إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

التجسد الإلهي


يتحدث الرسول في هذا الأصحاح عن:

1.تجسد اللَّه الكلمة واهب الحياة ١.

2.غاية التجسد:

أ. يكون لنا شركة وتمتع بالحياة والفرح ٢-٤.

ب. نتبع اللَّه ونسلك في النور ٥-٧.

ج. نعترف بخطايانا ٨-١0.

د. نقبل الرب شفيعًا كفاريًا (1 يو 2: 1-2).

1. تجسد اللَّه الكلمة واهب الحياة

"الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة" [1].


لاق بالرسول يوحنا أن يبدأ رسالته بهذه الشهادة القوية، لأنه كان أكثر التلاميذ والرسل دالة عند ربنا. انفرد باتكائه على صدره (يو 13: 23)، فتشرّب منه أسرارًا عميقة، وعاين مع يعقوب وبطرس أمجاد الابن على جبل تابور (مت 17: 1)، ورافق ربنا في خدمته حتى الصليب، متسلمًا منه الأم الحنون العذراء مريم أمًا له (يو 19: 25-27)، ونظر ولمس مع التلاميذ آثار جراحات ربنا القائم من بين الأموات (لو 24: 39).

ولعل القديس يوحنا كان في ذلك الوقت الرسول الوحيد الذي كشاهد عيان للرب لم ينتقل بعد، لذلك قال "الذي كان من البدء"، أي الأزلي غير المنظور، هذا صار جسدًا. أخذ ناسوتًا حقيقيًا هذا "الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا"، أي جاء الابن متأنسًا، فسمعناه ورأيناه ولمسناه، فأدركته قلوبنا "من جهة كلمة الحياة". جاءنا لكي نراه من جهة الناسوت، فتتلامس معه أرواحنا، وتحيا به، إذ هو الإله الحي مصدر الحياة (يو 1: 1، 3).

وكما يقول القديس أغسطينوس: [من كان يستطيع أن يلمس اللَّه الكلمة لو لم يكن الكلمة قد صار جسدًا وحلَّ بيننا؟! لقد أخذ الكلمة المتجسد بداية ناسوته من مريم العذراء، لكن ليست هذه هي بداية الكلمة، إذ يقول الرسول: "الذي كان من البدء"، شريك الآب في الأزلية.]

جاء الكلمة متجسدًا لكي يعلن للبشر محبته لهم. فهو لا يريد أن يكون غريبًا عنهم بل قريبًا إليهم، يسمعون صوته في داخل نفوسهم ويرونه بقلوبهم، وتلمسه حياتهم الداخلية. وبهذا يتمتعون بكلمة الحياة، إذ يقول الرسول: "لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء، أي ليحدر المسيح. أو من يهبط إلى الهاوية، أي ليصعد المسيح من الأموات. لكن ماذا يقول؟ الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك" (رو ١٠: ٦-٨).

ويعلق العلامة ترتليان على هذا النص فيقول: بأن اللَّه لا يراه أحد ويعيش (خر 33: 20؛ يو 1: 18). فالآب غير منظور، والابن غير منظور، لكنه أخذ جسدًا فصار منظورًا. هذا الابن، الذي وحده له عدم الموت، "ساكنًا في نورٍ لا يُدنى منه" (1 تي 6: ٦) أخذ جسدًا فمات عنا (1 كو 15: ٣) وصار منظورًا (1 كو 15: 8). لكن عندما رآه الرسول لم يكن قادرًا أن يبصره من أجل بهائه (أع ٢٢: ١١)، ولم يستطع بطرس ويعقوب ويوحنا أن يحتملوه (مت ١٧: ٦؛ مر ٩: ٦).

إذن جاء الابن الكلمة متجسدًا حتى تسمعه مع يوحنا وبقية التلاميذ ينادي الخطاة والعشارين بأسمائهم مترفقًا بهم بلا عتاب أو توبيخ. تسمعه بأذنين نقيتين يغفر لك خطاياك، مصالحًا إياك مع أبيه، دافعًا ثمن المصالحة: دمه الثمين.

وتشاهده يبحث عنك كراعٍ صالحٍ وأبٍ حقيقيٍّ. يذهب بإرادته إلى الصليب ويفتح جنبه حصنًا وسترًا لك، ترى فيه الأحشاء الملتهبة حبًا لك. تراه قائمًا من بين الأموات، صاعدًا إلى السماوات، فيرتفع قلبك به ومعه ويستقر فيه، لتكون حيث هو جالس.

تلمسه مع أمه العذراء مريم فتشتاق إليه، مقدمًا نفسك عروسًا بتولاً عذراء نقية له، وتلمسه مع تومًا معترفًا بألوهيته وربوبيته. تلمس قدميه مع المرأة الزانية، وتغسلهما بدموعك. فلا يستنكف منك بل يطوِّبك ويباركك. لا يرفض لمسات يدك ولا يستخف بدموعك، بل يحرص عليها كجواهرٍ ثمينةٍ لديه.

لأجلي ولأجلك جاء ربنا متجسدًا حتى تتمتع بالحياة التي أظهرها لنا "فإن الحياة أظهرت" [2]. وكما يقول القديس أغسطينوس: [لقد ظهر المسيح... كلمة الحياة بالجسد للبشر. في البدء ظهر للملائكة لا للناس، فعاينوه واقتاتوا به كخبز لهم. والآن صار خبزًا لنا إذ يقول الكتاب: "أكل الإنسان خبز الملائكة" (مز 78: 25).]

كما يقول: [لقد أُظهرت الحياة في الجسد، حتى أن من يمكن رؤيته بواسطة القلب وحده يُرى أيضًا بالعينين، حتى تُشفى القلوب.]

ويقول العلامة ترتليان: [لقد جاء المسيح لكي يظهر ذاته كحياة للنفس البشرية، مخلصًا الإنسان من موته الروحي، وليس بقصد الكشف لنا عن أسرار النفس.]

هذا هو غاية تجسد الكلمة. هذا هو ما رآه التلاميذ وشهدوا به.

- عندما يقول: "الذي كان من البدء" يشير إلى ميلاد الابن الذي بلا بداية، إذ هو موجود أزليًا مع الآب. ففعل "كان" هنا يعني "الأزلية"، بكونه الكلمة نفسه، أي الابن الذي هو واحد مع الآب، ومساوي معه في الجوهر، أزلي غير مخلوق. وعندما يقول: "لمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة" لا يعني جسد الابن مجردًا بل قوته أيضًا.

القديس أثناسيوس الرسولي

- يظن كثيرون أن هذه الكلمات تنطبق على ظهورات يسوع بعد القيامة. يقولون بأن يوحنا يتحدث عن نفسه وعن التلاميذ الآخرين، الذين سمعوا أولاً أن الرب قد قام، وبعد ذلك رأوه بأعينهم، لدرجة أنهم لمسوا قدميه ويديه وجنبه، وتحسسوا آثار المسامير. فإنه إن كان توما هو الوحيد الذي تلامس معه بالفعل جسديًا، فقد كان ممثلاً للآخرين. فقد طلب منهم المخلص أن يلمسوه ويروا ذلك بأنفسهم (لو 24: 39).

لكن آخرين رأوا في هذه الكلمات معنى أعمق، مدركين أنهم لم يتحدثوا على مجرد اللمس، بل أيضًا عن تدبير "كلمة الحياة الذي من البدء". فإلى من يشير هذا إلا إلى الذي قال: "أنا هو الذي هو" (خر 3: 14).

يوجد تفسير آخر وهو أننا نرى علانية بأعيننا ذاك الذي كان من البدء، الذي تحدث عن الناموس والأنبياء أنه سيجيء. لقد جاء حقًا ونُظر في الجسد، وبعد معالجة ضخمة للنصوص الكتابية التي تشهد له. هذا ما نؤمن به بخصوص كلمة الحياة.

القديس ديديموس الضرير

"وقد رأينا ونشهد" [2].

يقول القديس أغسطينوس: [إن كلمة "نشهد" تعني "صرنا شهداء". فعندما نقول "رأينا ونشهد" كأنما نقول "رأينا وصرنا شهداء"، لأن الشهداء احتملوا العذابات بسبب شهادتهم الحقة لما رأوه وسمعوه عنه من الذين شاهدوا. هذه الشهادة أغضبت من جاءت ضدهم، فصار الشهود شهداء. وهذه هي مسرة اللَّه أن يشهد الناس له، ليشهد هو أيضًا لهم.]

إذن لنرى ربنا في حياتنا، ونشهد له بتجاوبنا مع عمله، حاملين سماته في حياتنا، مذبوحين كل يوم من أجله.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 


10 توت 1736 ش
21 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة مطرونة
استشهاد القديس يؤانس المصري وزملائه
استشهاد القديسة باسين وأولادها الثلاثة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك