إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

يجب ألا تأخذ القوة أسلوباً شمشونياً أو عالمياً ، ولا تعنى القوة الإنتصار على الغير وإنما كسب الغير

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى

+ تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +



تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

التجسد الإلهي


يتحدث الرسول في هذا الأصحاح عن:

1.تجسد اللَّه الكلمة واهب الحياة ١.

2.غاية التجسد:

أ. يكون لنا شركة وتمتع بالحياة والفرح ٢-٤.

ب. نتبع اللَّه ونسلك في النور ٥-٧.

ج. نعترف بخطايانا ٨-١0.

د. نقبل الرب شفيعًا كفاريًا (1 يو 2: 1-2).

1. تجسد اللَّه الكلمة واهب الحياة

"الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة" [1].


لاق بالرسول يوحنا أن يبدأ رسالته بهذه الشهادة القوية، لأنه كان أكثر التلاميذ والرسل دالة عند ربنا. انفرد باتكائه على صدره (يو 13: 23)، فتشرّب منه أسرارًا عميقة، وعاين مع يعقوب وبطرس أمجاد الابن على جبل تابور (مت 17: 1)، ورافق ربنا في خدمته حتى الصليب، متسلمًا منه الأم الحنون العذراء مريم أمًا له (يو 19: 25-27)، ونظر ولمس مع التلاميذ آثار جراحات ربنا القائم من بين الأموات (لو 24: 39).

ولعل القديس يوحنا كان في ذلك الوقت الرسول الوحيد الذي كشاهد عيان للرب لم ينتقل بعد، لذلك قال "الذي كان من البدء"، أي الأزلي غير المنظور، هذا صار جسدًا. أخذ ناسوتًا حقيقيًا هذا "الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا"، أي جاء الابن متأنسًا، فسمعناه ورأيناه ولمسناه، فأدركته قلوبنا "من جهة كلمة الحياة". جاءنا لكي نراه من جهة الناسوت، فتتلامس معه أرواحنا، وتحيا به، إذ هو الإله الحي مصدر الحياة (يو 1: 1، 3).

وكما يقول القديس أغسطينوس: [من كان يستطيع أن يلمس اللَّه الكلمة لو لم يكن الكلمة قد صار جسدًا وحلَّ بيننا؟! لقد أخذ الكلمة المتجسد بداية ناسوته من مريم العذراء، لكن ليست هذه هي بداية الكلمة، إذ يقول الرسول: "الذي كان من البدء"، شريك الآب في الأزلية.]

جاء الكلمة متجسدًا لكي يعلن للبشر محبته لهم. فهو لا يريد أن يكون غريبًا عنهم بل قريبًا إليهم، يسمعون صوته في داخل نفوسهم ويرونه بقلوبهم، وتلمسه حياتهم الداخلية. وبهذا يتمتعون بكلمة الحياة، إذ يقول الرسول: "لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء، أي ليحدر المسيح. أو من يهبط إلى الهاوية، أي ليصعد المسيح من الأموات. لكن ماذا يقول؟ الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك" (رو ١٠: ٦-٨).

ويعلق العلامة ترتليان على هذا النص فيقول: بأن اللَّه لا يراه أحد ويعيش (خر 33: 20؛ يو 1: 18). فالآب غير منظور، والابن غير منظور، لكنه أخذ جسدًا فصار منظورًا. هذا الابن، الذي وحده له عدم الموت، "ساكنًا في نورٍ لا يُدنى منه" (1 تي 6: ٦) أخذ جسدًا فمات عنا (1 كو 15: ٣) وصار منظورًا (1 كو 15: 8). لكن عندما رآه الرسول لم يكن قادرًا أن يبصره من أجل بهائه (أع ٢٢: ١١)، ولم يستطع بطرس ويعقوب ويوحنا أن يحتملوه (مت ١٧: ٦؛ مر ٩: ٦).

إذن جاء الابن الكلمة متجسدًا حتى تسمعه مع يوحنا وبقية التلاميذ ينادي الخطاة والعشارين بأسمائهم مترفقًا بهم بلا عتاب أو توبيخ. تسمعه بأذنين نقيتين يغفر لك خطاياك، مصالحًا إياك مع أبيه، دافعًا ثمن المصالحة: دمه الثمين.

وتشاهده يبحث عنك كراعٍ صالحٍ وأبٍ حقيقيٍّ. يذهب بإرادته إلى الصليب ويفتح جنبه حصنًا وسترًا لك، ترى فيه الأحشاء الملتهبة حبًا لك. تراه قائمًا من بين الأموات، صاعدًا إلى السماوات، فيرتفع قلبك به ومعه ويستقر فيه، لتكون حيث هو جالس.

تلمسه مع أمه العذراء مريم فتشتاق إليه، مقدمًا نفسك عروسًا بتولاً عذراء نقية له، وتلمسه مع تومًا معترفًا بألوهيته وربوبيته. تلمس قدميه مع المرأة الزانية، وتغسلهما بدموعك. فلا يستنكف منك بل يطوِّبك ويباركك. لا يرفض لمسات يدك ولا يستخف بدموعك، بل يحرص عليها كجواهرٍ ثمينةٍ لديه.

لأجلي ولأجلك جاء ربنا متجسدًا حتى تتمتع بالحياة التي أظهرها لنا "فإن الحياة أظهرت" [2]. وكما يقول القديس أغسطينوس: [لقد ظهر المسيح... كلمة الحياة بالجسد للبشر. في البدء ظهر للملائكة لا للناس، فعاينوه واقتاتوا به كخبز لهم. والآن صار خبزًا لنا إذ يقول الكتاب: "أكل الإنسان خبز الملائكة" (مز 78: 25).]

كما يقول: [لقد أُظهرت الحياة في الجسد، حتى أن من يمكن رؤيته بواسطة القلب وحده يُرى أيضًا بالعينين، حتى تُشفى القلوب.]

ويقول العلامة ترتليان: [لقد جاء المسيح لكي يظهر ذاته كحياة للنفس البشرية، مخلصًا الإنسان من موته الروحي، وليس بقصد الكشف لنا عن أسرار النفس.]

هذا هو غاية تجسد الكلمة. هذا هو ما رآه التلاميذ وشهدوا به.

- عندما يقول: "الذي كان من البدء" يشير إلى ميلاد الابن الذي بلا بداية، إذ هو موجود أزليًا مع الآب. ففعل "كان" هنا يعني "الأزلية"، بكونه الكلمة نفسه، أي الابن الذي هو واحد مع الآب، ومساوي معه في الجوهر، أزلي غير مخلوق. وعندما يقول: "لمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة" لا يعني جسد الابن مجردًا بل قوته أيضًا.

القديس أثناسيوس الرسولي

- يظن كثيرون أن هذه الكلمات تنطبق على ظهورات يسوع بعد القيامة. يقولون بأن يوحنا يتحدث عن نفسه وعن التلاميذ الآخرين، الذين سمعوا أولاً أن الرب قد قام، وبعد ذلك رأوه بأعينهم، لدرجة أنهم لمسوا قدميه ويديه وجنبه، وتحسسوا آثار المسامير. فإنه إن كان توما هو الوحيد الذي تلامس معه بالفعل جسديًا، فقد كان ممثلاً للآخرين. فقد طلب منهم المخلص أن يلمسوه ويروا ذلك بأنفسهم (لو 24: 39).

لكن آخرين رأوا في هذه الكلمات معنى أعمق، مدركين أنهم لم يتحدثوا على مجرد اللمس، بل أيضًا عن تدبير "كلمة الحياة الذي من البدء". فإلى من يشير هذا إلا إلى الذي قال: "أنا هو الذي هو" (خر 3: 14).

يوجد تفسير آخر وهو أننا نرى علانية بأعيننا ذاك الذي كان من البدء، الذي تحدث عن الناموس والأنبياء أنه سيجيء. لقد جاء حقًا ونُظر في الجسد، وبعد معالجة ضخمة للنصوص الكتابية التي تشهد له. هذا ما نؤمن به بخصوص كلمة الحياة.

القديس ديديموس الضرير

"وقد رأينا ونشهد" [2].

يقول القديس أغسطينوس: [إن كلمة "نشهد" تعني "صرنا شهداء". فعندما نقول "رأينا ونشهد" كأنما نقول "رأينا وصرنا شهداء"، لأن الشهداء احتملوا العذابات بسبب شهادتهم الحقة لما رأوه وسمعوه عنه من الذين شاهدوا. هذه الشهادة أغضبت من جاءت ضدهم، فصار الشهود شهداء. وهذه هي مسرة اللَّه أن يشهد الناس له، ليشهد هو أيضًا لهم.]

إذن لنرى ربنا في حياتنا، ونشهد له بتجاوبنا مع عمله، حاملين سماته في حياتنا، مذبوحين كل يوم من أجله.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email

2. غاية التجسد

أ. أن يكون لنا شركة وتمتع بالحياة والفرح

"ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به" [2].

تتلخص رسالة ربنا يسوع في تقديم نفسه للبشرية لكي يقبلوه رأسًا غير منفصلٍ عنهم ولا هم عنه، بل يصيرون من لحمه وعظامه (أف ٥: ٣٠)، أعضاء حية في جسده السري.

لقد أماتت الخطية النفس البشرية إذ حجبتها عن اللَّه مصدر حياتها، فجاء الابن الكلمة متجسدًا. واهب الحياة نفسه نزل إلينا ومات عنا وقام وصعد بقوة سلطانه، حاملاً إيانا على كتفيه كغنائم حية كسبها المنتصر الغالب الموت والظلمة، داخلاً بمجد عظيم، لا بمفرده بل حاملاً المفديين، لنكون معه ونتمتع به في السماويات.

وكما يقول القديس مقاريوس الكبير: [لقد تنازل اللَّه غير المنحصر، الجائز كل إدراك، صلاحًا منه ولبس أعضاء هذا الجسد، وتخلى عن المجد الذي لا يمكن الدنو منه... صار جسدًا واتحد به ليأخذ إليه النفوس المقدسة المقبولة الأمينة، ويصير معها روحًا واحدًا كقول الرسول بولس (١ كو ٦: ١٧)... لتعيش النفس باتفاق تام، وتتذوق الحياة الخالدة وتصير شريكة في المجد الذي لا يفسد.]

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [والآن نحن الذين قبلاً حُسبنا غير مستأهلين البقاء في الأرض (تك 6: 7) رُفعنا إلى السماوات. نحن الذين كنا قبلاً غير مستحقين للمجد الأرضي، نصعد إلى ملكوت السماوات وندخل السماوات ونأخذ مكاننا أمام العرش الإلهي.]

هذا ما رآه التلاميذ وسمعوه يخبروننا به، فهل نحن لا نتمتع مثلهم؟ لهذا أضاف الرسول:

"لكي يكون لكم أيضًا شركة معنا" [3].

نحن شركاؤهم في الإيمان وفي الحياة الأبدية. إذ لمسه توما، قائلاً: "ربي وإلهي" لمسته أيدي البشرية كلها. لأننا وإن كنا لم نلمس بأيدٍ جسدية، لكننا نسمع ذلك التطويب الصادر من الفم الإلهي: "لأنك رأيتني آمنت. طوبى للذين آمنوا ولم يروا".

لقد قام المسيح وتأكدنا من قيامته، وصارت لنا القيامة فيه. وبهذا اشتركنا مع التلاميذ في إيمانهم وتمتعنا معهم بالقيامة معه والحياة به.

- شركتنا هي في وحدة إيماننا هنا على الأرض، وفي مسكن اللَّه الأبدي في السماء.

هيلاري أسقف آرل


"وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. نكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً" [3-4].

لمسه التلاميذ كشهود عيان بالحواس الخارجية، وأدركوه بالحواس الداخلية. وسلموا هذه الشهادة للأجيال التالية، فيتسلم كل جيل من سلفه بفرح "الإيمان المسّلم مرة للقديسين" (يه ٣).

وإذ يكون لنا هذا الإيمان الرسولي، الإيمان الواحد عبر كل الأجيال للكنيسة الواحدة نستطيع خلال الكنيسة وليس خارجها أن نتمتع بالشركة مع الآب والابن عريس الكنيسة، وبهذا يتحقق لنا الفرح الكامل من أجل الشركة والحب والوحدة الحقيقية، متمتعين هنا بعربون الحياة الأبدية.

وليس بالأمر العجيب ألا يذكر الرسول شركتنا مع الآب والابن إلاَ بعد قوله: "يكون لكم شركة معنا"، لأنه ليس لنا شركة إلاَ معهم، أي مع كل الرسل في داخل الكنيسة كأعضاء حية في جسد المسيح، مرتبطين بالإيمان الواحد للكنيسة مستقيمة الرأي.

- يحل كمال الفرح عندما نكون في شركة مع الرسل، كما مع الآب والابن والروح القدس.

هيلاري أسقف آرل

ب. أن نتبع اللَّه ونسلك في النور

غاية التجسد أن نتعرف على ربنا مخلصنا ونقبل الشركة معه، مقدمًا رأسمالها كله أي النور، وأما مساهمتنا نحن الذين في الظلمة والضعف، فباتحادنا مع النور تزول ظلمتنا لنسلك في النور.

يقول القديس أغسطينوس:

["وهذا الخبر الذي سمعناه ونخبركم به"، ما هو الخبر الذي سمعوه ولمسوه بأيديهم؟... "أن اللَّه نور وليس فيه ظلمة البتة" [5].

هذا ما ينبغي أن نعلنه. فمن يجرؤ ويقول أن اللَّه فيه ظلمة؟!

ما هو النور؟ وما هي الظلمة؟ فربما يقصد الرسول مفهومهما العام.

"اللَّه نور". يقول البعض أن الشمس نور والقمر نور والشمعة نور. إذن لابد أن يكون دلك النور أعظم بكثير من هذا كله. بل وأكثر سموًا وعلوًا. فما أبعد اللَّه عن المخلوق!!

يمكننا أن نقترب من هذا النور إن عرفناه، وسلمنا له نفوسنا لتستنير به. فنحن بأنفسنا ظلمة، ولا نصير نورًا إلاَ إذا استنرنا به هو وحده!

وإذ نحن متعثرون بذواتنا ينبغي ألا نتعثر به. ومن ذا الذي يتعثر به إلاَ الذي لا يدرك أنه خاطئ؟!

وماذا تعني الاستنارة به سوى أن يعرف الإنسان أن نفسه قد أظلمت بالخطية. ويرغب في الاستنارة بالنور فيقترب منه. وكما يقول المزمور: "اقتربوا إلى الرب واستنيروا، ووجوهكم لا تخزى" (مز 3٤: ٥). فإنك لن تخجل من هذا النور عندما يكشف لك ذاتك، ويعرفك أنك شرير. فتحزن على شرَّك، وعندئذ تدرك جمال النور.]

ويقول العلامة أوريجينوس: [حقًا إن اللَّه هو النور الذي يضيء أفهام القادرين على تقبل الحق، كما قيل في المزمور 36 "بنورك نعاين النور". أي نور به نعاين النور، سوي اللَّه الذي يضيء الإنسان فيجعله يرى الحق في كل شيء، ويأتي به إلى معرفة اللَّه ذاته الذي يدعى "الحق". فبقوله "بنورك يا رب نعاين النور" يعني أنه بكلمتك وحكمتك أي بابنك نرى فيه الآب.]

- لا يعرِّف يوحنا جوهر اللَّه... بولس أيضًا يدعو اللَّه "نور لا يُدنى منه" (1تي 16: 6).

عندما يقول يوحنا أنه لا توجد ظلمة في نور اللَّه يؤكد أن كل أنوار الآخرين يشوبها بعض العيوب.

القديس جيروم

- اللَّه هو نور الأذهان الطاهرة، وليس نور الأعين الجسدية. هناك (في السماء) سيكون الذهن قادرًا على معاينة هذا النور، الذي حتى الآن لا تقدر أن تعاينه.

القديس أغسطينوس

"إن قلنا أن لنا شركة معه وسلكنا في الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق" [6].

جاء النور الحقيقي ليضيء لكل إنسان. "وهذه هي الدينونة، أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة" (يو ٣: 19). فمن يرفض السلوك في النور لا تكون له شركة مع اللَّه بل يكون مخادعًا غير سالك في الحق.

- ليس للكذب شركة مع الحق، كما ليس للنور شركة مع الظلمة. فإن وجود الواحد يستبعد الآخر.

القديس إيريناؤس

- الحق هو نور، فإن لم نُسر حسب الحق فنحن في الظلمة.

هيلاري أسقف آرل




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email
"ولكن إن سلكنا في النور كما هو في النور، فلنا شركة بعضنا مع بعض، ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية" [7].

هذه هي علامة الشركة مع اللَّه: السلوك في النور. وهذه هي علامة السلوك في النور أن يكون لنا شركة مع بعضنا البعض، أي لنا الحب والوحدة القائمة على ارتباطنا جميعًا بإيمان واحدٍ مستقيم كأعضاء في الجسد الواحد. وأن يكون لنا تمتع مستمر بالتطهر من كل خطية خلال التوبة والاعتراف وذلك باستحقاق دم المسيح.

لقد وضع الرسول شركتنا مع بعضنا البعض، أي وحدتنا الإيمانية المملوءة حبًا ككنيسة واحدة قبل أن يقول: "ودم يسوع المسيح يطهر"، لأنه لا يستطيع إنسان أن يتمتع بدم المسيح خارج هذه الكنيسة الواحدة.

- كان دم الذبائح الحيوانية كافيًا لغسل الشعب من خطايا معينة ارتكبوها،، أما دم المسيح ففيه الكفاية في تطهير الذين يسلكون بالحب من كل الخطايا.

هيلاري أسقف آرل

ج. أن نعترف بخطايانا

"إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا، ويطهرنا من كل إثم. إن قلنا أننا لم نخطئ نجعله كاذبًا وكلمته ليست فينا" [8-10].

- من يظن أنه يعيش بدون خطية فهو بهذا لا ينزع عنه خطيته، بل يفقد الغفران.]

- قد يقول قائل: ماذا أفعل؟ كيف أكون نورًا وها أنا أعيش في الشرور والآثام؟! وبهذا يتطرق إليه اليأس والحزن، إذ ليس لنا خلاص بدون الشركة مع اللَّه، واللَّه نور وليس فيه ظلمة البتة، والخطية ظلمة، فكيف أتطهر منها؟! يكمل الرسول قائلاً: "ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية". يا لعظم هذا الضمان الذي وهبه لنا! إننا بحكم وجودنا في هذا العالم وسط التجارب قد يتعثر الإنسان بعدما غفرت له خطاياه في المعمودية، لذلك يجب علينا أن نبذل ما في وسعنا معترفين بحالنا كما هو حتى يشفينا السيد المسيح بدمه.

القديس أغسطينوس

-أي أحدٍ يسلك في ظلمة الخطية ويدّعي أن ذهنه لم يظلم، وأن له علاقة مع اللَّه فهو كاذب.

القديس ديديموس الضرير

لكن قد يسأل سائل: هل من حاجة للاعتراف أمام أب الاعتراف؟

لكننا نسأل مع أغسطينوس قائلين: ولماذا تهرب من الاعتراف؟ هل بدافع الخجل؟ أم بسبب الكبرياء؟

- هل يمكن للرب أن ينطق بكلامٍ لغوٍ حينما أعطى التلاميذ سلطان الحل (يو٢٠ :22؛ مت 18: 18)؟!

- يخبرنا سفر الأعمال: "وكان كثيرون من الذين آمنوا يأتون مقرين ومخبرين بأفعالهم" (أع ١٩: ١٨).

- يقول القديس أغسطينوس: [أقام الرب لعازر، والذين حوله (التلاميذ) حلوه من الأربطة. ألم يكن قادرًا الذي وهب الحياة أن يحل الأربطة؟!]

- تقابل شاول مع الرب مباشرة، والرب حوّله إلى حنانيا.

-عاشت الكنيسة منذ القرن الأول على الاعتراف لدى الكاهن، فيقول الآباء:

أ. كما أن المعمد يستنير بنعمة الروح القدس هكذا بواسطة الكاهن ينال التائب الغفران بنعمة المسيح (البابا أثناسيوس الرسولي).

ب. إن سلطان حل الخطاة أعطى للرسل والكنائس التي هم أسسوها إذ أرسلوا من اللَّه، وللأساقفة الذين خلفوهم. (الشهيد كبريانوس).

ج. اسكبوا قدامي دموعًا حارة وغزيرة وأنا أعمل معكم هذا العمل عينه. خذوا خادم الكنيسة شريكًا أمينًا لكم في حزنكم وأبًا روحيًا، واكشفوا له أسراركم بجسارة اكشفوا له أسرار نفوسكم كما يكشف المريض جراحه الخفية للطبيب فينال الشفاء (غريغوريوس أسقف نيصص).

أما الذي يظن أنه ليس في حاجة للتوبة والاعتراف أي يحسب نفسه بارًا فهذا:

1. يضل نفسه [٨]، إذ يتجاهل حقيقة ضعفه وامكان سقوطه في أية لحظة.

2. ليس الحق فيه [٨]، لأن الحق نور، فيكشف للإنسان حقيقته.

3. يجعله كاذبًا [١٠]، أي يتهم اللَّه نفسه الذي يؤكد إنه لا صلاح للإنسان في ذاته، وأنه مهما بلغ من درجات القداسة يمكن أن يسقط إن تكبر أو تراخى في الجهاد.

4. وكلمته ليست فيه [١٠]، لأن هذه هي كلمة اللَّه ووصيته أن نطلب في كل يوم قائلين: "اغفر لنا ذنوبنا".

أن نقبل ربنا شفيعًا كفاريًا (1 يو 2: 1).

1 الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رايناه بعيوننا الذي شاهدناه و لمسته ايدينا من جهة كلمة الحياة
2 فان الحياة اظهرت و قد راينا و نشهد و نخبركم بالحياة الابدية التي كانت عند الاب و اظهرت لنا
3 الذي رايناه و سمعناه نخبركم به لكي يكون لكم ايضا شركة معنا و اما شركتنا نحن فهي مع الاب و مع ابنه يسوع المسيح
4 و نكتب اليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملا
5 و هذا هو الخبر الذي سمعناه منه و نخبركم به ان الله نور و ليس فيه ظلمة البتة
6 ان قلنا ان لنا شركة معه و سلكنا في الظلمة نكذب و لسنا نعمل الحق
7 و لكن ان سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض و دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية
8 ان قلنا انه ليس لنا خطية نضل انفسنا و ليس الحق فينا
9 ان اعترفنا بخطايانا فهو امين و عادل حتى يغفر لنا خطايانا و يطهرنا من كل اثم
10 ان قلنا اننا لم نخطئ نجعله كاذبا و كلمته ليست فينا


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

الحب


يدور هذا الأصحاح حول موضوع الحب:

1. حب المسيح لنا ١-٢.

2. حبنا له بحفظنا وصاياه التي تتركز حول المحبة الأخوية 3-11.

3. حبنا للَّه

أ.إمكانياتنا كأبناء محبين ١٢-١٤.

ب. رفضنا محبة العالم ١٥-١7.

ج. رفضنا للبدع المنشقة على اللَّه وكنيسته ١٨-٢٣.

د. ثباتنا في اللَّه ٢٤-٢٧.

4. محبو اللَّه وبنوتهم له

أ. ينتظرون مجيئه ٢٨.

ب. يصنعون البرّ ٢٩.

1. حب المسيح لنا

"يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وإن أخطأ أحد فلنا شفيع Paraclete عند الآب يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم" [1-2].


يبدأ الرسول حديثه بقوله: "يا أولادي". إنه أب محب يكشف لأولاده الدافع لكتابته هذه الرسالة "لكي لا تخطئوا"، أي لكي نعيش حياة مقدسة تليق بنا كسالكين في النور. بمعنى آخر يجدر بنا ألا نستهتر بالخطية بسبب أمانة اللَّه وحبه لنا، إنما نسلك في النور مثابرين في كل عملٍ صالحٍ. لكن من يستطيع ألا يتعثر في هذه الحياة الزمنية لذلك "إن أخطأ أحد فلنا شفيع..." يقوم هذا الشفيع كمحامٍ يدافع عنا ليبرئنا في القضية. ومن هو هذا الشفيع؟

أ. شفيع Paraclete أو Advocate. يقول العلامة أوريجينوس [لقد دُعي مخلصنا أيضًا بالباراكليت وذلك في رسالة يوحنا عندما قال "فلنا شفيع Paraclete... وهذه الكلمة في اليونانية تحمل معنيين: وسيط ومعزي. فالباراكليت تًفهم بمعنى شفيع يتوسط عند الآب بالنسبة لمخلصنا. وتفهم بمعنى المعزي بالنسبة للروح القدس إذ يهب تعزية للنفوس التي يعلن لها بوضوح المعرفة الروحية.]

يقول القديس أغسطينوس:

[إنه الشفيع فلنحاول ألا نخطئ. وإن باغتتك الخطية من أجل دنس الحياة أنظر إليها في الحال واحزن والعنها. فإن فعلت هذا تأتي في حضرة الديان مطمئنًا لأنه شفيعك. وباعترافك لا تخف من أن تخسر القضية.

غالبا ما يوكل الإنسان محاميًا Advocate بليغًا... وها أنت قد أوكلت الكلمة، فهل تهلك؟!...

انظر فإن يوحنا الذي كان بالتأكيد إنسانًا بارًا وعظيمًا، هذا الذي تشرب الأسرار الإلهية من صدر الرب وارتوى منه فكتب عن لاهوته... لم يقل "لكم شفيع"، بل "لنا شفيعًا" ولم يقل "إني شفيعكم" ولا "المسيح شفيعكم"، بل "لنا شفيع"... لقد اختار بالأحرى أن يحصي نفسه في عداد الآثمة ليكون المسيح شفيعًا له...

لكن قد يقول قائل: أما يطلب القديسون عنا؟ أما يطلب الأساقفة والمدبرون عن الشعب؟

نعم! فلنتأمل الأسفار المقدسة لنشاهد المدبرين أنفسهم يوصون الشعب أن يصلوا من أجلهم، وهكذا يطلب الرسول من الكنيسة "مصلين في ذلك لأجلنا نحن أيضًا" (كو ٤ :٣). فالرسول يصلي من أجل الشعب، والشعب يصلي من أجل الرسول.

يا إخوتي... إننا نصلي من أجلكم، فهل تصلون أنتم أيضًا من أجلنا؟ ليُصلِ كل عضوٍ منا من أجل الخير. وليشفع الرأس المسيح من أجل الجميع.]

ب. عند الآب: هذا المحامي كلمة الآب وابنه، واحد معه في الجوهر، لا ينفصل عنه قط، لهذا تطمئن نفوسنا، متى طلبناه نجده في الحال مدافعًا في شفاعة دائمة. "إنه حي في كل حين ليشفع فينا" (عب 7: 25).

ج. يسوع، أي مخلص، محب للخطاة كي يقدسهم ويبررهم.

د. المسيح، أي ممسوح لأجل خلاصنا، هذه هي اشتياقاته "أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون". فمن يشعر بخطاياه ويتوق للتطهير المستمر يجد شفيعًا دائم الشفاعة، وفي اللحظة التي فيها نشعر بأننا أبرار غير محتاجين للتطهير لا ننتفع من الخلاص الذي قدمه لنا.

ه. البار "تألم مرة واحدة من أجل الخطايا. البار من أجل الآثمة" (1 بط 3: 18). لو لم يكن بارًا فكيف يدافع عنا؟! لقد حمل أثقالنا عنا، وأوفى ديوننا. [السبح للغني الذي دفع عنا ما لم يقترضه، وكتب على نفسه صكًا وصار مدينًا! بحمله نيره كسر عنا قيود ذاك الذي أسرنا!]

ز. كفارة: محامينا بار، وبره يقتضي إلاَ يبرئنا في القضية ظلمًا. إنه لا يدافع عنا في السماء في غير عدل، لكن دفع عنا ديننا. [أحشاء الآب أرسلته إلينا، فلم يرفع آثامنا إلى العظمة الإلهية، بل بصلاحه قدم له كفارة عنا!]

يعتز المؤمن بنعمة الشفاعة التي يقدمها كلمة اللَّه نفسه لدى الآب عنه. هذه الشفاعة الكفارية لا يشاركه أحد فيها، حيث يقدم السيد المسيح دمه الكفاري، ويخفينا في جراحاته، فنظهر أمام الآب بلا لوم، حاملين برّ مخلصنا. يحملنا مسيحنا كأعضاء في جسده، فنصير موضع سرور الآب. هذه الشفاعة تختلف عن شفاعتنا نحن عن بعضنا البعض، حيث نتوسل للَّه خلال حبنا لإخوتنا، ليهبهم نعمة التوبة والبنيان المستمر والشهادة الحقيقية.

- لنا شفيع، يسوع المسيح، بالحقيقة لا ينبطح أمام الآب متضرعًا من أجلنا. فإن مثل هذه الفكرة خاصة بالرقيق وغير لائقة بالروح! إنه لا يليق بالآب أن يطلب ذلك، وأيضًا بالابن أن يخضع لها، ولا يحق لنا أن نفكر بمثل هذه الأمور بالنسبة للَّه. ولكن ما تألم به كإنسان، فإنه إذ هو الكلمة والمشير يطلب من اللَّه أن يطيل أناته علينا. أظن هذا هو معنى شفاعته.

القديس غريغوريوس النزينزي

- إنني افتخر لأنني أخلص، وليس لأنني بلا خطايا، بل لأن الخطايا قد غُفرت. إنني لا أفتخر لأني نافع أو لأن أحدًا ما نافع لي، وإنما لأن المسيح هو شفيعي (محامي) أمام الآب، لأن دم المسيح سفك من أجلي.

القديس أمبروسيوس

- إن كان لديك قضية معروضة أمام قاضٍ ويلزمك أن تقيم محاميًا، وقد قبل المحامي قضيتك، فإنه يشفع في قضيتك قدر استطاعته. فإن سمعت قبل المرافعة أنه هو الذي يحكم كم يكون فرحك أنه يكون القاضي ذاك الذي كان منذ محاميك.

القديس أغسطينوس

- عندما يقول يوحنا أن المسيح قد مات لأجل خطايا "كل العالم"، ما يعنيه أنه مات عن الكنيسة كلها.

هيلاري أسقف آرل


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email

2. حبنا له بحفظنا وصاياه

التي تتركز حول المحبة الأخوية

"وبهذا نعرف أننا قد عرفناه، إن حفظنا وصاياه. من قال قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه، فهو كاذب وليس الحق فيه" [3-4].

من يحب يحفظ وصية محبوبه، يخضع له ويود أن ينفذ رغبته... "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي" (يو 14: 15). أما من يستصعب الوصية ويراها قاسية ومستحيلة، فالسبب ليس في الوصية لكن في القلب العاجز عن الحب والتعرف على اللَّه. بهذه المعرفة الإيمانية الاختبارية تدرك النفس قوة اللَّه وفاعلية الروح القدس الساكن فيها فتنهل بالوصايا، وتنفذ وتجاهد وتثابر. وفي هذا كله تشعر بالتقصير من أجل اتساع قلبها بالحب وتعرفها على الحق الذي فيها.

- الشخص الذي يعرف يعمل أيضًا الأعمال التي تليق بواجب الفضيلة، ولكن يوجد من يمارس الأعمال وهو ليس بالضرورة بين أصحاب المعرفة. أن قد يفهم أن يميز بين ما هو مستقيم وما هو خطأ، لكن ليس لديه معرفة بالأسرار السماوية. علاوة على هذا يفعل البعض الصلاح خشية العقوبة أو لنوال مكافأة، لذلك يعلمنا يوحنا أن الإنسان الذي له معرفة كاملة يمارس هذه الأعمال عن حب.

القديس إكليمنضس السكندري

- غالبًا ما تعني كلمة "يعرف" في الكتب المقدسة ليس بمعنى إدراكه أمرٍ ما، بل وجود علاقة شخصية بالشيء. فيسوع لم يعرف خطية، ليس لأنه لا يعرف عنها شيء، وإنما لأنه لم يرتكبها قط بنفسه. فمع كونه يشبهنا في كل طريق آخر إلا أنه لم يخطئ قط (عب 4: 15). بتقديم هذا المعنى لكلمة "يعرف" واضح أنه كل شخص يقول بأنه يعرف اللَّه يلزمه أن يحفظ وصاياه، لأن الاثنين يسيران معًا.

القديس ديديموس الضرير

- الذين يهلكون لا يعرفون اللَّه، وسينكر اللَّه أنه يعرفهم، كما قال: "ابعدوا عني لأني لا أعرفكم" (مت 7: 23).

هيلاري أسقف آرل

"وأما من يحفظ كلمته، فحقًا في هذا تكملت محبة اللَّه" [5].

إذ يحفظ الإنسان المحب الوصايا، يراها وصية واحدة أو "كلمته"، لأن جميع الوصايا ترتبط بفكر واحد وتدور حول شخص الرب يسوع. وإذ يذوق الإنسان حلاوة تنفيذ الوصية يستعذب طعم محبة اللَّه في صورة أكمل "في هذا تكملت محبة اللَّه"، إذ لا يراها أوامر ونواهٍ بل حب وعشق من اللَّه نحو الإنسان، إذ يقدم لنا كلمته لتكون لنا شركة معه ونراه في داخلها.

- يختفي اللَّه في وصاياه، فمن يطلبه يجده فيها، لا تقل إنني أتممت الوصايا ولم أجد الرب، لأن من يبحث عنه بحق يجد سلامًا.

الأب مرقس الناسك

- الشخص الذي بحق يحب اللَّه يحفظ وصاياه، يؤكد بحفظه لها أنه يعرف محبة اللَّه. طاعتنا هي ثمرة حبه.

القديس ديديموس الضرير

يقول ربنا "الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني... وأظهر له ذاتي" (يو 14: 21). فربنا يريدنا حفظ وصاياه لنكتشفه ونقبله عريسًا لنا، وإذ نكون عروسًا له نلتزم بالامتثال به إذ "من قال أنه ثابت فيه، ينبغي أنه كما سلك ذلك، هكذا يسلك هو أيضًا" [6].

وأي طريق سلكه ربنا سوى الصليب؟ إذن، فلتسلك عروسه طريق الصليب، طريق الحب العملي الباذل الضيق. الطريق الهادف الذي فيه تصلب الأنا والشهوات والارتباطات الزمنية ليتعلق القلب بربنا وحده.

من هنا صار للرسول أن يتكلم عن قلب الرسالة ألا وهو "الحب" فيقول:

"أيها الأخوة لست أكتب إليكم وصية جديدة، بل وصية قديمة كانت عندكم من البدء. أيضًا وصية جديدة أكتب إليكم ما هو حق فيه وفيكم" [7-8].

وصية المحبة ليست جديدة بل قديمة إذ عرفها الإنسان بالطبيعة، لذلك عندما قتل قايين أخاه أدرك خطأه.

- يتحدث الرسول هنا عن الحب. لم تكن الوصية جديدة، فقد أعلنها الأنبياء منذ زمن بعيد.

القديس كيرلس الكبير

وهي أيضًا جديدة حيث أدركها الإنسان لها كما ينبغي "ما هو حق فيه"، إذ على الصليب عرفنا الحب ليس مجرد عواطف وانفعالات أو كلمات مداهنة بل حب باذل لأجل خلاص البشر.

- الوصية هي "حق فيه"، لأنه أحبنا حتى مات لأجلنا، وهي "حق فينا" أيضًا، إن كنا نحب الواحد الآخر.

هيلاري أسقف آرل


وهي أيضًا جديدة من حيث الإمكانية، إذ صارت المحبة ليست ثقيلة علينا ولا صعبة، لأن "الظلمة قد مضت والنور الحقيقي الآن يضيء" [8]. لقد صار لنا بالصليب أن نصلب "الأنا" ليحيا المسيح فينا، تذهب الأنانية والذاتية ليحل الحب الإلهي فينا، وكما يقول الرسول: "إذ خلعتم الإنسان العتيق... ولبستم الجديد" (كو 3: 9-10)، "كنتم قبلاً ظلمة وأما الآن فنور في الرب" (أف 5: 8).

هذا هو جوهر المسيحية، أما "من قال أنه في النور"، أي قال أنه مسيحي "وهو يبغض أخاه، فهو إلى الآن في الظلمة" [9]. لأننا دعينا لتكون لنا شركة مع ربنا يسوع - الحب الحقيقي - فكيف نبغض بعد؟!

- النور هو نور الإيمان العامل فينا، حسب خطة اللَّه السابقة.

- النور هو الحق، والأخ ليس هو مجرد قريبنا، لكنه قريب الرب (يسوع) أيضًا.

القديس إكليمنضس السكندري

"من يحب أخاه يثبت في النور، وليس فيه عثرة" [10].

من يحب أن يسلك بربنا يسوع في النور، فهذا لا يتعثر، لا في المسيح ولا في الكنيسة، إذ يقول القديس أغسطينوس:

[من هم أولئك الذين يتعثرون أو يسببون عثرة؟! إنهم الذين يصطدمون بالمسيح والكنيسة. فالذين يصطدمون بالمسيح يكونون كمن احترق بالشمس، ومن يصطدم بالكنيسة يكون كمن احترق بالقمر. ويقول المزمور "لا تضربك الشمس في النهار ولا القمر في الليل" (مز١٢١: ٦).

فإن ثبتم في المحبة لن تتعثروا في المسيح ولا في كنيسته، ولن تتركوا المسيح ولا الكنيسة.

ومن يترك الكنيسة، كيف يبقى في المسيح وهو غير باق في جسده؟!

الضربة (الواردة في المزمور) تعني العثرة. فإن الذين لا يطيقون احتمال بعض الأمور في الكنيسة يتركونها منسحبين عن اسم المسيح أو الكنيسة. يا لعارهم!!

انظروا كيف وصموا بالعار أولئك الجسدانيون الذين علمهم السيد المسيح عن جسده قائلاً: "إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم" (يو 6: 53-69). كثيرون قالوا هذا الكلام صعب ورجعوا من ورائه وبقي الإثنا عشر. لقد ضربتهم الشمس، ورجعوا إلى الوراء عاجزين عن احتمال قوة الكلمة...

أما الذين تضربهم الكنيسة كالقمر فهم أولئك الذين يسببون الانشقاقات (بالبدع)...

آه! لو كنتم تحبون إخوتكم ما كانت توجد فيكم عثرة!]

"وأما من يبغض أخاه فهو في الظلمة، وفي الظلمة يسلك. ولا يعلم أين يمضي، لأن الظلمة أعمت عينيه" [11].

من يترك طريق الحب يتخبط في الظلمة ويتعثر ليصطدم بالرب الحجر الذي قُطع بغير يدين (دا 6: 53-69) فلا يطلب غفرانًا من الرب ولا يقبل وصايا ولا يصدق مواعيده. ويصطدم أيضًا بالكنيسة فلا يقبلها ولا يطيق العبادة فيها متعثرًا من كل شيء فيها، لأن الظلمة أعمت عينيه.

- من يفعل الشر ويبغض أخاه، أطفأ سراج الحب، ولهذا يسلك في الظلمة.

العلامة أوريجينوس

- إن أبغض إنسان أخاه يسلك في الظلمة ولا يعرف إلى أين يذهب. ففي جهله ينحدر إلى الهاوية، وفي عماه يسقط بتهور تحت العقوبة، لأنه ينسحب من نور المسيح.

الأب قيصريوس أسقف آرل




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 2 جـ3 PDF Print Email
3. حبنا للَّه

أ. إمكانياتنا كأبناء محبين للَّه

"أكتب إليكم أيها الأولاد، لأنه قد غفرت لكم خطاياكم من أجل اسمه" [12].

يقول
القديس أغسطينوس:

[لقد دُعينا أولادًا بالمعمودية ونلنا غفران الخطايا من أجل اسم المسيح. لأننا لم نعتمد باسم بولس ولا باسم بطرس ولا باسم آخر غير الثالوث القدوس.

تدعو المحبة أولادها الذين من أحشائها منتحبة عليهم من أجل الانقسام والانشقاق في الإيمان، مذكرة إيانا أننا قد اعتمدنا جميعًا وغفرت لنا خطايانا من أجل اسم المسيح الواحد.

"أكتب إليكم أيها الآباء، لأنكم قد عرفتم الذي من البدء" [13].

لقد صار للآباء الكهنة الأبوة إذ عرفوا اللَّه الأبدي الذي وحده له الأبوة الحقيقية نحو البشرية جميعًا. أما هم فيستمدون أبوتهم منه.

"أكتب إليكم أيها الأولاد... أيها الآباء... أيها الأحداث لأنكم قد غلبتم الشرير".

لقد حدث الأولاد عن الأبوة الغافرة للخطايا، والآباء عن الأبوة التي لهم من عند الآب السماوي الذي من البدء، والأحداث الذين وهبوا قوة للغلبة. فإن الشرير يحاربنا، لكنه لا يقدر أن يغلبنا، لأننا أقوياء بالمسيح يسوع، "لأنه إن كان قد صلب عن ضعف، لكنه حي بقوة اللَّه" (٢ كو 13: 4).

يعود الرسول فيؤكد ما سبق أن قاله:

"أكتب إليكم أيها الأولاد، لأنكم قد عرفتم الآب.

"كتبت إليكم أيها الآباء، لأنكم قد عرفتم الذي من البدء" [13-14].

يحذرنا الرسول لئلا ننسى الذي من البدء، فنفقد الأبوة الروحية. ويؤكد أيضًا للأحداث أنه يليق بهم أن يقاوموا حتى يغلبوا فيكللوا، وأن يمتلئوا بالرجاء في قتالهم، إذ يقول لهم: "كتبت إليكم أيها الأحداث، لأنكم أقوياء، وكلمة اللَّه ثابتة فيكم، وقد غلبتم الشرير" [14].

وصيته للأولاد، "قد عرفتم الآب"، وللآباء: "قد عرفتم الذي من البدء". فهو يوصي بالمعرفة، لكن ليست المعرفة التي تنفخ بل المملوءة حبًا فتبني (١كو 8: 1). فمن كانت له معرفة بغير حب يكون كالشياطين التي تعرف ابن اللَّه وتعترف به (مت 8: 29) لكن الرب انتهرها. أما المعرفة المطلوبة فهي المملوءة بحب اللَّه الذي يضاد محبة العالم. فإن تفرغت قلوبنا من المحبة الأرضية تشبع من الحب الإلهي، ويدخل اللَّه في قلوبنا كزارع في حقل يقتلع ما يجده من حطب، وينظفها ويهيئها ليغرس فيها شجرة "الحب"، أما الحطب الذي يقتلعه فهو محبة العالم.]

ب. رفضنا محبة العالم

"لا تحبوا العالم، ولا الأشياء التي في العالم. إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب" [15].

يقول القديس أغسطينوس:

[نلنا الميلاد الجديد بالمعمودية منذ سنوات، فيجدر بنا ألا نحب العالم، حتى لا تتحول الأقداس التي فينا إلى لعنة بدلاً من أن تكون للقوة والخلاص.

كيف تتأسس المحبة في قلب مولع بمحبة العالم؟ لابد من انتزاع الحطب، وغرس البذور السمائية ولا نترك الشوك يخنق الزرع.

"لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة.

"والعالم يمضي وشهوته. أما الذي يصنع مشيئة اللَّه، فيثبت إلى الأبد" [16-17].

يجرفنا نهر العالم مع أمواجه، لكن ربنا يسوع المسيح كشجرة مغروسة على مجاري المياه (مز١ :٣) تجسد ومات وقام وصعد إلى السماوات. هكذا بإرادته زرع ذاته بجوار المياه الجارفة حتى متى جرفتنا الأمواج نسرع ونمسك به. وإن استحوزت دوامة الأمور الزمنية حبنا، نسرع إلى ربنا يسوع ونمسك به، ذاك الذي من أجلنا أخذ الجسد الزمني لنصير نحن أبديين. ومع أنه أخذ ما هو زمني إلاَ أنه يبقى أبديًا.

لكن كيف لا نحب الأشياء التي في العالم؟

إن قدم عريس خاتمًا لعروسه فهل تحب الخاتم أكثر منه؟! فلتحب الخاتم كيفما تشاء، لكن هل يحق لها أن تكتفي بالخاتم قائلة: لا أريد أن أرى وجه العريس؟! هكذا من يحب الخليقة دون خالقها. فإن هذا الحب يُحسب زنًا.

ولقد جرب العدو "الشيطان" ربنا يسوع في هذه الأمور الثلاثة:

1. شهوة الجسد:
إذ قال له: "إن كنت ابن اللَّه فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا". قال له هذا وهو جائع بعد صومٍ دام أربعين يومًا.

2. شهوة العيون: وذلك من جهة اشتهاء صنع المعجزات (لينال كرامة بشرية) إذ قال له: "اطرح نفسك إلى أسفل، لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك فعلى أيديهم يحملونك، لكي لا يصطدم بحجر رجلك". لكن ربنا لم يكن يصنع المعجزات حبًا في الظهور، بل بدافع الحنان والترفق.

3. تعظم المعيشة: إذ أخذه إبليس إلى جبل عالٍ جدًا وأراه ممالك العالم ومجدها، وقال له: "أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي". فقد أراد أن يجرب ملك العالم كله بمجد العالم الباطل.]

ج. رفضنا للبدع المنشقة على اللَّه وكنيسته

"أيها الأولاد هي الساعة الأخيرة، وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، وقد صار أضداد للمسيح كثيرون. من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة" [18].

"هي الساعة الأخيرة"، إنها اللحظات الأخيرة للمعركة بين اللَّه والشيطان. يمد اللَّه أولاده بذاته ليعطيهم النصرة، والشيطان أيضًا إذ يرى أيامه قد اقتربت يصارع باثًا روحه في أضداد المسيح لكي يفسدوا إيمان أولاد اللَّه وحياتهم.

لكن أولاد اللَّه يحبون أباهم، مستتفهين الحياة الزمنية. يرون أيام غربتهم مهما امتدت هي "ساعة أخيرة" تنتهي حتمًا، ليحيوا في الفردوس، إلى أن يُكللوا في الأبدية. بهذا يطمئن الرسول أولاده ألا يخافوا من المقاومين لهم.

يقول القديس أغسطينوس:

["منا خرجوا": لا نحزن يا إخوتي لأنهم "لم يكونوا منا، لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا، لكن ليظهروا أنهم ليسوا جميعهم منا" [19].

كثيرون منهم نالوا معنا سرّ المعمودية، وكانوا يشتركون معنا في المقدسات، شركة قدس الأقداس، ومع ذلك فهم ليسوا منا...

أما الذين خرجوا منا لكنهم يعودون تائبين، فهؤلاء ليسوا أضداد المسيح، لأنهم لم يستطيعوا الحياة بدونه.

أضداد المسيح هم الذين خرجوا مصرين على خروجهم "ليظهروا أنهم ليسوا جميعهم منا".

هم لم يكونوا منا، لكنهم لم يكونوا ظاهرين هكذا.

"أما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء" [20].

هذه المسحة هي الروح القدس الذي فيكم، وهو الذي يكشف أسرار اللَّه في القلب ويعلمنا ويذوقنا حلاوة العشرة معه، ويفتح أذهاننا فنتعلم كل شيء.]

"لم أكتب إليكم لأنكم لستم تعلمون الحق، بل لأنكم تعلمونه. وإن كل كذب ليس من الحق" [21].

لا نحتاج إلى تعاليم جديدة، بل إلى عمل الروح القدس الذي يذكرنا بالحق. ويهبنا تمييزًا لرفض كل تعليم غريب.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 2 جـ4 PDF Print Email
"من هو الكذاب، إلاَ الذي ينكر أن يسوع هو المسيح؟ هذا هو ضد المسيح، الذي ينكر الآب والابن. كل من ينكر الابن، ليس له الآب أيضًا. ومن يعترف بالابن، فله الآب أيضًا" [22-23].

الكذاب هو الذي يرفض الحق منكرًا أن يسوع هو المسيح. أي يرفض ربنا كمخلصٍ له، منكرًا تأنسه، أو يرفض عمل المسيح في حياته، فيسلك بروح الضلال رغم دعوته مسيحيًا، هؤلاء يعترفون أنهم يعرفون اللَّه لكنهم بالأعمال يفرضونه (تي 1: 16).

ومن يرفض المسيح لا يتمتع بالآب والابن، لأنه "لا أحد يعرف الآب إلاَ الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت ١١: ٢8).

د. ثباتنا في اللَّه

"وأما أنتم فما سمعتموه من البدء، فليثبت إذا فيكم. إن ثبت فيكم ما سمعتموه من البدء، فأنتم أيضًا تثبتون في الابن وفي الآب. وهذا الوعد الذي وعدنا به، هو الحياة الأبدية" [24-25].


بالنسبة لنا نحن الذين لم ننشق عن الكنيسة، فلنثبت فيما سمعناه من البدء وتسلمناه جيلاً بعد جيل. وبثباتنا في الإيمان المستقيم والحياة نثبت في الابن وفي الآب، متطلعين إلى الوعد الذي نشتهيه، أي "الحياة الأبدية".

"كتبت إليكم هذا عن الذين يضلونكم" [26].

فغاية كتابته توجيه أنظار المؤمنين حتى لا يضلهم المبتدعون بأساليبهم المخادعة.

"وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم، ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد، كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء" [27].

وأما أنتم، أي المؤمنون؛ ففينا مسحة القدوس ثابتة، ولسنا محتاجين إلى تعاليم غريبة جديدة تلك الذي بلغت أحيانًا ما يقرب من ٦٠٠ طائفة جديدة. أما نحن فلنثبت على ما سلمه لنا الروح القدس، روح الحق الذي ليس فيه خداع "وهي حق وليست كذبًا"، حيث يختفي جميع المعلمين فلا يخدموا من عندهم، بل في المعلم الواحد وهو المسيح (مت 23: 10). إذًا لنثبت في هذا التعليم "كما علمتكم تبنون".

4.محبو اللَّه وبنوتهم له

"والآن أيها الأولاد اثبتوا فيه، حتى إذا أظهر يكون لنا ثقة، ولا نخجل منه في مجيئه. "إن علمتم أنه بار، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه" [28-29].

إذ يثبت محبو اللَّه في كلامه بالمسحة الثابتة فيهم عندئذ:

أ. يصير لهم رجاء وشوق نحو مجيئه، كعروس تنتظر عريسها، لتعيش في حضنه، وتراه وجهًا لوجه في الأبدية.

ب. إذ يعلمون أنه بار فكأولاد له لا يقبلوا إلاَ أن يكونوا على مثال أبيهم، فيجاهدوا مثابرين لعمل البرّ بقوة المسحة التي فيهم.

1 يا اولادي اكتب اليكم هذا لكي لا تخطئوا و ان اخطا احد فلنا شفيع عند الاب يسوع المسيح البار
2 و هو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم ايضا
3 و بهذا نعرف اننا قد عرفناه ان حفظنا وصاياه
4 من قال قد عرفته و هو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب و ليس الحق فيه
5 و اما من حفظ كلمته فحقا في هذا قد تكملت محبة الله بهذا نعرف اننا فيه
6 من قال انه ثابت فيه ينبغي انه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو ايضا
7 ايها الاخوة لست اكتب اليكم وصية جديدة بل وصية قديمة كانت عندكم من البدء الوصية القديمة هي الكلمة التي سمعتموها من البدء
8 ايضا وصية جديدة اكتب اليكم ما هو حق فيه و فيكم ان الظلمة قد مضت و النور الحقيقي الان يضيء
9 من قال انه في النور و هو يبغض اخاه فهو الى الان في الظلمة
10 من يحب اخاه يثبت في النور و ليس فيه عثرة
11 و اما من يبغض اخاه فهو في الظلمة و في الظلمة يسلك و لا يعلم اين يمضي لان الظلمة اعمت عينيه
12 اكتب اليكم ايها الاولاد لانه قد غفرت لكم الخطايا من اجل اسمه
13 اكتب اليكم ايها الاباء لانكم قد عرفتم الذي من البدء اكتب اليكم ايها الاحداث لانكم قد غلبتم الشرير اكتب اليكم ايها الاولاد لانكم قد عرفتم الاب
14 كتبت اليكم ايها الاباء لانكم قد عرفتم الذي من البدء كتبت اليكم ايها الاحداث لانكم اقوياء و كلمة الله ثابتة فيكم و قد غلبتم الشرير
15 لا تحبوا العالم و لا الاشياء التي في العالم ان احب احد العالم فليست فيه محبة الاب
16 لان كل ما في العالم شهوة الجسد و شهوة العيون و تعظم المعيشة ليس من الاب بل من العالم
17 و العالم يمضي و شهوته و اما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت الى الابد
18 ايها الاولاد هي الساعة الاخيرة و كما سمعتم ان ضد المسيح ياتي قد صار الان اضداد للمسيح كثيرون من هنا نعلم انها الساعة الاخيرة
19 منا خرجوا لكنهم لم يكونوا منا لانهم لو كانوا منا لبقوا معنا لكن ليظهروا انهم ليسوا جميعهم منا
20 و اما انتم فلكم مسحة من القدوس و تعلمون كل شيء
21 لم اكتب اليكم لانكم لستم تعلمون الحق بل لانكم تعلمونه و ان كل كذب ليس من الحق
22 من هو الكذاب الا الذي ينكر ان يسوع هو المسيح هذا هو ضد المسيح الذي ينكر الاب و الابن
23 كل من ينكر الابن ليس له الاب ايضا و من يعترف بالابن فله الاب ايضا
24 اما انتم فما سمعتموه من البدء فليثبت اذا فيكم ان ثبت فيكم ما سمعتموه من البدء فانتم ايضا تثبتون في الابن و في الاب
25 و هذا هو الوعد الذي وعدنا هو به الحياة الابدية
26 كتبت اليكم هذا عن الذين يضلونكم
27 و اما انتم فالمسحة التي اخذتموها منه ثابتة فيكم و لا حاجة بكم الى ان يعلمكم احد بل كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء و هي حق و ليست كذبا كما علمتكم تثبتون فيه
28 و الان ايها الاولاد اثبتوا فيه حتى اذا اظهر يكون لنا ثقة و لا نخجل منه في مجيئه
29 ان علمتم انه بار هو فاعلموا ان كل من يصنع البر مولود منه


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

بنوتنا للَّه


1. اللَّه واهب البنوة له 1-2.

2. مسئوليتنا كأبناء للَّه

ا. تشبهنا به في الطهارة 3.

ب. تشبهنا به في عدم فعل الخطية 4-5.

ج.تشبهنا به في صنع البرّ والحب 6-21.

د. ثقتنا في اللَّه أبينا 22-24.

1. اللَّه واهب البنوة له

إذ ختم الرسول الأصحاح السابق بقوله "إن كل من يصنع البر مولود منه"، بدأ يحدثنا عن مركزنا بالنسبة للَّه، مميزًا بين عائلتين روحيتين في العالم، إحداهما تنتسب للَّه والأخرى تنتسب لإبليس.

نحن كمؤمنين بربنا يسوع اعتمدنا باسمه، فصرنا أعضاء في جسده السري، وبالتالي انتقلنا إلى البنوة للَّه. وكما يقول الرسول "لأنكم جميعًا أبناء اللَّه بالإيمان بالمسيح يسوع، لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (غل ٣: ٢٦-27).

هذا المركز هو لنا بغض النظر عن حالتنا غير أنه إن سلكنا بما لا يليق بأبينا السماوي نكون غير ثابتين في أبينا. وفي هذه الحالة لا تنتفي عنا البنوة، بل تتحول إلى دينونة أعظم. فقد يسئ الابن إلى أبيه، وقد يُحرم من الميراث ويطرد من حضرة أبيه لكن نسبه لأبيه يبقى مبكتًا لضميره طول حياته، ويصير كمن هو ليس ابنًا يحسبونه هكذا ويشتهي لو لم يكن حاله هكذا.

لهذا يوصينا القديس أغسطينوس قائلاً: [لنتأمل أيها الأحباء أبناء من قد صرنا. لنسلك بما يليق بأبٍ كهذا. انظروا كيف تنازل خالقنا ليكون أبًا لنا؟! لقد وجدنا لنا أبًا في السماوات. لذلك وجب علينا الاهتمام بسلوكنا ونحن على الأرض، لأن من ينتسب لآب هكذا ينبغي عليه السلوك بطريقة يستحق بها أن ينال ميراثه؟]

"انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد اللَّه؟" [1].

أي شرف لنا أعظم من هذا أن ندعى أبناء الخالق؟! عظيمة جدًا هي هذه العطية المجانية التي وهبت لنا. لنعمل إذن حتى نقدم عنها حسابًا كما يليق.وكما يقول القديس أغسطينوس:

[ماذا ينتفع أولئك الذين يدعون أبناء والبنوة ليست عاملة فيهم؟!

كثيرون يدعون أنهم أطباء لكنهم لا يعرفون كيف يعالجون الناس! وكثيرون يدعون ساهرين وهم نيام الليل كله!

كم من أناس يدعون مسيحيين لكنهم بأعمالهم لم يوجدوا هكذا، لأنهم ليسوا مسيحيين لا في الحياة ولا في السلوك ولا في الإيمان ولا في الرجاء ولا في المحبة!

كل إنسان منكم يسلك الصلاح ويحتقر أمور العالم ولا يختار ارتياد الملاهي، ومن نفسه لا يقبل أن يكون سكيرًا أو ينجس نفسه تحت ستار الأعياد مقدسة... مثل هذا يحتقره أولئك الذين يفعلون هذه الأمور...

"من أجل هذا لا يعرفنا العالم لأنه لا يعرفه" [1].

ومن هو العالم؟ إنه يعني الذين يحبونه ويسكنونه على أساس تعلقهم به، وبهذا اكتسبوا اسمه.

"لأنه لا يعرفه"
: لقد سار ربنا يسوع المسيح في العالم بنفسه في الجسد. إنه اللَّه، وهو قوي في الضعف، فلماذا لا يكون معروفًا؟ لأنه وبخ على كل خطية في الناس. فمحبتهم للذة الإثم جعلتهم لا يعرفونه، وحبهم لتلك الأمور دفع بهم إلى الحمى وأساءوا إلى الطبيب.]

هذا ما قاله الإنجيلي (يو 1: 10) وما أكده ربنا قائلاً: "أيها الآب البار، العالم لم يعرفك" (يو 17: 25). لأن محبو العالم لهم أب آخر غير اللَّه يحتل قلوبهم فلا يستطيعوا معاينته، وذاك كما قال الرب لليهود الأشرار "لو كان اللَّه أباكم، لكنتم تحبونني، لأني خرجت من قبل الآب وأتيت... لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولي. أنتم من أب هو إبليس" (يو 8: 42-44).

وإذ لا يستطيع الأشرار أن يعرفوا اللَّه فكيف يعرفون أولاده؟! لكن هذا لا يخيف أولاد اللَّه، لأنهم وإن حرموا من محبة الأشرار، إلاَ أنهم يجدون أنفسهم موضوع حب اللَّه وكل قديسيه، لهذا يدعوهم الرسول "أيها الأحباء". فالبغضة التي من الأشرار لا تشغل بال أولاد اللَّه.

"أيها الأحباء نحن أولاد اللَّه، ولم يظهر بعد ماذا سنكون، لكن نعلم أنه إذا أظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو" [2].

فكر أولاد اللَّه مشغول بأمر جد خطير، ألا وهو الحياة الأبدية، حيث يلتقون بأبيهم ويكونون مثله ويرونه وجهًا لوجه. "سينظرون وجهه واسمه على جباههم" (رؤ 22: 4). وكما يقول الرسول: "الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون "على صورة جسد مجده" (في 3: 21). فهل لنا كعروس المسيح وأولاد اللَّه أن نتعلق بالأمور الزمنية أو نبالي بمضايقات الأشرار مادامت روحنا ناظرة تجاه جمال الرب قائلة: "أما أنا فبالبرّ أنظر وجهك أشبع إذا استيقظت بشبهك" (مز 17: 15).

2. مسئوليتنا كأبناء للَّه

ا. تشبهنا به في الطهارة

لقد تصالحنا مع اللَّه بالمسيح يسوع، ونلنا بالمعمودية البنوة له، وإذ ارتفعت أفكارنا إلى فوق أصبحنا بالرجاء نسير كما يليق بأبناء اللَّه القدوس فنسلك في حياة طاهرة.

"وكل من عنده هذا الرجاء، به يطهر نفسه كما هو طاهر" [3].

وقوله "يطهر نفسه" تؤكد مساهمتنا نحن في السلوك، لأنه وإن كان ليس لنا أن نتطهر إلاَ باللَّه القدوس، لكن لا نتطهر ما لم نقبل نحن ذلك ونتجاوب مع عمل اللَّه، مجاهدين ومثابرين ومغتصبين.

ب. تشبهنا به في عدم فعل الخطية

"كل من يفعل الخطية يفعل التعدي" [4].

معنى التعدي العصيان، فيصير الإنسان بفعله الخطية عاصيًا أي عاقًا، وهذا لا يليق بالأبناء. لهذا جاء ربنا يسوع يكسر سلطان الخطية إذ "وتعلمون أن ذاك أظهر لكي يرفع خطايانا وليس فيه خطية" [5].

جاء لينزع شوكة الخطية، ويعلن أنه بلا خطية، فنقتدي به ونتعلق به، ثابتين فيه كي نصير نحن أيضًا بلا خطية. لكن هل يعني هذا أنه يوجد إنسان على الأرض بلا خطية؟!

ج. تشبهنا به في صنع البر والحب

"كل من يثبت فيه لا يخطئ. كل من يخطئ لم يبصره ولا يعرفه. أيها الأولاد لا يضلكم أحد. من يفعل البرّ فهو بار، كما أن ذاك بار. من يفعل الخطية، فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ. لأجل هذا أظهر ابن اللَّه، لكي ينقض أعمال إبليس. كل من هو مولود من اللَّه لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ، لأنه مولود من اللَّه" [6-9].

يمكن إنجاز هذا الفكر الوارد في هذا النص وغيره في نفس الرسالة فيما يلي:

1. أن من يثبت في النور لا يخطئ.

2. المولود من اللَّه لا يقدر أن يخطئ.

3. المولود من اللَّه يحفظ نفسه والشرير لا يمسه (١ يو 5: 18).

4. من يخطئ لم يعرف اللَّه ولا أبصره.

5. من يفعل الخطية هو من إبليس.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 3 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email
هذه النصوص لو اقتطفت من الكتاب المقدس منفصلة من غير ربطها ببقية السفر أو ما يسبقها أو يليها، ربما تدفع بالإنسان إلى فهم أن كل إنسان يخطئ أية خطية (لأنه من أخطأ في واحدة كسر الناموس كله) ليس ابنًا للَّه بل لإبليس، مما قد يدفع به إلى اليأس.

عندما تطلع إليها البعض منفصلة عن بقية الكتاب المقدس سقطوا في بدعة وجود معموديتين: إحداهما معمودية الماء الشكلية من يصطبغ بها يبقى معرضًا للخطية ولا يتمتع بالخلاص. والثانية معمودية الروح، ومن يتمتع بها يتحصن من الخطية ولا يخطئ ولا يستطيع أن يسقط في تجربة. ويبررون قولهم هذا بأنه لو كان في معمودية الماء يولد الإنسان ميلادًا جديدًا، فلماذا يتعرض المعمدون للخطية، ويسقطون مع أن أولاد اللَّه لا يخطئون؟ ففي نظرهم محتاجون إلى معمودية الروح.

لكننا نتساءل لماذا لم يذكر السيد المسيح في حديثه مع نيقوديموس عن المعمودية هكذا، إذ لم يقل: "إن كان أحد بعد عماده بالماء لا يولد من الروح" بل قال: "يولد من الماء والروح" دون أن يفصلهما عن بعضهما البعض؟ ولم يرد في الكتاب المقدس ولا في تاريخ الكنيسة أن التلاميذ والرسل وخلفاؤهم كانوا يعمدون بالماء ثم يعودوا ليعمدوا بالروح؟!

ثم لو كان حديثهم صحيحًا فهل كل من يتعرض للسقوط أو يسقط فعلاً يكون محتاجًا إلى معمودية الروح لأنه لم يصطبغ بها بعد؟! وعلى هذا يكون يوحنا الحبيب أثناء كتابته للرسالة قائلاً: "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا" لم يعتمد بعد بالروح؟! وبولس الرسول الذي قال: "ليس ساكن فيّ أي في جسدي شيء صالح" (رو 7: 18)، لم يعتمد أيضًا بالروح؟

ولماذا لم يطلب ربنا يسوع من أساقفة أو ملائكة كنائس آسيا الذين حذرهم في سفر الرؤيا طالبًا منهم التوبة أن يعتمدوا بالروح؟!

لكن كما يقول القديس مرقس الناسك:

[العماد المقدس عمل كامل ويهبنا الكمال، إلاَ أنه لا يكمل إنسانًا... يفشل (يهمل) في تنفيذ الوصايا...

والإنسان يتوجه بإرادته حيثما يحب، حتى بعد المعمودية، إذ لا تسلبنا المعمودية حريتنا. فعندما يقول الكتاب المقدس "ملكوت السماوات يغتصب" (مت 11: 12)، إنما يتكلم عن الإرادة الخاصة بكل شخصٍ، حتى لا يعود يلتفت كل منا - بعد ما تعمد - إلى الشر، وإنما يثبت في الخير.

والذين نالوا قوة لتنفيذ الوصايا، يوصيهم الرب كمؤمنين أن يجاهدوا فيها حتى لا يرتدوا عنها...

"لقد لبستم المسيح بالمعمودية" (غل 3: 27)، "وملكتم قوةً وسلطانًا لهدم ظنون" (٢ كو 10: 5). ولكن إذ نلتم هذه القوة للغلبة عليها، مع ذلك لم تعملوا على هدمها منذ اللحظة الأولى التي تخطر الظنون فيها على بالكم، فمن الواضح أنكم محبون للشهوات في عدم إيمان حتى أنكم قبلتموها وتصادقتم معها.]

لكن ما هو تفسير الآيات السابقة؟

1.رأي القديس أغسطينوس

[يقول الرسول: "كل من هو مولود من اللَّه لا يفعل الخطية"... وفي نفس الرسالة يقول: "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا" فماذا يفعل الإنسان إزاء هذين القولين في نفس الرسالة؟ فإن اعترف أنه خاطئ يخشى لئلا يقال عنه أنه ليس مولود من اللَّه، وإن قال أنه صالح ولا يخطئ يواجه القول الثاني "نضل أنفسنا"...

فالرسول يقصد خطية معينة لا يستطيع المولود من اللَّه (كابن للَّه) أن يرتكبها. هذه الخطية متى ارتكبها صار الإنسان مخطئًا في الكل... ألا وهي كسر الوصية؟ "وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضًا" (يو 13: 34).]

وهكذا يرى القديس أغسطينوس أنه يستحيل على الإنسان كابن للَّه ألا يحب إخوته، فإن لم يحب إخوته يكون قد انحرف عن السمة التي وهبت له وهي المحبة.

هذا أيضًا ما نادى به الأب شيريمون مطالبًا المعتمدين أن يتشبهوا باللَّه بأن يظهروا محبة هادئة داخلية نحو الصالحين والطالحين...

2. رأي البابا أثناسيوس الرسولي

يرى القديس أن [الكلمة ارتدى جسدًا مضمدًا كل لدغة الحية، نازعًا كل شرٍ ينبع عن عواطف الجسد، مبطلاً أيضًا الموت المصاحب للخطية... وكما كتب يوحنا: "لأجل هذا أظهر ابن اللَّه ينقض أعمال إبليس".]

هذه هي الإمكانية المعطاة لنا كأولاد للَّه، فصار لنا أن نهزم أعمال إبليس بالرب يسوع لكن ليس قهرًا بل حسب إرادتنا، أي إن ثبتنا فيه وتمسكنا به.

3. رأي العلامة ترتليان

[يؤكد الرسول أننا لا نخطئ قط، وقد عالج هذا بتوسع حتى لا نذعن للخطية، موضحًا لنا أن الخطايا قد نقضها السيد المسيح فصار لنا أن نسلك في النور... غير أن هناك بعض الخطايا اليومية التي يرتكبها الإنسان ونخضع جميعًا لها... فإن لم نجد عفوًا عنها يصير الخلاص مستحيلاً بالنسبة للجميع.]

4. رأي القديس إيرونيموس (چيروم)

[أما المنطق الثاني لجوفنيانوس فهو أن الإنسان الذي اعتمد لا يقدر الشيطان أن يجربه (يسقطه). ولكي ما يهرب جوفيانوس مما يتهم به بأن قوله هذا سخيف، يضيف قائلاً: "ولكن متى جرب أحد فإنه بهذا يظهر أنه قد اعتمد بالماء وليس بالروح، وذلك كما في حالة سيمون الساحر. وفي هذا يقول يوحنا "كل من هو مولود من اللَّه لا يفعل خطية لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من اللَّه. بهذا أولاد اللَّه ظاهرون وأولاد إبليس" [٩-١٠]. وفي النهاية يقول الرسول "كل من ولد من اللَّه لا يخطئ بل المولود من اللَّه يحفظ نفسه والشرير لا يمسه" (1يو 5: 18).]

هذا يمكن أن يكون صعبًا بحق ويعجز الإنسان عن حل المشكلة تمامًا لو لم يكمل الرسول قائلاً: "أيها الأولاد احفظوا أنفسكم من الأصنام" (١ يو 5: 21). فلو كان المولود من اللَّه لا يخطئ قط ولا يقدر الشيطان أن يجربه فكيف يأمرهم محذرًا إياهم من التجربة؟!

كذلك نقرأ في الرسالة: "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا، ويطهرنا من كل إثم. إن قلنا أننا لم نخطئ نجعله كاذبًا وكلمته ليست فينا" (١ يو 1: 8-10).

إنني افترض أن يوحنا قد اعتمد وكتب لأناس معمدين، وإني أتصور أن كل خطية هي من الشيطان، فإننا نجد يوحنا يعترف هنا بنفسه أنه خاطئ ويترجى الغفران بعد عماده.

ماذا أقول يا صديقي جوفيانوس؟! هل الرسول يناقض نفسه؟ حاشا! إنما يوضح الرسول سبب حديثه هذا بقوله: "يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. إن أخطأ أحد فلنا شفيع... بهذا نعرف أننا قد عرفناه إن حفظنا وصاياه..." (١ يو 2: 1-6).

إن سبب حديثي لكم يا أولادي بأن المولود من اللَّه لا يخطئ، هو لكي لا تخطئوا، حتى تعرفوا أنه طالما أنتم تخطئون فأنتم غير ثابتين في الميلاد الذي يهبه اللَّه لكم.

نعم. إن الذين يثبتون في ذلك الميلاد لا يخطئون، لأنه "أية شركة للنور مع الظلمة؟! وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟!" (٢ كو 6: 14-15). وكما يتميز النهار عن الليل، هكذا البرّ عن الشر، والخطية عن الأعمال الصالحة، والمسيح عن ضد المسيح.

إن كنا نعطي المسيح مسكنًا في قلوبنا، فلنطرد الشيطان من هناك.

إن كنا نخطئ ويدخل الشيطان خلال باب الخطية، ينسحب المسيح للحال.

وهنا يقول داود "رد لي بهجة خلاصك" (مز 51: 12)، أي رد الفرح الذي فقدته بالخطية.

أيضًا "من قال قد عرفته ولا يحفظ وصاياه، فهو كاذب وليس الحق فيه" (١ يو 2: 4). والمسيح هو الذي يدعي بالحق (يو 14: 6)، فباطلاً نفتخر به ذاك الذي لا نحفظ وصاياه...

يلزمنا ألا نظنه أمرًا عظيمًا أن نعرف اللَّه الواحد، إن كان حتى الشياطين تؤمن وترتعب. "من قال أنه ثابت فيه ينبغي أنه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضًا" (1 يو 2: 6).

فلخصمنا (جوفيانوس) أن يختار بين أمرين: هل هو ثابت في المسيح أم لا؟!

إن كان ثابتًا فيه فليسلك كما سلك المسيح. ولكن إن كان هناك استهتار بالتمثل بفضائل ربنا، يكون غير ثابتٍ في المسيح، لأنه لا يسلك كما سلك المسيح "الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر الذي إذ شُتم لم يكن يشتم عوضًا" (١ بط 2: 22)... وإليه جاء رئيس هذا العالم ولم يجد فيه شيئًا...

أما بالنسبة لنا، فنتطلع إلى ما جاء في رسالة يعقوب "في أشياء كثيرة نعثر كلنا" (يع 3: 2)، لأنه ليس أحد طاهرًا من دنس ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض.

ولكي لا نسقط في اليأس المطبق فنظن أننا إن أخطأنا بعد المعمودية لا يمكننا أن نخلص، قال: "وإن أخطأ أحد فلنا شفيع (محام)... "

لقد وجه هذا القول للمؤمنين الذين نالوا العماد، وهو يعدهم بالرب كمحامٍ يدافع عنهم من جهة خطاياهم، وهو لا يقول: "فلكم شفيع" بل "فلنا شفيع" حتى لا يظن أحد أنه يقول هذا عمن عماده مفتقر إلى الإيمان الحقيقي...

باطلاً يكون لنا محام هو يسوع المسيح، لو أن الخطية مستحيلة بالنسبة لنا...

إننا نقول في الصلاة الربانية: "واغفر لنا ذنوبنا... ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير". فلو أننا نعد العماد لا نخطئ لما طلبنا الغفران عن خطايا غفرت فعلاً في المعمودية! لماذا نصلي لكي لا ندخل في تجربة وننجو من الشرير لو أن الشيطان لا يستطيع أن يجربنا؟!

بولس الإناء المختار يقمع جسده ويستعبده لئلا بعد ما كرز للآخرين هو نفسه يكون مرفوضًا (1 كو 9: 27).ويخبرنا أنة أُعطى شوكة في الجسد رسول الشيطان ليلطمه لئلا يرتفع (2 كو 12: 7). ويكتب إلى أهل كورنثوس "ولكنني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح" (٢ كو 11: 3). وفي موضع أخر يقول "لئلا يطمع فينا الشيطان لأننا نجهل أفكاره"(2 كو 2: 11). وأيضًا "وإن من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" (١ كو 10: 12)... ويحدث المتزوجين قائلاً: "ثم تجتمعوا أيضًا لكي لا يجربكم الشيطان بسبب عدم نزاهتكم" (١ كو 7: 5).

ويكتب إلى أهل أفسس: "فإن مصارعتنا ليس مع لحم ودم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات" (أف 6: 12)، فهل يظن أحد أننا في أمان ويلزمنا أن ننام بعد ما نعتمد؟!

ويقول في رسالته إلى العبرانيين: "لأن الذين استنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية وصاروا شركاء الروح القدس. وذاقوا كلمة اللَّه الصالحة وقوات الدهر الآتي وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضًا للتوبة إذ هم يصلبون لأنفسهم إبن اللَّه ثانية ويشهرونه" (عب 6: 4-6). ونحن لا نقدر أن ننكر أن الذين استناروا هم معمدين... فلو أن المعمدين لا يخطئون فكيف يقول عنهم الرسول هنا "سقطوا"؟

إن فونتنيانوس ونوفاتيوسيبتسمان لهذا قائلين بأنه يستحيل التجديد (الذهني) مرة أخرى خلال التوبة بالنسبة للذين صلبوا ابن اللَّه وشهروا به...

ولكن يصحح هذا الخطأ (في الفهم) ما جاء بعد ذلك "ولكننا قد تيقنا من جهتكم أيها الأحباء أمورًا أفضل ومختصة بالخلاص، وإن كنا نتعلم هكذا. لأن اللَّه ليس بظالمٍ حتى ينسى عملكم وتعب المحبة التي أظهرتموها نحو اسمه، إذ قد خدمتم القديسين وتخدمونهم" (عب 6: 9-10). فلو أن اللَّه يعاقب على الخطية ولا يهتم بالأعمال الصالحة لنسبنا بهذا للَّه ظلمًا عظيمًا. لكن كأن الرسول يقول لهم إنني أتحدث معكم بهذا لكي أسحبكم من خطاياكم وأجعلكم أكثر حرصًا خشية اليأس. ولكنني أيها الأحباء إنني أتتبع أمورًا أفضل بالنسبة لكم، وأمورًا فيها خلاص. فإنه لا يليق مع بر اللَّه أن ينسى أعمالكم الصالحة إذ بالحقيقة خدمتم القديسين وتخدمونهم من أجل اسمه، فيتذكر خطاياكم وحدها.

وإذ يعلِّم يعقوب الرسول أن المعمدين يمكن أن يجربوا ويسقطوا في تجربة اختيارهم يقول: "طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة. لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه" (يع 1: 12). ولئلا نظن أننا نجرب من اللَّه كما جاء عن إبراهيم في سفر التكوين، أضاف قائلاً: "لا يقل أحد إذا جرب أني أجرب من قبل اللَّه. لأن اللَّه غير مجرب بالشرور. وهو لا يجرب أحدًا. لكن كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية، والخطية إذ أكملت ننتج موتًا"

لقد خلقك اللَّه بإرادة حرة، فلا نلزم قسرًا تجاه الفضيلة أو الرذيلة، وإلاَ ما كان يوجد إكليل....]


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 3 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 3 جـ3 PDF Print Email
الخلاصة:

نلخص من هذا أن الرسول يوحنا يوجه أنظارنا إلى المعمودية مذكرًا إيانا بالبنوة وإمكانيات السلوك على منوال ربنا المحب، لأنه لم يعد للخطية سلطان علينا كقول الرسول "فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية" (عب 2: 14-15). وبهذا الحب نستطيع أن نحب ولا نقبل إلاَ الحب.

هكذا لم تعد بعد الخطية تسودنا (رو 6: 14) إذ صار للإنسان الجديد أن يدوس على الخطية وشوكتها، ويحيا بربنا يسوع المحب سالكًا في الروح.

هذه الإمكانية تكون لنا باختيارنا كأولاد اللَّه لا نخطئ مادمنا مرتبطون بربنا ثابتين فيه. وفي اللحظة التي نخطئ فيها نكون قد انحرفنا عن وضعنا الحقيقي كأبناء، ومع هذا فإن طريق الدموع مفتوح.

فالمحبة الحقيقية هي الخط الفاصل بين أولاد اللَّه السالكين كأبناء وبين أولاد إبليس السالكين على منوال أبيهم أي الكراهية والخطية. لهذا يقول الرسول:

"بهذا أولاد اللَّه ظاهرون وأولاد إبليس. كل من لا يفعل البرّ وكذا من لا يحب أخاه" [10].

الحب هو سمة صليب ربنا يسوع المسيح، ننمو فيه مادمنا ثابتين في الرب، أما من لا يحب فينحرف تجاه طريق إبليس، رافضًا البنوة للَّه، مختارًا البنوة لإبليس. يقول القديس أغسطينوس: [إذن لندرب أنفسنا على محبة الإخوة... فإن أحببت أخاك ستعاين اللَّه، لأن بمحبتك لأخيك تعاين المحبة ذاتها التي فيها يسكن اللَّه.]

"لأن هذا هو الخبر الذي سمعتموه من البدء: أن يحب بعضنا بعضًا. ليس كما كان قايين من الشرير وذبح أخاه. ولماذا ذبحه؟ لأن أعماله شريرة وأعمال أخيه بارة" [11-12].

يقول القديس أغسطينوس: [لم يكن قايين يعرف المحبة. وما كانت قرابين هابيل تقبل، لو لم يكن يعرف المحبة. فكلاهما قدم القرابين، أحدهما قدم من ثمار الأرض والآخر من نتائج القطيع. أتظنوا يا إخوتي أن اللَّه يبغض ثمار الأرض ويحب نتاج القطيع؟! حاشا! فإن اللَّه لا ينظر إلى الأيدي وما تحملها بل إلى القلب. فمن قدم التقدمة من قلب محب قبله الرب، أما من قدم التقدمة بقلب حاسد، فقد أدار ربنا عنه وجهه. فالرسول يقصد بأعمال هابيل الصالحة "المحبة"، كما يعني بأعمال قايين الشريرة كراهيته لأخيه. الذي لم يكتفِ عند الكراهية والحسد بل قام وقتله بدلاً من أن يتمثل به. وهكذا ظهر قايين كابن لإبليس، وهابيل كابن للَّه.]

هكذا أولاد اللَّه يحبون وأولاد إبليس لا يقدرون أن يحبوا لهذا "لا تتعجبوا يا إخوتي إن كان العالم يبغضكم" [13].

لأن الذين تعلقوا بالعالم أي الأشرار ليس لهم روح الحب الحقيقي ولا يطيقوا اللَّه ولا أولاده.

"نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة، لأننا نحب الإخوة" [14].

أما نحن فإذ صرنا ثابتين في مصدر في مصدر حياتنا ربنا يسوع فنحب اخوتنا به وعلى مثاله، فإننا بهذا نكون قد تمتعنا بالحياة وانتقلنا من حالة الموت التي هي الدفن في الخطية والتراخي فيها والاستسلام لها.

لكن "كل من يبغض أخاه، فهو قاتل نفس" [15].

وكما يقول القديس چيروم: [لأن القتل ينبع من البغضة، لذلك فالذي يبغض ولو لم يقتل فريسته، يحسب قلبه قاتلاً، وهكذا لا ينتقل القلب إلى الحياة بل يبقى في الموت.]

فإن كان هذا هو عمل الحب وهذه هي نهاية البغضة، فمن أين لنا أن نعمل الحب؟

"بهذا عرفنا المحبة، أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي أن نضع نفوسنا لأجل إخوتنا" [16].

أحب السيد العبيد حتى الموت حتى يقتفي العبيد آثار خطواته، فيحبون زملاءهم العبيد مثله. وكما يقول الرب: "هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم. ليس حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه" (يو 15: 12-13).

وإذ أراد الرسول أن يدربنا على الحب العملي طلب منا أن نبدأ بالعطاء قائلاً:

"وأما من كان له معيشة العالم، ونظر أخاه محتاجًا، وأغلق أحشاءه عنه، فكيف تثبت محبة اللَّه فيه؟" [17]

إذ نتذوق الحب خلال العطاء المادي نستعذبه، وندرك حلاوته الداخلية، فنستطيع بالرب يسوع أن نحب إخوتنا ونحب اللَّه حتى الموت. فالرب لا يطلب الصدقة لأجل إشباع الفقراء إنما لنقدم له تقدمة الحب الشهي، فيتقبلها وكما يقول الرسول عن العطاء: "ليس لأني أطلب العطية بل أطلب الثمر المتكاثر لحسابكم" (في 4: 17).

والسبب الثاني ما يقوله القديس يوحنا ذهبي الفم: [إنها تعلمك كيف تصير شبيهًا باللَّه. وهذه رأس كل الخيرات.]

والسبب الثالث هو أن فيها مشاركة أعضاء جسد المسيح المتألم لبعضه البعض.

"يا أولادي لا نحب بالكلام واللسان، بل بالعمل والحق. "بهذا نعرف أننا من الحق، وتسكن قلوبنا قدامه" [18-19].

إن أحببنا إخوتنا عمليًا وبالحق، أي في المسيح يسوع، وليس بقصد المجد الباطل، فإننا بهذا نعرف أننا ثابتون في ربنا يسوع "الحق"، وتطمئن قلوبنا قدام اللَّه فاحص القلوب.

أي في حبنا لإخوتنا لا نطلب مديح الناس ولا شهادتهم، لأنهم لا يعرفون دوافعنا الداخلية، بل شهادة اللَّه لأن "فخرنا هو هذا شهاداة ضميرنا" (٢ كو 1: 12)، أي مجدنا الداخلي السري الذي لا يتعرف عليه إلاَ اللَّه والنفس.

"لأنه إن لامتنا قلوبنا"، أي إن أعلنت لنا حياتنا الداخلية أن دوافعنا غير سليمة "فاللَّه أعظم من قلوبنا ويعلم كل شيء" [20]، أي لنرتمي على اللَّه، معترفين له بضعفنا رغم مديح الناس لنا. وهو أعظم من قلوبنا، قادر على إصلاح دوافعنا.

"أيها الأحباء إن لم تلمنا قلوبنا، فلنا ثقة من نحو اللَّه" [21]، بمعنى إن شهدت قلوبنا لنا أننا نحب حبًا حقيقيًا، فلنا ثقة ليس في جهة الناس، بل من نحو اللَّه.

د. ثقتنا في اللَّه أبينا

"مهما سألنا ننال منه، لأننا نحفظ وصاياه، ونعمل الأعمال المرضية أمامه" [22].

إذ نحب نحفظ وصاياه، ويسر هو بنا، فلا يجعلنا معتازين شيئًا، بل يأتمنا على كل شيء، إذ نحن أمناء في حبنا لإخوتنا.

وما هي الأمور التي نعملها فترضيه؟

1. أن نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح، أي نقبله فاديًا ومخلصًا ممسوحًا لأجل التكفير عن خطايانا، "وهذه وصيته أن نؤمن باسم يسوع المسيح".

2. بحب إخوتنا، فنتمتع بحب اللَّه لنا "ونحب بعضنا بعضًا كما أعطانا وصية".

3. بتنفيذنا الوصية، أي نؤمن باسم ابنه ونحب الإخوة، بهذا نثبت فيه وهو فينا إذ يقول الرسول: "من يحفظ وصاياه يثبت فيه وهو فيه. وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا" [24].

ثبوتنا في اللَّه ليس كلامًا أو مجرد تخيلات لكن يتطلب حفظنا وصاياه التي تدور حول الحب. ومن يقدر أن يحب إلاَ بالروح القدس الذي أعطانا؟ وكما يقول القديس أغسطينوس: [بهذا الروح القدس تتطهر النفس وتقتات. هذا هو روح اللَّه الذي لا يمكن أن يكون للَّهراطقة والمنشقين عن الكنيسة بالنسبة للذين لم ينفصلوا عنها علانية لكنهم انفصلوا بعصيانهم لها، هؤلاء صاروا قشًا لا قمحًا رغم وجودهم فيها.]

1 انظروا اية محبة اعطانا الاب حتى ندعى اولاد الله من اجل هذا لا يعرفنا العالم لانه لا يعرفه
2 ايها الاحباء الان نحن اولاد الله و لم يظهر بعد ماذا سنكون و لكن نعلم انه اذا اظهر نكون مثله لاننا سنراه كما هو
3 و كل من عنده هذا الرجاء به يطهر نفسه كما هو طاهر
4 كل من يفعل الخطية يفعل التعدي ايضا و الخطية هي التعدي
5 و تعلمون ان ذاك اظهر لكي يرفع خطايانا و ليس فيه خطية
6 كل من يثبت فيه لا يخطئ كل من يخطئ لم يبصره و لا عرفه
7 ايها الاولاد لا يضلكم احد من يفعل البر فهو بار كما ان ذاك بار
8 من يفعل الخطية فهو من ابليس لان ابليس من البدء يخطئ لاجل هذا اظهر ابن الله لكي ينقض اعمال ابليس
9 كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية لان زرعه يثبت فيه و لا يستطيع ان يخطئ لانه مولود من الله
10 بهذا اولاد الله ظاهرون و اولاد ابليس كل من لا يفعل البر فليس من الله و كذا من لا يحب اخاه
11 لان هذا هو الخبر الذي سمعتموه من البدء ان يحب بعضنا بعضا
12 ليس كما كان قايين من الشرير و ذبح اخاه و لماذا ذبحه لان اعماله كانت شريرة و اعمال اخيه بارة
13 لا تتعجبوا يا اخوتي ان كان العالم يبغضكم
14 نحن نعلم اننا قد انتقلنا من الموت الى الحياة لاننا نحب الاخوة من لا يحب اخاه يبق في الموت
15 كل من يبغض اخاه فهو قاتل نفس و انتم تعلمون ان كل قاتل نفس ليس له حياة ابدية ثابتة فيه
16 بهذا قد عرفنا المحبة ان ذاك وضع نفسه لاجلنا فنحن ينبغي لنا ان نضع نفوسنا لاجل الاخوة
17 و اما من كان له معيشة العالم و نظر اخاه محتاجا و اغلق احشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه
18 يا اولادي لا نحب بالكلام و لا باللسان بل بالعمل و الحق
19 و بهذا نعرف اننا من الحق و نسكن قلوبنا قدامه
20 لانه ان لامتنا قلوبنا فالله اعظم من قلوبنا و يعلم كل شيء
21 ايها الاحباء ان لم تلمنا قلوبنا فلنا ثقة من نحو الله
22 و مهما سالنا ننال منه لاننا نحفظ وصاياه و نعمل الاعمال المرضية امامه
23 و هذه هي وصيته ان نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح و نحب بعضنا بعضا كما اعطانا وصية
24 و من يحفظ وصاياه يثبت فيه و هو فيه و بهذا نعرف انه يثبت فينا من الروح الذي اعطانا


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 3 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

المحبة والحكمة


1. المحبة والحكمة: الحب يعني رفضنا ما يضاد روح الرب ١ - ٦.

2. المحبة الحقيقية مصدرها الصليب ٧ - ١١.

3. كيف نتذوق المحبة؟

أ. خلال حبنا لإخوتنا ١٢ - ١٦.

ب. خلال انتظارنا يوم الرب بفرح ١٧ - ٢١.

1. المحبة والحكمة

"أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من عند اللَّه، لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم" [1].

يهب الحب للإنسان بساطة، فيصدق كل شيء. لكن ينبغي أن يكون ملازمًا له روح التمييز أو الحكمة، حتى لا ينخدع الإنسان بالمعلمين الكذبة، الذين يأتون تحت اسم "المسيح" ويتسترون بكلمة "المحبة" ليخفوا اسمهم في بريق كلمات جذابة وفلسفة باطلة، مدعين أنهم مرشدين بالروح القدس.

ولقد حذرنا ربنا من هؤلاء قائلاً: "انظروا لا يضلكم أحد فإن كثيرين سيأتون باسمي... ويضلون كثيرين" (مت 14: 4-5).

ويحذرنا سليمان الحكيم ألا نشرب من ماءٍ غريبٍ، مهما بدا عذبًا وحلوًا وظهر مقدسًا (أم 9: 18)، وقد أشار ربنا عن الروح القدس بالماء (يو 7: 37). إذن، لنحذر ممن يدعون أنهم مرشدون بالروح وهم غرباء عن الكنيسة.

لقد خاف الرسول على الكنيسة من أمثال هؤلاء قائلاً: "فإني أغار عليكم غيرة اللَّه، لأني خطبتكم لرجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح. ولكنني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح. فإنه إن كان الآتي يكرز بيسوع آخر لم نكرز به، أو كنتم تأخذون روحا آخر لم تأخذوه أو إنجيلاً آخر لم تقبلوه..." (٢ كو 11: 2-4). إنه يخشى خلال بساطتها تتقبل مسيحًا آخر أو روحًا آخر أو إنجيلاً آخر، وهو ليس آخر ولكن يعلنونه بفهمهم الخاص وأهوائهم (غل 1: 6-9). والخطير فيهم أنهم "يغيرون شكلهم كخدام للبرّ" (٢ كو 11: 15).

يقول الأب موسى: [يلزمنا أولاً أن نختبر بكل حرص كل فكر يدخل إلى قلوبنا، وكل تعليم نقبله، لنرى إذا كان قد تنقى بنار الروح القدس الإلهي السماوي، أو ينتمي إلى خزعبلات اليهود، أو هو ثمرة كبرياء الفلسفة البشرية التي ليس لها إلاَ سطحيات التدين. فينخدع البعض بهذا النوع، إذ يغويهم حسن التنسيق وتجذبهم التعاليم الفلسفية التي تخدع لأول وهلة بما فيها من بعض المعاني الورعة التي تتفق مع الدين... ومن جهة أخرى يلزمنا أن نحرص لئلا يُوضع أمامنا تفسيرًا خاطئًا للذهب النقي الذي هو الكتاب المقدس فنُخدع.]

لكن قد تسأل: وما هي علامات الروح الحقيقي؟

"بهذا تعرفون روح اللَّه. كل روح يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء في الجسد فهو من اللَّه. وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من اللَّه. وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي والآن هو في العالم" [2-3]. المعلم الحقيقي هو الذي يشهد للسيد المسيح الذي جاء إلى العالم ليخلصنا.

توجد بدع كثيرة لم تنكر مجيء ربنا يسوع في الجسد، لكن منها من أنكر لاهوته أو لاهوت الروح القدس مثل الأريوسية أو أتباع سابليانوس، فهل هذه البدع من اللَّه؟

إنهم بلا شك ليسوا منا، وإلا ما كانوا خرجوا عنا. لقد خرجوا عن الكنيسة جسد المسيح الواحد، وصار لهم إيمان مخالف وفكر مغاير، وبهذا صاروا ضد المسيح حتى ولو نسبوا أنفسهم له.

والآن بعدما بلغ في الخارج عدد الطواِئف ما يقرب من ٦٠٠ طائفة، الكل يؤكد أن إيمانه هو إيمان الكنيسة السليم، فكيف نتحقق الإيمان الحقيقي الخالص من الإيمان المزيف؟ لنعد إلى إيمان الكنيسة الواحد بروح الكنيسة وفكرها الواحد من أقصى المسكونة إلى أقصاها قبل الانقسام في مجمع خلقيدونية المشئوم (في القرن الخامس) فإن الكنيسة خلال الأربعة قرون الأولى، بالرغم من انتشارها شرقًا وغربًا، ومع اختلاف البيئات وتعدد الإيبارشيات وكثرة الرعاة وضخامة الكتابات المسيحية إلاَ إنها تمتاز بوحدة الفكر، فلا عجب إن رأينا كتابات القديسين باسيليوس الكبير أسقف قيصرية وهيلاري أسقف بواتيه ويوحنا الذهبي الفم أسقف القسطنطينية وأثناسيوس الرسولي أسقف الإسكندرية والبابا كيرلس الكبير الخ. آلاف من الآباء القديسين كتبوا وفسروا وبعثوا رسائل لبعضهم البعض أو لرعاية شعبهم. وكأن الكل قد تتلمذ في مدرسة واحدة بفكرٍ واحدٍ.

هذا هو الحق الذي تشربته الكنيسة الواحدة وتتشربه جيلاً بعد جيلٍ، فيه نتتلمذ لآبائنا بغير كبرياء ولا تشامخ أو اعتداد بالذات. هذا ما دفع بالكثيرين إلى نشر كتابات الآباء الأولين.

إذن لنحذر من المخادعين الذين يعتمدون على قدرتهم الذاتية في الإقناع الشخصي ومظهرهم الخارجي، ولا نخف أو نضطرب لأنه كما يقول الرسول:

"أنتم من اللَّه أيها الأولاد وقد غلبتموهم، لأن الذي فيكم أعظم من الذي في العالم" [4].

هكذا يشجعنا الرسول، لأن الذي فينا روح الحق الذي لا ينهزم، به صرنا أعضاء في جسد المسيح السري، هذا الذي قال: "أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33)، وبه صار لنا روح الغلبة والنصرة ضد الشر.

"هم من العالم، من أجل ذلك يتكلمون من العالم، والعالم يسمع لهم" [5].

إنهم من العالم. وهنا لا يقصد كل سكان العالم، بل الذين تعلقت قلوبهم بمحبة الأمور الزمنية. لذلك فإن دوافعهم في الكرازة دوافع زمنية، "يتكلمون من العالم"، إمّا لمكسب مادي أو سياسي (كما نرى للأسف في بعض الإرساليات الأجنبية)، أو بدوافع الاعتداد بالذات وحب الظهور. هؤلاء يستخدمون الخدع المنمقة والمظهر المملوء لينًا ولطفًا دون أن يكون لهم الحب في الداخل.

"نحن من اللَّه، فمن يعرف اللَّه يسمع لنا، ومن ليس من اللَّه لا يسمع لنا. من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال" [6].

يضع الرسول "الاستماع لنا" هو الحد الفاصل بين روح الحق وروح الضلال، وماذا يعني كلمة "لنا" إلاَ التلاميذ والرسل الذين سلموا الإيمان للكنيسة نقيًا. ليت الكل يرجع إلى الإيمان الرسولي المسلم للقديسين، رافضين كل فكر فلسفي محدث.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 4 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email
2.المحبة الحقيقية مصدرها الصليب

"أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضًا، لأن المحبة هي من اللَّه، وكل من يحب فقد ولد من اللَّه ويعرف اللَّه. "ومن لا يحب لم يعرف اللَّه، لأن اللَّه محبة" [7-8].

يقول الرسول "لنحب" وليس "لنحاول أن نحب"، لأنه قد وهبت لنا إمكانية الحب الذي من اللَّه. بهذا الحب نتمثل بأبينا إذ هو "محبة".

يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [اللَّه محبة وينبوع كل حب... كذلك جعل الخالق المحبة من سماتنا قائلاً: "بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضًا لبعض" (يو 13: 35). فإن لم توجد فينا المحبة، نكون قد غيرنا الخاتم الذي به نتشكل بشكل اللَّه.]

ويقول يوحنا الدرجي: [إن من يود أن يتكلم عن الحب، التزم أن يتكلم عن اللَّه ذاته. فالمحبة المقدسة هي مشابهة اللَّه على قدر ما يستطيع البشر.]

ويقول القديس أغسطينوس: [يمكن للإنسان أن يعتمد ومع ذلك لا يتجاوب مع عمل الروح القدس الساكن فيه، وربما ينال روح النبوة ويتنبأ مثل شاول (١ صم ١٩: 23). وقد يتناول من جسد ربنا ودمه بغير استحقاق (١ كو 11: 29) وقد ينسب نفسه للمسيح فيُجدف على اسم اللَّه بسببه... ولكن أمر واحد لا يقدر عليه وهو أن يبقى فيه الشر ويحب، لأن من يحب حبًا مصدره اللَّه، لا يقدر أن يتمسك بعد بشره. هذا هو الحب الحقيقي الذي أعلنه اللَّه.]

ننال بذور هذا الحب في المعمودية وينمو فينا بالتوبة المستمرة والتناول من الأسرار المقدسة والصلاح مع الجهاد والمثابرة. هذا الحب هو هبة من اللَّه الذي أحبنا!

"بهذا أظهرت محبة اللَّه فينا، أن اللَّه قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به. في هذا هي المحبة، ليس أننا نحن أحببنا اللَّه، بل أنه هو أحبنا، وأرسل ابنه الوحيد كفارة لخطايانا" [9-10].

أعلن الحب الحقيقي على الصليب. أحبنا الآب فبذل ابنه عنا "الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا معه كل شيء!" (رو 8: 32). والابن "أحبني وأسلم نفسه لأجلي" (غل 2: 20). هكذا نجد في الصليب ينبوع الحب الفياض. كلما تأملنا فيه نخجل أمام محبة اللَّه اللانهائية، وإذ أحبنا أولاً قبل أن نعرفه يليق بنا كأولاد له أن نحب نحن أيضًا. "أيها الأحباء إن كان اللَّه قد أحبنا هكذا ينبغي لنا أيضًا أن يحب بعضنا بعضًا" [11].

أحبنا اللَّه نحن العبيد رغم عدم استحقاقنا لحبه، فكم بالأولى نلتزم نحن بحب إخوتنا مهما يكن طبعهم أو حالهم أو تصرفاتهم تجاهنا. هو يحب... فأي فخر لنا كأولاد له أن نتمثل بأبينا لنحب الإخوة على مثاله!

3. كيف نتذوق المحبة؟

أ. خلال حبنا لإخوتنا

"اللَّه لم ينظره أحد قط. إن أحب بعضنا بعضًا فاللَّه يثبت فينا،ومحبته قد تكملت فينا" [12].

محبة اللَّه كاملة، لكننا لا نتمتع بها إلاَ عندما نفتح قلوبنا لإخوتنا. بهذا الحب تتنقى قلوبنا بالروح القدس،فتقدر على معاينة اللَّه."طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون اللَّه".

"بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا انه قد أعطانا من روحه" [13].

حيث يكون فينا الحب نكون عاملين بالروح القدس المعطى لنا "لأن محبة اللَّه قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس" (رو ٥: 5). والحب الحقيقي هو الترمومتر لمعرفة ثباتنا في اللَّه.

"ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصًا للعالم" [14].

أي لم يعد الحب مجهولاً بل نظر التلاميذ والرسل وشهدوا عظم محبة اللَّه المعلنة على الصليب. هذه الشهادة الرسولية تسلمتها الكنيسة لترضع أولادها بها ليشبوا على مثال أبيهم.

"من اعترف أن يسوع هو ابن اللَّه فاللَّه يثبت فيه وهو في اللَّه" [15].

فمن يقبل شهادة الكنيسة ويعترف بحب اللَّه العملي المعلن في الخلاص اعترافًا عمليًا يثبت اللَّه فيه وهو في اللَّه وبهذا لم يعد الحب غريبًا عنه بل في داخله.

"ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي للَّه فينا" [16].

فإذ صار الحب فينا نكون قد عرفناه وتذوقناه وصدقناه، فنتجاوب معه أكثر فأكثر.

ب.خلال انتظارنا يوم الرب بفرح

"بهذا تكملت المحبة فينا، أن يكون لنا ثقة في يوم الدين، لأنه كما هو في هذا العالم، هكذا نحن أيضًا" [17].

إذ نتذوق حب اللَّه ونتجاوب معه، فإن كمال حبنا هو اشتهاء يوم الرب في ثقةٍ، لأننا كما نسلك هنا على مثاله يكون لنا نصيب معه هناك.

حسن أن نبدأ بالمخافة، فنرهب يوم الرب، فنتيقظ ضد أعدائنا، أي الخطية... لكن قدرما نستعذب محبة اللَّه ونحب إخوتنا نتوق إلى ربنا وتشتهي النفس قبلات العريس منتظرة في فرح يوم عرسها كعذراء عفيفة متحلية بالإيمان والرجاء والمحبة. وهكذا ينتزع الخوف ليحتل الحب مكانه إذ يقول الرسول:

"لا خوف في المحبة، بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى الخارج" [18].

يقول القديس أغسطينوس: [كلما تزايدت المحبة تناقص الخوف. وكلما قلت المحبة تزايد الخوف لكن إن لم يكن خوف فليس هناك حب. وكما نرى في الحياكة أن الخيط يطرز بمخراز، فإن لم يخرج المخراز لا يدخل الخيط ليحتل مكانه، هكذا يشغل الخوف النفس، لكنه لا يظل فيها بل يترك مكانه للحب.]

يقول القديس مرقس الناسك: [الخوف من جهنم يشجع المبتدئين حتى يتركوا شرهم. أما المتقدمون فإن رغبتهم في المكافأة تحفزهم على تنفيذ الصلاح. وأما سرّ الحب فهو أنه يسمو بالعقل ليرتفع فوق كل المخلوقات خافيًا عن عينيه كل شيء غير اللَّه.]

"لأن الخوف له عذاب".


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 4 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 4 جـ3 PDF Print Email
يقول القديس أغسطينوس:

[عندما يعرف الإنسان خطيته يتألم... وإذ تدخل المحبة إلى النفس تبرئ كل جراحات الخوف. فخوف اللَّه يسبب جراحات كما من مشرط الطبيب الذي ينزع الجرح، ولو أدى ذلك إلى اتساعه...

إذن ليشغل الخوف نفوسنا حتى يحل الحب محله، ويلتئم الجرح!...

الخوف الأول، فيه يخاف الإنسان لئلا يُطرح في الجحيم ويحترق بالنار الأبدية مع إبليس وجنوده. أما الخوف الثاني، ففيه يخاف لئلا يفقد الصلاح ويتركه اللَّه، إذ هو مشتاق إلى التمتع باللَّه ذاته.

ويمكننا إدراك الفرق بين الخوف الذي تطرحه المحبة إلى خارج، والخوف النقي الثابت إلى الأبد إذا ما قارناهما بنوعين من النساء:

1. سيدة تشتهي ارتكاب الزنا وتتلذذ بالشر، لكنها تخاف نقمة زوجها. تخافه لكنها لا تزال تحب الإثم، ووجود زوجها يسبب لها ضيقًا وحزنًا. وإن حدث أن سلكت في الشر تخشى مجيئه... هكذا يخشى البعض مجيء الرب.

2. والثانية تحب زوجها وتشعر أنها مدينة له بقبلاتها الطاهرة، فتحفظ نفسها من الزنا مشتهية مجيئه والوجود معه.

هكذا كل من الاثنتين تخاف رجلها... الأولى تخشى مجيئه، والثانية تخشى لئلا يرحل عنها. الأولى تخاف عقابه، والثانية تخاف تركه لها.

فالنفس التي لها الخوف النقي تئن متألمة "رحمة وحكمة أغني لك يا رب أرنم. أتعقل في طريق كامل متى تأتي إليّ" (مز 101: 1). في طريق كامل تتعقل فلا تخاف، لأن المحبة تطرح الخوف إلى خارج، وعندما يأتي العريس إلى ذراعيها تخاف لكن كمن هي في أمان... تخاف لا من أن تطرح في جهنم، وإنما لئلا يكون فيها إثم أو خطية فيتركها عريسها.]

يؤكد الأب شيريمون نفس المعنى معلمًا إيانا عن قيمة مخافة الرب موضحًا الفرق بين خوف العبيد الذي هو بداية الطريق والمخافة الكاملة النابعة عن الحب العظيم. هذه المخافة التي وصفها النبي على أنها غنى خلاصنا (إش 3٣: ٦)، وهي من صفات ربنا يسوع نفسه، إذ يقول النبي: "يحل عليه روح الرب... روح المعرفة ومخافة الرب... لذته تكون في مخافة الرب" (إش ١١: 1).

ويقول مار فليكسينوس: [يوجد من يخاف لئلا يجلد، وهذا خوف العبيد، ويوجد من يخاف لئلا يخسر وهذا خوف الأجير. ويوجد من يخاف لئلا يغيظ وهذا خوف الصديقين.]

يقول القديس مقاريوس الكبير: [الرسل أنفسهم مع أنه كان فيهم المعزي إلاَ أنهم لم يكونوا خالين من الخوف مطلقًا (١ كو 9: 27)، لأنه مع الفرح والبهجة كان فيهم أيضًا الخوف والرعدة (في 2: 12-13) الناشئين عن النعمة ذاتها، وليس عن الطبيعة الفاسدة. ولكن تلك النعمة عينها كانت حارسة لهم لئلا يزيغوا ولو قليلاً.]

هكذا حتى الشاروبيم وكل طغمات السمائيين يحبون اللَّه لكنهم يقفون أمامه بخوف ورعدة، ليس خوفًا من نار جهنم، لكن مهابةً واحترمًا.

تفسير آخر

يقول العلامة ترتليان في حديثه عن الاضطهاد عن الخوف المطروح خارجًا، انه الخوف بالمعنى العام، أي خوف الإنسان على حياته الزمنية. فإذ يعلمنا الرسول يوحنا أن نضع أنفسنا لأجل الإخوة (١ يو 3: 16)، فبالأولى جدًا يليق بنا أن نصنعه من أجل الرب. أما الذي يخاف من أن يتألم، فهذا لا يستطيع أن ينتسب للذي تألم. أما الذي لا يخاف من أن يتألم فإنه يكتمل في الحب، أي في حب اللَّه.

"نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً" [19].

أحبنا ونحن بعد خطاة (رو ٥: ٣٨) واختارنا عروسًا له، فأي فضل لنا إن أحببناه؟ إننا نرد له هذه المحبة في أولاده إخوتنا.

"إن قال أحد أني أحب اللَّه، وأبغض أخاه فهو كاذب". وعلامة كذبه هو "لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره، كيف يقدر أن يحب اللَّه الذي لم يبصره؟" [20]

فبحبنا للإخوة المنظورين تزول عنا الغشاوة الداخلية، فتعاين قلوبنا اللَّه. وبحبنا لإخوتنا نكون قد نفذنا وصيته، مبرهنين على حبنا له.

1 ايها الاحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الارواح هل هي من الله لان انبياء كذبة كثيرين قد خرجوا الى العالم
2 بهذا تعرفون روح الله كل روح يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء في الجسد فهو من الله
3 و كل روح لا يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء في الجسد فليس من الله و هذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم انه ياتي و الان هو في العالم
4 انتم من الله ايها الاولاد و قد غلبتموهم لان الذي فيكم اعظم من الذي في العالم
5 هم من العالم من اجل ذلك يتكلمون من العالم و العالم يسمع لهم
6 نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا و من ليس من الله لا يسمع لنا من هذا نعرف روح الحق و روح الضلال
7 ايها الاحباء لنحب بعضنا بعضا لان المحبة هي من الله و كل من يحب فقد ولد من الله و يعرف الله
8 و من لا يحب لم يعرف الله لان الله محبة
9 بهذا اظهرت محبة الله فينا ان الله قد ارسل ابنه الوحيد الى العالم لكي نحيا به
10 في هذا هي المحبة ليس اننا نحن احببنا الله بل انه هو احبنا و ارسل ابنه كفارة لخطايانا
11 ايها الاحباء ان كان الله قد احبنا هكذا ينبغي لنا ايضا ان يحب بعضنا بعضا
12 الله لم ينظره احد قط ان احب بعضنا بعضا فالله يثبت فينا و محبته قد تكملت فينا
13 بهذا نعرف اننا نثبت فيه و هو فينا انه قد اعطانا من روحه
14 و نحن قد نظرنا و نشهد ان الاب قد ارسل الابن مخلصا للعالم
15 من اعترف ان يسوع هو ابن الله فالله يثبت فيه و هو في الله
16 و نحن قد عرفنا و صدقنا المحبة التي لله فينا الله محبة و من يثبت في المحبة يثبت في الله و الله فيه
17 بهذا تكملت المحبة فينا ان يكون لنا ثقة في يوم الدين لانه كما هو في هذا العالم هكذا نحن ايضا
18 لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف الى خارج لان الخوف له عذاب و اما من خاف فلم يتكمل في المحبة
19 نحن نحبه لانه هو احبنا اولا
20 ان قال احد اني احب الله و ابغض اخاه فهو كاذب لان من لا يحب اخاه الذي ابصره كيف يقدر ان يحب الله الذي لم يبصره
21 و لنا هذه الوصية منه ان من يحب الله يحب اخاه ايضا
 


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 4 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 5 جـ1 PDF Print Email

إمكانيات الإيمان

في هذا الأصحاح يتحدث الرسول عن قوة الإيمان بربنا يسوع المسيح ابن اللَّه:

1. الإيمان والحب ١ - ٣.

2. الإيمان وحياة النصرة ٤ - ٥.

3. أساس الإيمان والشهادة له ٦ - ١٠.

4. الإيمان وعطية الحياة الأبدية ١١ - ١٣.

5. الإيمان واستجابة الصلاة ١٤ - ١٥.

6. المؤمنون وصلاتهم من أجل إخوتهم ١٦ - ١٨.

7. المؤمنون ينالون بصيرة المعرفة ١٩ - ٢٠.

8. الإنذار الأخير ٢١.

1. الإيمان والحب

"كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من اللَّه. وكل من يحب الوالد يحب المولود منه" [1].

بعدما تحدث الرسول عن الحب. ربط بين الإيمان والميلاد الفوقاني والحب. فميلادنا الثاني يقوم على أساس إيماننا بربنا يسوع أنه هو المسيح، الذي صالحنا مع أبيه، وربطنا به، فصارت لنا بالمعمودية البنوة للآب والحب له. وحبنا للآب يدفعنا لمحبة الابن، ذلك كما أنه [ليس لنا حب في داخلنا تجاه اللَّه الآب إلاَ خلال الإيمان بابنه.]

وحبنا للَّه يدفعنا لمحبة إخوتنا، كما أن حبنا للإخوة لا يكون حقيقيًا خالصًا إلاَ على أساس حبنا للَّه خلال وصاياه. "بهذا نعرف أننا نحب أولاد اللَّه، إذا أحببنا اللَّه، وحفظنا وصاياه" [2]. بهذا نقبل الجسد بقبولنا الرأس.

2. الإيمان وحياة النصرة

قد يسأل أحد: ومن يقدر أن ينفذ وصايا اللَّه؟ من يقدر أن يغلب محبة العالم بكل مغرياته وضيقاته؟ خلال إيماننا بربنا يسوع الذي غلب والذي لا يزال يغلب بعمله فينا وسيغلب. فإذ نختفي فيه يصير الطريق سهلاً، والحمل الثقيل هينًا، وإغراء العالم كلا شيء، وضيقات العالم موضوع سرورنا.

"ووصاياه ليست ثقيلة. لأن كل من وُلد من اللَّه يغلب العالم. وهذه الغلبة التي تغلب العالم إيماننا. من هو الذي يغلب العالم، إلاَ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن اللَّه!" [4-5].

ويعلق الأب ثيوناس:

[كل من يتسلق مرتفعات الكمال الإنجيلي يرتفع إلى أعالي الفضيلة متخطيًا كل قانون، ناظرًا إلى أن ما قد أمر به موسى على أنه أمر بسيط سهل، مدركًا أنه بخضوعه لنعمة المخلص يصل إلى تلك الحالة التي هي في غاية السمو.

وعلى هذا لا يكون للخطية سلطان عليه، "لأن محبة اللَّه قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" (رو ٥: ٥). بهذا ينزع عنه كل اهتمام بأي أمر آخر، ولا يرغب في صنع ما هو ممنوع عنه، أو يهمل فيما قد أُمر به، لكن إذ يكن كل هدفه وكل اشتياقه في الحب الإلهي على الدوام، لا يقع في التلذذ بالأمور التافهة، بل ويطلب الأمور المسموح بها...

لا تهلك جذور الخطية تحت الناموس، إنما تحت النعمة ليس فقط تُبتر أغصان الشر، إنما تقتلع أيضًا جذوره التي للإرادة الشريرة.]

ويقول القديس كيرلس الكبير: [والحق يقال أنه لم يجرؤ أحد على مقاومة إبليس إلاَ الابن يسوع المسيح الذي سكن المغارة، فكافحه كفاحًا شديدًا، وهو على صورتنا. ولذلك انتصرت الطبيعة البشرية في يسوع المسيح ونالت إكليل الظفر والغلبة... انتصر المسيح على الشيطان وتوّج هامة الطبيعة البشرية بإكليل المجد والظفر.]

3. أساس الإيمان والشهادة له

"هذا هو الذي أتى بماء ودم يسوع المسيح، لا بالماء فقط بل بالماء والدم. والروح هو الذي يشهد لأن الروح هو الحق" [6].

يقوم إيماننا على أساس دم المسيح، وموتنا ودفننا معه بالمعمودية. هنا يميز الرسول بين معمودية يوحنا التي بالماء لمغفرة الخطايا (يو 1: 31) ومعمودية السيد المسيح التي بالماء والروح، حيث ندفن مع المسيح، ونقوم أيضًا بإنسان داخلي جديد على صورة ربنا يسوع. هذه هي المعمودية التي تقوم على صليب السيد المسيح.

يقول القديس أمبروسيوس: [كانت مارة عين ماء شديدة المرارة، فلما طرح موسى الشجرة أصبحت مياهها عذبة. لأن الماء بدون الكرازة بصليب ربنا لا فائدة منه للخلاص العتيد. ولكن بعد أن تكرس بسرّ صليب الخلاص يصبح مناسبًا لاستعماله في الجرن الروحي وكأس الخلاص. إذ أنه كما ألقى موسى النبي الخشبة في تلك العين، هكذا أيضًا الكاهن ينطق على جرن المعمودية بشهادة صليب ربنا فيصبح الماء عذبًا بسبب عمل النعمة.]

هذه المعمودية يشهد لها الروح وشهادته حق، ليست شهادة كلام، بل بالعمل إذ هي عمله، وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [حينما تدخلون في الماء لا تجدون بعد ماء بسيطًا بل تنتظرون خلاصًا بالروح القدس، لأنكم تستطيعون بلا مانع أن تصلوا للكمال.]




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email
"فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد" [7].

يشهد الثالوث القدوس لقوة المعمودية في العهد الجديد، وذلك كما رأينا في عماد ربنا يسوع، الذي منه استمدت قوتها.

والمعمودية هي من اختصاص الروح القدس واهب الغفران والشركة، فيربطنا بالثالوث القدوس. وتقوم على عمل الثالوث، إذ تقوم على صليب المسيح. فالآب أحبنا وأسلم ابنه، الابن بذل ذاته على الصليب حيث طُعن ربنا فخرج دم وماء (يو 19: 34)، على أساسهما قامت المعمودية.

فشهادة الثالوث القدوس ليست كلامًا، بل شهادة إيجابية. شهادة عمل وبذل من أجل الإنسان لكي يحيا كابن للَّه. هذه الشهادة السماوية تلازمها شهادة في الأرض إذ يقول الرسول:

"والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح والماء والدم والثلاثة واحد" [8].

يقول القديس أمبروسيوس: [الشهود الثلاثة في المعمودية: الماء والدم والروح هم واحد. لأنك إن انتزعت واحدًا منها لما وجد سرّ المعمودية. لأنه ما هو الماء بغير صليب المسيح؟! عنصر مادي بدون أي فعل سري! كما أنه لا يوجد سرّ التجديد بدون ماء لأنه "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت اللَّه" (يو ٣: ٥).]

ويقول القديس أغسطينوس:

[وإذ قال أن الثلاثة في الواحد أوضح أنه لا يقصد بالروح والماء والدم المفهوم العام بل هي أمور سرية.

لأن مادة الروح ومادة الماء ومادة الدم ليسوا واحدًا. ولكن كما نقول مثلاً أن الصخرة والماء هما واحد قاصدين بالصخرة المسيح وبالماء الروح القدس.

من يشك في أن الصخرة والماء هما مادتان مختلفتان، لكن إذ السيد المسيح والروح القدس طبيعة واحدة نقول أن الصخرة والماء واحد.

إننا نعلم أن ثلاثة خرجوا من جسد ربنا وهو معلق على الصليب.

أ. الروح إذ كتب "ونكس رأسه وأسلم الروح" (يو ١٩: ٣٠).

ب، ج. وعندما طُعن خرج منه دم وماء.

هذه الثلاثة مختلفو المادة ومتميزون، فهم ليسوا بواحد. إنما الوحدانية هنا تحمل معنى أن جسد المسيح السري أي الكنيسة يثبت في الثالوث القدوس ويكرز به.

فالروح نفهم منها ما جاء أن "اللَّه روح" (يو ٤: ١٤)، والدم يعني الابن الذي صار جسدًا (يو ١: ١٤)، والماء يشير إلى الروح القدس كقول ربنا (يو ٧: ٣٨)...

أما عن كون الثالوث القدوس شاهدًا، فهذا ما لا يشك فيه كل من يؤمن بالإنجيل، إذ يقول الابن "أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي الآب الذي أرسلني" (يو ٨: ١٨). "روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي" (يو ١٥: ٢٦).

هؤلاء الشهود الثلاثة هم واحد، طبيعة واحدة، جوهر واحد، لاهوت واحد.]

"إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة اللَّه أعظم، لأن هذه هي شهادة اللَّه التي قد شهد بها عن ابنه" [9].

في أمور كثيرة نتقبل شهادة الناس فكم بالأولى تكون شهادة الآب عن ابنه، الذي شهد له في عماده، وفي تجليه وعند موته بإقامته من الأموات.

"من يؤمن بابن اللَّه فعنده الشهادة في نفسه. من لا يصدق الله فقد جعله كاذبًا، لأنه لم يؤمن بالشهادة التي قد شهد بها اللَّه عن ابنه" [10].

إيماننا باللَّه يجعلنا في غنى عن للشهادة الخارجية، بل يشهد روح اللَّه فينا شهادة عملية اختبارية، فنثق في كلمة اللَّه بغير تشكك.

"أما من لا يصدق اللَّه فيجعله كاذبًا"، ليس لنا أن نسأل "كيف؟" بل نقبل ما ورد في الكتاب المقدس بإيمان.

4. الإيمان وعطية الحياة الأبدية

"وهذه هي الشهادة أن اللَّه أعطانا حياة أبدية، وهذه الحياة هي في ابنه. "من له الابن فله الحياة، ومن ليس له ابن اللَّه فليست له الحياة. "كتبت الكم هذا لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية، ولكي تؤمنوا باسم ابن اللَّه" [11-13].


هذا هو غاية إيماننا أن نتمتع بالحياة الأبدية. هذه هي الحياة ليست مجرد عطية من اللَّه، بل ابن اللَّه ذاته هو حياتنا "هذه الحياة هي في ابنه".

هذا هي غاية التجسد. جاء ربنا كبكرٍ لنا، مات وقام وبصعوده حملنا فيه، إذ ارتفع الإله المتأنس إلى أعالي السماوات، حيث ارتفعت أمامه الأبواب الدهرية، ووقفت الطغمات السمائية مبهورة أمام المجد الموهوب لبني البشر في شخص الإله المتأنس، لأنه حيث يكون البكر يرتفع فيه وبه أعضاء جسده السري ويحيون هناك إلى الأبد.

5. الإيمان واستجابة الصلاة

"هذه هي الثقة التي لنا عنده، أنه إن طلبنا شيئًا حسب مشيئته يسمع لنا" [14].

يقول الأب اسحق:

[إنه يأمرنا أن تكون لنا ثقة كاملة بغير ارتياب من جهة استجابة الطلبات التي ليست من أجل نفعنا (الأرضي) أو راحتنا الزمنية، إنما تطابق مشيئة ربنا. وتعلمنا الصلاة الربانية هذا، إذ نقول "لتكن مشيئتك" أي ليس حسب مشيئتنا نحن.

فإن تذكرنا كلمات الرسول: "لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي" (رو ٨: ٢٦)، ندرك أننا أحيانًا نسأل أمورًا تضاد خلاصنا، وبواسطة العناية الإلهية تُرفض طلباتنا، لأنه يرى ما هو لصالحنا بحق أعظم مما نستطيع نحن.

وهذا ما حدث مع معلم الأمم عندما صلى أن ينزع عنه ملاك الشيطان الذي سمح به ربنا لأجل نفعه. "من أجل هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني. فقال: تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (٢ كو ١٢: ٨-٩).]

"وإن كنا نعلم أنه يسمع لنا مهما طلبنا، نعلم أن لنا الطلبات التي طلبناها" [15].

فالمؤًمن الذي يتجاوب مع روح اللَّه يتعلم ماذا يطلب، لذلك فكل ما يطلبه إذ هو حسب مشيئة اللَّه يستجيب ربنا له.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 
تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 5 جـ3 PDF Print Email
6. المؤمنون وصلاتهم من أجل إخوتهم

"إن رأى أحد أخاه يخطئ ليست للموت، يطلب فيعطيه حياة للذين يخطئون ليس للموت. توجد خطية للموت. ليس لأجل هذه أقول أن يطلب" [16].

يقول القديس أغسطينوس:

[واضح هنا أن هناك إخوة لا نصلي من أجلهم مع أن ربنا يوصينا أن نصلي حتى من أجل الذين يضطهدوننا. فخطية الأخ هنا أشر من كل خطية المضطهد لنا. وواضح أن كلمة "أخ" هنا تعني الإنسان المسيحي كما في 1 كو ٧: 14-15... إنني أفترض أن خطية الموت هنا هي مقاومة الإنسان للحب الأخوي وامتلاء قلبه بالكراهية ضد النعمة التي بها تصالحنا مع اللَّه بعدما تعرفنا على اللَّه بنعمة ربنا يسوع المسيح. (أي مقاوم في داخل الكنيسة فيفقدهم نعمة الرب).

أما الخطية التي ليست للموت فهي ألا يقوم الإنسان بواجبات الحب الأخوي عن ضعف في الروح...

ونلاحظ أن الرسول بولس لم يصلِ من أجل إسكندر، وأحسب أن السبب هو أنه كان مسيحيًا أخطأ خطية الموت، إي كان مقاومًا لشركة الروح بالبغضة... إذ يقول "إسكندر النحاس أظهر شرورًا كثيرة ليجازه الرب حسب أعماله، فاحتفظ منه أنت أيضًا لأنه قاوم أقوالنا جدًا" (٢ تي ٤: 15). أما الذين يصلي من أجلهم فيقول عنهم "في احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي بل الجميع تركوني. لا يحسب عليهم" (٢ تي ٤: 16).]

ولعله لهذا السبب كانت الكنيسة تصلي ضد المبتدعين المصرين على عدم التوبة ليس انتقامًا لأنها كعريسها لا تحب الانتقام، إنما خوفًا على أولادها البسطاء الذين يخدعهم هؤلاء المبتدعين أمثال أريوس ونسطور...

ويرى تقليد الآباء اليونان أن الخطية التي للموت هي التي يصر عليها مرتكبيها بغير توبة. لهذا لا تصلي الكنيسة من أجل المنتحرين لأنهم أصروا على يأسهم إلى النهاية.

هذا ونلاحظ أن الرسول لم يأمر بعدم الصلاة من أجل الذين يخطئون خطية الموت إنما لم يطلب منهم أن يصلوا، تاركًا للمؤمن الأمر.

"كل إثم هو خطية، وتوجد خطية ليست للموت" [17].

كلمة "إثم" كما جاءت في اليونانية تعني اعتداء الإنسان على حق الغير، وكلمة "خطية" تعنى مخالفة إرادة اللَّه ووصاياه. فكل اعتداء على حق الآخرين هو خطية لأنها تخالف إرادة اللَّه، إذ يريد الحب بيننا.

ولكن هناك خطايا ليست للموت، ليس لأن طبيعتها هكذا، لكن لصدورها عن ضعف بغير إرادة أو عن جهل رغم توبتنا المستمرة. وهذه الخطايا ليست غير ملومة، ولا تعني أننا لا نتوب عنها. لهذا في كل يوم نصلي قائلين: "واغفر لنا ذنوبنا"

7. المؤمنون وهبوا بصيرة المعرفة

أ. "نعلم أن كل من وُلد من اللَّه لا يخطئ، بل المولود من اللَّه يحفظ نفسه والشرير لا يمسه" [18].

وقد سبق أن رأينا أن المولود من اللَّه يدرك إمكانيات الولادة الجديدة، وهي أنه كابن لا يخطئ ما دام ثابتًا في أبيه، لكن في اللحظة التي فيها ينسى بنوته، وينحرف قليلاً عن أبيه يسقط. وهنا يطلب الرسول من المولود من اللَّه أن يجاهد "يحفظ نفسه". وإذ يرى الشرير (الشيطان) ثباته في اللَّه وجهاده لا يقدر أن يمسه.

ب. نعلم أننا نحن من اللَّه والعالم كله قد وضع في الشرير" [19].

يدرك أولاد اللَّه أنهم من اللَّه، ليس بالكلام إنما بالحياة معه. ويتطلعون إلى "العالم كله" وهنا لا يقصد كل البشرية، إنما الذين أحبوا العالم وتعلقوا به أنهم قد اختاروا ملكوت الشرير.

ج. "ونعلم أن ابن اللَّه قد جاء، وأعطانا بصيرة لنعرف الحق. ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية" [20].

يعلم المؤمن من هو ربنا يسوع. إنه الحق واهب الحياة. هذه هي البصيرة الداخلية التي بها تعاين النفس ربنا يسوع أنه كل الحق فتشبع منه، وأنه مصدر حياتها، فتثبت فيه ولا تريد أن تفارقه.

الإنذار الأخير

"أيها الأولاد احفظوا أنفسكم من الأصنام" [21].

يذكرنا هنا بنسبنا للَّه "أيها الأولاد"، أي يا أولاد اللَّه، لا يليق بكم أن تسلموا أنفسكم لغير أبيكم "لأن" الأصنام هي تسليم القلب الذي للرب لغيره.

إنه يذكرنا بمركزنا كأولاد للَّه طالبًا أن تتقدس قلوبنا له. وفي نفس الوقت يشجعنا على المثابرة والجهاد "احفظوا أنفسكم" حتى لا نقبل شيئًا أو أحدًا أن يحتل مكان اللَّه في قلوبنا.

بركة ربنا وإلهنا بصلوات أبينا الحبيب القديس يوحنا وجميع القديسين تحفظنا إلى الأبد. آمين.

1 كل من يؤمن ان يسوع هو المسيح فقد ولد من الله و كل من يحب الوالد يحب المولود منه ايضا
2 بهذا نعرف اننا نحب اولاد الله اذا احببنا الله و حفظنا وصاياه
3 فان هذه هي محبة الله ان نحفظ وصاياه و وصاياه ليست ثقيلة
4 لان كل من ولد من الله يغلب العالم و هذه هي الغلبة التي تغلب العالم ايماننا
5 من هو الذي يغلب العالم الا الذي يؤمن ان يسوع هو ابن الله
6 هذا هو الذي اتى بماء و دم يسوع المسيح لا بالماء فقط بل بالماء و الدم و الروح هو الذي يشهد لان الروح هو الحق
7 فان الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الاب و الكلمة و الروح القدس و هؤلاء الثلاثة هم واحد
8 و الذين يشهدون في الارض هم ثلاثة الروح و الماء و الدم و الثلاثة هم في الواحد
9 ان كنا نقبل شهادة الناس فشهادة الله اعظم لان هذه هي شهادة الله التي قد شهد بها عن ابنه
10 من يؤمن بابن الله فعنده الشهادة في نفسه من لا يصدق الله فقد جعله كاذبا لانه لم يؤمن بالشهادة التي قد شهد بها الله عن ابنه
11 و هذه هي الشهادة ان الله اعطانا حياة ابدية و هذه الحياة هي في ابنه
12 من له الابن فله الحياة و من ليس له ابن الله فليست له الحياة
13 كتبت هذا اليكم انتم المؤمنين باسم ابن الله لكي تعلموا ان لكم حياة ابدية و لكي تؤمنوا باسم ابن الله
14 و هذه هي الثقة التي لنا عنده انه ان طلبنا شيئا حسب مشيئته يسمع لنا
15 و ان كنا نعلم انه مهما طلبنا يسمع لنا نعلم ان لنا الطلبات التي طلبناها منه
16 ان راى احد اخاه يخطئ خطية ليست للموت يطلب فيعطيه حياة للذين يخطئون ليس للموت توجد خطية للموت ليس لاجل هذه اقول ان يطلب
17 كل اثم هو خطية و توجد خطية ليست للموت
18 نعلم ان كل من ولد من الله لا يخطئ بل المولود من الله يحفظ نفسه و الشرير لا يمسه
19 نعلم اننا نحن من الله و العالم كله قد وضع في الشرير
20 و نعلم ان ابن الله قد جاء و اعطانا بصيرة لنعرف الحق و نحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الاله الحق و الحياة الابدية
21 ايها الاولاد احفظوا انفسكم من الاصنام امين


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 



13 بابه 1734 ش
24 أكتوبر 2017 م

نياحة القديس زكريا الراهب بن قاربوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك