إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

بغض النظر إن كانت الخطية ضد الناس أو ضد نفسك فهى خصومة مع الله وإنفصال عنه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل

+ تفسير سفر أعمال الرسل +



تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

الإعداد لميلاد الكنيسة


الآن وقد قُدم الثمن بالكامل قام السيد المسيح من بين الأموات، مؤكدًا قبول الآب لذبيحة الصليب، فصار من حق البشرية أن تتمتع بالدخول إلى السماويات خلال برّ المسيح القائم من الأموات. وقد جاء هذا الأصحاح يوضح التهيئة العملية لميلاد كنيسة المسيح في يوم الخمسين ككنيسة يقودها الروح القدس بنفسه.

١. جذب التلاميذ نحو الملكوت ١-٣.

٢. الوعد بالقائد الإلهي ٤-٨.

٣. ارتفاع الرأس إلى السماء ٩-١٤.

٤. تكملة عدد التلاميذ ١٥-٢٦.

١. جذب التلاميذ نحو الملكوت


بعد أن وجّه الإنجيلي لوقا السفر إلى ثاوفيلس أوضح عمل السيد المسيح مع تلاميذه خلال فترة الأربعين يومًا من يوم قيامته حتى صعوده، حيث سحب قلوبهم إلى ملكوت الله، وألهبها للبلوغ إليه. قيامته غيَّرت نظرتهم إليه، فلم يعد يعيش في وسطهم نهارًا وليلاً، يمارس الحياة البشرية اليومية، لكنه صار يلتقي بهم في ظهورات، حيث صار موضعه الطبيعي بعد القيامة هو السماء. مع كل ظهورٍ كانوا يشتاقون إلى الحياة الجديدة المُقامة ليمارسوا عربون السماويات حتى يحل يوم لقائهم معه على السحاب وينالوا شركة المجد الأبدي.

"الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس، عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به" [1].

تخدم مقدمة إنجيل لوقا (لو ١: ١-٤) السفرين معًا بكونهما أشبه بكتابٍ واحدٍ في مجلدين، أما مقدمة أعمال الرسل (١: ١-٢) فتربط السفرين معًا.

لقد قدم في الكلام (المقال) الأول عرضًا لأقوال السيد المسيح وأعماله. إنه لم يكن ممكنًا لسفرٍ ما أن يسجل تفاصيل كل أحاديث السيد ومعجزاته وأعماله الخلاصية (يو ٢١: ٢٥)، لكنه سجل جوهر الأحاديث والأعمال.

- لم يقل: "جميع" فقط، وإنما "عن جميع"، وكأنه يقول "ملخصًا عن" أو "في الإجمال" عن كل ما هو رئيسي وهام جدًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على قول الإنجيلي: "ابتدأ يسوع أن يفعله ويعلم به" [1] مقدمًا العمل عن الكلام، بهذا قدم نفسه مثالاً للمعلم الحقيقي.

- تأملوا كيف ثبَّت المسيح كلماته بأعماله.

هكذا يقول: "تعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29).

علَّم البشر أن يكونوا فقراء، وقد أوضح ذلك بأعماله، فإن "ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه" (مت 8: 20).

مرة أخرى أوصى البشر أن يحبوا أعداءهم، وقد علَّم ذات الدرس على الصليب حين طلب من أجل صالبيه.

لقد قال: "من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فأترك له الرداء أيضًا" (مت 5: 40). الآن لم يعطِ فقط الثياب بل قدم دمه. بهذه الطريقة أمر الآخرين أن يعلِّموا.

لذلك يقول بولس أيضًا: "كونوا متمثلين بي" (في 3: 17).

فليس شيء أكثر تفاهة من أن يظهر معلم ما فلسفته بالكلمات؛ فإن هذا ليس من عمل المعلم بل المرائي.

لذلك علَّم الرسل بسلوكهم أولاً وبعد ذلك بكلماتهم، بل بالأحرى لم يكونوا في حاجة إلى كلمات عندما نطقت كلماتهم بصوتٍ عالٍ. فليس من الخطأ أن تتحدث عن آلام المسيح كعملٍ، فإنه بآلامه، تمم عملاً عظيمًا وعجيبًا، بل دمَّر الموت، وقدَّم لنا أمورًا كثيرة فعلها من أجلنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يصير التعليم مخجلاً عندما يبكت الضمير الإنسان (الذي يُعلِم ولا يعمل بما يُعلِمه). باطلاً يكرز لسانه عن الفقر ويعلم عن العطاء إن كان منشغلاً بالغنى وعوض ارتدائه ثوبه البالي يرتدى الثياب الحريرية في بيته كي يدفع عنها العث.

القديس جيروم

- يلزمنا المثابرة بجهاد في القراءة، الأمر الذي أراكم تصنعونه، مع السعي بكل اشتياق لنوال المعرفة العملية الاختبارية أولاً، أي المعرفة الأخلاقية. لأنه بغيرها لا يمكن اقتناء النقاوة النظرية التي نتكلم عنها، وبهذا لا ينطقون بكلمات غيرهم معلمين بها، إنما بالسمو في العمل والتنفيذ. فبعدما يبذلون جهودًا وأتعابًا كثيرة يستطيعون أن ينالوا المعرفة الروحية كمكافأة لهم من أجلها. وإذ يقتنون المعرفة، لا من مجرد التأمل في الشريعة، بل كثمرة لتعبهم، يتغنون مع المرتل قائلين: "من وصاياك تفهمت" (مز 104:119). وإذ يقهرون كل شهواتهم يقولون بكل ثقة: "لك يا ربِّ أرنم. أتعقل في طريقٍ كاملٍ" (مز 1:101، 2). فمن يجاهد في طريقٍ كاملٍ بقلبٍ نقيٍ يترنم بالمزمور ويتعقل (يتفهم) الكلمات التي يسبح بها.

الأب نسطور

"إلى اليوم الذي ارتفع فيه، بعدما أوصى بالروح القدس الرسل الذين اختارهم" [2].

في حديثه الوداعي وعدهم بكل وضوح بعطية روحه القدوس المعزي، الذي يقدم لهم كل الحق، ويفتح أذهانهم لمعرفة الكتب المقدسة، ويجتذب العالم إلى معرفته، حيث يبكت على خطية وعلى برٍّ وعلى دينونة، كما نفخ في وجوه تلاميذه وأعطاهم نفخة الروح لكي كل ما يحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء، وما يربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء. أما بعد قيامته فقد "أوصاهم بالروح القدس". ربما ركز أغلب أحاديثه عن الروح القدس، لذلك كانت قلوبهم تلتهب حبًا نحو السماويات. ولعلهم كانوا يتساءلون علانية أو خفية: من يستطيع أن يسلك في شركة مع القائم من الأموات؟ جاءت إجابة السيد المسيح لهم: بالروح القدس!

لم يسجل لنا لوقا البشير أحاديث السيد معهم عن الروح القدس، بل ترك الأحداث الواردة في السفر تكشف عما وعد به السيد، وما تمتعوا به بحلول الروح القدس عليهم، وسكناه في داخل الكنيسة الحديثة الولادة.

- "بعدما أوصى بالروح القدس": ربما يقصد أنه تحدث معهم بكلماتٍ روحيةٍ، وليس بأمرٍ بشري، أو لعل المعنى هنا أنه قدم لهم الوصايا بالروح. ألا ترون كيف يتحدث بأسلوبٍ متواضعٍ عن المسيح، إذ ينقل ما قاله المسيح عن نفسه؟ "إن كنت بروح الله أخرج الشياطين" (مت 12: 28)، لأنه بالحق عمل الروح القدس في ذلك الهيكل.

حسنًا بماذا أوصاهم؛ يقول: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به " (مت 28: 19-20).

يا له من مديح عظيم للرسل أن توكل إليهم هذه المهمة، أقصد خلاص العالم! كلمات مملوءة بالروح!...

واضح أنه علَّم التلاميذ بعد القيامة، ولكن لم يروِ لنا أحد عما علمه في هذه الفترة بالتفصيل... علي أي الأحوال لقد عرفنا هذه الأمور خلال الرسل، فإنهم أخبرونا بما سمعوه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"الذين أراهم أيضًا نفسه حيًا ببراهين كثيرة، بعدما تألم وهو يظهر لهم أربعين يومًا، ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله" [3].

يقدم لنا لوقا البشير خدمة السيد المسيح لتلاميذه بظهوره لهم دفعات كثيرة خلال الأربعين يومًا، مؤكدًا لهم أنه حي ببراهين كثيرة، ومحدثًا إياهم عن ملكوت الله. خدمته في هذه الفترة مختلفة تمامًا عن خدمته خلال الثلاث سنوات السابقة. لم يعد يقدم أشفية وإقامة موتى، ولا عظات للجماهير، ولا حوار معه، إنما أعلن بكل وسيلة عن حقيقة شخصه أنه غالب العالم الشرير والموت والشيطان، من يقتنيه يقتني الغلبة والنصرة، ويتمتع بالحياة الجديدة المُقامة، بكونها عبورًا إلى عربون السماء، وتمتعًا بالمجد السماوي الداخلي.

التعبير اليوناني للكلمتين "ببراهين كثيرة tekmhrion" يعنى "علامات مُلزمة"، أو "علامات لا تُقاوم" أو "معصومة من الخطأ "infallible proofs. فإن كانت القيامة هو عصب الإيمان والخلاص، بدونها يُفقد الصليب دوره، لهذا قدم السيد المسيح براهين كثيرة لتأكيدها، أما هذه البراهين أو العلامات التي لا تُقاوم فهي:

1. كانت ظهوراته لأشخاصٍ مختلفين وفي أوقات متباينة (1 كو 15) خلال فترة دامت أربعين يومًا، هي إعلانات لا يمكن أن تحمل أي نوعٍ من الخداع، بل كانت تجتذب من يلتقون به. ربط السيد ظهوراته بآلامه وصلبه، إذ كشفت عن مجد الصليب بتأكيد قيامته، فصار التلاميذ يعتزون بالقول: "بعدما تألم"، فما كان يمكنهم التمتع بمجد هذه الظهورات الإلهية وإدراك حقيقة شخص السيد المسيح ورسالته لو لم يجتز الألم. هي طريق مجده، أي طريق تحقيق رسالته كمخلصٍ لنا، به ومعه نجتاز الألم لنعبر إلى الأمجاد. "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو 8: 17). "باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم (الأنبياء)، إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها" (1 بط 1: 11). هكذا صار الألم طريق المجد الحقيقي، إذ يقول الرسول: "كما اشتركتم في آلام المسيح، افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضا مبتهجين" (1 بط 4: 13). هنا ندرك سرّ اعتزاز الكنيسة بالتعبير "آلامك المحيية"، وتكراره يوميًا في صلوات السواعي وفي الليتورجيات الكنسية كسرّ خلاصنا ومجدنا الأبدي.

2. عدم توقعهم لقيامته (يو 20: 25؛ لو 24: 19-24) أكد أن ظهوراته لم تكن عن أوهامٍ أو خيالاتٍ أو تصوراتٍ كانت مسبقة في أذهانهم.

- قضى أربعين يومًا بعد القيامة بدخل ويخرج، يأكل ويشرب، دون أن يجوع أو يعطش، وإنما كشهادة لتأكيد حقيقة جسده الذي لم يعد في عوز، إنما يأكل ويشرب وهو حامل سلطان... لم يعد بعد معهم في شركة الضعف البشري.

القديس أغسطينوس

3. ظهر لهم كصديقٍ ورفيقٍ لهم، ولكن على مستوى جديدٍ وفائقٍ. لقد أكل وشرب معهم، ولكن ليس كحياةٍ يوميةٍ عاديةٍ، كما كان قبل قيامته.

4. لقاؤه مع تلاميذه في الجليل كما عيَّن لهم. لقد رأوا ذاك الذي عاشوا معه قرابة ثلاث سنوات عن قربٍ شديدٍ، يعرفونه حق المعرفة.

5. خضوع جسده للمس، ليصرخ كلٍ منهم في أعماقه مع توما الرسول قائلاً: "ربي وإلهي".

6. لم تكن ظهورات مجردة، بل قدم لهم أحاديثه عن ملكوت الله الذي بدأوا يدركونه بمفهومٍ جديدٍ بعد تمتعهم بالقائم من الأموات والحوار معهم.




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email
ملكوت الله: ما قدمه السيد المسيح لتلاميذه خلال هذه الفترة كرصيدٍ حيٍ لكرازتهم هو الكشف عن سرّ صليبه والتمتع بقوة قيامته. يقدم ذاته لهم بكونه المصلوب القائم من الأموات. بهذا صار ملكوت الله منظورًا ومسموعًا وملموسًا بالمسيح القائم من الأموات. وبهذا يترنم التلاميذ: "الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة" (1 يو 1:1). فالشهادة العملية لقيامته من الأموات هي الجانب العملي لخبرة ملكوت الله فينا. أو بمعنى آخر ملكوت الله في جوهره هو اتحاد مع المسيح المصلوب القائم من الأموات والصاعد إلى السماوات.

قبل قيامته لم يكن التلاميذ قادرين على إدراك أسرار السيد المسيح، لذا قال لهم: "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن" (يو 16: 12). أما وقد صارت القيامة واقعًا يمكنهم أن يتلمسوه، لم يعد يقول لهم: "أحتى الآن لا تفهمون... كيف لا تفهمون؟" (مت 16: 9، 11)، إنما "فتح ذهنهم ليفهموا الكتب" (لو 24: 45).

- لم يكن دائمًا معهم في هذه الفترة كما كان قبل القيامة. إذ لم يقل الكاتب: "أربعون يومًا" وإنما "خلال الأربعين يومًا". كان يأتي ويختفي ليقودهم إلى مفاهيم علوية، ولم يسمح لهم أن يتطلعوا إليه بنفس الطريقة السابقة، بل يقدم لهم مقاييس تؤكد أمرين: الإيمان بحقيقة قيامته، وإدراكه بأنه أعظم من أن يكون إنسانُا. في نفس الوقت، هذان الأمران متعارضان، فلكي نؤمن بقيامته إنما يتحقق ذلك بكون شخصيته بشرية، والأمر الثاني علي خلاف ذلك. ومع هذا فإن النتيجتين لهما فاعليتهما، كل منهما في الوقت المناسب لها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى القديس أغسطينوس أن حياتنا على الأرض يمثلها الرقم 40، حيث نلتزم بتنفيذ الوصايا العشرة فنبلغ كمال التطويبات، وأن نمارسها في كل أركان المسكونة أو جهاتها الأربع (الشرق والغرب والشمال والجنوب) أي أينما وجدنا (10 × 4 =40)

- يشير هذا الرقم (40) إلى الحياة التي تعملون فيها في هذا العالم.

القديس أغسطينوس

ربما يتساءل البعض: لماذا لم يظهر السيد علانية لكل البشرية كما صُلب علانية، وإنما ظهر للتلاميذ والرسل ولمجموعاتٍ معينة؟

1. كان لابد من إعلان حبه للبشرية كلها بصلبِه علانية، فهو حمل الله الذي يرفع خطية العالم. أما القيامة فهي هبة تُعطي للمشتاقين إليها، وإلى المخلصين في التعرف على شخص المسيح القائم من الأموات.

2. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه لو ظهر علانية للجميع لظن الكل أنه مجرد ظهور لشخصه، وليس قيامة من الأموات. فالتلاميذ أنفسهم مع سماعهم عدة مرات عن قيامته قبل صلبه، وظهوره لهم، ولمسه، بل واشتراكه مع بعضهم في الأكل... مع كل هذا كانوا في حالة اضطرابٍ شديدٍ وارتباكٍ، إذ لم يكن من السهل قبول قيامة ميت! لهذا أراد السيد بكل الطرق تأكيد قيامته لهم بكل وسيلة حتى يكونوا شهودًا لها في كرازتهم في العالم أجمع.

حتى بعد قيامته وظهوراته المستمرة لهم كانوا في ارتباكٍ شديدٍ، مع الشعور بثقل المسئولية، بل واستحالة تحقيق رسالتهم الموكلة إليهم. لهذا حدثهم عن "الأمور المختصة بملكوت الله"، ليس كالأحاديث السابقة قبل قيامته، إنما أحاديث عملية بالكشف عن شخصه لهم، ليدركوا أن ملكوت الله هو التعرف عليه والتمتع بحبه والشركة معه. فالملكوت هو لقاء حي عملي معه. كما كشف لهم عن إرسالية الروح القدس الذي يسكن فيهم ويهبهم القوة للشهادة له، فيتحقق ملكوت الله في قلوب الكثيرين في العالم كله!

- إذ صار التلاميذ في كربٍ واضطرابٍ بسبب الأحداث الجارية، وكانوا في طريقهم لمواجهة مصاعب عظيمة، لهذا ردهم إلى السلام بأحاديثه عن المستقبل.

- لم يتحدث معهم أحاديث طويلة بعد القيامة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

٢. الوعد بالقائد الإلهي

"وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم، بل ينتظروا موعد الآب الذي سمعتموه مني" [4].

يرى البعض أنه عوض كلمة sunalizomeno "مُجتمع" جاءت في كثير من المخطوطات الكلمة اليونانية sunaulizomeno، لذلك كثيرًا ما تُترجم: "يأكل ملحًا معهم" كما جاءت في الترجمة السريانية الهرقلية، أو "يأكل خبزًا معهم" كما في السريانية البشيتا؛ وجاءت في القديس يوحنا الذهبي الفم: "وبينما هو على المائدة معهم". ولهذا يعتز التلاميذ بأنهم أكلوا وشربوا معه بعد قيامته كتأكيدٍ لحقيقة القيامة (أع 10: 40-41؛ لو 24: 42).

كما نال إبراهيم الوعد الإلهي من الله أثناء الوليمة معه وحوله الملاكان (تك 18: 1-8)، هكذا نال أبناء إبراهيم هنا الوعد بالروح القدس الذي يقيم من الحجارة أبناء لإبراهيم من كل الأمم وهو يأكل معهم.

"موعد الآب": سبق فوعد به الآب بالأنبياء في العهد القديم (إش 32: 15؛ 44: 3؛ يوئيل 2: 28-32). كما وعد به السيد المسيح أن الآب سيرسله أو سيرسله هو من عند الآب خمس مرات في يوحنا 14-16.

لماذا لم يحل الروح القدس علي التلاميذ أثناء وجود السيد المسيح على الأرض، أو بعد صعوده مباشرة؟

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن التلاميذ التزموا بالبقاء في أورشليم إلى أن يحل الروح القدس عليهم للأسباب التالية:

أولاً: إنهم أشبه بجيش الله الذي لن يقدر أن يدخل المعركة الروحية ما لم يحملوا السلاح، فيتهيأوا للمعركة. أو هم أشبه بالفُرس التي لا يمكنها أن تخرج للحرب ما لم يمتطيها الفرسان أو سائقو المركبات.

ثانيًا: كان يلزم أن يقبل الكثيرون في أورشليم الإيمان، فلا يخرج التلاميذ إلى الغرباء للشهادة للمصلوب القائم من الأموات كمن هم في استعراض، وإنما إذ يؤمن بعض ممن صلبوا السيد يصير إيمانهم شهادة قوية لقيامة السيد في ذات المدينة التي تم فيها صلبه ودفنه. بهذا يبكم التلاميذ أفواه المعترضين من الغرباء. فبإيمان بعض من الذين صلبوه يؤكد الرسل حقيقة صلبه وقيامته أيضًا.

- ربما يقول الرسل: كيف يمكننا أن نعيش وسط الأشرار سافكي الدماء، هؤلاء الذين هم كثيري العدد بينما نحن قلة قليلة مُزدرى بنا؟ لاحظوا كيف يزيل هذا الخوف والكرب بالكلمات: "بل ينتظروا موعد الآب الذي سمعتموه مني" [4]. ربما تقولون: متى سمعوا هذا؟ عندما قال: "خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي" (يو 16: 7)، مرة أخرى يقول: "وأنا أطلب من الآب، فيعطيكم معزيًا آخر، ليمكث معكم" (يو 14: 16).

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثالثًا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن التلاميذ كانوا محتاجين إلي فترة إعداد لقبوله. فإن كان دانيال خرّ وسقط على وجهه عندما رأى ملاكًا (دا 8: 17) كم يكون بالأكثر حال التلاميذ حين يتقبلون نعمة عظيمة كهذه؟

رابعًا: في وجود السيد المسيح لم يشعر التلاميذ بالحاجة إلى معزٍٍ آخر، ولم يلتهب قلبهم شوقًا لقبول الروح القدس، أما بمفارقته لهم جسديًا شعروا بالحاجة إلى معزٍٍ آخر، وترقبوا حلول الروح القدس بشوقٍ عظيمٍ.

- كان لائقًا أنه يلزمهم أولاً أن يكون لهم شوق عظيم لهذا الحدث، وعندئذ ينالون النعمة. لهذا السبب رحل المسيح نفسه، وبعد ذلك حلّ الروح. فلو أن المسيح كان حاضرًا لما تقبلوا الروح بغيرةٍ هكذا. حتى بالنسبة لنا، فإن الرغبة نحو الله تزداد حين نكون في عوزٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

خامسًا: لما كان عمل الروح القدس هو تهيئة العروس لتحمل أيقونة عريسها، لذا حلّ الروح على التلاميذ بعد صعوده إلى السماوات لكي يحملوا سماته السماوية، ويشتاقوا للاتحاد معه لا ليلبثوا معه هنا على الأرض بل في السماء.

- يليق بطبيعتنا أن تُرى في السماء، وأن تصير المصالحة كاملة؛ عندئذ يأتي الروح ويصير الفرح غير مشوبٍ. فلو أن الروح قد جاء فعلاً وبعد ذلك رحل المسيح وبقي الروح، لكانت التعزية ليست عظيمة هكذا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأن يوحنا عمد بالماء، وأما أنتم فستتعمدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير" [5].

لقد سبق فأعلن ذلك القديس يوحنا المعمدان (مت 3: 11)، وقد تحقق في يوم الخمسين وأثناء كرازة الرسل (أع 11: 15-17؛19: 1-6). كانت معمودية القديس يوحنا المعمدان للتوبة، كإعدادٍ لاقتراب ملكوت السماوات (مت 4: 17).

- الآن يقول بوضوح: "إن يوحنا عمد بالماء، وأما أنتم فستتعمدون بالروح القدس". الآن لا يستخدم الشهادة (شهادة يوحنا المعمدان له)، إنما يرجع إلى شخص يوحنا، مذكرًا تلاميذه بما قاله، ومظهرًا لهم أنهم الآن قد صاروا أعظم من يوحنا، إذ هم يعمدون أيضا بالروح. مرة أخرى لم يقل: "أنا أعمدكم بالروح القدس" بل قال: "ستتعمدون"، معلمًا إيانا التواضع. هذا واضح بما فيه الكفاية من شهادة يوحنا أن المسيح نفسه هو الذي يعمد: "هو سيعمدكم بالروح القدس ونار" (لو 3: 16).

- لماذا يقول المسيح: "ستتعمدون" مع أنه بالحقيقة لم يكن يوجد ماء في العلية؟ لأن الجزء الأساسي في العماد هو الروح، الذي خلاله يقوم الماء بعمله. بنفس الطريقة يُقال عن ربنا أنه مُسح مع أنه لم يٌمسح قط بزيت، وإنما لأنه قبل الروح. هذا بجانب أنهم بالحقيقة قبلوا عمادًا بالماء (وعمادًا بالروح) وذلك في لحظات مختلقه. ففي البداية عمدهم يوحنا...

- يعيننا جرن المعمودية فلا يُسمح بمثقال ذرة لأدنى عقوبة أن تحل بنا. تأملوا فإن أي إنسان تحل به خطايا خطيرة بارتكاب القتل أو الزنا أو أية جريمة أخرى، هذه مسحتها المعمودية. إذ لا توجد خطية أو شر يقف أمام هذه النعمة، لأن النعمة إلهية. "لأن هبات الله ودعوته هي بلا ندامة" (رو 11: 29). أما تلك التي تُرتكب بعد العماد فينال الإنسان عنها عقوبةً عظيمةً، كما لو كانت الخطايا السابقة قد قامت من جديد، بل وأشر منها. فإن الجريمة لا تكون مجرد معادلة لما كانت قبلاً بل مضاعفة وثلاثة أضعاف. أنظروا لتأكيد أن العقوبة عن هذه الخطايا هي أعظم، اسمعوا ما يقوله القديس بولس: "من خالف ناموس موسى، فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود، يموت بدون رأفة، فكم عقابًا أشر تظنون أنه يحسب مستحقًا من داس ابن الله وحسب دم العهد الذي قدس به دنسًا وازدرى بروح النعمة؟!" (عب 10: 28-29).

القديس يوحنا الذهبي الفم

-صعد يسوع إلى السماوات وتمم الوعد، إذ قال لهم: "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر" (يو 14: 16). لهذا كانوا جالسين متطلعين إلى مجيء الروح القدس، وإذ حل يوم البنطقسي أيضًا في مدينة أورشليم هذه... نزل الروح القدس من السماء، الذي هو حارس الكنيسة ومقدسها، ومدبر الأرواح، ضابط العواصف الثائرة، الذي يرد الضالين إلى الحق ويحكم المقاتلين ويكلل المنتصرين.

نزل لكي يلبس الرسل القوة ويعمدهم، إذ يقول "ستتعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بقليلٍ" [5].

لم تكن هذه النعمة جزئية، بل هي قوته في كمالها، لأنه كما أن الذي يغطس في المياه ويعتمد تغمره المياه من كل جانب، هكذا هم اعتمدوا بالروح القدس بالكمال...

ولماذا تتعجب؟! خذ مثالاً واقعيًا وإن كان فقيرًا وعامًا، لكنه نافع للبسطاء. إن كانت النار تعبر من خلال قطعة حديد فتجعلها كلها نارًا، هكذا من كان باردًا صار محترقًا، ومن كان أسودًا صار لامعًا، فإن كانت النار التي هي جسم هكذا تخترق الحديد وتعمل فيه بغير عائق وهو جسم أيضًا، فلماذا تتعجب من الروح القدس أن يخترق أعماق النفس الداخلية؟

القديس كيرلس الأورشليمي


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email
"أما هم المجتمعون فسألوه قائلين: يا رب هل في هذا الوقت ترُد الملك إلى إسرائيل؟" [6]

تعتبر هذه الآية امتدادًا للآية ٣، فقد كان من الصعب جدًا على التلاميذ أن يتخلصوا مما ثبت في أذهانهم عن ملكوت الله خلال الفكر اليهودي الحرفي، حيث كان الشعب يطلب المسيا كملكٍ أرضي (يو ٦: ١٥)، وكانوا يتطلعون إلى شعب الله كمملكة سياسية لها سلطانها الزمني. خلال الأربعين يومًا من قيامة السيد إلى صعوده كان يسحب قلوب التلاميذ من المفاهيم الأرضية البشرية إلى الفكر الإلهي السماوي.

لقد تحطم كل أملٍ لليهود في إقامة يسوع ملكًا، فهل أعادت قيامته الرجاء فيهم ليحتل ذات المركز بذات الفكر؟

سؤال التلاميذ للسيد يكشف عن مدى خطورة الأفكار الخاطئة التي تبعث بجذورها في أعماق الفكر، فمع كل هذا الزمن الذي عاش فيه التلاميذ أثناء خدمة السيد، ومع قيامته وأحاديثه معهم عن الملكوت السماوي خلال الأربعين يومًا، لازالت أفكارهم القديمة المتجذرة تقود أعماقهم. إنهم في حاجة إلى الروح القدس، روح المسيح، أن يحتل أعماقهم ويجدد أفكارهم ويخلصهم من الأفكار القديمة الخاطئة.

سؤالهم يكشف عن حيرتهم، فقد التصق العصر المسياني في ذهنهم بظهور مملكة إسرائيل المجيدة، والنصرة على الأمم والشعوب. وإذ لم يكن بعد قد حلّ عليهم الروح القدس لم يكن ممكنًا لهم التعرف على "مملكة المسيح" كما هي.

هل سيحتل يسوع كرسي موسى عوض رؤساء الكهنة والفريسيين؟

هل يجلس يسوع القائم من الأموات على العرش ليهب إسرائيل النصرة على الأمم؟

هل حان الوقت لطرد الرومان واستقلال إسرائيل؟

هذا وقد جاء التعبير "ترد apokaqistanein" ليعني "يعيد الأمر إلى وضعه" أو "تجديد".

"فقال لهم: ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" [7].

هنا الحديث الأخير للتلاميذ مع السيد المسيح قبل صعوده. لم تكن قلوبهم قد ارتفعت بعد مع المسيح إلى السماء ليطلبوا مملكة سماوية. بينما كان السيد المسيح يقدم لهم الوعد بالروح القدس ليصعد بهم كما بجناحي حمامة إلي السماء، كانت قلوبهم لاتزال ملتصقة بالزمن والمجد الأرضي. كانوا يحملون في صدورهم حنينًا قويًا نحو ملكوت إسرائيل.

إذ كان السيد في طريقه للصعود، كانت آخر وصية لهم ألا ينشغلوا بالأزمنة والأوقات، حتى تنفتح قلوبهم على الأبدية، وتسمو أفكارهم فوق حدود الزمن.

أراد السيد المسيح ألا يعرف أحد الأزمنة والأوقات حتى لا يسقطوا في الكبرياء بسبب هذه المعرفة، بل يريد لهم التواضع. وكما يقول القديس أغسطينوس: [أنتم تريدون أن أعلن لكم عن الملكوت الآن... إنكم تحبون العلو، ستنالونه ولكن اتبعوني خلال التواضع.]

ماذا يعني بالأزمنة والأوقات؟ يقصد بالأزمنة البحث في تحديد أزمنة إقامة المملكة المسيانية. فعوض طلب الملكوت والتمتع بإمكانياته، ينشغل الإنسان بالحسابات الزمنية، وهذا أمر يشغل كثير من المؤمنين عبر القرون.

وأما الأوقات فتعني البحث في الأحداث القادمة، ماذا سيحدث حتى مجيء السيد المسيح الأخير.

في عصرنا الحالي مع الشعور بقرب النهاية ينشغل كثير من الدارسين بالأزمنة والأوقات، على سبيل المثال يتساءل الكثيرون:

- متي ينتهي العالم؟

- ما هو موقف إسرائيل الحالي؟ هل يقبلون الإيمان بالمسيح؟ هل ينالون ملكًا على مستوى العالم كله؟

- بماذا تٌفسر أحداث 11 سبتمبر 2001 على ضوء سفر الرؤيا والأسفار النبوية في العهد القديم؟

- هل نتوقع حربًا عالمية مدمرة؟

- من يشترك في الحرب؟

- وما هي التحالفات؟

تحول كثيرون في دراستهم للكتاب المقدس بعهديه إلي أبحاث في الأزمنة والأوقات، التي حذرنا منها السيد المسيح في آخر كلمات مع تلاميذه قبل صعوده.

خلال الأربعين يومًا من قيامته إلى صعوده أدركوا أمورًا سامية لم يكونوا بعد قد أدركوها، مثل الآتي:

- إنه ابن الله المساوي للآب في الكرامة (يو 5: 17-20).

- ستكون قيامة من الأموات (مت 17: 9).

- أن الذي يصعد يجلس عن يمين الآب (لو 22: 69).

- أنه مسجود له بواسطة الملائكة، وأنه سيأتي ثانية (مر 16: 19).

- ما سيحدث في يوم الدينونة (مت 16: 27)، وأنهم يجلسون يدينون أسباط إسرائيل الإثني عشر (لو 21: 27).

- يُطرد اليهود ليدخل الأمم (مت 19: 28).

بدأت تتجلى أمامهم كل هذه الأقوال التي أعلنها السيد قبل صلبه، وتتضح خلال ظهوراته العجيبة، لكن لم يكونوا بعد قد تخلصوا من الأفكار اليهودية المادية تمامًا، لأنهم لم يكونوا قد نالوا بعد الروح القدس الذي يحملهم إلى السماويات، ويختبروا الحياة الجديدة المقامة.

يميز القديس جيروم بين ما يلزمنا أن نعرفه وما لا نطلب أن نعرفه، كمثال يصلي المرتل قائلاً: "يا رب عرفني نهايتي" (مز 39: 4) كأمرٍ ضروريٍ للغاية، حيث نعرف ما أعده الله لنا. أما ما هو أصل النفس البشرية وبدايتها فليس لنا أن ننشغل به، هل هي تولد من الوالدين كالجسد أم غير مولودة منهما؟ هذا لا يشغل ذهننا. والمثل الرائع في هذا التمييز الرسول بولس، فإنه عرف ما رآه وسمعه وتمتع به عندما ارتفع إلى السماء الثالثة، أما كونه قد ذهب بجسده أم خارج جسده، فهو ليس موضوع بحثه ولا سؤاله من الرب.

- كانوا شغوفين هكذا نحو معرفة هذا اليوم. لكن يبدو لي بالحقيقة أنه لم يكن لديهم فهم واضح نحو طبيعة ذلك الملكوت، لأن الروح لم يكن بعد قد علمهم... لقد كانوا لا يزالوا متأثرين بالأمور المحسوسة، لم يصيروا بعد أفضل من الذين كانوا قبلهم. لقد صار لهم بعد ذلك مفاهيم سامية عن المسيح، فقد ارتفعت أذهانهم، وها هو يحدثهم بأسلوب علوي. إذ لم يعد يقول لهم: "وأما ذلك اليوم ولا ابن الإنسان يعرفه" (راجع مر 13: 32)، إنما يقول لهم: "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" [7]. إنكم تطلبون ما هو فوق قدرتكم. يود أن يقول لهم: وإن كنتم قد تعلمتم الآن أمورًا أعظم من هذه، وها أنتم ترون أن هذا هو الحال بكل دقةٍ، أنظروا كم من الأمور قد أعلنتها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب". (مر 13 : 32). لا يجهل الابن شيئًا يعرفه الآب... الآب والابن يقطنان في وحدة الطبيعة، أما جهل الابن (للساعة) فينتمي للخطة الإلهية للصمت، إذ فيه تختبئ كل كنوز الحكمة والمعرفة. هذا ما شهد به الرب نفسه عندما أجاب سؤالهم بخصوص الأزمنة. "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" (أع 1: 7). المعرفة مرفوضة بالنسبة لهم، ليس هذا فحسب، بل والرغبة في معرفة (الأزمنة) ممنوعة، فإنه ليس لهم أن يعرفوا الأزمنة.

القديس هيلاري أسقف بواتييه


- يقول الرسول: "إن يوم الرب كلصٍ في الليل هكذا يجيء" (1 تس 5: 2). لهذا اسهروا بالليل حتى لا تُفاجئوا باللص. لأن نوم الموت - أردتم أو لم تريدوا - قادم.

القديس أغسطينوس

- ستزول الأشياء المنظورة وتأتي الأمور المقبلة التي هي أفضل. أما عن الزمن فليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" (أع 7:1).

لا تتجاسروا في إعلان زمان حدوث هذه الأمور، وفي نفس الوقت لا تخافوا وتتهاونوا، إذ قيل: "اسهروا إذًا، لأنكم في ساعة لا تتوقعونها يأتي ابن الإنسان" (راجع مت 42:24، 44). ولكن إن كان لزامًا أن نعرف علامات المنتهى، إذ ننتظر المسيح فلا نموت مخدوعين ونضل بواسطة الضد للمسيح الكذاب، فإن التلاميذ مدفوعين بإرادة إلهية وحسب ترتيب العناية الربانية قالوا للمعلم الحقيقي: "قل لنا متى يكون هذا؟ وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر"؟ (مت 3:24). إننا نتطلع إليك وأنت آتٍ ثانية، لكن "الشيطان يغيّر نفسه إلى ملاك نور" فإعطنا حرصًا حتى لا نعبد آخر غيرك.

فتح السيد فمه الإلهي المبارك قائلاً: "انظروا لا يضلكم أحد". هذه العبارة تنذركم جميعًا أن تحذروا وتهتموا لما يُقال، لأنه لم يتحقق بعد بل يتنبأ عن أمور مقبلة حادثة بالتأكيد.

إنه ليس لنا أن نتنبأ لأننا غير مستحقين لهذا، إنما نضع أمامكم الأمور المكتوبة، ونوضح لكم العلامات، لاحظوا أنتم ما قد تحقق منها فعلاً، وما لم يتحقق بعد وكونوا في أمان.

القديس كيرلس الأورشليمي

"لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا في أورشليم، وفي كل اليهودية، والسامرة، وإلى أقصى الأرض" [8].

بقوله: "لكنكم" يصحح السيد المسيح وضع التلاميذ، فعوض الرغبة المتقدة لمعرفة الأزمنة والأوقات التي هي من سلطان الآب، يوجههم إلى تحقيق رسالتهم. فقد دُعوا لنوال قوة الشهادة على مستوى العالم كله، بفاعلية الروح القدس الذي يحل عليهم.

بينما كانوا لا يزالوا يتطلعون إلى مملكة المسيح بفكرٍ ماديٍ، فكانوا يتعجلون اليوم الذي فيه يُتوج ملكًا على إسرائيل ليسودوا العالم، إذا به يتحدث عن تتويجه ملكًا علي قلوب البشرية في العالم كله. هذا لن يتحقق إلا بتدبير الآب، الذي في سلطانه أن يجتذب القلوب إلى ابنه المصلوب بعمل روحه القدوس. هم سألوا عن اليوم، أما هو فحوّل فكرهم إلى السلطان الذي ينالونه من الآب للكرازة. هم سألوا عن إسرائيل، أما هو فحدثهم عن إسرائيل الجديد الذي يضم أورشليم وكل اليهودية والسامرة وأقصى الأرض. هذا ما قد سبق فتنبأ عنه داود النبي (مز 2: 8) وأيضًا حزقيال النبي (حز 21: 27).

ما سأله التلاميذ بخصوص معرفة اليوم لا ينفعهم شيئًا، لذلك حول أنظارهم إلى ما هو لبنيانهم. يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم هذا الموقف بطفلٍ يصرخ طالبًا منا شيئًا غير نافعٍ له، فنخفي الشيء عنه، ونظهر له أيادينا فارغة كأنه ليس معنا، ثم نقدم له ما هو لنفعه. هكذا إذ سأل التلاميذ عن ذلك اليوم قال لهم إنه "في سلطان الآب" معرفة الأزمنة والأوقات، وكأنه بدا كمن كان فارغ اليدين، وكأن ليس في سلطانه تقديم هذه المعرفة لهم، ثم عاد فقدم لهم ما هو أهم بالنسبة لهم وهو نوال القوة والسلطة للعمل الجاد لإقامة هذا الملكوت.

يقول القديس الذهبي الفم إنه المعلم الذي يقدم لتلاميذه لا ما يختارونه بل ما هو مناسب لهم، وما يجب أن يتعلموه ويتعرفوا عليه.

Didaskalou touto esti mh a bouletai o maqhthv، alla sumferei maqein didaskein.

"قوة"
: ينالون قوة إلهية لا تقف عند صنع الآيات والمعجزات باسم يسوع المصلوب، وإنما قوة سحب النفس بكل طاقاتها للإيمان بالسيد المسيح والتمتع بخبرة الحياة الجديدة المقامة من الأموات. الروح القدس وحده يقدر أن يخترق القلب والفكر ويعمل داخل النفس معلنًا الحرب على الخطية (أع 2: 37)، ومشرقًا ببهاء الثالوث القدوس فيها لتقبل عمل الله بفرحٍ.

- لكي لا يتجمدوا بالخوف التهبوا بنيران الحب (الروح القدس).

القديس أغسطينوس


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 1 جـ4 PDF Print Email
"وتكونون لي شهودًا في أورشليم، وفي كل اليهودية والسامرة، وإلي أقصى الأرض" [8]. جاء سفر الأعمال يعلن تحقيق هذا الوعد الإلهي، ففي الإصحاحات السبعة الأولى كانت الشهادة محصورة في أورشليم. ومع بدء الأصحاح الثامن بدأت الشهادة في اليهودية والسامرة. ومع الأصحاح الحادي عشر (11: 19) انطلقت الخدمة خارج هذه الحدود حتى بلغت عاصمة الدولة الرومانية التي كانت تسود العالم في ذلك الحين. هنا يشير السيد المسيح إلى كل فئات البشر في ذلك الحين:

1. اليهود الذين يتمسكون بالناموس الموسوي والعبادة في الهيكل بكل طقوسها في حرفية جامدة.

2. الدخلاء الذين تهودوا، لكنهم في أعماقهم لا يعتزون بالختان حسب الجسد ولا حرفية الناموس، ولا يشغلهم الهيكل في ضخامة مبناه.

3. السامريون الذين كانا يخلطون بين عبادة الله الحيّ والعبادة الوثنية.

4. الأمم بعبادتهم للأوثان وممارسة طقوس متنوعة حسب عادات كل أمةٍ.

بدأت الشهادة بأورشليم، لأنه كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن العالم يقبل الإيمان حين يرى بعضًا ممن صلبوا السيد قد آمنوا بقيامته، فيكون ذلك برهانًا أكيدًا على قيامة السيد، صادرًا عن أعدائه المقاومين وقد صاروا مؤمنين به. هذا وقد جاء في إشعياء النبي: "من صهيون تخرج الشريعة، ومن أورشليم كلمة الرب" (إش 2: 3). وقد آمن في أورشليم نحو ثلاثة آلاف نفس في عظة واحدة (أع 2).
- لقد أحب هذه المدينة (أورشليم) وشفق عليها، فقد أمر أن تبدأ الكرازة بأورشليم... لا عجب فإنه يزيل الكراهية من جذورها... عسى أن يحبوها، إذ يقطنها قاتلو المسيح.

القديس أغسطينوس

إذ كان على وشك أن يتركهم جسديًا قدم لهم ما يفرح قلوبهم ويسندهم في تحقيق رسالتهم ويعزيهم وسط آلامهم.

- كانوا بالحقيقة لا يزالوا ضعفاء، لكنه رفع نفوسهم وأخفى ما هو خطر عليهم حتى يبث فيهم الثقة. وإذ اقترب وقت رحيله جدًا لم يقل لهم شيئًا مؤلمًا في هذا الحديث.

- أرسل المسيح رسله كما تبعث الشمس أشعتها، وكما تصدر الزهرة رائحتها العذبة، وكما تُخرج النار شرارًا. هكذا تُعرف قوة المسيح خلال فضائلهم، كما أن الشمس تتلألأ في أشعتها، وتعلن الزهرة رائحتها، وتظهر النار بشرارها. من لا يمدح المعلم عندما يشاهد التلاميذ متعلمين حسنًا؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

- جاء إليكم الإنجيل كما جاء إلي كل العالم، وأثمر. قال ابن الله بفمه: "تكونون لي شهودًا في أورشليم، وفي كل اليهودية، والسامرة، وإلي أقصي الأرض".

القديس أغسطينوس

عند ميلاد كلمة الله المتجسد قدم جبرائيل الملاك هذا الوعد الإلهي: "الروح القدس يحل عليكِ، وقوة العلي تظللكِ، فلذلك أيضا القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله" (لو 1: 35). أنجبت القديسة مريم ابن الله المتجسد، وتمتعت بالأمومة الفريدة له، مع دوام بتوليتها. الآن يقدم الكلمة الإلهي المتجسد، يسوع المسيح، وعدًا بميلاد عروسه الأم البتول بقوة الروح القدس الذي يحل على البشر: "ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودا" [8]

المولود الأول هو ابن الله المتجسد القدوس، مولود بالروح القدس بقوة من الأعالي، والمولود الثاني عروسه الكنيسة المقدسة تولد من الروح القدس بقوة من الأعالي.

تحقق الميلاد الأول من العذراء مريم بعد تقديسها، والثاني من الرسل والتلاميذ بعد تقديسهم.

في الميلاد الأول صار السماوي ابن البشر ليحل في وسطنا، وفي الثاني يصير الأرضيون حاملين سمة السماوي، وفي أحضانه الإلهية يتمتعون بالسماويات.

صار المولود الأول من أجلنا جنينًا فطفلاً، وكان ينمو ويتقوى بالروح (لو 2: 4)، والمولود الثاني عروسه التي لها سلام تُبنى وتسير في خوف الرب بتعزية الروح القدس تتكاثر على الدوام (أع 9: 31).

المولود الأول جعل من كثيرين مسبحين لله، مثل القديسة مريم واليصابات وسمعان الشيخ؛ والمولود الثاني حول البشرية إلى جماعة مسبحين (أع 2: 47).

٣. ارتفاع الرأس إلى السماء

"ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون، وأخذته سحابة عن أعينهم" [9].

يؤكد لوقا الإنجيلي: "ولما قال هذا... وهم ينظرون"، ففي قيامته لم يره أحد، لكن الطبيعة شهدت له، والقبر الفارغ، مع شهادة الجند أنه سُرق وهم نيام الأمر الذي لا يقبله عقل بل أكد قيامته، وظهورات السيد لكثيرين وفي أوقات متباينة وهو يتحدث معهم ويحاورهم، حتى لا يظنوا أن ما رأوه كان حلمًا جميلاً، أو وهمًا. ما كان يمكنهم أن يصدقوا حقيقة صعوده ويؤمنوا بها لو لم يروها بأعينهم.

كان لابد أن يروا صعوده ويتحدثوا مع الملاكين ليدركوا أن ملكوت المسيح ليس ملكوتًا أرضيًا زائلاً، بل ملكوت سماوي أبدي. ولكي يدركوا أن رسالته على الأرض قد كملت (يو ١٧: ٤؛ ١٩: ٣٠)، وكان لائقًا به أن يعود إلى مجده الذي له مع الآب (يو ١٧: ٤-٥؛ في ٢: ٦، ٩-١٠).

أتم السيد رسالته على الأرض، فصعد لكي يرسل الروح القدس ليقود كنيسته في العالم كله.

صعد إلى الآب لكي يهيئ لنا مجدنا خلال شفاعته الكفارية لدى الآب لغفران خطايانا وتبريرنا فيه، كرئيس الكهنة الأعظم (عب ٩: ٧-٨، ١١-١٢، ٢٥). ولكي يعلن انفتاح أبواب السماء لأول مرة لحامل الطبيعة البشرية، فصار لنا حق الصعود معه.

قدم لنا الإنجيلي لوقا هذا المشهد الحقيقي المثير والبديع لصعود السيد المسيح إلى السماء، وقد أخذته سحابة عن أعين تلاميذه. يقول المرتل: "الجاعل السحاب مركبته، الماشي على أجنحة الريح" (مز 104: 3). ويقول دانيال النبي: "كنت أرى في رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان، أتى وجاء إلى القديم الأيام، فقربوه قدامه..." (دا 7: 13). يشير السحاب إلى السمو الفائق والجلال الإلهي (تث ٤: ١١؛ ٢صم ٢٢: ١٢؛ مز ٩٧: ٢)، كما يشير إلى الشكيناه Shekinah كمجدٍ يمثل الحضرة الإلهية (خر ٣٣: ٧-١١؛ ٤٠: ٣٤؛ مر ٩: ٧).

"ارتفع" إذ صار جسد الرب ممجدًا بقيامته من الأموات، لا سلطان للجاذبية الأرضية على الجسد القائم من الأموات، وأصبح طبيعيًا أن يرتفع، بل ويرفع معه كل من يلتصق به، أو يصير عضوًا فيه. "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلي الجميع". (يو 12: 32)

بعد قيامته تسربل جسده بالمجد والتحف بالنور، ومن أجلنا أخفي ذلك عن الأعين حتى يتلامس معه تلاميذه ومن معهم ويتأكدون من قيامته. لقد قدم نعمة خاصة لتلاميذه لكي يروه صاعدًا، هذا الذي لما ظهر لشاول الطرسوسي وهو في طريقه إلى دمشق ارتعد وتحير، "بغتة أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض". (أع 9: 3-4)

لقد أخفى مجده عن أعين الذين التقوا معه حتى إذ أخذته سحابة عن أعينهم، رفع الحجاب عن مجده، ولم يعُد بعد يمكن للأعين البشرية أن تراه. إنما نراه بعد أن يهبنا قيامة أجسادنا لتصير على مثال جسده الممجد. "حينئذ ينظرون ابن الإنسان آتيًا في سحابٍ بقوةٍ كثيرةٍ ومجدٍ" (مر 13: 26).

- لقد نلنا هذا بسبب "الجسد" الذي قدمه الرب، لقد قدم للآب بكر طبيعتنا. وبسبب كرامة المُقدم وكمال قابل التقدمة، وجد الآب "العطية" مقبولة، فاستلمها بيده وضمها لنفسه وقال (للرب المتجسد): "اجلس عن يميني" (مز 10:68).

ألم يرتفع (الناسوت المتحد باللاهوت) إلى فوق السماوات؟!

أليست هذه كرامة بلا قياس؟!

لقد ارتفعت (طبيعتنا في شخص الإله المتجسد) فوق السماوات، وسمت فوق الملائكة. لقد عبرت فوق رؤساء الملائكة والشاروبيم، وحلقت فوق السيرافيم، عالية أكثر من كل القوات السمائية، واستراحت في العرش الإلهي الحقيقي وحده...

إن سلوك جنسنا كان هكذا شريرًا في الماضي، حتى كان الأمر في خطر من أن يُباد كل الجنس البشرى عن وجه الأرض. والآن نحن الذين قبلاً حُسبنا غير متأهلين للبقاء في الأرض رُفعنا إلى السماوات.

نحن الذين كان قبلاً غير مستحقين للمجد الأرضي، نصعد الآن إلى ملكوت السماوات، وندخل السماوات، ونأخذ مكاننا أمام العرش الإلهي.

هذه الطبيعة التي لنا، التي كان الشاروبيم يحرس أبواب الفردوس منها، هوذا اليوم ترتفع فوق الشاروبيم!

كيف يمكننا أن نعبر على حدث عظيم (عيد الصعود) هكذا عبورًا سريعًا؟!

لأنه نحن الذين أسأنا إلى مثل هذه المراحم العظيمة، حتى صرنا غير مستحقين للأرض ذاتها، وسقطنا من كل سلطان وكرامة، بأي استحقاق نرتفع إلى كرامة علوية كهذه؟!

كيف انتهى الصراع؟!

لماذا زال غضب اللّه؟...

فإن هذا هو بحق عجيب: إن السلام قد حلّ، لا بعمل قام به الذين أثاروا غضب اللّه... بل الذي غضب علينا بحق هو نفسه يدعونا إلى السلام. إذ يقول الرسول: "إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن اللّه يعظ بنا" (2 كو 20:5). وماذا يعنى هذا؟ بالرغم من أننا أسأنا إليه، فإنه هو الذي يسعى إلينا ويدعونا إلى السلام. إنه حقا هكذا، فإذ هو اللّه، وهو الإله المحب الذي يدعونا إليه.

- هذه أيضا علامة أنه صعد إلى السماء، إذ لم تحمله نار كما في حالة إيليا، ولا مركبات نارية، بل "أخذته سحابة"، بكونها رمزًا للسماء، كما يقول النبي: "جعل السحاب مركبته" (مز 104: 3)، فقد قيل هذا عن الآب نفسه. لذلك يقول: "على السحاب" بطريقة رمزية حيث يود أن يتحدث عن القوة الإلهية، فإنه لا توجد قوة أخرى تُرى على السحاب. اسمع أيضًا ما يقوله نبي آخر: "يجلس الرب على سحابة خفيفة " (إش 19: 1)... أيضًا على الجبل حلّ السحاب بسبب الله، حيث دخل موسى في الظلمة، ولم يكن السحاب بسبب موسى.

القديس يوحنا الذهبي الفم


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 1 جـ5 PDF Print Email
- "الجاعل السحاب طريقه، الماشي على أجنحة الرياح" (مز 104: 3). بهذا يشير إلى عنايته الإلهية التي تبلغ كل موضع. فإنه يجعل وضعه على الرياح والسحاب.

يقول إنه يقوم بشخصه بضبط كل الأمور ويقودها، وفي الوقت اللائق يهب النفع الصادر عنها. إنه في نفس الوقت يعلم أن الطبيعة الإلهية حاضرة في كل موضع، ويفحص كل الأشياء، حيث أن الرياح هي أسرع كل الأمور المادية، تعبر في ومضة من الغرب إلى الشرق، ومن الشرق إلى الغرب. لا يجد صورة دقيقة للسرعة بين الأمور المادية أكثر من الرياح، لذلك قال إن الله تحمله أجنحة الرياح، مشيرًا بهذا إلى حضوره في كل موضع.

أيضًا نجد إله الجميع يظهر لبني إسرائيل في سحاب، ويجعل ظهوره الشخصي في خيمة الاجتماع عن طريق سحابة (خر 13: 21؛ 40: 34). عندما دشن سليمان البيت بالطبع غطت سحابة البيت (2 أي 5: 13: 14).

والمسيح الرب على الجبل مع الثلاثة رسل أعطى ومضة من سحابة مشرقة حوله (مت 17: 5)، وفي صعوده حملته سحابة منيرة عن أنظارهم.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- صعد إلى السماوات ولم يعد بعد هنا (بالجسد). حقًا إنه جالس هناك عن يمين الآب، وهو أيضًا هنا دون أن ينسحب قط عن حضرة مجده.

القديس أغسطينوس

- عندما أراد إظهار أنه توجد قيامة للجسد حقيقية، وأنه ليس مستحيلاً أن يصعد الجسد إلى السماء، "ارتفع إلى السماء وهم يشخصون"، إذ كان هو في الجسد.

القديس يوستين

"وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق، إذا رجلان قد وقفا بهم بلباسٍ أبيض" [10].

إذ كانت الملائكة تشتهي خدمته والشهادة له، ظهر ملاكان للحاضرين يشهدان لصعوده، ربما كانا ذات الملاكين اللذين كانا في القبر يشهدان لقيامته.

رأوا ملاكين في شبه بشر بلباسٍ أبيض، كأنهما ملتحفان بالنور علامة الطهارة والفرح والمجد. غالبًا ما تظهر الملائكة بلباسٍ أبيضٍ (يو ٢٠: ١٢؛ مت ٢٨: ٣؛ مر ١٦: ٥)، ويظهر المفديون في السماء سائرين مع المخلص بثيابٍ بيضٍ؛ كما قيل: "من يغلب فذلك سيلبس ثيابًا بيضًا" (رؤ ٣: ٥، ٧: ٩، ١٣-١٤).

- على أي الأحوال، ما رأته أعينهم لم يكن مُشبعًا تمامًا. فبالنسبة للقيامة رأوا نهايتها ولم يروا بدايتها (إذ لم يروه أثناء قيامته). أما في الصعود فرأوا البداية ولم يروا النهاية.

فبالنسبة للأولى لم يكن من الضروري أن يروا البداية، لأن الرب نفسه الذي يتحدث بهذه الأمور حاضر، والقبر يعلن بكل وضوح أنه ليس فيه السيد. وأما في الأخيرة فكانوا محتاجين أن يتعرفوا على التكملة بكلمة الغير (بواسطة الملاكين). فلم تكن أعينهم قادرة أن تريهم إياه، أي في العلا، ولا أن تخبرهم بأنه بالحقيقة صعد إلى السماء... لذلك جاءت ملائكة تخبرهم به. لاحظوا كيف حدث كل شيء بتدبيرٍ، وأن ما حدث لم يكن بالروح وحده، وإنما كان لأعينهم دورها في ذلك.

- كان المنظر الخارجي مبهجًا (بلباسٍ أبيض)، كانا ملاكين في شكل رجلين.

- الفارق بين الملائكة والبشر عظيم، مع هذا فإنه يجلبهم ليقتربوا إلينا أسفل... إنهم يعملون من أجلنا، ومن أجلنا يجرون هنا وهناك، ويترقبون مجيئنا (إليهم). هذه هي خدمتهم، إنهم يُرسلون في كل طريق لحسابنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- عندما تقدم المنتصر بجسده القائم من الموت، قالت قوات معنية: "من ذا الآتي بثيابٍ حمر من بُصرة؟" أما الذين كانوا في صحبته، فقد صاحوا بالقائمين على أبواب السماء: "انفتحي يا أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد".

العلامة أوريجينوس

- اليوم (عيد الصعود) استعاد الملائكة من فقدوهم منذ زمن طويل!

اليوم رأى رؤساء الملائكة أولئك الذين يشتاقون إلى رؤيتهم منذ زمنٍ بعيدٍ!

اليوم رأوا طبيعتنا (إذ اتحد بها الابن الكلمة) في العرش الإلهي، تتلألأ في جمالٍ أبديٍ ومجدٍ سرمديٍ!

هذا ما اشتهاه الملائكة زمانًا!

هذا ما كان ينتظره رؤساء الملائكة!

ومع أن الطبيعة البشرية قد سمت فوقهم في الكرامة، لكنهم فرحوا من أجل الخير الذي حلّ بنا، لأنه عندما حلّ بنا العقاب حزنوا.

وبالرغم من أن الشاروبيم وقفوا حارسين الفردوس (عند طردنا)، إلا أنهم اغتموا من أجل شقائنا، وذلك مثلهم كمثل عبد يقبض بيد رفيقه في حضرة سيده، ويلقي به في السجن ويبقى حارسًا إياه، لكنه مملوء حزنًا من أجل الضيقة التي حلت بزميله... هكذا فعل الشاروبيم إذ قاموا باستبعاد البشر عن الفردوس، لكنهم كانوا حزانى من أجل هذا...

ولكي تعرفوا أنهم حزنوا على ذلك، أوضح لكم هذا بما يحدث بين البشر. لأنه إن كنتم ترون أناسًا لهم حنو على العبيد رفقائهم، فإنكم لا تشكون أن هذا كان بالنسبة للشاروبيم. لأن هذه القوات السمائية أكثر حنانًا من البشر.

منْ منَ البشر لا يتألم إذ يرى الغير يُعاقبون، حتى ولو كان العقاب بعدلٍ ومن أجل خطايا كثيرة؟!

هذا الحنو هو أمر مستحق للمديح، فإنه بالرغم من معرفة الشاروبيم عن جرائم الناس، وإدراكهم أنهم عصوا عصيانًا خطيرًا، لكنهم يحزنون من أجلهم حزنًا قلبيًا. وذلك مثل موسى أيضًا عندما أعلن هذا بعدما ارتكب شعبه عبادة الأوثان، إذ قال: "والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فإمحني من كتابك الذي كتبت" (خر 32:32).

ماذا تقصد يا موسى؟! أنت ترى كفرهم، ومع ذلك هل تحزن بسبب معاقبتهم؟! يقول: نعم لأجل هذا أحزن إذ هم يُعاقبون، ولو أنهم ارتكبوا ما يستحق العقاب...

وهكذا فإن موسى، وحزقيال (8:9)، وإرميا (24:10)، هؤلاء حزنوا من أجل الخطاة، أفلا تشفق القوات السمائية من أجل ضيقاتنا؟!...

فإنهم يرون شؤوننا كأنها شئونهم، لهذا كم تكون فرحتهم، إذ يروننا قد تصالحنا مع اللّه! فما كانوا يفرحون هكذا لو لم يكونوا قد حزنوا من أجلنا. أما فرحهم فواضح من كلمات المسيح نفسه: "أقول لكم هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب" (لو 7:15). فإن كانت الملائكة تفرح متى رأت إنسانًا خاطئًا يرجع إلى اللّه تائبًا، فكيف لا يمتلئون فرحًا عظيمًا عندما يرون الطبيعة البشرية كلها، في بكرها، تصعد اليوم إلى السماء؟!

اسمعوا أيضًا في موضع آخر عن فرح الطغمات السمائية بسبب رجوعنا إلى الصداقة مع اللّه. فإنه عندما وُلد ربنا حسب الجسد، ناظرين إلى أنه منذ تلك اللحظة قد حلت الصداقة مع الجنس البشرى عوض العداوة، وإلا ما كان قد نزل بينهم، فإذ رأوا ذلك ترنمت جوقة سمائية قائلة: "المجد للّه في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة" (لو 14:2)...

أتريدون أن تعرفوا عظم غبطتهم وفرحهم عندما رأوا المسيح صاعدًا إلى السماء؟! أنصتوا إلى كلماته التي يخبرنا بها عنهم كيف كانوا يصعدون وينزلون على الدوام، وهذا أسلوب من ينتظر أن يرى أمرًا جديدًا عجيبًا.

وأين يظهر أنهم كانوا يصعدون وينزلون؟

أنصتوا إلى كلمات الرب: "من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة اللّه يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يو 51:1).

هذه هي علامة القلوب المتحننة المملوءة حبًا، إذ لم ينتظروا الوقت المعين، إنما سبقوا الساعة المحددة بالبهجة.

وهكذا بقوا صاعدين ونازلين برغبة مملوءة شوقًا وحبًا، منتظرين تلك الرؤية الجديدة العجيبة من جهة (الإله المتأنس) الذي يظهر في السماوات.

بسبب هذه كانت الملائكة تظهر في كل حين: عندما وُلد، وعندما قام، وعندما صعد إلى السماوات. إذ يقول الكتاب المقدس: "إذا رجلان قد وقفا بهما بلباس أبيض". لبسهما هذا يعلن عن فرحتهما.

وقد قالا للتلاميذ: "أيها الرجال الجليليون، ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؛ إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء" (أع 10:1، 11).

ركز انتباهك معي! لماذا قالا هكذا للتلاميذ؟! ألم يرَ التلاميذ ما هو حادث أمامهم؟ ألم يقل الإنجيلي: "هذا ارتفع وهم ينظرون". لماذا وقف الملاكان بهما وأخبراهما عن صعوده إلى السماء؟! كان ذلك لسببين:

السبب الأول: لأن التلاميذ بدأوا يحزنون، لأن المسيح سيتركهم... "ليس أحد منكم يسألني أين تمضي، لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم" (يو 5:16- 6)...

لأجل هذا وقف الملاك بمن حزنوا عند الصعود، مذكرًا إياهم بأنه سيأتي أيضًا مرة أخرى "إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء، سيأتي كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء". كأنه يقول لهم: "أنتم تحزنون لأنه صعد. لكن لا تحزنوا بعد، فإنه سيعود". وقد قال لهم ذلك حتى لا يفعلوا ما فعله أليشع، ممزقًا ثيابه عندما رأى سيده يصعد إلى السماء (2مل12:2)، لأنه لم يقف به أحد يقول له بأن إيليا سيعود مرة أخرى. فلكي لا يفعلوا هذا، وقف بهما الملاكان وعزياهم، ونزعا عنهم الحزن الذي ملأ قلوبهم. هذا هو سبب ظهور الملاكين.

وأما السبب الثاني فهو ليس بأقل من الأول، إذ أضافا قائلين: "يسوع هذا الذي ارتفع عنكم" لماذا؟ لقد ارتفع إلى السماء. والمسافة بينهم وبين السماء شاسعة، تعجز قدرة أبصارهم عن أن ترى جسدًا يرتفع إليها... لهذا فإن الملاكين وقفا بهم وأوضحا لهم حقيقة الصعود إلى السماء، حتى لا يظنوا أنه أُخذ إلى فوق حيث يوجد إيليا، بل بالحق صعد إلى السماوات. ولهذا السبب قيل لهم: "هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء". لم يضف هذا القول بغير سبب. لكن إيليا أُخذ إلى فوق كما إلى السماء، لأنه خادم. أما يسوع فقد صعد إلى السماء (حيث العرش الإلهي) إذ هو الرب.

واحد صعد في مركبة، والآخر في سحابة.

عندما دُعى العبد أُرسلت إليه مركبة، أما الابن فإذ له العرش الإلهي، وليس أي عرش بل عرش أبيه، وقد جاء في إشعياء... "هوذا الرب راكب على سحابة" (إش1:19)...

إذ صعد إيليا سقط عنه رداءه لأليشع (2 مل 13:2)، وإذ صعد يسوع أرسل النعم لتلاميذه، لهم جميعًا، وليس لنبيٍ واحد، بل إلى أمثال أليشع كثيرين بل ومن هم أكثر من أليشع مجدًا.

لنقم أيها الإخوة المحبوبون، ولنرفع أعين نفوسنا تجاه ذاك الذي سيعود، إذ يقول لنا بولس: "لأن الرب نفسه بهتافٍ، بصوت رئيس ملائكة، وبوق اللّه ينزل من السماء... ثم نحن الأحياء الباقين سنُخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء" (1 تس 16:4). ولكن ليس الكل (يتمتع بهذا) بل بعضنا يصعد إلى السماوات وآخرون يبقون...

اسمعوا ماذا يقول المسيح؟ "اثنتان تطحنان على الرحى. تؤخذ الواحدة وتترك الأخرى" (مت 41:24)...

فهل نحن أيضًا نصعد؟!...

وعندما أقول "نحن" أحسب نفسي لست (مستحقًا) أن أكون بين الذين يصعدون. لأنني لست هكذا بلا إحساس أو فهم حتى أتجاهل خطاياي. وإذ أخشى أن أتلف فرح هذا العيد المقدس، لهذا فإنني أبكي بدموع مرة عندما استرجع في ذهني هذه الكلمات وأتذكر خطاياي.

وإذ لا أريد أن أنزع فرح هذا العيد، فإنني أنهي عظتي تاركًا فرح هذا العيد يشع في أذهانكم دون أن يُحتجب، فلا يبتهج الغنى كثيرًا بغناه، ولا يتضايق الفقير بسبب فقره، بل يصنع كل إنسان عمله أيا كان حسبما يمليه عليه ضميره.

لأن الإنسان السعيد ليس هو الغنى، ولا الفقير إنسان بائس، بل بالأحرى مطوّب، ومثلث التطويبات، ذاك الذي يكون مستحقًا أن يصعد على السحاب ولو كان أفقر الجميع.

وهو بالحق بائس ومثلث البؤس، ذاك الذي يحسب مع المفقودين ولو كان أغنى من جميع الناس...

القديس يوحنا الذهبي الفم



 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 1 جـ6 PDF Print Email

"وقالا أيها الرجال الجليليون، ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؟ إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء، سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء" [11].

كان موطن التلاميذ هو الجليل، فلا نعجب إن دعاهم الملاكان جليليين.

ليس من منظر لحدثٍ في تاريخ البشرية يمكن أن يبهر الإنسان مثل صعود السيد المسيح على السحاب، يقابله تمامًا مجيئه على السحاب لكي يحمل معه كنيسته في موكب سماوي فائق، ويدخل بها إلى الأمجاد الأبدية.

لماذا كانوا واقفين ينظرون إلى السماء؟

1. كانت أعين الجميع شاخصة تتطلع إلى سيدهم الصاعد إلى السماء، ربما يترقبون في أعماقهم ماذا يحدث بعد ذلك. وقفوا في حيرة: ما هو دوره؟ وما هو دورهم هم بعد صعوده؟

2. يرى البعض أنهم إذ كانوا يتحدثون مع السيد المسيح عن رد المُلك لإسرائيل ظنوا أنه قد حان الوقت لكي يملك ويخلص الشعب من الاستعمار، الآن إذ صعد أمامهم أصيبوا بحالة إحباط، بأنه لن يُرد الملك لإسرائيل.

3. إذ سبق فأعلن لهم أنه يصعد إلى السماء ويعود، ربما ظنوا أنه بصعوده يعود فورًا، فكانوا يشخصون إليه مترقبين سرعة رجوعه.

4. كان منظر صعوده بديعًا للغاية، وبدأت مظاهر المجد تنكشف، لهذا كان الحاضرون يشخصون إلى السماء وهو منطلق، وكأنهم يودون ألا يفارق هذا المنظر أعينهم. وذلك كما حدث في التجلي حيث طلب القديس بطرس: "جيد يا رب أن نكون هنا".

ظهرا بثيابٍ بيضٍ ليحولا أنظار الحاضرين إلى الاستعداد لمجيء المسيح الأخير. تحدثا معهم كأن مجيئه يتم في خلال يومٍ أو أيامٍ، فإنه لا يشغل الملائكة الزمن بل اللقاء مع ربهم. لقد أرادوا أن يلتهب قلب الكنيسة شوقًا نحو مجيء عريسها، كأنه قادم في لحظاتٍ. وكما يقول الرسول: "إنها الساعة الأخيرة". ها قد عبر حوالي ألفين من السنين، ونحن بكل شوقٍ نترقب مجيئه كمن في اللحظات الأخيرة!

- "صعد الله بصراخٍ، الرب بصوت بوقٍ" (مز 47: 5). لأن الرب الذي تمم كل هذا يقول أنه صار أولاً إنسانًا، وطرح الطاغية إبليس المنتقم، عندئذ صعد إلى السماء مع الطغمات السماوية وطقوس الملائكة التي تتقدمه. الذين على الأرض يُقال لهم: "إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقا إلى السماء" [11]. أما الذين في العلا فيقولون: "ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم، ولترتفع الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد" (مز 24: 7).

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- صعوده إلى السماء من الأرض، ومرة أخرى نزوله من السماء إلى الأرض، يعلنان عن طاقات دائرة جسمه.

- عندما صعد إلى السماء ثانية كان محمولاً نحو الشرق، وهكذا سجد له رسله. وهكذا سيأتي بنفس الطريق الذي رأوه فيه صاعدًا إلى السماء، كما قال الرب نفسه: "لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب، هكذا يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان" (مت 24: 27). هكذا إذ نتوقع مجيئه نعبده متجهين نحو الشرق. هذا التقليد الذي للرسل غير مكتوب، فإن أمورًا كثيرة تسلمناها بالتقليد غير المكتوب.

الأب يوحنا الدمشقي


بينما كان الحاضرون يتطلعون في دهشة إذا بملاكين يسحبان قلوبهم إلي مثل هذا المنظر حين يأتي السيد المسيح على السحاب كما علي المركبة الإلهية ليحمل فيها عروسه المقدسة، تنطلق معه إلي البيت السماوي، بيت الزوجية، لتعيش في الأحضان الإلهية.

- بعد ذلك اندهشوا أمام الحقيقة إذا رأوه صاعدًا، وفرحوا أنه صعد إلى السماء، لأن تقدم الرأس هو رجاء الأعضاء. علاوة علي هذا، فقد سمعوا الرسالة الملائكية: "أيها الرجال الجليليون، ما بالكم واقفين تنظرون إلي السماء؟ إن يسوع... سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء". ما معنى "سيأتي هكذا (بنفس الكيفية)؟ سيأتي في ذات الشكل، فيتم الكتاب: "وينظر إليه الذين طعنوه" (يو 19: 37، زك 12: 10). سيأتى إلى البشر، سيأتي في شكلٍ بشريٍ، بل كإله متأنس. سيأتي بكونه الله الحقيقي والإنسان الحقيقي ليجعل من البشر أشبه بالله. لقد صعد كديانٍ إلى السماء. ليتنا نتبرر فلا نخشى الدينونة القادمة.

- بأية كيفية رأوه ذاهبا؟ رأوه صاعدًا بالجسد الذي لمسوه، وبالجراحات التي تأكدوا منها بلمسها. صعد بهذا الجسد الذي به دخل إليهم وخرج لمدة أربعين يومًا، معلنًا لهم أنه جسد حقيقي وليس مزيفًا: ليس جسدًا خيالاً أو ظلاً أو روحًا، بل قال لهم بنفسه دون أن يخدعهم: "جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له جسد ولا عظام كما ترونني" (لو 24: 39). الآن صار هذا الجسد مستحقًا السكنى في السماء، لا يخضع للموت ولا يشيخ خلال مرور الزمن. ليس كما نما إلى هذا السن من الطفولة يميل من الرجولة إلى الشيخوخة. إنما يبقى كما هو، صعد ليأتي إلى الذين يريد منهم أن يكرزوا بكلمته قبل مجيئه. هكذا سيأتي في شكلٍ بشريٍ. هذه الصورة سيراها الأشرار كما قيل: "سيبصرونه الذين طعنوه" (زك 12: 13). سوف لا يرون الله المخفي في الجسد، لكن بعد الدينونة يراه الذين هم على يمينه.

- يرونه في شكل إنسان الذي فيه حوكم وسيحاكم، ليتحقق القول النبوي: "ينظرون إلى الذين طعنوه" (زك 12: 10؛ يو 19: 37). ولكن حين يذهب الأبرار إلى الحياة الأبدية نراه كما هو، لا نرى إدانة الأحياء والأموات، وإنما مكافأة الأحياء فقط.

القديس أغسطينوس

- إذ اقترب وقت نزوله، فكيف نصعد نحن؟ نصعد في كرامة. فعندما يسير ملك (بمركبته) في مدينة، يخرج الذين في كرامة ليستقبلوه، وأما الذين تحت الدينونة فينتظرون القاضي في الداخل. وعند مجيء أب حنون يصعد في مركبة أولاده الذين هم حقيقيون وأيضًا الذين يتأهلون لأن يكونوا أولاده لكي يروه ويقبلوه؛ أما الذين يقاوموه فيبقون في الداخل. إننا نُحمل بمركبة أبينا، فقد استقبله (الآب) وهو صاعد في السحاب، ونحن أيضًا نُؤخذ في السحاب. ألا ترون عظمة الكرامة؟ فكما نزل هو، ننطلق نحن لنلتقي به، وما هو أكثر تطويبًا من كل شيء، أننا سنكون معه.

القديس يوحنا ذهبي الفم

يرى البابا أثناسيوس الرسولي أن في هذا لتأكيد بأننا نعبد الرب المتجسد الصاعد هكذا، والذي سيأتي هكذا، إذ تعثر البعض في المسيح بسبب جسده.

"حينئذ رجعوا إلى أورشليم من الجبل الذي يدعى جبل الزيتون، الذي هو بالقرب من أورشليم على سفر سبت" [12].

ألهب المنظر قلوبهم، فعادوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيمٍ (لو 24: 52)، وكانت المسافة بين الجبل وأورشليم هي "سفر سبت"، أي حوالي كيلومتر واحد، تُدعى بالعبرية "تخوم السبت". يرى البعض أن سفر سبت وإن كان لم يحدده الناموس، لكن حسب التقليد اليهودي كانت هذه المسافة تعادل ٢٠٠٠ خطوة، لأنه لم يكن يُسمح لأحد أن يقيم حول الخيمة بأكثر من ٢٠٠٠ خطوة حتى يمكنه الذهاب إلى الخيمة للعبادة في يوم السبت. صار هذا تقليدًا خاصًا بمحلة إسرائيل. كما لم يكن يُسمح للاويين أن يسكنوا في مدن أبعد من ٢٠٠٠ خطوة من الهيكل لذات الغرض.

صعود السيد وهبهم فرحًا داخليًا، إذ بدأوا يدركون أن مملكة المسيح هي السماء، وحيث يملك هو يملكون معه. هذا الفرح الداخلي وهبهم قوة تتحدى كل الظروف، وكما قيل: "لأن فرح الرب هو قوتكم" (نح 8: 10). صار كل ما يشغلهم أن يشهدوا له أمام العالم لكي يصير الكل "منتظرين وطالبين سرعة مجيء يوم الرب" (2 بط 3: 12).

لم يسأل التلاميذ الملاكين عن موعد مجيئه ثانية، فقد اُمتصت أفكارهم في ذاك الصاعد إلى السماء، وأدركوا ما سبق فقاله المرتل عنه: "السحاب والظلام تحت قدميه" (مز 18: 9؛ 92: 2). أدركوا أنه رب السماء. كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كملكٍ أظهر لهم المركبة الملوكية، هذه قد أُرسلت إليه.]

"ولما دخلوا صعدوا إلى العلية التي كانوا يقيمون فيها، بطرس ويعقوب ويوحنا وأندراوس وفيلبس وتوما وبرثولماوس ومتى ويعقوب بن حلفى وسمعان الغيور ويهوذا أخو يعقوب" [13].

وردت قائمة التلاميذ الإثني عشر في متى ١٠: ٢ الخ؛ مر ٣: ١٦ الخ؛ لو ٦: ١٤ الخ).

سمعان القانوي أو الغيور: يقصد بالقانوي أنه كان من قانا، أما الغيور فلأنه يتبع جماعة الغيورين، وهي فئة كانت تنادي بالتحرر من الاستعمار الروماني للتمتع بالحرية باستخدام القوة. استمدوا فكرهم من فينحاس الغيور علي بيت الرب (عد 25: 10-13). ويقول يوسيفوس المؤرخ اليهودي أنهم ذوو صلة بثوداس الثائر (أع 5: 37) الذي رتب ثورة ضد الرومان سنة 6 ميلادية. ومع فشل الثورة بقي إتباعه يحملون روحه الثائرة، وقد أثاروا فيما بعد ثورة عام 66 انتهت بدخول تيطس أورشليم عام 70م وحرق الهيكل وتدميره تمامًا.

كانوا يجتمعون معًا في العلية التي في بيت مريم أم القديس مرقس الرسول. ويبدو أن البيت كان متسعًا جدًا وأيضًا العلية، إذ قيل: "كانوا يقيمون فيها". ربما كانت النسوة يُقِمْنَ في الدور الأسفل، بينما كان التلاميذ يقيمون في العلية. وعندما حلّ الروح القدس كريح عصفت بالبيت كله وملأته.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن التلاميذ لم يظهروا أية علامة للحزن عند صعود السيد المسيح كما حدث مع أليشع حين أُخذ سيده إلى السماء، إذ مزق ثوبه (2 مل 2: 12). بل يقول الإنجيلي لوقا: "فسجدوا له، ورجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيمٍ، وكانوا كل حين في الهيكل يسبحون ويباركون الله" (لو 24: 52-53). ولعل سرّ فرحهم قول الملاك: "سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء" [11]. صعوده ورجاؤهم في المجيء الأخير له حول حياتهم إلى تسبيحٍ دائمٍ في هيكل الله.

"هؤلاء كلهم كانوا يواظبون بنفسٍ واحدة على الصلاة والطلبة، مع النساء ومريم أم يسوع ومع اخوته" [14].

جاءت كلمة "يواظبون" في اليونانية لا تعنى مجرد الانتظام، وإنما تعني الغيرة المتقدة والإصرار على الانتظام بأمانة وإخلاص.

"الصلاة والطلبة": غالبًا ما عنى بالصلاة هنا الصلوات الطقسية الخاصة بالسواعي، وما تضمنته من طلباتها الثماني عشرة، أو البركات "براكوت".

يكشف سفر الأعمال عن طبيعة الكنيسة أنها جماعة مقدسة دائمة الصلاة والطلبة بنفسٍ واحدةٍ.

- هذا هو السلاح القوي في التجارب، وقد تدربوا (التلاميذ) عليه: الصلاة بنفس واحدة! حسنًا!

القديس يوحنا الذهبي الفم

كانت الكنيسة تضم "النساء" دون تخصيص، اللواتي تبعنه من الجليل (لو 8: 1-3)، واللواتي كن معه عند الصليب وعند القبر (مت 27: 55-56). ويقول الإنجيلي: "وأُخر كثيرات صعدن معه إلى أورشليم". (مر 15: 41)

"اخوته" كما يقول القديس جيروم إنهم أبناء خالته (مر 15: 40).

٤. تكملة عدد التلاميذ

"وفي تلك الأيام قام بطرس في وسط التلاميذ، وكان عدَّة أسماء معًا، نحو مائة وعشرين فقال:" [15].

جاء تعبير "قام" في الكتاب المقدس ليشير ليس بالضرورة أنه وقف، وإنما اهتم بالقيام بعملٍ معينٍ.

لماذا قام القديس بطرس بهذا الدور مع أنه لم يكن أسقفًا على أورشليم؟

يرى البعض أنه قام بهذا الدور لأنه كان أكبرهم سنًا. ويرى آخرون لأنه كان بطبعه غيورًا، هذا ولم يكن يشغل أذهان التلاميذ من يكون متقدمًا فيهم.

تم اختيار التلميذ الثاني عشر عوض يهوذا في حضور وشركة الصعب كله (نحو مائة وعشرين).

- يجب أن يُختار الكاهن في حضرة وأمام أعين الكل، وأن يبرهن على أنه مستحق ومؤهل بحكم عام وبشهادة جماعية، كما جاء في سفر العدد حيث قال الرب نفسه لموسى: "خذ هرون والعازار ابنه واصعد بهما إلى الجبل... أمام أعين كل الجماعة" (راجع عد 20: 25-26). يأمر الله باختيار الكاهن في حضرة الجماعة كلها، بمعني أنه يعلم ويظهر أن سيامة الكهنة يجب ألا تتم إلا بمعرفة الشعب القريب.

الشهيد كبريانوس




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 1 جـ7 PDF Print Email

أما ذكر العدد "نحو مائة وعشرين" فذلك لأنه بحسب التقليد اليهودي هو أصغر رقم لابد أن يتوفر لأية جماعة يهودية لتأخذ صفتها كجماعة لها حق تدبير ذاتها بذاتها. هذا لا يعني أنه لم يكن غيرهم مؤمنين بالسيد المسيح، وإنما هؤلاء فقط كانوا مجتمعين في العلية.

وقد دُعوا "تلاميذ" لأنهم كانوا يحسبون أنفسهم تلاميذ في مدرسة السيد المسيح.

وقف القديس بطرس الرسول يتحدث مع الجموع عن اختيار الله لتلميذٍ يحل محل يهوذا.

تساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: [لماذا لم يسألوا المسيح (قبل صعوده) ليقدم لهم شخصًا يحل محل يهوذا؟ ما قد حدث كان حسنًا، لأنهم كانوا مشغولين في أمورٍ أخرى. ثانيًا فإن حضور المسيح معهم هو أعظم برهان أنهم يستطيعون أن ينالوا هذا، كما اختار التلاميذ حين كان في وسطهم (أثناء خدمته على الأرض)، فإنه لا يزال يعمل أيضًا وهو غائب عنهم (بالجسد). هذا ليس بالأمر الهين في تقديم تعزية لهم.]

- تطلعوا إلى وداعة يعقوب، فمع استلامه أسقفية أورشليم لم ينطق هنا بشيء. أيضًا لاحظوا وداعة الرسل الآخرين العظيمة، كيف أنهم خولوا له الكرسي، ولم يحاور الواحد الآخر، فقد كانت الكنيسة كما في السماء، لا تمارس شيئًا من أعمال العالم هذه، ولم تكن متألقة بالأسوار، ولا بالأعداد، بل بغيرتهم التي شكلت اجتماعهم، قيل أنهم كانوا نحو مائة وعشرين. السبعون شخصًا الذين اختارهم المسيح نفسه وآخرون من التلاميذ المتقدي الذهن جدًا مثل يوسف ومتياس [14]. وبينهم نساء كثيرات كما قيل عن اللواتي تبعنه (مر 15: 41).

القديس يوحنا الذهبي الفم

في تعليق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا الحدث يقارن بين ما حدث في ذلك الزمان وما يحدث في أيامه، ففي عصر الرسل لم تكن هناك مناقشة بين المختارين للعمل الرسولي أو الأسقفي، لأن الأسقفية هي قبول أحمال الآخرين وليست تمتعًا بكرامة وراحة.

- دعوني أقول: لماذا هذا الأمر صار موضوع منافسة؟

لأننا أتينا إلى الأسقفية ليس كعملٍ تدبيري واهتمام بالإخوة، وإنما كمركز للكرامة والراحة.

ألا تعلمون أن الأسقف يلزم أن ينتمي إلى الكل، لكي يحمل أثقال الجميع، فإن كان الآخرون غضبى يُغفر لهم، أما إن غضب هو فلن يُغفر له. فإن أخطأ الآخرون لهم أعذارهم، أما هو فليس له عذر.

ليتكم لا تشتاقوا إلى الكرامة، ولا تجروا وراءها. فإن الأمر هكذا: وهو أن الأسقف معرض لألسنة الجميع، ونقد الكل له، سواء كانوا حكماء أو أغبياء. كثيرون يسيئون إليه كل يوم، بل وكل ليلةِ.

كثيرون يكرهونه وكثيرون يحسدونه. لا تتحدثوا معي عن (الأساقفة) الذين يطلبون نفعًا من الكل، الذين يرغبون في النوم، والذين يطلبون هذه الوظيفة للراحة. ليس لنا ما نتكلم به عن هؤلاء، إنما نتحدث عمن يسهرون على نفوسكم، ويحسبون سلام ونفع من هم تحت قيادتهم قبل سلامهم ونفعهم.

- لست أظن أن كثيرين من بين الأساقفة يخلصون، بل كثير جدًا منهم يهلكون، والسبب في هذا أن هذا العمل يتطلب ذهنًا عظيمًا... إن هلاك نفس واحدة (من رعاياه) تحمل عنها عقوبة لا يمكن للغةٍ أن تعبر عنها. فإن كان خلاص تلك النفس ذات قيمة عظيمة بهذا المقدار أن صار ابن الله إنسانًا واحتمل الكثير، تأملوا أية مرارة تكون عقوبة من يفقد هذه النفس. لا تقل إنها خطأ الكاهن أو الشماس. فإن الجريمة تقع لزامًا على رأس من سامهما.

- إن أخطأت كشخصٍ فإن عقوبتك ليست عظيمة هكذا كما إن أخطأت كأسقف، فإنك تهلك.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أيها الرجال الإخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب، الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود عن يهوذا، الذي صار دليلاً للذين قبضوا على يسوع" [16].

قوله "أيها الرجال الإخوة" تعبير يُستخدم في الحديث إلى أشخاصٍ يحملون نوعًا من الجدية والوقار والاحترام، سواء كانوا رجالاً أو نساءً.

- يقول بطرس: "أيها الرجال الإخوة". فإن كان الرب قد دعاهم إخوة كم بالأكثر بطرس. إذ كان الكل حاضرين يقول: "أيها الرجال". انظروا كرامة الكنيسة، حالها الملائكي. لا يوجد تمييز بين "ذكر وأنثى". أود أن تكون الكنائس حاليًا هكذا. ليس من يشغل ذهنه أمر أرضي، ليس من بينهم من يفكر بقلقٍ من جهة الأمور العادية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الإشارة إلى النبوات الخاصة بخيانة يهوذا الإسخريوطي وقطعه وموته (مز 41: 9) تشير إلى أن هذه الأحداث تمت بسماحٍ إلهي، وأنها أحداث لها خطورتها. كما تكشف عن انشغال الكنيسة منذ بدء انطلاقها بجميع نبوات العهد القديم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

هنا يقدم لنا القديس بطرس طريق التعزيات الإلهية، أن ما حدث لم يكن جزافًا، بل سبق فأعلنت عنه النبوات. هكذا فإن التمتع بنبوات العهد القديم تعطي تعزية للنفس أن الإيمان الذي نعيشه حقيقة لا جدال فيها، لأن كل ما حدث إنما سبق فأعلن عنه الله بالأنبياء قبل مجيء السيد المسيح بمئات وأحيانا آلاف السنوات. يمكن للدارس أنه يتعرف بالروح على كل أحداث الخلاص من العهد القديم الذي كان ولا يزال في أيدي اليهود قبل مجيء المسيح. هذا بالنسبة لخطة الله الخلاصية للعالم كله، والتي من خلالها ندرك اهتمام الله بكل إنسانٍ فينا شخصيًا، ففي ذهن الله خطته نحوه لخلاصه ومجده!

- "كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله". إنه يعزيهم دائمًا بالنبوات، هكذا يفعل المسيح في كل المناسبات. هكذا يُظهر لهم بنفس الطريقة أن ما حدث ليس بالأمر الغريب، بل ما سبق فأخبر عنه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

هذا هو سرّ تعزيتنا على مستوى العالم والكنيسة والشخص نفسه! هذا وما يعزينا أن الروح القدس نفسه هو قائد الكنيسة منذ بدء انطلاقها. لهذا لم يقل القديس بطرس: "قاله داود" بل "الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود"، فهو القائد الحقيقي عبر الأجيال حتى يحمل كنيسة الله سواء في العهد القديم أو الجديد إلى المجد الأبدي. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة بقوله: [ألا ترون أنه ليس بلا هدف قلت من البداية أن هذا العمل (السفر) هو سفر "قيادة الروح القدس".]

كثيرًا ما يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ما سجلته الأناجيل وسفر الأعمال عن يهوذا، فإن الإنجيليين وهنا أيضًا الرسول بطرس يتحدثون عنه مشيرين إلى الأحداث التي تمت والنبوات عنه دون تعليق باستخفاف من جانبهم. يقدم القديس بطرس الحقيقة مجردة، فلم يصفه كخائنٍ لسيده ولا كبائسٍ.

حديث الرسول هنا يؤكد أن ما كتبه داود النبي في المزامير كان بوحي الروح القدس.

- حيث يكون الكلمة يوجد أيضًا الروح... الروح غير منفصل عن الابن... عندما صار الكلمة إلى النبي، كان النبي يتكلم في الروح بالأمور التي أعطيت له من الكلمة، وهكذا كتب في سفر الأعمال عندما قال بطرس: "أيها الإخوة، كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب، الذي سبق الروح القدس فقاله" [16]. وفي زكريا عندما صار الكلمة إليه قيل: "لكن اقبل كلامي وفرائضي التي أوصي بها الأنبياء بروحي" (زك 1: 6). وعندما كان يوبخ الشعب قال: "جعلوا قلبهم عنيدًا لئلا يسمعوا الشريعة والكلام الذي أرسله الرب ضابط الكل بروحه على يد الأنبياء الأولين" (زك 7: 12). وعندما تكلم المسيح في بولس- كما قال عن نفسه: " أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم في" (2كو 13: 3). فلم يكن أحد يمنحه القوى لكي يتكلم سوي الروح الذي عنده، لأنه هكذا يكتب: " حسب مؤازرة روح يسوع المسيح لي" (في 1: 19).

وأيضًا عندما تكلم فيه المسيح، قال: "غير أن الروح القدس يشهد في كل مدينة أن وثقًا وشدائد تنتظرني" (أع 20: 23). لأن الروح ليس خارج الكلمة، بل إذ هو الكلمة فهو في الله بالكلمة، وهكذا توهب المواهب الروحية في الثالوث.

- فعل الثالوث هو واحد، فالرسول لا يعني أن ما يُعطي (2كو 13: 13) يعطي من كل واحد متنوعًا ومجزئًا، ولكن ما يُعطي إنما يُعطي في الثالوث والكل من إله واحد... لذلك حينما يكون الكلمة في الأنبياء فإنهم يتنبأون بالروح القدس. وحينما يقول الكتاب: "صارت كلمة الرب" (إر 1: 2؛ مي 1: 1)، فهذا يوضح أنه يتنبأ بالروح القدس.

البابا أثناسيوس الرسولي

"إذ كان معدودًا بيننا، وصار له نصيب في هذه الخدمة" [17].

إختار ربنا يسوع المسيح يهوذا كرسولٍ (لو ٦: ١٣-١٦)، وحُسب واحدًا من الرسل، لكنه لم يكن مؤمنًا صادقًا في إيمانه. فقبل ممارسته لخيانة سيده دعاه الرب "شيطانًا" (يو ٦: ٧٠).

كان السيد المسيح يعرفه تمام المعرفة، فلماذا اختاره رسولاً وسلمه أمانة الصندوق وهو يعلم أنه سارق ولص؟

يرى البعض أن السيد المسيح اختار يهوذا مع علمه بما سيفعله، لأنه كان في ذلك الحين مستعدًا للإيمان بالسيد والتبعية له، أي فيه شيء من الصلاح. لم يحاسبه الرب على ما سيكون عليه، بل ما هو عليه في لحظات اختياره. هذا ويرى القديس أغسطينوس أن السيد المسيح اختاره ولم يدنه حتى لحظات الخيانة العملية ليعطي للكنيسة درسًا ألا تنشغل كثيرًا بالمحاكمات، بل بالعمل الإيجابي للكرازة والخدمة وإعلان الحب، لتعطي الفرصة حتى للخونة أن يرجعوا إلى الله بالتوبة إن أرادوا.

لقد سمح الله بوجود يهوذا بين التلاميذ، ولم يكشف عن شخصه كخائنٍ ولصٍ علانية حتى النهاية لكي ندرك أنه ليس فقط وسط المخدومين بل والخدام أنفسهم من هم ليسوا قمحًا بل زوان، وليس لنا أن نقتلع الزوان مادام مختفيًا وسط الحنطة حتى يحين الوقت اللائق باقتلاعه.

يسمح الله حتى للأشرار أن يعملوا، وهو إذ يقدس حرية الإنسان لن يلزمهم بالتوبة، فإن تابوا كان ذلك لبنيانهم ومجدهم، وإن أصروا على الشر يحول حتى شرهم لبنيان الكثيرين.

سمح أيضًا بوجود يهوذا بين التلاميذ لكي يعطي درسًا للأجيال كلها عن خطورة الطمع ومحبة المال حتى بين خدام الكلمة، فإنه ليس من خطية ارتكبها إنسان في التاريخ مثل يهوذا محب المال. وهي خطية قديمة سيطرت ولا تزال تسيطر على الكثيرين. حذرنا منها الله عندما دخل بشعبه إلى كنعان حيث أخفى عاخان الفضة والرداء ولسان الذهب، كاسرًا وصية الرب من أجل محبته للمال فهلك (يش ٧: ٢١)، وها هو يهوذا يخون سيده، وسيمون في سفر الأعمال يطلب أن يقتني مواهب الروح بالمال.

الكلمة اليونانية التي تُرجمت "معدودًا" معناها حصاة أو حجر صغير، إذ كان الحصي يُستخدم في العَّدْ.

يدعو اختيار الشخص للخدمة "تصيبًا"، لأنه لا فضل للإنسان في اختياره خادمًا، بل هي نعمة الله التي تختار وتعمل فيمن تختارهم إن سلكوا بالأمانة في دعوتهم.

- يدعو (العمل الكرازي) في كل موضع "نصيبًا"، مظهرًا أن كل شيء هو من نعمة الله واختياره، مذكرًا إياهم بالعصور القديمة حيث اختار اللاويين في القديم نصيبًا له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فإن هذا اقتنى حقلاً من أجرة الظلم، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط، فانسكبت أحشاؤه كلها" [18].

روى لنا الإنجيلي متى (27: 3-10) كيف رد يهوذا الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ، شاعرًا بندامة أنه سلم دمًا بريئًا، لكن في غير رجاء في الرب غافر الخطايا. أما هم فرفضوا استلامها، لأنهم حسبوا المال ملكًا له، ولعلهم رفضوا المال لأنه ثمن دمٍ بريء. وإذ طرحها في الهيكل اشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء. واعتبر القديس بطرس كأن يهوذا نفسه قام بشراء هذا الحقل. جاء في النسخة اليونانية لوستكوت وهورت عبارة: "واقتنى حقلاً من أجرة الظلم" بين قوسين، بكونها ليست حديثًا للقديس بطرس، بل هي تعليق للقديس لوقا كاتب سفر الأعمال.

ستر عليه السيد المسيح كل هذه السنوات، أما هو إذ لم يستر على نفسه بالرجوع إلى الله انفضح في العالم كما ينفضح في يوم الرب العظيم. انسكبت أحشاؤه الجسدية، وانفضحت أحشاء نفسه التي فسدت بالخيانة للرب نفسه.

اختلفت آراء الكثير من الدارسين في موت يهوذا:

1. الرأي السائد هو أن يهوذا قام بالانتحار شنقًا، لكن الحبل لم يحتمله بعد، فمن ثقل الجسد انقطع وسقط يهوذا على وجهه، وغالبًا على صخرة، فانشقت بطنه وانسكبت أحشاؤه!

2. شنق نفسه في مزبلة، وبقي جثمانه حتى تعفن وانتفخت بطنه ثم انشقت أو جاءت الكلاب ونهشت بطنه المنتفخة لتأكل جثمانه.

3. إذ ملأه اليأس والرعب ألقي بنفسه من سطح بيته فسقط أرضًا وانشقت بطنه.

4. يرى لايتفوت Lightfoot أنه إذ دخله الشيطان طار به في الهواء وطوّح به، فسقط على الأرض وتمزقت بطنه.

5. يرى Wakefield أنه من شدة الحزن مات مغلوبًا على أمره.

يفسر البعض موت يهوذا شنقًا وانسكاب أحشائه رمزيًا، بأن ذلك يشير إلى سقوطه من رتبته العلوية كرسول للسيد المسيح إلى أعماق الهاوية كخائنٍ للرب، ففقد مركزه وكرامته وصار في عارٍ وخزيٍ أمام الجميع كمن انسكبت أحشاؤه ليصير موضع ازدراء الكل.

 "وصار ذلك معلومًا عند جميع سكان أورشليم، حتى دُعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما، أي حقل دم" [19].
يرى البعض أن يهوذا أراد أن يحمل صورة التقوى والحب حتى في أثناء مداولته للخيانة، فادعى أمام القيادات اليهودية أنه سيأخذ الفضة لا لنفسه بل لخدمة الغرباء، بشراء حقلٍٍ لدفن الغرباء. وإذ سلم الفضة للهيكل قاموا بتحقيق رغبته، وحسبوا كأنه هو الذي اشترى الحقل، لأنه من ماله.

لعل قادة اليهود نشروا خبر تسليم يهوذا للمال وشراء الحقل بين الشعب ليعلنوا أن يهوذا لم يطلب المال في تسليم سيده لأجل الطمع، وإنما لأجل الخدمة، وأنهم حققوا رغبته حتى بعد انتحاره.

دُعي الحقل "حقل دم" باللغة الكلدانية-السريانية Syro-Chaladic، وقد دُعي هكذا لأنه أُشتري بثمن حياة الرب أو سفك دمه بالصليب. وقد بقي هذا الاسم معروفًا يشهد عن جريمة الخيانة التي ارتكبها يهوذا إلى أجيالٍ كثيرةٍ.




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 1 جـ8 PDF Print Email
"لأنه مكتوب في سفر المزامير: لتصر داره خرابًا، ولا يكن فيها ساكن، وليأخذ وظيفته آخر" [20].

ما ورد هنا جاء في المزمور 69: 25، 28؛ 109: 8. لم يذكره القديس بطرس كإدانة ليهوذا، ولا تشهيرًا به، وإنما يتحدث من باب الشعور بالمسئولية كقول السيد المسيح له: "وأنت متى رجعت ثبت إخوتك" (لو 22: 32)، فشعر بالتزام تكملة عدد التلاميذ الإثني عشر مقابل عدد أسباط العهد القديم (لو 22: 29-30) "وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتًا، لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط إسرائيل الإثني عشر".

جاءت النبوة عن يهوذا في مز 69: 25، 28 بصيغة الجمع، لأنها لا تشير إلى يهوذا وحده، وإنما إلى كل الذين سلكوا معه ذات الطريق، وهم رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب. وكأن ذلك ينطبق عليهم حيث حققت هذه الجماعة الخيانة ونُزع عنهم العمل الكهنوتي والخدمة، وتوقف عملهم كمسئولين عن تدبير الهيكل أو بيت الرب الجديد.

صار هذا الحقل هو داره الذي أُشتري بماله الذي اقتناه بالخيانة لسيده، هذا الدار صار مقبرة تضم الغرباء من اليهود الذين يموتون في أورشليم. باسمه اشتروا هذا الدار المملوء خرابًا، والذي في ذهن القديس يوحنا الذهبي الفم مقدمة لما سيحل بأورشليم كلها، إذ صارت حقل دم، حيث دُمرت وصارت مقبرة لكثيرين من اليهود حين دخلها تيطس الروماني سنة 70م.

جاءت كلمة "وظيفته" في اليونانية thn episkophn "أسقفيته episkopeen"، وهي تعني "الإشراف".

"فينبغي أن الرجال الذين اجتمعوا معنا كل الزمان الذي فيه دخل إلينا الرب يسوع وخرج" [21].

"منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذي ارتفع فيه عنا، يصير واحد منهم شاهدًا معنا بقيامته" [22].

ما هي مؤهلات المختار للخدمة؟

1. أن يكون قد عاصر السيد المسيح وشاهد معموديته، ولازمه واستمع إليه واستنار بتعليمه.

2. تعبير "دخل وخرج" يشير إلى المرافقة للشخص في كل أعمال الحياة. أن يكون قد رافق السيد المسيح حتى لحظات صلبه، واجتمع مع التلاميذ ورافقهم، فلا يكون اختياره مجرد تحقيق لعدد 12، بل قد تأهل عمليًا لهذا العمل الرسولي.

3. بقوله: "شاهدًا معنا بقيامته" يركز القديس بطرس على تمتعه بخبرة القيامة مع المسيح التي بالحق غيرت مفاهيم المؤمنين وإمكانياتهم. وكما يقول القديس بطرس: "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاءٍ حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات". (1 بط 1: 3)

- لم يقل أن يكون شاهدًا للأعمال الأخرى بل للقيامة وحدها... لأن الأمور الأخرى كانت واضحة ومعروفة، أما القيامة فتمت في سرية، وأعلنت لهؤلاء فقط. إنهم لم يقولوا: قد أخبرتنا الملائكة، بل نحن نرى (نشهد). فقد كانوا في ذلك الوقت في حاجة ماسة أن يكونوا رجالاً يمكن تصديقهم لأنهم شاهدوا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فأقاموا اثنين: يوسف الذي يدعى برسابا الملقب يوستس، ومتياس" [23].

غالبًا ما اتسم الاثنان بالتعقل والحكمة والتقوى، وربما كانا أكبر من غيرهما سنًا، وكان يصعب التمييز بينهما، لهذا التجأوا إلى الله ليختار من بينهما، وذلك بالالتجاء إلى القرعة بعد الصلاة.

هنا نلاحظ كيف أعطي الرب لكنيسته حرية اختيار الخدام على أساس الالتزام بالسمات اللائقة بهم.

"يوسف الذي يُدعى بارسابا"، أو باشابا، أي المولود يوم السبت أو ابن السبت أو ابن الشايب. يرى البعض أن بارسابا مشتقة من كلمتين سريانيتين: "بار" معناها ابن، وساباس Sabas ومعناها قسّم أو راحة أو هدوء أو سبي.

يظن البعض أنه ذات الشخص الوارد في أع ٤: ١٦ باسم برناباس، لكنه ليس من دليلٍ على ذلك. أما لايتفوت Lightfoot فيظن أنه ابن اليفوس Alpheus وأخ يعقوب الصغير، وأنه اُختير بحكم قرابته للسيد المسيح.
دُعي "يوستس"، وهو اسم لاتيني معناه "بار"، وربما دُعي هكذا بسبب استقامته.

يخبرنا يوسابيوس القيصري عن فيلبس الذي من صيدا أن بابياس يروي عن بنات فيلبس العذارى النبيات (أع 21: 9) أن يوستس شرب سم ثعبان باسم ربنا يسوع ولم يُصب بسوء، متحديًا بعض جاحدي الإيمان، معتمدًا على قول السيد: "وإن شربوا سمًا مميتًا لا يضرهم" (مر 16: 18).

"متياس" تعني "عطية الله". لا يُعرف شيء عن عائلته أو شخصيته سوى أنه شارك الرسل أتعابهم واحتمال الاضطهادات، ونال بركة الكرازة بالإنجيل. بحسب يوسابيوس القيصري هو أحد السبعين الذين اختارهم السيد المسيح. قام بالتبشير في أثيوبيا.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذكر متياس بعد يوسف الذي يُدعى بارسابا، قائلاً: [ليس بدون سبب ذُكر متياس في الآخر، فقد أراد أن يظهر أنه غالبًا من هو مكرم من الناس يكون الأقل عند الله.]

"صلوا قائلين: أيها الرب العارف قلوب الجميع، عيِّن أنت من هذين الاثنين، أيا اخترته" [24].

ألقوا القرعة ليس بلا تمييز، إنما بعد اختيار حتى لم يعد ممكنًا تمييز أحدهما عن الآخر، فالتجأوا بروح الصلاة إلى الله الفاحص القلوب ليختار من يراه صالحًا للعمل. فحص القلوب خاص بالله وحده. "أنا الرب فاحص القلب مختبر الكلى" (إر ١٧: ١٠؛ راجع مز ١٣٩: ١، ٢٣؛ أي ٢٨: ٩)، وقد وُصف ربنا يسوع المسيح بذات هذه السمة الإلهية الخاصة به وحده: "فستعرف جميع الكنائس إني أنا هو الفاحص الكلى والقلوب" (رؤ ٢: ٢٣).

يرى البعض أن هذا التصرف، وقد كان مًستخدمًا في العهد القديم، توقف بعد حلول الروح القدس يوم الخمسين، حيث يتدخل في حياة الكنيسة لمعرفة مشورة الله، كما جاء في فرز برنابا وشاول للخدمة بين الأمم (أع 13: 2-3).

"أيها الرب": بعد الصلب اعتاد التلاميذ أن يوجهوا الحديث إلى السيد المسيح بكونه: "الرب" أو "الإله" دون تمييز بين اللقبين (أع ١: ٦؛ ٧: ٥٩؛ يو ٢٠: ٢٨).

"ليأخذ قرعة هذه الخدمة، والرسالة التي تعداها يهوذا ليذهب إلى مكانه" [25].

تخلى يهوذا عن خدمته منحدرًا إلى الهلاك، واحتل متياس موضعه ليتمتع بخدمة المجد.

جاءت كلمة "قرعة" Klhron Ton في النسخ القبطية والفولجاتا وBezae "موضع"، أو يحتل مركزه الرسولي.

"ليذهب إلى مكانه": إذ اشترى يهوذا "حقل دم"، أو اشتراه رؤساء الكهنة والفريسيون باسمه، ترك يهوذا مركزه الرسولي لكي يذهب إلى الموضع الذي اشتراه بمال الخيانة والغدر. ويرى البعض أن كلمة "مكانه" هنا تشير إلى مركزه السابق؛ فحين اُختير رسولاً ترك مكانه بين أسرته ليكون عضوًا في الأسرة الإلهية، أما وقد مارس الخيانة بإرادته عاد إلى أسرته ومعارفه وأصدقائه القدامى. ويرى فريق ثالث أن تعبير "ليذهب إلى مكانه" تعبير شائع يشير إلى الموت حيث يذهب الشخص إلى موضعه الأخير، سواء في الفردوس مع المسيح أو في الجحيم مع إبليس إلى يوم الرب العظيم.

لذلك جاء في التفسير اليهودي القديم للعبارة "وانطلق (بلعام) ورجع إلى مكانه" (عد ٢٤: ٢٥) أنه رجع إلى جهنم مصيره.

وجاء في الترجوم Targum أو إعادة الصياغة الكلدانية للعبارة الواردة في جا ٦: ٦: "وإن صارت أيام إنسان ٢٠٠٠ عامًا دون أن يدرس الناموس ويمارس العدل، ففي يوم موته تنزل نفسه إلى الهاوية، الموضع الذي يذهب إليه كل الخطاة". وجاء في رسالة القديس أغناطيوس أسقف أنطاكية إلى أهل ماغنسيا Magnesians: [لما كان لكل شيء نهاية فإن الأمرين: الموت والحياة يستلقيان معًا، ويذهب كل واحدٍ إلى موضعه.]

هكذا ذهب يهوذا إلى الموضع اللائق به كطمَّاع وخائن، إذ ليس له موضع في كنيسة المسيح هنا وفي الفردوس حيث السيد المسيح.

بالقول "مكانه" يكشف الكتاب المقدس عن عجز الأشرار عن الشكوى فإنهم يذهبون إلى الموضع الذي اختاروه واللائق بشخصياتهم، إذ لا يستطيعون أن يعبروا إلى السماء، حيث ليس لهم موضع فيها.

- "ذهب إلى مكانه" [25]... إذ اختار هذا الشرّير أن يكون خاطئًا، فعل ما أراد، ونال ما لم يرد. في هذا فعل ما أراده، كُشفت خطيته، فاحتمل بهذا ما لم يرده، تدبير اللََّه الممدوح!

القديس أغسطينوس

"ثم ألقوا قرعتهم، فوقعت القرعة على متياس، فحُسب مع الأحد عشر رسولاً" [26].

لم يكن موت يهوذا هو علة الشعور بالحاجة لملء وظيفته الرسولية، فقد استشهد يعقوب الرسول بسيف هيرودس، ولم يجتمع التلاميذ لانتخاب رسول عوضًا عنه، لكن سقوط يهوذا عن الرسولية وخيانته أنشأ الحاجة إلى ذلك.

لا نعرف بالتدقيق كيف تمت القرعة yhfov، لكن عادة ما كانوا يأتوا بقطعتين من الخشب أو المعدن أو الرق ويُكتب اسم كل شخص على احداهما ثم يضعونها في جرة، وتُقدم صلوات وتقدمات، ثم يضع شخص ما يده ليسحب إحدى القطعتين ليكون ذلك من قبل الله.

هذا وإن تكملة رقم ١٢ للرسل لم يكن من باب تكملة عدد، وإنما لأن رقم ١٢ في العهدين القديم والجديد يشير إلى ملكوت الله على الأرض، حيث يملك الثالوث القدوس (٣) على جهات المسكونة الأربع (٤)، فالمحصلة هي رقم ١٢.

- بقي العدد مقدسًا، يحوي العدد 12، لأنه كان ينبغي أن يعلنوا عن الثالوث في كل العالم، أي خلال أربعة أركان العالم. هذا هو السبب: ثلاثة في أربع مرات. قطع يهوذا نفسه، لكن لم يفقد الرقم قدسيته. لقد ترك معلمه، وعين الرب من يحل محله.

القديس أغسطينوس

ويرى القديس أغسطينوس أن السيد المسيح كنورٍ للعالم يًرمز إليه بالنهار، والتلاميذ كأبناء النهار يًرمز إليهم بالاثني عشر ساعة للنهار. فالمسيح، اليوم أو النور، حال وسط الاثني عشر ساعة. لقد صار يهوذا ظلامًا فأُستبعد من الاثنى عشر ساعة ليحل محله متياس.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم انه إذ عين الله متياس لم ينزعج يوسف برسابا، ولا تضايق. فإن لكل عضو موهبته وعمله، فعدم اختياره لم يفقده دوره في العمل. يكشف القديس يوحنا الذهبي الفم عن مرارة نفسه لمفهوم الأسقفية في عهده حيث توجد منافسة، إذ يراها البعض سلطة وكرامة فيجرون إليها، عوض إدراكه أن الأسقفية هي قبوله أثقال الآخرين واحتمال نقد الكل، الحكماء والأغنياء، وأن يهتم بكل أحدٍ نهارًا وليلاً وأنه موضع كراهية الكثيرين وحسدهم.

يتساءل البعض: كيف سقط يهوذا في خيانة سيده وقد أدرك قوته الإلهية وسلطانه، وكان بين يديه الصندوق يسرق منه دون رقيب يحاسبه؟

يقدم الدارسون تعليلات كثيرة منها:

1. كان يهوذا كسائر التلاميذ والرسل حتى بعد قيامة السيد بل وحتى لحظات صعوده يتوقعون قيام مملكة زمنية، وإذ تحقق يهوذا بأن يسوع يرفض تمامًا أن يصير ملكًا حتى إن أجمع رأي الجماهير على ذلك، لذلك ضاعت كل أمنيات يهوذا هباءً.

2. كإنسانٍ محبٍ للمال لم يكن من الصعب على رؤساء الكهنة والفريسيين أن يستميلوه بالفضة لخيانة سيده.

3. لعله إذ كان يدرك سلطان سيده ظن أنه يأخذ الرشوة وينتفع بها بينما لن يستطيع أحد أن يقبض عليه أو يؤذيه، ولن يغلبه الموت. حقًا إنه يرشد عليه، لكن حتمًا سيتخلص السيد من أيديهم.

الإعداد الدائم لقيام الكنيسة ونموّها

بعد استعراضنا لما ورد في هذا الاصحاح يمكننا أن نوجز أن السيّد المسيح قد أعدّ تلاميذ ورسله ومن هم حوله لميلاد الكنيسة، ليصيروا هم كنيسته المقدّسة. هذا الإعداد ليس حدثًا تاريخيًا عبر مع الزمن، لكنّه إعداد وخبرة يوميّة يليق بالكنيسة أن تعيشها لكي تبقى أمًا ولودًا، تنمو على الدوام حتى تصير أيقونة مسيحها، وتضم كل يوم الذين يخلصون حتى مجيء الرب الأخير. هذا الإعداد كما رأينا هو الآتي:

1. نحمل مسيحنا الذي يعمل ويعلّم [1]، فنشاركه هذه السمة، مترجمين إيماننا إلى عمل محبّة وشهادة عمليّة صادقة عن عذوبة الخلاص.

2. نراه مع تلاميذه ونتلامس معه كل يوم خلال حياتنا الزمنيّة (الأربعين يومًا)، فنعلن عن يقين أنّه حيّ فينا، ببراهين عمليّة صادقة [3].

3. نتجاوب مع روحه القدّوس، عطيّته العظمى، بل واهب العطايا، نلناه في مياه المعموديّة ومسحة الميرون [5]، لكي يقودنا كل أيام غربتنا في حياتنا اليوميّة وشهادتنا لمسيحنا أمام الكثيرين.

4. ألا ننشغل بالمعرفة الباطلة، كالبحث عن الأزمنة والأوقات، بل نطلب القوة والسلطان الموهوب لنا لنحيا بروح القوّة لا الفشل والضعف [7-8].

5. لا يفارقنا منظر صعود مسيحنا الفريد، الذي يبهج قلوبنا ويرفعها إلى حضن الاب السماوي، مترقّبين بشوقٍ عظيم مجيئه الأخير على السحاب، ليحملنا بكل كياننا إلى المجد الأبدي [9-11].

6. ممارسة الحياة الكنسية كما في العليّة مع التلاميذ وكل الشعب، لا نكف عن الصلاة بنفسٍ واحدةٍ [13-14].

7. الطلب المستمر من اللََّه أن يرسل خدّامًا شهودًا لقيامته، كما اختار متياس لينضم إلى الأحد عشر رسولاً [24-26].


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 1 جـ9 PDF Print Email
من وحي أعمال الرسل ١

هل من بداية جديدة؟


- قدم لنا رسولك لوقا قصة بداية انطلاق كنيستك.

ومع كل صباح نرى في هذا السفر بدء انطلاق كنيستك.

مع أنها قديمة لكنها تبقى دومًا جديدة.

تصرخ كل يوم: لنبدأ بدأً حسنًا!

- حديثك عن أمور الملكوت ممتع ولذيذ،

لأنه هو إعلان عن شخصك، يا كلي الحب.

أنت هو الملكوت بعينه، وبدونك ليس من ملكوت.

- تعدني ألاَّ أبرح أورشليم حتى ألبس قوة من الأعالي.

حققت وعدك، ووهبتني روحك النور والناري.

روحك يجعلني مصباحًا لا ينطفئ، ونارًا آكلة!

لن تستريح نفسي حتى أرى كل بشرٍ في أحضانك.

- لأخرج معك إلى جبل الزيتون.

يا له من منظر عجيب أن أراك ترتفع إلى السماء!

ليس للجاذبية الأرضية أثر على جسدك القائم من الأموات.

هوذا السماء بكل قواتها تترقب بفرح صعودك.

لتحمل قلبي معك،

فبه أرى عرشك،

وأدرك أسرار مجدك.

قلبي مستعد يا الله، قلبي مستعد.

أرفعه معك، فيرتفع كل كياني أيضًا ليكون معك!

- ها أنت في السماء مشغول بخلاص العالم كله،

ورسلك على الأرض مهتمون بالشهادة لك!

أنت مشغول بنا، ونحن مشغولون بك يا مخلص الجميع.

- طوبى لرسولك بطرس، وطوبى لكل الرسل الذين هو بينهم.

بقلبه الملتهب غيرة يطلب من يحمل نصيب يهوذا.

سأل لا بروح الرئاسة ولا السلطة،

بل بروح الحب وشهوة الخدمة والكرازة.

طوبى لإخوته، لأنه لم يتسلل إليهم فكر حسد،

ولكن بروح التواضع سلك الكل معًا!

ليس من يشتهي كرامة، ولا من يطلب مجدًا زمنيًا!

فالكل أعضاء في جسدٍ واحدٍ لك، يا أيها الرأس السماوي!

- إني في حيرة: هل أطوِّب متياس الذي اخترته رسولاً،

أم أطوِّب يوسف برسابا الذي تهلل باختيار زميله؟

طوباهما معًا، لأنهما شاهدان بالحق لقيامة الرب!

طوباك يا متياس من أجل جهادك كرسول.

وطوباك يا يوسف من أجل جهادك في الوزنات التي أعطاها لك الله.

- والآن استمع يا رب إلى طلبتي.

لنبدأ بدأً حسنًا مع كل صباحٍ جديد:

نصغي دومًا إلى أحاديثك السرية في القلب،

نثق في وعدك بعمل روحك الناري فينا،

تثبت نظراتنا دومًا على صعودك المفرح،

نبحث مع رسلك عن خدام ملتهبين بالروح،

وأخيرًا لن نستريح حتى نرى العالم قد صار سماءً!

1 الكلام الاول انشاته يا ثاوفيلس عن جميع ما ابتدا يسوع يفعله و يعلم به
2 الى اليوم الذي ارتفع فيه بعدما اوصى بالروح القدس الرسل الذين اختارهم
3 الذين اراهم ايضا نفسه حيا ببراهين كثيرة بعدما تالم و هو يظهر لهم اربعين يوما و يتكلم عن الامور المختصة بملكوت الله
4 و فيما هو مجتمع معهم اوصاهم ان لا يبرحوا من اورشليم بل ينتظروا موعد الاب الذي سمعتموه مني
5 لان يوحنا عمد بالماء و اما انتم فستتعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الايام بكثير
6 اما هم المجتمعون فسالوه قائلين يا رب هل في هذا الوقت ترد الملك الى اسرائيل
7 فقال لهم ليس لكم ان تعرفوا الازمنة و الاوقات التي جعلها الاب في سلطانه
8 لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم و تكونون لي شهودا في اورشليم و في كل اليهودية و السامرة و الى اقصى الارض
9 و لما قال هذا ارتفع و هم ينظرون و اخذته سحابة عن اعينهم
10 و فيما كانوا يشخصون الى السماء و هو منطلق اذا رجلان قد وقفا بهم بلباس ابيض
11 و قالا ايها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون الى السماء ان يسوع هذا الذي ارتفع عنكم الى السماء سياتي هكذا كما رايتموه منطلقا الى السماء
12 حينئذ رجعوا الى اورشليم من الجبل الذي يدعى جبل الزيتون الذي هو بالقرب من اورشليم على سفر سبت
13 و لما دخلوا صعدوا الى العلية التي كانوا يقيمون فيها بطرس و يعقوب و يوحنا و اندراوس و فيلبس و توما و برثولماوس و متى و يعقوب بن حلفى و سمعان الغيور و يهوذا اخو يعقوب
14 هؤلاء كلهم كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة و الطلبة مع النساء و مريم ام يسوع و مع اخوته
15 و في تلك الايام قام بطرس في وسط التلاميذ و كان عدة اسماء معا نحو مئة و عشرين فقال
16 ايها الرجال الاخوة كان ينبغي ان يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود عن يهوذا الذي صار دليلا للذين قبضوا على يسوع
17 اذ كان معدودا بيننا و صار له نصيب في هذه الخدمة
18 فان هذا اقتنى حقلا من اجرة الظلم و اذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت احشاؤه كلها
19 و صار ذلك معلوما عند جميع سكان اورشليم حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما اي حقل دم
20 لانه مكتوب في سفر المزامير لتصر داره خرابا و لا يكن فيها ساكن و لياخذ وظيفته اخر
21 فينبغي ان الرجال الذين اجتمعوا معنا كل الزمان الذي فيه دخل الينا الرب يسوع و خرج
22 منذ معمودية يوحنا الى اليوم الذي ارتفع فيه عنا يصير واحد منهم شاهدا معنا بقيامته
23 فاقاموا اثنين يوسف الذي يدعى برسابا الملقب يوستس و متياس
24 و صلوا قائلين ايها الرب العارف قلوب الجميع عين انت من هذين الاثنين ايا اخترته
25 لياخذ قرعة هذه الخدمة و الرسالة التي تعداها يهوذا ليذهب الى مكانه
26 ثم القوا قرعتهم فوقعت القرعة على متياس فحسب مع الاحد عشر رسولا


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

ميلاد الكنيسة في يوم البنطقستي


في الأصحاح الأول قدم لنا الإنجيلي لوقا صورة حية عن الإعداد لميلاد كنيسة العهد الجديد خلال أحاديث السيد المسيح القائم من الأموات عن ملكوت الله، ووعده لهم بنوالهم قوة من الأعالي، ثم صعوده لتدرك الكنيسة طبيعتها الجديدة باتحادها مع السماوي، وإلهاب قلوب المؤمنين نحو مجيء السيد المسيح الأخير، وأخيرًا اختيار التلميذ الثاني عشر عوض يهوذا الخائن. الآن يقدم لنا مشهدًا رائعًا حقيقيًا لميلاد الكنيسة في يوم البنطقستي أو الخمسين، إذ نال التلاميذ العماد بالروح القدس، وصار للكنيسة القائد السماوي، الروح القدس المعزي الذي يهب البشر تجديدًا في طبيعتهم، لكي يحملوا أيقونة العريس السماوي، ويتمتعوا بعلاقات جديدة فائقة مع الثالوث القدوس.

١. لقاء جماعي ١.

٢. حلول الروح القدس ٢-٤.

٣. موقف الحاضرين ٥-١٣.

٤. خطاب بطرس للشعب ١٤-٣٦.

٥. جاذبية الروح القدس ٣٧-٤١.

٦. كنيسة روحية متهللة ٤٢-٤٦.

٧. كنيسة ولود ٤٧.

١. لقاء جماعي

"ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معًا بنفس واحدة". [1]


جاء النص اليوناني يعني: "لما اكتمل يوم الخمسين"، أي لما بلغ الزمن إلى يوم الخمسين، أي بعد سبعة أسابيع حيث يأتي يوم الخمسين، ويسمى "عيد الأسابيع" (سبوعات) أو "عيد الباكورات" حيث يُقدم بكور القمح، يُحتفل به في اليوم الخمسين من أول يوم بعد عيد الفصح.

يُدعى البنطقستي penthkosth مشتقة من penthkonta ومعناها خمسون، ورد في لا 23: 15-22؛ خر 34: 22؛ تث 16: 10. وباسم عيد الباكورات في عد 28: 26؛ خر 23: 16، وهو عيد شكر لله على بركة الحصاد. مؤخرًا حسبه اليهود يوم نزول الشريعة في سيناء في اليوم الخمسين من خروجهم من مصر. لهذا يدعونه torah shimchath، أي فرح التوراة. كما يعتبرونه تذكارًا للعجائب التي صنعها الله معهم ليحررهم من عبودية فرعون. يرى لايتفوت Lightfoot أن الروح القدس حلّ على التلاميذ في مناسبة نزول الشريعة على جبل سيناء منذ ١٤٤٧ عامًا.

كان اليهود يعتزون بهذا العيد، بكونه يومًا فريدًا، احتفلت به الطبيعة نفسها حيث هبوب الريح وظهور النار والزلازل والبرق والرعود تكشف عن جبروت الله وحضوره المهيب في وسط شعبه.

حلّ الروح القدس في يوم عيدٍ له قدسيته عند اليهود والدخلاء، حيث يحتفل به جمهور عظيم من كل الدول، حتى إذ يُسمع عنه في أورشليم يسرع الكل ويصير من بينهم شهود يقبلون الإيمان ويعودون إلى الدول التي يعيشون فيها يكرزون بالحق الإنجيلي.

وقد حلّ الروح القدس في اليوم الأول من الأسبوع "الأحد" ليكون هذا اليوم هو السبت الجديد، الذي فيه قام السيد المسيح، وفيه تم ميلاد الكنيسة. فمع كل عبادة أسبوعية نتذكر في سرّ الإفخارستيا الحياة الجديدة المقامة التي صارت لنا بقيامة السيد المسيح بعمل روحه القدوس.

إذ حلّ الروح القدس على كنيسة العهد الجديد في اليوم الخمسين من قيامة السيد المسيح، صار هذا العيد إعلانًا عن حضور الروح القدس الدائم في وسط كنيسة المسيح، يهبها طاقاته الإلهية للشهادة للسيد المسيح، وليتمتع العالم بخبرة الحياة المقامة.

في عيد البنطقستي اليهودي كان الشعب يعتز بنزول الشريعة على موسى حيث اهتزت الطبيعة أمام هذا التنازل الإلهي، أما في عيد البنطقستي المسيحي فيقف العالم في دهشة حيث ينزل روح الله القدوس نفسه على الكنيسة، فتهتز طبيعة الإنسان الداخلي، ويتقبل كلمة الله منقوشة، لا على لوحين حجريين، بل على القلب وفي أعماق النفس. يسجلها الروح القدس، فيحول القلب الحجري إلى ملكوت إلهي سماوي، لا لتقف الطبيعة الجامدة في دهشة، بل يقف السمائيون في تهليلٍ وبهجةٍ أمام العمل الإلهي الفائق.

إذ تحقق ميلاد الكنيسة في يوم عيد الخمسين تقدست كل الأيام لكي يتمتع المؤمن بالعماد أو الميلاد الجديد أو الإتحاد بالكنيسة في أي يومٍ دون تمييز بين الأيام، إذ صارت أيامنا كلها عيدًا لا ينقطع. وقد منعت الكنيسة نذر عماد طفلٍ ما في كنيسةٍ معينة أو بواسطة كاهنٍ معين.

- عندما يقول ارميا: أجمعهم معًا من أقاصي الأرض إلى يوم عيد (إر 38: 8) يعني عيد الفصح والبنطقستي، الذي هو بحق يوم عيد. على أي الأحوال كل يوم هو للرب، كل ساعة، وكل وقت مناسب للعماد. إن وجد اختلاف في التكريم لليوم لكن لا يوجد تمييز في النعمة.

العلامة ترتليان

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن كلمة "الجميع" تشير إلى المائة والعشرين. إذ يقول [هل حلّ على الإثنى عشر؟ ليس كذلك، بل على المائة وعشرين، فإنه ما كان لبطرس أن يقتبس شهادة النبي بلا هدف، قائلاً: "يقول الله ويكون في الأيام الأخيرة إني أسكب من روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويرى شبابكم رؤى، ويحلم شيوخكم أحلامًا" (أع 2: 17، يوئيل 2: 28). "وامتلأ الجميع من الروح القدس" (أع 2: 4).]

ويرى البعض أن كلمة "الجميع" جاءت بعد اختيار التلميذ الثاني عشر، مما يوضح أنها لا تعني هنا المائة والعشرين بل الإثني عشر. وقد تم اختيار التلميذ الثاني عشر قبل حلول الروح القدس، لأن الكنيسة ممثلة في الإثني عشر تستقبل الروح القدس وتتمتع بالمعمودية الأولى، كقول السيد المسيح لتلاميذه: "فستتعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير" (أع 1: 5). أما ما ورد في سفر يوئيل عن حلول الروح القدس على العبيد والإماء والشيوخ والشباب، فهذا حق، تم خلال الرسل، وليس من السماء مباشرة كما حدث مع الإثني عشر. فإنه حتى مع ظهور السيد المسيح لشاول الطرسوسي والدخول في حوار معه لم ينل حلول الروح القدس مباشرة من السماء، بل من خلال الكنيسة، حيث وجهه السيد المسيح إلى حنانيا.

الحالة الوحيدة الشاذة هي حالة حلول الروح القدس على كرنيليوس وأهل بيته أثناء صلاة القديس بطرس، وذلك لكي يعلن الله انفتاح أبواب السماء على الأمم لقبول الإيمان بالسيد المسيح.

"كان الجميع معًا بنفسٍ واحدةٍ"، فقد حملوا غيرة متقدة نحو هدفٍ واحدٍ ورغبةٍ واحدةٍ، فكان الكل ملتهبين في الداخل نحو تحقيق وعد السيد المسيح بنوال قوة من الأعالي (أع ١: ٨).

٢. حلول الروح القدس

"وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين". [2]

كان التلاميذ يترقبون تحقيق الوعد الإلهي بحلول الروح القدس عليهم ليهبهم قوة من الأعالي، لكن يبدو أنهم لم يكونوا يتوقعون حلوله خلال هذه المظاهر، لذلك كان الأمر مفاجئًا لهم: "وصار بغتة". تم الحلول هكذا لكي لا يفارق هذا الحدث أذهان التلاميذ، ولا يغرب عن عيني الكنيسة عبر كل الأجيال، لأنه حدث يمس كيانها كله ووجودها أو عدمه.

لم تكن ريحًا طبيعية، لكن صوتًا من السماء ملأ كل البيت، سمعه كل من في البيت، وأدركوا أنه من السماء. لعله كان صوت رعدٍ يبشر بالحضرة الإلهية.

يرى القديس مار أفرآم السرياني أنه قد صاحب الصوت السماوي رائحة عطرة، وأن الصوت لم يعبر من حجرة إلى حجرة، بل أدرك الكل أنه صوت صادر من السماء يملأ الكل دفعة واحدة. ملأ الروح القدس المكان ليدشنه، مقدسًا الحاضرين كنيسة مقدسة للمسيح. لم يملأ الصوت فقط الحجرة التي كان التلاميذ مجتمعين فيها للصلاة، إنما البيت كله. وكان للحدث صداه على مستوى المدينة كلها، ففي فترة قصيرة تجمعت جماهير كثيرة، كانوا قادمين إلى أورشليم للعيد.

وكما هيأت الزلزلة والنار قلب إيليا للتمتع بالحضرة الإلهية والدخول في حوارٍ مع الله أثناء الريح الهادئ (1 مل 9: 11 الخ.)، هكذا أعلنت هذه الظواهر عن حلول الروح القدس وميلاد كنيسة المسيح واستقراره فيها.

هكذا بنفس الكيفية عند مجيء السيد المسيح الأخير على السحاب ليدين المسكونة يصاحب مجيئه صوت بوق عظيم يهز كيان الأشرار ويُفرِّح قلوب المؤمنين.

كأن ذاك الذي يجلب الرياح من مخازنه (مز ١٣٥: ٧)، ويجمعها في يده (أم ٣٠: ٤) يصرخ بصوتٍ عالٍ: اقبلوا روحي القدوس! لقد سبق فأعلن ناحوم النبي: "الرب في الزوبعة، وفي العاصف طريقه، السحاب غبار رجليه" (نا ١: ٣)، وتحدث الرب مع أيوب من العاصفة (أي ٣٨: ١). هذا هو الرب نفسه، حاضر ليسكن في قلوب البشر!

هنا ينقلنا القديس غريغوريوس النيسي إلى سفر النشيد حيث يرى في ريح الجنوب الدافئة، وليس ريح الشمال الباردة، رمزًا لعطية الروح القدس الذي يلهب النفس بدفء الروح.

في منطقة الشرق الأوسط يخشى الناس، خاصة أصحاب الحقول، الريح الشمالية لأنها باردة، إن اشتدت تقضي على الزراعة تمامًا، بينما يطلبون الريح الجنوبية القادمة من خط الاستواء فهي دافئة تساعد على نضوج المحاصيل. في سفر النشيد تطلب العروس من ريح الجنوب أن تهب على جنتها (نش 4: 16)، وإذ تهب الريح التي هي الروح القدس في الحال تدعو جنتها جنة عريسها (نش 5: 16)، فعمل الروح القدس هو أن يحول قلوبنا إلى ملكية العريس السماوي، فتصير جنته. يرى العريس آلام عروسه آلامه، وثمار الروح فيها ثمره، وبفرح يقبل دعوتها لكي يدخل إلى جنته يأكل ويشرب، بل ويدعو أصدقاءه، الطغمات السمائية، ليفرحوا معه بجنته التي غرستها يمينه ويسقيها بروحه القدوس (نش 5: 1).

- "تعالي يا ريح الجنوب، هبي على جنتي فتقطر أطيابها" (نش 4: 16

أصابت الملكة (الكنيسة العروس) حين أمرت بسلطانها دفع ريح الشمال بعيدًا، ونادت على ريح منتصف النهار الدافئ الذي تسميه ريح الجنوب، وبواسطته يفيض تيار جارف من السرور: "تعالي يا ريح الجنوب، هبي على جنتي فتقطر أطيابها". إنها تشبه الريح القوية التي سُمعت في العلية عندما كان التلاميذ فيها (أع 2:2) "وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم." وكأنهم نباتات حية، تساعد هذه الريح حديقة اللّه على إنتاج الأعشاب العطرة، وإصدار نبوات تفوح منها روائح زكية ووصايا الخلاص للإيمان بفم الرسل، ويخرج منها عطر تعاليمهم بكل اللغات. لقد جعلت ريح الجنوب هذه تعاليم المائة والعشرين تلميذاً الذين كانوا مغروسين في بيت الرب تفيض على كل أمم الأرض (أع 15:1).

الآن تقول العروس لريح الجنوب: "هبي على جنتي"، لأن عريسها جعلها أمًا للحدائق. ويشمل النص حدائق وينبوع. من أجل هذا يرغب العريس لحديقته، الكنيسة، التي تمتلئ بالأشجار الحيّة، أن تهب عليها هذه الريح، لكي تحمل منها روائح عطورها. ويقول النبي: "الريح العاصفة الصانعة كلمته" (مز 8:148).

تزينت العروس بزينة الملكة البهية، وغيّرت النهيرات التي تفيض عطرًا إلى ما هو أكثر جمالاً، فجعلتها تفيض من أشجار الحدائق بواسطة قوة الروح القدس. ويمكننا بهذه الصورة أن نتعلم الفرق بين العهدين القديم والجديد. يمتلئ نهر النبوة بالمياه، بينما تمتلئ أنهار الإنجيل بالعطر. كان نهر القديس بولس يحمل رائحة المسيح العطرة، ويفيض من حديقة الكنيسة بواسطة الروح القدس. والأمثلة الأخرى كيوحنا، ولوقا ومتى ومرقس وجميع الرسل الآخرين كلهم يرمزون إلى نباتات ثمينة في حديقة العروس، عندما تهب عليها ريح الجنوب في منتصف الظهيرة تصيَّرهم جميعًا ينابيع عطور لرائحة الأناجيل الزكية.

القديس غريغوريوس النيسي


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email
"وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم". [3]

إذ لا يمكن إدراك طبيعة الروح القدس كما الآب والابن لذلك قدم لنا العهدان القديم والجديد رموزًا كثيرة تكشف عن طبيعة عمل الروح القدس فينا، أهمها:

1- الحمامة: ففي سفر النشيد يمتدح العريس السماوي عروسه، قائلا: عيناكِ حمامتان". يُعجب بعروسه التي تتطلع دومًا إلى روحه القدوس القادر وحده أن يوحدها معه، ويجملها لتحمل أيقونته. يتطلع إلى عينيها، فيرى من تتطلع إليه، لأن العينين تحملان صورة من تنظران إليه. هذا وعمل الروح القدس هو الاستنارة، فإذ يسكن في قلب المؤمن ينير عينيه الداخليتين لكي تستطيعا رؤية عريسها وأمجاده، وتتحقق من وعوده الصادقة.

والسيد المسيح نفسه يطلب من عروسه: "كونوا بسطاء كالحمامة" حيث تحمل العروس سمة بساطة عريسها فلا تقبل تعقيدًا، بل تسلك في طريقه الواحد بلا انقسام في القلب.

- "ها أنتِ جميلة يا حبيبتى (صاحبتي)، ها أنت جميلة؛ عيناكِ حمامتان" (نش 1: 15)...

الآن، وقد ظهر جمالها الكلي امتدح جمال عينيها. يقول العريس إن عينيها حمامتان، وهذا يحمل المعنى الآتي: عندما تكون العينان صافيتين حينئذ تعكس صورة من ينظر إليها بوضوح.

يقول خبراء الظواهر الطبيعية إن العين ترى من خلال استقبال انعكاس الصور المنبثقة من الأشياء المرئية.

لذلك يُمتدَح جمال العروس، لأن صورة الحمامة منطبعة في عينيها.

عندما يتطلع إنسان ما إلى أي شيءٍ، يستقبل في ذاته صورة هذا الشيء.

الإنسان الذي قد تخلى عن الحياة الملموسة، أي اللحم والدم يتطلع إلى الحياة الروحية، فيسلك في الروح، وبالروح يميت أعمال الجسد. هذا الإنسان قد صار بالكلية في الروح، فلا يعود الإنسان إلى الطبيعة الجسدانية. لهذا تُوصف النفس التي تخلصت من أهواء الجسد أن صورة الحمامة تظهر في عينيها، وهذا يعنى أن خاتم الحياة الروحية يشع نورًا من داخلها؛ تصبح العين نقية. النفس التي حصلت على صورة الحمامة قادرة على رؤية الجاذبية الروحية للعريس. تنظر العروس إلى عريسها، عندما تكون صورة الحمامة في عينيها، فترى جماله الروحي.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

2- المياه،
خاصة الأمطار، فالمطر المبكر يشير إلى عمل الروح القدس في العهد القديم حيث قدم كثير من النعم الإلهية، خاصة نعمة النبوة عن شخص السيد المسيح وعمله الخلاصي، والمطر المتأخر يشير إلى عمله في العهد الجديد حيث يقطن ويستقر في النفس، فلا يُحسب ضيفًا كما في العهد القديم، بل يقيم من الإنسان الداخلي هيكلاً مقدسًا له، يسكن فيه. يحول المطر البرية إلى فردوس يفيض بثمارٍ إلهية لا حصر لها.

ربط السيد المسيح بين الإيمان به والتمتع بالروح القدس الذي يشبه ينبوعًا إلهيًا يفيض في أحشاء المؤمن الروحية، فتجري منه أنهار مياه حية (يو 7: 38).

- الروح القدس هو النهر الذي يفيض - حسب العبرانيين - من المسيح إلى الأراضي. وقد قبلنا هذا كما تنبأ فم إشعياء (إش 12:66). هذا النهر العظيم الذي يفيض على الدوام ولن يتوقف، ليس فقط نهرًا، بل هو أيضًا أحد المجاري الغزيرة التي تفيض عظمة، كما قال داود: "مجرى النهر يفرح مدينة اللَّه" (مز 4:46). فلا ترتوي تلك المدينة، أورشليم السماوية، بقناة، أي بنهرٍ أرضيٍ، بل بالروح القدس المنبثق من مصدر الحياة. المجرى الذي يصدر عن ذاك الذي يشبعنا، يبدو أنه يفيض بوفرة بين العروش السماوية والسيادات والقوات والملائكة ورؤساء الملائكة، جاريُا في أكمل نصيب لفضائل الروح السبع.

القديس أمبروسيوس

3- الريح: وكما نسمع هنا عن الريح العاصف الذي هزّ البيت عند حلول الروح القدس على التلاميذ.

4- النار: حل الروح القدس على التلاميذ في شكل ألسنة من نار. فقد تحقق قول القديس يوحنا المعمدان عن حمل الله أنه يعمد بالروح القدس ونار. هذه هي النار التي جاء السيد المسيح لكي يرسلها إلى البشر (لو ١٢: ٤٩).

ظهر الروح القدس على شكل ألسنة نارية منقسمة على كل واحدٍ منهم، إشارة إلى ما يقدمه لهم من تنوع للألسنة واللغات حتى يتمكنوا من الكرازة بين الأمم، ولكي يدرك اليهود أن الله ليس إله العبرانيين وحدهم، إنما هو إله كل البشر، يتحدث مع كل أمةٍ بلغتها التي تتفاهم بها.

شعروا بالروح القدس أنه أشبه بريح خفي، "الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها، لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب، هكذا كل من وُلد من الروح" (يو 3: 8). ظهر كألسنة منقسمة كأنها من نار وهي ليست نارًا مادية، إنما نار تحرق الخطية، وتبدد كل ما هو مقاوم لله وبرِّه، حتى يتحقق فينا برّ المسيح وقداسته وحقه وعدله الإلهي.

يرى البعض أن الروح القدس ظهر أولاً على شكل ومضات نارٍ متلألئة، صادرة من الأعالي، سرعان ما انقسمت إلى ألسنة واستقرت على رؤوس الرسل. وقد جاء في النسخ السريانية وأيضًا في الأثيوبية القديمة "جلست عليهم". وكأن الروح القدس جلس واستقر متربعًا على رؤوس الرسل بكونها عرش الله وهيكله الإلهي، بعد أن فارق الروح الإنسان زمانًا طويلاً. لم يعد الروح زائرًا مؤقتًا بل جلس ليملك ويجدد ويقود كنيسته عاملاً فيها عبر الأجيال حتى يدخل بها إلى السماء كعروسٍ مزينة لعريسها السماوي. استقرار الألسنة النارية يؤكد أن ما يروه ليس وهمًا وتخيلات.

لقد ظهر الله لموسى النبي في شكل نارٍ متقدة في العليقة دون أن تحترق (خر ٣: ٢-٣)، وظهر له على الجبل وسط رعود وبرق ونارٍ ودخان علامة حضرته وقوته (خر ١٩: ١٦-٢٠).

"استقرت على كل واحد منهم"، أي من الإثني عشر، إذ ارتاح في كيانهم الرسولي ليقيم منهم هيكلاً مقدسًا يسكن فيه (1 كو 3: 16)، يعمل فيهم وبهم، إذ صاروا منتسبين لله، مكرسين له وحده.

ما شغل التلاميذ ليس الريح ولا الصوت ولا النار، وإنما سكنى الروح فيهم ليعمل بهم لحساب ملكوت الله وبنيانه.

- إن كان اللَّه نارًا، فهو نار لكي ينتزع برد الشيطان.

القديس جيروم

- يليق بخادم الرب أن يكون مجتهدًا وحذرًا. نعم وأكثر من هذا يكون ملتهبًا كاللَّهيب، حتى أنه بروح غيورة يدمر كل خطية جسدانية، فيستطيع الاقتراب من اللَّه، الذي بحسب تعبير القديسين يُدعى "نارًا آكله".

البابا أثناسيوس الرسولي

[بخصوص الروح القدس الذي حلّ على شكل ألسنة نارية]

- كانت (الألسنة) من النار، وذلك ربما لقوته المطهرة (لأن كتابنا المقدس يعرف النار المطهرة، يجدها كل شخصٍ يطلبها)، أو ربما لأجل جوهره. لأن اللَّه نار آكلة، نار تحرق ما هو شرير.

القديس غريغوريوس النزينزي

- إن كانت تلك النار تمسك بنا، ليتها تجدنا صلدين لا تقدر على إبادتنا. بالأحرى ليتنا نصلي أن تحرق هذه النار فينا أشواك خطايانا المدمرة والمبيدة.

الأب قيصريوس أسقف آرل

- لا تعجب عندما تقرأ أن اللَّه الآب يقول: "أنا هو نار آكلة". مرة أخرى يقول: "تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة" (إر 13:2). وأيضًا الرب يسوع مثل نارٍ يلهب قلوب سامعيه، ومثل ينبوع مياه... فقد قال بنفسه في إنجيله إنه جاء ليُلقي نارًا على الأرض (لو 49:12)؛ ويهب ينبوع مياه حية للعطشى (يو 37:7-38).

- يُظهر إشعياء النبي أن الروح القدس ليس فقط نورًا بل أيضًا هو نار، قائلاُ: "وتصير نور إسرائيل نارًا" (إش 17:10). هكذا يدعوه الأنبياء نارًا حارقة... لأننا نرى عظمة اللاهوت؛ والتقديس الذي له، والإنارة كسمة للنور والنار، لهذا عادة يُشار إلى اللاهوت ويُرى في شكل نارٍ، وكما يقول موسى: "اللَّه نار آكلة".

فإن موسى نفسه رأى النار في العليقة، وسمع اللَّه عندما جاء الصوت من لهيب النار يقول له: "أنا إله إبراهيم، وإله اسحق، وإله يعقوب" (خر 6:3). خرج الصوت من النار، وكان الصوت في العليقة، والنار لم تؤذها. فالعليقة كانت ملتهبة لكنها لم تُستهلك، إذ كان سرّ الرب مُعلنًا، أنه يأتي ليُنير جسدنا، وليس أن يهلك من كانوا في بؤسٍ، بل يزيل بؤسهم. إنه ذاك الذي يعمّد بالروح القدس ونارٍ، فيُعطي نعمة ويحطم الخطية (مت 11:3). هكذا في رمز النار يحفظ اللَّه قصده.

- بحق تُستهلك الذبيحة (بالنار) لأنها عن الخطية، بحق كانت النار رمزًا للروح القدس... الذي يغفر خطايا الجميع، والذي مثل نار يًلهب ذهن المؤمن وقلبه كذلك. لهذا فإن إرميا بعد قبوله الروح يقول: "صار في قلبي كنارٍ ملتهبة في عظامي، وأنا لم أحتملها".

القديس أمبروسيوس

- أنت أيها الرب نار آكلة، تحرق اهتماماتهم التي بلا حياة، وتجددهم أبديًا.

- عندما يرسل الرب جمره (الملتهب نارًا) نطلب الوحدة، ويتحطم ما قد بُني فينا للشر. وعندما يتطهر هذا الموقع (القلب) يقوم بناء الهيكل، المسكن، حيث يفيض فيه نوع من السعادة تنبع عن الأبدية.

لكنني لست أريد أن تفقدوا ما يعنيه المرتل بالحديث عن "الجمر" (مز ١٢٠: ٤). فالرجوع إلى الرب هو عبور من الموت إلى الحياة. قبل أن يشتعل يلزمنا القول أنه ميت. وإذ يلتهب بالنار ندعوه حيًا. هذه صورة رائعة للتغير الذي يحدث حين يعود رجل أو امرأة إلى الرب بعد أن كان ميتًا.

نسمع الناس يقولون أحيانًا بتعجبٍ: "يلزمك أن تراه كما كان عليه قبلاً. لقد كان سكيرًا، حياته كانت مخجلة". أو "لقد أحب الحياة الصالحة". أو "كان أكبر مخادعٍ التقيت به". ثم يضيف بعد ذلك: "لست أصدق ما هو عليه الآن. إنه يخدم الله بكل غيرة، إنه يعيش في جوٍ من البراءة. كأن كل ما قد حدث قبلاً لم يكن له وجود". ما هو وجه العجب؟ فقد كان الخاطئ ميتًا، والآن هو جمر حي.

يبكي الروحيون الذين يعرفون تلك الحقائق الروحية الخاصة بمثل هذا كمن على ميتٍ، والآن إذ يرونه حيًا يُبتلعون بالفرح!

في هذا المثال يوجد أمر أود أن تطبقوه على أنفسكم. لقد صرنا مبتهجين نسبح الله، إذ نرى أحدًا قد صار جمرًا أمسكت به النار. لكننا إن كنا حكماء يلزمنا أن نبحث في غيرة عما في داخلنا وقد انطفأ.

كن مستعدًا ومتسلحًا بكلمة الله.

لكي تتحولوا إلى الله يلزمكم أن تحاربوا طريقكم القديم، تتحولوا عن الصوت المخادع في داخلكم.

- قال الرب نفسه: جئت لألقي نارًا على الأرض" (لو 12: 49). ومن ثمة يقول الرسل أيضًا: "حارين في الروح" (رو 10: 11)، لأن منه تأتي غيرة الحب، "لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطي لنا " (رو 5: 5). وعلى نقيض هذه الغيرة ما قاله الرب: "تبرد محبة الكثيرين" (مت 24: 12). فإن الحب الكامل هو العطية الكاملة للروح القدس.

القديس أغسطينوس


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ3 PDF Print Email
- لئلا يجهل الناس عظمة العطية القديرة النازلة عليهم لذلك كان الصوت مثل أبواق سمائية، إذ "صار بغتة من السماء كما من هبوب ريح عاصفة"، مشيرًا إلى حلول ذاك الذي يهب قوة للبشر ليتمتعوا بملكوت اللَّه بقوة، فترى أعينهم الألسنة النارية، وتسمع آذانهم الصوت.

"وملأ كل البيت، حيث كانوا جالسين"، إذ صار البيت إناءً للماء الروحي وجلس التلاميذ فيه، امتلأ البيت كله. وبهذا اعتمدوا تمامًا حسب الوعد ولبست النفس والجسد ثوب الخلاص الإلهي.

"وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس". لقد اشتركوا في النار لا للاحتراق بل النار المخَّلِصة، النار التي تحرق أشواك الخطية كلها تهب بهاءً للنفس. هذه تحل عليكم الآن، وتنزع خطاياكم، وتحرقها كالشوك، فتضيء نفوسكم الثمينة، وتنالون نعمة...

لقد استقرت على الرسل مثل ألسنة نارية حتى تتوجهم بأكاليلٍ روحيةٍ جديدةٍ على رؤوسهم.

فى القديم كان هناك سيف ناري على أبواب الفردوس، والآن لسان ناري يجلب الخلاص ويرد إلى الفردوس.

القديس كيرلس الأورشليمي

- عندما هرب يونان النبي من وجه اللّه، بحث عن سفينة مبحرة إلى ترشيش (يونان 3:1). وقال داود العظيم أن سفن ترشيش تحطمت بواسطة الرياح القوية (مز 7:48). هبت مثل هذه الريح على التلاميذ وهم مجتمعون في العلية. وتعرفوا عليها أولاً بريح قوية عاصفة، بعد ذلك ظهرت لهم على هيئة ألسنة نار مُضيئة (أع 3:2). تحطم الرياح المتعددة الأشكال الشرور التي تحارب الطبيعة البشرية، وتعرف الرياح بسفن ترشيش. وترمز هذه السفن إلى الشر.

القديس غريغوريوس النيسي

في عماد السيد المسيح ظهر الروح القدس في شكل حمامة، ولم نسمع عن صوت كما من هبوب عاصف ولا عن ألسنة نارية منقسمة، لأنه لا يوجد في السيد المسيح خطية ليتطهر بنارٍ إلهية، وإنما هو كلمة الله القدوس الذي لا يصيح ولا يسمع أحد صوته. ما سُمع هو صوت الآب في رقةٍ يعلن سروره بالابن المتجسد. أما في ميلاد الكنيسة، فالحاجة لازمة إلى الروح الناري الذي يطهر ويقدس من الخطايا، وإلى الصوت العاصف لكي نستيقظ ونترقب عمل الله، والألسنة النارية لكي ندعو العالم كله للاتحاد معًا في المسيح يسوع بالإيمان به.

"وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدأوا يتكلّمون بألسنة أخرى، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا". [4]

"وامتلأ الجميع من الروح القدس"
، في المعمودية نتمتع بالملء من الروح القدس الذي يؤهلنا أن نكون أعضاء في جسد المسيح، وننعم بالبنوة للآب بالنعمة الإلهية. بهذا الملء يصير لنا حق الشركة مع المسيح، والتمتع بحياته المقامة. هذا الملء الذي تمتع به الإثنا عشر تلميذًا بالروح القدس الواحد، يهب الكنيسة الوحدة، ليست وحدة مٌصطنعة، ولا تتحقق بمجرد تجمع الأشخاص أو الكنائس معًا، ولا خلال الحوار المجرد، لكنها عمل إلهي، سرّ الشركة في المسيح الواحد. إنها خليقة جديدة، حيث يتمتع الكل بأبٍ واحدٍ وأمٍ واحدةٍ، وينعمون بملكوت الله الواحد في قلوب الكل، يختبرون الإنجيل الواحد. الوحدة هنا هي عمل الروح القدس الذي يثبتنا في المسيح الواحد، فنترنم: "لأننا أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه" (أف 5: 30).

يرى القديس أغسطينوس أنه في يوم الخمسين أُعطي للشخص الواحد أن يتحدّث بكل لغات الأمم لكي يكرزوا، الآن الكنيسة هي الجسد الواحد وقد امتدّت إلى العالم كله، صارت أيضًا تنطق بكل لغات العالم.

- نقرأ في الإنجيل: "رجع يسوع ممتلئًا من الروح" (لو 4: 1). وفي أعمال الرسل يقول الكتاب المقدس عن الرسل أنهم "امتلأوا من الروح القدس". لتحذر من التفكير بأن الرسل هم على وجه المساواة مع المخلص. فنتحقق من أن يسوع والرسل وآخرين هم مملوءون بالروح القدس حسب إمكانية الإناء... بعد أن قبل العماد كان المخلص مملوءً من الروح القدس الذي حل عليه من السماء في شكل حمامة (لو 3: 32)، وقاده الروح (لو 4: 1). فإذ كثيرون اقتيدوا بروح الله هم أبناء الله (رو 8: 14)، أما هو فابن الله بالمعنى اللائق، مميزًا عن كل الآخرين، لذلك كان لائق به أن يقتاده الروح القدس.

العلامة أوريجينوس

جاء تعبير "امتلأ" خاصة في سفر الأعمال يعني يملأ النفس وينتشر فيها ويحركها، فيحرك كيان الإنسان كله بكل مشاعره وطاقاته. فعندما دخلت القديسة مريم بيت زكريا وهي تحمل في أحشائها كلمة الله المتجسد "امتلأت اليصابات من الروح القدس" (لو ١: ٤١). وعند ولادة يوحنا المعمدان "امتلأ زكريا أبوه من الروح القدس وتنبأ" (لو ١: ٦٧). وهنا إذ نالت الكنيسة عطية الروح القدس "امتلأ الجميع من الروح القدس" (أع ١: ٤). وحين شُفي الأعرج عند باب الجميل باسم يسوع المسيح الناصري امتلأ عارفوه دهشة وحيرة (أع ٣: ١٠)، وحين سيطر الحسد على مقاومي الحق "امتلأوا غيرة، فألقوا القبض على الرسل" (أع ٥: ١٧)، وتكرر الأمر في خدمة القديس بولس في أنطاكية بسيدية حيث امتلأ اليهود غيرة وجعلوا يقاومون ما قاله بولس مناقضين ومجدفين (أع ١٣: ٤٥). وعلى العكس "أما التلاميذ فكانوا يمتلئون من الفرح والروح القدس" (أع ١٣: ٥٢).

هكذا يليق بنا أن نفتح الباب لعمل روح الله القدوس لكي يتسلم قيادة القلب والفكر وكل المشاعر، فيملك في الداخل، ولا يكون لغير الله، الثالوث القدوس، موضع فيه.

"ابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا". [4] وهم جليليون غالبيتهم لا يعرفون اليونانية إلا القليل، بدأوا يتكلمون بلغات أخرى كما وهبهم الروح القدس، "يتكلمون بألسنة جديدة". (مر 16: 17) سبق فوعدوا في القديم: "إنه بشفة لكناء وبلسانٍ آخر يكلم هذا الشعب" (إش ٢٨: ١١).

إذ ظن البشر أنهم قادرون على مقاومة الله ببناء برج في بابل يحميهم من الغضب الإلهي حين يحل طوفان كما في أيام نوح بلبل الله ألسنتهم، وتفرقوا إلى أمم، وفقدت البشرية وحدتها. الآن عند تأسيس كنيسة السيد المسيح لم يردهم لاستخدام لغة واحدة في العالم علامة الوحدة، وإنما وهب التلاميذ التكلم بألسنة لتتحد الأمم جميعها معًا بقيادة الروح القدس الواحد، بالإيمان الواحد، والمعمودية الواحدة، حيث يصير الكل أعضاء في جسد المسيح الواحد.

بالألسنة المنقسمة بعد الطوفان انكشف إلحاد الشعب العملي ومقاومته لله، وبعد أكثر من ٢٠٠٠ عامًا صارت الألسنة المنقسمة هي الدواء الإلهي لرد الأمم الوثنية إلى معرفة الله.

ماذا يعني التكلم بألسنة أخرى، أو بألسنة جديدة لم يكونوا بعد يعرفونها؟

أولاً:
واضح أنهم تحدثوا بألسنة لم يتعلموها، لكن السامعين القادمين من أماكن متفرقة كانوا يسمعون كل واحدٍ لغته التي وُلد فيها [8]. فهي لغات بشرية حقيقية مفهومة، وليست كلمات انفعالية غير مفهومة.

ثانيًا: أدرك الحاضرون إنها عطية الله للتلاميذ لا للاستعراض، وليست بلا هدف، وإنما لتأكيد أن باب الإيمان لم يعد قاصرًا على شعبٍ معينٍ أو على لسانٍ معينٍ، بل على جميع الشعوب والأمم والألسنة، فالخلاص مقدم للعالم كله.

ثالثًا: لم يكن اللسان خلال تعليم معين، وإنما هبة من الروح القدس، حتى يدرك المتكلم أنه إنما يتحدث بما يهبه الله له، وليس حسب خبرته البشرية ومعرفته القديمة. أُعطي مع اللسان مادة الحديث، فلا يُستخدم اللسان إلاَّ في إعلان كلمة الله المقدمة من الروح القدس نفسه. يشعر المتكلم أنه أداة في يد الله، يعمل به لحساب ملكوته.

رابعًا: لم تُقدم هذه الموهبة لكي يستعرضها المؤمنون عبر الأجيال، إنما هي حدث للكشف عن بدء عصرٍ جديدٍ، هو بسط يدي المخلص للبشرية كلها لكي تقبل كلمة الكرازة.

خامسًا:
لم ينشغل الرسل بهذه الموهبة كثيرًا بعد يوم الخمسين، كمثال لذلك القديس بولس وهو يتمتع بالتكلم بالألسنة (1 كو 14: 18) لم يكن محتاجًا إليها إذ كان يكفيه الحديث بالعبرية (أو الآرامية) أو اليونانية لنشر الإنجيل بين الأمم. وإذ أساء البعض فهمها كشف الرسول بولس عن سمو المحبة البناءة عن التشويش الذي ساد الذين ادعوا أنهم أصحاب موهبة التكلم بألسنة (1 كو 13: 1؛ 14: 33)، بل وفضَّل كلمة الوعظ عن التكلم بألسنة (1 كو 14: 39).

سادسًا: بعد أن أدت هذه الموهبة رسالتها أن الإيمان المسيحي يمس حياة البشرية كلها لم تعد هي العنصر الأساسي في الكرازة، بالرغم من وجودها بروح اللياقة والترتيب تحت ظروف خاصة (1 كو 12: 7-11). لذلك لم تدم هذه الموهبة بعد العصر الرسولي، وإن كان الله سمح بها خلال نماذج قليلة لتأكيد صدق حدوثها. لكن تحول البعض عبر العصور إلى استخدام ألسنة غير مفهومة ودخول في اللاوعي وخدع الشيطان كثيرين، فصار الأمر معثرًا للمؤمنين ولغير المؤمنين. خرج هؤلاء عن روح السيد المسيح الذي لا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته.

- "وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا"

تكلم بطرس الجليلي أو أندراوس بالفارسية أو المديانية. وتكلم يوحنا وبقية الرسل بكل ألسنة هؤلاء الأمميين الأصل. لأنه ليس فقط في أيامنا نحن بدأت هذه الجماعات الغريبة أن تجتمع بل منذ ذلك الحين كانوا يجتمعون هنا من كل الكون. أي معلم يمكن أن يكون هكذا عظيمًا حتى يعلم البشر جميعًا في وقت واحد أمورًا لم يكونوا قد تعلموها؟!

يحتاج الإنسان إلى سنوات كثيرة ليتعلم أصول النحو وفنون اللغة حتى يتحدث اليونانية وحدها حسنًا، لكنهم تعلموا جميعًا اللغات حسنًا.

قد ينجح الخطيب في التحدث حسنًا، لكن رجل النحو أحيانًا لا يقدر أن يتحدث حسنًا، وصاحب النحو الماهر قد يتحدث أحيانًا، لكنه يجهل مواضيع الفلسفة. أما الروح القدس فعلمهم عدة لغات في وقتٍ واحدٍ لم يعرفوها قط طيلة حياتهم.

إنها حكمة واسعة! إنها قوة إلهية!

يا للتناقض بين جهلهم الشديد في الماضي إلى ما حدث لهم فجأة، إذ مارسوا هذه اللغات بصورة كاملة ومتنوعة لم يعتادوا عليها.

إن جماهير المستمعين قد ارتكبت. وهذه هي المرة الثانية للارتباك. الأول حدث كأمرٍ شريرٍ في بابل، إذ كان ارتباك اللغة بقصد الانقسام بسبب أفكارهم المعادية للَّه، أما هنا فقد صلحت الأذهان واتحدت بقصدٍ صالحٍ. صارت وسيلة السقوط هي وسيلة الشفاء!

لماذا تتعجبون قائلين: "كيف نسمعهم يتكلمون بألسنتنا"؟

لا تتعجب إن كنت جاهلاً ذلك، فإنه حتى نيقوديموس كان يجهل حلول الروح وقد قيل له: "الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب" (يو 3: 8). فإنك وإن سمعت صوته لا تعرف من أين يأتي، فكيف نوضح جوهره؟!

القديس كيرلس الأورشليمي

- كان (التكلم بالألسنة) علامة تناسب الزمن... ليظهر أن إنجيل الله لا بد أن يجري خلال كل الألسنة في الأرض كلها. هذا الأمر حدث بكونه يحدث ويعبر.

- كان الروح القدس في ذلك الوقت يُعطي بهذه الطريقة، بطريقة منظورة لأن من يقبلوه ينطقون بألسنة كل الأمم، ليعني أن الكنيسة بين الأمم تتكلم بألسنة الجميع.

- بهذا التنوع للألسنة أعلنوا مقدمًا بطريقةٍ ما أن الكنيسة حتمًا ستمتد إلى كل الأمم.

- الآن قد بدأت قوة الحق تُعلن للكل، فإن واحدًا (الكنيسة) قد تقبل الروح القدس يتحدث بلغات كل الأمم. الآن في الكنيسة الوحدة عينها. كأن رجلاً واحدًا يتحدث بلغات كل الأمم. أي لسان لم تصل إليه المسيحية؟ إلى أي بعد لم تمتد إليه؟

القديس أغسطينوس

اعتقد أونوميوس - كما كان بعض اليهود يعتقدون - بأن لغة الله هي العبرية، كان يتحدث بها حتى قبل الخليقة، وأن ما سجله موسى النبي أو غيره من الأنبياء هو حديث حرفي لله بلغته العبرية. وقد رد عليه القديس غريغوريوس أسقف نيصص مفندًا هذا الرأي:

- أما أنك تظن بأن الله استخدم اللسان العبري عندما لم يكن يوجد من يسمع أو يفهم مثل هذا اللسان، أظن ليس من كائنٍ عاقلٍ يوافقك.

نقرأ في سفر الأعمال أن القوة الإلهية انقسمت إلى لغات كثيرة لهذا الهدف: ألا يفقد أحد ممن له لسان غريب المشاركة في الانتفاع. فإن كان الله تكلم بلسان بشري قبل الخليقة، فمن كان ينتفع باستخدامه هذا اللسان؟ لهذا كان يجب أن يكون حديثه متناسبًا مع قدرة السامعين، لأجل نفعهم...

فإن بولس الذي تبع المسيح عرف كيف يهيئ كلماته بما يناسب عادات سامعيه وتصرفاتهم، جاعلاً من نفسه لبنًا للرضع، وغذاء دسمًا للناضجين.

لكن حيث لا يوجد باعث للانتفاع باستخدام لغة كهذه، فإنك تعلن بأن الله كان يخطب بكلمات كهذه مع نفسه، حيث لا يوجد أحد يحتاج أن تُنقل إليه معلومات. هذه الفكرة هي تجديف وسخافة.

لهذا فإن الله لم يتكلم بلغة عبرانية ولا عبَّر عن نفسه بأي شكل من هذا بين الأمم، ولكن أية كلمات لله سجلها موسى أو الأنبياء هي إشارات إلى إرادة الله مشرقة بطريقة ما أو أخرى، من أجل فهم القديسين لها حسب قياس نعمة المشاركين فيها.

إذن تكلم موسى باللغة التي لوطنه التي تعلمها، لكنه نسب هذه الكلمات لله كما قلت مكررًا ذلك من أجل طفولة أولئك الذين يجلبهم إلى معرفة الله، حتى يقدم عرضًا واضحًا للإرادة الإلهية، ولكي يرد سامعيه بالأكثر إلى الطاعة حيث يهابون سلطان المتكلم.

غريغوريوس أسقف نيصص

- نزل لكي يلبس الرسل القوة ويعمدهم... هذه النعمة لم تكن جزئية بل هي قوته في كمالها.

- علمهم الروح القدس عدة لغات في وقت واحد لم يعرفوها قط طيلة حياتهم. إنها حكمة واسعة! إنها قوة إلهية!

- صارت وسيلة السقوط هي وسيلة الشفاء!

القديس كيرلس الأورشليمي


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ4 PDF Print Email
٣. موقف الحاضرين

"وكان يهود رجال أتقياء من كل أمة تحت السماء، ساكنين في أورشليم". [5]

"ساكنون في أورشليم": غالبًا ما جاء هؤلاء الأتقياء إلى أورشليم ليحتفلوا بعيد الفصح، وقضوا فترة الخمسين يومًا حتى عيد الأسابيع أو عيد الحصاد أو الباكورات يجولون في أورشليم كمدينة الله المقدسة، ويتمتعون بالهيكل. هؤلاء إذ سمعوا صوتًا كصوت ريحٍ عاصف ملأ البيت، وقد ارتجت أصوات المسبحين اندفعوا من كل جانب نحو البيت ليتمتعوا بعمل الروح القدس في حياة التلاميذ، أو ليشهدوا مولد كنيسة العهد الجديد في أروع صورة، لذلك إذ "سمعوا نُخسوا في قلوبهم" [37].

يُفهم أن هؤلاء كانوا إما يهودًا وُلدوا في دولٍ مختلفة وقد جاءوا إلى أورشليم للاحتفال بالعيد، أو كانوا عابرين من بلد إلى آخر فقطنوا في أورشليم إلى حين، أو هم دخلاء من أصل أممي تهودوا وجاءوا إلى أورشليم لذات الهدف. هذا ولم تكن توجد مدينة تجارية في العالم في ذلك الحين لم يكن لليهود دور فيها، خاصة دول البحر الأبيض المتوسط. يقول فيلون اليهودي السكندري ويوسيفوس المؤرخ أنه لم يكن يوجد شعب على الأرض لم يقطن في وسطه اليهود.

"ساكنون": التعبير اليوناني Kateikointes غالبًا ما يُستخدم عن سكنٍ ثابتٍ دائمٍ، لكنه أحيانًا يمكن استخدامه عن سكن مؤقت. هذا وغالبًا ما كان أغنياء اليهود القاطنين في بلاد أجنبية يشترون مسكنًا دائمًا في أورشليم علامة ارتباطهم بالهيكل واعتزازهم بجنسيتهم.

"أتقياء" تشير إلى أشخاص يسلكون بوقارٍ وحكمة، جادين في عبادتهم وطلب خلاص نفوسهم في مخافة الرب.

ربما يتساءل البعض كيف اجتمعت هذه الآلاف في بيتٍ واحدٍ؟ غالبًا ما أن جاءت الجماهير في الشوارع تستطلع هذا الخبر العجيب، حتى انطلق التلاميذ إلى مكانٍ عامٍ بجوار الهيكل.

"فلما صار هذا الصوت اجتمع الجمهور وتحيَّروا، لأن كل واحدٍ كان يسمعهم يتكلّمون بلغته". [6]

واضح أن هذا الحدث هزَّ قلوب اليهود والأتقياء القادمين من خارج أورشليم أكثر من اليهود الأصليين المقيمين في أورشليم. وقد سمع كل واحدٍ يتكلمون بلغته التي وُلد فيها.

"فبُهت الجميع وتعجبوا، قائلين بعضهم لبعض: أتُرى ليس جميع هؤلاء المتكلمين جليليّين؟" [7]

كان يوم العنصرة يومًا فريدًا لم تشهد مثله البشرية من قبل ولن يتكرر بنفس الصورة فيما بعد، فقد أعد الله أتقياء من خمسة عشر لسانًا مختلفين، جاءوا لكي يروا مشهدًا بديعًا ويسمعوا كلمة الله، كل منهم باللغة التي وُلد فيها ينطق بها جليليون لا يعرفون هذه اللغات، ويؤمنوا بحب الله الفائق ليرجعوا إلى العالم بكل لغاته المعروفة في ذلك الحين يشهدون للإيمان الحي.

جاء هؤلاء اليهود الأتقياء من دول مختلقة يربطهم أمر واحد وهو الحنين إلى مدينة أورشليم كمدينة الله والتمتع بهيكل سليمان كأقدس مكان في العالم، فعادوا إلى بلادهم وقد التهبت قلوبهم بالحنين إلى أورشليم العليا والهيكل السماوي الذي يضم كنيسة الله من كل الشعوب والأمم والألسنة، ويشهد الكل لأورشليم الداخلية ولهيكل الرب المُقام داخل النفس، ومجد ابنة الملك الذي في الداخل. عادوا يسبحون الله على عمله العجيب، فقد سمعوا جليليين ينطقون باليونانية واللاتينية والمصرية والعربية الخ. بلهجات كثيرة يسبحون بها الله ويمجدونه على عظم محبته.

"يهود رجال أتقياء من كل أمة": كان هذا اللقب يخلعه يهود أورشليم على القادمين من كل أمة (من اخوتهم اليهود بالميلاد أو الدخلاء المتهودين) ليعَيدوا في أورشليم، وقد تحملوا مشاق السفر الذي كان مضنيًا ومكلفًا للغاية، لن يقوم به إلا من كان لهم روح التقوى؛ خاصة وأنهم كانوا يقدمون عطايا بسخاءٍ سواء لفقراء اليهود أو لخدام الهيكل.

"فكيف نسمع نحن كل واحد منّا لغته التي وُلد فيها؟" [8]

دُهشت الجماهير المتعلمة القادمة من بلادٍ كثيرة وتهللت حينما رأت جليليين غير متعلمين يتحدثون بكل لغات العالم، في حكمة وبطلاقة. بينما كان العبرانيون القاطنون في أورشليم متعصبين للغتهم، يستخفون بكل لغة أخرى، بل وكثير من القادة اليهود يحسبون لغتهم هي لغة الله والسمائيين، فلأول مرة في تاريخ أورشليم تُقدم الدعوة بلغات العالم للتعرف على الله والإيمان به والعبادة له.

بينما يرى البعض أن التلاميذ تحدثوا بلغات لم يتعلموها، يرى آخرون أنهم كانوا يتحدثون بلغتهم الأصلية، وكان المستمعون يسمعونهم كل واحدٍ حسب لغته. سواء كان الأمر هكذا أو كذلك فإن ما يبغيه هو أن باب الإيمان قد انفتح أمام الأمم وأن كل شخص يتعبد لله حسب اللغة التي وُلد فيها.

"فرتيون وماديّون وعيلاميّون والساكنون ما بين النهرين واليهودية وكبدوكية وبنتس وآسيا". [9]

المذكورون هنا هم يهود أو دخلاء متهودون "فرتيون وماديون وعيلاميون": وهي مناطق شرقية سبق أن سبي فيها إسرائيل (العشرة أسباط)، وإذ انتهي السبي بقي بعضهم هناك.

فرتيون: أهل بارثيا Parthia القديمة، وهي تضم الجانب الشمالي من فارس الحديثة، تقع في جنوب شرقي بحر قزوين، ما بين نهر الفرات والخليج الفارسي على الجانب الشرقي من الاثنين. تكاد تكون مطابقة لمقاطعة خراسان الحالية، شمال شرقي إيران. سكانها من أصل سكيثي Scythian origin.

ذُكر الفرتّيون في كتابات داريوس هستاسبس، إذ قاموا بثورة على الفرس سنة 521 ق.م.، ولكن سرعان ما أُخمدت. حكمهم بعد ذلك إسكندر الأكبر، ثم خلفاؤه السلوقيّون. بدأت إمبراطورية الفرتيين العظمى حوالي ٢٥٦ ق.م. حين ثار أرساكس الأول Arsaces I ضد السلطة السريانية المقدونية، وبدأ بسلالة حاكمة جديدة في شخصه عرفت بالأرساكيدين Arsaciadae، امتدت في العصور المسيحية عن الإمبراطورية الرومانية. دامت هذه الإمبراطورية لمدة حوالي ٤٠٠ عامًا. اتسم الفرتيون بمهارتهم الحربية كفرسان، يتظاهرون في الحرب بأنهم منسحبون، وإذا بهم وهم منسحبون يلقون سهامهم على العدو الذي خلفهم بمهارة عجيبة. دخلوا في صراع مع الدولة الرومانية في الشرق لمدة طويلة للاستيلاء على أرمينيا. وقد أوقفوا التوسّع الروماني شرقًا من سنة 64ق.م حتى سنة 226م، وبين سنتيّ 40 ق.م و 37 ق.م.

لغتهم فارسية. وكان قديمًا كلمتا Parthia وفارس Persia غالبًا ما تشيرا إلى دولة واحدة.

غزوا آسيا الصغرى وسوريا، وفتحوا أورشليم ونهبوها، ونصّبوا أنتيغونس آخر الحشمونيّين على عرشها.

حضر بعض اليهود من بارثيا في أورشليم في يوم العنصرة، وربّما حملوا بشارة الإنجيل معهم إلى بارثيا حين عادوا إليها.

في سنة 226م فتح الفرس بلادهم تحت قيادة أزداشير الساساني وقضوا على مملكتهم.

ماديون: كانت مادي دولة يحدّها نهر أركسيس وبحر قزوين شمالاً وشمال شرقي، وبارثيا وهركانية وصحراء فارس شرقًا، وفارس وسوسيانه جنوبًا، وأشور غربًا. تبلغ مساحتها حوالي 150 ألف ميلاً مربعًا، طولها من الشمال إلى الجنوب حوالي 600 ميلاً، وعرضها من الشرق إلى الغرب 250 ميلاً. كانت مقسّمة إلى ست مقاطعات، وفي أيام اليونان والرومان انقسمت إلى مقاطعتين وهما أتروباتينة ومادي الكبرى. الأولى في الشمال تضم الأرض الواقعة ما بين بحر قزوين والجبال شمال نهر زاغروس. أمّا مادي الكبرى فهي في الجنوب وشرق أتروباتينة. ومادي كانت بدورها تنقسم إلى مقاطعات صغيرة.

كانت مادي من أغنى مناطق آسيا، دٌعيت في الكتاب المقدس ماداي (تك ١٠: ٢). كان الماديّون شعب يتحدّث الهندو - أوربيّة. تحالف الملوك الأشوريّون مع قبائل مادي ابتداء من القرن التاسع ق.م.، وظلّوا على علاقة طيّبة بهم طيلة 200 عامًا. ثم تضافر الماديّون والسكّيثيّون معًا، متحالفين مع بابل فأسقطوا مملكة أشور سنة 612 ق.م.

سيطروا في القرنين السابع والسادس ق.م على إمبراطورية امتدّت من بلاد فارس إلى آسيا الصغرى، عاصمتها اكبتانة، حمدان الحديثة، شمال غربي بلاد فارس.

غالبًا ما يرتبط الماديون بالفارسيين؛ وكانوا تحت حكومة واحدة (٢ مل ١٧: ٦؛ ١٨: ١١؛ إس ١: ٣، ١٤، ١٨-١٩؛ إر ٢٥: ٢٥؛ را ٥: ٢٨؛ ٦: ٨؛ ٨: ٢٠؛ ٩: ١). ظهر تعبير "مادي وفارس" حتى دعي اليونان حربهم الفارسيّة العظيمة بالحرب مع المادّيين.

عيلاميون: غالبًا ما يُدعى أهل هذه المنطقة حاليًا فارس، وكان الماديون والعيلاميون شعبين متجاورين يسكنان وراء دجلة.

العيلاميون هم من نسل عيلام بن شيث (تك ١٠: ٢٢). كانوا أمّة منعزلة، شاركوا السومريّين حضاريًا في المدن القديمة والكتابة. التحق ملكهم كدرلعومر بالحملة على وادي الأردن، وتلقّي الهزيمة على يد إبراهيم أب الآباء. وغالبًا ما كان العيلاميّون تحت سيطرة جيرانهم في الغرب. وقد أرسل الأشوريّون بعض مواطني السامرة إلى عيلام، وأرسلوا عيلاميّين إلى فلسطين ليحلّوا محل أولئك.

صارت عيلام فيما بعد جزءً من الإمبراطورية الفارسيّة، لغتهم بلا شك كانت فارسية. عاصمتها شوشان، يدعوها اليونان سوسا Susa. قيل عن دانيال أنه قطن في شوشان التي هي في مقاطعة عيلام (دا ٨: ٢)، لهذا يُدعى العيلاميّون بالشوشانيّين. لايزال سكانها يدَّعون بأن قبر دانيال النبي لديهم.

عند عودة اليهود من السبي كان بقايا هؤلاء الذين تهجّروا إلى فلسطين يقاومون فكرة إعادة بناء الهيكل (عز4: 9).

دعاها اليونانيون والرومان عيلاميس Elymias، والآن تدعى خوزستان Kusustan، تحدها مملكة فارس في الشرق، وأشور وميديا في الشمال، وبابل في الغرب والخليج الفارسي في الجنوب.

كان العيلاميون رجال حرب يجيدون ضرب القوس (إش ٢٢: ٦؛ إر ٤٩: ٣٥). فكانت عيلام مركز إمبرواطورية قديمة. وحوالي سنة 200 ق.م. استعاد العيلاميّون قوّتهم، وتسلّط بعض ملوكهم على مدن في بابل.

"الساكنون ما بين النهرين" أو يهود بابل، هؤلاء لم يريدوا الرجوع من السبي البابلي، بل استوطنوا هناك، وصارت له مدرسة لاهوتية خاصة اتسمت بغزارة العلم، وكان لهم تأثيرهم القوي على شمال الفرات، فتهوَّد كثيرون منهم. تقع ما بين نهري التيجر والفرات (في سهل سوريا) يحدها شرقًا أشور، وغربًا سوريا، وشمالاً أرمينيا، وجنوبًا بابل Babylonia. كان اليهود قديمًا يدعونها فدان آرام، والآن يدعوها الآسيويون Moverannhar، أي مدينة ما وراء النهر.

وجدت في هذه المنطقة أماكن هامة وردت في الكتاب المقدس مثل أور الكلدانيين مكان مولد إبراهيم (تك ١١: ٢٧-٢٨)، وحاران حيث توقف تارح فيها وهناك مات (تك ١١: ٣١-٣٢)، وكركميش (٢ أي ٣٥: ٢٠)، وهينع (٢ مل ١٩: ١٣)، وسفروايم (٢ مل ١٧: ٢٤) وهي منطقة متسعة مسطحة وخصبة. لغة سكانها يمكن أن تكون السورية مع خليط من الكلدانية.

اليهودية: يرى البعض أنه يقصد هنا Iouaian ويعني بها اليهود الساكنين في ما بين النهرين. لكن كثيرين يرون إنها اليهودية حيث كانت لهجتهم مختلفة عن لهجة الجليليين.

"الساكنون في كبدوكية": استوطن بعض اليهود هناك ونالوا حق المواطنة. وهي أكبر ولايات آسيا الصغرى (تركيا)، تقع في الشرق، تشمل كل المنطقة التي تقع بين جبل طاروس Taurus (تعني برج النور) وبحر Euxine. تقع في جنوب بنطس أو بنتس، وفي غرب الفرات وشمال سوريا وكيليكيّة وشرق غلاطية. وهي سهل مرتفع تخترقه سلاسل من الجبال. جعلها طباريوس، عند وفاة الملك أرخيلاوس عام 17م مقاطعة رومانيّة. ووحدها فسباسيان عام 70م مع أرمينيا الصغرى، فصارت من أكبر ولايات الحدود.

لغتهم التي كانوا يستخدمونها لازالت غير معروفة. يُحتمل أن تكون لهجة مختلطة من بين اليونانية والسريانية مع مزيج من جيرانهم مواطني ليقونية Lycoonians (أع ١٤: ١١).


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ5 PDF Print Email
كان اليونانيون يشيرون إلى كبدوكية من بين ثلاث مناطق يرون أنها أشر المناطق (كبدوكية، كريت، كيليكية). لكن بعد قبولها للإيمان المسيحي خرجَّت لنا شخصيات رائعة مثل القديس غريغوريوس أسقف نيصص والقديس باسيليوس الكبير.

كذلك في آسيا، خاصة على الشواطئ الغربية، كان لليهود جالية من أكبر الجاليات، ولهم مدرسة لها تأثيرها، لكنهم كانوا منحلين، يقول عنهم سفر الرؤيا مخاطبًا أسقف فيلادلفيا: "هأنذا أجعل الذين من مجمع الشيطان، من القائلين إنهم يهود وليسوا يهودا، بل يكذبون هأنذا أصيرهم بأتون ويسجدون أما رجليك، ويعرفون أني أنا أحببتك" (رؤ 3 :9). كذلك يهود بمفيلية وفريجية وغلاطية وبنتس، كانت الجاليات اليهودية لها تأثيرها وهوَّدت كثيرين.

بنتس: اسم يوناني ولاتيني معناه "البحر"، وهو الاسم القديم للبحر الأسود وكذلك الأراضي الواقعة على طول ساحله الجنوبي. كانت مملكة لها سلطانها ونفوذها القوي قديمًا، وهي في الأصل جزء من كبدوكية، يحدها في الشرق خولكس Colchis، وفي الغرب نهر Halys، والشمال البحر الأسود، والجنوب أرمينيا الصغرى. كان ملكها المشهور هو مثرادتس Mithridates استطاع أخيرًا الرومان أن يخضعوه.

بنتس هي وطن أكيلا (أع2: 19؛ 18: 2؛ 1 بط 1: 1).

آسيا: يقصد بها آسيا الصغرى، وهي جزء من تركيا في آسيا، تُدعى حاليًا ناتوليا Natolia.

"وفرّيجية وبمفيلية ومصر ونواحي ليبية التي نحو القَيْروان والرومانيون المستوطنون يهود ودخلاء". [10]

فرّيجيّة: قطاع كبير من آسيا الصغرى (تركيا)، اختلفت تخومها عبر الأزمنة. وبعد أن اٌقتطعت منها غلاطية أصبحت حدودها هكذا: شمالها بيثينيّة، وشرقها ليكأونيّة وغلاطية، وجنوبها ليكيّة وبيسيديّة وإيسوريّة، وغربها كاريا وليديا وميسيّا. المنطقة سهل مرتفع بين سلسلة جبال طوروس جنوبًا وأولمبوس شمالاً وتموس غربًا.

شعبها يتحدّث الهندو - أوربيّّة. تأسّست مملكتهم في أوائل الألف الأوّل ق.م بعد انهيار الحثّيّين. وفي القرن التاسع ق.م اجتاح الكيمريّون فرّيجيّة التي صارت فيما بعد جزءً من مملكة الليديّين.

تُدعى في الوثائق الأشوريّة والعهد القديم "ماشك"، كان شعبها محاربًا، وكانوا يتاجرون في النحاس والعبيد (حز 32: 26؛ 38: 2-3؛ 39: 1؛ 27: 13؛ 38؛ 39).

كثير من حكّامها دعوا "ميداس"، ولعلّ هذا الاسم كان لقبًا خاصًا بحكّامهم، مثل فرعون مصر. دُفن بعض حكّامها في قبور فخمة حول العاصمة غورديوم التي اكتشفت حديثًا.

في عام 116 ق.م. صارت جزءً من آسيا الرومانيّة، ومنذ 25 ق.م. اقتطفت منها القسم الشرقي المدعو "غلاطيّة".

ذَكر العهد الجديد بعض مدنها مثل لاودكيّة وكولوسي وهيرابوليس وأنطاكيّة بيسيديّة. في ذلك الحين لم تعد فرّيجيّة مقاطعة، بل صارت اسمًا خاصًا بمدينة فرّّيجيّة، وقد اجتاز الرسول بولس في فرّيجيّة في رحلتيه الثانيّة والثالثة (أع16: 6؛ 18: 23).

بمفيلية: اسمها القديم ناتولياNatolia ، حاليًا تدعى Caramania، ما بين ليكية Lycia وكيليكية، بالقرب من البحر المتوسط. وهي منطقة على الساحل الجنوبي الغربي من آسيا الصغرى (تركيا)، طولها 80 ميلاً وعرضها 30 ميلاً، تخترقها ثلاثة أنهار هي الكتاركتس وألسترس والأورينيدون. كانت عاصمتها برجة التي زارها الرسول بولس (أع13: 13؛ 14: 24؛ 27: 5)، وميناءها أتاليه (إضالية أع24: 25). أضاف إليها كلوديوس بيسيديّة وليكيّة.

يهود مصر: كانت الجالية اليهودية في مصر من أقوى الجاليات المصرية، وأهم يهود الشتات بلا نزاع. قاموا بترجمة العهد القديم إلى اليونانية، وتُعرف بالترجمة السبعينية، التي ساعدت على نشر الإيمان المسيحي بين الأمم واليهود المتكلّمين باليونانيّة. كما يذكر التقليد أنها تمّت في زمن بطليموس الثاني أو فيلادلفس (285-246 ق.م).

كان عددهم مليونًا حسب ما ورد في فيلون اليهودي السكندري الجنس الذي اتسمت فلسفته وتفاسيره بالطابع الأفلاطوني. يخبرنا فيلون (حوالي 20 ق.م. - حوالي 50 م.) بأنه وُجد في الإسكندرية حي يهودي يقتطع قسمين من الخمسة أقسام التي للمدينة. في حوالي عام 38 عانى اليهود من اضطهاد مرعب من مواطني الإسكندرية الوثنيين، مما اضطر فيلون أن يذهب إلى روما عام 39 ق. م. ليرفع شكواه أمام الإمبراطور كاليجولا Caligula تُدعى Legatio ad Caium. وُجدت أيضًا جالية يهودية في ذلك الحين في منطقة الفيوم لها تأثيرها القوي.

هذا وكان أبولس يهوديًا إسكندري الجنس، الوارد في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس، الذي بسبب بلاغته وفلسفته مع حرارة روحه وكرازته تكوَّن فريق نسب نفسه إليه من بين الأربعة فرق هناك.

ليبيا: كان اليونان بوجه عام يدعونها أفريقيا، لكن هنا يُقصد بها القطاع الشمالي عند قيروان. أما عن اليهود الذين في ليبيا، فإننا نعتز ببعضهم مثل القديس مرقس الرسول الكارز في مصر وليبيا، وقد وُلد هناك، لكن والديه اضطرا إلى الذهاب إلى أورشليم ومعهما يوحنا مرقس بسبب هجوم حدث لهم. وأيضًا لوكيوس النبي في إنطاكية. وكان لليهود الليبيين مجمع خاص بهم في أورشليم.

قيروان: على الساحل الشمالي من أفريقيا على البحر المتوسط تقع جنوب جزيرة كريت، وعلى بعد ٥٠٠ ميلاً غرب الإسكندرية. كانت أيضًا تُدعى بنتابوليس أي الخمس مدن (الغربية). نال سمعان القيرواني بركة حمل الصليب في طريق السيد المسيح للصلب.

يهود روما: كانوا أصلاً من ضمن الأسرى الذين أسرهم بومبي من أورشليم عام 63 ق.م، وقد تحرروا بعد ذلك وكوَّنوا مجمعًا بعددٍ متواضعٍ. لكن نمت الجالية، وصار لها أثرها حتى على رجال الحكم. غير أن شوكتهم ضعفت بعد أن طردهم كلوديوس، ثم عادوا وكوًنوا جالية كانت ممثلة في أورشليم تُدعى الليبرتنيين. يقول يوسيفوس أنه وُجد في أيامه ثمانية مجامع يهودية في روما. هذا وكثيرًا ما أشار الكتَّاب الرومان إلى اليهود. وإذ كانوا مصممين على تطبيق الشريعة، وحفظ يوم السبت، وعدم الشركة في الطقوس الوثنية التي للرومان، فإنهم إذ تحرروا انسحبوا ليعيشوا معًا عبر التيبر من جهة روما. وهكذا وُجدت جالية كولونية يهودية هناك.

"كرّيتيون وعرب نسمعهم يتكلّمون بألسنتنا بعظائم اللَّه". [11]

كريتيون: سكان جزيرة كريت، وهي جزيرة ضخمة في الشرق أو الجانب الشرقي من البحر المتوسط، الآن تُدعى Candia، طولها حوالي ٢٠٠ ميلاً وعرضها ٥٠ ميلاً، تبعد حوالي ٥٠٠ ميلاً جنوب غرب القسطنطينية، ونفس المسافة غرب سوريا. وُجدت جالية يهود كريت، وهي أساس تكوين الكنيسة التي أقام عليها الرسول بولس تيطس أسقفًا.

هذا وكانت لهم جالية كبيرة وخطيرة في قبرص، قامت بثورة أيام حكم تراجان، وذُبح مائتان وأربعون ألفا من مواطني قبرص ذكرها المؤرخ ديو كاسيو، لكن يهود قبرص عادوا وقبلوا الإيمان المسيحي، وكان لهم دورهم الفعال في نشر الإنجيل. من بينهم برنابا وهو لاوي يهودي قبرصي الجنسية، خال القديس مرقس الرسول.

عرب: سكان العربية، وهي منطقة مشهورة في آسيا يحدها البحر الأحمر غربًا، والخليج الفارسي شرقًا، واليهودية شمالاً، والمحيط الهندي جنوبًا. لغتهم هي العربية.

وكان ملك العرب الحارث (2 كو 11: 32) سواء شرق الأردن أو جنوبه متحالفًا مع اليهود، عاصمته بترا، أقام إمبراطورية. تزوج هيرودس انتيباس رئيس ربع الجليل بنت أرتياس العربي ثم طلقها وتزوج هيروديا امرأة أخيه. وقامت حرب بين هيرودس وأرتياس، انتصر فيها الأخير، وإذ لجأ هيرودس إلى روما أرسلت فايتيليوس لتأديب الحارث، لكن موت الإمبراطور طيباريوس أنهى الحملة، وكان ذلك نحو 39 أو 40 م. أثناء حكم كاليجولا، أو ربما في 36 م. استولى الحارث على دمشق، وأقام فيها نائبًا عنه. لكن أرسل أوغسطس قيصر بعثة إلى بلاد العرب هُزمت أولاً، ثم عادت فزحفت عليها روما بجيش عام 70 م هزمت العرب واستولت على عدن.

"عظائم الله": كان الرسل يتحدثون بلغات الحاضرين عن أعمال الله العظيمة مثل تجسد الكلمة، ومعجزاته العجيبة، وعمل الخلاص الفائق من صلبٍ وقيامةٍ وصعودٍ، وخطة الله لخلاص البشرية.

لقد كانت أورشليم أشبه بمركز لا للشعب اليهودي وحده بل للعالم كله، حيث حضر يهود ودخلاء أتقياء من كل العالم، فكانت لحظات حلول الروح القدس أو ذاك اليوم هو يوم غرس بذار الإيمان في تربة الأرض كلها في فترة قصيرة. فقد عادت هذه الجماهير التي في شتات الدول تشهد لعظائم الله.

- إنه يدعو ممالك العالم كله: "يا ممالك الأرض سبحوا الله، غنوا للرب" (مز 68: 32). يقول: كل شخص في العالم ينال نور معرفة الله ويقدم تسبحة مترنمًا بوقارٍ.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

"فتحيّر الجميع وارتابوا، قائلين بعضهم لبعض: ما عسى أن يكون هذا". [12]

تطلع الجادون في أمر خلاصهم إلى ما حدث فاندهشوا وتحيروا، إذ لم يجدوا أمامهم تفسيرًا بشريًا، لكن لم تحمل هذه الحيرة ارتيابًا، بل رغبة صادقة في البحث عن ما وراء هذا الحدث. صار الكل في حيرة مما حدث؛ كانوا في حالة دهش. بدأ كل واحد يسأل الآخر: وما هو هدف هذا؟ إنه منظر له تقديره، فهل هؤلاء الرجال مرسلون من السماء؟ ألعلهم مثل العليقة الملتهبة نارًا التي رآها موسى النبي؟

"وكان آخرون يستهزئون قائلين: أنهم قد امتلأوا سُلافة". [13]

تطلع آخرون، غالبًا اليهود القاطنون في أورشليم واليهودية، خاصة رؤساء الكهنة والفريسيون المقاومون لروح الله القدوس، إلى ما حدث بنوعٍ من السخرية، إذ حسبوهم سكرى.

لقد حسبوا أن هؤلاء الرجال قد بالغوا في شرب الخمر يوم العيد، ولم يفكروا في جدية هل كثرة شرب الخمر تعلم الإنسان أن يتحدث بلغات جديدة حقيقية لم يسبق له أن تعلمها. هؤلاء الذين سبقوا فإتهموا السيد المسيح أنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين، الآن يتهمون تلاميذه المملوءين من الروح القدس أنهم سكرى.

يقول د ماكللاند McLelland بأنهم إذ أرادوا أن يهربوا من إدراكهم لجهلهم تبنوا في سخافة نظرية أن الإسراف في شرب الخمر يمكن أن يعلم اللغات.

- في استهزائهم تكلموا بالحق، لأنهم في الحقيقة كانت الخمر الجديدة هي نعمة العهد الجديد. هذا الخمر الجديد هو من الكرمة الروحية.

القديس كيرلس الأورشليمي

يرى بعض الدارسين أن البيت لم يسعْ تلك الأعداد الضخمة القادمة من كل أورشليم، فانطلق الكل إلى منطقة الهيكل، بجوار الدار، وصار نوع من الاضطراب نتيجة كثرة الوافدين، عجز الحاضرون عن تقديم تفسيرٍ لهذه الظاهرة الفريدة في تاريخ العالم كله.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ6 PDF Print Email
٤. خطاب بطرس للشعب

"فوقف بطرس مع الأحد عشر ورفع صوته، وقال لهم: أيها الرجال اليهود والساكنون في أورشليم أجمعون، ليكن هذا معلومًا عندكم وأصغوا إلى كلامي". [14]

يرى البعض أن الجميع تحدثوا، كل في دوره مبتدئين بالقديس بطرس.

وقف القديس بطرس ليؤكد للحاضرين أنهم ليسوا بسكرى، وأنه قادر أن يكشف الحق الإلهي من خلال النبوات التي بين أيديهم.

لم يوجه حديثه إلى طبقة معينة بل إلى كل الساكنين في أورشليم سواء المقيمين دومًا فيها أو الذين جاءوا يقطنون فيها من أجل العيد. فالحديث هنا موجه إلى القيادات الدينية مع الشعب، لأن عطية الخلاص هي لكل نفسٍ بشرية.

إذ فحص بعض الدارسين هذا الخطاب وجدوه يحمل لغة الرسول بطرس واصطلاحاته في تطابق مع رسالته الأولى، مما يكشف عن أن القديس لوقا نقل الخطاب كما هو، فالناقل أمين في نقله.

هذا ومن جانب آخر فإن معالجة القديس بطرس للنبوات التي استشهد بها مع بدء ميلاد الكنيسة يستحيل أن تكون من فكر رجلٍ جليليٍ، بل تحتاج إلى استنارة الروح القدس لفهم الكتب المقدسة. إنها عطية الروح القدس للتلاميذ والرسل أن يستخدموا النبوات ويفسرونها ويطبقونها على شخص السيد المسيح.

جاء خطاب القديس بطرس في ثلاثة أقسام:

القسم الأول [14- 21] تفسير الحدث نفسه، وهو عطية الروح القدس.

القسم الثاني [22- 28] الشهادة ليسوع الناصري أنه المخلص، خلال القوات والآيات التي صنعها.

القسم الثالث [29-36] قيامة السيد المسيح وصعوده وإرساله الروح القدس هو تحقيق للنبوات، وشهادة أنه الرب المسيح.

من العجيب أن بطرس الرسولي الجليلي كان يخاطب أناسًا قادمين من خمسة عشر دولة، لكل دولة لسانها الخاص مثل اليونانيين والمصريين والفارسيين والعرب، ولم يكن ممكنًا لهم أن يفهموا الآرامية العامية التي لأهل الجليل. فما تكلم به القديس سمعه كل واحد حسب لغته التي وُلد فيها. فإن كان القديس قد تحدث بالآرامية العامية أو بلغة بشريةٍ جديدة إنما ما يؤكده سفر الأعمال أن كل واحد فهم ما قاله، وأن نحو ثلاثة آلاف آمنوا واعترفوا واعتمدوا وتمتعوا بعمل الخلاص، الأمر الذي ما كان يمكن أن يحدث هذا لو لم يدركوا كلمات الرسول ويتمتعوا بفهمها، وما لم يهبهم الروح القدس استنارة ويجتذبهم إلى الإيمان. عمل الروح القدس في الرسول بطرس كما في قلوب السامعين.

يحمل تعبير "رفع صوته" الحديث بروح القوة واليقين، بلا خوف ولا تردد ولا تشكك. فإنه لم يقف في ضعفٍ محاولاً تقديم براهين على صدق إيمانه، إنما حمل قوة الشهادة الجريئة والجذابة للنفوس بالروح القدس. لم يأخذ موقف المتوسل أو مجرد المدافع، بل حامل قوة الروح!

"لأن هؤلاء ليسوا سكارى كما أنتم تظنون، لأنها الساعة الثالثة من النهار". [15]

ظنهم البعض أنهم سكارى، ربما لأنهم لاحظوا عليهم الفرح الشديد، وكأنهم في حالة دهش إلهي. أما دفاع القديس بطرس بأنها "الساعة الثالثة من النهار" فيعني إنه ميعاد مبكر، إذ يندر أن يأكل يهودي أو يشرب في هذه الساعة، حتى وإن كان مدمنًا للشرب، لأنها كانت ساعة صلاة، فيُحسب ذلك جريمة كبرى. هذا وكان الوقت غير مناسب لأنه يوم عيد الحصاد أو عيد الباكورات حيث كان اليهود في أورشليم مشغولين بتقديم الباكورات والذبائح وممارسة الصلوات حتى تمام الساعة العاشرة صباحًا.

 لكن آخرون سخروا قائلين: "إنهم سكرى".

في استهزائهم تكلموا بالحق، لأن في الحقيقة كانت الخمر جديدة، هي نعمة العهد الجديد. هذا الخمر الجديد هو من الكرمة الروحية... كانت قبلاً تحمل هذا الثمر في الأنبياء، والآن قد انبتت برعمًا في العهد الجديد.

فإنه حتى في الأمور الحسّية نجد الكرمة تبقى كما هي، لكنها تحمل ثمارًا جديدة في موسمها، هكذا الروح هو بنفسه يستمر، فكما عمل في الأنبياء يعمل الآن أعمالاً جديدة وعجيبة.

بالرغم من أن نعمته قد قُدمت للآباء أيضًا، لكن هنا تأتي بغزارة، لأنه كان قبلاً فقط (نصيب) شركة من الروح القدس، أما الآن فاعتمدوا فيه تمامًا.

بطرس الذي له الروح القدس إذ عرف ما قد ناله يقول (موبخًا): يا رجال إسرائيل أنتم الذين يبشركم يوئيل لكنكم لا تعرفون الأمور المكتوبة "لأن هؤلاء ليسوا سكارى كما أنتم تظنون".

إنهم سكارى لكنهم ليس كما أنتم تظنون، بل حسبما هو مكتوب: "يسكرون بدسم بيتك، ويشربون بملذاتك" (مز 8:36.).

إنهم سكارى بمسكرٍ سامٍ مميتٍ للخطية، وواهب حياة للقلب. مسكرٍ مضادٍ للسُكْرْ الخاص بالجسد. لأن هذا الأخير يسبب نسيانًا، حتى بالنسبة لما كان الإنسان يعرفه، أما هذا فيمنح معرفةً لما لم يكن يعرفه الإنسان.

إنهم سكرى، لأنهم شربوا خمر الكرمة الروحية القائلة: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان"" (يو 5:15).

لكن إن كنتم لا تقتنعون، افهموا ما أخبركم به من ذات الوقت الذي نحن فيه، أنها الساعة الثالثة من النهار (أع 25:2، 5).

فكما يروي لنا مرقس قد صُلب في الساعة الثالثة، والآن الساعة الثالثة يرسل لنا فيها نعمته. لأن نعمته ليست شيئًا بخلاف نعمة الروح. إنما ذاك الذي صُلب وقتئذ هو أيضًا يهب الموعد...

وإن أردتم شهادة بذلك، أصغوا إلى ما قيل بيوئيل النبي: "يقول اللَّه ويكون في الأيام الأخيرة إني أسكب من روحي" (أع 18:2)، كلمة "أسكب" تحمل غنى العطية، إذ لا يُعطي اللَّه روحه بمقياس... "أسكب من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم"، وبعد ذلك يقول: "وعلى عبيدي أيضًا وإمائي أسكب من روحي في تلك الأيام فيتنبأون" (أع 19:2).

لا يبالي الروح القدس بالأشخاص، إذ لا يطلب كرامات بل تقوى الروح. لا ينتفخ الأغبياء، ولا يخذل الفقراء، بل ليستعد كل واحد لتقبل النعمة السماوية.

القديس كيرلس الأورشليمي

- تأسيس الكنيسة هو خلق جديد للعالم، وكما قال إشعياء النبي (إش 17:65) هي خلق سماء جديدة، وكما قال بولس (كو 5:2 إيمانكم في المسيح هو القوة).

خُلقت أرض جديدة تشرب المطر النازل عليها، وخُلق إنسان آخر تجدد حسب صورة خالقه بالميلاد الجديد من أعلى. وُوجد نور جديد يقول عنه المسيح: "أنتم نور العالم" (مت 14:5)، "تضيئون بينهم كأنوار في العالم" (في 15:2)، لذلك تُضئ كواكب كثيرة في قوة الإيمان. ليست الأعداد الكبيرة من الكواكب التي سماها اللّه هي العجائب الوحيدة في الخليقة. يقول كلمة اللّه إن أسماءهم مكتوبة في السماء. لقد سمعت خالق العالم الجديد يقول لكواكبه: "افرحوا بالأحرى أن أسماءكم كُتبت في السماوات" (لو 20:10). وبالإضافة إلى هذه الكواكب التي خلقها السيد المسيح توجد شموس تُنير العالم بأعمالها الطيبة. ويقول صانع هذه الشموس: "فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الصالحة، ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" (مت 16:5). ثم "حينئذ يضئ الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم" (مت 43:13).

القديس غريغوريوس النيسي

يرى العلامة ترتليان أنه مقابل الصلاة الداخلية الدائمة التي لا يحدها زمن توجد صلوات محددة الزمن عامة وهي الثالثة والسادسة والتاسعة كما جاء في الكتاب المقدس. وقد حل الروح القدس في وقت الساعة الثالثة (9 ص)، وشاهد بطرس الرسول الملاءة النازلة من السماء وقت الساعة السادسة (أع 10: 9)؛ ودخل مع القديس يوحنا إلى الهيكل وقت الساعة التاسعة. إذ ينتزع الإنسان نفسه من عمله في هذه الساعات للصلاة. وقد كان دانيال يصلى ثلاث مرات يوميًا حسب الطقس اليهودي (دا 6: 10)، هذا بجانب الصلاة عند الشروق وبالليل وعند الأكل، وعند دخول الحمام... علامة أننا نعطي السماويات أولوية عن الأرضيات.

"بل هذا ما قيل بيوئيل النبي". [16]

ما يحدث ليس مصادفة، لكن تنبأ عنه يوئيل منذ قرون، وهو حدث مرتبط بالعصر المسياني، وكأنه يقول لهم: يلزمكم أن تراجعوا أنفسكم، فإن الذي قتلتموه هو المسيح موضوع نبوات الأنبياء.

- بخصوص الاتهام (أنهم سكرى) برأ نفسه من هذا ببرهان من عنده، أما عن النعمة فإنه استعان بالنبي كشاهد. "أسكب من روحي على كل جسدٍ". وُهب للبعض خلال أحلام، ولآخرين انسكب عليهم علانية، فإنه بالحق بالأحلام رأى الأنبياء ونالوا إعلانات.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يقول اللَّه: ويكون في الأيام الأخيرة، أني أسكب من روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويرى شبابكم رؤى، ويحلم شيوخكم أحلامًا". [17]

بقوله: "يكون في الأيام الأخيرة" يعلن أن ما حدث هو بداية النهاية، حيث تدخل البشرية مرحلة انتظار مجيء المسيح الأخير وتترقب يوم الرب بفرحٍ عظيمٍ. هذا وقد عرف اليهود هذا الاصطلاح أنه خاص بعصر المسيا الذي طالما ترقبه اليهود عبر الأجيال (إش ٢: ٢؛ هو ٣: ٥). عندما تنبأ يعقوب لأبنائه عما سيحدث في العصر المسياني دعا هذا العصر "آخر الأيام" (تك ٤٩: ١)، وعندما تحدث ميخا النبي عن كنيسة العهد الجديد كجبل بيت الرب قال: "وفي آخر الأيام" (مي ٤: ١)، وأيضًا إشعياء النبي (٢: ٢).

هذا وتعبير "آخر الأيام" يكشف عن حلول "ملء الزمان" الذي فيه أرسل الآب ابنه مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس (غل ٤: ٤)، أو "ملء الأزمنة" حيث يجمع الله بتدبيره كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض (أف ١: ١٠). ويرى البعض إنه ملء الزمان الذي فيه يُنزع الملكوت من إسرائيل القديم، ويُنقض الهيكل ليُسلم الملكوت لإسرائيل الجديد، ويُقام الهيكل الجديد في قلوب المؤمنين.

حلت الأيام الأخيرة حيث يبطل الكهنوت اللاوي ليُعلن كهنوت المسيح الذي على طقس ملكي صادق (مز ١١٠: ٤؛ عب ٥: ٦؛ ٦: ٢٠)، هذا الذي ليس من نسل إبراهيم، ولا يعرف أحد أباه وأمه... ففي المسيح يسوع تنفتح الدعوة للعمل خلال المجهولين!


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ7 PDF Print Email

يرى البعض أن تاريخ الخلاص يحوي العصور التالية:

- الإنسان في الفردوس.

- عصر الآباء.

- عصر القضاة.

- عصر الملوك.

- عصر الأنبياء (خاصة أثناء السبي وبعده).

- العصر الأخير، أو الأيام الأخيرة: العصر المسياني حتى مجيء الرب الأخير أو يوم الرب. وقد استخدم الرب نفسه هذا الاصطلاح (يو ٦: ٣٩-٤٠، ٤٤-٤٥؛ ١١: ٢٤؛ ١٢: ٤٨). كما استخدمه الرسل (١بط ١: ٢٠؛ ٢بط ٣: ٣، ١يو ٢: ١٨؛ يهوذا ١٨؛ عب ١: ٢).

"على كل بشر" إذ لم يعد عمل الروح القدس قاصرًا على اليهود، وإنما يعمل أيضًا في الأمم. يعمل في أولاد الله من الجنسين لحساب ملكوت الله. يقول الربي تانخوم Rabbi Tanchum: [عندما وضع موسى يده على يشوع قال: يقول الله المبارك "في وقت النص (العهد) القديم تنبأ كل نبي بمفرده، لكن في أيام المسيا سيصير كل إسرائيل أنبياء".]

لا تُفهم كلمة "يتنبأ" هنا بمعنى أنهم يخبرون بأحداث مستقبلية تُعلن لهم، وإنما يعلمون ويخبرون بالحق الإلهي خاصة خلاص المسيح، وما يعده للمؤمنين من أمجاد سماوية.

الرؤى والأحلام: كان الله قديمًا يعلن عن حضوره الإلهي وإرادته الإلهية خلال وسيلتين: إما عن طريق الرمز مثل ظهور نارٍ، كما حدث مع موسى على جبل حوريب، وأيضًا مع أبينا إبراهيم (تك ٢١: ١٧)، وإيليا النبي (١ مل ١٩: ١١-١٢). وأحيانًا بظهور ملائكة كما في عصر البطاركة حيث نجد أمثلة كثيرة في سفر التكوين. أما الوسيلة الأخرى فهي الأحلام كما حدث مع يوسف (تك ٣٧: ٥، ٩)، ويعقوب (تك ٢٨: ١ الخ؛ ٤٦: ٢ الخ)، ومع فرعون (تك ٤١: ١-٧)، ونبوخذنصر (دا ٤: ١٠-١٧).

ماذا يعني بالقول: "بنوكم وبناتكم"؟ كان حلول الروح القدس في العهد القديم مؤقتًا، يحل على فئة معينة مثل الكهنة وهم من سبط خاص (لاوي)، والملوك (من سبط يهوذا)، والأنبياء وهم أفراد معينون يظهرون بدعوةٍ إلهية. أما في العهد الجديد فصار الروح القدس هبة إلهية مُقدمة لكل المؤمنين، حيث يسكن في المؤمن ليهب نعم خاصة متباينة. حتى العمل القيادي الكنسي مثل الرسل والتلاميذ ثم الأساقفة والقسوس والشمامسة فهو ليس قاصرًا على سبطٍ ما أو عائلةٍ ما، لكن الرب اختار تلاميذه من بين عامة الشعب ليقيم من المزدرى وغير الموجود من يُبطل بهم الموجود (١ كو ١: ٨).

- سبق وقال أنه قد سكب الروح علينا، إذ ليس من طبيعة الخليقة ولا الأشياء المصنوعة أن تعطي الروح بسلطان، بل هو عطية اللََّه. فتتقدّس المخلوقات بواسطة الروح، أما الابن فحيث أنه لا يتقدّس بواسطة الروح بل بالأحرى هو الذي يعطي الروح للجميع، لذلك ليس مخلوقًا، بل هو ابن الآب الحقيقي.

البابا أثناسيوس الرسولي

- كان الروح يعمل في نفوسهم (الأنبياء) للتنبؤ والتكلّم حينما كانت تدعو الحاجة أن يُخبروا العالم بأحداث عظيمة. لأن الأنبياء لم يكونوا يتكلّمون في كل وقتٍ، بل حينما يشاء الروح الذي فيهم فقط، إلا أن القوّة الإلهية كانت معهم دائمًا. فإن كان الروح القدس قد انسكب بهذا المقدار في ذلك العهد الذي هو ظل لعهد النعمة، كم بالأحرى ينسكب في العهد الجديد، عهد الصليب ومجيء المسيح الذي حدث فيه انسكاب الروح والامتلاء به؟!

القديس مقاريوس الكبير

"وعلى عبيدي أيضًا وإيمائي، أسكب من روحي في تلك الأيام فيتنبأون". [18]

ما ورد هنا بدأ يتحقق في عصر الرسل خلال عمل السيد المسيح الذي بدأ بمواهب الروح التي لم تعد محصورة في سبطي لاوي (الكهنوت كميراثٍ) ويهوذا (الملوك)، وإنما الدعوة للخدمة مفتوحة أمام كل نفسٍ أمينة مشتاقة للعمل الكرازي، كما أن الدعوة للشهادة للمسيح هي لكل عضو حي في الكنيسة مهما كان جنسه أو وطنه أو سنه أو قدراته.

- في عنايته الكلية سكب الله القدير بنعمته روحه على كل جسدٍ في هذه الأيام الأخيرة، على خدامه وإمائه، فكبح عدم الإيمان المخادع والجامح هذا الذي يثير التشكك في إيمان البشر بقيامة الجسد، وأوضح دون أية عوائق من جهة الكلمات الغامضة في الكتب المقدسة القديمة، وذلك بالنور الواضح للكلمات المقدسة ومعانيها.

العلامة ترتليان

"وأعطي عجائب في السماء من فوق، وآيات على الأرض من أسفل، دمًا ونارًا وبخار دخان". [19]

"تتحول الشمس إلى ظلمة، والقمر إلى دم، قبل أن يجيء يوم الرب العظيم الشهير". [20]

لقد صاحبت خدمة العهد الجديد علامات وعجائب في السماء وعلى الأرض، كما حدث عند صلب السيد المسيح حيث حدثت ظلمة على وجه الأرض وزلازل، كما تشققت الصخور وانفتحت القبور، وخرج كثير من القديسين وظهروا في أورشليم، وفي قيامته حيث حدثت زلزلة. وفي صعوده أيضًا أعلنت السماء عن مجده، إذ ظهرت سحابة أخذته عن أعينهم (أع ١: ٩). هذا وسيصاحب مجيء السيد المسيح الأخير عجائب أيضًا من السماء وعلى الأرض تعلن عن قرب مجيئه (مت ٢٤: ٢٩).

يرى البعض أن الدم والنار والدخان والظلمة، هذه الظواهر تشير إلى ما سيحل عليهم من دمارٍ مدنيٍ ودينيٍ، حيث أحرق تيطس الهيكل سنة ٧٠م، وتشتت الشعب في أنحاء العالم، وحلت ظلمة فكرية برفضهم للخلاص.

- يُقال حقًا أن كثير من هذه الظواهر قد حدثت فعلاً في السماء كما شهد يوسيفوس. وفي نفس الوقت يرعبهم الرسول بأن يذَّكرهم بالظلمة التي حدثت مؤخرًا، وستقودهم إلى أمورٍ مقبلة... إن كانت هذه الأمور هي مقدمة لذلك اليوم (يوم الرب) فإن ما سيتبعه هو في غاية الخطورة ووشيك الحدوث.

- ماذا يعني: يتحول القمر إلى دم؟ إنه يشير إلى تزايد القتل. اللغة هنا محفوفة بالرعب مع اليأس!

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ويكون كل من يدعو باسم الرب يخلص". [21]

ما حدث هو تحقيق لنبوة يوئيل النبي، وهو أول مشاهد الملكوت وفتح الستار عن أعمال المسيح بحلول روحه القدوس من السماء، لا حلولاً مؤقتًا كما كان مع أنبياء العهد القديم، بل هو حلول واستقرار وملء في قلوب المؤمنين، لإقامة ملكوت المسيح، فيصير الكل ملوكًا وأنبياء وكهنة لله العلي.

- بسبب نعمة الروح التي أُعطيت لنا، صرنا نحن فيه وهو فينا (1 يو 13:4)...

خارج الروح نحن غرباء عن اللَّه وبعيدون عنه، أما بشركة الروح فصرنا قريبين للاهوت، فوُجدنا في الآب ليس من ذواتنا، إنما هو عمل الروح الذي فينا ساكنًا في داخلنا.

البابا أثناسيوس الرسولي

- على أي الأحوال جعل مقاله مشرقًا، إذ يقدم ما يخص الإيمان، ومرعبًا إذ يتحدث عن العقوبة، فإنه في الابتهال (لله) يوجد الخلاص.

القديس يوحنا الذهبي الفم
"أيها الرجال الإسرائيليون، اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل اللَّه، بقواتٍ وعجائبٍ وآياتٍ، صنعها اللَّه بيده في وسطكم، كما أنتم أيضًا تعلمون". [22]

رأينا في تفسيرنا لإنجيل يوحنا أن كثيرين تعثروا في شخص السيد المسيح لأنه كان ناصريًا، فاحتج نثنائيل على فيلبس حين دعاه للقاء مع من كتب عنه موسى، قائلا: "أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟" (يو 1: 46). وفي استخفاف وُضعت علة السيد على الصليب: "يسوع الناصري ملك اليهود".

دُعيت "ناصرة"، لأنها مدينة صغيرة لا قيمة لها، تشبه فرع شجرة صغير ينبت بجوار الجذر في مكانٍ غير مناسب، غالبًا ما يقوم الزارع بقطعه، يسمى بالعربية "نسر" وبالعبرية "نتسير" ومنه جاء الاسم "ناصرة".

واضح أن ما فعله السيد المسيح من قوات وعجائب وآيات إنما ليؤكد أنه قد جاء عصر المسيا الذي كان الآباء والأنبياء يشتاقون إليه ويترقبونه. لقد أقبل "ملكوت الله" (مت 12: 28).

"صنعها الله بيده"، ليؤكد القول: "لأني خرجت من قبل الله، وأتيت" (يو 8: 42)، " أبي يعمل حتى الآن، وأنا أعمل" (يو 5: 17). "إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي، ولكن إن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيّ وأنا فيه" (يو 10: 37-38).

يحدثنا القديس يوحنا الذهبي الفم عن حكمة القديس بطرس:

أولاً: بدأ بقوله: "أيها الرجال الإسرائيليون"، ليس كنوعٍ من المداهنة، وإنما لكي يستميلهم للاستماع إليه.

ثانيًا: لم يصدر حكمه في أمر يسوع، بل قال: "اسمعوا هذه الأقوال" لكي يصدروا الحكم بأنفسهم، ويتعرفوا عليه بحكمة وروية.

ثالثًا: لم يبدأ بالحديث عن حقيقته كابن الله الوحيد وكلمة الله، بل قال "رجل"، أي بأسلوبٍ متواضعٍ.

رابعًا: عندما أشار إلى معجزاته قال: "صنعها الله بيده". هكذا نزل إليهم، إلى مستوى تفكيرهم لكي يرفع أفكارهم إلى الحق الذي لم يكن ممكنًا لهم أن يقبلوه دفعة واحدة. هكذا ينطلق بهم في كل مقالة من أسفل إلى أعلى.

في رده على فالانتينوسValentinus استخدم العلامة ترتليان هذه العبارة لتأكيد أن السيد المسيح قد أخذ جسدًا حقيقيًا، وصار إنسانًا، ولم يكن جسده روحيًا أو خيالاً.

"هذا أخذتموه مسلمًا بمشورة اللَّه المحتومة وعِلمه السابق، وبأيدي آثمة صلبتموه وقتلتموه". [23]

كان اليهود يدعون مملكة روما "مملكة الشر"، لذلك فكلمة "آثمة" هنا تشير إلى الرومان، وهي تعني "بلا ناموس"، وجاء في إنجيل مرقس: "هوذا ابن الإنسان يُسلم إلى أيدي الخطاة" (مر 14: 14).

هنا يوضح القديس بطرس أن موت السيد المسيح لم يكن جزافًا، فإنه وإن تم على أيدي آثمة، لا يستطيعون أن يتبرأوا مما فعلوه إلاَّ بالإيمان به، إلاَّ أن ما حدث كان خلال خطة إلهية أزلية، سبق أن أعلنها بالأنبياء الذين نالوا معرفة إلهية.

"الذي أقامه اللَّه ناقضًا أوجاع الموت، إذ لم يكن ممكنًا أن يمسك منه". [24]

الله الآب في حبه بذل ابنه الوحيد لخلاص العالم (يو ٣: ١٦)، هو أيضًا أقامه ليبرر الجميع. حقًا إذ في طاعةٍ لإرادة الآب التي هي واحدة مع إرادته سلم نفسه، وهكذا في طاعة قام من بين الأموات، وقد حل حبال الموت (مز 18: 4-5). أما قوله: "أوجاع الموت"، فيشّبه الموت بسيدةٍ تلد، وقد حاول الموت أن يغلق على السيد المسيح في أحشائه فلم يفلح. تمخض الموت بالآلام، وشق السيد المسيح رحم الموت والهاوية وأقام نفسه. يدعوها المرتل: "حبال الموت"، إذ ظن الموت قادرًا على فرض سلطانه على السيد، لكن السيد حلّ هذه الحبال، كما قطع شمشون أوتار الجلد التي أوثقه بها الفلسطينيون كخيطٍ أو كفتيلٍ إذا شم النار (قض 16: 9-12).

جاءت كلمة "الموت" هنا في نسخة بيزا Bezae والسريانية والقبطية والفولجاتا "الجحيم"، وهو المكان الذي كانت تذهب إليه النفوس بعد الموت. فقد مات حقًا ودخلت نفسه إلى الجحيم، لا ليُقبض عليه أبديًا، وإنما لكي يحطم متاريسه، ويحمل الغنائم إلى الفردوس. لقد بشر الراقدين، لا بكلمات بشرية ينطق بها، بل بقوة سلطانه على فك قيودهم وحملهم إلى الراحة.

"لأن داود يقول فيه: كنت أرى الرب أمامي في كل حين، إنه عن يميني لكي لا أتزعزع". [25]

حالة التهليل التي عبَّر عنها المرتل لا تخصه هو بل تخص المسيا الذي لم يستطع الموت أن يفصل الابن الوحيد الجنس عن الآب، فالابن عن يمين الآب، والآب عن يمين الابن، لأنهما لا يخضعان لحدود مكانية، إنما "اليمين" هنا يشير إلى القوة. فالموت لا يشغل المسيح، لأنه تحت قدميه، أما ما يشغله أنه بقيامته فتح باب الرجاء لمؤمنيه كي يتمتعوا بها.




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ8 PDF Print Email

"لذلك سُرّ قلبي، وتهلل لساني، حتى جسدي أيضًا سيسكن على رجاء". [26]

جاء اقتباس الرسول هنا عن الترجمة السبعينية: "تهلل لساني"، أما في العبرية "مجدي" عوض "لساني".

"لأنك لن تترك نفسي في الهاوية، ولا تدع قدوسك يرى فسادًا". [27]

تصوير رائع لحقيقة موت الموت. وُضع الجسد في القبر إلى حين ليطمئن الأموات بوجوده فيه مؤقتًا. وانطلقت نفسه إلى الجحيم تحطم متاريسه، وتنطلق بنفوس الراقدين على رجاء للتمتع بالفردوس.

لم يسقط السيد المسيح تحت الحكم: "لأنك تراب، وإلى ترابٍ تعود" (تك ٣: ١٩)، لأنه بلا خطية، فلا يحل به هذا الفساد. لم يكن ممكنًا للناسوت الذي صار للكلمة أن يحل به ما حل بطبيعة آدم الساقطة. حقًا يمكن لنفسه أن تفارق جسده، لكن إلى حين دون فسادٍ للنفس أو الجسد.

- لأنه قام محطمًا الهاوية، وقائلاً للأسرى: اخرجوا، وللذين في الظلام: اظهروا (إش 49: 9). وصعد إلى أبيه فوق في السماء، إلى الموضع الذي لا يمكن للبشر الدخول إليه، أخذ على عاتقه خطايانا، وصار كفّارة عنّا.

القديس كيرلس الكبير

"عرفتني سبل الحياة، وستملأني سرورًا مع وجهك". [28]

لم يكن ممكنًا للمرتل أن يقول: "عرفتني القيامة من الأموات"، إذ ما كان يمكن لأحد أن يدركها، لكنه رأى في قيامة الرب "سبل الحياة"، حيث يتحطم الموت، ويرتفع المؤمنون إلى الحياة الأبدية.

"أيها الرجال الاخوة، يسوغ أن يقال لكم جهارًا عن رئيس الآباء داود، أنه مات ودفن وقبره عندنا حتى هذا اليوم". [29]

ظن اليهود أن ما قاله داود النبي خاص به شخصيًا، وقد جاء في المدراش: [ليس من دودة ولا حشرة لها سلطان على داود.] لهذا أراد الرسول بطرس أن يوضح لهم أن داود لا يزال مدفونًا لم يقم، وها هو قبره قائم يشهد بذلك، فما قيل هنا يخص السيد المسيح، كما قال الربي يوسي Rabbi Jose أن داود قد مات في يوم الخمسين، وكان كل إسرائيل ينتحبونه، ويقدمون ذبائح في اليوم التالي.

يدعو القديس بطرس داود رئيس الآباء (بطريركًا)، قبره في الجهة الجنوبية من أورشليم بالقرب من سلوام، قد تحدث عن قيامة السيد المسيح الذي جاء من نسله (حسب الجسد) قائلاً: "نفسه لا تُترك في الهاوية، ولا جسده يرى فسادا".

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم الآن إذ يبدأ يشير إلى عظمة السيد المسيح يتحدث معهم كمن يبدأ يخاطبهم من جديد: "أيها الرجال الاخوة". كان القديس بطرس يعلم جيدًا أن اليهود لم يقولوا بأن ما نطق به داود النبي لا يخصه هو، بل يتنبأ عن المسيح ابن داود، ومع هذا فهو يؤكد لهم أن ما قاله لا يخصه شخصيًا، حتى يوضح أنه تحقق في يسوع الناصري المصلوب.

"فإذ كان نبيًّا، وعلم أن اللَّه حلف له بقسمٍ، أنه من ثمرة صُلبه يُقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه". [30]

"سبق فرأى وتكلّم عن قيامة المسيح، أنه لم تترك نفسه في الهاوية، ولا رأى جسده فسادًا". [31]
- لم يرَ جسده فسادًا؛ أما جسدنا فبعد الفساد يلبس عدم الفساد في نهاية العالم. لم يكن هو محتاجًا إلينا ليتمم الخلاص، لكننا بدونه لا نقدر نحن أن نفعل شيئًا. يعطينا ذاته بكونه الكرمة ونحن الأغصان، أما نحن فلا يمكن أن تكون لنا حياة خارجًا عنه.

القديس أغسطينوس

في رسالة القديس جيروم إلى بماخيوس Pammachius يؤكد قيامة الجسد وتمتعه بشركة المجد مع النفس البشرية، لهذا فإننا نحمل نظرة مقدسة ومكرمة للجسد. كمثالٍ صوم الجسد بالنسبة لنا ليس معناه مقاومتنا للجسد كشيءٍ دنسٍ، وإنما هو وسيلة للتمتع بالشركة مع الله، ليس على مستوى النفس وحدها، بل الإنسان ككل.

- ما نهدف إليه في الصوم هو الشركة مع الله. فتقتات (حتى الأجساد) بالخبز السماوي، وتشبع بكلمة الله، إذ يكون طعامها كما هو ربها. استمع إلى المخلص: "جسدي يستريح في رجاء" (مز 16: 9) وفي موضع آخر قيل: "ولا رأى جسده فسادًا" (أع 2: 31)، وأيضًا: "ويرى كل جسد خلاص الله" (إش 40: 5).

القديس جيروم

"فيسوع هذا أقامه اللَّه، ونحن جميعًا شهود لذلك". [32]

بعد أن قدم الرسول بطرس شهادة الأنبياء وركز على سفر المزامير فيما يخص مجيء المسيا من نسل داود أو موته أو قيامته، ختم ذلك بشهادة التلاميذ أنفسهم، وفي موضع آخر أحالهم الرسول إلى الروح القدس كشاهدٍ للسيد المسيح (أع 5: 32).

رآه كل الحاضرين من الرسل والتلاميذ وغيرهم بعد قيامته من الأموات، وهم مستعدون للشهادة بذلك حتى في وجه الاضطهاد والموت.

"وإذ ارتفع بيمين اللَّه، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه". [33]

يؤكد الرسول بطرس أن يسوع ليس فقط قام من بين الأموات، وإنما تمجد أيضًا عن يمين الآب، ومن خلال هذا المجد بعث الروح القدس الذي تنبأ عنه يوئيل النبي، وقد وعد به السيد المسيح نفسه (يو ١٤: ١٦ الخ؛ ١٦: ٧).

يستشهد الرسول بطرس بالمزمور: "يمين الرب رفعتني، يمين الرب صنعت قوة" (مز 119: 16). لا يفيد اليمين هنا مكانًا بل مكانة، فيشير إلى التساوي في المجد والكرامة "بجبروت خلاص يمينه" (مز 20: 6)، "يمينك يا رب تحطم العدو" (حز 15: 6).

يشير هنا إلى تحقيق وعد السيد المسيح بإرسال الروح القدس الذي يكمل عمل المسيح في قلوبنا. وكما يقول بولس الرسول: "لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة، بروحه في الإنسان الباطن: ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم..." (أف 3: 16).

سكب الآب الروح القدس من السماء ليشهد علنًا، ويشاهده الذين صلبوه. سكبه على التلاميذ الذين أغلقوا على أنفسهم الأبواب في رعبٍ وخوفٍ، لئلا يحل بهم ما حل بسيدهم. سكبه لكي يتحول خوفهم إلى شجاعة للشهادة للحق، ويتحول حزنهم إلى هتافٍ وتهليلٍ، وضعفهم إلى قوةٍ. يشهدوا بالروح القدس، ويسلموا الشهادة من جيلٍ إلى جيلٍ.

"لأن داود لم يصعد إلى السماوات، وهو نفسه يقول: قال الرب لربي اجلس عن يميني". [34]

ما نطق به داود النبي لم يكن يخصه شخصيًا، ولا تحقق معه، بل مع ابن داود.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن القديس بطرس لم يعد يتكلم بأسلوب متواضع بخصوص يسوع، بل يكشف عن شخصه بأنه هو وليس داود الذي صعد إلى السماوات، وأن الأمر ليس بعجيبٍ، لأنه رب داود، إذ قال: "قال الرب لربي".

- إذ هو نفسه أولاً صعد إلى السماء، أحضر الإنسان كعطية لله.

القديس هيبوليتس

"حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك". [35]

لقد عرض الرسول أعمال السيد المسيح والبركات التي قدمها وشهادة الأنبياء له، والآن إن لم يقبلوه خلال الحب، فليلتزموا أن يخضعوا له خلال الخوف، لئلا يسقطوا كأعداءٍ تحت قدميه.

- لا ينجذب البشر بالمنافع بالقدر الذي به يتأدبون خلال الخوف.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فليعلم يقينًا جميع بيت إسرائيل، أن اللَّه جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم، ربًا ومسيحًا". [36]

يقول الذهبي الفم أن القديس بطرس يتحدث بلغة اليقين إلى جميع بيت إسرائيل أنهم ملتزمون بقبول من صلبوه ربًا ومسيحًا.

ما كان يشغل ذهن اليهود هو التمتع بمجيء المسيا، وقد أكد لهم الرسول أنه قد جاء، وعلامات صدق مجيئه هي الآتي:

- قيامته من الأموات بشهادة الكثيرين.

- صعوده إلى السماء.

- جلوسه عن يمين الآب في العظمة.

- بعثه الروح القدس تحقيقًا للنبوات، وهو أول ثمر لمجده بعد الصعود.

- سقوط عدو الخير تحت قدميه، هذا الذي فقد بالصليب سلطانه.

تدرج الرسول بهم خلال شهادة المزامير حتى بلغ بهم إلى نبوة داود النبي عن صعود السيد المسيح وجلوسه عن يمين الآب، وأنه رب داود. وكما يقول الرسول بولس: "لذلك رفعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبةٍ ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسانٍ أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" (في 2: 9-11).

الذين أرادوا أن يهبطوا به إلى الهاوية بالصليب نزلوا هم إليها، فحمل مؤمنيه معه إلى السماء، وصار أعداؤه تحت قدميه وأقدام مؤمنيه. لقد أُعلنت ربوبيته وانحنى الكل له، وانسحق إبليس وكل جنوده تحت قدميه.

في بساطة مع عمقٍ لاهوتيٍ، انطلق بهم القديس بطرس خلال النبوات للتعرف على سرّ الخلاص وادراك عمل الصليب، والتلامس مع قيامة السيد المسيح، وصعوده إلى السماء، وجلوسه عن يمين الآب، ليدركوا الخاتمة أن الله أعلن أن الذي صلبوه هو الرب المسيح المخلص. وكأنه يختم حديثه عن السيد المسيح طالبًا من صاليه أن يخلعوا عنهم إنسانهم العتيق، ويلتصقوا بالمصلوب واهب النصرة ومصدر الفرح والسلام السماوي.

- من جانبنا نقول بأنه ليس صحيحًا أن تشير كلمة "جعل" إلى الطبيعة الإلهية، إنما تشير إلى "شكل العبد" (في 2: 7) الذي وُجد خلال التجسد، في الوقت المناسب لظهوره في الجسد.

القديس غريغوريوس النيسي

استخدم كل من أريوس وأونوميوس هذه العبارة بكونها تخص جوهر الابن أنه من صنع الآب كخليقة، وأنه قد أقامه ربًا ومسيحًا، ورد القديس أثناسيوس الرسولي على أريوس، والقديس باسيليوس على أونوميوس، وقد أورد القديس غريغوريوس النيسي هذا الرد في عمله "ضد أونوميوس" في الكتاب الخامس.

- على أي الأحوال يكتب باسيليوس الكبير معبرًا هكذا: "علاوة على هذا فإنه ليس في نية الرسول أن يقدم لنا وجود الابن الوحيد الذي هو قبل الدهور، وإنما يتحدث بوضوح لا عن جوهر الله الكلمة ذاته الذي هو من البدء مع الآب، وإنما عن ذاك الذي أخلى ذاته وأخذ شكل العبد، وصار في الهيئة مطابقًا جسد تواضعنا (في 3: 31)، وصُلب عن ضعف. مرة أخرى يقول: "معروف لكل شخص حتى الذي على مستوى أقل في استخدام عقله في معاني كلمات الرسول أنه لا يضع أمامنا الوجود الإلهي، بل يستخدم تعبيرات تخص التجسد، إذ يقول: "جعله الله ربًا ومسيحًا"، يسوع هذا الذي صلبتموه، مركزًا على الكلمة التي تثبت أنه بشري ويراه الكل.

القديس غريغوريوس النيسي




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ9 PDF Print Email
٥. جاذبية الروح القدس

"فلما سمعوا نُخِسوا في قلوبهم، وقالوا لبطرس ولسائر الرسل:ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟" [37]

لم يدخل معه الحاضرون في حوارٍ ونقاشٍ، لأن الروح القدس الذي أعطى القديس بطرس الكلمة هو أيضًا عمل في قلوب السامعين، فخشوا السقوط تحت الدينونة ومقاومة الحق الإلهي.

نخس الروح القدس نفوس السامعين ليسألوا ماذا يفعلون. وقد جاءت الكلمة اليونانية التي ترجمت "نُخسوا" هي ذاتها ترجمت "طعن" عندما طعن واحد من العسكر جنب السيد المسيح بحربةٍ (يو 19: 34). فإن كان الأشرار قد طعنوه بالحربة ليضربوا قلبه بجرحٍ مميتٍ، يلقي السيد المسيح بحربة روحه القدوس، ليجرح قلوبهم ويبكتها، فيحملوا جراحات الحب الشافية خلال التوبة الصادقة.

إن كان الروح القدس هو الذي نطق على فم بطرس الرسول، فإنه هو عينه الذي نخس قلوب بعض السامعين ليتجاوبوا مع الكلمة. لقد اصطاد الروح القدس في أول عظة ألقيت في كنيسة العهد الجديد حوالي ثلاثة آلاف نفس دفعة واحدة.

- أترون أية عظمة للطف؟ فإنه ينخس قلوبنا أكثر من أي عنف، ويسبب جرحًا عارمًا... إنه بلطفٍ يذكرهم باعتداءاتهم التي ارتكبوها دون تعليق من جانبه، مضيفًا إلى هذا عطية الله، واستمر يتحدث عن النعمة التي حملت شهادة للحدث. هكذا وقفوا في رهبةٍ من لطف بطرس، إذ كان يحدث أناسًا صلبوا سيده وينفثون إجرامًا من نحو بطرس وزملائه، مع هذا يتحدث بصفته أبًا حنونًا وليس كمعلمٍ. إنهم لم يقتنعوا فقط، وإنما دانوا أنفسهم، وأدركوا تصرفهم في الماضي. إنه لم يعطهم مكانًا أن يثور غضبهم مما يجعل حكمهم مظلمًا، وإنما بكل تواضعٍ بدد غشاوة سخطهم وظلمته، وبعد هذا أظهر لهم اعتداءهم الجريء الذي ارتكبوه. فعندما نقول أننا قد أُضرنا يسعى الطرف المضاد أن يبرهن أنهم ليسوا علة الضرر، ولكن عندما نقول أنه لم يصبنا ضرر بل نحن مخطئون، يأخذ الطرف الآخر الخط المضاد. فإن أردتم أن تظهروا لعدوكم خطأه احذروا من اتهامه، بل بالأحرى دافعوا عنه، عندئذ حتمًا سيدرك أنه مذنب، فإنه يوجد في الإنسان روح طبيعي لأخذ الموقف المضاد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ليتعلّموا أن اللوغوس هو ابن اللََّه، كما قيل فيما سبق، وأنه غير مخلوقٍ، ولا ينبغي أن ينسبوا مثل هذه الألفاظ إلى أهميّته، بل عليهم أن يفتّشوا لماذا وكيف كُتبت هذه الأقوال. ومّما لا شك فيه أن تدبير التجسّد الذي صنعه لأجلنا سيجيب على الذين يتساءلون، لأنه عندما قال بطرس: "جعله ربًا ومسيحًا"، أضاف في الحال: "هذا الذي صلبتموه أنتم" [36]، مما جعل الأمر واضحًا للجميع... إن كلمة "جعل" ليست عن جوهر الكلمة - بل عن ناسوته. لأن ما هو الذي صُلب سوى الجسد؟... "جعله ربًا"، وليس هذا فحسب، بل "جعله ربًا لكم"، و"فيما بينكم". هذا هو ما يعنيه بقوله "تبرهن" [22]... أي أثبت أنه ليس إنسانًا عاديَّا، بل هو اللََّه في الجسد، وأنه هو الرب، وهو المسيح... جعله الآب ربًا وملكًا في وسطنا، ولنا، نحن الذين كنّا قبلاً عصاة. فمن الواضح أن هذا الذي يظهر الآن أنه رب وملك، لم يبتدئ أن يصير عندئذٍ ملكًا وربًا، بل ابتدأ يظهر ربوبيّته، وأن تمتد ربوبيّته حتى على الذين يعصونه.

- الكلمة نفسه وهو بالطبيعة الرب الكلمة قد جُعل إنسانًا، ومن خلال صورة العبد صار رب الجميع ومسيحًا، أي لكي يقدّس الجميع بالروح.

البابا أثناسيوس الرسولي

- لم يقتلوه هو بقدر ما قتلوا أنفسهم. لقد خلصوا بواسطة ذاك الذي ذُبح من أجلهم. ولما تحدّث الرسول نُخسوا في ضميرهم، الذي نخس (السيّد) بالحربة. وإذ نُخسوا طلبوا مشورة فأعطيت لهم، أن يتوبوا ويجدوا نعمة، ويؤمنوا أن يتناولوا الدم الذي سفكوه في ثورتهم.

القديس أغسطينوس

"فقال لهم بطرس: توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس". [38]

- أرسل بطرس الشعب اليهودي التائب عن عمله الشرير لكي يعتمدوا في الحال.

القديس جيروم

- من ييأس من نوال غفران خطاياه إن كانت جريمة قتل المسيح قد غُفرت بالنسبة لمرتكبيها؟... لقد جاءوا إلى مائدة الرب، وبالإيمان شربوا الدم الذي في هياجهم سفكوه.

القديس أغسطينوس

- أية خطية أعظم من أن يصلب الإنسان المسيح؟! ومع هذا فالعماد يغسلها.

- يا لعظمة النعمة التي كانت تعمل في جميع الرسل معًا حتى آمن من اليهود صالبي المسيح هذا العدد العظيم، واعتمدوا باسم المسيح، و"كانوا يواظبون على تعليم الرسل والصلوات" (أع 2: 14).

القديس كيرلس الأورشليمي

من لم يسمع للقديس يوحنا المعمدان حيث نادى بالتوبة (مت 3: 1-2)، ولا تجاوب مع كرازة ربنا يسوع الذي نادى أيضًا بالتوبة (مت 4: 17)، يمكنه أن يبدأ الآن خلال عمل الروح القدس، فيقدم توبة أو ميتانويا (ميطانيا) وتعني تغيير القلب والفكر والإرادة، وإعادة النظر إلى حياة الإنسان الداخلية وسلوكه الظاهر. هي إعطاء الوجه لله عوض القفا (إر 7: 24؛ 32: 33)، وإعطاء القفا للخطية عوض الوجه.

التوبة هي اكتشاف حب الله الفائق، وكما قيل للمرأة الخاطئة: "لأنها أحبت كثيرًا مغفورة لها خطاياها الكثيرة". يجد الخاطي في حب الله مصدر المغفرة والتعزية والفرح الفائق.

يشير العلامة أوريجينوس إلى المعمودية التي تُقدم حتى للأطفال الصغار "لمغفرة الخطايا" متسائلاً: [خطايا من هذه؟ متى ارتكبوا خطايا؟ أو كيف يمكن شرح غسل المعمودية الذي يحدث حتى مع الأطفال الصغار، إلا حسب شرحنا للأطفال الصغار الذي نتكلم عنه؟ فإنه ليس إنسان بلا غضنٍ، ولو كانت حياته يومًا واحدًا (أي 14: 4- 5). فإنه بسرّ المعمودية يُنزع كل غضن. ولهذا فإنه حتى الأطفال يعمدون، لأنه "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت السماوات". (يو 3: 5).]

إذ يعطون الوجه لله بالتوبة يقبلون العماد لنوال البنوة لله. تُغفر لهم خطاياهم ويتمتعون بعطية الروح القدس الذي يسكن في داخلهم.

يمكننا القول بأن التوبة هي قارب النجاة الذي يُقدم نعمة الله للمسافر بعد أن انكسرت السفينة ودمرتها أمواج الخطية وزوابع العصيان. يلزمه أن يلقي بنفسه في هذا القارب. أما العماد فهو التقاء المسافر في حضن أبيه، ودخوله كما إلى مسكنه الأبدي، فيجد راحته في بنوته للآب، وشركته مع الابن الوحيد الجنس، وفرحه بعمل روح الله الساكن فيه. بالتوبة يُقدم الدواء للشفاء من جراحات الخطية، وبالعماد ترتد للإنسان كرامته ليصير بالحق أيقونة المسيح حامل برّه، له حق الشركة في المجد الأبدي.

- لم يقل بعد "آمنوا"، بل "ليعتمد كل واحد منكم"، فهذا يتقبلونه في المعمودية. تحدث بعد ذلك على المنافع: "لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس". إن كنتم تقبلون العطية، فالمعمودية تهب المغفرة، لماذا تتأخرون؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

غسل خطايانا وتجديدنا لا يعني موت الجسد بل موت الشهوات الجسدية أو الإنسان القديم بأعماله، أما الجسد فصالح ومقدس.

- أريد أن يموت هذا الجسد عن الخطيئة. لست أسأل أن يموت الجسد بل ألا يخطئ مرة أخرى. وكما أن الميت يكون جثمانه فوق إمكانية الخطيئة، هكذا الذي يصعد من مياه المعمودية يخلص من الخطيئة. فإن كنتَ قد متَّ في هذه المياه يلزمك أن تبقى ميتًا عن الخطيئة.

- يليق بمن يتوب ألا يلتصق بعد بذات الخطايا التي تاب عنها. لهذا السبب نؤمر بأن نقول: "أجحدك أيها الشيطان" حتى لا نعود بعد إليه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- المعمودية باب يردنا إلى الفردوس، فيها يدخل الإنسان إلى اللَّه ليكون معه.

المعمودية سفينة جديدة حاملة للأموات، بها يقومون ويعبرون إلى بلد الخالدين.

وُضعت المعمودية في العالم لأجل العالم الجديد، فيها يعبر الإنسان من عند الأموات إلى بلد الحياة...

- تعالوا أيها المدينون وادخلوا، خذوا صكِّكم مجّانا، فتُمحى ذنوبكم داخل المياه.

تعالوا أيها المساكين، واقتنوا الغنى بالعماد الروحي، وأقيموا الخزانة العظيمة عوض الفقر.

تعال أيها الخروف الضال الذي لسيد القطيع واعتمد، فبك يكمل العدد مائة.

تعال أيها الخاطئ المتعَب، والمنسحق، والمملوء جراحات، واقطع عنك ثقل الإثم بالمعمودية.

تعالوا أيها العميان المُظْلِِمون باختيارهم، اعتمدوا لتتفتح أعينكم، وتستضيئوا بابنة النهار.

تعالوا أيها الهالكون، لأن الراعي الصالح قد خرج وراءكم ليجمعكم عند الينبوع...

تعالوا، فإن طرق بيت اللَّه مفتوحة داخل المياه...

تعالوا أيها العتيقون الذين شاخوا وبلوا... اقتنوا تجديدًا في بطن المعمودية الجديد.

مار يعقوب السروجي

"لأن الموعد هو لكم ولأولادكم، ولكل الذين على بُعد، كل من يدعوه الرب إلهنا". [39]

هذا الموعد الذي تنبأ عنه يوئيل النبي متسع جدًا، يُقدم حتى "لكل الذين على بعد"، يُقدم لكل البشر. الوعد مُقدم لمن يدعوه الرب الذي هو محب للبشر؛ فمن جانب الرب الدعوة مقدمة للكل. بقي من جانب الإنسان أن يتجاوب مع الدعوة إذ "كل من يدعو باسم الرب ينجو، لأنه في جبل صهيون وفي أورشليم تكون نجاة، كما قال الرب وبين الباقين من يدعوه الرب" (يؤ 2: 32). " سلام، سلام للبعيد وللقريب، قال الرب، وسأشفيه" (إش 57: 19).

ما أسهل أن يهمل الإنسان في التمتع بحقوقه، لكن يصعب أن يقبل هذا بالنسبة لنسله. لهذا يؤكد الرسول: "الموعد هو لكم ولأولادكم". لهذا قيل: "اسكب روحي على نسلك، وبركتي على ذريتك" (إش ٤٤: ٣)، "روحي الذي عليك، وكلامي الذي وضعته في فمك، لا يزول من فمك، ولا من فم نسلك، ولا من فم نسل نسلك، قال الرب". (إش ٥٩: ٢١) (تك ١٧: ٧)

"وبأقوالٍ آخر كثيرة كان يشهد لهم ويعظهم قائلاً: اخلصوا من هذا الجيل الملتوي". [40]

ركز القديس بطرس في تكملة عظته التي لم يسجلها لنا لوقا البشير على خطية ذاك الجيل الذي يدعوه "الجيل الملتوي"، الذين سجلوا على أنفسهم: "دمه علينا وعلى أولادنا". (مت 27: 25) فإذ يقدمون توبة عما فعلوه بالمخلص يتمتعون بالغفران على خطاياهم، أو بالمصالحة مع غافر الخطايا. لقد صار الأمر في سلطانهم، فمن جانب الله قدم كل شيء؛ أعلن الآب حبه ببذل ابنه، ودفع الابن الثمن، وصار الروح القدس حالاً في الكنيسة، فما عليهم إلاَّ أن يقبلوا الروح القدس واهب كل شيء. إنه وقت للخلاص قبل دمارهم الأبدي، وحلول التأديب الإلهي بدمار الهيكل.

إنه يحذرهم من الانضمام إلى غير المؤمنين والأشرار. وكما قال المرتل: "انصرفوا عني أيها الأشرار فاحفظ وصايا إلهي... وكزغلٍ عزلت كل أشرار الأرض، لذلك أحببت شهاداتك". (مز ١١٩: ١١٥، ١١٩)

- أتوسل إليك أيها العزيز المحبوب، وارتمى عند قدميك متوسلاً أن تهبني وتهب نفسك هذه الصلاة الواحدة أن تخلص نفسك من الجيل الملتوي (أع 2: 40). انسحب أيها العزيز المحبوب من هرطقة أوريجينوس وكل الهرطقات.

القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس

"فقبلوا كلامه بفرح، واعتمدوا، وانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس". [41]

دعوة الرسول بطرس للتوبة دفعتهم لحياة الفرح، لأنهم قدموا توبة صادقة، وتمتعوا بما كان يشتهيه داود الملك والنبي: "رد لي بهجة خلاصك".

علامة عمل الروح القدس هو قبول الكلمة بفرحٍ، مما أهلهم للتوبة والاعتراف بخطاياهم ونوال المعمودية.

- من يحب بحقٍ أن يعيش بحسب الإنجيل، يهدم بداية حالته الشريرة ونهايتها، ويمارس كل فضيلة بالكلام والعمل. إنه يتحرر من كل مضايقات الشهوات، وإذ يتحرر عقله من هذا الصراع يمتلكه رجاء السعادة العتيدة، ولا يعرف شيئًا سوى الفرح الدائم الذي يغذي النفس.

القديس مرقس الناسك

يرى البعض أن انضمام الثلاثة آلاف نفس تحقق ليس فقط بخطاب الرسول بطرس وإنما بحديث بقية الرسل أيضًا، هذا بلغةٍ وذاك بلغةٍ أخرى، وكان محصلة الكرازة في خلال اليوم كله ٣٠٠٠ نسمة من كل أورشليم، لهذا قيل: "وانضم في ذلك اليوم"، ولم يقل "في تلك الساعة". لم يكن بالأمر الهين أن يترك ٣٠٠٠ نسمة في يومٍ واحد الخضوع لرؤساء الكهنة ومجمع السنهدرين ليعلنوا قبولهم يسوع المصلوب ربًا ومسيحًا.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ10 Print Email

٦. كنيسة روحية متهللة

"وكانوا يواظبون على تعليم الرسل، والشركة وكسر الخبز والصلوات". [42]

كلمة "يواظبون" في اليونانية تحمل معنى تكريس النفس وتقديمها، أو التفرغ لهذا العمل والالتصاق به.

"تعليم الرسل" يشمل الإيمان الحي بيسوع أنه الرب والمسيح مخلص العالم، هذا مع فهمٍ جديدِ وإدراكٍ لغاية العهد القديم، خاصة ما يحويه من نبوات مسيحيانية، وتعليم التقليد الكنسي الشفاهي الذي تسلموه من السيد المسيح خلال خدمته.

"الشركة" مارست الكنيسة الأولى الشركة من جوانب متعددة.

أولاً: شركة الحب العملي الباذل كالاهتمام بالفقراء والمحتاجين والمتألمين والمسجونين والغرباء والحزانى والمرضى.

ثانيًا: شركة في ولائم المحبة، حيث يشترك الكل معًا في الطعام بروح الفرح والمحبة.

ثالثًا: شركة في العبادة معًا كالصلاة والصوم الخ.

رابعًا: الشركة حول الإفخارستيا للتناول من جسد الرب ودمه.

خامسًا: شركة الروح وإدراك الوحدانية على مستوى الأعضاء المتنوعة للجسد الواحد، جسد المسيح المتناغم معًا.

- هنا فضيلتان: المثابرة (المواظبة) والتوافق معًا... كل شيء كان مشتركًا، كل شيء كان في اتحاد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- تصور دائرة تخرج من مركزها أشعة أو خطوط. فبقدر ما تبتعد الخطوط عن المركز بقدر ما تفترق عن بعضها البعض... وبالعكس كلما اقتربت من المركز، تقاربت نحو بعضها البعض.

افترض أن هذه الدائرة هي العالم، ومركز الدائرة هو اللّه. والخطوط من المركز إلى المحيط أو من المحيط إلى المركز هي طرق حياة البشر. فإننا نجد نفس الأمر، فبقدر ما يتحرك القديسون في داخل الدائرة تجاه المركز، راغبين في الاقتراب من اللّه، يقترب كل منهم نحو الآخر.

بقدر ما يقترب البشر نحو اللّه، يقترب كل منهم نحو بعضهم البعض. وبقدر ما يقتربون نحو بعضهم البعض يقتربون نحو اللّه...

وعندما يبتعدون عن اللّه ويتجهون نحو الأمور الخارجية... يبتعد كل منهم عن الآخر، وبالتالي يبتعدون عن اللّه (أكثر)...

هكذا في اقتنائنا للحب أيضًا، بقدر ما نكون خارجًا ولا نحب اللّه، يبتعد كل منا عن أخيه. ولكننا إن أحببنا اللّه، فإنه بقدر ما نقترب إليه نتحد بالحب باخوتنا، وبقدر ما نتحد بالحب باخوتنا هكذا نتحد باللّه.

الأب دوروثيؤس

- المحبة الكاملة هي أن يود الإنسان أن يقدم حياته من أجل كل البشر. لكن هل يبلغ الحب كل هذا العلو دفعة واحدة؟ لا، فإنه إذ يُولد يحتاج أن ينتعش، وإذ ينتعش يتقوى، وإذ يتقوى يصير كاملاً.

القديس أغسطينوس

"وكسر الخبز": التسمية البدائية لسرّ الإفخارستيا.

- لم يستطع الملاك أن يلمس الجمرة النارية بأصابعه، وإنما أحضرها قريبًا من فم إشعياء (إش 6). لم يمسكها الملاك، ولم يلتهمها إشعياء، أما فسمح لنا ربنا أن نفعل هذا وذاك (بتناولنا جسده ودمه المقدسين).

القديس أفرآم السرياني

- بالحقيقة يعطي المسيح حتى جسده، الذي به ينتعش الذين يؤمنون كأطفال صغار.

القديس هيبوليتس الروماني

"والصلوات": بدأوا بالشركة معًا في صلوات الهيكل بما تحتويها من مزامير وتسابيح وصلوات البركات الثمانية عشر حسب المواسم. بجانب هذا كانت لهم صلوات مشتركة معًا في البيوت. بلا شك لم يكن يشغلهم في صلواتهم سوى تقديم التسبيح والشكر لله الذي أشرق عليهم بالنور، واجتذبهم إلى حبه وإدراك أسراره، طالبين ذات العطية لكل نفسٍ بشريةٍ في العالم. لم يكن في أذهانهم شوق إلى مبانٍ كنسية ضخمة، ولا إلى طموحات معينة، سوى نشر الكلمة وبنيان كنيسة المسيح.

- لنخضع نحن أنفسنا للصلاة. إنها سلاح قدير إن قُدمت بغيرة، إن كانت بدون عجب، إن كانت بذهنٍ مخلصٍ. إنها تصد حروبًا، وتفيد الأمة كلها مع عدم استحقاقها. يقول: "سمعت أنينهم ونزلت لأنقذهم" [34]. إنها هي عينها دواء منقذ، له قوة لمنع الخطايا وشفاء الأفعال الشريرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لنجتمع معًا في جماعة تقدم صلاة متحدة معًا، ولنصارع معه في طلباتنا، هذا يبهج الله.

العلامة ترتليان

- إن كان لكم الابن نفسه، ابن اللَّه الوحيد، كمجد العماد، فلماذا أتكلم بعد عن إنسانٍ؟! حقًا كان يوحنا (المعمدان) عظيمًا، لكن ماذا يكون يوحنا بجانب الرب؟! أنه صوت صارخ، لكن ماذا يكون إن قورنت بالكلمة؟!

هذا الرسول نبيل جدًا، لكن ماذا يُحسب إن قورن بالملك؟!

نبيل هو هذا الذي عمد بماء، لكن ماذا يكون إن قورن بالذي يعمد بالروح القدس ونار؟! إذ عمد المخلص الرسل بالروح القدس ونار (مت 11:3)، عندما صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحدٍ منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس".

القديس كيرلس الأورشليمي

"وصار خوف في كل نفس، وكانت عجائب وآيات كثيرة تُجرى على أيدي الرسل". [43]

"وصار خوف في كل نفس": ملأ الروح القدس الكنيسة بروح المهابة، خاصة وأن كثيرين منهم كانوا قبلاً قد اشتركوا في صلب السيد المسيح أو قبلوا ذلك.

امتلأ الكل بمخافة الرب التي هي رأس الحكمة، وثمر الروح القدس، الذي قيل عنه: "يحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب" (إش ١١: ٢).

- خوف الرب يحث النفس على حفظ الوصايا، وعن طريق حفظ الوصايا يُشيد منزل النفس.

- إذًا ليتنا نخاف الرب ونُشيد منازل لأنفسنا، حتى نجد مأوى في الشتاء حيث المطر والرعد، لأن من لا منزل له يعاني من مخاطرٍ عظيمةِ في وقت الشتاء.

الأب دوروثيؤس

- إن أراد أحد أن ينال حب اللّه، فليكن فيه مخافة الرب، لأن الخوف يولِّد بكاء، والبكاء يولد قوة. وإذا ما كملت هذه كلها في النفس، تبدأ النفس تثمر في كل شيء. وإذ يرى اللّه في النفس هذه الثمار الحسنة، يشتمها رائحة بخور طيبة، ويفرح بها هو وملائكته، ويشبعها بالفرح، ويحفظها في كل طرقها حتى تصل إلى موضع راحتها دون أن يصيبها ضرر.

إذ يرى الشيطان الحارس العلوي العظيم يحيط بالنفس، يخاف أن يقترب منها أو يهاجمها بسبب هذه القوة العظيمة.

إذًا، اقتنوا هذه القوة حتى ترتعب الشياطين أمامكم، وتصير أعمالكم سهلة، وتتلذذوا بالعمل الإلهي، لأن حلاوة حب اللّه أشهي من العسل.

حقًا إن كثيرين من الرهبان والعذارى في المجامع لم يتذوقوا هذه الحلاوة الإلهية، ولم يقتنوا القوة الإلهية، ظانين أنهم قد نالوها، بالرغم من عدم جهادهم. أما من يجاهد لأجلها فينالها حتمًا خلال المراحم الإلهية، لأن اللّه لا يحابي الوجوه.

فمن يريد أن يكون له نور اللّه وقوته، يلزمه أن يستهين بكرامات هذا العالم ودنسه، ويبغض كل أمور العالم ولذة الجسد، وينقي قلبه من كل الأفكار الرديئة. ويقدم للّه أصوام ودموعًا ليلاً ونهارًا بلا هوادة كصلوات نقية، عندئذ يفيض اللّه عليه بتلك القوة.

اجتهدوا أن تنالوا هذه القوة، فتصنعوا كل أعمالكم بسهولة وُيسر، وتصير لكم دالة عظيمة قدام اللّه، ويهبكم كل ما تطلبونه.

القديس أنطونيوس الكبير

أخيرًا سند الروح القدس الرسل بإجراء عجائب وآيات كثيرة باسم ربنا يسوع.

"وجميع الذين آمنوا كانوا معًا، وكان عندهم كل شيءٍ مشتركًا". [44]

قبل أن يشير الإنجيلي لوقا عن الشركة في الممتلكات والاحتياجات تحدث عن شركة الروح والقلب والفكر، قائلاً: "كانوا معًا". من الجانب الجسماني لا يمكن القول بأن المائة وعشرين مضافًا إليهم الثلاثة آلاف نسمة قد صاروا معًا في حجرة واحدة أو بيتٍ واحدٍ يتحركون معًا طول اليوم، وإنما كانوا معًا بالروح والفكر والحب الحقيقي.

- فجأة صار الجميع ملائكة؛ واظب الكل على الصلاة والاستماع، متطلعين إلى الأمور الروحية أنها مشتركة، ليس لأحد شيء أكثر من الآخر. جاءوا بسرعة معًا إلى ما هو عام، حتى في العطاء للكل...

إنها دولة ملائكية، ليس فيهم من ينسب شيئًا إلى نفسه. لقد نُزع جذر الشر فورًا. ما فعلوه أظهروا ما قد سمعوه، هذا الذي قيل: "اخلصوا من هذا الجيل الملتوي" (أع 2: 40).

- وحدة عشرة أشخاص أتقياء يجعلون من الواحد عشرة. بالتبعية كل واحدٍ منهم يمكنه أن يعمل خلال عشرين يدًا ويرى خلال عشرين عينًا؛ وكل واحد ينال رعاية كما للعشرة، كما يهتم هو بنفسه. لهذا فإن الأعين والأيادي والأقدام التي للعشرة تخدم كل واحدٍ منهم. فلا يكتفي إنسان بأن يهتم بنفسه وحده، بل يهتم أيضًا بالآخرين. بهذا يستطيع الواحد أن يفعل أمورًا كثيرة لأنه يحمل طاقات العشرة. إذن متى وًجدت وحدة بين مائة شخص تقي، كل واحد يحمل طاقة مائة شخصٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"والأملاك والمقتنيات كانوا يبيعونها، ويقسمونها بين الجميع، كما يكون لكل واحدٍ احتياج". [45]

لم يُلزم الرسل المؤمنين بقانونٍ معين بخصوص العطاء، بل صار المؤمنون يعشقون الحب الباذل والعطاء بسخاء حبًا في الله. إذ وهبهم الروح القدس ما هو لله، نسوا ما هو لهم، وحسبوا كل ما بين أيديهم لا يساوي شيئًا مقابل اقتناء اللؤلؤة الكثيرة الثمن.

- لم يتصرفوا بطيشٍ مثل بعض الفلاسفة اليونانيين الذين منهم من تخلوا عن أراضيهم، ومنهم من ألقى أمواله في البحر بكميات هائلة، لكن هذا لا يعني استخفافًا بالثروات، وإنما هو غباوة وجنون. فإن الشيطان يسعى بأن يستهين الإنسان بخليقة الله، كما لو كان من المستحيل استخدام الثروات بطريقة صالحة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

قدمت الكنيسة بالحب، وليس بالأوامر والقوانين، مثلاً حيًا أمام العالم كيف يمكن خلال الشركة أن يشبع الكل ويفرحون ويتهللون، ولا يوجد بينهم من هو في احتياج.

- إطعام الجائعين أعظم من إقامة الموتى.

- تطلّع كم وهبك اللَّه، خذ منه احتياجك، وما تبقّى وأنت لا تحتاج إليه يحتاج إليه الغير.

- قدّم له الكرامة التي يطلبها بنفسه، بتقديم مالك للفقراء.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

"وكانوا كل يوم يواظبون في الهيكل بنفسٍ واحدةٍ، وإذ هم يكسرون الخبز في البيوت، كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب". [46]

بالحب افرغوا أنفسهم من كل اهتمامٍ مقلقٍ، وكرسوا قلوبهم وحياتهم للعبادة المشتركة والحياة المشتركة، فتحولت حياتهم كما إلى عرسٍ دائمٍ، صاروا فرحين مبتهجين حتى أثناء تناولهم الطعام معًا.

- تذكر يا عزيزي أننا لن نكف عن الصلاة حتى نرى اليوم الذي نصير فيه جميعنا واحدًا، غير منقسمين في الفكر، وفي المجمع الواحد. حقا إننا نكون غرباء عن الله إن كنا نفرح بالانشقاقات والانقسامات التي تهدد الكنيسة.

القديس باسيليوس الكبير

- لاحظوا يا إخوة واعرفوا ما هو سرً الثالوث، كيف يقال يوجد الآب والابن والروح القدس، ومع هذا فالله واحد. انظروا كان يوجد ألوف (من المؤمنين) ولكنه يوجد قلب واحد، يوجد ألوف ونفس واحدة... ليقتربوا إلى الله، فيصير الكل نفسًا. إن كان بالاقتراب إلى الله القدوس تصير النفوس الكثيرة بالحب نفسًا واحدة، وتصير القلوب الكثيرة قلبًا واحدًا، فماذا يكون ينبوع الحب في الآب والابن؟

القديس أغسطينوس

لم يفارقوا الهيكل، ولا حملوا روح العداوة لليهود، لكنهم دون شك لم يشتركوا في تقديم ذبائح حيوانية، وقد بقوا هكذا حتى طردوهم ومنعوهم من دخوله والشركة في العبادة معهم.

بقوله: "في البيوت" واضح أن كل جماعة تتحدث بلغةٍ معينةٍ كانت تجتمع معًا مع رسولٍ أو أكثر ممن وُهب لهم عطية التكلم بهذه اللغة، ليمارسوا العبادة بلغتهم المفهومة بالروح والعقل معًا.

- لقد طرحوا ثرواتهم وفرحوا، وصارت لهم بهجة عظيمة، إذ نالوا غنى أعظم بدون تعبٍ. ليس من يوبخ، ولا من يحسد، ولا من يتذمر؛ ليس من كبرياءٍ ولا احتقار للغير بينهم. حسبوا أنفسهم كأطفالٍ تحت التعليم، كأطفالٍ حديثي الولادة، هكذا كانت نزعتهم.

- لم يعرف الفقراء العار، ولا الأغنياء التباهي؛ وهذه هي البهجة. يشعر الآخرون أنهم الفريق الملتزم السعيد (بالعطاء)، والأولون شعروا بأنهم مُكرمون هنا، وقد التصقوا تمامًا معًا.

- لم يعد يُوجد خوف في أحدٍ مع أنهم كانوا في وسط المخاطر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"بساطة قلب": للآسف تشوهت صورة البساطة، وصار كثيرون يحسبونها جهالة أو عدم حكمة أو توقف عن التفكير الجاد، مع أن الله نفسه يُوصف بأنه بسيط. فبساطة القلب هي شركة في إحدى سمات الله نفسه، حيث لا يوجد في القلب طريقان مختلطان مع بعضهما البعض، بل طريق واحد مستقيم بلا اعوجاج ولا امتزاج بطريقٍ آخر. وقد قدم لنا القديس فيلوكسينوس فصلاً رائعًا عن "البساطة" سبق لنا نشره.

- مكتوب: "مطوبة هي كل نفس بسيطة" (أم 11: 25) مرة أخرى: "من يسلك بالبساطة يمشي في آمان" (أم 10: 9). تقول: "حقًا، لكن التعقل أيضًا مطلوب". أسألك: ما هي البساطة سوى التعقل؟ فحينما لا تشتبه في شر لا تستطيع أن تختلق شرًا، وحينما لا تساورك قلاقل لا تقدر أن تتذكر المضرات. هل شتمك أحد؟ إنك لم تتألم. هل سبَّك أحد؟ لم يصبك أي ضرر. هل حسدك أحد؟ لازال لم يصبك ضرر ما. البساطة هي الطريق العلوي للفلسفة الحقيقية. ليس من جمالٍ للنفس مثل تلك التي للبسيط... من له هذه السمة يمكنه بسهولة أن يقيم له صديقًا، وإذا حدث اختلاف بينهما بسهولة يمكنه التصالح. لا يحتاج مثل هذا إلى حرس ولا إلي قوات مخفر أمامية، ولا يحتاج إلى قيود وأغلال، إنما حريته عظيمة وحرية من يلتصقوا به، ربما تقول: ما هو موقف مثل هذا إن سقط بين أناس أشرار؟ الله الذي أمرنا أن نكون بسطاء في الذهن يبسط يده. من كل بريئًا أكثر من داود؟ ومن كان أشر من شاول؟ ومع هذا من الذي غلب؟ أيضًا في أمر يوسف، ألم يقترب إلى زوجة سيده فى بساطة هذه التي استخدمت معه فنون الشر؟ نعم، أسألك ما الذي أصابه ضرر؟ علاوة على هذا من كل أكثر بساطة من هابيل؟ ومن كان أكثر دهاء من قايين؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لقد أعطانا ربنا مبدأ سهلاً في بشارته، ألا وهو الإيمان الحق البسيط. فالبساطة ليست هي المعروفة في العالم بالبلادة والخرافة، بل هي فكر وحيد بسيط، يسمع ولا يفحص، ويقبل ولا يبحث... دُعي إبراهيم وخرج تابعًا الله وما فحص صوت المنادي له، ولم يعقبه الأقارب ولا الأصدقاء ولا المقتنيات ولا أي شيء من رباطات البشرية. أنظر الآن، وليكن خروجك مثله، ولا تتأخر عن صوت المسيح الذي دعاك ببشارته قائلاً: "من يريد أن يكون لي تلميذًا، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني" (لو ٩: ٢٣). وقد أظهر هذه الدعوة لجميع الناس، وهكذا دُعى الرسل فتركوا شباكهم وتبعوه (مر ١: ١٨)، وإذ لم يكن لهم من متعلقات ثقل محبة العالم انصاعوا لصوت الذي دعاهم.

- افرح بالبساطة لتجعلك محبوبًا عند الله والناس. وإن ظننت أن الناس يستهزئون بك، ويحسبونك جاهلاً أبلهًا بلا عقل أو إفراز، فليكن معلومًا عندك أنه ليس صلاح بلا عثرة. فإن كنت تهرب من معوقات الخير فلا يمكنك أبدًا أن تقتني فضيلة.

مار فيلوكسينوس

- الذين كانوا مرتعبين وخائفين وثبوا بعد أن نالوا الروح القدس في وسط المخاطر، وجردوا أنفسهم للمعركة ضد وحوش جديدة نارية متوحشة... وإذ كانوا أميين جهلة دخلوا في مباحثات بكل جرأة أدهشت السامعين لهم. فالروح جعل منهم رجالاً جددًا من أناسٍ من الطين، ووهبهم أجنحة، وسمح لهم ألا يهزمهم شيء بشري.

هكذا هي تلك النعمة، إن وجدت قنوطًا تبدده، وإن وجدت شهوات شريرة تحطمها، وان وجدت جبنًا تطرده خارجًا، ولا تسمح لشخصٍ يشترك فيها أن يصير بعد ذلك إنسانًا مجردًا، وإنما كمن تنقله إلى السماء نفسها وتجعله أن يتشبه بكل ما هو هناك. بهذا لا يقول أحد بأن أي شيء مما يملكه أنه له، بل يستمرون في الصلاة والتسبيح ووحدانية القلب. فإن هذا هو ما يطلبه الروح القدس بالأكثر. فإن ثمر الروح هو فرح، سلام، إيمان، وداعة (غل 5: 22- 23).

القديس يوحنا الذهبي الفم

٧. كنيسة ولود

"مسبّحين اللَّه، ولهم نعمة لدى جميع الشعب، وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون". [47]

كانوا كنيسة متهللة دائمة التسبيح بسبب ما تمتع به جميع الشعب من نعمة إلهية. كان الشعب في حالة شبع روحي يفيض فرحًا على كل نفس في الداخل وعلى كل وجه. تهتم الكنيسة بالتسبيح، لأنه عمل ملائكي، وهو العمل الوحيد الذي لن يتوقف بخروجنا من هذا العالم. التسبيح سند للمؤمن وسط وادي هذا الدموع، يبتلع كل ضيق أو حزن أو مرارة، ليحيا المؤمن كما في وليمة سماوية دائمة.

أما النعمة التي يتمتع بها الشعب جميعه فهي نعمة الثالوث القدوس العامل بلا توقف في حياتهم. وقد سبق لنا تقديم ملحق للإصحاح الأول من إنجيل يوحنا عن "نعمة فوق نعمة" يمكن الرجوع إليه.

أما ثمرة الحياة المتهللة بالرب الدائمة التسبيح فهي: "وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون". هذا هو عمل النعمة الإلهية في حياة الشعب المتهلل بالروح الدائم التسبيح. ‍




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ11 PDF Print Email

من وحي أعمال الرسل ٢

لأنطق باللسان الناري!

- مع نسمات الريح الهادئة صعدت يا مخلصي إلى السماء!

ارتجت السماء كلها بالبهجة والتهليل،

فقد دخل ابن الإنسان يحمل البشرية فيه إلى العرش الإلهي.

- أرسلت روحك إلى أرضنا مثل ألسنة نارية!

لكي تهتز أعماقي بصوتٍ كما من هبوب ريحٍ عاصفٍ.

حقًا وهبتني روحك القدوس الناري ساكنًا فيَّ.

- روحك الناري يحولني إلى خادمٍ ناريٍ.

حتى صمتي وسكوني الداخلي ينطق كما بلسانٍ ناري،

لسان الحب الفائق الذي يجتذب الكثيرين إليك!

- أنت تعلم إني أميّ، عاجز عن النطق بالإلهيات.

روحك الساكن فيّ،

يتكلم بي في قلوب الكثيرين.

هو وحده يعرف لغة كل إنسانٍ وفكره وأحاسيسه وعلله.

هو وحده يتكلم مع كل بشرٍ بثقافته الداخلية.

- روحك يشبع احتياجات الكل.

يسكب فرحًا وتعزية في قلوب الحزانى والمتألمين.

يملأ النفس ويشبعها،

فلا تكون في عوزٍ.

يشرق في داخلها،

فتتبدد مملكة الظلمة،

يتسلم عجلة قيادتها،

فلا يقدر عدو أن يقتحمها.

يرفعها إلى السماء،

فلا يقدر العالم أن يهبط بها.

حقًا إنه يهبني لسانًا ناريًا واهب النور،

فيجتذب الكثيرين!

 مع بطرس أجبن أن أشهد لك أمام جارية -

لكن بروحك تقتنص بي الألوف،

ليصيروا أعضاء في جسدك.

1 و لما حضر يوم الخمسين كان الجميع معا بنفس واحدة
2 و صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة و ملا كل البيت حيث كانوا جالسين
3 و ظهرت لهم السنة منقسمة كانها من نار و استقرت على كل واحد منهم
4 و امتلا الجميع من الروح القدس و ابتداوا يتكلمون بالسنة اخرى كما اعطاهم الروح ان ينطقوا
5 و كان يهود رجال اتقياء من كل امة تحت السماء ساكنين في اورشليم
6 فلما صار هذا الصوت اجتمع الجمهور و تحيروا لان كل واحد كان يسمعهم يتكلمون بلغته
7 فبهت الجميع و تعجبوا قائلين بعضهم لبعض اترى ليس جميع هؤلاء المتكلمين جليليين
8 فكيف نسمع نحن كل واحد منا لغته التي ولد فيها
9 فرتيون و ماديون و عيلاميون و الساكنون ما بين النهرين و اليهودية و كبدوكية و بنتس و اسيا
10 و فريجية و بمفيلية و مصر و نواحي ليبية التي نحو القيروان و الرومانيون المستوطنون يهود و دخلاء
11 كريتيون و عرب نسمعهم يتكلمون بالسنتنا بعظائم الله
12 فتحير الجميع و ارتابوا قائلين بعضهم لبعض ما عسى ان يكون هذا
13 و كان اخرون يستهزئون قائلين انهم قد امتلاوا سلافة
14 فوقف بطرس مع الاحد عشر و رفع صوته و قال لهم ايها الرجال اليهود و الساكنون في اورشليم اجمعون ليكن هذا معلوما عندكم و اصغوا الى كلامي
15 لان هؤلاء ليسوا سكارى كما انتم تظنون لانها الساعة الثالثة من النهار
16 بل هذا ما قيل بيوئيل النبي
17 يقول الله و يكون في الايام الاخيرة اني اسكب من روحي على كل بشر فيتنبا بنوكم و بناتكم و يرى شبابكم رؤى و يحلم شيوخكم احلاما
18 و على عبيدي ايضا و امائي اسكب من روحي في تلك الايام فيتنباون
19 و اعطي عجائب في السماء من فوق و ايات على الارض من اسفل دما و نارا و بخار دخان
20 تتحول الشمس الى ظلمة و القمر الى دم قبل ان يجيء يوم الرب العظيم الشهير
21 و يكون كل من يدعو باسم الرب يخلص
22 ايها الرجال الاسرائيليون اسمعوا هذه الاقوال يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات و عجائب و ايات صنعها الله بيده في وسطكم كما انتم ايضا تعلمون
23 هذا اخذتموه مسلما بمشورة الله المحتومة و علمه السابق و بايدي اثمة صلبتموه و قتلتموه
24 الذي اقامه الله ناقضا اوجاع الموت اذ لم يكن ممكنا ان يمسك منه
25 لان داود يقول فيه كنت ارى الرب امامي في كل حين انه عن يميني لكي لا اتزعزع
26 لذلك سر قلبي و تهلل لساني حتى جسدي ايضا سيسكن على رجاء
27 لانك لن تترك نفسي في الهاوية و لا تدع قدوسك يرى فسادا
28 عرفتني سبل الحياة و ستملاني سرورا مع وجهك
29 ايها الرجال الاخوة يسوغ ان يقال لكم جهارا عن رئيس الاباء داود انه مات و دفن و قبره عندنا حتى هذا اليوم
30 فاذ كان نبيا و علم ان الله حلف له بقسم انه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه
31 سبق فراى و تكلم عن قيامة المسيح انه لم تترك نفسه في الهاوية و لا راى جسده فسادا
32 فيسوع هذا اقامه الله و نحن جميعا شهود لذلك
33 و اذ ارتفع بيمين الله و اخذ موعد الروح القدس من الاب سكب هذا الذي انتم الان تبصرونه و تسمعونه
34 لان داود لم يصعد الى السماوات و هو نفسه يقول قال الرب لربي اجلس عن يميني
35 حتى اضع اعداءك موطئا لقدميك
36 فليعلم يقينا جميع بيت اسرائيل ان الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه انتم ربا و مسيحا
37 فلما سمعوا نخسوا في قلوبهم و قالوا لبطرس و لسائر الرسل ماذا نصنع ايها الرجال الاخوة
38 فقال لهم بطرس توبوا و ليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس
39 لان الموعد هو لكم و لاولادكم و لكل الذين على بعد كل من يدعوه الرب الهنا
40 و باقوال اخر كثيرة كان يشهد لهم و يعظهم قائلا اخلصوا من هذا الجيل الملتوي
41 فقبلوا كلامه بفرح و اعتمدوا و انضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة الاف نفس
42 و كانوا يواظبون على تعليم الرسل و الشركة و كسر الخبز و الصلوات
43 و صار خوف في كل نفس و كانت عجائب و ايات كثيرة تجرى على ايدي الرسل
44 و جميع الذين امنوا كانوا معا و كان عندهم كل شيء مشتركا
45 و الاملاك و المقتنيات كانوا يبيعونها و يقسمونها بين الجميع كما يكون لكل واحد احتياج
46 و كانوا كل يوم يواظبون في الهيكل بنفس واحدة و اذ هم يكسرون الخبز في البيوت كانوا يتناولون الطعام بابتهاج و بساطة قلب
47 مسبحين الله و لهم نعمة لدى جميع الشعب و كان الرب كل يوم يضم الى الكنيسة الذين يخلصون




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

شفاء كسيح


كنز الكنيسة: اسم يسوع المسيح

في الاصحاحين السابقين رأينا كيف أعد السيد المسيح الكنيسة لكي تنطلق للعمل لحساب ملكوت الله. ففي الأصحاح الأول أوضح أن رأسها سماوي (الصعود) فيليق بها أن تكون سماوية، وفي الأصحاح الثاني رأينا قائدها هو الروح القدس الناري لكي تلتهب بالحب الناري. الآن يبدأ العمل في أورشليم كوصية السيد المسيح، فيقدم لنا القديس لوقا حقيقة إنجيلية هامة وهي أن كنز الكنيسة هو اسم يسوع المسيح.

1. شفاء الأعرج باسم يسوع الناصري 1-10.

2. حديث عن الإيمان باسم يسوع 11-16.

3. شهادة كل الأنبياء ليسوع 17-26.

1. شفاء الأعرج باسم يسوع الناصري


"كانت عجائب وآيات كثيرة تُجرى على أيدي الرسل" (أع ٢: ٤٣). لم تتم العجائب والمعجزات بطريقة عشوائية، ولا لاستعراض إمكانيات الرسل، وإنما كانت هادفة نحو جذب كل نفسٍ للتمتع بأعظم أعجوبة؛ حب الله الفائق المُعلن على الصليب. ولم يسرد لنا سفر الأعمال إلاَّ أمثلة قليلة هادفة عبر كل الأجيال ليدرك الكل إمكانيات كنيسة الله لملكوت إلهي على الأرض.

"وصعد بطرس ويوحنا معًا إلى الهيكل، في ساعة الصلاة التاسعة". [1]

كان القديسون بطرس ويعقوب ويوحنا، الجماعة المختارة من الرسل لمرافقة السيد المسيح في كثير من الأحداث، يُحسبون أعمدة (غل 2: 9). وحدهم رافقوا السيد المسيح في تجليه (مر 9: 20)، وكانوا أقرب من غيرهم في بستان جثسيماني (مر 14: 33).

مع اختلاف طبع القديس بطرس عن القديس يوحنا لكنهما ارتبطا بعلاقة صداقة عجيبة. كان الأول يتسم بالغيرة والاندفاع، والثاني بالهدوء والحب. أنكر الأول السيد المسيح ثلاث مرات أثناء محاكمته، بينما رافق الثاني السيد حتى الصليب. ومع هذا نجد السيد يختارهما كرفيقين يُعدان له الفصح (لو 22: 8). هذا وواضح من سفر الأعمال أن التصاقهما ببعضهما البعض تزايد بالأكثر بعد قيامة السيد المسيح وصعوده إلى السماء. وكانا عضوي البعثة التي بعثها الرسل لتسليم أهل السامرة الإيمان والعماد (أع 8: 14). وكانا في صحبة عند زيارتهما لقبر السيد المسيح (يو 20: 2).

كان لكل من القديسين بطرس ويوحنا أخ من بين التلاميذ، ومع هذا فإن ارتباطهما معًا أقوى بكثير من ارتباط كل منهما بأخيه حسب الجسد. هكذا كثيرًا ما تكون الصداقة في المسيح يسوع وفي العمل الروحي أقوى من الرباط الدموي.

- لا يوجد علاج مؤثر لشفاء الأوجاع مثل الصديق الصادق الذي يعزيك في ضيقاتك.

- بحق ليكن لك صديق يُدعى "نصف نفسي".

- لا توجد صداقة حقيقيّة ما لم تجعلها كوصلة تلحم النفوس، فتلتصق معًا بالحب المنسكب في قلوبنا بالروح القدس.

القدّيس أغسطينوس

- بين هذه الأنواع جميعها يوجد نوع واحد من الحب لا ينحل، حيث يقوم فيه الاتحاد لا على التعارف أو بغية نوال شفقة أو ربح أو بسبب نوع من العلاقات التجارية أو بحكم ضرورة الطبيعة، إنما ببساطة لأجل التشابه في الفضيلة. هذا الحب، أقول، لا تهزه الظروف، ولا يؤثر فيه أو يفسده عامل الزمن أو المكان، بل ولا يقدر الموت أن ينزعه. هذا هو الحب الحقيقي الذي لا ينكسر، والذي لا تنفصم رباطاته بسبب اختلاف الميول أو أي اضطراب من جهة الرغبات المتضاربة.

الأب يوسف

"وصعد بطرس ويوحنا معًا إلى الهيكل"، فقد كان بناء الهيكل مرتفعًا قليلاً عن بقية المدينة، لذلك قيل: "صعد". قد سبق فرأينا التزام التلاميذ والرسل بالعبادة بانتظام في الهيكل (أع ٢: ٤٦).

"في ساعة الصلاة التاسعة": كان اليهود يمارسون ثلاثة سواعي للصلاة: الثالثة والسادسة والتاسعة. يقول داود النبي: "مساءً وصباحًا وظهرًا أشكو وأنوح، فيسمع صوتي" (مز ٥٥: ١٧). وقد التزم دانيال بهذا في أرض السبي (دا 6: 10). وقد ظلت الكنيسة الأولى محافظة على كل طقوس العبادة اليهودية والاشتراك في الصلوات في الهيكل في المواعيد المحددة، ولكن بفكرٍ مسيحيٍ جديدٍ ومفاهيمٍ جديدةٍ.

- وقت الساعة التاسعة، فنصلي كالرسل... وهو وقت تسليم الرب (روحه) على الصليب.

القديس باسيليوس الكبير

"وكان رجل أعرج من بطن أمه يُحمل، كانوا يضعونه كل يوم عند باب الهيكل، الذي يُقال له الجميل، ليسأل صدقة من الذين يدخلون الهيكل ". [2]

قصة شفاء أعرج من بطن أمه هي معجزة من بين كثير من المعجزات التي وهبها الروح القدس للرسل ليتمموها باسم يسوع المصلوب، لكن الروح اختارها لتحمل معنى خاصًا.

تمت المعجزة على أيدي بطرس ويوحنا، في هذه القصة المختصرة يتكرر اسمي الرسولين ثلاث مرات لتأكيد أن الاسمين يحملان معنى رمزيًا يمس حياة الكنيسة وحياة كل مؤمن صادق يود التمتع بعمل الروح القدس في أعماقه. الأول يمثل الإيمان حيث كلمة بطرس معناها "صخرة"، ويوحنا يمثل الحب الذي به نتعرف على الرب ونراه، إذ وحده بين التلاميذ عرفه عند بحر طبرية، وقال لبطرس: "هو الرب" (يو 21: 7). وكأن عمل الروح يتجلى في الكنيسة خلال الإيمان العامل بالمحبة.

كان الشخص أعرج من بطن أمه، وكأن عمل الروح هنا أشبه بالخلق، فهو يجدد الطبيعة البشرية، ويهبنا "خلقة جديدة" قادرة على السير في الطريق، أي في المسيح، لنعبر إلى حضن الآب. أما الإشارة إلى أنه أعرج من بطن أمه، ففيه تأكيد أن المعجزة ليس فيها أي نوع من الخداع، فهو أعرج منذ ولادته، ويُحمل إلى الهيكل، ويعرفه كل سكان أورشليم.

كان الأعرج يُحمل ويُوضع عند باب الهيكل، الذي يُقال له الجميل، يطلب صدقة. فهو عاجز عن الحركة، يحتاج إلى من يحمله؛ وُضع خارجًا في فقرٍ يستعطي.

باب الجميل: هو الباب الرئيسي المؤدي إلى رواق النساء ورواق إسرائيل ورواق الكهنة، فيعبر به كل الشعب اليهودي من رجال ونساء وشيوخ وأطفال، كما يعبر به الكهنة واللاويون، فالشهادة للسيد المسيح موجهة لكل الداخلين إلى الهيكل لممارسة صلاة الساعة التاسعة، بلا تمييز بينهم. يرى د. لايتفوت Lightfoot أن باب الجميل هو الباب المؤدي من دار الأمم إلى دار اليهود، بهذا يلتقي به اليهود سواء كانوا من الرجال أو النساء دون الأمم، إذ كان يترفع عن أن يمد يده ليأخذ عطاء من أممي.

يرى د. هويتبي Whitby أن باب الجميل هو مدخل الهيكل مسكن الله. جمال الهيكل لا يعيبه وجود أعرج فقير يستعطي، فإن الحب الذي يقدمه المصلون وروح العطاء هو جزء لا يتجزأ من جمال بيت الله.

- ليكن في كل أسرة موضع يختفي المسيح فيه في أشخاص الجائعين والعطشى الغرباء.

- ليس شيء يجعلنا هكذا مقرّبين من اللَّه وعلى شبهه مثل هذا العمل الحسن!

- تُصعد الرحمة الإنسان إلى علوٍ شامخٍ وتعطيه دالة بليغة عند اللَّه.

فكما أن الملكة متى أرادت الدخول إلى موضع الملك لا يجسر أحد من رجال البلاط أن يمنعها أو يسألها عن المكان الذي تريد الذهاب إليه، بل جميعهم يستقبلونها بابتهاج، هكذا من يصنع الرحمة والصدقة يمتثل أمام عرش الملك بدون عائق، لأن الإله يحب الرحمة حبًا شديدًا، وهي تبقى بالقرب منه، لذلك قال الكتاب: "قامت الملكة عن يمينك". ذلك، لأن الرحمة مفضّلة عند الإله، إذ جعلته يصير إنسانًا لأجل خلاصنا.

القدّيس يوحنا ذهبي الفم

- أعطِ المساكين، وهلمّ بدالّة قدّم صلواتك، أي تحدّث مع الإله كما يتحدّث الابن مع أبيه، فليس شيء يقدر على دنو القلب إلى الباري مثل الرحمة.

مار اسحق السرياني

- القدّيسون الذين يقطنون الأرض يقطنون السماء بقلوبهم بالرغم من أنهم يسيرون على الأرض بأجسادهم. فليس باطلاً تنبيههم: "ارفعوا قلوبكم"، فيجيبون أنهم قد رفعوها. لم يقل باطلاً: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين اللََّه"، اهتموا بما فوق لا بما على الأرض. فبقدر اختلاطهم بالسماويّات يحملون اللََّه، ويكونون سماءً، لأنهم كرسي اللََّه: وعندما يعلنون كلام اللََّه، فإن "السماوات تحدث بمجد اللََّه".

القديس أغسطينوس

"فهذا لمّا رأى بطرس ويوحنا مزمعين أن يدخلا الهيكل، سأل ليأخذ صدقة". [3]

غالبًا لم يكن الأعرج يعرف الرسولين بصفتهما الشخصية، لكن الرسولين حتمًا كانا ينظرانه كلما دخل قبلاً إلى الهيكل للعبادة.

"فتفرس فيه بطرس مع يوحنا وقال: أنظر إلينا". [4]

عادة يتطلع طالب الإحسان إلى القادمين يستعطفهم لينال منهم شيئًا، أما أن يقف الرجلان يتفرسان فيه، فهذا ما لم يتوقعه قط: ماذا يطلبان منه؟ هل يريدان أن يسألاه شيئًا أو يوبخانه، والكل يعلم عجزه عن العمل منذ ولادته؟

لقد تفرس فيه الرسولان قبل صنع المعجزة؛ كما يتطلع إلينا الله بعيني الحنو والاهتمام الشخصي. هكذا الحب يسبق العطاء. قدما حبهما واهتمامهما به قبل اعطائه الشفاء باسم يسوع المسيح الناصري. إنهما لم يفعلا مثل كثيرين يقدمون بأيديهم العطاء أما قلوبهم فمنصرفة عن المحتاجين.

والعجيب أن الاثنين تفرسا فيه دون سابق اتفاق، فإن الروح الواحد عمل فيهما ليتطلعا إليه بقلبيهما كما بأعينهما.

قال بطرس: "انظر إلينا"، فقد اشتاق أن يتطلع الأعرج فيرى فيهما شخص السيد المسيح الساكن فيهما والعامل بروحه فيهما وبهما.

- إن أعطيت شيئًا لمحتاجٍ، ليسبق وجهك البشوش عطيتك، مع كلمات رقيقة، ومساندة لآلامه.

إن فعلت هذا فإن السرور الذي يشعر به في ذهنه بعطيتك يكون أعظم من احتياج جسده.

القديس مار اسحق السرياني


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email
"فلاحظهما، منتظرًا أن يأخذ منهما شيئًا". [5]

"فقال بطرس: ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي، فإيّاه أُعطيك، باسم يسوع المسيح الناصري قم وامشِ". [6]

تفرس بطرس ويوحنا في الأعرج، وطلب بطرس منه أن ينظر إليهما. هكذا تلاقت النظرات معًا، ليحمل هذا تلاقٍ داخلي لحساب ملكوت الله. فالرسولان وقد حملا روح الأبوة بعمل الروح القدس يشاركان الله تطلعه نحو كل نفسٍ عاجزةٍ ومحتاجة، يتطلعان بروح الحق الفائق والحنو، لكن ليس بروح العجز واليأس، وإنما بروح القوة خلال إمكانيات الروح القدس.

حقًا ما أحوج الكنيسة إلى نظرات رعاة قلوبهم مثل قلب الله الكلي الحب والحنو في أبوةٍ صادقةٍ مع حكمة وقدرة،‍لقد اختبر ذلك في القديم ارميا النبي الذي في حنوه كان يصرخ: "أحشائي، أحشائي، توجعني جدران قلبي، يئن فيَّ قلبي. لا أستطيع السكوت" (إر 4: 19). وفي شوقه لخلاص اخوته كان يصرخ: "أليس بلسان في جلعاد؟ أم ليس هناك طبيب؟ فلماذا لم تُعصب بنت شعبي؟" (إر 8: 22)

إذ تطلع الأعرج إليهما منتظرًا أن ينال صدقة أخبره بطرس عن إفلاسهما من مقتنيات العالم، لكن ما ورثاه هو اسم يسوع المسيح الناصري، وهو أفضل لهما وله، قادر أن يهبه الشفاء، فيقوم كما من الموت، ويمشى كما في طريق ملوكي. وكما يقول المرتل: "أرسل كلمته فشفاهم" (مز ١٠٧: ٢٠).

تحرك قلب بطرس بالإيمان الحي باسم يسوع المسيح طبيب النفوس والأجساد، وصِدق وعده الإلهي: "إن سألتم شيئًا باسمي فإني أفعله" (يو 14: 14).

لقد جاء البلسان (الإيمان بالسيد المسيح)، ونزل إلينا طبيب النفوس والأجساد، لكن مجمع السنهدرين رفضه، أما البسطاء مثل القديس بطرس فقبلوه، وقدموه شفاءً لكل العالم ليصيروا بالحق ابنة صهيون الجديدة، شعب الله الحقيقي. يرى القديس أمبروسيوس أن الرسول بطرس قدم هذا البلسم فشُفى الأعرج (أع 3: 1-11)، وقدمه للمفلوج إينياس (أع 9: 34) فأقامه من سرير مرضه، كما قدمه عندما أقام طابيثا من الموت (أع 9: 40).

- من يرغب أن يقتني الحكمة يقول: "ليس ليّ فضة أو ذهب، ولكن الذي لي إياه أعطيك، باسم يسوع الناصري قم وامشِ". إذ لم يكن يملك فضة اقتنى عطية عمل المحبة في اسم المسيح. لذلك يُقال لكم أيضًا: "اسحبوا الحكمة إلى الأماكن الداخلية" (راجع أي 28: 18)، "إنها محجوبة عن عيني كل حي، ومتوارية عن طير السماء" (أي 28:21 الطبعة الكاثوليكية، دار المشرق ببيروت). لا يعرف البشر أين كانت، ولا الملائكة، لأنهم طيور السماء، الذين قيل عنهم: "رأيت ملاكًا طائرًا في وسط السماء" (رؤ 14: 6).

- ليس باسمه الخاص به بل باسم المسيح. لكن كلمة "قم" هي أمر... حالة من يثق في حقه، وليس حال من هو في عجرفة بسلطانٍ ما.

القديس أمبروسيوس

- "خلصني يا الله باسمك" (مز 54: 1). يقول إن استدعاء اسمك كفيل لسلامي. بنفس الطريقة تمم الرسل الإلهيون العجائب العظيمة؛ يقول الكتاب: "باسم يسوع المسيح قمْ وأمشِ" (أع 3: 6).

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- أما الآن فكثيرون، وإن كانوا لا يقولون بالكلمات، إنما يقولون بالأعمال: "ليس لي إيمان ولا تقوى، وإنما الذي لي فهو فضة وذهب، هذه لا أعطيها لك".

- الآن يقدس ربنا بفقره فقر بيته. لذلك فلنفكر في صليبه، ونحسب الغنى ليس إلا تراب. لماذا نعجب بما يدعوه المسيح "مال الظلم" (لو 16: 9)؟ لماذا نحب ونبحث عما يفتخر بطرس أنه لا يملكه؟

- لم يتثقل الرسل بثقل الغنى. لهذا استطاعوا أن يقفوا مثل إيليا عند شق الصخرة (1 مل 19: 11-13) وأن يعبروا خلال ثقب الإبرة، وأن يروا مجد الرب من خلف.

القديس جيروم

بلا شك وضعت ثروات كثيرة عند أقدام بطرس ويوحنا كما عند أقدام سائر الرسل، لكن لم يكن هذا يشغل أذهانهم، بل تركوا كل أحدٍ يأخذ ما يريده. لم يحمل الرسولان نصيبًا من هذه الأموال لتقديمها للفقراء في الطريق أو عند مدخل الهيكل، إنما حملا رب العالم كله ليهب بواسطتهما بفيضٍ ما هو أعظم من الفضة والذهب.

في دراستنا في إنجيل يوحنا كان تلقيب يسوع المسيح بالناصري فيه نوع من السخرية والاستخفاف، لكن الرسول يستخدم ذات اللقب ليعلن أن ما يحسبه العالم عارًا يحمل مجدًا إلهيًا فائقًا. هذا وقد ارتبط هذا اللقب بالصليب (يو ١٩: ١٩).

ولعل وضع اليد أو مدها للعمل يشير إلى حنو الله وحبه العجيب للإنسان، فإن كان يعمل بنعمته المجانية إلاّ أنه يقدمها خلال الذراع البشري. إنه لا يستخف بأيدينا، مع أننا عاجزون تمامًا عن العمل، وكل ما يتم خلالها إنما هو هبة مجانية من قبل الله.

إن كانت العطية المقدمة للأعرج هي هبة مجانية من الله لا فضل لأحدٍ فيها، لكن بطرس يعلن شوقه للعمل ومساعدة الأعرج.

- لم يقل: "ليس معي الآن"، كما اعتدنا نحن أن نقول، بل بطريقة مطلقة قال: "ليس لي".

- إن كان لأحد فضة وذهب لا يكون له تلك العطايا الأخرى. تقول لماذا إذن يوجد من ليس لهم لا هذا ولا ذاك؟ لأنهم ليسوا فقراء اختياريًا، أما الذين صاروا فقراء باختيارهم فلديهم كل الأمور الصالحة. إنهم وإن كانوا لا يقيموا موتى ولا يشفوا عرج، إلا أن لديهم ما هو اعظم من الكل، لهم ثقة فى الله. إنهم سيسمعون في ذلك اليوم الصوت الطوباوي: "تعالوا يا مباركي أبى". أي شيء يمكن أن يكون أفضل من هذا؟ "رثوا الملكوت المعد لهم منذ إنشاء العالم، لأني جعت فأطعمتموني..." (مت 25: 34-35). لنهرب إذن من الطمع، فننال ملكوت السماوات. لنطعم الفقراء، فنطعم المسيح، ونصير شركاء في الميراث في المسيح يسوع ربنا...

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لم يُشفَ المجمع اليهودي؛ لأن ذلك البلسم عبر إلى الكنيسة (إر 8: 22). لهذا أتى التجار من جلعاد (قابل تك 25:37)، أيضًا من امتلاكهم أو سكناهم في الناموس، وأحضروا سلعهم إلى الكنيسة. ليشفي ذلك البلسم خطايا الأمم، الذين قيل عنهم: "تشدَّدي أيتها الأيادي المسترخية، وتثبتي أيتها الركب المرتعشةَ!" (إش 3:35 LXX). والبلسم هو الإيمان النقي (غير الفاسد). مثلُ الإيمان الذي أظهره بطرس، حين قال للأعرج: "باسم يسوع المسيح الناصري قم وأمشِ!" (أع 6:3، قابل أع 1:3-11)، فقام ومشى حقًا كان لبطرس. نفس الإيمان حين قال للمفلوج: "يا إينياس يشفيك يسوعُ المسيحُ. قم وأفرِشْ لنفسك!" (أع 40:9) فقام وأعَّد فراشه. وكان له نفسُ الإيمان حينما قال للمرأة الميتة: "قومي باسم ربنا يسوع المسيح" (أع 40:9). وقامت الميتة!... بالدواءٍ المصنوعِ من هذا البلسم شُفى الأعرجُ، واستقام المشلولُ، وقامت الميتةُ حّيًة.

- لنشتري القوت الذي به يمكننا أن نتجنب المجاعة. لا يرجع أحد بسبب فقره. لا يخف أحد لأن ليس لديه مال، فإن المسيح لا يسأل مالاً، بل يطلب إيمانًا، الذي هو أعظم من المال. بالحق إذ لم يكن لدى بطرس مالاً اقتناه (المسيح)... ويقول النبي إشعياء: "أيها العطاش جميعًا هلموا إلى المياه، والذي ليس له فضة تعالوا اشتروا وكلوا، هلموا اشتروا بلا فضة وبلا ثمن خمرًا " (إش 55: 1). لأن الذي دفع دمه ثمنًا لنا، لا يطلب ثمنًا منا، إذ لم يخلصنا بذهبٍ وفضةٍ بل بدمه الكريم (1 بط 1: 18-19).

القديس أمبروسيوس

"وأمسكه بيده اليمنى وأقامه، ففي الحال تشددت رجلاه وكعباه". [7]

أمسكه القديس بطرس بيده اليمنى، التي تشير إلى القوة التي صارت له في المسيح يسوع. وفي إقامته لطابيثا: "ناولها يده وأقامها" (أع 9: 41). وفي إتمام كثير من الأسرار الكنسية يمد الأسقف أو الكاهن يده ليعلن مدْ السيد المسيح يمين قوته ليهب نعمةً خاصة. ففي سيامة الكاهن يضع الأسقف يده على رأس المرشح للكهنوت، وفي نوال الحل في سرّ الاعتراف يضع الكاهن يده على رأس المعترف، وفي سرّ الزواج يضع الكاهن يديه على رأسي العروسين.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن القديس بطرس لم يقدم استعراضًا بما يفعله، إذ لم يطلب لنفسه كرامة، فقد شفاه عند مدخل الهيكل حيث لم يكن يقف أحد، بل كان الجمهور داخل الهيكل.

لم يسأله الرسول: أتؤمن أنك باسم يسوع تُشفي؟ لأن هذا الأعرج غالبًا ما كان والداه غير مؤمنين بيسوع المسيح، لهذا لم يحملاه إليه، ولا قدماه للتلاميذ. وغالبًا لم يكن للأعرج صديق يروي له ما فعله يسوع قبل صلبه، ولا ما فعله التلاميذ، لهذا لم يطلب منه أن يؤمن كشرطٍ لشفائه.

"فوثب ووقف وصار يمشي، ودخل معهما إلى الهيكل، وهو يمشي ويطفُر ويسبح اللَّه". [8]

لم يعد بعد محتاجًا إلى من يحمله، فقد حملته الأذرع الأبدية، ولا من يتكئ عليه فقد أقامه الرب ليحيا بروح القيامة وبهجتها!

معروف أن المشي عند الإنسان يحتاج إلى فترة تدريب طويلة، سواء بالنسبة للطفل بعد ولادته، أو بالنسبة للذين أصيبوا بمرض أو حادَث عاقهم عن المشي لمدة طويلة، فإنه لا يمكن أن يسيروا بعد شفائهم مباشرة. أما هذا ففي لحظات وقف وصار يمشي. لم يتمتع الأعرج بالشفاء فحسب، وإنما نال قوة فائقة، صار يعَّبر عنها بسرعة الحركة والانتفاضة من حالة العجز التي كان عليها. وكما قيل: "يعطي المعيي قدرة" (إش 40: 29)، "حينئذ يقفز الأعرج كالآيل، ويترنم لسان الأخرس" (إش 35: 6).

إنه منظر مبهج ملأ الحاضرين رهبة وعجبًا وبهجة. يرون الأعرج يثب متهللاً، ويمشى ويطفر.

لم يكن ممكنًا للأعرج أن يكتم مشاعره، فقد وثب كمن لا يريد أن يعيش في حالة العجز الكامل التي تقترب إلى الموت. إنه لأول مرة يتحرك بقدميه، فيقدم بكور هذه الحركة لحساب الله، فيدخل إلى الهيكل، يقدم ذبيحة الشكر والتسبيح للطبيب السماوي.

- إنه لأمر عجيب أنه آمن هكذا سريعًا، فإن الذين شفوا من أمراض مزمنة بصعوبة يصدقون حتى أعينهم. ما أن شُفي حتى التصق بالرسولين، شاكرًا الله... لاحظوا كيف أنه لم يسترح، ملتهبًا بالبهجة، مبكمًا أفواه اليهود.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأبصره جميع الشعب وهو يمشي ويسبح اللَّه". [9]

تحركت قدما النفس إذ شُفيتا، فسار في طريق الخلاص، يسبح الله ويمجده على أعمال محبته. لم نسمع عنه أنه قدم شكرًا للرسولين، ولا وقف يمدح عملهما، لكن تسبيحه لله فرّح قلب الرسولين.

"وعرفوه أنه هو الذي كان يجلس لأجل الصدقة على باب الهيكل الجميل، فامتلأوا دهشة وحيرة مما حدث له". [10]

هذا الذي كان يُحمل ليُوضع عند الباب الرئيسي للهيكل، بالكاد يزحف لمد يده يستجدي إحسان الناس، وقد صار منظره مألوفًًا لكل شعب إسرائيل والكهنة والفريسيين والصدوقيين... الآن يروه يثب متهللاً، يسبح ذاك الذي صلبوه. ‍

صارت دهشة إذ لم يستطيعوا إنكار الحق، وقد سلكوا في الباطل وظنوا إنهم كتموا الحق ودفنوه، إذا بالحق يتجلي، وصارت الشهادة له لا تُقاوم. أصيبوا بدهشة وبحيرة، لا يعرفون ماذا يفعلون، هوذا دم يسوع المسيح يصرخ في القلوب. لم يكن ممكنًا مقاومة هذا العمل الإلهي للأسباب التالية:

- يعاني الأعرج من هذا المرض منذ ولادته، أي لمدة ٤٠ عامًا (أع ٤: ٢٢).

- لم يكن الأعرج محتالاً، لأنه كان يُحمل إلى هذا الموضع العام أمام الجميع، وقد عرفه كل شعب أورشليم.

- لا يمكن أن تكون هناك علاقة بينه وبين الرسولين، لأنه عند شفائه لم ينطق بكلمة شكر أو مديح لهما، بل كان يسبح الله، وإن كان قد صار ملتصقًا بهما لا يريد مفارقتهما.

- كان الأعرج نفسه مقتنعًا أن ما حدث معه هو من الله.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 3 جـ3 PDF Print Email

2. حديث عن الإيمان باسم يسوع

"وبينما كان الرجل الأعرج الذي شُفي متمسكًا ببطرس ويوحنا، تراكض إليهم جميع الشعب إلى الرواق، الذي يقال له رواق سليمان، وهم مندهشون". [11]

إذ صار الأعرج يسبح متهللاً تراكض الشعب من رواق إسرائيل، وتكدسوا في رواق سليمان الخارجي ليتعرفوا على حقيقة ما حدث. هنا وجد القديس بطرس الفرصة سانحة للكرازة أمام الشعب وعلى مسمع من الكهنة والكتبة وكل القيادات اليهودية. وجد الفرصة سانحة ليتحدث في رواق سليمان عن واهب الحكمة لسليمان، وهو أعظم من سليمان.

رواق سليمان: هو رواق ضخم مُغطي بسقفٍ، يحتل الجانب الشرقي من دار الأمم.

- بدأ تعليمنا في "رواق سليمان" [11]، الذي هو نفسه علم بأنه يلزمنا أن نطلب الرب في بساطة قلب.

العلامة ترتليان

"فلما رأى بطرس ذلك أجاب الشعب: أيها الرجال الإسرائيليون، ما بالكم تتعجبون من هذا؟ ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي؟" [12]

صار بطرس الرسول يتكلم بكل قوة عن المصلوب القائم من الأموات، ولم يكن ممكنًا للصدوقيين الذين يقولون إنه لا قيامة من الأموات أن يعترضوا، فقد وقف الأعرج من بطن أمه يصدق على كلمات الرسول بالشهادة العملية التي لن يقدر أحد أن ينكرها أو يقاومها.

بدأ الرسول بتأكيد حقيقة خطيرة يسقط فيها كثير من العامة، بل وحتى من القيادات أصحاب المعرفة، حينما يظن الشعب أن ما يفعله قديس ما يمارسه بقوة تقواه أو قداسته، وأحيانا يصدق القادة ما يُقال عنهم، فيتصنعون التواضع، ويتمنعون عن قبول أية كرامة، وبهذه الصورة الخطيرة للتواضع المزيف يسقطون في كبرياءٍ داخلي مدمر.

بكل قوة قال الرسول: "ما بالكم تتعجبون من هذا؟ ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي؟" [12] حقًا كان يمكن له أن يعلن أن ما حدث هو بقوة يسوع الناصري، ويقف عند هذا الحد. فيظن كثيرون أنه وإن كان ذلك قد تم بقوة يسوع، لكنه تم على يدي رجلٍ عظيمٍ تقيٍ قديسٍ، أما القديس بطرس فأصر أن لا دور له إلا من حيث قبوله وإيمانه بقوة يسوع الناصري المصلوب.

- بالحقيقة كانا يزيدان من مجدهما باحتقارهما للمجد (الزمني)، مظهرين أن ما حدث لم يكن بعملٍ بشري، بل هو عمل إلهي، وأنه من جانبهما إذ نظرا المتطلعين إليهما بدهشةٍ لم يتقبلا هذه الدهشة منهم. ألا ترون كيف كان (بطرس) بعيدًا عن كل طمعٍ، وكيف رفض الكرامة المقدمة له؟ بنفس الكيفية سلك الآباء القدامى. كمثال قال دانيال: "أما أنا فلم يكشف لي هذا السرّ لحكمة فيَّ أكثر من كل الأحياء" (دا 2: 3). وأيضا يوسف: "أليست لله التعابير؟!" (تك 40: 8). وأيضا داود: "عندما جاء الأسد والدب باسم الرب مزقتهما بيدي" (راجع 1 صم 17).

- من هذا نتعلم أمرًا عظيمًا، أعني أن غيرة الإنسان وحدها لا تكفي ما لم يتمتع ببركة المعونة من فوق. مرة أخرى هذه المعونة التي من فوق لا تفيدنا ما لم نكن نحن غيورين... الفضيلة منسوجة من هذين الخيطين. لهذا أحثكم ألا تضعوا كل شيء على الله وأنتم نائمون، ولا تظنوا أن بغيرتكم يصير كل شيء حسنًا، بجهودكم الذاتية. الله لا يريدنا كسالى، ولهذا فلا يفعل كل شيء بنفسه، ولا يريدنا أن نكون فشارين (معجبين بأنفسنا) لذلك لم يعطنا كل شيء. إنه ينزع من الطرفين ما هو ضار ويهبنا ما هو نافع لنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لن ينسب هؤلاء الرجال شيئًا لأنفسهم، بسبب قدرتهم على صنع مثل هذه الأعاجيب، معترفين بأنهم لم يصنعوا هذا عن استحقاقاتهم بل بحنو الرب. رفض الرسل الكرامة البشرية المقدمة لهم بسبب الاندهاش من معجزاتهم قائلين: "ما بالكم تتعجَّبون من هذا، ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوَّتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشى؟!" (أع 12:3). ولم يفكر أحد أن يتمجد من أجل المواهب الإلهية والأعاجيب، بل بالأحرى بثمار الأعمال الصالحة...

لهذا يحذر من وهبهم بنفسه هذا السلطان لصنع المعجزات والأعمال العجيبة بسبب قداستهم ألا ينتفخوا قائلاً: "ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بالحري أن أسماءَكم كُتِبَت في السماوات" (لو 20:10).

أخيرًا فإن الرب ينبوع كل المعجزات والأعمال القديرة هو بنفسه عندما دعا تلاميذه أن يتعلموا منه، أظهر لهم بوضوح ما ينبغي عليهم بحق أن يتعلموه بصفة رئيسية: "تعلموا مني"، ليس بصفة رئيسية أن تخرجوا الشياطين بقوة سماوية، ولا أن تطهروا البرص، ولا أن تشفوا العمي، ولا أن تقيموا الموتى، فإنه هذه الأمور أفعلها خلال خدامي، لكن لا يمكن بهذه الأمور أن يكون الإنسان ممدوحًا من اللَّه، ولا يقدر أن يكون بها تلميذًا أو خادمًا له... وإنما يقول: "تعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 29:11)، فإن هذا ممكن لدى البشر عامة. إذ يمكنهم أن يتعلموه ويختبروه. أما صنع المعجزات والعلامات، فهذا ليس بضروري على الدوام، ولا هو مفيد للجميع، ولا يُوهب للكل.

التواضع هو سيد كل الفضائل، والأساس الأكيد للبناء السماوي، وعطية المخلص الخاصة السامية. يقدر الإنسان أن يتمم المعجزات التي صنعها السيد المسيح "باسم الرب" من غير خطر السقوط في الكبرياء، حينما يقتفي أثر الرب الوديع، لا في سمو معجزاته، بل في فضيلتي الصبر والتواضع. وأما الذي يهدف إلي أن يأمر الأرواح النجسة أو ينال مواهب الشفاء، أو إظهار بعض المعجزات الباهرة أمام الشعب، فإنه حتى وإن أظهرها تحت اسم المسيح، إلا أنه بعيد عن السيد المسيح، لأنه بكبرياء قلبه لا يتبع معلمه المتواضع.

في عودته إلي الآب، تهيأ ليتحدث بإرادته تاركًا لتلاميذه "وصية جديدة" وهي: "أن تحبُّوا بعضكم بعضًا، كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضًا بعضكم بعضًا"، وللحال أضاف: "بهذا يعرف الجميع إنكم تلاميذي إن كان لكم حبّ بعضًا لبعضٍ" (يو 34:13، 35). إنه لم يقل: "إن كان لكم أن تصنعوا علامات ومعجزات"، بل "إن كان لكم حبّ بعضًا لبعض". هذه الوصية بالتأكيد لا يقدر أن يحفظها إلا الإنسان الوديع والمتواضع.

لذلك فإن آباءنا السابقين لم يُحسبوا رهبان صالحين أو متحررين من خطأ المجد الباطل لأنهم يُخرجون الشياطين، ولا يتباهون بزهو أمام الجماهير المعجبة من النعمة التي نالوها أو ادعوها، وهكذا فإن من يصنع شيئًا من هذه الأمور (العجيبة) في حضورنا، يلزم أن نمدحه ليس إعجابًا بالمعجزات، بل لجمال سيرته، ولا نطلب أن تخضع لنا الشياطين، بل بالأحرى أن نحمل ملامح الحب التي يصفها الرسول.

الأب نسطور

"إن إله إبراهيم واسحق ويعقوب، إله آبائنا مجَّد فتاه يسوع الذي أسلمتموه أنتم، وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس، وهو حاكم بإطلاقه". [13]

في الوقت الذي فيه حوّل الرسول أنظارهم عنه لكي لا يحسبوه تقيًا قديسًا، وجه أنظارهم إلى ذاك الذي سلموه للصلب وأنكروه بينما كان الوالي غريب الجنس يود إطلاقه. إنهم عاندوا إله إبراهيم واسحق ويعقوب الذي مجَّد ابنه الوحيد الجنس، كعادتهم قاوموا إله إسرائيل نفسه.

تعمد الرسول أن يدعو الآب هنا "إله إبراهيم واسحق ويعقوب" ليؤكد لهم أن ما ناله آباؤهم من مواعيد إلهية، إنما قد تحققت بتمجيد الابن الوحيد الجنس، في صلبه كما في دفنه وقيامته وصعوده. أقامه الآب ملكًا ورئيس كهنة سماوي وشفيعًا كفاريًا، ورأسًا للكنيسة لكي يهبنا شركة أمجاده.

شفاء الأعرج من بطن أمه شهادة حية لقيامة المصلوب، وبرهان عملي أن يسوع المصلوب لم يُصلب لأجل علةٍ واحدةٍ عليه تستلزم موته. لقد حوَّل أنظارهم عن معجزة شفاء أعرج من بطن أمه إلى معجزة الحب الإلهي خلال الصليب، ليتمتعوا بقوة قيامته، فالكل في حاجة إلى شفاء النفس الداخلية لكي تثب بتهليلٍ، تقوم من الفساد إلى عدم الفساد، وتنطلق من قبر الخطية إلى الهيكل السماوي.

اندهش القديس بطرس أنهم يندهشون بهذه المعجزة بينما لا يندهشون لقيامة المسيح من الأموات، القادرة أن تهب قوة القيامة للنفوس الميتة.

حول القديس بطرس أنظارهم من الأعرج إلى المسيح القائم من الأموات، فعوض الدهشة والحيرة لما رأوه ولمسوه يلزمهم أن يدهشوا لما حدث مع السيد المسيح، فإن هذا الأمر في غاية الخطورة، يمس حياتهم وخلاصهم الأبدي. إن كان الأعرج قد شُفي باسم يسوع القائم من الأموات، فكيف لا ينشغلون بالقائم من الأموات، خاصة وأنهم هم الذين صلبوه.

إذ كان اليهود يفتخرون بأنهم أبناء إبراهيم، فإن إله إبراهيم نفسه، الله الآب، شهد للابن الوحيد ومجَّده. وإن كانوا يفتخرون ببرّ الناموس فإن بيلاطس الأممي بذل كل الجهد لكي لا يشترك في جريمة قتله. وكأن إله السماء يشهد له، وسكان الأرض حتى الذين بلا ناموس يعترفون ببراءته.

"ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار، وطلبتم أن يًوهب لكم رجل قاتل". [14]


قدم بطرس صحيفة اتهام خطيرة ضدهم إذ ارتكبوا الجرائم التالية:

- قاوموا إله آبائهم، إله إبراهيم واسحق ويعقوب [١٣].

- قاوموا باطلاً السلطات الزمنية، التي تمثلت في بيلاطس بنطس.

- ارتكبوا جريمة قتل للمسيا القدوس البار.

- ارتكبوا غباوة وجهالة، إذ فضلوا رجلاً قاتلاً عن القدوس (لو ٢٣: ١٩؛ مر ١٥: ٧).

- قتلوا واهب الحياة، قائد معركة الخلاص.
- قاوموا الآب الذي أقامه، وهم لا يزالون يرفضونه!

"ورئيس الحياة قتلتموه، الذي أقامه اللَّه من الأموات، ونحن شهود لذلك". [15]

لقد كان بيلاطس في صراعٍ داخلي، وقد بذل كل الجهد لكي يبرئه، وكانت آخر محاولة له أنه طلب أن يطلقه ليس من أجل براءته، وإنما من أجل العيد كعادتهم. لقد سجل عليهم دون أن يدري أنهم فضلوا رجلاً قاتلاً عن يسوع المسيح. طلب منهم أن يطلق ملكهم، فرفضوا مُلكه، وقبلوا أن يكون قيصر ملكًا عليهم. لقد صاروا بلا ملك ولا ملكوت!

حسدهم وكراهيتهم للحق لا تحتاج إلى شهادة، فقد صلبوا البار، وأطلقوا باراباس القاتل واللص. حكم هؤلاء القادة على أنفسهم أنهم لا يطلبون البرّ ولا الحق، إنما يخشون على مراكزهم ومصالحهم المادية على حساب ضمائرهم.

وقف بطرس الأمي الجليلي يحاسب رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين وقادة الفكر، المؤتمنين على الشريعة وحفظها. صياد السمك البسيط كشف في بساطة على موازينهم المختلة.

"رئيس الحياة": الكلمة اليونانية لا تشير إلى رئاسة، وإنما صاحب الحياة أو مصدرها. وهو تعبير عسكري، إذ يظهر السيد المسيح كقائد للمعركة ضد الموت ليهب حياة للذين سقطوا تحت أسر الموت. لقد ظنوا أنهم قادرون على التغلب عليه بقتله، ولم يدركوا أن بموته داس الموت، وبقتله قتل الفساد وحطمه. إنه قائد معركة الخلاص!

قتلوا واهب الحياة، لكنهم كانوا عاجزين على إبادته، إنما قتلوا الحياة التي فيهم، وحرموا أنفسهم من المتمتع به بكونه الحياة والقيامة.

يقدم الرسول شهادة حية لقيامة المسيح، ليس بكونه قد رآه وتلامس معه وتحدث وأكل معه خلال الأربعين يومًا من قيامته إلى صعوده، وإنما لأنه يشهد به قائمًا فيه، فيتمتع بالحياة المقامة. وكما يقول الرسول بولس: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات".

في تعليق العلامة أوريجينوس على قول السيد المسيح: "متى خرج الروح النجس من الإنسان يجتاز في أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة، وإذ لا يجد يقول: ارجع إلى بيتي الذي خرجت منه... ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح أخر أشر منه (لو 11: 24-26)، يقول بأن هذا ينطبق على حال الشعب اليهودي. [فإن الذين لم يؤمنوا بابن الله لم يعد بهم "روح شرير" مثلما كان اليهود في مصر، بل يمتلئوا بالأرواح الشريرة أيضًا، وبهذا صارت أواخرهم أشر من أوائلهم. الآن هم يعانون من أمورٍ أشر مما كانوا عليه وهم في مصر، إذ ليس فقط لم يؤمنوا بيسوع المسيح، بل "قتلوا رئيس حياتنا"، فحُرموا من الحياة. لا يعود يقول النبي بينهم: "هكذا يقول الرب". لا تعود توجد بينهم علامة، ولا أمر عجيب، ولا إشارة عن إعلان الله وحضوره. فقد عبرت الخيرات إلينا نحن الأمم، ككلمة ربنا يسوع: "ملكوت السماوات يُنزع منهم ويُعطى لشعب يحمل ثمرًا" (راجع مت 21: 43). نحن هو هذا الشعب الذي أُعطي له ملكوت الله، غنى الإنجيل.]

- أية خطية أعظم أن يصلب الإنسان المسيح، ومع هذا فإن العماد يغسلها؟ لأنه تحدث بطرس مع الثلاثة آلاف الذين جاءوا إليه. هؤلاء الذين صلبوا الرب، إذ سألوه قائلين: "ماذا نصنع أيها الرجال الاخوة؟!" (أع 37:2) فإن الجرح عظيم؟! لقد جعلتنا يا بطرس نفكر في خطيتنا بقولك: "رئيس الحياة قتلتموه" (أع 15:3). فأي تضميد يصلح لجرحٍ عظيمٍ كهذا؟! أي تطهير يكون لغباوةٍ كهذه؟! أي خلاصٍ لهلاك مثل هذا؟! يا لحب اللَّه المترفق غير المنطوق به؟! مع أنهم كانوا بلا رجاء من جهة خلاصهم، لكنهم مع ذلك تأهلوا للروح القدس (أع 38:2)! هل رأيت قوة المعمودية؟! إن كان أحدكم يصلب المسيح بكلمات تجديفه، إن كان أحدكم ينكره في جهل أمام الناس، إن كان أحدكم يجدف على التعاليم بكلمات شريرة، فليتب، وليكن له رجاء صالح، لأن النعمة حاضرة إلى الآن.

تشجعوا... الرب يطهركم! "تشجعي يا أورشليم فإن الرب ينزع عنك كل آثامك" "الرب يغسل دنس أبنائه وبناته بروح القضاء وبروح الاحتراق" "سيرش عليكم ماءً طاهرًا، فيطهركم من كل خطيتكم" (راجع صف 14:3، 15، إش 4:4، حز 25:36).

سترقص الملائكة حولكم قائلة: "من هذه الطالعة في ثوب أبيض مستندة على حبيبها" (راجع نش 5:8.).

القديس كيرلس الأورشليمي

يرى القديس ايريناؤس أن السيد المسيح جاء ليخلص الكل خلال نفسه. صار طفلاً بين الأطفال ليقدس الأطفال، وصبيًا بين الصبيان ليقدسهم... وأخيرا مات ليكون بكرًا من بين الأموات، "لكي يكون هو متقدمًا في كل شيء" (كو 1: 18) كائنًا قبل الكل، ومتقدمًا الكل.




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 3 جـ4 PDF Print Email

"وبالإيمان باسمه شدد اسمه، هذا الذي تنظرونه وتعرفونه، والإيمان الذي بواسطته أعطاه هذه الصحة أمام جميعكم". [16]

ما يصبو إليه الرسول في كل حديثه هو جذب كل نفسٍ للإيمان بالقائم من الأموات، والتمتع بقوة اسمه القدوس.

ما قد تمتع به هذا الأعرج من صحة الجسد وتهليلٍ لنفسه وتسبيح، إنما بقوة اسم يسوع. إنها دعوة لكي يؤمن الكل باسمه، فيتمتعون بشخصه وقوته وسماته.

لا يقصد بالكلمة "اسم" مجرد لقب أو الاسم في ذاته، بل شخص يسوع المسيح، وقوته وسلطانه. فالإيمان باسم يسوع يعني الإيمان بشخصه وسلطانه وتدابيره الإلهية.

"تنظرونه وتعرفونه":
رأوا الرب خلال شفاء الرب للأعرج، وتعرفوا على شخصه وقدرته وحبه الفائق للإنسان!

"أمام جميعكم": ما حدث كان علانية أمام الجميع، فأنتم شهود على أنفسكم إن لم ترجعوا إليه.

"والإيمان الذي بواسطته أعطاه هذه الصحة أمام جميعكم". [16]

- الإيمان سراج، وكما ينير السراج البيت هكذا ينير الإيمان النفس.

- الإيمان هو نور النفس، طريق الحياة، أساس الخلاص الأبدي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الإيمان المسيحي يشبه حبة خردل، يبدو للنظرة الأولى شيئًا صغيرًا تافهًا وضعيفًا، لا يُظهر بوضوح قوته الحقيقية؛ عندما تبدأ تهاجمه تجارب متنوعة عندئذ يظهر نشاطه خارجيًا وقوته ويتنسم إيمانه الناري بالرب ويُثير نوع من الهوى الإلهي لا ليلتهب هو نفسه فقط بل ويلهب كل ما في داخل مجاله.

القديس أمبروسيوس

- بالرغم من أن كثيرين من اليهود شعروا بمرارة من مثل هذا الحديث الرفيع إلا أنهم كبحوا غضبهم رغمًا عن إرادتهم، إذ أنهم خجلوا من عظمة المعجزة.

هناك نقطة أخرى ينبغي ألا ننساها، وهي أن المسيح إذ وشح أولاً الرسل القدّيسين بقوات عظيمة هكذا، فإنه يدعوهم بعد ذلك للانطلاق بسرعة. ويبدأوا عملهم في إعلان سرّه إلى سكّان الأرض كلها. لأنه كما أن الثوّار المقتدرين بعد أن يزوّدوا جنودهم الشجعان بأسلحة الحرب يرسلونهم ضد كتائب العدو، هكذا يفعل المسيح، مخلصنا وربّنا جميعًا. يرسل معلّمي أسراره، القدّيسين، موشحين بالنعمة التي يمنحهم إيّاها، ومجهّزين كليّة بالسلاح الروحاني ضد الشيطان وملائكته، لكي يكونوا مقاتلين أشدّاء غير مغلوبين. لأنهم كانوا على وشك أن يدخلوا في معركة مع أولئك الذين سيطروا على سكّان الأرض في الزمن القديم، أي أن يحاربوا ضد القوّات الشرّيرة المضادة...

القديس كيرلس الكبير

- يلزم أن يعِّدك الإيمان ومخافة الرب لمواجهة أي شيء وكل شيء.

لتكن خسارة للأشياء القريبة منك والعزيزة لديك، فقدان الصحة بسبب مرض خطير، أو حرمان من الزوجة والأطفال. مثل هذه الأمور يلزم ألا تكون فرص لتربكك بل بالأحرى لحفظك. مثل هذه المصائب يلزم ألا تضعف إيمان المسيحي أو تزيله بل بالأحرى هي فرص لكي تقوم هذه الفضيلة بغيرة متجددة أثناء الصراع.

يلزمنا أن نتجاهل الشرور الحاضرة، مرتبطين برجائنا في المكافأة السماوية.

حيث لا يوجد صراع لا يمكن أن توجد نصرة. حيث تثور المعركة تُوهب النصرة، عندئذ ينال الغالب المكافأة.

يبرهن قائد السفينة على استحقاقه أثناء العاصفة، والجندي في المعركة. الشجرة ذات الجذور العميقة لن تسقط حتى إن هزتها الرياح. هكذا أيضًا الرسول بولس بعد أن انكسرت السفينة به، مع القيود واحتمال آلام جسدية كثيرة لم يتحدث بقلبٍ منكسرٍ بل بالأحرى صار إلى حالٍ أفضل بالمخاطر التي واجهها. فإنه بقدر ما تعذب بأمور خطيرة، كان بالأكثر يتزكى بأنه مستحق للمديح الحقيقي.

الشهيد كبريانوس

3. شهادة كل الأنبياء ليسوع

"والآن أيها الاخوة أنا أعلم أنكم بجهالة عملتم كما رؤساؤكم أيضًا". [17]

بعد أن وجه إليهم هذه الاتهامات الخطيرة بدأ يلاطفهم بروح المحبة، فدعاهم "إخوة"، وهو تعبير يستخدمه اليهود للحديث مع أشخاص من ذات الأمة، لهم ذات الرجاء، وذات الوعود الإلهية. وكأنه لم يقف كمن يعلم من على منبرٍ أو يتعالى عليهم، بل كواحدٍ منهم، يرجو لهم أن يشاركوه ما تمتع به.

فهو ليس بالرجل القديس الذي يحدث خطاة وينتهرهم، إنما يقترب إليهم ليجتذبهم إلى التوبة معه. فالإنسان يمارس التوبة بكل قلبه خلال كلمات الحب والتشجيع بروح التواضع، وليس التوبيخ بروح الكبرياء.

يفتح لهم القديس بطرس باب الرجاء، حاسبُا أن ما فعلوه هم ورؤساؤهم كان "بجهالة". لقد حذرهم بيلاطس مرة ومرات، وأكد لهم أنه لم يجد عليه علة. كانوا يجهلون خطة الله وتدبيره الفائق، كما يجهلون حقيقة شخص يسوع. إذ يقول الرسول بولس: "لو عرفوا رب المجد لما صلبوه" (1 كو 2: 8). كما قال السيد المسيح نفسه على الصليب: "يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 23: 24). كل قوانين العالم لا تبرئ الإنسان بسبب جهله بالقانون، لكن هذا هو قانون الحب والرحمة: "والرحمة تفتخر على الحكم" (يع 2: 13).

لقد اضطهد بولس الرسول كنيسة المسيح، وأراد إبادتها، ومحو اسم يسوع من العالم، وقد فعل ذلك بجهالة. إذ عرف الحق تحول عن الجهالة إلى حكمة الله، وصار إناءً مختارًا للعمل الإلهي، عوض الاضطهاد والتجديف والمقاومة المستمرة.

- لقد أرسل الرسل لأجل خلاصهم، فيسمعون على الأقل: "نحن نعلم أنكم بجهالة عملتم" (راجع أع 3: 17). بهذه الوسيلة يسحبونهم للتوبة. ليتنا نتمثل بهم، فإنه ليس شيء يجعل الله صفوحًا مثل محبة الأعداء، وأن نصنع صلاحًا للذين يسيئون إلينا. عندما يشتكي أحد لا تتطلع إليه بل إلى الشيطان الذي يحركه، وصب كل غضبك عليه، وترفق بالشخص الذي يحركه الشيطان.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأمّا اللَّه فما سبق وأنبأ به بأفواه جميع أنبيائه، أن يتألم المسيح قد تمّمه هكذا". [18]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بطرس خلال عظته كان لطيفًا إلى أبعد الحدود، فمع عدم تجاهله أن الحاضرين يُحسبون صالبين ليسوع المسيح، لكنه فى لطفٍ يفعل كما فعل يوسف مع إخوته إذ قال لهم: "لأنه لاستبقاء حياة أرسلني الله قدامكم" (تك 45: 5). فقد باعوه حسدًا، لكنه حسب بيعهم له بسماحٍ الهيٍ لأجل استبقاء حياته وحياتهم، أرسله الله نفسه قدامهم. هكذا فى لطف يقول بطرس الرسول أنه لخلاصهم وخلاص العالم سُلم يسوع للصلب.

ويلاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم أن القديس لم يورد النصوص التي تنبأ بها الأنبياء عن صلبه أو موته أو دفنه، بل اكتفى بالقول بأن "أنبأ به بأفواه جميع أنبيائه أن يتألم" [18]، معللاً بذلك أن هذه النصوص حملت اتهامات مع العقوبة التي يسقط تحتها صالبوه... وكأنه قد تركهم ليدرسوا النصوص ويدركوا خطورة عملهم، أما هو ففتح باب الرجاء لهم ليتمتعوا بالفرح من وجه الرب [19]، وأما ما فعلوه بالسيد فحقق خطة الله لخلاص العالم.

"فتوبوا وارجعوا لتُمحى خطاياكم، لكي تأتي أوقات الفرج anapsuxis من وجه الرب". [19]

تارة يقول لهم الرسول أن ما فعلوه كان بجهلٍ [17]، وأخرى أنه بذلك تحققت خطة الله التي أعلنها على أفواه جميع الأنبياء [18] وثالثة "ارجعوا لتُمحي خطاياكم" [19]، "لكي تأتي أيام الفرج" [19]... كل هذا كما يقول الذهبي الفم يهبهم الرجاء ويفتح أمامهم باب التوبة، مع تحذيرهم إن أصروا على تكملة الطريق بعدم الإيمان فى عصيان له [22-23].

- بعد نعمة المعمودية المعروفة للجميع، وتلك العطية العظمى التي للاستشهاد، التي هي الحميم بالدم، توجد ثمار كثيرة للتوبة التي بها يمكننا أن نقلع عن خطايانا.

إن الخلاص الأبدي ليس موعودًا به بالتوبة عن الخطايا فحسب حسبما يقوله الطوباوي بطرس الرسول: "فتوبوا وارجعوا لتُمحَى خطاياكم" (أع 19:3)، وحسبما قاله يوحنا المعمدان والسيد المسيح نفسه: "توبوا لأنهُ قد اقترب ملكوت السماوات" (مت 2:3)، لكن أيضًا ينبغي أن تكون مقرونة بأعمال المحبة، لأن "المحبَّة تستر كثرةً من الخطايا" (1 بط 8:4).

هكذا نجد الشفاء لكل جراحاتنا نتيجة لثمار التوبة كالصدقات وأفعال الرحمة. لأنه كما يقول الكتاب المقدس: "كما أن الماء يطفئ الحريق، كذلك الدموع تغسل خطايانا" (ابن سيراخ 33:3)، وأيضًا: "أعوّم في كل ليلة سريري وبدموعي أبلّ فراشي" (مز 6:6).

الأب بينوفيوس

"ويرسل يسوع المسيح المبشر به لكم قبل". [20]

ما قد حدث وإن كان بدافعٍ شريرٍ من جانبكم، لكنه حقق خطة الله لخلاص العالم؛ فلم يُصب السيد المسيح بصلبه ضرر، فإن هذه مسرته ومسرة أبيه أن يموت عن العالم. فإن كنتم قد فعلتم هذا بجهالة، الآن فرصة لتصحيح الموقف بالرجوع إليه بالتوبة، والإيمان به. ما اقترفتموه سبب لنا خلاصًا، فلماذا لا تتمتعوا معنا بذات الخلاص. الآن زمن الحب، زمن الفرج من وجه الرب. لقد ضاعت الفرصة الأولى لقبوله حين كان في وسطكم يخدمكم وهو بالجسد، الآن يود أن ترجعوا إليه، فيرجع إليكم ويحل بالإيمان في قلوبكم.

هكذا أنار الروح القدس للقديس بطرس خطة الخلاص لكل العالم، حتى لصالبي السيد المسيح، وفتح ذهنه لإدراك الكتب المقدسة والنبوات وطول أناة الله على البشرية.

لم يقل الرسول "أنبأ به الأنبياء" بل "بأفواه جميع أنبيائه"، وكأن يسوع هذا الذي صلبوه، إنما هو موضوع شهوة جميع الأنبياء بلا استثناء. هو المحك الذي به يُفرز النبي الحقيقي من النبي الكذاب. فإن كانت آلامه قد شغلت كل نبي منذ بدء الخليقة حتى النبي السابق يوحنا المعمدان، فإن عدم الإيمان به هو رفض تام لكل الأنبياء، ولعمل الله بهم.

تنبؤ الأنبياء عن آلامه لا يعطيهم عذرًا لما فعلوه، إنما يفتح لهم باب الإيمان ليقبلوه، فتُمحى كل خطاياهم بما فيها جريمة صلبه. النبوة والإعلان السابق للأحداث لا يدفع عنهم شرهم، ولا يغير من طبيعة شرهم، إنما يحول شرهم إلى خلاصٍ للعالم كله بما فيه الصالبين أنفسهم إن رجعوا إليه.

هذا وتأكيده أن ما حدث تنبأ عنه جميع الأنبياء يشهد لهم كما لغيرهم أنه هو المسيا المنتظر.




 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 3 جـ5 PDF Print Email
"تُمحى خطاياكم"، يُستخدم تعبير "تُمحى" عندما يُكتب على لوح من الشمع، ثم يجعلونه أملس لا أثر للكتابة عليه، كأن الخطايا تُزال تمامًا من السجل، والاتهام يصبح كما لم يكن، وصك الدين قد مُزق تمامًا، فصار لا وجود له. أُستخدم تعبير "تُمحى خطاياكم" في إش ٤٣: ٥؛ مز ٥١: ١، ٩؛ إر ١٨: ٢٣؛ نح ٤: ٥؛ إش ٤٤: ٢٢.

"أوقات الفرج": مهما قدمت الخطية من ملذات ومباهج تجعل القلب ضيقًا، وفي مرارة داخلية، لا يدرك الإنسان علتها؛ أما الرجوع إلى الله بالتوبة فيفتح القلب ليتسع ولا تقدر ضيقة ما أن تحطمه بل تصير حياة الإنسان كلها "أوقات الفرج"، مملوءة سرورًا داخليًا وسلامًا فائقًا، إذ يحل مجد الله في داخل النفس، ويحول القلب إلى ملكوت سماوي.

كلمة "فرج" anapswxis، تعني "تنفس" أو استراحة، تُستخدم عندما يستريح الإنسان بعد فترة عناء كمن يأخذ نفسه، أو بعد الجري لمدة طويلة. لقد جاءت الكرازة بصليب المسيح أو إنجيله لتتنسم البشرية الراحة بعد طول شقاء بسبب الخطية.

أما قوله "ستأتي" فلا يعني عدم التمتع بها هنا، إنما إذ يحدث اليهود قبل الإيمان يبشرهم بما سيتمتعون به في المستقبل القريب عندما يتوبون كعربونٍ لما ينالونه من أمجاد وراحةٍ أبدية في السماء.

"من وجه الرب": فإننا إذ نعطيه الوجه لا القفا (إر 2: 27)، نتمتع بوجهه مشرقًا علينا، وبحضوره كسِرّ فرحنا وراحتنا.

"ويرسل يسوع ...": إذ كان اليهود ولا يزالوا يترقبون مجيء المسيا، فإنهم إذ يؤمنون بذاك الذي سبقوا فرفضوه، يرونه قادمًا في حياتهم، مقدمًا خلاصه المبهج، واهبًا إياهم ما قد سبق فوُعدوا به خلال آبائهم وأنبيائهم في العهد القديم.

"الذي ينبغي أن السماء تقبله إلى أزمنة رد كل شيء، التي تكلم عنها اللَّه بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر". [21]

يعود فيؤكد الرسول أن كل ما حدث إنما من أجله، وقد سبق فأعلنه الله على فم أنبيائه القديسين. لقد تحققت الوعود الإلهية منذ سقوط آدم، ودعوة إبراهيم، واستلام موسي النبي للشريعة، وظهور الأنبياء... كل هؤلاء نالوا وعودًا اشتاقوا أن يروا يوم تحققها. والآن قد تمت كل هذه الوعود الإلهية خلال الصلب والقيامة وصعود السيد المسيح، فكان يليق بالسامعين أن يطوِّبوا أنفسهم لأنهم يروا ما اشتهى أن يراه آباؤهم، وذلك إن آمنوا باسم يسوع، وقبلوا عمله الخلاصي في حياتهم.

"الذي ينبغى أن السماء تقبله" [21]. يبدو التعبير كأن السماء ليست مسكن إقامته الطبيعي، لكن يلزمها أن تقبله. إذ صار ابن الإنسان ونزل إلينا فإنه إذ تقبله السماء تقبلنا فيه. هذا ومن جانب آخر كأن السيد قد صعد إلى السماء ليس كمن أتم كل عمله، إنما يبقى في السماء يدبر أمور كنيسته، ويسند كل عضو فيها حتى يتمم الكل جهاده، ويتمتعوا بشركة أمجاده السماوية. إنه يُعد المكان لنا حتى يوم مجيئه، فيتمتع الكل باللقاء المفرح، يوم العرس الأبدي.

"إلى أزمنة رد كل شيء" أي تحقيق خطة الله من جهة البشرية. كان الاعتقاد السائد لدى اليهود أن المسيا يأتي ليملك على الأرض أبديًا (يو ١٢: ٣٤)، وها هو سرّ رفضهم ليسوع الذي رفض المُلك الأرضي، وأعلن عن صلبه، لهذا كان لزامًا على الرسول أن يصحح مفاهيمهم، ويؤكد أنه بالحقيقة هو ملك، وأن مملكته هي في السماء! لقد صعد إلى السماء وهم شهود بذلك، إذ رأوه عيانًا وهو يصعد (أع ١: ٩). كان لائقًا بالسماء أن تقبله، لأنه ملك الملوك السماوي (عب ٧: ٢٥؛ ٩: ٢٤؛ رو ٨: ٣٤؛ مز ١١٠: ١٦).

"رد كل شيء ...": إن كانت الخطية قد حرمت البشرية عن تحقيق رسالتها وأفسدت الخليقة الأرضية، فإن صعود السيد المسيح إلى السماء رد للإنسان كرامته ليحقق رسالته التي خُلق من أجلها، حيث يحمل أيقونة السيد المسيح، ويملك مع الرب.

"منذ الدهر" تعبير يحمل معنى "منذ البداية"، فالنبوات عن السيد المسيح بدأت منذ نال آدم الوعد الإلهي، لهذا يرى بعض الدارسين أن آدم هو أول نبي.

وكأن ما يكرز به الرسل ليس بالأمر الجديد، لكنه إعلان عن تحقيق ما اشتهته البشرية التي تطلب بصدقٍ خلاصها منذ أبوينا الأولين، والذي أعلنه الله خلال رجاله القديسين عبر العصور.

"فإن موسى قال للآباء: إن نبيًّا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من اخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به". [22]

لما كان سلطان موسى النبي عند اليهود مطلقًا ونهائيًا، لهذا يردد القديس بطرس نبوة موسى النبي عن السيد المسيح (تث 18: 15-19). وقد سبق لنا الحديث عن هذه النبوة في تفسيرنا لسفر التثنية. وقد ميز الرسول هنا بين من يسمع له، ومن لا يسمع. فمن لا يسمع له يعصى موسى النبي الذي يفتخرون به وبالطاعة الكاملة له، يُحرم من الانتساب إلى شعب الله، فلا يكون له نصيب في الملكوت.

"ويكون أن كل نفسٍ لا تسمع لذلك النبي تُباد من الشعب". [23]

كما تستخدم كلمة "جسد" لتعني الإنسان بكليته (يو ١: ١٤)، هكذا تُستخدم كلمة "نفس" لتعني الشخص بكليته (أع ٧: ١٤؛ يش ١٠: ٢٨).

"وجميع الأنبياء أيضًا من صموئيل فما بعده، جميع الذين تكلّموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام". [24]

كشف القديس بطرس عن اهتمام موسى النبي كأول قائدٍ للشعب، ثم انتقل من شهادة موسى النبي إلى صموئيل النبي، ويعتبر أول الأنبياء بعد موسى النبي، جاء في نهاية عصر القضاة وبداية عصر الملوك، ثم بقية الأنبياء منذ كانت المملكة في قمة مجدها ثم انقسامها وسبي المملكتين وعودة الشعب من السبي.

كان نسل شاول مدعوًا لذلك (أم 13: 13) وإذ انحمق ولم يحفظ وصية الرب انتقل الوعد إلى داود الملك (1 صم 15: 28). تجدد هذا الوعد خلال الأنبياء اللاحقين (إر 31: 31-41؛ يؤ2: 28-29؛ حز 37: 26-27).

كل ما يشغل أنبياء هذه الحقبات هو مجيء المسيا، وقد جاء، وتحقق عهد الله لإبراهيم أب المؤمنين. الآن يليق بالمستمعين كأبناء لهؤلاء الأنبياء وأصحاب العهد أن يتمتعوا ببركة يسوع القائم من الأموات، والقادر وحده أن يرد الكل عن شرورهم.

شوق الأنبياء جميعهم إلى ذلك اليوم يلزم أن يدفع أبناءهم إلى قبوله بفرحٍ وتهليلٍ. كأن ما يحمله الرسول بطرس من غيرة متقدة على الإيمان بالمسيا هو مشاركة جادة عملية لشوق الأنبياء الشديد، وغيرتهم على التمتع بشخص المخلص! بهذا كان يدفع سامعيه أن يشاركوه ذات المشاعر.

"أنتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عاهد به اللَّه آباءنا، قائلاً لإبراهيم: وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض". [25]

يعتبر اليهود أنفسهم أبناء الأنبياء، ليس لأنهم من نسلهم جسديًا، وإنما لأنهم تلاميذ وأتباع لهم. فالتلميذ في فكر التقليد اليهودي كما الكنسي هو ابن لمعلمه. هكذا يليق بهم كأبناء أن يسمعوا لهم، وإلا فقدوا بنوتهم لهم.

"أبناء العهد"، أي أبناء إبراهيم الذين من حقهم التمتع بالوعد الإلهي المُقدم لأبيهم، والذي في عهد مع الله. وكأنهم هم أبناء الملكوت سواء خلال تلمذتهم للأنبياء أو انتسابهم لإبراهيم. فلا يليق بهم أن يكونوا كيهوذا "ابن الهلاك" (يو ١٧: ٢١).

"وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض"، وكما يؤكد القديس بولس أن "النسل" هنا بصيغة المفرد تشير إلى السيد المسيح الذي جاء من نسل إبراهيم ليبارك جميع الأمم (غلا ٣: ١٦).

- لئلا يظنوا أنهم نالوا هذا العرض (الخاص بالتوبة ونوال الخلاص) كمنحة من بطرس، يُظهر لهم (الرسول) أن هذا يليق بهم منذ القديم، حتى يؤمنوا بأن مثل هذا يتمم إرادة الله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"إليكم أولاً، إذ أقام اللَّه فتاه يسوع، أرسله يبارككم، بردّ كل واحد منكم عن شروره". [26]

بقوله "إليكم أولاً" يشير إلى اليهود الذين قُدم لهم الخلاص أولاً، حيث تبدأ الكرازة بأورشليم (لو ٢٤: ٤٧). وقد كرّس يسوع المسيح نفسه خدمته لليهود.

"أقام الله فتاه ..."، إذ كرس الله المتجسد حياته من أجل تمتع البشرية بالبركة السماوية. لقد أرسله الآب وفي طاعة جاء الابن الذي بإرادته الواحدة مع إرادة الآب يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون (1 تي 2: 4).

"يرد كل واحدٍ منكم عن شروره": مع ما يتمتع به الإنسان من حرية إرادة، إلاَّ أنه يعجز عن أن يرجع إلى الله، ويعطي ظهره للشر بدون العون الإلهي، أو عمل المسيح الخلاصي.

مع أن الوعد لإبراهيم أن بنسله، أي بالمسيح يسوع، تتبارك كل الأمم، لكنه جاء أولاً ليرد كل يهودي عن شره بالالتصاق بمصدر البركة.

- قال: "أقام يسوع" أي بعد صلبه، أي حتى بعد ارتكابهم جريمة قتله يترقب الله الآب خلاصهم، وذلك حتى لا يظنوا أن بطرس قدم لهم هذه المنحة وليس الآب، لذلك يقول: "يبارككم". فإن كان "يسوع" هو أخوكم ويبارككم، فالأمر هو وعد "لكم أولاً". بمعنى حاشًا لكم ألا تشتركوا في هذه البركات، إذ يريد أن تصيروا بالأكثر مؤسسين ومصدر بركات للآخرين. فلا تشعروا كما لو كنتم منبوذين. مرة أخرى يقول إنه إذ أقامه "يرد كل واحد عن شروره". إنه يبارككم بهذه الكيفية، وليس بركة عامة (لكل إسرائيل القديم).

القديس يوحنا الذهبي الفم

-حقًا لقد فعلتم أعمالاً تستحق الإدانة، لكن لازال يمكنكم نوال العفو. بقوله هذا يمكنه أن يقول: "إليكم أرسل الله ابنه يسوع ليبارككم". لم يقل ليخلصكم، بل ما هو أعظم أن يسوع المصلوب بارك صالبيه.

ليتنا نتمثل به. لنطرح روح القتل والعداوة هذه.

لا يكفينا إننا لا نثأر لأنفسنا، بل نفعل ما فى استطاعتنا كما يليق بأصدقائنا الملتصقين بنا فى أحضاننا، بل كما نفعله بأنفسنا، هكذا نعمل مع الذين يؤذوننا.

نحن أتباعه، نحن تلاميذه، هذا الذي بعد صلبه دبّر كل شيء عمليًا لحساب قاتليه، وأرسل رسله لهذه الغاية.

نحن بعدلٍ نتألم، أما هؤلاء فعملوا ليس فقط في غير عدلٍ بل وبشرٍ، لأنه هو المحسن إليهم، لم يصنع بهم شرًا صلبوه. ولأي سبب؟ من أجل سمعتهم. أما هو نفسه فجعلهم موضوع تقديرهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم


 
تفسير سفر اعمال الرسل اصحاح 3 جـ6 PDF Print Email
من وحي أعمال الرسل ٣

هب لي قدمين تعبران إلى هيكل قدسك!

- مع ذاك الأعرج من بطن أمه تئن نفسي.

أقف كما عند باب الجميل أطلب صدقة،

ولا أدخل إلى الجمال ذاته،

الذي يود أن يسكب بهاءه عليَّ.

أطلب صدقة، وأبي هو خالق السماء والأرض!

يا لعجزي! ويا لغباوتي!

- لأسمع صوت كنيستك:

ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي، فإياه أعطيك.

باسم يسوع الناصري قم وامشِ.

اسمك العجيب هو وحده يهبني صحة لنفسي كما لجسدي.

باسمك تسير قدماي إلى هيكل قدسك.

أدخل كما إلى السماء،

أثب متهللاً مع أنبيائك ورسلك وكل قديسيك.

- سمروك يا رئيس الحياة على الصليب،

فككت قيودي،

لأجري نحو عرش نعمتك.

صلبوك بين الآثمة،

وختموا قبرك كي يحبسوك.

فأقمتني مع الطغمات السمائية،

وأصعدت قلبي إلى سماواتك!

قمت محطمًا الموت،

فأقمتني لأتمتع بحرية مجد أولاد الله.

- ليفرح كل الأنبياء الذين اشتهوا يومك!

فإني أشهد أن وعودك صادقة وأمينة!

لقد حلّ اليوم الذي فيه أتمتع بالفرح، وأرى وجهك الإلهي!

1 و صعد بطرس و يوحنا معا الى الهيكل في ساعة الصلاة التاسعة
2 و كان رجل اعرج من بطن امه يحمل كانوا يضعونه كل يوم عند باب الهيكل الذي يقال له الجميل ليسال صدقة من الذين يدخلون الهيكل
3 فهذا لما راى بطرس و يوحنا مزمعين ان يدخلا الهيكل سال لياخذ صدقة
4 فتفرس فيه بطرس مع يوحنا و قال انظر الينا
5 فلاحظهما منتظرا ان ياخذ منهما شيئا
6 فقال بطرس ليس لي فضة و لا ذهب و لكن الذي لي فاياه اعطيك باسم يسوع المسيح الناصري قم و امش
7 و امسكه بيده اليمنى و اقامه ففي الحال تشددت رجلاه و كعباه
8 فوثب و وقف و صار يمشي و دخل معهما الى الهيكل و هو يمشي و يطفر و يسبح الله
9 و ابصره جميع الشعب و هو يمشي و يسبح الله
10 و عرفوه انه هو الذي كان يجلس لاجل الصدقة على باب الهيكل الجميل فامتلاوا دهشة و حيرة مما حدث له
11 و بينما كان الرجل الاعرج الذي شفي متمسكا ببطرس و يوحنا تراكض اليهم جميع الشعب الى الرواق الذي يقال له رواق سليمان و هم مندهشون
12 فلما راى بطرس ذلك اجاب الشعب ايها الرجال الاسرائيليون ما بالكم تتعجبون من هذا و لماذا تشخصون الينا كاننا بقوتنا او تقوانا قد جعلنا هذا يمشي
13 ان اله ابراهيم و اسحق و يعقوب اله ابائنا مجد فتاه يسوع الذي اسلمتموه انتم و انكرتموه امام وجه بيلاطس و هو حاكم باطلاقه
14 و لكن انتم انكرتم القدوس البار و طلبتم ان يوهب لكم رجل قاتل
15 و رئيس الحياة قتلتموه الذي اقامه الله من الاموات و نحن شهود لذلك
16 و بالايمان باسمه شدد اسمه هذا الذي تنظرونه و تعرفونه و الايمان الذي بواسطته اعطاه هذه الصحة امام جميعكم
17 و الان ايها الاخوة انا اعلم انكم بجهالة عملتم كما رؤساؤكم ايضا
18 و اما الله فما سبق و انبا به بافواه جميع انبيائه ان يتالم المسيح قد تممه هكذا
19 فتوبوا و ارجعوا لتمحى خطاياكم لكي تاتي اوقات الفرج من وجه الرب
20 و يرسل يسوع المسيح المبشر به لكم قبل
21 الذي ينبغي ان السماء تقبله الى ازمنة رد كل شيء التي تكلم عنها الله بفم جميع انبيائه القديسين منذ الدهر
22 فان موسى قال للاباء ان نبيا مثلي سيقيم لكم الرب الهكم من اخوتكم له تسمعون في كل ما يكلمكم به
23 و يكون ان كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب
24 و جميع الانبياء ايضا من صموئيل فما بعده جميع الذين تكلموا سبقوا و انباوا بهذه الايام
25 انتم ابناء الانبياء و العهد الذي عاهد به الله اباءنا قائلا لابراهيم و بنسلك تتبارك جميع قبائل الارض
26 اليكم اولا اذ اقام الله فتاه يسوع ارسله يبارككم برد كل واحد منكم عن شروره


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

بطرس ويوحنا أمام المجمع


كشف سفر الأعمال عن موقف القيادات اليهودية، فإنهم إذ رفضوا يسوع المصلوب استمروا بعد صعوده في مقاومته، ومقاومة إنجيل المسيح القائم من الأموات والصاعد إلى السماوات الذي تكرز به الكنيسة.

يصف هذا الأصحاح بدء هذه المقاومة التي تستمر حتى زيارة الرسول بولس الأخيرة لأورشليم، فيدبروا مؤامرة لقتله (أع ٢٣: ١٢-١٥؛ ٢٥: ١-٣).

1. القبض على بطرس ويوحنا 1-4.

2. الرسولان أمام المجمع 5-12.

3. ارتباك المجمع 13-18.

4. تهديد الرسولين 19-22.

5. صلاة من أجل الكرازة 23-31.

6. حياة الشركة 32-37.

1. القبض على بطرس ويوحنا

"وبينما هما يخاطبان الشعب، أقبل عليهما الكهنة وقائد جند الهيكل والصدوقيون". [1]


لم يلتجئ الكهنة إلى الفريسيين بل إلى الصدوقيين لمقاومة هذا العمل الكرازي داخل رواق سليمان. وقد جاء معهم قائد جند الهيكل، وهو الشخص المسئول عن الحالة الأمنية للهيكل، وقد لاحظ جمهرة غير عادية في رواق سليمان، وكان هذا القائد هو الرجل الثاني بعد رئيس الكهنة من جهة الالتزام بحفظ نظام الهيكل والأمان فيه.

بلا شك لم يأتِ كل الكهنة، وإنما الكهنة أصحاب النفوذ، الأعضاء في مجمع السنهدرين.

كان قائد جند الهيكل يعسكر دومًا في قلعة انتونيا Antonia، خاصة في أيام الأعياد الكبرى. وقد خشي أن شفاء الأعرج من بطن أمه قد يسبب شغبًا، لذا شعر بالالتزام بالتدخل.

"أقبل عليهما"
: يحمل هذا التعبير أن مجيئهم كان فجأة وفيه نوع من العنف. فإذ كان بطرس ويوحنا يخاطبان الشعب بروح القوة والشهادة ليسوع القائم من الأموات، انفتحت أعين الكثيرين على معرفة الحق، حتى آمن نحو خمسة آلاف رجل [4]. لم يكن ممكنًا لقوات الظلمة أن تقف مكتوفة الأيدي، خاصة الصدوقيون الذين لا يؤمنون بالقيامة من الأموات. لقد حسبوا هذا الحدث مع حديث القديسين بطرس ويوحنا هدمًا كاملاً لطائفتهم، وتحطيمًا لعقيدتهم.

لم يكن لديهم مانع من اشتراك المسيحيين في العبادة في الهيكل حسب الطقس اليهودي، وأن يجتمعوا في رواق سليمان، وتكون لهم تدابيرهم الخاصة بهم، أما أن ينادوا باسم يسوع الناصري علانية، وقيامته من الأموات، ففي هذا اتهام علني ضد القيادات التي سلمت يسوع للصلب، إنهم سافكو دم بريء وقتلة، وأن المصلوب هو المسيا. لهذا كان لا بد من التحرك لمقاومة هذه الحركة الخطيرة حسب أفكارهم.

لا يتعجب القديس يوحنا الذهبي الفم من أن الذين ألقوا القبض على يسوع وصلبوه يعودوا حتى بعد قيامته ليمارسوا شرهم بكل جسارة ضد تلاميذه. فإذ تلد الأفكار عملاً يفقد الخاطي حياءه ليفعل ما يشاء. فالخاطي وهو لا يزال يصارع مع الأفكار يصغي إليها مع إحساسه بالخجل، لكن ما أن تلد، أي تتحول الأفكار إلى عملٍ كاملٍ حتى تجعل الذين يمارسونها في أكثر وقاحةٍ.

- في المرة الأولى ألقوا القبض على السيد المسيح في البستان كمن هم فى خجلٍ بعيدًا عن الشعب، أما الآن ففي شيء من الجسارة جاءوا إلى الرسولين وهما يخاطبان الشعب علانية في الهيكل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"متضجرين من تعليمهما الشعب، وندائهما في يسوع بالقيامة من الأموات". [2]

جاءت كلمة "متضجرين" تحمل السخط الشديد مع الغضب، لأنهم أدركوا أن في هذه الكرازة تعدٍ على سلطانهم، ومعارضة لتعاليمهم، بغض النظر عما إذا كانوا يكرزون بالحق الإلهي أم لا.

لم يكن من السهل أن يرى الكهنة والصدوقيون أن جماعة من الجليليين الأميين يحتلوا مركز التعليم بقوةٍ ونجاحٍ، وهم لا ينتمون إلى الكهنة ولا إلى القيادات الدينية. حسبوا هذا تحديًا وتمردًا على السلطات الدينية.

لم يشغلهم البحث عن ما وراء هذه المعجزة الفائقة وغيرها، وإنما كان يشغلهم سلطانهم الديني، وشعبيتهم التي صارت في وضعٍ حرجٍ. هذا ولم يكن ممكنًا لهم أن يسمعوا عن قيامة يسوع المسيح من الأموات.

لقد تضجروا وامتلأوا سخطًا حين رأوا الإنجيل يُكرز به، وكما يقول المرتل: "الشرير يرى فيغضب، يحرق أسنانه ويذوب، شهوة الشرير تبيد" (مز ١١٢: ١٠). هكذا تحولت كلمة الإنجيل المفرحة إلى اضطراب ومرارة بالنسبة لهم، وكما يقول الرسول: "لهؤلاء رائحة موتٍ لموتٍ، ولأولئك رائحة حياةٍ لحياةٍ" (٢ كو ٢: ١٦). هكذا يتحول مجد المسيح وفرح ملكوته إلى فقدانٍ للسلام وحزنٍ وموتٍ أبديٍ لمن لا يطيقه. وكما يقول إشعياء النبي: "لا سلام قال الرب للأشرار" (اش 48: 22).

اضجر الصدوقيون وامتلأوا حزنًا اقتنوه بسبب خطاياهم، بينما كان الرسل يكرزون بالقيامة المفرحة! واضجر الكهنة وهم يؤمنون بالقيامة أن يتحقق هذا باسم يسوع الناصري. فكان في نظرهم التحالف مع منكري القيامة أقل مرارة من قبول القيامة في المسيح يسوع.

- "متضجرين من تعليم الشعب" ليس لأنهم علموا الشعب، وإنما لأنهم أعلنوا أنه ليس المسيح وحده أُقيم من الأموات، وإنما خلاله نقوم نحن أيضًا... هكذا قيامته قديرة فإنه هو علة القيامة حتى بالنسبة للآخرين.

- تحفظ من أن تحوط نفسك بطاغية الحزن. يمكنك أن تسيطر على نفسك، فإن العاصفة ليست أعظم من مهارتك.

- لا تكون قط مكتئبًا، فإنه لا يوجد سوى شيء واحد مخيف وهو الخطية.

- الكل يطلب الفرح، لكنه لا يوجد على الأرض.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أمور النعمة يصاحبها فرح وسلام ومحبة وحق... أما أشكال الخطية فيصاحبها اضطراب وليس محبة ولا فرح نحو الله.

القديس مقاريوس الكبير

"فألقوا عليهما الأيادي، ووضعوهما في حبسٍ إلى الغد، لأنه كان قد صار المساء". [3]

ألقوا القبض على التلميذين وهما يخاطبان الشعب، ووضعوهما في السجن لمحاكمتهم في اليوم التالي. هذه بدء سلسلة آلام الكنيسة التي يليق بها أن تشارك مسيحها آلام صلبه. أُلقى القبض على التلميذين في المسيح وُوضعا تحت الحفظ، إذ لم يكن من عادة مجمع السنهدرين أن يجتمع مساءً. هذا بجانب أن أعضاء المجمع كانوا ملتزمين بممارسة صلوات المساء وتقديم الذبائح.

- لم يخشوا الشعب، لأنه كان معهم قائد الهيكل، هؤلاء كانت أياديهم لا تزال تتضرج بدم الضحية السابقة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ربما يتساءل البعض: لماذا لم يقدموهما إلى بيلاطس كما فعلوا مع السيد المسيح عند محاكمته؟ بلا شك أدركوا أن بيلاطس قد حاول مرة ومرات أن يطلق هذا البريء، وتحت الضغط الشديد والتهديد بأنه ليس بصديقٍ لقيصر اضطر إلى الحكم بصلبه. أما الآن فحتمًا لن يقبل أن يصلبهما، وربما كان يُصر أن يبرئهما، أو يترك المجمع يقتلهما، فيثور الشعب عليهم.

- لم يأخذوهما إلى بيلاطس، لأنهم كانوا في خجلٍ وعارٍ من التفكير فيما حدث قبلاً (مع السيد المسيح) لئلا يُلزمهم أن يقوموا هم بفعل هذا (أي قتلهما).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وكثيرون من الذين سمعوا الكلمة آمنوا، وصار عدد الرجال نحو خمسة آلاف". [4]

في يوم الخمسين كانت باكورة الكنيسة من القادمين إلى أورشليم، يهودًا كانوا أو متهودين، آمن منهم نحو ثلاثة آلاف نسمة، والآن "صار عدد الرجال نحو خمسة آلاف"، هؤلاء استناروا بالكلمة، وحُسبوا بالحق أبناء إبراهيم وأبناء الأنبياء، وتأهلوا أن يكونوا بالحق أبناء الموعد.

القبض على التلميذين بأمر القيادات الدينية الرسمية وحبسهما في السجن لم يعق هذه الآلاف عن الإيمان، بل حسبوا كل ألم تجتازه الكنيسة هو إلقاء بالبذار في التربة لكي تأتي بثمرٍ كثيرٍ.

هنا صورة حية ومثل رائع لنمو الكنيسة في وسط الآلام، فقد ظهر عمليًا أن دم الشهداء هو بذار الكنيسة. في المظهر كان عدد التلاميذ قليلاً جدًا، بلا إمكانيات مادية أو علم ومعرفة زمنية أو سلطة، وكان يُظن أنه ما أسهل سحق هذه الحركة تمامًا، لكن الضيق وهب الكنيسة نموًا فائقًا وامتدادًا لا يُمكن مقاومته. إذ لا يقدر الضيق أن يحطم الحق الإنجيلي أو يقيد الكلمة، بل هو مناخ طيب للعمل الإلهي.

- موت الشهداء يدافع عن الدين، وينمي الإيمان، ويقوي الكنيسة. لقد انتصر الذين ماتوا، وانهزم المضطهِدون... موت الشهداء هو مكافأة حياتهم. مرة أخرى بموتهم، على اختلاف صوره، وضع نهاية للكراهية.

القديس أمبروسيوس

يرى البعض أن رقم ٥٠٠٠ هنا يضم المائة وعشرين المذكورين في أع ١: ١٥ والثلاثة آلاف الذين آمنوا في يوم البنطقستي (أع ٢: ٤١). وقد اجتمع الخمسة آلاف في رواق سليمان (أع ٣: ١١) بمناسبة شفاء الأعرج.

- هذا أيضًا حدث بتدبير الله، لأن الذين آمنوا كانوا أكثر ممن آمنوا قبلاً. لهذا قيدوا الرسولين فى حضور الشعب لكي يجعلوهم في رعبٍ شديدٍ. لكن حدث العكس، فقد فحصوهما ليس أمام الشعب، بل سرًا حتى لا يتشجع السامعون لهما.

القديس يوحنا الذهبي الفم


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email
2. الرسولان أمام المجمع

"وحدث في الغد أن رؤساءهم وشيوخهم وكتبتهم، اجتمعوا إلى أورشليم". [5]

اجتمع مجمع السنهدرين (السنهدريم)، وقد سبق لنا الحديث عنه في تفسير الإنجيل بحسب يوحنا. اجتمع الآن بعد مرور عدة أسابيع لاجتماعه وأخذ القرار بالخلاص من شخص يسوع، وبالفعل خططوا وسلموه للقتل، وإذا باسمه يتمجد بالأكثر، وعدد المؤمنين بلغوا الآلاف في أيام قليلة، وصاروا شهودًا جادين أن يسوع المصلوب هو المسيا مخلص العالم. في اجتماعهم الأول كانوا يشعرون أن وجود يسوع يزعزع مكانتهم، ويفقدهم موارد رزقهم. أما الآن إذ انتشرت الكرازة بقيامته وصعوده، هذا لا معنى له سوى أن الذين صلبوه قتلة وسافكو دم بريء.

كانت الجلسة بلا شك عاجلة تمت في اليوم التالي مباشرة، وإن لم تكن بذات العجلة كما عند محاكمة السيد المسيح، إذ لم يجتمع المجمع مساءً.

تمت المحاكمة في أورشليم، المدينة الذي ينتظر الكل أن يتمتعوا فيها بالخلاص، لأنها مدينة الله، صارت مقاومة للحق الإنجيلي. يقول النبي: "كيف صارت القرية الأمينة زانية؛ ملآنة حقًا، كان العدل يبيت فيها، وأما الآن فالقاتلون" (إش ١: ٢١). وقد ناح عليها السيد المسيح نفسه، قائلاً: "يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا" (مت ٢٣: ٣٧).

ضمت هيئة القضاء الرؤساء والشيوخ وهم أصحاب سلطان جاءوا ليصدروا الحكم عليهم على الأقل بأن يكفوا عن الكرازة، أما الكتبة فهم الطبقة المتعلمة، كانوا يظنون أنهم قادرون أن يفحموا هؤلاء الرسل الأميين ويردعوهم بالحجج والبراهين.

"مع حنّان رئيس الكهنة وقيافا ويوحنا والإسكندر، وجميع الذين كانوا من عشيرة رؤساء الكهنة". [6]

"ولما أقاموهما في الوسط، جعلوا يسألونهما: بآيّة قوة، وبأيّ اسم صنعتما أنتما هذا؟" [7]

يجتمع المجمع في شكل دائرة، ويقف المتهمون في المنتصف (لو ٢: ٤٦). بهذا يتحقق قول الكتاب: "جماعة من الأشرار اكتنفتني" (مز ٢٢: ١٦)، "أحاطوا بي مثل النحل" (مز ١١٨: ١٢)، إذ كانوا يجلسون حولهما من كل جانب.

استدعوا التلميذين وبدأوا يستجوبوهما: "بأية قوة، وبأي اسم صنعتما أنتما هذا؟" لم يكن ممكنًا لهم أن ينكروا صنع المعجزة، فإن آلاف مؤلفة تشهد بها، ولا يمكن إخفائها، لكنهم كالعادة غايتهم تحويل الحق إلى باطل، فينسبوا الشفاء إلى بعلزبول رئيس الشياطين كما اتهموا السيد قبلاً، أو لقوةٍ سحريةٍ، ولعلهم ظنوا أن بالتهديد يضطر التلاميذ أن ينسبوا العمل لأحد أنبياء العهد القديم.

تحدثوا معهما في شيء من السخرية، فإن النص اليوناني الذي ترجمته: "بأي اسم صنع مثلكما هذا؟" يحمل معنى "أنتما لا تنتميان إلى الكهنة، ولا إلى سبط لاوي، ولستما نبيين، ولا من القادة، فبأي سلطان تفعلان هذا؟ من أين أتيتما بالقوة؟ وتحت أي اسم تتجاسران وتفعلان هذا؟"

إنهم يعرفون تمامًا أنه باسم يسوع الناصري وبسلطانه وقوته فعلا هذا، لكنهم أرادوا أن يبثوا روح الرعب فيهما، ويلفقان لهما اتهامًا أنهما يعملان باسمٍ غير شرعيٍ، وأنهما مرتكبان جريمة ضد الله والناموس وموسى.

وُجه إليهم نفس السؤال الذي وُجه لسيدهم: "بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن أعطاك هذا السلطان؟" (مت ٢١: ٢٣).

حنان: وهو حما قيافا رئيس الكهنة، ذُكر أولاً بسبب كرامته، إذ كان رئيسًا للكهنة قبل استلام زوج ابنته هذا المركز. وقد رأينا في دراستنا لإنجيل يوحنا كيف كان ملتهبًا بالكراهية نحو شخص يسوع المسيح.

يوحنا والاسكندر: لا نعرف عنهما شيئًا، غير أن ذكرهما بالاسم يشير إلى أنهما صاحبا سلطان ونفوذ، يظن المجمع أنهما قادران أن يُسكتا الرسل.

أورشليم: واضح من هذا أن المجمع كان ينعقد أحيانًا في بلاد أخرى. وقد ذكر الكتَّاب اليهود أنه كان ينعقد في كل مرة في بلدة مختلفة، وذلك خلال الأربعين عامًا قبل خراب أورشليم.

"حينئذ امتلأ بطرس من الروح القدس، وقال لهم: يا رؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل". [8]

لقد حقق الرب وعده لتلاميذه: "فضعوا في قلوبكم أن لا تهتموا من قبل لكي تحتجوا، لأني أنا أعطيكم فمًا وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها" (لو 21: 14-15). كما وعدهم بأن الروح القدس يعطيهم كلمة عند مقاومتهم.

ألم يكن بطرس ممتلئًا بالروح حين حلّ عليه في عيد العنصرة مع بقية التلاميذ، فلماذا يقول: "حينئذ امتلأ بطرس من الروح القدس"؟ الامتلاء هنا يحمل معنى التمتع بإلهام جديد، وإعلان مساندة خاصة لموقف متأزم، فمع كل ظرف يعيش فيه المؤمن، يتحرك روح الله داخله ليهبه قوة وفهمًا وحكمة ومشورة إلهية.

تحدث القديس بطرس مع أعضاء المجمع بكل وقارٍ واحترامٍ، وفي نفس الوقت بكل شجاعةٍ، حاسبًا ذلك فرصة للشهادة للحق، وذلك حسب مبدأه: "مستعدين دائمًا لمجاوبة من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم بوداعةٍ وخوفٍ" (١ بط ٣: ١٥).

لقد سبق فجحد القديس بطرس سيده في نفس المدينة أمام ذات المجمع وفي حضور ذات الأشخاص، لهذا وجد الرسول فرصته ليحمل شهادة صادقة لمسيحه الذي سبق فأنكره.

كل مؤمنٍ يذوق عذوبة الحياة في المسيح يسوع بالحق لن يكف عن الشهادة له، مشتهيًا أن يختبر كل البشرية ما يتمتع به.

- عندما تكتشفون أن شيئًا ما نافع لكم، تريدون أن تخبروا الآخرين عنه... طبّق هذا السلوك الإنساني في المجال الروحي. عندما تذهب إلى اللَّه، لا تذهب وحدك.

- عندما تتحرّك متقدًّما، اجتذب آخرين ليذهبوا معك. لتكن لك رغبة في أن يكون لك رفقاء في الطريق إلى الرب.

البابا غريغوريوس (الكبير)

- قلب محب واحد يلهب قلبًا آخر بالنار.

- ماذا اشتهي؟ ماذا أريد؟ لماذا أتكلّم؟ لماذا أعيش إن لم يكن لهذا السبب: أن نحيا معًا مع المسيح... أنني لا أريد أن أخلص بدونكم.

- ضرورة الحب تبحث عن ممارسة العمل الرسولي.

القدّيس أغسطينوس

- خلص نفسك في خلاص الآخرين.

القدّيس جيروم

- لو كنتم مسيحيّون بالحق لما بقي وثني واحد.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

"إن كنا نفحص اليوم عن إحسان إلى إنسانٍ سقيم، بماذا شُفي هذا". [9]

في شجاعة بعمل الروح القدس يعلن بطرس الرسول شهادته ليس أمام مجمع السنهدرين وحده، بل وأمام جميع شعب إسرائيل، أن ما حدث هو بقوة يسوع المسيح الناصري وباسمه. هكذا يصر الرسول أنه لن يتوقف عن الشهادة ليسوع المسيح أمام جميع شعب إسرائيل. وأنه يوجه لهم الاتهام، إنهم هم قتلة ذاك الذي جاء ليشفي كساح الشعب وأمراضه، جاء ليشفي ويهب قوة وحركة عمل في حياة الشعب، فهل يودون محاكمتهم على هذا الإحسان كما سبق فحاكموا البار وقتلوه؟ ليكن، لكن رسالتهم هي أن يعلنوا للجميع عن صاحب هذا الاسم وقوته الإلهية الفائقة المقدمة لكل مؤمنٍ.

أوضح الرسول بطريقة غير مباشرة أنه ليس من شرٍ قد ارتكبه، وإنما يُحاكم من أجل إحسان قُدم لرجلٍ سقيمٍ لم يستطع مجمع السنهدرين ولا كل القيادات الدينية أن تفعله. فلا توجد مادة لجريمةٍ ما، بل مادة لإحسانٍ عظيمٍ وفريدٍ.

ومن جانب آخر، فإنه ليس من ينكر الشفاء، لأنه حقيقة ملموسة من الجميع، إنما موضع الاتهام هو "بماذا شفي هذا؟" الجريمة التي كانت تلاحق الكنيسة، ولا تزال تلاحقها، هي جريمة "الاسم"، أنه باسم يسوع يتم الخلاص، ويتحقق كل إحسان ونعم إلهية!

"فليكن معلومًا عند جميعكم، وجميع شعب إسرائيل، أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم، الذي أقامه اللَّه من الأموات، بذاك وقف هذا أمامكم صحيحًا". [10]

يؤكد حديث القديس بطرس أن السيد المسيح يتمم وعده الصادق لنا: "فمتى ساقوكم ليسلموكم فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا. بل مهما أُعطيتم في تلك الساعة بذلك تكلموا، لأن لستم أنتم المتكلمون بل الروح القدس" (مر ١٣: ١١).

يا للعجب! بطرس الذي أنكر أمام جارية وأصر على الإنكار يقف الآن أمام السنهدرين بكل قوةٍ ليشهد لاسم يسوع المسيح الناصري المصلوب والقائم من الأموات. إنه يعلن أن الذي قتلوه هو الحي غالب الموت، الذى يملك وليس من يقدر أن يقاومه.

في حكمة الروح القدس يكشف بجرأة أن حكمهم باطل، فقد قتلوا البار، وأن حكم الله الآب القدير لا يُقاوم إذ أقامه من الأموات. فقد نقضت السماء حكمهم، وكشفت عن فسادهم كقتلة مملوءين حسدًا وغيرة.

أما الشهادة على ذلك فظاهرة، لا تحتاج إلى دفاع: "بذاك وقف هذا أمامكم صحيحًا" [10].

كان لدى القديس بطرس الفرصة للهروب من الإجابة على تساؤلهم لو أراد، لكنه وجدها فرصة قد لا تتكرر كثيرًا أن يقف أمام مجمع السنهدرين يشهد للسيد المسيح وعمله الخلاصي، كما أنها فرصة ليصحح ما ارتكبه أثناء محاكمة السيد المسيح حيث أنكره ثلاث مرات. لم يعد بطرس الإنسان الخائف والمرتعب أمام جارية، بل الشاهد الأمين أمام أصحاب السلاطين، لقد اختبر بحق كيف صار صفا، إذ صار قلبه كالصخرة خلال الإيمان الحي، ويشتهي أن يختبر كل من هو حوله عمل الروح القدس ليحمل الكل صخرة الإيمان التي لن تهتز أمام تيارات العالم مهما بلغ عنفها.

لم يكن دافع شهادته كرامة شخصية ولا عن تعصبٍ، وإنما عن حبٍ صادق لله وللبشرية.

بقوله "باسم يسوع المسيح"، أي يربط الاسمين معًا، يتحدى مجمع السنهدرين الذي يرفض أن يكون يسوع هو المسيا الذي تنبأ عنه رجال العهد القديم، والذي تشتهي كل الأجيال اللقاء معه.

لم يعد لقب "الناصري" ولا "المصلوب" موضوع خزيٍ وعارٍ، بل شرف ومجد وقوة.


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 4 جـ3 PDF Print Email
"هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناءون، الذي صار رأس الزاوية". [11]

يعود فيوضح لهم أن ما فعلوه سبق فأعلنه المرتل: "الحجر الذي رفضه البناءون قد صار رأسًا للزاوية، ومن قِبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا". (مز 118: 22)

قد سبق فأشار السيد المسيح نفسه أن فيه تتحقق هذه النبوة (مر 12: 11). سبق فتنبأ إشعياء عنه: "لذلك هكذا يقول السيد لرب: هاأنذا أؤسس في صهيون حجرًا، حجر امتحان، حجر زاوية، كريمًا أساسًا مؤسًسا، من آمن لا يهرب". (إش 28: 16)

إنه حجر مرفوض، لكن رفضه يكشف عن حقيقته، أنه "حجر الزاوية" الذي يضم اليهود مع الأمم كحائطين يلتحمان معًا في هيكل الرب الجديد، أو كنيسة العهد الجديد.

يقول القديس بولس: "مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية الذي فيه كل البناء مركبًا معًا ينمو هيكلاً مقدسًا في الرب؛ الذي فيه أنتم أيضا مبنيون معًا مسكنًا لله في الروح". (في 2: 20-21)

هنا يصحح الجليلي مفاهيم علماء اليهود الذين ظنوا أن الحجر المرذول هو داود النبي والملك، فقد جاء في الترجوم Targum تعليقًا على مز ١١٨: ٢٢: "الطفل الذي كان بين أبناء يسى، والذي كان مستحقًا أن يجلس ملكًا، رذله البناءون".

- لقد ذكَّرهم أيضًا بالقول الكافي أن يرعبهم. فقد قيل: "من سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه" (مت 21: 44). يقول بطرس أنه ليس بأحد غيره الخلاص [12]. أية جراحات تظنون أصابتهم بهذه الكلمات!... إنه بهذا أخمد تهديدهم.

- إنه أمر واضح لكل أحدٍ أنه يشير إلى المسيح. ففي الأناجيل أورد بنفسه هذه العبارة الموحاة بكلماته: "أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رذله البنّاؤون هو قد صار رأس الزاوية؟" (مت 21: 42، لو 20: 17)... هنا يعني اليهود، معلّمي الناموس والكتبة والفرّيسيّين، لأنهم رفضوه قائلين: "إنّك سامري وبك شيطان" (يو 8: 48). وأيضًا: "لا يمكن أن يكون من عند اللَّه، إنّه يخدع الجموع". لكن هذا الإنسان الذي رُفض ظهر للعيان أنّه مقبول أن يصير رأس الزاوية.

أنتم ترون أنّه ليس أيّ حجر يصلح أن يكون للزاوية، وإنما الحجر المقبول جدًا، القادر أن يربط حائطين من الجانبين. هكذا فإن الكاتب الملهم يقصد أن الشخص الذي يرفضه اليهود ويحتقروه يظهر علانيّة أنّه عجيب ليس فقط ليكون في البناء بل يربط الحائطين.

أيّ حائطين بالحقيقة (اللذين يربطهما)؟

أولئك الذين آمنوا من اليهود والذين من الأمم، وكما يقول أيضًا بولس: "لأنّه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا، ونقض حائط السياج المتوسّط، أيّ العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائضٍ، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا" (أف2: 14-15). وأيضًا: "مبنيّين على أساس الرسل والأنبياء، ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية" (أف2: 20).

الآن، هذه العبارة هي اتّهام خطير ضد اليهود، إذ لم يحسبوه حجرًا لائقًا لبنائهم، بل طرحوه خارجًا كمن هو غير مقبول، مع أنّه قادر على أقامة البناء. إن أردتّم أن تتعلّموا من هما الحائطين، فلتصغوا إلى المسيح نفسه القائل: "ليّ خراف آخر ليست من هذه الحظيرة، ينبغي أن آتي بتلك أيضًا... وتكون رعيّة واحدة وراعٍ واحد" (يو10: 16).

هذا أيضًا حدث قبلاً في رمزٍ، إذ كان إبراهيم أبًا لكلٍ من المجموعتين: أهل الختان وأهل الغرلة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يوضح القديس أمبروسيوس كيف يُدعى السيد المسيح الجبل العظيم وأيضُا حجرًا، فيقول:

- إن حسبنا لاهوتَ المسيح هو الجبل العظيم فهذا حق: "أما أملأ أنا السماوات والأرض يقول الرب؟" (إر 23: 24) فإن كان بالحق لاهوت المسيح هو الجبل العظيم، فإن تجسده يقينًا هو التل الصغير (الجبل الصغير مز 42 :6). لهذا فالمسيح هو كلاهما معًا. فهو جبل عظيم وجبل أقل! عظيم حقًا، لأنه "عظيم هو الرب وعظيمة هي قوته" (مز 147: 5). وأقل لأنه مكتوب: "تنقصه قليلاً عن الملائِكة" (مز 8 :5). لهذا يقول إشعياء: "رأيناه، لا صورةَ له ولا جمالَ" (إش 53:2 LXX)، ومع أنه عظيمٌ نزلَ صائرًا أقل! وحال كونه أقلَ صارَ عظيمًا. وحال كونه عظيمًا صار أقل، لأنه "بالرغم من أنه بالطبيعة هو الله، أخلى ذاته وأخذ طبيعة عبد" (في 2 :6-7) وحال كونه أقل صار عظيمًا، لأن دانيال يقول: "أما الحجر الذي ضرب التمثال، فصار جبلاً كبيرًا، وملأَ الأرضَ كلها" (دا 2: 35). وإن كنتم تطلبون معرفة من هو ذلك الحجر، فاعرفوا أنه "الحجر الذي رفضه البناءون، هذا صار رأس الزاوية" (قابل مز 118 :22،إش 28 :16، مت 21: 42، لو 20 :17، أع 4: 11، 1 بط 2 :6-7). كان هو نفسه، مع ذلك وبالرغم من أنه ظهر صغيرًا، كان عظيمًا. ويوضح إشعياء موافقته لتلك الحقيقة لأنه يقول: "يولد لنا ولد ونُعطى ابنا الذي بدايته على كتفيه، ويُدعى الرسول المشير العظيم " (إش 9: 5 LXX).

المسيح هو كل شيء لأجلكم:

هو حجر لأجلكم، ليبنيكم، وجبلٌ لأجلكم، لتصعدوا!

فاصعدوا الجبل إذن، يا من تطلبون السماويات.

لهذا السبب طأطأ (أحنى) السماوات، لتكونوا أقربَ إِليه!

ولهذا السببِ صعد إلى أعلى قمة الجبل ليرفعكم معه.

القديس أمبروسيوس

"وليس بأحد غيره الخلاص، لأن ليس اسم آخر تحت السماء، قد أُعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص". [12]

وقف الجليلي الأمي يدعو رجال العلم والمعرفة الدينية والسلطة إلى التوبة والتمتع بالخلاص.

رفعهم الرسول بطرس من الانشغال بشفاء الكسيح إلى شفاء نفوسهم العاجزة عن العبور إلى السماء، أو خلاصها لتتمتع بالمجد المُعد للمؤمنين. هذا الذي شفي الكسيح هو طبيب النفوس والأجساد، باسمه وحده ينعم الإنسان بالخلاص. ليس من وجهٍ للمقارنة بين الأسماء التي عرفوها واعتزوا بها مثل إبراهيم أب الآباء أو موسى مستلم الشريعة أو أحد الأنبياء، فإنه ليس أحد منهم قادرًا أن يخلص النفوس من الفساد وينعم عليها بالمجد، إنما اسم ذاك الذي رفضوه واحتقروه وقتلوه.

قدم لهم الرسول جوهر الإيمان، وهو أن الخلاص لا يتحقق بحرفية الناموس، وإنما بالإيمان باسم يسوع المسيح، أي بالقادر وحده أن يخلص: يمحو الخطايا، ويهب البرّ، يحول آلام الضيق إلى بهجة قيامة، يرفع القلب إلى السماء، ليتذوق المؤمن عربون الأبدية. يحطم متاريس الهاوية، ويفتح أمامنا أحضان الآب السماوي، لنتمتع بالاتحاد معه.

- الإيمان المسيحي يشبه حبة خردل يبدو للنظرة الأولى شيئًا صغيرًا تافهًا وضعيفًا، لا يُظهر بوضوح قوته الحقيقية؛ عندما تبدأ تهاجمه تجارب متنوعة، عندئذ يظهر نشاطه خارجيًا وقوته، ويتنسم إيمانه الناري بالرب، ويُثير نوعًا من الهوى الإلهي، لا ليلتهب هو نفسه فقط، بل ويلهب كل ما في داخل مجاله.

القديس أمبروسيوس

- سيأتي زمن أرى فيه ما كنت أؤمن به ولا أراه.

- سأرى في الأبدية ما أؤمن به هنا... وما أرجوه هنا سأحصل عليه هناك.

-عظيم هو الإيمان، إنما لا فائدة منه إن خلا من المحبة.

- يلزم على الإيمان أن يسبق الإدراك، ليكون الإدراك جزء من الإيمان.

- نستطيع أن نلمس ذاك الجالس في السماء بإيماننا وليس بأيدينا.

القديس أغسطينوس

- تكمن قوة الفضيلة في الإيمان، والتعرف على أن الله يمكن أن يحفظنا من الموت الحاضر؛ وفي نفس الوقت لا نرهب الموت ولا نخضع له، حيث يتزكى به الإيمان بأكثر غيرة.

- نُضوج الإيمان يا إخوتي الأعزاء يُسند داخلنا بثبات. بعد كل هجوم عنيف تقف الفضيلة ثابتة كصخرة ضخمة في مقاومة هائلة.

الشهيد كبريانوس

"ليس اسم آخر": لا يعني الرسول تجاهل اسم الله الآب، لكن بذل الآب ابنه الوحيد ليهب الخلاص خلال اسم ابنه، فمن يدعو اسم الابن الوحيد إنما يدعو الثالوث القدوس، حيث لا انفصال بين الأقانيم، بل توجد وحدة عمل.

"قد أُعطي": هذا الاسم أو شخص ربنا يسوع المسيح أُعطي لنا مجانًا، أو كما يقول الرسول: "فشكرًا لله على عطيته التي لا يُعبر عنها" (٢ كو ٩: ١٥).

- أنصت إلى المخلص: أنا جددتك، يا من وُلدت في العالم بالشقاء للموت. لقد حررتك، وشفيتك وخلصتك. سأهبك الحياة التي بلا نهاية، السرمدية، الفائقة للطبيعة. سأريك وجه الله الآب الصالح.

- أني أحثك على الخلاص، هذا ما يشتهيه المسيح.

- سخي هو ذاك الذي يهبنا أعظم كل العطايا، حياته ذاتها.

- من هو؟ تعلموا باختصار، إنه كلمة الحق، كلمة عدم الفساد، الذي يجدد الإنسان إذ يرده إلى الحق. إنه المهماز الذي يحث على الخلاص. هو محطم الهلاك، وطارد الموت. أنه يبني هيكل اللّه في الناس، فيأخذهم للّه مسكنًا له.

يحتاج المرضى إلى مخلص،

ويحتاج الضالون إلى مرشد،

يحتاج العميان إلى من يقودهم إلى النور،

والعطاش إلى الينبوع الحيَّ الذي من يشرب منه لا يعطش أبدًا والموتى إلى الحياة،

والخراف إلى راعى،

والأبناء إلى معلم؛

تحتاج كل البشرية إلى يسوع!

القديس إكليمنضس السكندري

- ليكن المسيح هو كل شيء. من يترك كل شيء من أجل المسيح، حتمًا يجد أمرًا واحدًا فيه الكل، لكي يصرخ: نصيبي هو الرب.

القديس چيروم

- وُلد اسحق رمزًا للمسيح، لأن الأمم لا تتبارك في اسحق بل في المسيح، يقول الرسول بطرس: "ليس بأحدٍٍ غيره الخلاص، لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص".

أمبروسياستر


 
تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 4 جـ4 PDF Print Email
3. ارتباك المجمع

"فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا، فعرفوهما أنهما كانا مع يسوع". [13]

كان حديث الرسولين بطرس وبولس مقنعًا، يتكلمان بمجاهرة، في ثقةٍ وكمن لهما سلطان، مع أنهما في أعين القيادات عاميان عديما العلم، لأنهما لم يتربيا في مدارس الربيين. إنهما عاميان أي من عامة الشعب، ليس لهما مركز مرموق ولا هما من أصحاب المواهب. لقد كشفا عن مفاهيم جديدة للنبوات بمنطقٍ لاهوتيٍ عميقٍ، ومحاجاة يصعب على محامٍ أن يأتي بها. كلماتهما كانت من عمل الروح القدس نفسه صاحب الكلمة، والذي وحده يقدر أن يعلن عن الحق.

لقد بحثوا في أمرهما، فاكتشفوا أن سرّ قوتهما والهالة التي تحيط بهما "أنهما كان مع يسوع"، وأنهما قد حملا انعكاس بهائه عليهما.

لقد أدركوا أنهما من رسل السيد المسيح الذين تبعوه والتصقوا به، وآمنوا به ولعلهم بلغوا هذه النتيجة من الآتي:

1. يحملان قوة في صنع العجائب، خاصة شفاء هذا الأعرج باسم يسوع المسيح الناصري.

2. يحملان روح المجاهرة والشجاعة في الشهادة له دون خوف أو تردد.

3. حملا روحه والمناداة بالحق الإلهي.

4. إدراكهما لأسرار العهد القديم بمفهومٍ جديدٍ.

5. مع عدم تعليمهما بثقافةٍ زمنيةٍ، يتحدان الحكماء (١ كو ١: ٢٧-٢٨)، بل ويفحمان مجمع السنهدرين نفسه، الذي يظن أنه حامي الإيمان والحق. إنهما مثل سيدهما الذي كان يتكلم كمن له سلطان (مر ١: ٢٢)، مع أنه لم يتعلم الكتب في مدارس الربيين (يو ٧: ١٥).

- تفَّوق العاميان على بلاغتهم وعلى رؤساء الكهنة، لأنهما لم يكونا المتكلمين بل نعمة الروح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ليس للمعرفة الحقيقية الروحية فصاحة زمنية، تلك التي هي مدنسة بوصمات الخطايا الجسدية، فإننا نعرف أنه أحيانًا ينالها بصورة عظيمة من هم بلا فصاحة لسان بل والأميون. هذا يظهر بوضوح في حالة الرسل وكثير من القديسين الذين ليس لهم مظهر أوراق (الشجر) الكثيرة لكنهم منحنون بفعل ثقل ثمار المعرفة الروحية الحقيقية. عن هؤلاء جاء في أعمال الرسل: "فلما رأَوا مجاهرة بطرس ويوحنا ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعامّيَّان تعجَّبوا، فعرفوهما أنهما كانا مع يسوع" (أع 13:4).

الأب نسطور

"ولكن إذ نظروا الإنسان الذي شُفي واقفًا معهما، لم يكن لهم شيء يناقضون به". [14]

الأعرج الذي شُفي هو برهان أكيد لا مجال للحوار فيه على الحق الذي ينادي به الرسولان. فالمعجزة علنية وواضحة وحاسمة، والأعرج رجل معروف تمامًا.

لم يكن القادة قادرين على المغالطة، فالشفاء واقعة حقيقية تمت لرجلٍ يعرفه كل أهل أورشليم، والحديث منطقي كتابي، مستمد من النبوات التي بين أيديهم.

هنا يمتدح القديس يوحنا الذهبي الفم شهامة وشجاعة الرجل الذي شُفي.

- عظيمة هي جرأة الرجل، فإنه لم يتركهما حتى في قاعة المحكمة، فإنهما وإن قالا هذه الحقيقة لا تكون بذات القوة عندما يحاججهم هو.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فأمروهما أن يخرجا إلى خارج المجمع، وتآمروا فيما بينهم". [15]

"قائلين: ماذا نفعل بهذين الرجلين؟ لأنه ظاهر لجميع سكان أورشليم أن آية معلومة قد جرت بأيديهما، ولا نقدر أن ننكر". [16]

رُفعت الجلسة للمداولة وهم في خزي، دون إمكانية إصدار حكم ضد الرسولين، فإنهما لم يكسرا الشريعة، والشعب كله قد عرف ما قد تم على أيديهما، وكرازتهما عن قيامة المسيح لا يمكن نقضها.

تحوّل المجمع إلى موضع مؤامرة، لا محكمة تمثل العدالة. لكن من الذي أخبر لوقا البشير بأنهم تآمروا فيما بينهم، بينما كان الرسولان خارجًا؟ غالبًا ما كان شاول الطرسوسي من بينهم، إذ كان فريسيًا وعلى علاقة قوية بغمالائيل، وكان مملوء غيرة على تقليدات آبائه، وكان رؤساء الكهنة يحسبونه سندهم القوي في مقاومة اسم يسوع. شاول هذا بعد تحوله إلى الإيمان قدم للقديس لوقا المعلومات الخاصة بما جرى داخل المجمع، سواء في هذا الحدث أو غيره من الأحداث، ولعله اشترك معهم في هذه المؤامرة أو كانت له اليد الكبرى في تشجيعهم على ذلك.

طلبوا من الرسولين أن ينسحبا إلى خارج المجمع، لا ليتدارسوا صحة إيمانهما أو بطلانه، إنما ليخططا ضد الكنيسة في بدء انطلاقها، ولم يدركوا أن رأس الكنيسة حاضر في كل موضع يدافع عنها، ويبطل مؤامرات العدو. لم يدركوا أنهم يحققون النبوات: "تآمر الرؤساء معًا، على الرب وعلى مسيحه" (مز ٢: ٢).

- "ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا" (رو 8: 37). فإنه بالحق عجيب هو هذا الأمر، أننا لسنا فقط منتصرين فحسب، بل نحن منتصرون بنفس الأمور التي وضعت كخططٍ ضدنا. وإننا "أعظم من منتصرين"، أي أننا منتصرون بسهولة بدون تعبٍ أو مجهودٍ... انظروا، فإن اليهود يقولون: "ماذا نفعل بهذين الرجلين؟" (أع 4: 16). حقًا إنه لأمر عجيب، مع أنهم أمسكوا بهما، وجعلوهما تحت المحاكمة، وسجنوهما، وضربوهما، لكنهم شعروا أنهم في ضياع وارتباك كمن انهزموا بنفس الأمور التي توقعوا أنهم بها ينتصرون. لم يكن للملوك ولا للشعب ولا لطغمات الشياطين ولا لإبليس نفسه سلطان لينالوا شيئًا منهما، بل الكل انهزموا في خسارة عظيمة، إذ وجدوا أن كل ما قد خططوه ضدهما آل إلى صالحهما. لهذا يقول: "نحن أعظم من منتصرين" (راجع رو 8: 37). هذا قانون جديد للنصرة به ينال البشر الغلبة على أعدائهم، لن ينهزموا بأية وسيلة، بل يدخلون هذه الصراعات كأن الأمر في أيديهم...

إنّهما ليس فقط انتصرا، وإنّما انتصرا بطريقة مدهشة، حتى يظهر بوضوح أن الذين خطّطوا ضدّهما كانوا في معركة ضد اللَّه وليس ضد بشر مجرّدين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولكن لئلاّ تشيع أكثر في الشعب لنهددهما تهديدًا، أن لا يُكلّما أحدًا من الناس فيما بعد بهذا الاسم". [17]

"فدعوهما وأوصوهما أن لا ينطقا البتّة، ولا يُعلما باسم يسوع". [18]

كان رؤساء المجمع في موقف لا يُحسدون عليه، فإن حكموا بموت الرسولين يخشون الشعب الذي شاهد بنفسه معجزة فريدة من نوعها. وإن أطلقوهما بلا مؤاخذه يحسب ذلك موافقة علنية على أن اسم يسوع المصلوب يصنع معجزات بواسطة تلاميذه. أخيرًا استقروا على تهديد الرسولين حتى لا ينطقا البتة، ولا يعلما بهذا الاسم.

أصاب الرؤساء حالة إحباط فمن محاكمة إلى تهديد، وأخيرًا مجرد توصية. بسبب حقدهم الشديد لم يستطيعوا حتى أن ينطقوا اسم يسوع، بل أوصوهما إلا يعلما "بهذا الاسم". لقد حملوا روح شاول الملك الذي في كراهيته الشديدة لداود كثيرًا ما كان غير قادر أن ينطق باسمه بل يدعوه "ابن يسي" (1 صم 20: 72، 30، 31؛ 22: 8، 13).

ليس من خدمة يمكن أن تُقدم لمملكة إبليس أعظم من أن توقف خدمة رجال الله الأمناء، ظنًا من أنه يمكن أن يُوضع النور تحت مكيال، لكن هذا محال.

- كلما أرادوا أن يعوقهم (عن الكرازة) كان العمل بالأكثر يزداد على أيديهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

4. تهديد الرسولين

"فأجابهم بطرس ويوحنا وقالا: إن كان حقًا أمام اللَّه أن نسمع لكم أكثر من اللَّه فاحكموا". [19]

استطاع هذان الأميان عديما العلم أن يبكما أكثر من سبعين شخصًا على أعلى مستوى من المعرفة والسلطة. فقد اعتقد أعضاء مجمع السنهدرين أنهم مُعينون من قبل الله نفسه، وأنهم مدافعون عن الحق الإلهي. الآن يسألهم الرسولان: تلقينا أمرًا من الله بالكرازة، وتلقينا أمرًا منكم بالصمت، فأي الأمرين يلزم طاعته: الأمر الإلهي أم البشري؟ هكذا وُضع المجمع في مأزقٍ رهيبٍ، إذ لم يعد يمثل فكر الله، ولا يبالي بالوصية الإلهية وتتميم مشيئة الله ولا بقبول تنفيذ النبوات.

طلب الرسولان من رؤساء المجمع أن يحكموا بأنفسهم: هل يسمع الرسل لهم أكثر من الله؟ هل يصمتون عن الشهادة للحق الذي رأوه وسمعوه واختبروه؟ كيف يمكنهم أن يخفوا إشراق نور القيامة عن الناس؟ فالضرورة موضوعة عليهم أن يكرزوا (١ كو ٩: ١٦؛ إر ٢٠: ٩؛ أع ١٨: ٥).

"لأننا نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا". [20]

الشهادة للسيد المسيح هي حق بل والتزام من جانب من يرى الرب في حياته، ويسمع صوته الإلهي في داخله. ليس من صوتٍ بشريٍ مهما كان سلطانه يقف ضد الصوت الإلهي، كلمة الإنجيل الحي العامل في حياة المؤمن.

- يلتزم العبد الذي يرسله الرب أن يفعل ما يجب عليه أن يعمله، حتى ولو كان ذلك بغير إرادته، فإنّه إن لم يفعل ذلك يتعرّض للعقوبة. لقد كرز موسى لفرعون، مع أنّه لم يكن يريد ذلك (خر 4: 10؛ 5: 1)، والتزم يونان أن يبشّر أهل نينوى (يو1: 1- 3: 4).

إمبرسياستر

- أود أن أسأل: من الذي كان مرتعبًا؟ هل الذين قالوا: "لا يكلما أحدًا من الناس" أم القائلان: "لأننا نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا"؟

لقد وجدوا بهجة وحرية للتكلم، وفرحًا فائقًا على الكل، أما أولئك فكان يلحق بهم القنوط والخزي والخوف، إذ كانوا يخشون الشعب.

لم يكونا خائفين منهم، بل بالعكس بينما قال هؤلاء ما يريدونه، إذا بالرسولين لم ينفذا ما أراد هؤلاء، فمن إذن الذين كان في قيودٍ ومخاطرٍ؟ ألم يكن هؤلاء (أعضاء المجمع)؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وبعدما هدّدوهما أيضًا أطلقوهما، إذ لم يجدوا البتّة كيف يعاقبونهما بسبب الشعب، لأن الجميع كانوا يمجّدون اللَّه على ما جرى". [21]

"لأن الإنسان الذي صارت فيه آية الشفاء هذه، كان له أكثر من أربعين سنة". [22]

كان لابد للمجمع أن ينهي جلسته، فقد كان الجمع يمجد الله على شفاء الأعرج بطريقة فائقة. فإنه يستحيل لأعرج له أكثر من أربعين عامًا يعاني من الكساح وقد وُلد هكذا أن يُشفى.


 
<< Start < Prev 1 2 3 4 5 6 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


13 بابه 1734 ش
24 أكتوبر 2017 م

نياحة القديس زكريا الراهب بن قاربوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك