالح,

إذ وهبتهم الحب الذي لا ينهزم.

- بقبلات مقدسة انصرفوا جسديًا,

لكي يلتقوا معاً في الفردوس,

وينضموا مع كل مؤمنيك يوم مجيئك على السحاب.

وتزفهم الطغمات السمائية كعروس طاهرة عفيفة لك.

1 و بعدما انتهى الشغب دعا بولس التلاميذ و ودعهم و خرج ليذهب الى مكدونية
2 و لما كان قد اجتاز في تلك النواحي و وعظهم بكلام كثير جاء الى هلاس
3 فصرف ثلاثة اشهر ثم اذ حصلت مكيدة من اليهود عليه و هو مزمع ان يصعد الى سورية صار راي ان يرجع على طريق مكدونية
4 فرافقه الى اسيا سوباترس البيري و من اهل تسالونيكي ارسترخس و سكوندس و غايوس الدربي و تيموثاوس و من اهل اسيا تيخيكس و تروفيمس
5 هؤلاء سبقوا و انتظرونا في ترواس
6 و اما نحن فسافرنا في البحر بعد ايام الفطير من فيلبي و وافيناهم في خمسة ايام الى ترواس حيث صرفنا سبعة ايام
7 و في اول الاسبوع اذ كان التلاميذ مجتمعين ليكسروا خبزا خاطبهم بولس و هو مزمع ان يمضي في الغد و اطال الكلام الى نصف الليل
8 و كانت مصابيح كثيرة في العلية التي كانوا مجتمعين فيها
9 و كان شاب اسمه افتيخوس جالسا في الطاقة متثقلا بنوم عميق و اذ كان بولس يخاطب خطابا طويلا غلب عليه النوم فسقط من الطبقة الثالثة الى اسفل و حمل ميتا
10 فنزل بولس و وقع عليه و اعتنقه قائلا لا تضطربوا لان نفسه فيه
11 ثم صعد و كسر خبزا و اكل و تكلم كثيرا الى الفجر و هكذا خرج
12 و اتوا بالفتى حيا و تعزوا تعزية ليست بقليلة
13 و اما نحن فسبقنا الى السفينة و اقلعنا الى اسوس مزمعين ان ناخذ بولس من هناك لانه كان قد رتب هكذا مزمعا ان يمشي
14 فلما وافانا الى اسوس اخذناه و اتينا الى ميتيليني
15 ثم سافرنا من هناك في البحر و اقبلنا في الغد الى مقابل خيوس و في اليوم الاخر وصلنا الى ساموس و اقمنا في تروجيليون ثم في اليوم التالي جئنا الى ميليتس
16 لان بولس عزم ان يتجاوز افسس في البحر لئلا يعرض له ان يصرف وقتا في اسيا لانه كان يسرع حتى اذا امكنه يكون في اورشليم في يوم الخمسين
17 و من ميليتس ارسل الى افسس و استدعى قسوس الكنيسة
18 فلما جاءوا اليه قال لهم انتم تعلمون من اول يوم دخلت اسيا كيف كنت معكم كل الزمان
19 اخدم الرب بكل تواضع و دموع كثيرة و بتجارب اصابتني بمكايد اليهود
20 كيف لم اؤخر شيئا من الفوائد الا و اخبرتكم و علمتكم به جهرا و في كل بيت
21 شاهدا لليهود و اليونانيين بالتوبة الى الله و الايمان الذي بربنا يسوع المسيح
22 و الان ها انا اذهب الى اورشليم مقيدا بالروح لا اعلم ماذا يصادفني هناك
23 غير ان الروح القدس يشهد في كل مدينة قائلا ان وثقا و شدائد تنتظرني
24 و لكنني لست احتسب لشيء و لا نفسي ثمينة عندي حتى اتمم بفرح سعيي و الخدمة التي اخذتها من الرب يسوع لاشهد ببشارة نعمة الله
25 و الان ها انا اعلم انكم لا ترون وجهي ايضا انتم جميعا الذين مررت بينكم كارزا بملكوت الله
26 لذلك اشهدكم اليوم هذا اني بريء من دم الجميع
27 لاني لم اؤخر ان اخبركم بكل مشورة الله
28 احترزوا اذا لانفسكم و لجميع الرعية التي اقامكم الروح القدس فيها اساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه
29 لاني اعلم هذا انه بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية
30 و منكم انتم سيقوم رجال يتكلمون بامور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم
31 لذلك اسهروا متذكرين اني ثلاث سنين ليلا و نهارا لم افتر عن ان انذر بدموع كل واحد
32 و الان استودعكم يا اخوتي لله و لكلمة نعمته القادرة ان تبنيكم و تعطيكم ميراثا مع جميع المقدسين
33 فضة او ذهب او لباس احد لم اشته
34 انتم تعلمون ان حاجاتي و حاجات الذين معي خدمتها هاتان اليدان
35 في كل شيء اريتكم انه هكذا ينبغي انكم تتعبون و تعضدون الضعفاء متذكرين كلمات الرب يسوع انه قال مغبوط هو العطاء اكثر من الاخذ
36 و لما قال هذا جثا على ركبتيه مع جميعهم و صلى
37 و كان بكاء عظيم من الجميع و وقعوا على عنق بولس يقبلونه
38 متوجعين و لا سيما من الكلمة التي قالها انهم لن يروا وجهه ايضا ثم شيعوه الى السفينة


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 21 جـ1 PDF Print Email

في أورشليم


يقدم لنا الإنجيلي لوقا تكملة الرحلة الكرازيّة الثالثة للقدّيس بولس. وقد ركّز الكاتب على استخدام اللَّه الأحداث التي تبدو مرة للغاية ليدفع ببولس إلى روما حتى يشهد هناك في القصر الإمبراطوري، في عاصمة العالم في ذلك الحين.

ابرز الكاتب تحدّي الرسول بولس للضيقات حتى الموت من أجل الكرازة، وخضوعه للمشورة المقدّمة له في أورشليم والتي كانت تدفع إلى قتله عند الهيكل، لكن اللَّه استخدمها لينطلق إلى روما.

1. إلى صور 1-3.

2. مشورة الإخوة له 4-6.

3. نبوّة أغابوس في قيصريّة 7-14.

4. صعوده إلى أورشليم 15.

5. مشورة الإخوة له في أورشليم 16-26.

6. شغب في الهيكل 27-30.

7. تدخّل أمير الكتيبة 31-40.

1. إلى صور

"ولمّا انفصلنا عنهم، أقلعنا وجئنا متوجهين بالاستقامة إلى كوس، وفي اليوم التالي إلى رودس ومن هناك إلى باترا". [1]

إذ ودع القديس بولس الكهنة الذين جاءوا من أفسس إلى مليتس لكي ينطلق إلى أورشليم، صار على كل فريق أن يترك الآخر. لم يكن من الهين عليه أو عليهم أن يتركهم بسبب رباط الحب القوي. لذا يقول القديس لوقا: "لما انفصلنا"، وقد جاء التعبير كما لو كان انطلاق الرسول ومن معه قد تم بالقوة.

انطلق القديس بولس ومن معه مبحرين في قارب بين الجزائر والشواطئ، فكوس ورودس جزيرتان. هذا وأن رودس هو أيضا اسم مدينة على شاطئ الجزيرة التي تحمل ذات الاسم.

كوس: جزيرة صغيرة في المجموعة الجزرية البحرية واليونانية وهي قريبة من جنوب غرب آسيا الصغرى، تدعي الآن ستانكو Stanco، مشهورة بخصوبة أرضها وإنتاجها للخمر والحرير، تبعد حوالي 40 ميلاً من ميليتس.

رودس: وهي أيضًا من مجموعة الجزر البحرية اليونانية تضم مدينة تحمل ذات الاسم، مشهورة بتمثالها النحاسي الضخم، قام ببنائها شاريس لينديوس Chares Lyndus تًعرف بارتفاعها الشاهق، تسير السفن في وسطها كما بين أقدامها. دامت 56 عامًا، ودمرها زلزال. كانت تحسب أحد عجائب الدنيا السبع. عندما استولى عليها العرب المسلمون باعوا التمثال الساقط لرجلٍ يهوديٍ حمل نحاسه على عدة جمال، وكان ذلك عام 600 م أي بعد دمارها بحوالي 900 عامًا. اسمها استيريا Asteria، أما تسميتها رودس، فجاء من كثرة إنتاجها للورود.

باترا:
مدينة بحرية لليسيا Lycia، بآسيا الصغرى.

"فإذ وجدنا سفينة عابرة إلى فينيقية، صعدنا إليها وأقلعنا". [2]

في بترا وجدوا سفينة مبحرة إلى فينيقية، تاركين جزيرة قبرص على شمالهم بهذا لم يعد الرسول بولس يتعجل السفر إلى أورشليم لكي يبلغها في عيد الخمسين.

"ثم اطلعنا على قبرس، وتركناها يَسرةً، وسافرنا إلى سورية، وأقبلنا إلى صور، لأن هناك كانت السفينة تضع وسقها". [3]

تركوا قبرص مبحرين إلى سوريا حيث نزلوا في صور لتفريغ البضائع. فقد كانت صور إحدى المدن التجارية الرئيسية في العالم، وقد بقيت هكذا حتى في أيام القديس بولس.

2. مشورة الإخوة له

"وإذ وجدنا التلاميذ مكثنا هناك سبعة أيام، وكانوا يقولون لبولس بالروح أن لا يصعد إلى أورشليم". [4]

لم يعد يتعجل الرحلة، ففي صور حيث كان يلزم الانتظار سبعة أيام لتفريغ السفينة من البضاعة وجدوا تلاميذ قبلوا الإيمان، تعبير "وجدنا" يشير إلى اهتمام القديس بولس ومن معه بالبحث عن المؤمنين أينما وُجدوا، ليلتصقوا بهم ويتعبدوا معًا، ويتعزوا بعمل الله الدائم في كل موضع.

في عصر السيد المسيح لم تكن صور مستعدة لقبوله إذ قال: "ويل لكِ يا بيت صيدا، لأنه لو صنعت في صور وصيدا القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديمًا جالستين في المسوح والرماد، ولكن صور وصيدا يكون لهما في يوم الدين حالة أكثر احتمالاً مما لكما" (لو 10: 13-14). الآن صار في صور تلاميذ للرب يسوع، التصقوا بالرسول بولس وترجوه أن يبقى معهم ولا يصعد إلى أورشليم.

يرى البعض أنه قد تحققت النبوة عن صور: "وتكون تجارتها وأجرتها قدسًا للرب" (إش 23: 18).

لعله بقي سبعة أيام حتى يجد فرصة للعبادة مع جميع المؤمنين في يوم الرب والكرازة بينهم.

نال بعض مؤمني صور مواهب معينة حتى استطاعوا أن يتنبأوا بالروح عن متاعب القديس بولس التي سيلاقيها في أورشليم، إذ كان الروح القدس يشهد بهذا في كل مدينة (أع 20: 23).

ماذا يعني: "يقولون لبولس بالروح أن لا يصعد إلى أورشليم"؟

1. كانوا يتنبأون بالروح عن المتاعب التي ستلاقيه في أورشليم، متوسلين إليه ألا يصعد، حاسبين أن كثيرين محتاجين إلى خدمته وكرازته.

2. لا يفهم من هذا أن الروح قد أصدر إليه أمرًا بعدم الصعود إلى أورشليم. وقد أدرك الرسول بولس أن ما فعلوه هو من قبيل غيرتهم وحبهم له، فالروح كشف المتاعب، أما عدم الصعود فكان رجاء من الشعب حفظًا على حياته من المخاطر.

العجيب إن الروح القدس الذي وهب بولس أن يصنع عجائب فوق العادة في أفسس (أع 19: 11) نراه هنا في صور وقد مكث معه التلاميذ، وتنبأوا له بالروح عن المتاعب التي سيلاقيها في أورشليم، وطلبوا منه ألا يصعد إليها. لم يكشف الروح لبولس الرسول مباشرة عما سيلاقيه بل اخبره خلال التلاميذ. فمع ما ناله القديس بولس من مواهب وعطايا ونعم وما تمتع به من نجاحٍ فائقٍ، لكن ما أخفي عنه (أع 20: 22) أعلنه الروح للتلاميذ، حتى يشعر الكل بالحاجة إلى بعضهم البعض. لقد تنبأ عن ذلك أغابوس بعد ذلك في بيت فيلبس المبشر (أع 21: 10-11).

"ولكن لمّا استكملنا الأيام خرجنا ذاهبين، وهم جميعًا يشيعوننا مع النساء والأولاد إلى خارج المدينة، فجثونا على ركبنا على الشاطئ، وصلينا". [5]

لم يقبل التلاميذ في صور الإيمان على يدي بولس الرسول، ومع هذا فقد اظهروا تقديرًا وحبًا شديدًا له، حتى أنه بعد خدمته بأسبوع واحد خرج الكل رجالاً ونساء وأطفالاً يودعونه، يطلبون بركة الرب خلاله، كما يصلون من أجله. هنا أظهر هذا الشعب حبًا لخدام الكلمة دون تعصبٍ لخادمٍ معينٍ؛ وشعروا بالالتزام أن يصلوا من أجل الخدام والخدمة. هذا وقد نجحوا في تدريب أطفالهم على حمل ذات الروح والشركة في ذات العمل. لقد تحققت فيهم النبوة: "بنت صور أغنى الشعوب تترضى وجهه بهدية" (مز 45: 12). ما هذه الهدية التي قدمتها الكنيسة "بنت صور" الغنية لعريسها سوى الحب الصادق للكلمة والخدام، والوحدة للعمل بروحٍ واحدٍ، وتقديم صلوات حتى على الشاطئ من أجل الخدمة والخدام، وأخيرًا قدموا أروع عملٍ وهو أنهم قدموا أطفالهم للرب شركاء معهم في ذات الروح وذات العمل!

في ميلتيس جثا رجال الكهنوت على ركبهم يصلون عند توديعهم للرسول بولس ومن معه (أع 20: 36)، وهنا في صور جثا الشعب الرجال مع النساء والأطفال يمارسون ذات العمل، وبذات الروح.

ركع الكل على شاطئ الميناء الذي بلا شك كان مرصوفًا بالحجارة، وقد امتلأ ترابًا بسبب نقل البضائع، لكن الكنيسة تحول كل موضع، أيا كان حاله، كما إلى مقدس للرب بالركوع للصلاة في كل حين وفي كل موضع.

الركوع للصلاة عمل لا يفارق الكنيسة، يمارسه المؤمن أينما وجد. يقول جورج هربرت: "الركوع لن يفسد الجوارب الحريرية".

- إنّنا نحني ركبنا، لأن الركب المنحنية تهيئ للإنسان نوال المغفرة من الله، وتنزع غضبه، ويتمتع بقبوله النعمة، أكثر من جميع حركات الجسم الأخرى.

القديس أمبروسيوس

- كان (قسطنطين) يدخل مخدعه الخاص في القصر في ساعات معيّنة من النهار، ويغلق على نفسه ليناجي الله، ويظل راكعًا متضرّعًا من أجل شئون مملكته.

يوسابيوس القيصري

- تأمرنا الكنيسة أن نرفع الصلوات لله بلا انقطاع وبكل توسّل، راكعين في الأيّام المحدّدة ليلاً ونهارًا!

القدّيس أبيفانيوس

- تحوّل من مضطهد إلى كارز ومعلّم للأمم (2 تي1: 11)، يقول: "كنت قبلاً مجدّفًا ومضطهدًا ومفتريًا". أمّا سبب نوالي الرحمة فهو "ليُظهر يسوع المسيح فيّ أنا أولاً كل أناة، مثالاً للعتيدين أن يؤمنوا به للحياة الأبديّة" (1 تي 1: 16). إننا بنعمة الله كما ترون نخلص من خطايانا، التي فيها نحن نضعف. الله وحده هو الدواء الذي يشفي النفس. فالنفس قادرة بحق أن تؤذي نفسها، هكذا أيضًا الناس في قدرتهم أن يصيروا مرضى، لكن ليس ليهم ذات القدرة لكي يصيروا إلى حال أفضل.

القديس أغسطينوس

"ولمّا ودّعنا بعضنا بعضًا صعدنا إلى السفينة، وأمّا هم فرجعوا إلى خاصتهم". [6]

في جوٍ من الحب الروحي العجيب تم الوداع لينطلق القديس بولس ومن معه في السفينة بشكرٍ وفرحٍ مع ما ينتظرونه من مضايقات، ورجع الشعب، كل إلى بيته بروح الفرح والشكر على عمل الله الدائم بواسطة خدامه وشعبه. وكما قال موسى النبي وهو يبارك الأسباط: "افرح يا زبولون بخروجك، وأنت يا يساكر بخيامك" (تث 33: 18). فقد انطلق بولس الرسول ومن معه متهللين بصلوات الشعب من أجلهم، وعاد الشعب إلى بيوتهم حاملين بركة الرسول بولس وصلواته عنهم.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 21 جـ2 PDF Print Email

3. نبوّة أغابوس في قيصريّة

"ولمّا أكملنا السفر في البحر من صور، قبلنا إلى بتولمايس، فسلَّمنا على الإخوة، مكثنا عندهم يومًا واحدًا". [7]

بتولمايس: عكا، وهي مدينة قديمة منذ أيام حكم القضاة (قض 1: 31)، إحدى مدن سبط أشير، لها سمعتها منذ العصور الوسطى، وهي أحد محطات الحروب الصليبية، وقد دعوها باسم القديس يوحنا St. Jeane d'Acre ، أي أكرا، حيث بنوا فيها قلاعًا وحصونًا بحرية ضخمة، وهي متاخمة لجبل الكرمل.

حين زارها الرسول بولس كانت تُدعى بتولمايس، نسبة لأحد ملوك البطالسة، حيث قام بتجميلها، وكانت في أيام الرسول حائزة على الحكم الكولوني.

نزل الرسول بولس فيها، وسلم على الإخوة، مما يشير إلى وجود كنيسة لها علاقة بالرسول بولس؛ وقد بقي عندهم يومًا واحدًا ثم فارقها إلى قيصرية.

"ثم خرجنا في الغد نحن رفقاء بولس، وجئنا إلى قيصرية، فدخلنا بيت فيلبس المبشّر، إذ كان واحدًا من السبعة، وأقمنا عنده". [8]

إذ جاء القديس بولس ورفقاؤه إلي قيصرية استضافهم فيلبس الذي كان مشهورًا بالمبشر، وهو أحد السبعة شمامسة الذين اختارهم الشعب لخدمة الأرامل (أع 6: 3 الخ). وهو الذي بشّر في السامرة (أع 8: 55 الخ)، وبشّر الخصي الأثيوبي (أع 8: 26)، وفي المدن التي على الساحل في طريقه من أشدود إلى قيصرية (أع 8: 40). وقد جعل مقره في قيصرية. دُعي المبشر ربما تمييزًا له من فيلبس الرسول.

يندر أن نجد الرسول بولس ينزل في مكان عام؛ لكنه غالبًا ما كان ينزل ضيفًا لدى أحد أحبائه أو أصدقائه، إذ كان الكل يجدون راحة في نزوله عندهم لا للاستضافة، ولكن كان يحول البيت إلى كنيسة ومركز عمل كرازي روحي وتعبدي.

كان لدى فيلبس المبشر بيت يمكن للقديس بولس ورفقائه أن يقيموا معه فيه، كما يمكن استيعاب القادمين للقاء معهم، وكأن بيته كان مركز خدمة.

"المبشر": أي الكارز بالأخبار السارة أو بالإنجيل، وقد ورد هذا التعبير مرتين أيضًا (أف 4: 11، 2 تي 4: 5). لم يُذكر عن بقية الشمامسة السبعة أنهم حملوا هذا اللقب. لكننا رأينا في حياة القديس استفانوس أنه كان كارزًا في المجامع يحاور اليهود الذين من مناطق أخرى مثل الإسكندرية وكيليكية وروما الخ. لا يمكننا القول بأن التبشير ليس من عمل الشمامسة، فإن كل مؤمنٍ ملتزم بالشهادة لإنجيل المسيح متى حانت له فرصة.

"وكان لهذا أربع بنات عذارى كن يتنبأن". [9]

تمتعت بنات فيلبس العذارى بموهبة النبوة. لقد سبقهن البعض وتنبأوا له عما سيحل به من متاعب في أورشليم. هذا التكرار في أكثر من موضع كان لتشجيع الرسول بولس وراحته، حيث يؤكد له الروح القدس أن ما سيحدث هو بسماحٍ إلهيٍ. كما يزكيه أمام الكنيسة في بلاد كثيرة لكي لا يضطرب المؤمنون حين يسمعون ما يحل به؛ مدركين أنه وهو عالم بما سيحدث ذهب بكامل حريته متهللاً من أجل شركته في صليب الرب.

كأننا في عهد الأنبياء، فقد تتلمذت الأربع بنات العذارى على يدي أبيهن فيلبس الرسول، ونلن موهبة النبوة.

- لقد أعجبت بغيرة حنة ابنة فينوئيل التي استمرت حتى شيخوخة متأخرة تخدم الرب في الهيكل بالصلوات والأصوام (مت 11: 7- 14). عندما فكرت في الأربع عذارى بنات فيلبس (أع 21: 9) اشتاقت أن تلحق بجماعتهن، وأن تحسب مع أولئك الذين بطهارتهن البتولية نلن نعمة النبوة.

القديس جيروم

- إن كان الأمر هكذا (أن تصمت النساء في الكنيسة 1 كو 14: 34)، فماذا نفعل بخصوص الحقيقة أن فيلبّس كان له أربع بنات تنبّأن؟ فإن كنّ قادرات على فعل هذا، فلماذا لا نسمح لنبيّاتنا أن يتكلّمن؟ نجيب على هذا السؤال هكذا: أولاً إن كانت نبيّاتنا يتنبّأن، فليظهرن علامات النبوّة فيهنّ. ثانيًا حتى إن كانت بنات فيلبّس قد تنبّأن، فإنهنّ لم يفعلن هذا داخل الكنيسة. هكذا كان الحال في العهد القديم، فمع أن دبّورة قد اشتهرت كنبيّة (قض 4: 4)، لا توجد إشارة أنها خاطبت الشعب المجتمع معًا بنفس الطريقة التي فعلها إشعياء أو إرميا. نفس الأمر حقيقي بالنسبة لهلدة (2 مل 22: 14؛ 2 أي 34: 22).

العلامة أوريجينوس

- الآن أيضًا النساء يتنبّأن. في القديم مريم أخت موسى وهرون، وبعدها دبّورة (قض4: 4)، وبعدهما هلدة (2 مل 22: 14)، ويهوديت (يهوديت 8: 11) - الأولى في ايّام يوشيا والأخيرة في أيام حكم داريوس. تنبّأت والدة الرب أيضًا، ونسيبتها أليصابات وحنّة (لو1: 46؛ 2: 38)؛ وفي أيامنا بنات فيلبّس. لكن هؤلاء لم يكن يتشامخن على أزواجهنّ، بل يحفظن قدرهن.

قوانين الرسل القدّيسين

"وبينما نحن مقيمون أيامًا كثيرة، انحدر من اليهودية نبي اسمه أغابوس". [10]

كان الوقت لدى الرسول بولس ثمينًا للغاية، فكان يحسب خدمته في أية مدينة بالأيام، ليس في أيامه يوم واحد بلا عمل، حتى وإن كان داخل السجن، أو أثناء تفريغ سفينة الخ.

كان لأغابوس موهبة النبوة، فقد سبق أن نزل من أورشليم إلي أنطاكية وتنبأ عن المجاعة العامة (أع 11: 27-28).

"فجاء إلينا، وأخذ منطقة بولس، وربط يديّ نفسه ورجليه، وقال: هذا يقوله الروح القدس: الرجل الذي له هذه المنطقة، هكذا سيربطه اليهود في أورشليم، ويسلمونه إلى أيدي الأمم". [11]

لم يعد بعد الرسول متعجلاً في الذهاب إلى أورشليم، لذلك أقام أيامًا كثيرة في قيصرية. وقد جاء إليه أغابوس النبي، كما كان يفعل أنبياء العهد القديم. ربط نفسه بمنطقة بولس الرسول وتنبأ أيضًا عما سيفعل به اليهود في أورشليم. هذا عادة الأنبياء أن يمارسوا أعمالاً رمزية للكشف عن أحداث مقبلة. كمثال دفن إرميا النبي منطقته عند الفرات إشارة إلى سبي اليهود (إر 13: 4)، كما صنع لنفسه أربطة وانيارًا ووضعها على عنقه، ثم بعث بها إلى ملوك أدوم وموآب وبني عمون وصور وصيدون، ليعلن لهم أن نبوخذنصر سينتصر عليه ويستعبد هذه الأمم (إر 27: 2-7). وأيضًا إذ نزل إرميا النبي إلى بيت الفخاري، وصنع إناءً من الطين قد فسد ثم أعاد تشكيله إشارة إلى ما سيحل على أمة اليهود من دمارٍ (إر 18: 4). تعرى أيضا إشعياء من ثوبه الخارجي، وسار حافي القدمين، رمزًا لسبي مصر وكوش (إش 20: 3-4). أما حزقيال فيُدعى النبي الرمزي من كثرة أعماله وتصرفاته الرمزية التي تحمل نبوات.

"فلما سمعنا هذا، طلبنا إليه نحن والذين من المكان، أن لا يصعد إلى أورشليم". [12]

هنا نلاحظ أن القديس لوقا نفسه ومن معه من مرافقي الرسول بولس وأيضًا من المؤمنين المقيمين في قيصرية قد اتفقوا معًا في الطلب من الرسول بولس ألا يصعد إلى أورشليم. مع تأكيد القديس لوقا والذين معه أن الرسول يتحرك بتوجيه إلهي، لكن من أجل محبتهم للرسول واستمرارية خدمته طلبوا هذا. وحسب الرسول ذلك حبًا، لكنه يحمل ضعفًا، فهو مستعد لا أن يُقيد فقط بل وأن يموت من أجل اسم الرب يسوع بفرحٍ وسرورٍ.

- حاولوا أن يحفظوه، لا بقصد إقناعه أن يعدل عن ذهابه (حيث يتعرض للضيق)، وإنما ليظهروا له الحب، فهم يشتاقون أن تحفظ حياة الرسول (للخدمة) لكنهم لا يشيرون عليه أن يرفض الاستشهاد.

العلامة ترتليان

"فأجاب بولس: ماذا تفعلون؟ تبكون وتكسرون قلبي، لأني مستعد ليس أن أربط فقط، بل أن أموت أيضًا في أورشليم لأجل اسم الرب يسوع". [13]

إنه يعلم بصدق محبتهم الملتهبة نحوه وشوقهم الشديد لاستمرارية عمله، لكنه انتهرهم لأنه يطلب إتمام مشيئة الله فيه بالشركة مع المصلوب في آلامه بل وفي موته. لم يحتمل أن يرى دموعهم من أجله فحسب قلبه منكسرًا، لكنه لم يجارهم تصرفهم بل بالحب والشجاعة في الرب رفعهم ليدركوا قيمة الألم من أجل الرب.

كان القديس بولس رقيق المشاعر جدًا، لا يحتمل رؤية دموع أحدٍ، لكنها رقة في الرب. لقد مزقت الدموع قلبه، لكنها لم تقدر أن تحوله عن طريق الصليب.

حمل القديس أغناطيوس الأنطاكي ذات الروح حين كتب إلى أهل رومية طالبًا منهم ألا يظهروا المحبة في غير أوانها، حيث كانوا يبذلون كل الجهد لمنع استشهاده.

- لا أطلب إليكم سوى أن أكون سكيبًا لله مادام المذبح معدًا... أطلب إليكم ألا تظهروا لي عطفًا في غير أوانه، بل دعوا الوحوش تأكلني، التي بواسطتها يوهب لي البلوغ إلى اللَّه. أنّني حنطة اللَّه. اتركوني أُطحن بأنياب الوحوش لأصبح خبزًا تقيًا للمسيح. هيِّجوا هذه الوحوش الضارية لتكون قبرًا لي، ولا تترك شيئًا من جسدي، حتى إذا ما مُت لا أُتعب أحدًا، فعندما لا يعود العالم يرى جسدي أكون تلميذًا حقيقيًا للمسيح.

- أرجو أن أحظى بمعونة صلاتكم، بمجابهة الوحوش في روما لأتمكّن من أن أكون حقًا تلميذ المسيح.

- هيِّجوا هذه الوحوش الضارية لتكون قبرًا لي، ولا تترك شيئًا من جسدي... حينئذ أصير تلميذًا حقيقيًا ليسوع المسيح عندما لا يرى العالم جسدي... صلّوا إلى المسيح من أجلي حتى عندما أعدّو بفضل الوحوش الضارية ضحيّة إلهي.

القديس أغناطيوس الأنطاكي

لم يجد الرسول بولس في هذا الوصف ما يفزعه، ولا ما يستحق التفكير فيه، إنما بروح القوة التي يتمتع بها خلال النعمة الإلهية حسب ذلك تكميلاً لآلام المسيح ومشاركة حب مع المصلوب. إنها فرصة ممتعة أن ينفتح الباب لينطلق ويكون مع المسيح، ذاك أفضل جدًا (في 1: 23).

في رسالة إلى هيليودورس Heliodorus كتب القديس جيروم معبرًا عن ضرورة السمو فوق العواطف البشرية خلال محبة الله. [أجاب بولس على الإخوة الذين جاهدوا في منعه من الصعود إلى أورشليم: "ماذا تفعلون؟ تبكون وتكسرون قلبي. لأني مستعد ليس أن أربط فقط، بل أن أموت أيضًا في أورشليم لأجل اسم الرب يسوع" (أع 21: 13). فالعاطفة الطبيعية التي غالبًا ما تتلف الإيمان، يلزم أن ترتد بلا قوة من حصن الإنجيل "أمي واخوتي هم الذين يعملون مشيئة أبي الذي في السماوات" (لو 8: 21؛ مت 12: 50). إن كانوا يؤمنون بالمسيح فليأمروني إذ أذهب لأحارب باسمه، وإن كانوا لا يؤمنون "دع الموتى يدفنون موتاهم" (مت 8: 22).]

- يا لروعة أن يوصيهم أن يتغلّبوا برجولة على كل اضطهاد، وأن يجتازوا التجارب بجسارة... إن كان إنسان ما مستعدًا أن يحتمل مخاوف الموت ويزدري بها، فهل لو وضع نفسه ورحل أفلا يبقى له شيء مذخّرًا له؟ لأنه فيما هو يضع نفسه يجدها بنوعٍ ما، بينما لو وجد حياته يجلب الهلاك لنفسه. لهذا أي خوف يمكن أن يشعر به القدّيسون إن كان ما يبدو قبلاً أنه صعب يكون لهم مفرحًا أن يحتملوه.

القديس كيرلس الكبير

"ولمّا لم يقنع، سكتنا قائلين: لتكن مشيئة الرب". [14]

واضح أنهم كانوا يلحون على الرسول بولس ألا يصعد إلى أورشليم، لكنهم إذ رأوا إصرار الرسول بولس مع قبوله هذه النبوة بفرحٍ أدركوا أن هذه هي مشيئة الله، فخضعوا لها. لقد أدركوا أن قرار الرسول ليس عن اعتداد في نفسه أو كبرياء ولا عن تهورٍ، لكنه دخول في طريق الصليب بفرحٍ مع تسليم كل شيء في يدي الله. كما لم يتلمسوا أدنى تردد أو تخوف مما سيحدث، فلمسوا يد الله العاملة في قلبه وفكره وكل حياته.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 21 جـ3 PDF Print Email

4. صعوده إلى أورشليم

"وبعد تلك الأيام تأهبنا وصعدنا إلى أورشليم". [15]

أعدوا أنفسهم للرحلة، إنهم أشبه بجنودٍ حملوا ما يلزمهم للضرورة، وربما كان معهم ما جمعوه من مالٍ من كنائس مكدونية وأخائية لحساب فقراء أورشليم. انطلق معه من كان في صحبته وهم يتوقعون ما سيحل بالرسول من ضيقات، وقد أرادوا أن يكونوا في رفقته وسط الآلام.

- إذ سمع بولس أنه سيحتمل مخاطر كثيرة أسرع لا ليضع نفسه في المخاطر، لكنه حسب ذلك أمرًا من الروح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

5. مشورة الإخوة له في أورشليم

"وجاء أيضًا معنا من قيصرية أناس من التلاميذ، ذاهبين بنا إلى مناسون، وهو رجل قبرسي تلميذ قديم لننزل عنده". [16]

ذهب معهم أيضا مجموعة من مؤمنى قيصرية، وكان من بينهم مناسون القبرصي، له منزل في أورشليم، ينزلون فيه، إذ يصعب أن يجد أحد مسكنًا يستأجره في أورشليم في وقت العيد.

لقد سمع مناسون ما سيحل ببولس من ضيقات في أورشليم، ومع هذا لم يمتنع عن أن يستضيفه هو ومن معه مرحبًا بهم دون اعتبار لأية متاعب قد تحل به بسببهم.

جاء النص اليوناني غير واضح إن كان مناسون جاء معهم من قيصرية ليستضيفهم في بيته في أورشليم، أو جاءوا هم إلى بيته ولم يكن معهم في قيصرية وأنه كان معروفًا للمؤمنين في قيصرية. يرى البعض أنه كان في الطريق ما بين قيصرية وأورشليم مروا به وجاء معهم.

بعد غيبة طويلة عاد القديس بولس إلى أورشليم بعد أن تعرض لمخاطر كثيرة في بلاد كثيرة.

"ولمّا وصلنا إلى أورشليم قبلنا الاخوة بفرح". [17]

في عشية عيد الخمسين في 27 مايو من سنة 57م، لأن العيد في تلك السنة كان في 28 مايو، التقى الرسول بتلاميذه القدامى في بيت مناسون وقد ساد الفرح على الكل، وكان معه القديس لوقا وبقية زملاء سفره.

- وإن كان (القادم) ليس بولس بل مؤمن أو أخ، وإن كان الأخير فإن المسيح يدخل إليك به. افتح بيتك واستقبله، إذ يقول: "من يقبل نبيًا فأجر نبي يأخذ" (مت 10: 41)... هكذا من يقبل المسيح يقبل أجر من يستضيف المسيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وفي الغد دخل بولس معنا إلى يعقوب، وحضر جميع المشايخ". [18]

يبدو أن يعقوب كان في ذلك الحين الرسول الوحيد المقيم قي أورشليم، قام القديس بولس ومن معه بزيارته.

"فبعدما سلّم عليهم، طفق يحدثهم شيئًا فشيًئا بكل ما فعله اللَّه بين الأمم، بواسطة خدمته". [19]

بروح التواضع لم يستعرض الرسول إنجازاته الفائقة، إنما حدثهم شيئًا فشيئًا، في هدوء وروية عن أعمال الله الفائقة بين الأمم بواسطة خدمته. وكما كان يؤكد "أنا ما أنا، ولكن نعمة الله العاملة بي". كان يؤمن أنه كان يزرع، وآخرون يسقون مثل أبلوس، لكن الله هو الذي ينمي.

"فلما سمعوا كانوا يمجّدون الرب، وقالوا له: أنت ترى أيها الأخ كم يوجد ربوة من اليهود الذين آمنوا، وهم جميعًا غيورون للناموس". [20]

بالرغم من سرور القادة بعمل الله على يدي بولس لكنهم أرادوا تحذيره بأن ربوة من اليهود قبلوا الإيمان المسيحي مع غيرتهم على الناموس، وقد بلغهم أن الرسول بولس يكرز بإنجيل النعمة متجاهلاً الناموس. فيطالب اليهود أن يتركوا تهودهم، ويكفوا عن أن يحسبوا أنفسهم يهودًا، أي يصيرون من الأمم، وأنه لا حاجة للختان ولا للعادات اليهودية.

يرى البعض أنه كان من بين المشايخ الحاضرين من قبلوا الإيمان المسيحي لكنهم لازالوا يعتزون بالفكر الفريسي، يحسبون المسيح والكرازة به لخدمة الناموس ومجد إسرائيل مع الاعتزاز بحرف الطقوس والعوائد اليهودية. لقد مجدوا الرب لانتشار الإيمان في مدنٍ كثيرةٍ بصورة فائقة وسريعة، لكن ما أقلقهم هو ما سمعوه عن الرسول بولس أنه مقاوم للطقوس الناموسية.

- لاحظوا بأي تواضع تحدثوا. "قالوا له" ولم يتكلم يعقوب كأسقف له سلطان، بل تحدثوا مع بولس كشريكٍ معهم في وجهة نظرهم: "أنت ترى أيها الأخ" كما لو كانوا في الحال يعتذرون عن أنفسهم قائلين: "لسنا نريد هذا، ألا ترى ضرورة هذا الأمر؟" قالوا: "كم يوجد ربوة من اليهود الذين جاءوا"، ولم يقولوا: "كم يوجد ربوة من اليهود جعلناهم نحن موعوظين"، إنما هم جاءوا. روى بولس لهم ما حدث مع الأمم ليس لنوال مجد باطل، حاشًا! وإنما لإظهار رحمة الله، ولكي يملأهم فرحًا. انظروا إذ قيل: "فلما سمعوا كانوا يمجدون الله" لم يمدحوا بولس ولا أعجبوا به، فقد روى لهم بحكمة ناسبًا كل شيء لله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وقد أخبروا عنك، أنك تُعلم جميع اليهود الذين بين الأمم الارتداد عن موسى قائلاً: أن لا يختنوا أولادهم، ولا يسلكوا حسب العوائد". [21]

ربما يتساءل البعض: ألم يقرر المجمع المنعقد في أورشليم ألا يُثقل على الأمم، ويكفي الامتناع عن الزنا وأكل الدم (أع 15)؟ يجيبون أن هذا القرار يتضمن الآتي:

- أن الطقوس الخاصة بالشريعة، وان كان يجب تطبيقها روحيًا لا حرفيًا، لكنها صدرت بتشريعٍ إلهيٍ.

- أن ما أصدره المجمع خاص بالذين خارج أورشليم.

- أنه يُطبق على الأمم وحدهم دون اليهود حتى الذين في الشتات.

- لم يتعرض المجمع لما سيحدث عند نمو الكنيسة وتزايد عدد القادمين من الأمم، خاصة عندما يُطرد المسيحيون من الهيكل، وعندما تخرب أورشليم.

فالإشاعات التي بلغت أورشليم كانت غير صحيحة، لأن الرسول بولس لم يكن يطالب كل اليهود بهذا، وإنما سمح للأمم القادمين للإيمان بهذا. هذا ومن جانب آخر فقد أكد أن الخلاص لا يقوم على الممارسة الحرفية للطقوس اليهودية بل على الإيمان بالمسيح العامل بالمحبة. فالناموس بحرفيته عاجز عن التبرير.

كانت القيادات الكنسية تدرك أن ما قد بلغ أورشليم من إشاعات كاذبة، لكن لإرضاء هذه الألوف من المؤمنين يلزم تقديم برهان عملي على كذب هذه التقارير.

إننا نقف مع القديس يوحنا الذهبي الفم في دهشة أمام هذه الشخصية العجيبة في حبها الفائق للمقاومين، واتساع فكرها وحكمتها. فبينما وقف اليهود حتى الذين تنصروا موقف العداء منه طوال فترة خدمته إلى آخر نسمة من حياته يتهمونه كمقاوم للناموس، بروح الحب يكتب إليهم في رسالته إلى العبرانيين: "صلوا لأجلنا. لأننا نثق أن لنا ضميرًا صالحًا، راغبين أن نتصرف حسنًا في كل شيء" (عب 13: 18). [إنه يطلب من الذين يبغضونه ما يطلبه كل الآخرين ممن يحبونه، أي الصلاة من أجله، قائلاً: "لأننا نثق أن لنا ضميرًا صالحًا". فلا تخبرونني عن اتهامات، فإن ضميرنا، كما يقول، لن يسيء إليكم في شيء، ولن نشعر من نحو أنفسنا أننا ندبر مكائد ضدكم. يقول: "لنا ضمير صالح"، ليس فقط من نحو الأمم، بل وأيضًا من نحوكم. لم نفعل شيئًا بخداعٍ، ولا في رياءٍ. إذ يبدو أنه قد بلغ إليهم هذا... أكتب إليكم هذا، ليس كعدوٍ، ولا كخصمٍ، بل كصديق.]

إنه أمر طبيعي أن يجتمع اليهود الذين قبلوا الإيمان، إذ سمعوا أن بولس قد حضر إلى أورشليم، وأنهم سيحتجون بشدة على موقفه كما صورته التقارير الخاطئة.

"فإذا ماذا يكون لابد على كل حال أن يجتمع الجمهور، لأنهم سيسمعون أنك قد جئت". [22]

"فأفعل هذا الذي نقول لك، عندنا أربعة رجال عليهم نذر". [23]

اظهروا للرسول كمن لا يصدقون ما قيل ضده، أنه يبرأ نفسه بأن يحتضن العمل الناموسي بالنسبة لليهود المتنصرين، وإن كان الأمم الذين تنصروا هم في حل من هذه الطقوس. يرى البعض انه وُجد بينهم من كانوا خبثاء، لأنهم يعلمون تمامًا فكر الرسول بولس، وهم وأمثالهم تعقبوه في أكثر البلاد ليثيروا اليهود المتنصرين وغير المتنصرين ضده، بكونه مقاومًا للناموس.

- نقول هذا كنصيحة وليس أمرًا... ليكن دفاعك بالعمل لا بالكلام.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"خذ هؤلاء وتطهر معهم، وأنفق عليهم ليحلقوا رؤوسهم، فيعلم الجميع أن ليس شيء ممّا أخبروا عنك، بل تسلك أنت أيضًا حافظًا للناموس". [24]

"وأمّا من جهة الذين آمنوا من الأمم، فأرسلنا نحن إليهم، وحكمنا أن لا يحفظوا شيئًا مثل ذلك، سوى أن يحافظوا على أنفسهم، مما ذٌبح للأصنام ومن الدم والمخنوق والزنى". [25]

يؤكد يعقوب الرسول أن ما يطلبونه من الرسول بولس لا يتعارض مع قرارات مجمع أورشليم (أع 15) حيث أنها خاصة بالأمم وحدهم.

- هنا بنوع من الاحتجاج يقولون "نحن" أمرناهم، مع أننا كارزون لليهود، هكذا فلتفعل أنت مع أنك كارز للأمم، فلتتعاون معنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 21 جـ4 PDF Print Email


"حينئذ أخذ بولس الرجال في الغد، وتطهّر معهم، ودخل الهيكل، مخبرًا بكمال أيام التطهير إلى أن يُقرب عن كل واحدٍ منهم القربان". [26]

لكي يصالح كنيسة أورشليم ويكسبهم ويدخل بهم تدريجيًا إلى المفاهيم الروحية العالية مارس بعض الطقوس الخاصة بالتطهير. وكما سبق فكتب: "صرت للذين بلا ناموس كأني بلا ناموس، مع إني تحت ناموس المسيح، لأربح الذين هم بلا ناموس" (1 كو 9: 21). وهكذا صار أيضًا للذين تحت الناموس كأنه تحت الناموس ليحرر المستعبدين للحرف لحساب المسيح.

"كمال أيام التطهير"
هي شريعة النذر، فإذا نذر اليهودي نذرًا من أجل ضيقة أو طلبٍ يطلبه يترك خصل شعره لمدة ثلاثين يومًا، ولا يذق خمرًا أو مسكرًا (عد 6: 2-5)، لأنه مقدس للرب. وفي نهاية المدة يأتي بذبائح النذير، وإن كان الشخص غير قادر على تقديمها يلجأ إلى من هو مقتدر لينفق عليه. لهذا قيل لبولس: "تطهر معهم وانفق عليهم" وقد وردت ذبائح النذير وتقدمانه في عد 6: 14-21.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه كان يمكن للقديس بولس أن يُحضر القديس تيموثاوس كمثلٍ، إذ قام هو بختانه بنفسه، لكنه أذعن لرأيهم وفعل كل ما طلبوه، فإن هذا نافع لإزالة كل شيء، متحملاً كل النفقات.

بحسب الشريعة فإن الذين عليهم نذور يلزمهم ملاحظة الآتي في وقت تطهريهم: أن يمتنع الشخص عن الخمر والمسكر، ولا يأكل عنبًا طازجًا أو جافًا، ولا يقترب من جثمان (لشخصٍ ميتٍ) حتى وإن كان الشخص أباه أو أمه أو أخاه أو أخته (عد 6: 3-7)، وأن يقدم تقدمات حتى تكمل أيام نذره. وأن يحلق رأسه في فترة نذره (عد 6: 5)

يشير القديس بولس إلى مثل هذا الإجراء الذى مارسه بقوله: "صرت لليهودي كيهودي لأربح اليهود؛ وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لكي يربح الذين تحت الناموس" (1 كو 9: 20). فكما في كرازته للأمم رأى ألا يعارضهم في الأمور غير الضرورية، تاركًا لهم حرية اللبس واللغة وعادات الأكل والشرب وغيرها مادامت لا تتعارض مع الإيمان، هكذا يرى ألا يقاوم اليهود فيما هم متمسكون به مادام ليس ضد الإيمان بالسيد المسيح.

- لم يتظاهر بولس بما هو ليس عليه، بل أظهر حنوًّا.

- من يقوم بتمريض شخص مريض، يصير كما لو كان هو نفسه المريض، لا بأن يتظاهر أنّه مصاب بحمّى، بل بالتفكير المتعاطف ماذا يود أن تكون المعاملة معه لو كان هو مريضًا.

القديس أغسطينوس

- في كل موضع يصير المخلّص... "كل شيء لكل أحدٍ". فللجائع يصير خبزًا، وللعطشى ماءً، وللموتى القيامة، وللمرضى الطبيب، وللخطاة الخلاص.

القديس كيرلس الأورشليمي

- هل تظاهر بولس أن يكون كل شيء لكل البشر، بطريقة تحمل مداهنة؟ لا، بل هو رجل اللَّه، وطبيب الروح، القادر أن يشخّص كل ألمٍ، وباجتهادٍ عظيم يهتم بهم ويتعاطف مع جميعهم. جميعنا لدينا بطريق أو آخر شيء مشترك مع كل أحدٍ. هذا التعاطف هو ما تبنّاه بولس في تعامل مع كل شخصٍ بصفة خاصة.

أمبروسياستر

6. شغب في الهيكل

"ولمّا قاربت الأيام السبعة أن تتم، رآه اليهود الذين من آسيا في الهيكل، فأهاجوا كل الجمع، وألقوا عليه الأيادي". [27]

قبلاً كان شاول الطرسوسى معروفًا في الهيكل، أما بعد هذه السنوات الطويلة فكثيرون، خاصة من الشعب، لم يعرفوه، بل صار غريبًا عنهم. بقي تقريبًا كل السبعة أيام في أيام التطهير داخل الهيكل ولم يشعر به أحد من المقاومين للإيمان المسيحي.

دخل الرسول الهيكل ومعه الأربعة ذوو النذر، وقد تطهر الجميع، متجها نحو رواق الكهنة للاتفاق معهم على أثمان الذبائح. وكان يظن أنه بهذا يهادن المتعصبين ضده من جهة الناموس. وإذ كان الوقت هو عيد الخمسين، وقد جاء اليهود من كل العالم، رآه الذين هم من آسيا، خاصة الذين من أفسس، وكانوا قد امتلأوا حقدًا ضد هذا الإسرائيلي المقاوم للناموس. تعرف عليه لا اليهود الذين في أورشليم وإنما الذين في الشتات، في آسيا الصغرى. لم يذهبوا إلى رئيس الكهنة، ولا إلى قضاة المدينة، ليقدموا اتهامات ضده، لأنهم ربما شعروا أن هذا التصرف الحكيم لن يحقق لهم اشتياقهم من جهة الخلاص من بولس، إنما لجأوا إلى شغب شعبي. إذ أحدثوا شغبًا داخل الهيكل دنسوه، وأفسدوا هدوءه وقدسيته تحت ستار الغيرة على الناموس وعلى قدسية الهيكل.

الآن صار في وسطهم بين أيديهم، داخل الهيكل، ليس من أعوان له من الأمم المتنصرين، ولا من قانون روماني يحميه داخل الهيكل، فوثبوا عليه وهيجوا الجمع اليهودي ضده بكونه مدنسًا للموضع المقدس. إنها ساعتهم وسلطان الظلمة (لو 22: 53).

"صارخين: يا أيها الرجال الإسرائيليون، أعينوا، هذا هو الرجل الذي يُعلّم الجميع في كل مكان، ضدًا للشعب والناموس وهذا الموضع، حتى أدخل يونانيين أيضًا إلى الهيكل، ودنّس هذا الموضع المقدس". [28]

"صارخين يا أيها الرجال الإسرائيليون"، أي يا أصدقاء ناموس موسى والمؤتمنون على حفظ الشريعة. "هذا هو الرجل"... هو بعينه الذي يشغل أذهان الكل حتى وإن لم يعرفوه بالوجه، هذا هو المقاوم للأمة الإسرائيلية ولناموس موسى والهيكل.

- قالوا: "أيها الرجال الإسرائيليون أعينوا"، كما لو كان هناك وحش ضخم يصعب اصطياده، ويصعب التغلب عليه، وقد سقط بين أيديهم. قالوا: "يعلم الجميع في كل مكان"، وليس هنا فقط. فالاتهام صار متفاقمًا للغاية في الظروف الحاضرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأنهم كانوا قد رأوا معه في المدينة تروفيمس الأفسسي، فكانوا يظنّون أن بولس أدخله إلى الهيكل". [29]

رأوا تروفيموس معه في مدينة أورشليم، وظنوا أنه مرافق له أينما وجد، حتى داخل الهيكل. ما رآه الشعب هو بولس الرسول، لكنهم صدقوا أن في صحبته تروفيموس داخل الهيكل. كثيرا ما يصدق الشعب أكاذيب خلال رؤيتهم لنصف الحقيقة دون التأكد من الحقيقة كاملة. نصف الحقيقة أن بولس في الهيكل والنصف الكاذب أنه أدخل معه تروفيموس إلى الهيكل.

"فهاجت المدينة كلها، وتراكض الشعب، وأمسكوا بولس وجرّوه خارج الهيكل، وللوقت أُغلقت الأبواب". [30]

سرعان ما ثارت الجماهير التي في المدينة فسحبت الرسول بولس من دار إسرائيل إلى دار الأمم، ثم أغلقت الأبواب لمنع أي شغب متزايد داخل الهيكل.

إذ جروه خارج الهيكل وأغلقوا الأبواب بين رواق الأمم وباقي الهيكل ليقتلوه، نما الخبر إلى أمير الكتيبة، فأخذ عسكرًا وقواد مئات وركض إليهم. وبكل جهد أنقذوه وحموه بدروعهم وحملوه على أكتافهم.

يمكننا أن نتصور كيف أن اليهود القادمين من كل بلاد العالم قد حضروا إلى الهيكل كأقدس موضع على وجه الأرض، ليحتفل الكل بالعيد، وها هم يمسكون برجلٍ يدنس الهيكل كمن أُمسك في ذات الفعل. لا يمكن لإنسان أن يتصور مشاعرهم وقد أرادوا الفتك بمرتكب هذه الجريمة، إذ في ذهنهم أنه يود أن يجرد الكل من أعز ما لديهم: الهيكل والناموس والعوائد الدينية.

لقد ألقوا القبض عليه، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يحتاجوا بعد إلى شرائع ولا إلى المحاكم للعدالة، فقاموا بضربه، أما هو فاحتمل بصبر لكي يقدم دفاعه فيما بعد وحججه، لأنهم لم يسمعوا له.]




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 21 جـ5 PDF Print Email
7. تدخّل أمير الكتيبة

"وبينما هم يطلبون أن يقتلوه، نما خبر إلى أمير الكتيبة أن أورشليم كلها قد اضطربت". [31]

كانت قلعة أنتونيا Antonia حيث تقيم فيها الكتيبة العسكرية الرومانية، شمال غرب الهيكل، مرتبطة بالهيكل بمجموعتين من السلالم حتى يمكن سرعة تحركها عند الضرورة. كانت الكتيبة تضم ألفا من الجند. إذ سمع أمير الكتيبة بمحاولة قتل بولس أخذ معه على الأقل قائدي مئة ومائتين جنديا وتدخل لإنقاذ حياته.

بُنيت قلعة أنتونيا بواسطة رئيس الكهنة يوحنا هيركانوس Hyrcanus ودعاها باريس Baris، وقام هيرودس الكبير بتجميلها وتقويتها، ودعاها أنتونيا نسبة إلى صديقه مرقس أنطوني Mark Anthony، يصفها يوسابيوس بأن لها أربعة أبراج، أحدها يبلغ ارتفاعه 70 ذراعًا، تكشف كل ما يجري داخل الهيكل، تطل على الهيكل. وهي تحوي قشلاقات تسع لحوالي ألف جندي، كل منهم يتواجد بصفة دائمة على أهبة الاستعداد في أية لحظة.

الكلمة المترجمة "أمير كتيبة" وردت عدة مرات في العهد الجديد (مت 27: 65-66؛ يو 18: 12؛ أع 5: 26)، تشير إلى من يقود 1000 شخصًا. اسم أمير الكتيبة هو كلوديوس ليساس (أع 23: 26).

"فللوقت أخذ عسكرًا وقواد مئات وركض إليهم، فلما رأوا الأمير والعسكر، كفّوا عن ضرب بولس". [32]

"حينئذ اقترب الأمير وأمسكه، وأمر أن يقيد بسلسلتين، وطفق يستخبر تُرى من يكون وماذا فعل". [33]

لعله أراد بهذا أن يهدئ من روع الجماهير، بأنه لن يفلت أحد من يد العدالة، وفي نفس الوقت إذ يكون مقيدًا بعسكريين يكون في ذلك حماية له حتى تتم محاكمته. وربما قًيدت أيضًا رجلاه ولكن بطريقة تسمح له بالحركة، وبهذا تحققت نبوة أغابوس (أع 21: 11).

إذ كان الأمير قد خُدع من قبل من ذلك المصري الذي قام بثورة سابقًا، وهرب من بين يدي الجنود،احترس ليسياس هذه المرة، وقيد بولس بسلسلتين، كل منهما مربوطة بيد جندي، فاقتاده جنديان وهو مربوط من كلتا يديه، وقد أحاط به الجند حوله.

"وكان البعض يصرخون بشيء، والبعض بشيء آخر في الجمع، ولمّا لم يقدر أن يعلم اليقين لسبب الشغب، أمر أن يذهب به إلى المعسكر". [34]

إذ سأل الأمير الشعب الثائر: "من هو هذا الإنسان؟ وما هي جريمته؟" كانت الإجابة صرخات بلا معنى. لم يعرفوا حقيقة بماذا يتهمون الرسول؟ كان البعض يصرخ بشيء, وآخرون بشيء آخر. ولم يستطع الأمير ولا رجاله أن يتحققوا الأمر.

"ولمّا صار على الدرج اتفق أن العسكر حمله بسبب عنف الجمع". [35]

حُمل بولس إلى القلعة، وقد تزايدت الصرخات، ولم يعرف أمير الكتيبة ماذا وراء هذا كله.

تشجعت الجماهير المحتشدة المتعصبة بلا فهم حين رأت فريستهم قد صارت في القيود. وإذ كان كثيرون منهم قد وضعوا في قلوبهم أن يسحقوه خدمة لله ولشعبه هجموا عليه وهو في وسط الجنود، وصاروا يضربونه ويلكموه بكل عنف من كل جانب وهم يصرخون: اقتله, اقتله. ولولا أن العسكر حملوه إلى الدرج لمزقته الجماهير.

"لأن جمهور الشعب كانوا يتبعونه صارخين: خذه". [36]

كانت الجماهير في حالة هياج شديد, تساندهم بل وتدفعهم القيادات اليهودية الدينية لقتله. وارتبك الأمير ورجاله, إذ لم يجدوا تفسيرًا منطقيًا لما يحدث.

كان العسكر في حيرة بين ثورة الجماهير وعدم مبالاتهم بوجود الحراسة المشددة وبين ترقبهم للأوامر التي تصدر إليهم من الأمير. وفي وسط هذا كله لم يوجد شخص واحد يلتزم بالهدوء مع السلام الداخلي سوى الرسول بولس نفسه. إذ قارب أن يدخل المعسكر أومأ إلى الأمير ليسأله.

موقف غريب لم يره من قبل الأمير ولا توقعه, خاصة وقد لاحظ ما على سمات الرسول من هدوء, لذا اقترب منه يسمع إليه.

"وإذ قارب بولس أن يدخل المعسكر، قال للأمير: أيجوز لي أن أقول لك شيئًا؟ فقال: أتعرف اليونانية". [37]

تحدث الرسول مع أمير الكتيبة باليونانية، فدُهش لأنه كان يظنه يهودي مصري سبق أن صنع فتنة مدعيًا أنه نبي، خرج وراءه أربعة آلاف شخص إلى جبل الزيتون. وكما يقول يوسيفوس أنه قال لهم سيظهر لهم كيف تتساقط حصون أورشليم، وأنه سيعبر بهم خلال هذه الحصون الساقطة. كما يقول أنه جَمع 30000 نسمة ضللهم وذهب معهم إلى جبل الزيتون، وقال لهم أنه مستعد أن يدخل أورشليم بالقوة. قام فيلكس الوالي بإثباط هذه الحركة بقوى عسكرية قتلت 400 شخصًا منهم وأسروا 200 شخصًا. هرب المصري ولم يظهر بعد. لهذا كان طبيعيًا أن يظن أمير الكتيبة أنه المصري الهارب، قد عاد فثارت الجماهير عليه.

"أفلست أنت المصري الذي صنع قبل هذه الأيام فتنة، وأخرج إلى البرية أربعة الآلاف الرجل من القتلة؟" [38]

إن كان يوسيفوس قد ذكر أنه خدع 30000 شخصًا، بينما يقول الأمير أنه خرج وراءه 4000 شخصًا، فإن ما ذكره القديس لوقا هو ما نطق به الأمير، وربما كان الأمير لا يود ذكر العدد كاملاً حتى لا يعطي لهذا المصري تقديرًا عظيمًا وقدرة على جذب هذا العدد.

يرى البعض أن تقدير الأمير أقرب إلى الحقيقة من تقدير يوسيفوس، لأن الأخير ذكر أن القتلة 400 والمقبوض عليه أحياء 200 شخصًا، وهذا العدد يكون قليلاً جدًا لو أن اتباع المصري 30000 نسمة.

"فقال بولس: أنا رجل يهودي طرسوسي، من أهل مدينة غير دنية من كيليكية، والتمس منك أن تأذن لي أن أُكلم الشعب". [39]

حولت العناية الإلهية هذا الاضطراب للخير، فقد وجد الرسول بولس فرصته للحديث معهم، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه استطاع أن يجتذبهم للاستماع إليه بحديثه معهم بلغتهم المحلية هذا مع رقته ولطفه في الحديث.

اضطر الرسول أن يعلن عن موطنه فهو رجل يهودي شريف المولد، ولد في طرسوس التي اشتهرت بالعلم، وكانت تنافس الإسكندرية وأثينا. دعاها اكسنفون Xenophon مدينة عظيمة مزدهرة. وقال عنها يوسابيوس إنها العاصمة أكثر المدن شهرة بين البلاد الكليليكية. كيهودي من حقه الدخول في الهيكل، وممارسة العبادة فيه، وكرجل متعلم قادر أن يتحدث مع الشعب.

"فلما أذن له، وقف بولس على الدرج، وأشار بيده إلى الشعب، فصار سكوت عظيم، فنادى باللغة العبرانية، قائلاً:" [40]

وقف القديس بولس وهو قليل في جسمه, لكن كان الجميع يرونه وهو على أعلى درجات السلم. يقف بين العسكر وقد حملوا أسلحة برّاقة. كان مربوط بالسلاسل, لكنه كان سيد الموقف كله. هدوءه العجيب وسلامه الداخلي أدهش الكثيرين حتى من الثائرين ضده.

لم يحسب هذا الموقف مخزيًا له, بل كان في قمة المجد, كأنه قد صعد على سلم يعقوب, وارتفع إلى حيث الرب واقف, يحوط به العسكر السمائيون. ويتطلع بقلب ينبض حبًا نحو مقاوميه, لعل نعمة اللَّه تقتنصهم فيختبروا ما يتمتع به من أمجاد داخلية.

إذ وقف على الدرج المؤدي إلى القلعة أشار بيده للجموع، والعجيب أنه صار سكوت عظيم. هذه نعمة إلهية فائقة أن يصمت الثائرون ليسمعوا له. لم يكن يحلم الرسول بولس بهذه الفرصة الرائعة ليشهد لمسيحه أمام جميع طبقات الأمة اليهودية بكافة علمائها ورؤسائها وأتقيائها، أقام اليهود الذين من أورشليم والقادمين من كل أنحاء العالم. لقد وهبه الرب نعمة، فما أن أشار بيده حتى صار سكوت عظيم. يا له من أسير مربوط بسلسلتين صاحب سلطان، لكنه إذ يشير إلى الشعب ينصت منتظرًا أن يسمع منه كلمة.

تحدث معهم لا بالآرامية، لغة عامة الشعب، وإنما بالعبرانية العامية والتي يدعى سريانية-كلدانية، التي لا يتقنها سوى علماء اليهود والكهنة، لغة العبادة والطقس. سمعوه يتحدث بلغتهم الأصلية، لغة الكتاب المقدس، لغة الهيكل والعظماء، فصار سكوت عظيم.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 21 جـ6 PDF Print Email
من وحي أع 21

قيود الحريّة الماسيّة!

- كان رسولك بولس في طريقه إلى أورشليم،

وقد التهب قلبه شوقًا للشهادة لك في روما.

اشتهى العمل بين الأمم،

وإن كان سجينًا ومقيّدًا بالسلاسل.

لم يشغله ما سيعانيه في طريقه إلى روما

مادام روحك القدّوس قائدًا له.

- في صور توسّل إليه الإخوة،

ألاّ يصعد إلى أورشليم.

إنّهم مُدركون ما تنتظره من شدائد خطيرة حتى الموت.

والعالم كلّه في حاجة إلى كرازته!

- لم تشغله آلام الطريق،

إنّما بلوغ إنجيلك إلى عاصمة العالم!

في حب خرجت الجماهير رجالاً ونساء مع أطفال،

ليجثوا مع الرسول على الشاطئ،

ويقدّموا صلاة شكر لك يا مدبّر حياة الكنيسة وخدمتها.

- وفي قيصريّة تنبّأت بنات فيلبّس العذارى،

وربّما أعلن عمّا سيحلّ بالرسول.

جاء أغابوس يؤكّد تسليم الرسول للأمم لمحاكمته.

توالت المشورات والنبوّات،

أمّا قلب بولس فكان متعلّقًا بالشهادة لك.

انكسر قلبه بسبب إلحاح الجمع ألاّ يصعد إلى أورشليم.

إنّه مستعد لا أن يُربط فقط،

بل ويموت في أورشليم من أجل إنجيلك.

أحبته الجماهير في كل بلدٍ،

وأدرك الكل أنّهم في حاجة إلى كل دقيقة من حياة رسولك.

وأحبّهم رسولك مشتهيًا أن ينفَق ويُنفِق من أجلهم.

لكن حبّه لأجل نشر الكلمة يسمو فوق كل عاطفة!

- في تواضعٍ قبل رسولك مشورة الإخوة في أورشليم.

هاجت الجماهير في الهيكل ضدّه.

كثيرون اشتهوا قتله مع أنّهم لم يروه من قبل،

لكن تعصبّهم الأعمى أفسد بصيرتهم.

ليهج الكل،

وأمّا رسولك فيقف في سلامك العجيب ليشهد لك.

هب لي يا ربّما قلب بولس الناري للعمل لحساب ملكوتك!

- اسمح لي يا سيدي أن أرى بعينيك ما هو عليه رسولك.

أراه معك ليس واقفًا على درج الحبس,

بل محمولاً على الأذرع الأبدية.

قيوده أبرع جمالاً من كل حلىِ ذهبي.

قيوده كأنها مرصعة بالماس وكل حجارة كريمة.

يحيط به الجنود بعنفهم,

لكن حوله الملائكة يتهللون فرحًا وبهجة بقديسك!

يقف ليتكلم,

ولكن روحك القدوس هو الموجه لكل أحاديثه!

أي ملك أعظم من بولس؟

وأي رئيس أكثر منه قوة وسلطاناً؟

- تطلعت إليه القيادات اليهودية فرأته مستحق الرجم أو الصلب,

حتى يطهروا الأرض منه!

وتطلعت الجماهير إليه، تود أن تفتك به،

لأنه في نظرهم مجرم،

ولكن لا يدرون ما هي جريمته.

وتطلع إليه الأمير وقد انحنت نفسه أمام هدوءه العجيب وسلام قلبه الفائق.

وتطلع إليه العسكر في حيرة, إذ لم يروا سجينًا مثله!

وتطلعت إليه الطغمات السمائية وهي تطّوبه،

لأنه بفرحٍ يُصلب معك!

وتتطلع إليه أنت يا سيدي,

لترحب به في الملكوت!

طوباك يا بولس العجيب!

1 و لما انفصلنا عنهم اقلعنا و جئنا متوجهين بالاستقامة الى كوس و في اليوم التالي الى رودس و من هناك الى باترا
2 فاذ وجدنا سفينة عابرة الى فينيقية صعدنا اليها و اقلعنا
3 ثم اطلعنا على قبرس و تركناها يسرة و سافرنا الى سورية و اقبلنا الى صور لان هناك كانت السفينة تضع وسقها
4 و اذ وجدنا التلاميذ مكثنا هناك سبعة ايام و كانوا يقولون لبولس بالروح ان لا يصعد الى اورشليم
5 و لكن لما استكملنا الايام خرجنا ذاهبين و هم جميعا يشيعوننا مع النساء و الاولاد الى خارج المدينة فجثونا على ركبنا على الشاطئ و صلينا
6 و لما ودعنا بعضنا بعضا صعدنا الى السفينة و اما هم فرجعوا الى خاصتهم
7 و لما اكملنا السفر في البحر من صور اقبلنا الى بتولمايس فسلمنا على الاخوة و مكثنا عندهم يوما واحدا
8 ثم خرجنا في الغد نحن رفقاء بولس و جئنا الى قيصرية فدخلنا بيت فيلبس المبشر اذ كان واحدا من السبعة و اقمنا عنده
9 و كان لهذا اربع بنات عذارى كن يتنبان
10 و بينما نحن مقيمون اياما كثيرة انحدر من اليهودية نبي اسمه اغابوس
11 فجاء الينا و اخذ منطقة بولس و ربط يدي نفسه و رجليه و قال هذا يقوله الروح القدس الرجل الذي له هذه المنطقة هكذا سيربطه اليهود في اورشليم و يسلمونه الى ايدي الامم
12 فلما سمعنا هذا طلبنا اليه نحن و الذين من المكان ان لا يصعد الى اورشليم
13 فاجاب بولس ماذا تفعلون تبكون و تكسرون قلبي لاني مستعد ليس ان اربط فقط بل ان اموت ايضا في اورشليم لاجل اسم الرب يسوع
14 و لما لم يقنع سكتنا قائلين لتكن مشيئة الرب
15 و بعد تلك الايام تاهبنا و صعدنا الى اورشليم
16 و جاء ايضا معنا من قيصرية اناس من التلاميذ ذاهبين بنا الى مناسون و هو رجل قبرسي تلميذ قديم لننزل عنده
17 و لما وصلنا الى اورشليم قبلنا الاخوة بفرح
18 و في الغد دخل بولس معنا الى يعقوب و حضر جميع المشايخ
19 فبعدما سلم عليهم طفق يحدثهم شيئا فشيئا بكل ما فعله الله بين الامم بواسطة خدمته
20 فلما سمعوا كانوا يمجدون الرب و قالوا له انت ترى ايها الاخ كم يوجد ربوة من اليهود الذين امنوا و هم جميعا غيورون للناموس
21 و قد اخبروا عنك انك تعلم جميع اليهود الذين بين الامم الارتداد عن موسى قائلا ان لا يختنوا اولادهم و لا يسلكوا حسب العوائد
22 فاذا ماذا يكون لا بد على كل حال ان يجتمع الجمهور لانهم سيسمعون انك قد جئت
23 فافعل هذا الذي نقول لك عندنا اربعة رجال عليهم نذر
24 خذ هؤلاء و تطهر معهم و انفق عليهم ليحلقوا رؤوسهم فيعلم الجميع ان ليس شيء مما اخبروا عنك بل تسلك انت ايضا حافظا للناموس
25 و اما من جهة الذين امنوا من الامم فارسلنا نحن اليهم و حكمنا ان لا يحفظوا شيئا مثل ذلك سوى ان يحافظوا على انفسهم مما ذبح للاصنام و من الدم و المخنوق و الزنا
26 حينئذ اخذ بولس الرجال في الغد و تطهر معهم و دخل الهيكل مخبرا بكمال ايام التطهير الى ان يقرب عن كل واحد منهم القربان
27 و لما قاربت الايام السبعة ان تتم راه اليهود الذين من اسيا في الهيكل فاهاجوا كل الجمع و القوا عليه الايادي
28 صارخين يا ايها الرجال الاسرائيليون اعينوا هذا هو الرجل الذي يعلم الجميع في كل مكان ضدا للشعب و الناموس و هذا الموضع حتى ادخل يونانيين ايضا الى الهيكل و دنس هذا الموضع المقدس
29 لانهم كانوا قد راوا معه في المدينة تروفيمس الافسسي فكانوا يظنون ان بولس ادخله الى الهيكل
30 فهاجت المدينة كلها و تراكض الشعب و امسكوا بولس و جروه خارج الهيكل و للوقت اغلقت الابواب
31 و بينما هم يطلبون ان يقتلوه نما خبر الى امير الكتيبة ان اورشليم كلها قد اضطربت
32 فللوقت اخذ عسكرا و قواد مئات و ركض اليهم فلما راوا الامير و العسكر كفوا عن ضرب بولس
33 حينئذ اقترب الامير و امسكه و امر ان يقيد بسلسلتين و طفق يستخبر ترى من يكون و ماذا فعل
34 و كان البعض يصرخون بشيء و البعض بشيء اخر في الجمع و لما لم يقدر ان يعلم اليقين لسبب الشغب امر ان يذهب به الى المعسكر
35 و لما صار على الدرج اتفق ان العسكر حمله بسبب عنف الجمع
36 لان جمهور الشعب كانوا يتبعونه صارخين خذه
37 و اذ قارب بولس ان يدخل المعسكر قال للامير ايجوز لي ان اقول لك شيئا فقال اتعرف اليونانية
38 افلست انت المصري الذي صنع قبل هذه الايام فتنة و اخرج الى البرية اربعة الالاف الرجل من القتلة
39 فقال بولس انا رجل يهودي طرسوسي من اهل مدينة غير دنية من كيليكية و التمس منك ان تاذن لي ان اكلم الشعب
40 فلما اذن له وقف بولس على الدرج و اشار بيده الى الشعب فصار سكوت عظيم فنادى باللغة العبرانية قائلا


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 22 جـ1 PDF Print Email

أول دفاع أمام اليهود


يقدم لنا الإنجيلي لوقا أول دفاع يوجهه الرسول بولس إلى اليهود، يفند فيه الاتهامات الثلاثة التي وُجهت ضده، وهي أنه ضد الأمة اليهودية، ومقاوم للناموس، ومدنس للهيكل. وقد جاء دفاعه يحوي الآتي:

- أنه عبراني بالمولد، غيور على أمته، ويعتز بلغته. هذه الغيرة يشهد لها مجمع السنهدرين نفسه ورئيس الكهنة، حيث كان يعمل معهم لمقاومة اسم يسوع.

- أن تحوله لم يكن بدعوة بشرية، بل بإعلان إلهي في لحظات مقاومته بكل عنف لاسم يسوع. فقد أنار له يسوع السماوي الطريق، وحوله من مضطهد للكنيسة إلى كارز بإيمانها.

- أنه لم يهجر الهيكل، بل يشارك في العبادة، وأن الرب نفسه ظهر له في الهيكل، يؤكد له أنه سيرفضه اليهود ليكرز بين الأمم.

1. يهودي غيور 1-3.

2. مضطهد للطريق 4-5.

3. نور من السماء 6-11.

4. دعوته للشهادة 12-16.

5. رؤية في الهيكل 17-21.

6. محاولة قتله 22-24.

7. روماني لا يُجلد 25-30.

1. يهودي غيور

"أيها الرجال الإخوة والآباء، اسمعوا احتجاجي الآن لديكم". [1]


بدأ دفاعه بالحديث معهم بكونه واحدًا منهم، يتطلع إليهم أنهم إخوته وآباؤه، يكِّن لهم كل حبٍ وتقديرٍ بكونهم بني أمته.

يتحدث بكل شجاعة بلا خوف، وكأنه يقول مع النبي: "لا أخاف من ربوات الشعوب المصطفين عليَّ من حولي" (مز 3: 6).

"فلما سمعوا أنه ينادي لهم باللغة العبرانية، أعطوا سكوتًا أحرى، فقال". [2]

كثيرون ممن نشأوا خارج اليهودية وصارت لهم ثقافة هيلينية كانوا يتحدثون باليونانية أو اللغات المحلية التي تربوا فيها ونسوا العبرانية، أما بولس الرسول فكمحبٍ لوطنه منذ صباه يجيد الحديث بالعبرانية بطلاقة، لذلك إذ خاطب الجموع بها سكتوا، علامة سرورهم بمن يعتز بهذه اللغة مهما كانت ثقافته.

هنا يعني هنا اللغة العامية وليست لغة العهد القديم، وتسمى السريانية، وهي لهجة عامية من العبرية، أو كما يدعوها البعض تحريفًا لها.

كما استراح له الشعب المستمع إليه، اطمأن له أيضًا القائد إذ سمعه يتحدث باليونانية والعبرانية العامية بطلاقة، فهو ليس بذاك المصري الذي يصنع فتنة وسط الشعب.

"أنا رجل يهودي، وُلدت في طرسوس كيليكية، ولكن رُبِّيت في هذه المدينة مؤدبًا عند رِجليّ غمالائيل، على تحقيق الناموس الأبوي، وكنت غيورًا للَّه كما أنتم جميعكم اليوم". [3]

تحدث عن نسبه لشعبه أنه يهودي، وكما كتب في رسالته إلى أهل فيلبي: "من جهة الختان مختون في اليوم الثامن، من جنس إسرائيل، من سبط بنيامين، عبراني من العبرانيين، من جهة الناموس فريسي" (في 3: 6). فهو ليس بالإنسان الغريب عنهم ولا سبطه غريب عن بقية الأسباط. مولود في طرسوس، عاصمة كيليكية، أي في بلد جدير بالشرف تتمتع بالحرية، وليس عبدًا كما هو حال بعض اليهود في الشتات، أي له شرف المولد.

هو أيضًا دارس متعلم جاء إلى أورشليم ليتعلم عند رجلي غمالائيل أبرز معلم للناموس اليهودي في عصره. اهتم بناموس الآباء معتزًا بالتقليد الآبائي السليم، فهو يعتز بما تسلمه الآباء وما سلموه جيلاً بعد جيلٍ، وأن ما يمارسه الآن هو امتداد حقيقي للتقليد الآبائي الحق، ليس فيه انحراف. إنه يعلن الأمانة التي تسلمها، ولكن بحسب الفكر الروحي. ومملوء غيرة لله، كما يشهدون، إذ كان يضطهد من كان يظنهم مقاومين لله. غيرته لله على حفظ الناموس روحيًا هي بعينها غيرته في المسيح يسوع مكمل الناموس ومحقق غايته.

- "عند رجلي غمالائيل"، لم يقل: "بواسطة غمالائيل"، بل عند رجليه مظهرًا مثابرته واجتهاده وغيرته على الاستماع، وتقديره العظيم لهذا الرجل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- تعلّم بولس الحروف العبريّة، وجلس عند قدميّ غمالائيل، هذا الذي لم يخجل من أن يخبر بذلك. لكنّه أظهر استخفافًا بالخطابة اليونانيَّة أو على الأقل صمت تمامًا عن الحديث بشأنها، وذلك من أجل تواضعه، حتى أن كرازته لا تقوم على قدرة كلماته على الإقناع، وإنّما على قوّة آياته.

القديس جيروم

2. مضطهد للطريق

"واضطهدت هذا الطريق حتى الموت، مقيدًا ومسلمًا إلى السجون رجالاً ونساء". [4]

أوضح كيف بدأ خدمته بقلب ناري في اضطهاده للمسيحيين بلا تمييز بين رجلٍ أو امرأةٍ، غايته في ذلك الكشف عن أن تحوله إلى الخدمة لحساب المسيح لم يكن إلا بقوة إلهية ودعوة سماوية حولت كل فكره واتجاهاته، خاصة وأن هذا قد حدث فجأة خلال إعلان إلهي.

يقدم لنا سفر الأعمال صورة واقعية لشاول الطرسوسي كمضطهد الكنيسة، فقد كان ينفس تهددًا (أع 9: 1)، وكان يلقي قرعة لقتل من في السجون (أع26: 10). لم يضطهد فقط الذين تبعوا هذا الطريق، بل الطريق ذاته حيث كان لا يقبل اسم يسوع ولا الإيمان به. بذل كل الجهد ليرعب الكل: رجالاً ونساءً، مسلمًا إياهم للسجون، وها هو الآن قد صار مقيدًا في السجن من أجل اسم يسوع والشهادة له.

وضع شاول الطرسوسي في قلبه أن يقاوم المسيحيين حتى وإن أدي الأمر إلى قتلهم، فقد حسبهم لا يستحقون الحياة، ولم يكن يتصور أنه يأتي اليوم الذي فيه يجد لذته في أن يموت كل النهار من أجل مسيحه.

- "أنا الذي كنت قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا، ولكنني رُحمت لأني فعلت بجهل في عدم إيمان، وتفاضلت نعمة ربنا جدًا" (1 تي 13:1-14)... فمن جانب، أكد أنه كان يسلك بلا لوم (في 6:3)، ومن جانب آخر، يعترف أنه خاطئ إلى الحد الذي لا يحتاج الخطاة أن ييأسوا من أنفسهم، وعلى وجه الدقة لأن بولس قد وجد غفرانًا.

القديس أغسطينوس

- تحول من مضطهد إلى كارز ومعلم للأمم (2 تي 11:1). ويقول: "كنت قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا". أما سبب نوالي الرحمة فهو "ليُظهر يسوع المسيح في أنا أولاً كل أناة، مثالاً للعتيدين أن يؤمنوا به للحياة الأبدية" (1 تي 16:1). انه بنعمة الله كما ترون أننا نخلص من خطايانا، التي فيها نحن نضعف. الله وحده هو الدواء الذي يشفي النفس. فالنفس قادرة بحق أن تؤذي نفسها، هكذا أيضًا الناس في قدرتهم أن يصيروا مرضي، لكن ليس لديهم ذات القدرة لكي يصيروا إلى حال أفضل.

القديس أغسطينوس

- لماذا لم ينل اليهود الآخرون رحمة؟ لأن ما فعلوه ليس uن جهلٍ، بل بإرادتهم وهم يعلمون ماذا يفعلون... هكذا كانت محبتهم للسلطة عائقًا في طريقهم في كل موضع... لم يفعل بولس كما فعل يهود آخرون، بدافع حب السلطة، وإنما من أجل الغيرة. فماذا كان هدفه من رحلته إلى دمشق؟ لقد ظن أن التعليم مُهلك، وكان يخشى انتشار الكرازة به...لهذا السبب دان نفسه قائلاً: "لست أهلاً أن أكون رسولاً.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"كما يشهد لي أيضًا رئيس الكهنة وجميع المشيخة، الذين إذ أخذت أيضًا منهم رسائل للإخوة إلى دمشق، ذهبت لآتي بالذين هناك إلى أورشليم مقيّدين لكي يعاقبوا". [5]

كان أشبه بوكالة تمثل مجمع السنهدرين ورئيس الكهنة في مقاومة المسيحية. هذا ما لا يستطيع رئيس الكهنة أن ينكره، هو ومن معه. وإذ سمعوا أن كثير من اليهود في دمشق قبلوا الإيمان المسيحي لم يجدوا من يقدر أن يقمعهم مثل شاول الطرسوسي. قدموا له كل إمكانية لكي يحقق هذا الهدف بنجاح.

يقول لهم: "ما تفعلونه الآن هو صورة باهتة لما سبق أن فعلته أنا بالمسيحيين. لي خبرة بما في قلوبهم، وما تحملونه أنتم من مشاعر. وإني اشتهي أن تنالوا ذات خبرتي، لتدركوا الحق الذي أدركته أنا".


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 22 جـ2 PDF Print Email

3. نور من السماء

"فحدث لي وأنا ذاهب ومتقرّب إلى دمشق، أنه نحو نصف النهار، بغتة أبرق حولي من السماء نور عظيم". [6]

بعد أن كشف ما كان عليه حين كان مضطهدًا للكنيسة وهي ذات الحالة التي يعيشونها هم، بدأ يحدثهم عن عمل الله معه، وكأنه يطلب لهم أن يعمل الله فيهم كما عمل فيه.

يؤكد الرسول بولس أن تغييره لم يقم على حبه لما هو جديد، ولا لتأثير بشري عليه. لقد تركه الرب يسير طوال الطريق من أورشليم حتى قرب دمشق، وكانت كل أحلام يقظته أن يخدم الله بكل قوة بإبادة المسيحيين ونزع اسم يسوع من على وجه الأرض، متطلعًا إلى المسيحيين كأصحاب بدعة تقاوم الحق الإلهي، وتفسد الأمة.

اشرق عليه نور عظيم من السماء، واليهود يعلمون أن الله نور، ساكن في النور، ملائكته هم ملائكة نور. هذا حدث في الظهيرة حيث لا يمكن أن يكون تخيلاً، ولا فيه خدعة بشرية.

"فسقطت على الأرض، وسمعت صوتًا قائلاً لي: شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟" [7]

ناداه الصوت من السماء باسمه، وقد تشكك في الأمر، من هو في السماء يضطهده، وهو يعرفه باسمه.

"فأجبت: من أنت يا سيد؟ فقال لي: أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده". [8]

كانت مفاجأة له أن يسوع الناصري حي، هو في السماء، يحسب كل مقاومة ضد كنيسته موجهه ضده شخصيًا. وكأن الرسول يحذرهم حتى لا يسقطوا في ما سقط هو فيه، فإن اضطهادهم للرسول الآن هو اضطهاد مباشر ليسوع الناصري الذي ظنوا أنه قد تخلصوا منه بصلبهم إياه. إنهم يقاومون المسيا السماوي.

"والذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا، ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني". [9]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه يوجد صوتان، صوت الرب وصوت شاول. هنا يتحدث عن الصوت الذي لم يسمعه المرافقون لشاول، أما فى الأصحاح التاسع [7] فيتحدث عن صوت شاول الذى سمعه من حوله. أما عن النور فهنا يتحدث عن رؤيتهم للنور الباهر دون تمييز للشخص السماوي الذى يتحدث معه، أما في الأصحاح التاسع فيقول أنهم لم يروا إنسانًا، ولم يقل أنهم لم يروا النور. فبحق شاول وحده ميز الصوت وميز المتحدث معه، أما الذين حوله فرأوا نورًا وسمعوا شاول يتحدث، لكنهم لم يسمعوا صوت السماوي ولا رأوه.

ولئلا يعترضوا: لماذا غيَّر النور والصوت حياتك، ولم يغير حياة الذين كانوا حولك؟ وإن كنا لا نعرف إن كان منهم من تأثروا من الموقف أم لا، لكن الرسول أكد أن الرؤيا كانت له شخصيًا، لقد رأوا النور ولم يميزوه، ولم يسمعوا الصوت الذي كلمه. ربما سمعوا صوتًا رهيبًا لكنهم لم يفسروا الكلمات، لأنه موجه لشاول الطرسوسي.

يرى القديس أمبروسيوس أن شاول الطرسوسي دون رفقائه سمع صوت الرب ودخل معه في الحوار لأنه كان في أعماقه مستعدًا لقبول الحق، ومشتاقًا إلى المعرفة. [جاء في أعمال الرسل أن بولس إذ سمع صوت المسيح تقبل دعوة النعمة، ومع وجود رفقاء كثيرين معه في ذات الرحلة وفي نفس الوقت هو وحده قيل عنه أنه سمع صوت المسيح. لهذا أيها العزيز القديس من يؤمن يسمع، ويسمع لكي يؤمن. أما من لا يؤمن فلا يسمع. بلى أنه لن يسمع، ولا يقدر أن يسمع لئلا يؤمن.]

ما أخشاه أن نكون ليس في رفقة شاول الطرسوسي، بل في رفقة موكب الكنيسة، ويتراءى الرب، لكننا لا نراه ولا نسمع صوته. فقد سمع الطفل صموئيل صوت الرب، ولم يسمع الكاهن عالي الصوت الإلهي، وهو في الهيكل.

"فقلت: ماذا أفعل يا رب؟ فقال لي الرب: قم واذهب إلى دمشق، وهناك يقال لك عن جميع ما ترتب لك أن تفعل". [10]

لم يقبل شاول الطرسوسي الإيمان في الحال، لكنه طلب مشورة السماوي، فقاده إلى الكنيسة لكي يتعرف على الحق. في المدينة التي كان يود أن يخرب كنيستها يصير هو تلميذًا ليتعلم الحق الإنجيلي.

"وإذ كنت لا أُبصر من أجل بهاء ذلك النور، اقتادني بيدي الذين كانوا معي، فجئت إلى دمشق". [11]

لم تحتمل عيناه الجسديتان أن تنظرا بهاء نور السيد المسح فأصيبتا بالعمى، حتى تنفتح عين قلبه لرؤية المجد الداخلي.

4. دعوته للشهادة

"ثم أن حنانيا رجلاً تقيًّا حسب الناموس، ومشهودًا له من جميع اليهود السكان". [12]

"أتى إليّ ووقف، وقال لي: أيها الأخ شاول أبصرْ، ففي تلك الساعة نظرت إليه". [13]

"فقال: إله آبائنا انتخبك لتعلم مشيئته، وتبصر البار، وتسمع صوتًا من فمه". [14]

لقد اختاره إله الآباء لكي يتعرف على مشيئته الخاصة بخطة الخلاص، ويدرك رسالته، فيرى المسيح القدوس البار، ويتقبل من فمه الدعوة للرسولية.

"لأنك ستكون له شاهدًا لجميع الناس بما رأيت وسمعت". [15]

كرسول مدعو من السيد المسيح يقدم شهادة حية عملية لما رآه وما سمعه، يشهد أن يسوع هو بالحقيقة المسيا المنتظر من الآباء والأنبياء، وقد جاء وتمم عمل الخلاص، فهو مخلص العالم.

- "لأنك ستكون لي شاهدًا لجميع الناس"، ليس فقط للأشخاص المحبين، بل ولغير المؤمنين، فإنه لهؤلاء تكون الشهادة، لا أن نحث العارفين، بل الذين لا يعرفون.

لنكن شهود موثوق فيهم. لكن كيف نكون موضع ثقة؟ بالحياة التى نسلكها.

لقد اعتدى اليهود عليه، ونحن تعتدي علينا أهواؤنا، فتأمرنا بالتخلي عن شهادتنا. لكن ليتنا لا نطيعها، فإننا شهود من عند الله... إنه يرسلنا لكي نشهد له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الشهادة هي للقيامة، لا من جهة التعليم فقط بل ومن جهة الحياة.

"والآن لماذا تتوانى؟ قم واعتمد واغسل خطاياك، داعيًا باسم الرب". [16]

لم يسجل لنا الإنجيلي لوقا هذه الكلمات في الإصحاح التاسع حيث روى لنا قصة تحوله. فإن حنانيا لم يجد داعٍ لتأجيل العماد حتى يتمتع شاول الطرسوسي بالميلاد الجديد وغفران خطاياه.

- لقد نطق بأمرٍ عظيمٍ، إذ لم يقل: "قم واعتمد باسمه"، بل" داعيا باسم المسيح". هذا يظهر أنه هو الله، فإنه لا يجوز أن يدعى بأي اسم آخر غير الله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

5. رؤية في الهيكل

"وحدث لي بعدما رجعت إلى أورشليم، وكنت أُصلّي في الهيكل أني حصلت في غيبة". [17]

لم يكن هدف الرسول استعراض أعماله، بل الكشف عن عمل الله لحساب الخدمة، لهذا بعدما تحدث عن دور الله فى تحول شاول للإيمان لم يروِ لهم خدمته في دمشق وفي العربية (غل1: 17-18)، إنما روى لهم دعوة الرب له للعمل بين الأمم، وهو في داخل هيكل سليمان في أورشليم.

أوضح انه ترك أورشليم ليس خوفًا، ولكن بدعوة من الله وهو في الهيكل يصلي مع إخوته اليهود.

"فرأيته قائلاً لي: أسرع وأخرج عاجلاً من أورشليم، لأنهم لا يقبلون شهادتك عني". [18]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن بولس أشار إلى الرؤيا أنها كانت في الهيكل وهو يصلي، فكان في حالة يقظة، وأن الرؤيا ليست تخيلاً، كما أوضح أن خروجه من أورشليم لم يكن بدافع الخوف من المخاطر، إنما لعدم قبولهم الشهادة عن السيد المسيح.

إذ أتهم الرسول بأنه مدنس الهيكل، أراد تأكيد أنه تمتع برؤيا سماوية ودعوة لخدمة الأمم وهو في الهيكل.

"فقلت: يا رب هم يعلمون إني كنت أَحبس، وأَضرب في كل مجمع، الذين يؤمنون بك". [19]

واضح أن الذي تراءى له في الهيكل اليهودي هو يسوع المسيح، وكان يود أن يبقى شاهدًا له بين اليهود، لأنهم يعرفون سيرته الماضية، وأن تحوله هو عمل إلهي. لم يكن يتوقع شاول الطرسوسي أن بني أمته يرفضون شهادته.

"وحين سفك دم إستفانوس شهيدك، كنت أنا واقفًا وراضيًا بقتله، وحافظًا ثياب الذين قتلوه". [20]

وإن كان شاول لم يشترك فى الرجم، لكنه كان مع الراجمين بالروح، فقد قبل هذا الحكم برضى كامل.

"فقال لي: اذهب، فإني سأُرسلك إلى الأمم بعيدًا". [21]

انطلاقه للخدمة بين الأمم كان بدعوة إلهية، وليس بخطة بشرية وضعها هو أو الرسل.




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 22 جـ3 PDF Print Email

6. محاولة قتله

"فسمعوا له حتى هذه الكلمة، ثم رفعوا أصواتهم قائلين: خذ مثل هذا من الأرض، لأنه كان لا يجوز أن يعيش". [22]

رفعوا أصواتهم وصاروا يصرخون حتى يقاطعوه في الحديث، ولا يسمحوا لأحد أن يسمع عن ضرورة الخدمة بين الأمم.

لقد صرخوا أنه غير مستحق أن يعيش على الأرض متطلعين إليه كوباءٍ مدمرٍ، ولم يدركوا أنه في سجل رجال الله الذين لم يكن العالم مستحقًا لهم (عب 11: 38).

ليس عجيبًا أن يشعر الرسول بأن ما يحل به هو تكميل آلام المسيح في جسده. لقد سمع الصوت الإلهي ينسب ما يحل بالمؤمنين إليه شخصيا: "أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده". كما صرخت الجماهير: "خذه، خذه! أصلبه (يو 19: 15) هكذا صرخت بالنسبة لرسوله: "خذ مثل هذا من الأرض، لأنه كان لا يجوز أن يعيش".

لقد أصغوا بكل انتباه حين تكلم معهم بالعبرانية، وحين شهد لظهور السيد المسيح له في الطريق، وكيف اختاره للشهادة له، أما أن يُعلن أنه يذهب إلى الأمم، فهذا ما لم يحتملوه، وحسبوه أنه ليس أهلاً أن يوجد على وجه الأرض، مع أن كل أنبياء العهد القديم تنبأوا عن عودة الأمم إلى الله. لم يكن ممكنًا لتشامخ اليهود أن يقبلوا دخول الأمم إلى الإيمان، فإنهم فى نظرهم نجسون.

- رأى الرسل أنفسهم الكلمة، ليس لأنّهم رأوا جسد ربّنا ومخلّصنا، وإنّما لأنّهم رأوا الكلمة. لو أن رؤية جسم الرب تعني كلمة اللَّه، لكان بيلاطس الذي حكم على رؤية يسوع قد رأى كلمة اللَّه، وهكذا أيضًا يهوذا الخائن، وكل الذين صرخوا: أصلبه، أصلبه، خذ مثل هذا من الأرض" (يو 19: 15؛ أع 22:22).

العلامة أوريجينوس

"وإذ كانوا يصيحون ويطرحون ثيابهم، ويرمون غبارًا إلى الجو". [23]

لم يشيروا إلى اتهامٍ معينٍ، لكنهم تصرفوا هكذا لكي يخيفوا الحاكم. كانوا يصيحون ويمزقون ثيابهم ويرمون غبارًا إلى الجو. كان تمزيق الثياب يسري على رؤساء الكهنة حين يسمعون تجديفًا على الله تبرأ من دم المجدف (مت 26: 65-66). أما إلقاء التراب في الهواء فوق رؤوسهم فتعبير عن ظلمٍ حلّ بهم، وأنهم يستغيثون بالسماء والأرض. هذا المنظر أثار الأمير، فأمر بفحصه داخل القلعة بضربات.

يرى البعض فى تمزيق الثياب تعبيرًا عما في داخلهم، أنهم يودون تمزيقه إربًا إربًا إن سقط بين أيديهم، أو لعلهم بهذا يعلنون أنهم مستعدون لرجمه.

"أمر الأمير أن يذهب به إلى المعسكر قائلاً: أن يفحص بضربات، ليعلم لأي سبب كانوا يصرخون عليه هكذا". [24]

إذ كان القديس بولس يتحدث بالعبرانية ربما لم يفهم الأمير خطابه، كما أن هياج الشعب لم يعطه فرصة لدراسة الموقف، فأراد أن يتعرف على الجريمة باستخدام العنف مع الرسول بجلده فيعترف بما ارتكبه.

7. روماني لا يُجلد

"فلما مدوه للسياط قال بولس لقائد المائة الواقف: أيجوز لكم أن تجلدوا إنسانًا رومانيًا غير مقضي عليه". [25]

لم يكن هذا الأجراء قانونيًا بالنسبة للمواطن الروماني. لقد استخدم الرسول هذا الامتياز قبلاً حين كان في فيلبي ولكن بعدما جلد (أع 16: 37)، أما هنا فاستخدمه قبل جلده. وقد تحدث مع قائد المائة بهدوء ولطف في غير غضبٍ ولا احتدادٍ. كان عند الرومان قانون يدعى lex Sempronia يعَّرض القاضي أو الحاكم الذي يؤدب أو يدين رومانيًا حرًا دون الاستماع إليه أن يسقط تحت الحكم بواسطة الشعب الغيور على حريته.

"فإذ سمع قائد المائة ذهب إلى الأمير وأخبره، قائلاً: أنظر ماذا أنت مزمع أن تفعل، لأن هذا الرجل روماني". [26]

"فجاء الأمير وقال له: قل لي، أنت روماني؟ فقال نعم". [27]

"فأجاب الأمير: أمّا أنا فبمبلغ كبير اقتنيت هذه الرعوية. فقال بولس: أمّا أنا فقد وُلدت فيها". [28]

كانت الجنسية الرومانية تُمنح للشخص إما بميلاده من والدين رومانيين، أو تُشتري بالمال، أو تُمنح هبة من الحكومة الرومانية. ولعل والدا بولس اقتنيا الجنسية الرومانية هبة مقابل خدماتهما للدولة الرومانية. ويرى البعض أن طرسوس كمستعمرة رومانية كان لها حق الامتياز، فكل مواطنيها يحسبون كرومانيين لهم ذات امتياز الرومان. يقولAppian إن طرسوس نالت امتياز المدينة الحرة من أوغسطس قيصر، حيث وقفت معه في الحروب، وتحملت خسائر كثيرة لحسابه. ويرى البعض أن بولس نال هذا الامتياز لأن بعضًا من أسلافه قدموا خدمات عسكرية للدولة الرومانية.

"وللوقت تنحى عنه الذين كانوا مزمعين أن يفحصوه، واختشى الأمير لمّا علم أنه روماني، ولأنه قد قيّده". [29]

ارتعب الأمير لأن في هذا مسئولية خطيرة عليه أمام روما. لقد سبق فظنه المصري المتمرد المثير للفتنة، لكنه دُهش إذ وجده يتحدث اليونانية (أع 21: 37)، وازدادت دهشته عندما عرف أنه روماني الجنسية، خاصة وأنها بالمولد، أي يُحسب كمن من أسرة شريفة في نظر روما.

يا للعجب! اختشى الأمير لما علم أنه روماني لأنه قيده. إنه قانون يُرعب القادة والولاة، أما ناموس الله فليس من يعطيه احترامًا ولا من يخشاه بسبب طول أناته!

"وفي الغد إذ كان يريد أن يعلم اليقين، لماذا يشتكي اليهود عليه حله من الرباط، وأمر أن يحضر رؤساء الكهنة وكل مجمعهم، فأحدر بولس، وأقامه لديهم". [30]

لقد حله الأمير من القيود حتى لا يكون كاسرًا للقانون الروماني، لكنه تركه في الحبس ربما خشية أن يتعرض له اليهود الثائرين ضده.

في الغد طلب الأمير أن يقف بولس الرسول أمام مجمع السنهدرين في حضور الأمير، ربما كان هدفه إطلاق سراح بولس الرسول تحقيقًا للعدالة.

وقف بولس الرسول أمام رؤساء الكهنة الذين قتلوا السيد المسيح يشهد لهم بالقيامة من الأموات. صار يتفرس فيهم، فقد عرفهم حق المعرفة، وتسلم منهم خطابات توصية لمقاومة المسيحيين، الآن يدعوهم لقبول الإيمان المسيحي.




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 22 جـ4 PDF Print Email
من وحي أع 22

نور من السماء

- كان شاول في ظلمة الحرف القاتل،

وظن في نفسه أنه ابن للنور.

أضطهدك يا أيها النور الأزلي، وقاوم أبناء النور.

جدف على اسمك، ولم يدرك أنك القدوس السماوي.

- أشرقت عليه من السماء، فانهار أمام بهاء مجدك.

سقط كميت، وفقد بصره،

لكي تقيمه إنسانًا جديدًا ملتهبًا بالروح.

وتفتح بصيرته بروحك القدوس،

عوض العداوة صارت شاهدًا لك.

عوض المقاومة صار خادمًا للجميع!

- لم يستخف بالهيكل اليهودي، فتراءيت له هناك،

ودعوته ليقيم من الأمم هيكلاً سماويًا.

صارت قصة لقائك معه حجة قوية لدى بنى جنسه.

اشتهى أن يتمتع كل عبراني بما تمتع به،

وأن يصير إسرائيل كارزًا لكل الأمم.

هذا هو لهيب قلبه الذي لن ينطفئ.

ليس من شغب أو جلدات أو قيود ولا حتى الموت

أن ينزع هذه الأحاسيس المقدسة من قلبه

- لتشرق يا رب بنورك علينا،

فنحمل قلب بولس الناري!

1 ايها الرجال الاخوة و الاباء اسمعوا احتجاجي الان لديكم
2 فلما سمعوا انه ينادي لهم باللغة العبرانية اعطوا سكوتا احرى فقال
3 انا رجل يهودي ولدت في طرسوس كيليكية و لكن ربيت في هذه المدينة مؤدبا عند رجلي غمالائيل على تحقيق الناموس الابوي و كنت غيورا لله كما انتم جميعكم اليوم
4 و اضطهدت هذا الطريق حتى الموت مقيدا و مسلما الى السجون رجالا و نساء
5 كما يشهد لي ايضا رئيس الكهنة و جميع المشيخة الذين اذ اخذت ايضا منهم رسائل للاخوة الى دمشق ذهبت لاتي بالذين هناك الى اورشليم مقيدين لكي يعاقبوا
6 فحدث لي و انا ذاهب و متقرب الى دمشق انه نحو نصف النهار بغتة ابرق حولي من السماء نور عظيم
7 فسقطت على الارض و سمعت صوتا قائلا لي شاول شاول لماذا تضطهدني
8 فاجبت من انت يا سيد فقال لي انا يسوع الناصري الذي انت تضطهده
9 و الذين كانوا معي نظروا النور و ارتعبوا و لكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني
10 فقلت ماذا افعل يا رب فقال لي الرب قم و اذهب الى دمشق و هناك يقال لك عن جميع ما ترتب لك ان تفعل
11 و اذ كنت لا ابصر من اجل بهاء ذلك النور اقتادني بيدي الذين كانوا معي فجئت الى دمشق
12 ثم ان حنانيا رجلا تقيا حسب الناموس و مشهودا له من جميع اليهود السكان
13 اتى الي و وقف و قال لي ايها الاخ شاول ابصر ففي تلك الساعة نظرت اليه
14 فقال اله ابائنا انتخبك لتعلم مشيئته و تبصر البار و تسمع صوتا من فمه
15 لانك ستكون له شاهدا لجميع الناس بما رايت و سمعت
16 و الان لماذا تتوانى قم و اعتمد و اغسل خطاياك داعيا باسم الرب
17 و حدث لي بعدما رجعت الى اورشليم و كنت اصلي في الهيكل اني حصلت في غيبة
18 فرايته قائلا لي اسرع و اخرج عاجلا من اورشليم لانهم لا يقبلون شهادتك عني
19 فقلت يا رب هم يعلمون اني كنت احبس و اضرب في كل مجمع الذين يؤمنون بك
20 و حين سفك دم استفانوس شهيدك كنت انا واقفا و راضيا بقتله و حافظا ثياب الذين قتلوه
21 فقال لي اذهب فاني سارسلك الى الامم بعيدا
22 فسمعوا له حتى هذه الكلمة ثم رفعوا اصواتهم قائلين خذ مثل هذا من الارض لانه كان لا يجوز ان يعيش
23 و اذ كانوا يصيحون و يطرحون ثيابهم و يرمون غبارا الى الجو
24 امر الامير ان يذهب به الى المعسكر قائلا ان يفحص بضربات ليعلم لاي سبب كانوا يصرخون عليه هكذا
25 فلما مدوه للسياط قال بولس لقائد المئة الواقف ايجوز لكم ان تجلدوا انسانا رومانيا غير مقضي عليه
26 فاذ سمع قائد المئة ذهب الى الامير و اخبره قائلا انظر ماذا انت مزمع ان تفعل لان هذا الرجل روماني
27 فجاء الامير و قال له قل لي انت روماني فقال نعم
28 فاجاب الامير اما انا فبمبلغ كبير اقتنيت هذه الرعوية فقال بولس اما انا فقد ولدت فيها
29 و للوقت تنحى عنه الذين كانوا مزمعين ان يفحصوه و اختشى الامير لما علم انه روماني و لانه قد قيده
30 و في الغد اذ كان يريد ان يعلم اليقين لماذا يشتكي اليهود عليه حله من الرباط و امر ان يحضر رؤساء الكهنة و كل مجمعهم فاحدر بولس و اقامه لديهم


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 23 جـ1 PDF Print Email

القديس بولس أمام مجلس السنهدرين


هذا هو الدفاع الثاني للقديس بولس، ولعله الآن إذ يقف أمام مجمع السنهدرين كان يأمل أن يكشف لهم الحق الإنجيلي، فهم على دراية بالناموس والأنبياء، لكن آذانهم كانت صماء وعيونهم قد أصابها العمي الروحي، لم يكن ممكنًا لهم أن يقبلوا الحق.

1. ضربه على فمه 1-5.

2. منازعة في المجمع 6-9.

3. ظهور الرب له 10-11.

4. مؤامرة لقتله 12-15.

5. اكتشاف المؤامرة 16-21.

6. إرساله إلى قيصرية 22-25.

7. رسالة إلى فيلكس 26-30.

8. بلوغه قيصرية 31-35.

1. ضربه على فمه

"فتفرس بولس في المجمع وقال: أيها الرجال الإخوة، أني بكل ضمير صالح قد عشت للَّه إلى هذا اليوم". [1]


احتج القديس بولس أمام المجمع مدافعًا عن استقامة قلبه وسلوكه، مؤكدًا تكريس حياته لحساب الله منذ نشأته حتى تلك اللحظات. لم يذكر القديس لوقا لماذا بدأ الرسول بهذا الدفاع، هل سبقه سؤال أو اتهام وُجه ضده من رئيس الكهنة أو غيره من المسئولين أم لا.

في شجاعة عجيبة وجه القديس بولس حديثه إلى أعضاء مجمع السنهدرين، دون إشارة إلى الأمير ورجاله الحاضرين. وكأنه يقف ليُحاكم أمام المجمع, وكان غايته من ذلك تأكيد وجوده في المجمع أكثر من وجوده في حضرة الرؤساء المدنيين, وأنه محب لهم يود أن يقدم لهم الحق باستقامة ضميره .لعل هذه هي المرة الأولى التي يقف فيها الرسول أمام مجمع السنهدرين بعد تحوله إلى الإيمان المسيحي. يقف الآن أمام ذات المجمع الذي كان في صباه يكرمه المجمع ويهبه رسائل وسلطة لاضطهاد كنيسة الله.يتحدث الرسول بكل شجاعة، وكما وعد الله حزقيال النبي: "قد جعلت جبهتك كالماس أصلب من الصوان، فلا تخفهم، ولا ترتعب من وجوههم، لأنهم بيت متمرد" (حز 3: 9).

يعلن لهم أن قد عاش بضميرٍ صالحٍ، ليس فقط في الأمور التي يشتكون عليه فيها، وإنما في كل أمور حياته. لقد كرس قلبه وحياته لله، فلم يطلب كرامة ولا غنى، بل ما يرضي الله. بحسب الناموس الموسوي، فهو بار بلا لوم. وحين اضطهد كنيسة الله، كان يظن أنه يقدم خدمة لله، فكان يعمل حسبما يمليه عليه ضميره. وحين ظهرت له الرؤيا في الطريق إلى دمشق ترك ارتباطه بمجمع السنهدرين خدمة لله. وكما يقول: "لأننا نثق أن لنا ضميرًا صالحًا، راغبين أن نتصرف حسنًا في كل شيء" (عب 13: 18). ما كان يشغله شيء سوي إرضاء الله دون أية اعتبارات بشرية، وقد ثابر على ذلك منذ صباه إلى آخر نسمة من نسمات حياته.

كأن الرسول يقول إنني شاول الطرسوسي الذي تعرفونه تمام المعرفة كإنسانٍ أمينٍ ومخلصٍ من كل القلب للَّه ولشعبه, لم يتغير حتى تلك اللحظات, إنما ما تغير فيه هو اكتشافه للحق الإلهي. فبذات الضمير الحي الذي كان يعمل كفريسي لحساب المجمع لا يزال يعمل, ولكن في طريق الحق, وليس خلال الجهل الذي كان يسيطر عليه بسبب تمسكه بالحرف.

"فأمر حنانيا رئيس الكهنة الواقفين عنده أن يضربوه على فمه". [2]

كان حنانيا رئيس كهنة من سنة 48 إلى سنة 58 م، وقد اشتهر بالجشع والغطرسة والاستبداد.

وقف بولس الرسول أمام نفس رئيس الكهنة الذي وقف أمامه سيده، وربما الذى ضرب الرب على وجهه (يو 18: 22) هو نفسه الذي ضرب بولس على فمه. كان رئيس الكهنة يرى في كليهما مجدفين على الله. كان يطلب صلب السيد المسيح لأنه قال الحق أنه ابن الله، وها هو يطلب قتل بولس لأنه يفتح باب الإيمان أمام الأمم. لم يحتمل رئيس الكهنة أن يعلن السيد المسيح عن نفسه بنوته لله الآب ومساواته له، وها هو لا يحتمل بولس وهو يمتدح نفسه كفريسي بحسب الناموس، فإنه لا يجوز أن يمتدح أحد نفسه في حضرة رئيس الكهنة.

لقد سبق أن ضرب صدقيا بن كنعنة ميخا على فكه لأنه نطق بكلمة الرب (1 مل 22: 24)، ولذات السبب ضرب فشحور بن أمير الكاهن إرميا النبي (إر 20: 2). وقد قيل عن السيد المسيح أنه يقدم قبلات فمه (نش 1: 2 ) للذين قبلوا لطمات على أفواههم بسببه.

يطالبنا سليمان الحكيم أن نقًبل الشفاه التي تجاوب بكلام مستقيم (أم 24: 26)، لكن الأشرار يلطمون الشفاه الناطقة بالاستقامة. فالضرب على الفم يشير إلى رغبة الضارب ومن معه في أن يبكم فم الشخص الذي يضربه، لأنه ينطق بكلمات غير لائقة. هذا الأسلوب كان مستخدمًا في الشرق إلى وقت قريب, وهو يحمل إهانة شديدة، كأن الشخص غير أهل أن ينطق في حضرة الموجودين، ويلتزم بالصمت بسبب جهالته أو وقاحته أو تجديفه على الحق.

ولعل ضربه على فمه يشير إلى أن يكذب في حضرة رئيس الكهنة ويخدع الحاضرين، إذ يدعي أنه يحمل ضميرًا صالحًا، بينما يؤمن بيسوع أنه المسيح، وينشر تعاليمه.

"حينئذ قال له بولس: سيضربك اللَّه أيها الحائط المبيضّ، أفأنت جالس تحكم علي حسب الناموس وأنت تأمر بضربي مخالفًا للناموس". [3]

يذكر آدم كلارك أن Krebs يؤكد أن رئيس الكهنة حنانيا هو نفسه الذي روى عنه يوسيفوس بأن كوادراتس Quadratus حاكم سوريا أرسله أسيرًا إلى روما، لأنه سبب منازعات بين اليهود والسامريين, وإذ أثبت براءته عاد إلى أورشليم واستعاد منصبه كرئيس كهنة.

نزلت كلمات الرسول كالصاعقة على رئيس الكهنة وكل المجتمعين, فإنهم لم يسمعوا قط يهوديًا ينطق بمثل هذه الكلمات عن رئيس الكهنة. إنها إهانة خطيرة لم تحدث في كل تاريخ إسرائيل.

يرى البعض أن الرسول بولس لم ينطق بهذا بدافع الغضب والانتقام، لكن أخذته الغيرة المقدسة أن رئيس الكهنة يفسد سلطته، ويهين العمل الكهنوتي بتصرفاته هذه. لقد حكم حنانيا بخلاف الناموس الذي أوصي ألا يُضرب أحد ما لم يُفحص ويُحكم عليه أنه مستحق للضرب ( تث 25: 2؛ راجع لا 19: 35). لذا ما نطق به الرسول كان بدافع النبوة. يرى Grotius بأن نبوة القديس بولس هذه قد تحققت. جاء في يوسيفوس أن حنانيا وأخاه حزقيا قد ذُبحا أثناء الهياج الذي حدث في أورشليم عندما استولي عليها السالبون Sicarii بزعامة مناهيم Manahem؛ فقد حاول أن يختفي لكنهم سحبوه وقتلوه.

كما دعا السيد المسيح الفريسيين المرائيين قبورا مبيضة تحمل في داخلها نتانة (مت 23: 27)، هكذا يقول الرسول أن رئيس الكهنة بريائه حائط مبيض يحمل من الخارج صورة جميلة تخفي تحتها قذارة. ربما يقصد بالحائط المبيض الحائط الذي بدأ يتساقط فعوض وضع أساس سليم له وإعادة بنائه يقومون بوضع طبقة ملس بيضاء حوله تخفي ما تشقق منه فيبدو سليمًا، ويكون خطرًا على من يتكئ عليه أو يجلس بجواره.

يرى القديس جيروم أن ما نطق به القديس بولس هو ضعف بشري، فاختياره رسولاً لا ينفي عنه بعض الضعفات بسبب تهاونه ولو في امورٍ صغيرة، مثله مثل كافة الآباء والرسل والأنبياء.

في الرد على أتباع بيلاجيوس الذين يركزون على حرية الإرادة وحدها، ظانين أنه في استطاعة الإنسان بكامل حرية إرادته أن يسلك في الفضيلة في كمالها يقدم القديس جيروم أمثلة حية لقديسين عظماء مدحهم الله نفسه إلا أنهم عانوا من الضعف.

- عوض كونه متهمًا وكأنه يقول: "أنت الذي تستحق الضربات بلا عدد. انظروا كيف صُدموا بقوة بشجاعته، وذلك لأن النقطة التي كانوا يلقون كل الأمور عليها صارت مديحًا له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- على سبيل المثال لنأخذ مثلاً واحدًا: "وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي، يعمل كل مشيئتي". بلا شك كان داود قديسًا، ومع أنه قد اختير لكي يتمم كل مشيئة الله، لكنه وُجد ملومًا في تصرفات معينة. حتمًا كان ممكنًا له وقد اُختير بقصد تتميم مشيئة الله أن لا يفعل هذا. لا يُلام الله الذي سبق فتحدث عن صنعه كل مشيئة الله كما يؤمر، وإنما يلتصق اللوم بذاك الذي لم يتمم ما سبق أن أُخبر به. فإن الله لم يقل أنه وجده إنسانًا يتمم أوامره بلا فشل ويتمم مشيئته، وإنما إنسان يود أن يتمم كل مشيئة الله. ونحن أيضًا نقول أن الإنسان يمكنه أن يتجنب أن يخطئ إن اختار ذلك حسب ظروفه المحلية المؤقتة وضعفه الجسدي، مادام فكره منصبًا على البرّ والوتر مهيئًا حسنًا في القيثارة. ولكن إن كان الإنسان يمارس تهاونًا بسيطًا. فإنه في قدرته كقائد المركب أن ينسحب في اتجاه مقاوم للتيار، هذا الذي متى توانى ولو إلى لحظة فإن المركب ترجع، وتحمله المياه المتدفقة حيث لا يريد. هذا هو حال الإنسان، فإن صار فينا إهمال طفيف ندرك ضعفنا ونجد أن قوتنا محدودة.

هل تظن أن الرسول بولس عندما كتب: "العباءة التي تركتها في ترواس أحضرها عندما تجيء والرقوق" (2 تي 4: 13)، كان يفكر في الأسرار الإلهية وليس في الأشياء التي تستلزمها الحياة اليومية، وتشبع احتياجاتنا الجسدية؟ أرني إنسانًا لم يجُع قط ولا عطش ولا عانى من برد، ولا عرف ألمًا أو حمى أو عذاب الغربة وأنا أقدم لك إنسانًا يمكن ألا يفكر في شيء سوى الفضيلة.

عندما لطم العبد الرسول سلم نفسه هكذا أن ينطق ضد رئيس الكهنة الذي أمر أن يلطمه: "سيضربك الله أيها الحائط المبيض". ينقصنا صبر المخلص الذي اُقتيد كحملٍ للذبح ولم يفتح فاه، بل قال برحمة لضاربيه: "إن كنت قد تكلمت بالشر فأشهد على الشر، وإن كان حسنًا فلماذا تلطمني؟ " (يو 17: 23). إننا لسنا نحط من قدر الرسول، بل نعلن مجد الله الذي احتمل في الجسد، وغلب الضرر الساقط على الجسد وضعف الجسد. لا نقول شيئا عما قاله الرسول في موضع آخر: "الكسندر الحداد صنع بي شرورًا كثيرة، ليجازه الرب الديان العادل في ذلك اليوم" (2 تي 4: 14).

القديس جيروم


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 23 جـ2 PDF Print Email

"فقال الواقفون: أتشتم رئيس كهنة اللَّه؟" [4]

"فقال بولس: لم أكن أعرف أيها الإخوة أنه رئيس كهنة، لأنه مكتوب رئيس شعبك لا تقل فيه سوءً". [5]

كيف لم يعرف القديس بولس أنه رئيس الكهنة الذي يرأس مجمع السنهدرين، وقد كان بولس على علاقة بالمجمع في صباه، ويعرف الكثير عن المجمع؟

1. يري البعض أن هذه الجلسة لم تكن رسمية، ولم يكن رئيس الكهنة يرتدي ثيابه الرسمية، لهذا لم يتعرف عليه.

2. يرى آخرون أن بولس الرسول لم يرَ من الذي أصدر الأمر بضربه على فمه.

3. يرى فريق ثالث بأن الرسول نطق بهذا في صيغة تهكم، بمعنى أن من يفعل هذا لا يليق به أن يكون رئيس كهنة، أو ما حدث جعلني لا أحسب أن المتكلم رئيس كهنة، وإلا لكنت قدمت له الاحترام اللائق به. هذا الرأي يقبله كثير من الدارسين لأنه واضح من العبارة السابقة أنه كان يعرف أنه رئيس الكهنة، إذ قال له: "أفأنت جالس تحكم علي حسب الناموس، وأنت تأمر بضربي مخالفا للناموس؟" [3]

4. يرى البعض أن القديس بولس لم يقدم اعتذارًا عما قاله لكنه يقدم تبريرًا، وكأنه يقول: "حقا لا يجوز أن نقول سوء في رئيس الكهنة، لكنني لست أحتسب حنانيا رئيس كهنة، بل هو مغتصب للمركز، جاء إلى هذا الموضع بالرشوة خلال الفساد، هذا وقد أوصى الكتاب المقدس ألا ننطق بسوءٍ عن الرئيس الديني أو المدني. جاء في سفر أيوب: "أيُقال للملك يا لئيم، وللندباء يا أشرار؟! (أي 34:18) وفي الجامعة: "لا تسب الملك ولا في فكرك" (جا 10: 20).

5. يري آخرون أن بولس الرسول أدرك أنه قد تسرع في الرد على غير عادته فقدم اعتذارًا.

v عندما ضُرب بأمر رئيس الكهنة رد عليه بمحبة، رغم ما يبدو من إجابته أنه كان غاضبًا، إذ قال: "سيضربك اللَّه أيها الحائط المبيض". فرده هذا يبدو شتيمة، أما حقيقة أمره فهو نبوة. فالحائط المبيض هو الرياء أو التظاهر في مظهر الكهنوت، كما لو كانت هناك قذارة مخبأة في غلاف أبيض. فاحتفظ الرسول بالتواضع بصورة عجيبة. فعندما قيل له: "أتشتم رئيس كهنة اللَّه؟" أجاب: "لم أكن أعرف أيها الاخوة أنه رئيس كهنةٍ، لأنه مكتوب رئيس شعبك لا تَقُل فيه سوءً" (أع 5:23)، فإجابته هذه تظهر مدى الهدوء الذي كان يتحدث به. فيما حسب أنه يتكلم بغضب فقد أجاب بسرعة ولطف، الأمر الذي لا يحدث من شخصٍ غاضبٍ أو معتذرٍ (بسبب الشتيمة)... كأنه قال: إنني أعرف رئيس كهنة آخر، المسيح، الذي أحتمل أنا من أجله أتعابًا.

القديس أغسطينوس

2. منازعة في المجمع

"ولمًا علم بولس أن قسمًا منهم صدوقيون والآخر فريسيّون، صرخ في المجمع: أيها الرجال الإخوة، أنا فريسي ابن فريسي، على رجاء قيامة الأموات أنا أُحاكم". [6]

صرخ الرسول بصوتٍ عالٍ ليسمعه الكل، معلنًا أنه فريسي ابن فريسي، تربى على رجاء القيامة من الأموات.

في أيام خدمة السيد المسيح على الأرض كان الفريسيون أكثر الفئات عداوة للسيد المسيح، متطلعين إليه أنه كاسر لحرفية الناموس، ومقاوم لريائهم. أما بعد صعوده، فإذ صار التلاميذ يشهدون لقيامة السيد المسيح صار الصدوقيون أكثر الفئات عداوة لهم، لأنهم ينكرون قيامة الأجساد، بينما تعاطف أحيانا معهم الفريسيون ضد الصدوقيين، لا للإيمان بالسيد المسيح، وإنما لتأكيد القيامة من الأموات.

"ولمّا قال هذا حدثت منازعة بين الفريسيين والصدوقيين، وانشقت الجماعة". [7]

حدث حوار عنيف بين الفريقين، وكما توقع القديس بولس صار الفريسيون في صفه، مدافعين عنه، ضد الصدوقيين المقاومين له. غالبًا ما أخذ رئيس الكهنة صف الصدوقيين مما أثار الفريسيين بالأكثر.

ما إن بدأ الرسول خطابه حتى تغير الموقف تمامًا, فعوض الصرخات المشتركة تطالب بقتل الرسول, إذا بضجيج وخلافات وانشقاقات. ووقف الأمير ورجاله مع العسكر لا يدرون ما قد حدث, وصاروا يتساءلون فيما بينهم لعلهم يجدون تفسيرًا لتغير الموقف تمامًا! أما بولس الرسول فوحده كان يتطلع إلى تلك العاصفة التي أثارها وهو في هدوءٍ تام.

"لأن الصدوقيين يقولون: أن ليس قيامة ولا ملاك ولا روح، وأمّا الفريسيّون فيقرّون بكل ذلك". [8]

أنكر الصدوقيون القيامة من الأموات، كما أنكروا الملائكة الصالحين والأشرار، واعتقدوا أن النفوس تموت مع الأجساد، وبالتالي ليس من مكافأة ولا عقوبة فيما بعد.

مع وجود الفريقين للعمل معًا في مجمعٍ واحدٍ يهتم بالقضايا العظمى لشئون اليهود الدينية، كان لكل فريق فكره الخاص.

* كان الفريسيون متدينون متعصبين غيورين على الطقوس الناموسية، وفي نفس الوقت كانوا مستقيمين في إيمانهم وعقائدهم بخصوص عالم الأرواح والحياة الأبدية وقيامة الأموات.

* كان الصدوقيون غير مخلصين للكتاب المقدس ولا للإعلانات الإلهية. يرون في أسفار موسى أنها تاريخ رائع, وناموس صالح، لكنها ليست على مستوى بقية الأسفار. ينكرون الحياة الأبدية وبالتالي قيامة الأجساد. أما عن ظهورات الملائكة ففي رأيهم هي ضغوط من خيالات لا واقع لها. واللَّه نفسه مادي أو جسدي.

* يتطلع الفريسيون إلى الصدوقيين أنهم متحررون في الفكر وفاسدون في العقيدة.

* كان الأعضاء من الصدوقيين يمثلون الغالبية العظمى في مجمع السنهدرين, لكن الفريسيين مع قلة عددهم كان لهم تأثيرهم على قرارات المجمع، لأن الشعب يكرمهم جدًا كأصحاب فكر وكأبرار غيورين على الناموس والعبادة في الهيكل.

"فحدث صياح عظيم ونهض كتبة قسم الفريسيين، وطفقوا يخاصمون قائلين: لسنا نجد شيئًا رديًا في هذا الإنسان، وإن كان روح أو ملاك قد كلّمه، فلا نحاربن اللَّه". [9]

كان بعض الكتبة الدارسين للناموس يتبعون الفريسيين، والقسم الآخر يتبعون الصدوقيين، وهم فئة متعلمة. إذ رأى الكتبة التابعون للناموس ما حدث من صخبٍ شديدٍ نهضوا يدافعون عن الرسول بولس بأنه لا يوجد فيه شر، وأنه ليس مقاومًا للناموس. وأن كرازته بين الأمم هي بأمر سماوي (أع 22: 17-18)، خلال ظهور ملاك له في الهيكل، فمن يقاومه يقاوم الله.

لعل هؤلاء الكتبة تذكروا ما قاله معلم الناموس غمالائيل الفريسي في المجمع: "احترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس فيما أنتم مزمعون أن تفعلوا... تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم, لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض, وإن كان من اللَّه فلا تقدرون أن تنقضوه, لئلا توجدوا محاربين للَّه أيضًا" (أع 5: 35-37).

لم يمل بعض كتبة الفريسيين إلى تبرئة القديس بولس فحسب, وإنما ينسبون إليه تمتعه بالوحي وسمو عقائده. أظهروا استعدادهم لا للعفو عنه فحسب، وإنما إلى مناصرته وحمايته.

3. ظهور الرب له

"حدثت منازعة كثيرة، اختشى الأمير أن يفسخوا بولس، أمر العسكر أن ينزلوا ويختطفوه من وسطهم، ويأتوا به إلى المعسكر". [10]

احتد الموقف جدًا فصار الرسول معرضًا إلى تمزيقه أربًا بواسطة الصدوقيين، فكان لا بد من الأمير أن يتدخل لإنقاذ حيان السجين.

فمع تحول الصرخات من هجوم الجميع على القديس بولس إلى صرخات لهجوم داخلي بين أعضاء المجمع، وأيضًا بين الجمع المحتشد، لكن ربما لكثرة عدد الصدوقيين ظهر خطورة الموقف على حياة الرسول, لذلك أمر ليسياس العسكر أن يختطفوا بولس ويأتوا به إلى المعسكر.

"وفي الليلة التالية وقف به الرب، وقال: ثق يا بولس، لأنك كما شهدت بما لي في أورشليم، هكذا ينبغي أن تشهد في رومية أيضًا". [11]

كلما اشتد الضيق وحلت التجارب قدم الله تعزيات سماوية، فإذ كاد الصدوقيون أن يمزقوا بولس، ظهر له الرب نفسه في المعسكر يطمئنه بأن له رسالة أن يشهد له في روما؛ وأنه لن يُقتل في أورشليم. لم يرسل له ملاكًا ولا رئيس ملائكة ولا شاروبًا بل ظهر له الرب نفسه, لأن بولس الرسول كان في موقف يبدو خطيرًا للغاية, وكأن رسالته ستنتهي في لحظات. ظهر له ليعلن له أنه لم يكمل رسالته بعد. لم يكن وعد السيد له ألا تلحق به تجارب، ولا أن يمد في أيامه على الأرض، إنما الوعد المفرح أنه يقدم شهادة له في روما، وهذه كانت شهوة قلب الرسول بولس، وقد تحققت، فدخلها كسجين منتصر وكارز (أع 28: 30-31).

دخل بولس الرسول إلى قلعة أنطونيا في الحبس، ليس من رفيقٍ أو زميلٍ معه، ولم يضع في ذهنه خطة عمل. دخل الحبس في حراسة ملائكة اللَّه, ولم يكن وحيدًا, بل كان في حضرة الرب الذي كان دائمًا يتراءى له يسنده ويوجهه كما حدث معه في بيت أكيلا وبريسكلا في كورنثوس (أع 18: 9-10). لقد ظهر له أيضا في القلعة، ولم يعده بسقوط السلستين من يديه، فإن هذا لا يشغل ذهن الرسول، ولا كانت تستطيع أن تقيد الكلمة في فمه، بل على العكس فتحت له مجالات جديدة للشهادة. ما كان يشغل الرسول بولس أن يشهد للسيد المسيح في القصر الإمبراطوري (أع 27: 24).

تحولت محاكمات الرسول إلى كرازة وشهادة للسيد المسيح، فبعد أن شهد أمام الأمير والجند واليهود بعلمائهم وكهنتهم والقادمين من كل أنحاء العالم، فتح الرب له طريقًا للشهادة أمام قيصر روما وعظماء وأشراف روما وكل العالم الأممي.


4. مؤامرة لقتله

"ولمّا صار النهار صنع بعض اليهود اتفاقًا، وحرّموا أنفسهم قائلين، أنهم لا يأكلون ولا يشربون حتى يقتلوا بولس". [12]

"وكان الذين صنعوا هذا التحالف أكثر من أربعين". [13]

"حرموا أنفسهم" أي أقسموا معا قسمًا مقدسًا في نظرهم أنهم يكرسون أنفسهم وكل طاقتهم لتحقيق المؤامرة. لم يخطر على بالهم كيف يبرئون أنفسهم من القسم إذا لم يتحقق الأمر. ربما تخيلوا أنه لن يوجد أي احتمال للفشل. هذا وفي مثل هذه الحالات إن حدث فشل بسبب طارئ ما أسهل أن ينالون حلاً من قَسَمِهم من القيادات الدينية.

إذ فشلت خطة هياج الشعب وإثارتهم كما فشلت خطة اليهود، لجأت جماعة إلى خطة لاغتياله بطريقة بربرية. لقد قدست جماعة من اليهود صومًا وصنعوا قسمًا كمن يشركون الله في خطتهم لقتل بولس الرسول، فيقدمونه ذبيحة لله. وكما سبق فأعلن السيد المسيح نفسه: "سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله" (يو 16: 1-2). اتفقت هذه الجماعة التى بلغت أكثر من أربعين شخصًا مع رؤساء الكهنة والشيوخ للتحالف معًا لتحقيق المؤامرة (أع 33: 14-15).

العجيب أنه بالليل ظهر له الرب يؤكد له أنه لن يُقتل في أورشليم، وفي نفس الليلة وربما في ذات وقت ظهور السيد له كان الشيطان يعد أكثر من أربعين شخصُا لاغتياله. فالسيد المسيح ساهر على كنيسته، وعدو الخير لن يكف عن مقاومتها. والعجيب أن الشر سرعان ما يتحالف معًا، إذ كيف يوجد أربعون شخصًا يتحالفون هكذا على اغتيال شخصٍ بروح واحدة، في مدينة أورشليم التي يدعونها "مدينة الله". هذه التي كان يجب أن تأوي البرّ صارت مأوى للشر والقتل.




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 23 جـ3 PDF Print Email

لقد سلكوا بروح أبيهم، الشيطان، القتال للناس منذ البدء، وقد أظهروا غيرة عجيبة لتنفيذ خطة أبيهم:

1. انهم لم يقفوا عند التفكير والتخطيط، بل وتحركوا سريعًا للعمل.

2. خططوا معًا بروح الوحدة والعمل المشترك.

3. استهانوا بعناية الله، فصمموا ألا يأكلوا ولا يشربوا حتى يحققوا خطتهم على وجه السرعة، دون وضع أي حساب لعنصر تدخل الله.

4. استهانوا بنفوسهم وأجسادهم، لتحقيق خطتهم مهما تكن تكلفتها حتى ولو كانت حياتهم نفسها.

5. أعطوا صبغة دينية تبدو كأنها مقدسة، إذ التقوا برؤساء الكهنة والشيوخ ليخبرهم بخطتهم، لا لينالوا بركتهم أو ليصلوا من أجلهم، وإنما وقد تأكدوا من إمكانية تحقيقها يتدخلوا لدى السلطات حتى لا يُقبض عليهم ويُحاكموا.

6. طلبوا من رؤساء الكهنة والشيوخ أن يشتركوا معهم في شرهم، فيكذبوا ويخدعوا الأمير لكي ينزله إليهم فيتمموا الخطة.

"فتقدّموا إلى رؤساء الكهنة والشيوخ وقالوا: قد حرمنا أنفسنا حرمًا أن لا نذوق شيئًا حتى نقتل بولس". [14]

لعلهم أرسلوا مندوبين عنهم خفية حتى لا تتجه الأنظار إليهم وتنكشف خطتهم.

- تطلعوا إلي الصوم كوالد للقتل العمد. وذلك كما فرض هيرودس على نفسه قسمًا هكذا فعل هؤلاء. فهذه هي طرق إبليس، فتحت ستار الظهور بالتقوى ينصب فخاخه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"والآن اعلموا الأمير أنتم مع المجمع لكي ينزله إليكم غدًا، كأنكم مزمعون أن تفحصوا بأكثر تدقيق عمّا له، ونحن قبل أن يقترب مستعدون لقتله". [15]

طلبوا سرعة إبلاغ الأمير حتى يسمح بإنزال بولس في اليوم التالي مباشرة. أما القتل فيتم في الطريق قبل بلوغه المجمع حتى لا يشك أحد في أن المؤامرة بتخطيط من المجمع.

5. اكتشاف المؤامرة

"ولكن ابن أخت بولس سمع بالكمين، فجاء ودخل المعسكر وأخبر بولس". [16]

كيف عرف ابن أخت بولس بالكمين؟ هذا ما لا نعلمه، لكن ما نعرفه أن الله يستخدم كل وسيلة لإبادة خطط إبليس وجنوده. يقول الحكيم: "لأن طير السماء ينقل الصوت، وذو الجناح يخبر بالأمر" (جا 10: 20). يرى البعض أن أحد الفريسيين, وهو عضو في مجمع السنهدرين, إذ كان متعاطفًا مع الرسول بولس لأنه يهدم أفكار الصدوقيين أخبر ابن أخت الرسول سرًا. ويرى آخرون أن هذا الشاب جاء إلى أورشليم للدراسة. ولعل أحد أصدقائه في الدراسة, ربما كان ابنا أو قريبًا لأحد أعضاء هذه الجماعة التي صممت على قتله أو لأحد الفريسيين الأعضاء في المجمع قد تحدث مع ابن أخت الرسول, لا لإنقاذ خاله, وإنما كحديث بين شابين صديقين يتحدثان معًا في صراحة عن ما يدور في أورشليم.

لا نعرف أحدا من أسرة القديس سوى ابن أخته هذا، ونحن لا نعرف اسمه، وهل كانت والدته مقيمة في أورشليم أم لا.

في دراستنا لرسائل بولس الرسول خاصة الاصحاح الأخير من رسالته إلى أهل رومية نشعر بأن عائلة بولس الرسول هى الكنيسة كلها، وعلى وجه الخصوص خدام الكلمة. فقد صارت الكنيسة هي أسرته، وهو عضو فيها ملتصق بالجميع.

"فاستدعى بولس واحدًا من قواد المئات، وقال: اذهب بهذا الشاب إلى الأمير، لأن عنده شيئًا يخبره به". [17]

كان بولس موضع حب وثقة الكثير من القادة، فلا نعجب إن استدعى قائد مائة وطلب منه إن يُدخل بالشاب إلى قائد المعسكر. فان قائد المائة تحت سلطانه مائة جندي يستدعيهم ولا يستدعى، أما أن يستدعيه أسير في الحبس فهذه نعمة من عند الله.

لم يستدعِ جنديًا عاديًا بل قائد مائة.

"فأخذه وأحضره إلى الأمير، وقال: استدعاني الأسير بولس، وطلب أن أحضر هذا الشاب إليك، وهو عنده شيء ليقوله لك". [18]

لم يستنكف قائد المائة من أن يذهب بنفسه ويخبر قائد المعسكر بأن الأسير بولس قد استدعاه، متحدثًا عن بولس بوقارٍ.

"فأخذ الأمير بيده، وتنحّى به منفردًا، واستخبره ما هو الذي عندك لتخبرني به". [19]

نقف بحق في دهشة أمام تواضع قائد المائة وحبه لخدمة المساجين بروح تقوي، وأيضًا أمام لطف قائد المعسكر الذي لم يستهن بالشاب، بل أخذه بيده كصديق له أو كأب مع ابنه، وتنحى به منفردًا يسأله عما عنده ليخبره به.

هذا ولا يمكننا تجاهل شخصية هذا الشاب, فحتمًا حمل على وجهه علامات السلام الداخلي وملامح جذابة, مع فيض عناية اللَّه الفائقة, إذ استطاع أن يدخل المعسكر ويختلي بخاله ليروي له الأمر في سرية, وأن يقتاده قائد المئة, ويمسك الأمير بيده ليتحدث معه على إنفراد، هذه الأمور يصعب حدوثها في مثل هذه الظروف.

"فقال أن اليهود: تعاهدوا أن يطلبوا منك أن تنزل بولس غدًا إلى المجمع، كأنهم مزمعون أن يستخبروا عنه بأكثر تدقيق". [20]

ربما كان تلميذا لدى أحد المعلمين اليهود، وقد سمع همسات عن الأمر فتحقق منه.

"فلا تنقاد إليهم، لأن أكثر من أربعين رجلاً منهم كامنون له، قد حَرّموا أنفسهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا حتى يقتلوه، وهم الآن مستعدّون منتظرون الوعد منك". [21]

ليسياس يرسل بولس لفيلكس

6. إرساله إلى قيصرية

"فأطلق الأمير الشاب، موصيًا إيّاه أن لا تقل لأحد أنك أعلمتني بهذا". [22]

"ثم دعا اثنين من قُوّاد المئات وقال: أعّدا مائتي عسكري ليذهبوا إلى قيصرية، وسبعين فارسًا، ومائتي رامح من الساعة الثالثة من الليل". [23]

إذ عرف القائد بالمؤامرة قرر إرسال القديس بولس تحت حراسةٍ مشددةٍ إلى العاصمة ليسلموه للوالي هناك يعيدًا عن القيادات اليهودية في أورشليم. وقد قام الموكب الضخم في الساعة الثالثة من الليل، أي حوالي الساعة 9م. بهذا ينقذ حياة الرسول لأنه روماني الجنسية.

خرج القائدان كل منهما معه جنوده الخاضعين له، أي مائة جندي مع كل قائد؛ ولعل هؤلاء الجنود ساروا في الموكب لحماية بولس حتى يخرج من أورشليم وبقي السبعون فارسًا يسيرون مع بولس في الطريق حتى يسلموا بولس للوالي. كما ذهب معه مائتا رامح، وقد جاءت الكلمة اليونانية dexiolabous تعني الموكب عند خروجه من أورشليم حوالى 500 شخصًا، وهو ليس بالرقم الكبير في ذلك الحين بالنسبة لعادات الرومان، خاصة وأن الذين نذروا قتله كانوا أربعين شخصًا فدائيين. لذا كان يجب أن يكون الموكب مرعبًا حتى لا يكون لديهم أي أمل للبلوغ إلى بولس الأسير مهما كانت غيرتهم.

"وأن يقدّما دواب ليركبا بولس، ويوصّلاه سالمًا إلى فيلكس الوالي". [24]

كلمة دواب kteenee تشير إلى الدواب بصفة عامة، سواء كانت فرس أو جمالاً أو حميرًا، والأخيرة كانت أكثر استخدامًا في اليهودية.

واضح أن الأمير عامل القديس بولس بكل تقديرٍ, فلم يطلب أن يُوضع في مركبة خاصة بالمساجين, ولا أن يقودوه جريًا على قدميه, وإنما أن يعدوا له دوابًا لأجل وصوله إلى قيصرية في سلام وراحة.

المسافة ما بين أورشليم وقيصرية حوالي 60 ميلاً.

فيلكس الوالي: كان اسمه أنطونيوس فيلكس، كان عبدًا أعتقته من العبودية انتونيا Antonia والدة الإمبراطور كلوديوس Claudius، كان يعتز به كلوديوس جدًا، فأقامه واليًا على اليهودية. دعاه يوسابيوس كلوديوس فيلكس. تزوج ثلاثة نساء بالتوالي من العائلات الملكية، إحداهن دروسولا التي سيشار إليها فيما بعد في أع 24: 24. قال عنه تاكيتوس Tacitus أنه كان يحكم بسلطان ملك، ودناءة مع غطرسة عبد. وقال عنه كلارك، أنه كان واليًا ظالمًا، إنسانًا شريرًا دنيئا وجشعًا.

بلا شك كان الأمير يعلم الكثير عن شخصية فيلكس الوالي وخسته, لكنه أدرك أن السقوط في يد فيلكس أهون بكثير من السقوط في يد رئيس الكهنة ومجمع السنهدرين. ولعل الأمير خشي من قتل بولس فيُتهم بالإهمال أو أخذ رشوة لقتل رجلٍ روماني الجنسية.

"وكتب رسالة حاوية هذه الصورة". [25]

7. رسالة إلى فيلكس

"كلوديوس ليسياس يهدي سلامًا إلى العزيز فيلكس الوالي". [26]

"هذا الرجل لمّا أمسكه اليهود، وكانوا مزمعين أن يقتلوه، أقبلت مع العسكر وأنقذته إذ أُخبرت أنه روماني". [27]

"وكنت أريد أن أعلم العلة التي لأجلها كانوا يشتكون عليه، فأنزلته إلى مجمعهم". [28]


حسب القانون الروماني ليس عليه علة أو جريمة ارتكبها ضد الرومان أو الدولة.

"فوجدته مشكوًا عليه من جهة مسائل ناموسهم، ولكن شكوى تستحق الموت أو القيود لم تكن عليه". [29]

"ثم لمّا أُعلمت بمكيدة عتيدة أن تصير على الرجل من اليهود، أرسلته للوقت إليك أمرًا المشتكين أيضًا، أن يقولوا لديك ما عليه. كن معافي". [30]

8. بلوغه قيصرية

"فالعسكر أخذوا بولس كما أمروا، وذهبوا به ليلاً إلى أنتيباتريس". [31]

أنتيباتريس: مدينة تبعد ما بين 35 و40 ميلاً من أورشليم. يقول يوسيفوس أنها تبعد حوالي 17 ميلاً من يافا. وكانت تسمى قديمًا كفر سابا تبعد حوالي 26 ميلاً من قيصرية، غير هيرودس الكبير اسمها إلى أنتيباتريس تكريما لوالده أنتيباتر Antpater. وهى تقع في أرض خصبة بها ينابيع كثيرة.

- كان مثل ملك يرافقه حراسه، هكذا نقل هؤلاء بولس بعدد كبير هكذا ليلاً خشية غضب الشعب.

- هؤلاء العسكر جعلوا بولس مشهورا في قيصرية، إذ جاء ومعه قوة عسكرية ضخمة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وفي الغد تركوا الفرسان يذهبون معه، ورجعوا إلى المعسكر". [32]

إذ لم يعد هناك خطر من المتآمرين ضد القديس بولس عاد العسكر وربما معهم الرامحين، وسار الفرسان بالقديس بولس إلى قيصرية.

"وأولئك لمّا دخلوا قيصرية، ودفعوا الرسالة إلى الوالي، أحضروا بولس أيضًا إليه". [33]

"فلما قرأ الوالي الرسالة، وسأل من أيّة ولاية هو، ووجد أنه من كيليكية". [34]

لما كانت كيليكية ولاية رومانية كان يلزم على الوالي الروماني أن يقوم بفحص القضية دون تشاور مع الأمير الوطني. عندما ظهر يسوع أمام بيلاطس بنطس أرسله إلى هيرودس أنتيباس الذي كان يحكم الجليل حيث كان يسوع جليليًا، أما في قضية بولس فلا حاجة إلى تشاور مع والٍ خارج قيصرية.

"قال: سأسمعك متى حضر المشتكون عليك أيضًا، وأمر أن يُحرس في قصر هيرودس". [35]

أودعه فيلكس في الحبس الذي في قصر هيرودس حيث توجد قاعة العدالة. أنشأها هيرودس الكبير في قصره ليمارس فيها القضاء، وكان ملحقا بها أماكن للحبس.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 23 جـ4 PDF Print Email
من وحي أع 23

ضربات على الفم أم قبلات مقدسة!

- إذ نطق رسولك بالحق,

استحق قبلات فمك الإلهي,

وتلقف ضربات الأشرار!

قبلات فمك اليومية تمتص كل كياني.

فلا أبالي بضربات الأشرار!

- في جرأة انتهر رسولك رئيس الكهنة المرائي,

فحسبه حائطًا مملوء فسادًا!

لم يخجل أن يعتبره ليس برئيس كهنةٍ,

لأنه فاسد، ومفسد للحق.

- ليهج العالم علينا,

وتبقى رعايتك تلازمنا.

فأنت المعزي والمدافع عن خدامك!

- ليصمم العالم على الخلاص منا,

وأنت بنعمتك تحول شرهم لبنياننا.

أنت تبدد مشورة الأشرار!

أنت تكشف أسرارهم الخفية.

ليخططوا كيفما شاءوا,

فحياتنا في يديك لا في أيديهم.

إننا محمولين على الأذرع الأبدية!

حتما تحقق رسالتك بنا يا مخلص العالم!

1 فتفرس بولس في المجمع و قال ايها الرجال الاخوة اني بكل ضمير صالح قد عشت لله الى هذا اليوم
2 فامر حنانيا رئيس الكهنة الواقفين عنده ان يضربوه على فمه
3 حينئذ قال له بولس سيضربك الله ايها الحائط المبيض افانت جالس تحكم علي حسب الناموس و انت تامر بضربي مخالفا للناموس
4 فقال الواقفون اتشتم رئيس كهنة الله
5 فقال بولس لم اكن اعرف ايها الاخوة انه رئيس كهنة لانه مكتوب رئيس شعبك لا تقل فيه سوءا
6 و لما علم بولس ان قسما منهم صدوقيون و الاخر فريسيون صرخ في المجمع ايها الرجال الاخوة انا فريسي ابن فريسي على رجاء قيامة الاموات انا احاكم
7 و لما قال هذا حدثت منازعة بين الفريسيين و الصدوقيين و انشقت الجماعة
8 لان الصدوقيين يقولون انه ليس قيامة و لا ملاك و لا روح و اما الفريسيون فيقرون بكل ذلك
9 فحدث صياح عظيم و نهض كتبة قسم الفريسيين و طفقوا يخاصمون قائلين لسنا نجد شيئا رديا في هذا الانسان و ان كان روح او ملاك قد كلمه فلا نحاربن الله
10 و لما حدثت منازعة كثيرة اختشى الامير ان يفسخوا بولس فامر العسكر ان ينزلوا و يختطفوه من وسطهم و ياتوا به الى المعسكر
11 و في الليلة التالية وقف به الرب و قال ثق يا بولس لانك كما شهدت بما لي في اورشليم هكذا ينبغي ان تشهد في رومية ايضا
12 و لما صار النهار صنع بعض اليهود اتفاقا و حرموا انفسهم قائلين انهم لا ياكلون و لا يشربون حتى يقتلوا بولس
13 و كان الذين صنعوا هذا التحالف اكثر من اربعين
14 فتقدموا الى رؤساء الكهنة و الشيوخ و قالوا قد حرمنا انفسنا حرما ان لا نذوق شيئا حتى نقتل بولس
15 و الان اعلموا الامير انتم مع المجمع لكي ينزله اليكم غدا كانكم مزمعون ان تفحصوا باكثر تدقيق عما له و نحن قبل ان يقترب مستعدون لقتله
16 و لكن ابن اخت بولس سمع بالكمين فجاء و دخل المعسكر و اخبر بولس
17 فاستدعى بولس واحدا من قواد المئات و قال اذهب بهذا الشاب الى الامير لان عنده شيئا يخبره به
18 فاخذه و احضره الى الامير و قال استدعاني الاسير بولس و طلب ان احضر هذا الشاب اليك و هو عنده شيء ليقوله لك
19 فاخذ الامير بيده و تنحى به منفردا و استخبره ما هو الذي عندك لتخبرني به
20 فقال ان اليهود تعاهدوا ان يطلبوا منك ان تنزل بولس غدا الى المجمع كانهم مزمعون ان يستخبروا عنه باكثر تدقيق
21 فلا تنقد اليهم لان اكثر من اربعين رجلا منهم كامنون له قد حرموا انفسهم ان لا ياكلوا و لا يشربوا حتى يقتلوه و هم الان مستعدون منتظرون الوعد منك
22 فاطلق الامير الشاب موصيا اياه ان لا تقل لاحد انك اعلمتني بهذا
23 ثم دعا اثنين من قواد المئات و قال اعدا مئتي عسكري ليذهبوا الى قيصرية و سبعين فارسا و مئتي رامح من الساعة الثالثة من الليل
24 و ان يقدما دواب ليركبا بولس و يوصلاه سالما الى فيلكس الوالي
25 و كتب رسالة حاوية هذه الصورة
26 كلوديوس ليسياس يهدي سلاما الى العزيز فيلكس الوالي
27 هذا الرجل لما امسكه اليهود و كانوا مزمعين ان يقتلوه اقبلت مع العسكر و انقذته اذ اخبرت انه روماني
28 و كنت اريد ان اعلم العلة التي لاجلها كانوا يشتكون عليه فانزلته الى مجمعهم
29 فوجدته مشكوا عليه من جهة مسائل ناموسهم و لكن شكوى تستحق الموت او القيود لم تكن عليه
30 ثم لما اعلمت بمكيدة عتيدة ان تصير على الرجل من اليهود ارسلته للوقت اليك امرا المشتكين ايضا ان يقولوا لديك ما عليه كن معافى
31 فالعسكر اخذوا بولس كما امروا و ذهبوا به ليلا الى انتيباتريس
32 و في الغد تركوا الفرسان يذهبون معه و رجعوا الى المعسكر
33 و اولئك لما دخلوا قيصرية و دفعوا الرسالة الى الوالي احضروا بولس ايضا اليه
34 فلما قرا الوالي الرسالة و سال من اية ولاية هو و وجد انه من كيليكية
35 قال ساسمعك متى حضر المشتكون عليك ايضا و امر ان يحرس في قصر هيرودس


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 24 جـ1 PDF Print Email

محاكمة القديس بولس أمام فيلكس الوالي


كانت المفاجأة مرة للمتآمرين كما لرئيس الكهنة وأعضاء مجمع السنهدرين حين طلب رئيس الكهنة من الأمير ليسياس أن يحاكم أمام مجمع السنهدرين, فإذا بالأمير يهز كتفيه قائلاً: "لقد تحولت القضية لفيلكس الوالي بقيصرية، بولس الآن أمام الوالي!"

لقد فشلت خطتهم ومؤامرتهم لقتله في الطريق.

1. شكاية ترتلس على بولس 1-9.

2. احتجاج الرسول بولس 10-21.

3. تأجيل القضية 22-23.

4. عظته للوالي وزوجته 24-26.

5. عزل فيلكس 27.

1. شكاية ترتلس على بولس


إذ أرسل ليسياس القديس بولس إلى فيلكس والي قيصرية، عاصمة اليهودية مدنيًا في ذلك حين، غالبًا ما أخبر رئيس الكهنة وبعض القيادات الدينية في أورشليم المقاومين للقديس بولس بأنه إن كان لديهم شكوى على بولس فليقدموها في قيصرية.

"وبعد خمسة أيام انحدر حنانيا رئيس الكهنة مع الشيوخ، وخطيب اسمه ترتلس، فعرضوا للوالي ضد بولس". [1]

لم يرد رئيس الكهنة والشيوخ أن يخسروا وقتًا، بل تبعوا الرسول بولس، وقد أخذوا معهم ترتلس الخطيب ليقدم الشكوى والاتهامات ضد بولس في قيصرية. وكما نلاحظ في سفر الأعمال إنه لم يكن لدى القيادات اليهودية عمل له أولوية سوى مقاومة اسم يسوع، والتخلص من كل كارز باسمه.

هكذا بلغ بهم الحقد والكراهية حتى أن رئيس الكهنة نفسه ترك الهيكل ومدينة الله أورشليم وكل التزامات الخدمة ليذهب بنفسه إلى القضاء في قيصرية يهاجم بولس الرسول. نسي رئيس الكهنة كرامته، وكما جاء في ملاخي: "أما انتم فحدتم عن الطريق... فأنا أيضا صيرتكم محتقرين ودنيئين عند كل الشعب" (ملا 2: 8-9).

ذهاب رئيس الكهنة ومعه هيئة تمثل مجمع السنهدرين يمثل ضغطًا على الوالي, أن الأمر خطير ويمس الأمة اليهودية بأسرها.

لعل رئيس الكهنة والشيوخ تصاغروا جدًا في أعين أنفسهم، فحسبوا أنهم عاجزون عن تقديم الدعاوى ضد القديس بولس، لذلك أخذوا معهم الخطيب ترتلس.

انحدارهم بعد خمسة أيام يكشف عن تعجلهم في الأمر، فغالبًا لم يبلغهم ليسياس بالأمر فور إرسال بولس الرسول إلى قيصرية حتى لا يتبعوه في الطريق ويحدث اضطراب، إنما انتظر حتى وصول بولس إلي العاصمة. كما ناقش رئيس الكهنة الشيوخ فيمن يذهب معهم لعرض الدعاوى.

ترتلس: اسم روماني؛ غالبًا ما كان خطيبًا رومانيًا، حيث كان اليهود يجهلون إلى حد كبير القوانين الرومانية والإجراءات القانونية في مثل هذه الحالة. غالبًا ما كانوا يوظفون بعض المحامين الرومانيين للدفاع عن قضاياهم، أو لرفع قضايا ضد البعض، لمعرفتهم بالقوانين واللغة الرومانية.

"فلما دعي ابتدأ ترتلس في الشكاية قائلاً:" [2]

دعي القديس بولس من الحبس ليقف أمام الوالى ويسمع الدعاوى ضده ويدافع عن نفسه.

"إننا حاصلون بواسطتك على سلام جزيل، وقد صارت لهذه الأمة مصالح بتدبيرك، فنقبل ذلك أيها العزيز فيلكس بكل شكر، في كل زمان، وكل مكان". [3]

يتحدث ترتلس بضمير الحاضر الجمع، إما لأنه كان يهوديًا وهذا الاحتمال ضعيف، أو لأنه يتكلم باسم الموكلين له: مجمع السنهدرين كممثلٍ للأمة اليهودية كلها من الجانب الديني.

بدأ ترتلس خطابه بكلمات التملق والرياء، مع أن فيلكس كان معروفًا بعنفه وشره وطمعه. وإن كان بسبب هذا العنف استتب إلى حد ما الأمن في اليهودية، فقد أمكنه القبض على جماعة لصوص تحت قيادة اليعازر، وأرسل زعيمهم إلى روما. كما قبض على النبي الكذاب المصري الذى قاد 4000 (أع 21: 38) شخصًا إلي البرية، والذي هدد سلام اليهودية، وقمع التحريض على فتنة قامت بين سكان قيصرية وسوريا.

حسب ترتلس أن الخلاص من بولس هو عمل صالح يًحسب امتدادًا لأعمال فيلكس الصالحة لحساب الأمة، إذ اخمد الفتن وحركات التمرد التى تهدد سلام الشعب. وكأن بولس واحد من هؤلاء المثيرين للفتن.

"ولكن لئلاّ أعوقك أكثر، التمس أن تسمعنا بالاختصار بحلمك". [4]

لم يكن أحد يجهل مدى كراهية رئيس الكهنة والشيوخ للوالي الروماني، حيث يتطلعون إليه كنيرٍ موضوعٍ على عنقهم. كانت قلوبهم مشحونة بالعداوة ضد فيلكس، لكن في كراهيتهم لاسم يسوع قالوا لبيلاطس أنه ليس لهم ملك إلا قيصر، والآن يحسبون فيلكس حليمًا ومهتمًا بمصالحهم من أجل تحقيق هدفهم من جهة القديس بولس.

هذا الذي يمتدحونه كحليمٍ، وأنهم دومًا في حضرته كما في غيبته يشكرونه على تدبيره لمصالحهم، يقول عن يوسيفوس المؤرخ في قضية يوناثان رئيس الكهنة أنه ظالم وعنيف. وهكذا يصفه تاكيتوس Tacitus وسيتونيوس Suetonius.

"فإننا إذ وجدنا هذا الرجل مفسدًا، ومهيّج فتنة بين جميع اليهود الذين في المسكونة، ومقدام شيعة الناصريّين". [5]

باسم رئيس الكهنة وكل مجمع السنهدرين قدم ترتلس ثلاثة إتهامات خطيرة ضد الرسول بولس: أحدها يخص الأمن العام للدولة بكونه مهيج فتنة بين جميع اليهود، والثاني يمس سلامة الدين اليهودي كمنجس للهيكل وكاسر للناموس، والثالث كقائد حركة لشيعة جديدة تدعى الناصريين.

"مفسد"، الكلمة اليونانية تستخدم عن الوباء، هكذا يروا في الرسول أشبه بوباءٍ مفسدٍ لأخلاقيات الآخرين. لم يقل عنه أنه حامل الوباء، بل هو الوباء بعينه. اعتاد المقاومون للإيمان المسيحي أن يدعو الإيمان المسيحي وباءً, والمسيحيين مفسدين.

"مهيج فتنة" ادعوا أنه ينادي بتعاليم ضد ناموس موسى والتقاليد والعادات اليهودية مما يسبب انقسامًا وثورة وسط اليهود. جاءت الكلمة "مهيج فتنة" prootostateen وهو تعبير عسكري كقائد للجيش، وكأن بولس هو الرجل الأول في حركة الناصريين الثائرة كجيش يحارب. يرى البعض في تعبير "مهيج فتنة" تلميحًا خفيًا إلى إثارة فتنة بين اليهود ضد روما، هذا الاتهام لا ينطبق مطلقًا على الرسول بولس، إذ كان يشير إلى جنسيته الرومانية واهتمامه بالأمم.

أما كلمة شيعةhaireseoos أي أصحاب بدعة أو هرطقةheresy ، فتشير إلى أنها جماعة منحرفة عن الإيمان.

هكذا قلبوا الحقيقة، فالرسول بولس ككارزٍ بإنجيل المسيح، يسوع الناصري، يدعو إلى الخضوع للسلطات، وتقديم الكرامة لمن له الكرامة، كما يدعو إلى تنفيذ الناموس في كمال مفهومه الروحي، فيطالب بالحب حتى نحو الأعداء والمقاومين.

- لقد ظنوا أنهم يقولون هذا كنوع من التوبيخ "الناصريون"، بهذا يريدون تحطيمه، لأن الناصرة موضع وضيع. قال: "وجدنا هذا الرجل". انظروا كيف يشوهون سمعته بخبث، فبقولهم "وجدناه" يبدو كمن يتسلل دومًا خفيه، وأنه بصعوبة تتبعوه حتى وجدوه، مع أنه كان في الهيكل لمدة سبعة أيام.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وقد شرع أن ينجس الهيكل أيضًا، أمسكناه، وأردنا أن نحكم عليه حسب ناموسنا". [6]

هذا الاتهام بلا أساس، فقد أتهم بأنه دخل بيونانيين إلى المكان المقدس (أع 21: 28)، وقد أجاب الرسول على ذلك (أع 24: 18).

"فأقبل ليسياس الأمير بعنفٍ شديدٍ، وأخذه من بين أيدينا". [7]

اتهموا الأمير ليسياس باستخدام العنف معهم، وأنه لو لم يفعل ذلك لتمت محاكمة عادلة بخصوص بولس. وهم في هذا يخفون الحقيقة، إذ كانوا يدبرون مؤامرة لقتله دون محاكمة.

"وأمر المشتكين عليه أن يأتوا إليك، ومنه يمكنك إذا فحصت أن تعلم جميع هذه الأمور، التي نشتكي بها عليه". [8]

يرى البعض أن حديث الخطيب ترتلس حتمًا كان أكثر من هذا، وأن القديس لوقا اكتفي بتقديم الخطوط العريضة للحديث أو ملخصًا له.

"ثم وافقه اليهود أيضًا قائلين أن هذه الأمور هكذا". [9]

شهد القادمون من أورشليم صدق كلمات ترتلس، ولا نعلم إن كانت قد أُخذت شهادتهم بصورة فردية، أم اكتفوا بمجرد موافقة الكل معًا على هذه الاتهامات.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 24 جـ2 PDF Print Email
2. احتجاج الرسول بولس

"فأجاب بولس إذ أومئ إليه الوالي أن يتكلم: إني إذ قد علمت أنك منذ سنين كثيرة قاضٍ لهذه الأمة، احتج عمّا في أمري بأكثر سرور". [10]

هذا هو الدفاع الثالث لبولس الرسول كما ورد في سفر أعمال الرسل. وقد اتسم دفاعه بروح الحكمة والقداسة، وتحقق فيه وعد السيد المسيح أنهم إذ يقفون أمام ملوك وولاة من أجله يُعطون في تلك الساعة ما يتكلمون به.

لم يستخدم الرسول بولس كلمات الإطراء والتملق، كما فعل الخطيب ترتلس، لكنه قدم مديحًا متواضعًا لفيلكس الوالي، مظهرًا أنه صاحب خبرة في شئون الأمة اليهودية، لهذا حتمًا ستكون المحاكمة عادلة. فقد كان فيلكس وكومانوسComanus شريكين في الولاية، وقد أساء الأخير إدارة الأمور بطريقة صعبة، فتحولت كل السلطة في يدي فيلكس، وذلك منذ حوالي سبع سنوات قبل هذه المحاكمة، وهي فترة طويلة أعطت لفيلكس خبرات قوية من جهة أمور الأمة اليهودية. إنها فترة طويلة إن قورنت بالولاة السابقين له. كان القديس بولس يعلم تمامًا شخصية فيلكس، لهذا لم يمدحه إلا بما هو حق دون مبالغة ولا مداهنة.

"قاض": تُستخدم هنا بمعنى حاكمٍ، يمارس القضاء الخاص بأمور الأمة العامة magistrate.

"احتج عما في أمري بأكثر سرور": إنها لغة الإنسان الجرىء الذي لا يخشى الموت والواثق في أعماقه ببراءته مهما دارت الأحداث.

لم يهتز الرسول بولس من كلمات الخطيب الأجير، ولا أعطى لكلماته اهتمامًا، إنما وجه الحديث بكل توقير للوالي، وقد ظهرت عليه علامات السرور والبهجة لا الاضطراب والخوف.

- هذه ليست لهجة تملق، إنما شهادة لعدالة القاضي. لا بل كان حديث الخطيب فيه تملق: "إننا حاصلون بواسطتك على سلام جزيل". فإن كان الأمر هكذا، فلماذا تقوم بالتحريض؟ أما ما طلبه بولس فهو العدالة، إذ يقول: "إذ أنك قاض عادل احتج عما في أمري بأكثر سرورٍ". وقد أكد ذلك خلال طول الزمن حيث كان قاضيًا "منذ سنين كثيرة".

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأنت قادر أن تعرف أنه ليس لي أكثر من اثني عشر يومًا، منذ صعدت لأسجد في أورشليم". [11]

يرى البعض أن الاثني عشر يومًا أو أكثر منذ صعد إلى أورشليم هي هكذا:

1 اليوم الأول الذي جاء فيه إلى أورشليم (أع 21: 15).

1 اليوم الثاني قضاه مع يعقوب والرسل (أع 21: 18).

6 أيام قضاها في تنفيذ نذره (أع 21: 21، 26).

1 اليوم التاسع، والسابع من نذره حيث حدث شغب، وأنقذه القائد ليسياس (أع 21: 27؛ 22: 29).

1 اليوم العاشر: وقف أمام مجمع السنهدرين (أع 22: 30؛ 23: 10).

1 اليوم الحادي عشر: دُبرت مؤامرة لقتله، فأرسل في مساء نفس اليوم غلى قيصرية.

الأيام التي قضاها في الحبس لم يحسبها الرسول بولس، لأنه حسب فقط الأيام التى كان يمكن أن يُتهم فيها بأنه يصنع فتنة في أورشليم، إذ لا يمكنه ان يصنع فتنة وهو في الحبس في قيصرية تحت الحراسة. وكأن الاثني عشر يومًا هي الفترة ما بين صعوده إلى أورشليم حتى مجيئه إلى قيصرية تحت الحبس لدى فيلكس، وهي فترة قصيرة للغاية.

أوضح الرسول غاية صعوده إلى أورشليم وهي "لأسجد" أو "لأتعبد"، وليس ليثير فتنة. صعد بهدفٍ تقويٍ تعبديٍ خاشعٍ.

"ولم يجدوني في الهيكل أُحاج أحدًا، أو أصنع تجمعًا من الشعب، ولا في المجامع، ولا في المدينة". [12]

كان أول اتهام قدمه ترتلس ضده أنه مفسد [5]، كيف يكون هذا صدقًا، وهو لم يدخل في حوارٍ مع أحد، ولا على مستوي التجمعات، ولا في داخل الهيكل، بل كان في الهيكل ينفذ نذرًا، ويحتفظ بشركته في العبادة مع شعبه، ولم يتحد أحدًا منهم.

- استخدم المتهمون تعبير "زعيم فتنة" كما لو كانت القضية هي قضية حرب وعصيان مسلح، لكن تطلعوا كيف أجاب بولس بلطف.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولا يستطيعون أن يثبتوا ما يشتكون به الآن علي". [13]

ليس لديهم أي دليل على إثارة أي شعب، إذ يحمل كل حب وغيرة على خلاص بني جنسه (رو 9: 1-3).

"ولكنني أُقر لك بهذا، أنني حسب الطريق الذي يقولون له شيعة، هكذا أعبد إله آبائي، مؤمّنًا بكل ما هو مكتوب في الناموس والأنبياء". [14]

أما عن الاتهام الثاني الذي قدمه ترتلس فهو أنه زعيم لفئة الناصريين، فقد جاءت إجابته هكذا:

1. إن كان قد لقبهم ترتلس بالناصريين استخفافًا بهم وتحقيرًا لشأنهم، فإن الرسول بولس لم يشغله اللقب، ولا يدخل في حوار غير هادف.

2. لم ينكر الرسول بولس عضويته في ما يدعونه هم بالشيعة، فهو يعتز بانتسابه للمسيحيين.

3. إن انتسابه لهم ليس إلا امتدادًا للعبادة بحسب فكر آبائهم، الذين دعاهم "آبائي". دخوله الهيكل دليل عملي على ممارسته للعبادة حسب فكر آبائه.

4. أن ما يدعونها بالشيعة، إنما تؤمن بما ورد في الناموس والأنبياء، فما يعلنه عن السيد المسيح هو تحقيق للنبوات.

5. غاية هذه الجماعة ورجاؤها هو التمتع بالقيامة من الأموات [15]

6. ما يدعونه هم شيعة أو بدعة هو في الحقيقة "الطريق"، به يعبر البشر إلى الله ويتمتعون بالشركة معه.

7. أوضح الرسول ما هو الإيمان المسيحي بقوله: "هكذا أعبد إله آبائي مؤمنًا"، حيث يربط العبادة بالإيمان معًا.

"ولي رجاء باللَّه فيما هم أيضًا ينتظرونه، أنه سوف تكون قيامة للأموات الأبرار والآثمة". [15]

هنا يشير إلى الفريسيين الذين يؤمنون أيضا بالقيامة من الأموات.

- عزله المتهمون كأنه غريب، أما هو فربط نفسه بالناموس كواحدٍ منهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لذلك أنا أيضًا أُدرّب نفسي، ليكون لي دائمًا ضمير بلا عثرة من نحو اللَّه والناس". [16]

في تواضعٍ لم ينسب الرسول لنفسه الكمال، لكنه سالك في الطريق، يدرب نفسه على الدوام، فاحصًا ضميره من جهة علاقته بالله والناس. فإن ما يشغله ليس تبرئة نفسه أمام القضاء، وإنما أمام الديان، العارف بما في ضمائر الناس. يطلب دومًا الاستنارة، ويجاهد ليكون مخلصًا وأمينًا أمام الله وفي حق الناس.

"وبعد سنين كثيرة جئت أصنع صدقات لأمّتي وقرابين". [17]

كيف يُتهم بمثير فتن وهو إلى سنوات طويلة لم يصعد إلى أورشليم، والآن إذ يصعد يأتي إلى أورشليم بصدقاتٍ وتقدماتٍ بسبب ما حل بالمدينة من مجاعة.

يعلق البعض على رحلة القدّيس بولس إلى أورشليم ليقدّم العطاء للقدّيسين هناك، قائلين بأنه كان في أورشليم قدّيسون باعوا كل ممتلكاتهم ووضعوها عند أقدام الرسل (أع 4: 34-35)، مكرّسين أنفسهم للصلاة والقراءة والتعليم. واضح من قول الرسول في موضعٍ آخر: "ولكن الآن أنا ذاهب إلى أورشليم لأخدم القديسين" (رو 15: 25) أنّه من أجل سماتهم هذه كقديسين يسافر بولس ليلتقي بهم شخصيًا، وهو يترجّى أنّهم يقبلوا تقدمته مظهرّا أنّه مغبوط بالأكثر هو العطاء عن الأخذ (أع 20: 35).

- كان يوجد قديسون فقراء في كل الموضع، وقد أراد بولس من أهل رومية أن ينمي روح العطاء بسخاء مع الجميع.

العلامة أوريجينوس

- إذا كرس هؤلاء الأمم أنفسهم بالكامل لخدمة الله لم يرتبكوا قط بأمور هذا العالم, مقدمين مثلاً للسلوك الحسن أمام المؤمنين. هكذا أيضاً يريدنا الرسول أن نتعاطف ونكون رحماء، فنشعر بالتزامنا بالعطاء وأن نمارس الأعمال الصالحة بقلبٍ راضٍ, لأن من يترجى الرحمة من الله يلزم أن يكون رحيمًا مبرهنًا على أن لديه علة لرجائه. فإن كان الإنسان رحيمًا كم بالأكثر يكون الله. وكما يقول الرب: "طوبى للرحماء فإن اللَّه يرحمهم" (مت 5:7).

أمبروسياستر

"وفي ذلك وجدني متطهرًا في الهيكل، ليس مع جمعٍ، ولا مع شغبٍ، قوم هم يهود من آسيا". [18]

حين ألقوا القبض عليه كان معه يهود قادمون من آسيا وكان هو متطهرًا منشغلاً بخدمة مقدسة حيث يوفي بنذره، ولم يدخل الهيكل ومعه جمهور أو شغب.

- لماذا صعدوا بك؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟ يجيب: "لكي أعبد، لكي أقدم صدقات. هذه ليست تصرفات شخص مثير للشغب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أقول بما يقوله الرسول الطوباوي بولس تقريبًا في كل رسائله، وجعله قاعدة لكنائس الأمم أنه في اليوم الأول من الأسبوع، أي في يوم الرب، كانت تُجمع تبرعات من كل أحد تُرسل إلى أورشليم لأجل سدْ احتياجات القديسين، بواسطة أحد تلاميذه أو من يستحسنونهم. وإن رأوا أنه من المناسب يقوم هو نفسه بإرسالها أو يأخذ ما تجمع. أيضًا جاء في أعمال الرسل وهو يتحدث مع الوالي فيلكس: "وبعد سنين كثيرة جئت أصنع صدقات لأمتي وقرابين، وفي ذلك وجدني متطهرًا في الهيكل..." ألم يقم بالتوزيع في مناطق أخرى للعالم، وفي الكنائس المبتدئة التي فيها عمل بإيمانه، مقدمًا مما تسلمه من الكنائس الأخرى؟ لكنه اشتاق أن يعطي فقراء الأماكن المقدسة الذين فقدوا ممتلكاتهم القليلة من أجل المسيح، وحولوا كل قلوبهم لخدمة الرب. إنني احتاج إلى وقت طويل جدًا إن كررت كل العبارات من كل دائرة رسائله التي فيها يحث ويؤيد بكل قلبه أن يرسل المال إلى أورشليم وإلى الأماكن المقدسة للمؤمنين، لا ليبعث فيهم الطمع، بل ليسد احتياجاتهم، لا ليكدسوا الثروات، بل ليسندوا أجساد الفقراء الضعيفة، وليدفعوا البرد والجوع عنها.

القديس جيروم


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 24 جـ3 PDF Print Email
"كان ينبغي أن يحضروا لديك، ويشتكوا إن كان لهم عليَّ شيء". [19]

لو أنه رافقني أحد غريب غير يهودي دخل معي إلى الهيكل، لكان يجب إحضارهم ليشهدوا ضدي أمامك.

استخدم القديس أثناسيوس الرسولي العبارات الواردة في سفر الأعمال (أع 24: 18-19؛ 25: 16)، في دفاعه عن الهروب من أمام الأريوسيين.

"أو ليقل هؤلاء أنفسهم ماذا وجدوا فيّ من الذنب، وأنا قائم أمام المجمع". [20]

التماس جرئ يقدمه الرسول وهو إن كانوا لم يحضروا أحدًا غير يهودي يشهد بأنه دخل به إلى الهيكل فليقدموا دليلاً عمليًا على اتهاماتهم له.

"ألاَ من جهة هذا القول الواحد الذي صرخت به، واقفًا بينهم، إني من أجل قيامة الأموات أُحاكم منكم اليوم". [21]

أراد الرسول بولس أن يوجه أنظارهم إلى أن الأمر الوحيد، ولعله الذي نطق به أمام المجمع، هو التعليم بالقيامة من الأموات.

لماذا أشار القديس بولس إلى إن محاكمته هي من أجل القيامة من الأموات؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الذى ينشغل بالقيامة من الأموات لا يمكن أن يصدر عنه شغب.

3. تأجيل القضية

"فلما سمع هذا فيلكس أمهلهم، إذ كان يعلم بأكثر تحقيق أمور هذا الطريق قائلاً: متى انحدر ليسياس الأمير أفحص عن أموركم". [22]

كان فيلكس على علم بهذا الطريق، أي بالإيمان بالسيد المسيح، ربما من زوجته دروسيلا [24]. وإذ سمع الوالي كلا من ترتلس وبولس أودع بولس في الحبس حتى يفحص الأمر بعد مجيء القائد ليسياس.

ربما كان لدي فيلكس معرفة عن المسيحية أكثر مما كان يظن رئيس الكهنة ومن معه، ففي قيصرية وجد كرينليوس قائد المائة الذي قَبِل الإيمان هو وأهل بيته على يدي بطرس الرسول. ولعله احتك عمليًا ببعض المسيحيين وتلامس مع أمانتهم وإخلاصهم في العمل وحسن سيرتهم وسلوكهم.

لقد خاب أمل رئيس الكهنة ومن معه إذ كانوا يتوقعون صدور حكم عاجل من الوالي ضد الرسول بولس.

- لاحظوا كيف أن الحكام في كل المناسبات يريدون أن يبتعدوا عن الأمور المزعجة التي لليهود، الذين غالبًا ما كانوا يُلزمونهم بالتصرف ضد العدالة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأمر قائد المائة أن يُحرس بولس، وتكون له رخصة، وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه أن يخدمه أو يأتي إليه". [23]

بلا شك كان للرسول بولس أصدقاء كثيرون في قيصرية، يستطيعون خدمته، ويأتون إليه يسمعون له، كما كان له مقاومون كثيرون، فوجوده في الحبس كان بسماح إلهي لسلامته.

يرى البعض أن فيلكس أمر بحبس الرسول لأحد الأسباب التالية:

1. مع معرفته ببراءة الرسول أراد أن يطيب خاطر القيادات اليهودية، فأودعه في الحبس، وإن كان لم يحكم بموته كطلبهم.

2. ربما كان يتوقع من أصدقاء الرسول، وهم ليسوا بالعدد القليل، أن يقدموا رشوة فيطلق سراحه.

3. أن يتأكد فعلاً خلال اللقاءات معه ومع غيره عن حقيقة الأمر.

4. عظته للوالي وزوجته

"ثم بعد أيام جاء فيلكس مع دروسلا امرأته وهي يهودية، فاستحضر بولس، وسمع منه عن الإيمان بالمسيح". [24]

واضح أن فيلكس قد أعجب بالرسول بولس، فكان له تقريره في عينيه حتى وهب له حرية اللقاء مع أصدقائه وكل زائريه. هذا يظهر من لقائه هو وزوجته مع بولس على مستوى عائلي. لقد استدعاه ليسمع منه عن يسوع المسيح، وعن الإيمان المسيحي الذي لديه بعض المعرفة عن هذا الأمر. ولعله استدعاه بناء على طلب زوجته التي كان لديها حب استطلاع للتعرف على هذا الطريق من الرسول نفسه.

دروسلا: سيدة يهودية، هي ابنة هيرودس أغريباس الصغرى الذي أكله الدود. كانت محبة للاستطلاع، أما من جهة حياتها فقد كانت قبلاً متزوجة، تركت زوجها وعاشت مع فيلكس كزوجة غير شرعية، يتطلع إليها اليهود كزانية. ما كان يشغلها المعرفة الفكرية لا التمتع بالحياة الإيمانية المقدسة. قيل أنها كانت مخطوبة لابيفانوس ابن الملك انتيخوس بشرط دخوله اليهودية، وإذ رفض بعد ذلك حلت الخطبة. قام أخوها أغريباس الصغير بتزويجها بأزيسيس ملك أميسا وكان موافقًا أن يختتن. وإذ رآها فيلكس والي اليهودية سقط في حبها، وأرسل إليها سمعان أحد أصدقائه وهو يهودي قبرصي المولد الذي تظاهر بأنه ساحر لكي ما يغويها على ترك زوجها والزواج بفيلكس. لكي تتجنب حسد أختها برنيسكي التي كانت تسيء إلى معاملتها بسبب جمالها، عصت شرائع آبائها وتزوجت فيلكس، فعاشت معه كزانية. يرى البعض أن فيلكس استدعى بولس في حضور زوجته دروسلا، وكان يتوقع من هذا السجين أن يلطف من خاطر دروسلا ويطمئنها على سلامة زواجها من فيلكس.

"وبينما كان يتكلم عن البرّ والتعفف والدينونة العتيدة أن تكون، ارتعب فيلكس وأجاب: أمّا الآن فاذهب، ومتى حصلت على وقت أستدعيك". [25]

لم يداهن الرسول بولس الوالي وزوجته غير الشرعية، بل شهد لإنجيل المسيح بكل قوة، وتحدث عن البرّ والعفة والدينونة العتيدة فارتعب الوالي، ولم يحتمل أن يسمع، لأن ضميره صار يبكته، ولعله خشي من تأثير الرسول بولس على دروسلا فتفكر في التوبة وتترك فيلكس.

شتان ما بين سجان فيلبي الذي سأل: "ماذا ينبغي لي أن أفعل لكي أخلص؟" (أع16: 13-31)، وبين فيلكس المرتعب، لكنه عوض طلب الخلاص، قال: "أما الآن فاذهب ومتى حصلت على وقت أستدعيك". فإنه كان مبتلعًا بملذاته وشهواته، وليس لديه وقت للاهتمام بخلاص نفسه.

والعجيب أن دروسلا لم ترتعب لحديث الرسول بولس، ويعلل البعض إنها كيهودية ظنت أنها قادرة بتقديم تقدمات وممارسة بعض الطقوس أن تتمتع بالصفح عما تعيش فيه، لهذا تبلد فكرها وقلبها وضميرها مهما سمعت عن البرّ والعفة وعن الدينونة.

يرى القديس أغسطينوس أن حديث الرسول بولس عن "التعفف والبرّ" إنما يحوي ثلاثة أمور: الكف عن الشر، وصنع الخير، والرجاء في المكافأة الأبديّة.

- لاحظوا كيف أن بولس تحدث في الحال ليس فقط عن الإيمان ولا عن مغفرة الخطايا وإنما تحدث أيضًا عن نقاط عملية ملزمة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يقارن القديس يوحنا الذهبي الفم بين القديس بولس وهو في السلاسل لكنه كحاكمٍ قدير صاحب سلطان داخلي، بينما كان فيلكس واليًا وقاضيًا، لكنه لا يحمل سمات القيادةِ فارتعب أمام السجين. فالمؤمن الحقيقي لا يرتعب من الغير مهما كان سلطانهم، بل يحمل رهبة وسلطانًا.

- ليتنا لا نحسبه بالأمر العظيم إن كان الناس يرهبوننا. ففي الجانب الأول، لا يستطيع إنسان ما أن يُرعبنا، وثانيًا فإنه ليس بالأمر العظيم (أن يرتعبوا هم).

الفضيلة هي صلاح عظيم، لتنظروا كم هي عظمتها...

ألا تفكر يا إنسان هكذا كم هي قوتك؟ وأي نوع من القوة تحمل؟ قل لي هل هي تُمنح بميعاد؟ لو كان الأمر كذلك لكنت تأخذ القوة من بشرٍ، رعدْ نفسك هو في داخلك.

فالحاكم ليس من يُدعى حاكمًا، بل من هو بالحقيقة هكذا. كما أن الملك لا يقدر أن يجعل إنسانًا طبيبًا أو خطيبًا، هكذا لا يقدر أن يقيم حاكمًا. فإنه ليس القرار الإمبراطوري ولا الاسم يجعل من الشخص حاكمًا...

إن كان شخص له عدد طبية أيضًا وأدوية، ويزور المرضى، هل هذه كلها كافية لتجعل منه طبيبًا؟ لا، فإنه يحتاج إلى فن (الطب). بدون هذه كلها ليس فقط لا تفيد، بل وتؤذي. فإنه من الأفضل لمن هو ليس بطبيبٍ ألا يقتني أدوية. فمن لا يقتنيها لا ينقذ ولا يدمر، أما من يقتنيها فيدمر إن لم يكن يعرف كيف يستخدمها. فإن قوة الشفاء ليست في طبيعة الأدوية بل في الفن الذي يستخدمه الشخص...

هكذا بالنسبة للحاكم، فربما يكون له الأدوات، صوته كصاحب سلطان، وغضبه، والجلادون، وله العقوبات، وله الكرامات، والهدايا والمديح. لديه أيضًا الأدوية: القانون، ولديه مرضاه وهم الناس. ولديه الموضع الذي يمارس فيه عمله أي ساحة القضاء، ولديه التلاميذ وهم الجند، فإن لم يكن لديه فن الشفاء، فإن هذا كله لا ينفعه شيئًا. القاضي هو طبيب النفوس لا الأجساد، فإن كان شفاء الأجساد يحتاج إلى كل هذه العناية، كم بالأكثر يحتاج إلى شفاء النفوس، حيث أن النفس أثمن من الجسد.

إذن ليس مجرد نوال لقب "الحاكم" يصير الشخص حاكمًا... هؤلاء هم حكام، الذين يحكمون أنفسهم.

توجد أربعة أشياء: النفس والأسرة والمدينة والعالم. والأربعة يمثلون تقدمًا منظمًا.

فمن يدير أسرة فلكي يديرها حسنًا يلزمه أولاً أن يحسن تدبير نفسه، لأنها هي أسرته، فإن كان لا يقدر أن يدير أسرته التي تتكون من نفسٍ واحدةٍ، وحيث هو السيد وحيث هو دومًا برفقتها، فكيف يقدر أن يدير الآخرين؟

فمن يقدر أن ينظم نفسه، ويجعل نصيبًا منها يحكم والآخر يخضع، فإن مثل هذا الإنسان يقدر أن ينظم أسرة أيضًا، ومن يقدر أن يفعل ذلك مع الأسرة يستطيع أيضًا مع مدينة ليمكنه أن يفعل ذلك مع العالم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- "أتمشى في رحب لأني طلبت وصاياك، وأتكلم بشهاداتك قدام ملوك ولا أخزى" (مز 119: 45-46). يقول إنه يسافر بسهولة عظيمة ويحيا حسب وصاياه، بعيدًا عن تأثير ملوك رهيبين، متحدثًا معهم في يقينٍ عظيٍم... في يقين البرّ اتهم العظيم إيليا آخاب بأنه شرير (1 مل 18). وبالمثل دانيال الملهم قال لنبوخذنصر: "الآن، أيها الملك فلتكن مشورتي مقبولة لديك، وفارق خطاياك بالبرّ، وآثامك بالرحمة للمساكين" (دا 4: 27). هكذا بولس الملهم خاطب أغريباس وفستوس وفيلكس (أع 24- 26). ,أيضا استخف الشهداء بالملوك الأشرار.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

"وكان أيضًا يرجو أن يعطيه بولس دراهم ليطلقه، ولذلك كان يستحضره مرارًا أكثر ويتكلم معه". [26]

مع أنه ارتعب متأثرًا بحديث القديس بولس، لكن محبة المال والمجد الباطل أفسدتا حياته، فكان يستدعي الرسول راجيًا أن يعطيه دراهم فيطلقه. تحقق الوالي أنه ليس من جريمة ارتكبها الرسول، وأنه يلزم إطلاقه. ومع أن الرشوة كانت ممنوعة حسب القانون الروماني، لكنها كانت سائدة، وكان فيلكس يرجو من بولس أن يدفع رشوة له. كان يستدعيه ويعامله بكل لطف لعله يشتري حريته بالمال.

كثير من الولاة الرومان كانوا يتطلعون إلى مراكزهم كمصدر قوي للغنى الفاحش على حساب العدالة.

5. عزل فيلكس

"ولكن لمّا كملت سنتان، قبل فيلكس بوركيوس فستوس خليفة له، وإذ كان فيلكس يريد أن يودع اليهود منة ترك بولس مقيدًا". [27]

ختم ولايته بأن ترك الرسول أسيرًا ليس اعتقادًا بأنه مخطئ، وإنما ليكسب اليهود حتى بعد تركه الولاية. فضل بولس أن يبقى في السجن سنتين عن أن يدفع رشوة ويُطلق سراحه. أما فيلكس فحتى عند تركه الولاية ترك بولس سجينًا ليكسب ود اليهود. يقول يوسيفوس المؤرخ أن فيلكس كان غير محبوب، بلا شعبية. هذا يتفق مع ما ذكره الإنجيلي لوقا عن ترك بولس في السجن كمنة لليهود، أي لكي لا يشتكوه بعد تركه الولاية لدى الإمبراطور.


 
<< Start < Prev 1 2 3 4 5 6 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


6 توت 1736 ش
17 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس أشعياء النبي بن آموص سنة 913 ق م
استشهاد القديسة باشيليا (باسيليا)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك