إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

من الأسباب التي تمنع الشكر : عدم تذكرنا لإحسانات اللـه عيبنا أننا ننسى بسرعة ولا نتذكر لذلك فإن داود النبي يُذكِّر نفسه بهذه الأمور، ويقول في مزموره: باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته مز: ، أنصحكم بقراءة هذا المزمور وحفظه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة يعقوب

+ تفسير رسالة يعقوب +



تفسير رسالة يعقوب اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

   الإيمان والتجارب 

 

يتحدث الرسول في هذا الأصحاح عن الإيمان والتجارب:

١. المقدمة (تحية). ١.

2. التجارب الخارجية. 2-4.

كيف نحتمل التجربة؟

أولاً: باقتناء الحكمة السماوية ٥-٧.

ثانيًا: باقتناء التواضع ٨.

ثالثًا: إدراك زوال العالم ٨ - ١٢.

3. التجارب الداخلية ١٣ - ١٥.

4. الله أبونا، لا يهب إلاَّ الصلاح ١٦ - ١٧.

5. موقفنا كأولاد لله:

أولاً: الإسراع في الاستماع ١٨.

ثانيًا: الإبطاء في التكلم ١٩.

ثالثًا: الإبطاء في الغضب ١٩ - ٢٠.

رابعًا: نزع بذور الشر وغرس الكلمة ٢١ - ٢٥.

خامسًا: تلجيم اللسان ٢٦.

سادسًا: الرحمة بالآخرين ٢٦.

سابعًا: حفظ الإنسان من دنس العالم ٢٧.

  1. المقدمة (التحية)

"يعقوب عبد الله والرب يسوع المسيح، يهدي السلام إلى الإثنى عشر سبطا الذين في الشتات" ]١[

لم يذكر الرسول نَسَبُه حسب الجسد للرب يسوع بل يدعو نفسه "عبدًا". والعبد كما نعرف لم يكن له حق أو سلطان حتى على جسده أو إرادته أو زوجته أو أولاده... بل للسيد أن يتصرف كيفما يشاء. هكذا يحب يعقوب الرب إلى درجة العبوديّة، يفرح جدًا أن يترك للمحبوب أن يفعل به ما يريد. هذه عبوديّة، لكنها لا عن قسر وإكراه بل في حب ورضا.

هذه أحاسيس الذين عشقوا الثالوث القدوس، فإذ يرون الآب يفتح لهم أحضانه كبنين، والابن يقبلهم كعروس، والروح القدس هيكلاً له، يرتمون في حضن الثالوث القدوس في تسليم كامل كعبيد، فيقول كل واحد منهم مع الرسول أنه "عبد الله والرب يسوع المسيح".

هذا القول يكشف عن عظمة حب الرسول واعتزازه بالتعبد لله في تواضع حقيقي.

2. التجارب الخارجية

"احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة" ]٢[.

لم يقل الرسول "يا أولادي" مثل يوحنا الحبيب بل "يا إخوتي". والسبب في هذا أنه يتحدث عن التجارب والآلام، فيريد أن يبث فيهم روح الشجاعة كإخوة، وأنهم ليسوا أطفالاً وأبناء.

وقوله "يا إخوتي" يُذكِّرهم برباطهم معًا في أخوة روحيّة خلال الميلاد الجديد كأبناء لله، مما يجعلهم يتقبلون الآلام بغير تذمر، وفي تسليم وفي فرح، بل في "كل فرح".

وربما قصد بكلمة "كل" هنا أنها النهاية القصوى للفرح، أو عدم تقبُّل شيء غير الفرح، أو كل صنوف الفرح، إذ تحل بهم صنوف متنوعة من التجارب. وكأنه يقول لهم: حينما تحل بكم لا تجربة ولا إاثنتين بل تجارب متنوعة، يليق بكم لا أن تفرحوا بل تفرحوا كل الفرح.

وكلمة "تقعون" في اليونانيّة لا تعني السقوط أو الدخول في تجارب، إنما تعني حلول التجارب واحاطتها بالإنسان من الخارج، كما تحمل معنى المفاجأة في الحلول وعدم توقعها. بهذا فإن الرسول لا يتكلم عن التجارب التي تنبع من داخل النفس، بل التي تحل بنا من الخارج.

فخلال هذا النسب الجديد نتقبل هذه التجارب المتنوعة بكل فرح قائلين: "كحزانى ونحن دائمًا فرحون" (٢ كو 6: 9). لأن هذه الآلام ليست بسبب الخطيّة، بل هي سمة الرب المتألم "مكملين نقائص شدائد المسيح في أجسادنا" (كو 1: ٢٤).

وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: ["لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا" (٢ كو 1: 5)... إنه يسمو بنفوسنا حاسبًا هذه الآلام خاصة به، فأي فرح يشملنا أن نكون شركاء المسيح، من أجله نتألم! بالإيمان ندرك الميلاد الجديد والقيامة. فالذين يؤمنون بيسوع المُقام حقًا، يلزمهم أن يقدموا أنفسهم للآلام. والذين لهم شركة في آلامه، يقومون معه أيضًا. "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهًا بموته لعلي أبلغ إلى قيامة الأموات" (في ٣: 10).]

ويكتب البابا أثناسيوس الرسولي إلى شعبه الذي تحل به التجارب على أيدي الأريوسيين قائلاً: [لنفرح عالمين أن خلاصنا يحدث في وقت الألم. لأن مخلصنا لم يخلصنا بغير ألم، بل تألم من أجلنا مبطلاً الموت، لهذا أخبرنا قائلاً: "في العالم سيكون لكم ضيق" (يو ١٦: ٣٣). وهو لم يقل هذا لكل إنسان بل للذين يخدمونه خدمة صالحة بجهادٍ وإيمانٍ، أي أن الذين يعيشون بالتقوى من جهته يُضطهدون.]

"عالمين أن امتحان إيمانكم ينشىء صبرًا" ]٣[.

سر الفرح أن التجارب مهما اشتدت هي بالنسبة للمؤمن الحقيقي امتحان. هذا الامتحان يُعين الإنسان أن يكون له صبر، إذ يتشبه بالرب يسوع


السابق 12345التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +

 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email

ويلاحظ أن الصبر هنا لا يحمل المعنى السلبي الذي فيه يستسلم الإنسان بخنوعٍ أو يخضع للألم بشجاعة بشريّة وكبت على حساب أعصابه، فإن هذا حتمًا يدفع إلى الانفجار. وإنما الصبر هنا يعني الجانب الإيجابي، وهو الصبر المملوء حبًا،حيث يرمي الإنسان بآلامه على الرب المتألم بفرح في حب ورضا، بل يسعى هو بنفسه للألم لأن خلاله يتمثَّل بالرب المتألم.

"وأما الصبر فله عمل تام".

التجربة في ذاتها مرّة، لكن الصبر الذي تنشئه له غاية كاملة وهي: "لكي تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين في شيء" ]٤[.

1. نكون تامين أي ناضجين روحيًا، فكما أنه لا يكفي لزراعة شجرة أن نلقي البذرة ونرويها ونعتني بها، لكن مع اهتمامنا بها يلزم أن نصونها من الرياح في بدايتها، ثم نعرضها لها قليلاً قليلاً حتى تنضج، هكذا لا يكفي أننا نؤمن بالمصلوب، وإنما يلزمنا بعد ولادتنا بالمعموديّة أن نشترك مع الرب في آلامه حتى ينمو فينا الإنسان الجديد، وينضج يومًا فيومًا في رجولة روحيّة.

ويُشبِّهنا القديس يوحنا ذهبي الفم بالطفل الذي يتعلم المشي. فإن المُربية تمد يديها وتمسك بيديه، وتسير به قليلاً قليلاً، وفي خلال سيره تترك يديه إلى حين. قد يبكي، وقد يسقط، لكن قلبها وعينيها وكل أحاسيسها معه! هكذا يمسك الله بيدينا ويترفق بنا، لكن لابد أن يسحب يده قليلاً دون أن يتخلى عنا. يسمح لنا بالتجارب لكي نتدرب في طريق النضوج الروحي.

لذلك كتب العلامة ترتليان إلى المتألمين المسجونين بسبب الإيمان يقول لهم: ]أيها الطوباويون، احسبوا كل ما يصيبكم تداريب للتقوية، حتى تنالوا إكليلاً أبديًا ملائكيًا، فتصيروا سكانًا للسماء، ممجدين إلى الأبد... إن سيدكم يسوع المسيح الذي مسحكم بروحه وقادكم إلى حلبة المصارعة (للتدريب) يرى أن هذا مفيد لكم... فيُلزمكم بتداريب قاسية لتنمو روحيًا... فالفضيلة تُبنَي فينا بالجهاد وتزول وتتحطم بالانزلاق في الشهوات.]

2. كاملين وغير ناقصين في شيء... أي ليس فقط تامين، ولكن هذا النضوج يشمل كل جوانب الحياة الروحيّة.

حقًا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا (يع ٣: ٢)، لكننا كأولاد لله قدر ما نخضع لمدربنا الرب يسوع، مجاهدين نسمع كلمات الرسول: "بعدما تألمتم يسيرًا هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويُمَكِّنكم" (١ بط ٥: ١٠).

كيف نحتمل التجربة؟

أولاً: باقتناء الحكمة السماوية

"إن كان أحد تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير، فسيُعطَى له" ]٥[.         

بالحكمة السماوية يقف الإنسان على إرادة الله ويدرك مواعيده للصابرين إلى المنتهى، فيفرح بالتجارب كمن وجد غنيمة. لهذا لا نكف عن طلبها قائلين: "هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك. فإني أنا عبدك وابن أمتك، إنسان ضعيف، قليل البقاء وناقص الفهم" (حك ٩: ٥٦).

وإنه "يعطي الجميع" أي يهب كل من يطلب، لأنه لا يحابي أحدًا، وهو يعطي بسخاء، أي بفيض، مجانًا بلا قيد ولا شرط. يقدّم ولا يعيّر، لأنه أب، والأب يفرح بعطائه لابنه كل شيء. لكن لماذا لا ننال أحيانًا؟

ليس السبب في الله، بل فينا نحن الذين توقّف فيض عطاياه علينا بسبب عدم إيماننا، لذلك يقول الرسول: "ولكن ليطلب بإيمان". وكما يقول الأب إسحق: [هكذا تستجاب صلاة الإنسان عندما يؤمن أن الله مهتم به وقادر أن يعطيه سؤاله، إذ لا يخيب قول الرب: "كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم" (مر ١١: ٢٤).]

ليطلب الحكمة "غير مرتاب البتة"، أي من غير أن ينقسم قلبه بين التجائه إلى الله واهب الحكمة واعتماده على حكمته الذاتيّة، أو بين محبة الله ومحبة الأمور الزمنيّة.

"لأن المرتاب يشبه موجًا من البحر تخبطه الريح وتدفعه" ]٦[ فيكون كالموجة التي تدفعها الريح على الصخر فتصير رذاذًا. "فلا يظن ذلك الإنسان أنه ينال شيئًا من عند الرب.  رجل ذو رأيين متقلقل في جميع طرقه" [7-٨[. وكما يقول القديس يوحنا كاسيان: [قد تأكد تمامًا أن صلاته لن تُستجاب! من هو هذا البائس؟ الذي يصلي ولا يؤمن أنه سيحصل على جواب!]

ثانيًا: باقتناء التواضع

تنزع الحكمة السماوية عن الإنسان ذاتيته، فيختبر التواضع الحقيقي. إذ ينحني منسحقًا يلتصق بصليب الرب، فيرتفع مبتهجًا غالبًا بقوة القيامة. لذلك يقول الرسول: "وليفتخر الأخ المتضع بارتفاعه" ]٩[."وأما الغني فباتضاعه". 

يوجه حديثه هنا للغني، دون أن يقول "الأخ" حتى لا يظنوا أنه يداهنهم بسبب غناهم. إنه يجدر به ألاَّ يفتخر بغناه بل بتواضعه. بهذا يقدر أن يحتمل التجربة!




السابق 12345التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +
 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email

ثالثًا: إدراك زوال العالم

إذ يدرك المؤمن حقيقة غربته على الأرض يرتفع نظره إلى حياة أفضل، محتملاً كل ألمٍ وتجربةٍ بغير تذمر، إذ كل ما في هذا العالم يزول.

"لأنه كزهر العشب يزول. لأن الشمس أشرقت بالحر، فيبَّسَتْ العشب، فسقط زهره، وفني جمال منظره. هكذا يذبل الغني في طرقه" [10-١١[.

تأثر الرسول بالمنظر الساحر الذي في تلك البقاع حيث تغطي أزهار شقائق النعمان منحدرات التلال في الصباح، لكن ما أن تظهر الشمس وتهب الرياح الحارة حتى تجف وتُجمع للوقود. وقد استخدم إشعياء نفس التشبيه (٤٠: ٦٧)، وكذلك أيوب (١٤: ٢).

إن الشمس التي تهب حياة للزرع تُفني جمال زهر العشب، هكذا شمس التجارب التي تُزيد المؤمن بريقًا، تُهلك المتكلين على غناهم فيذبلون في طرقهم.

إذًا ليرفع الأغنياء أنظارهم إلى السماويات، بدلاً من أن ينشغلوا بجمال زهر عشب الغِنَى الذي سرعان ما يذبل، وبهذا تتحول تجاربهم إلى موضوع كل فرح.

"طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه" ]١٢[.

وإذ يرتفع نظرنا إلى السماويات، تاركين الغِنَى الزمني، نشتهي الدخول في مدرسة التجارب العمليّة. وإذ نتخرج فيها نعلن حبنا لله فننال "إكليل الحياة" الذي هو نصيب المحبين. إنها تُخرِّج رجالاً في الروحانيّة، لذا يقول الرسول "طوبى للرجل..." لذلك تاق الآباء إليها:

فيقول الأب تادرس: [يا لنفع التجارب والآلام التي يحسبها البعض شريرة، فلا يحاول القديسون تجنُّبها بل بالحق يطلبونها بكل قوتهم، محتملين إياها بشجاعة، وبهذا يصيرون أحباء لله، ويحصلون على إكليل الحياة الأبديّة... ويتغني الرسول الطوباوي قائلاً: "أُسر بالضعفات والشتائم والضرورات والضيقات لأجل المسيح. لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (٢ كو ١٢: ١٠).]

ويقول القديس أغسطينوس [إن كنتَ ذهبًا، فلماذا تخاف النار، فإنه في الكور يحترق الزغل وتخرج أنت نقيًا؟ وإن كنت حنطة، فلماذا تهاب الدراس، مع أنك لا تظهر على ما أنت عليه إلاَّ به حيث يُنتزع عنك "التبن" ويظهر أصلك وشرفك؟]

٣. التجارب الداخلية

"لا يقل أحد إذا جُرِّب إني أُجَرَّب من قِبَل الله ،لأن الله غير مُجرِّب بالشرور،وهو لا يُجرِّب أحدًا" ]13[.

بحثت الفلسفات كثيرًا عن مصدر الشر، فنادى البعض بوجود إلهَيْن، أحدهما علة الخير والآخر علة الشر... وآخرون نادوا أن الله علة الخير والشر.

والشر هنا لا يعني ما قد يحل بنا من تجارب أو كوارث أو ضيقات، بل الخطيّة والظلمة. الأمر الذي لا يتفق مع طبيعة الله كلّي الصلاح الذي فيه كمال مطلق. وهنا يقطع الرسول بأن الله غير مُجرِّب بالشرور وبالتالي لا يُجَرِّب أحدًا.

حقًا قيل عن الله إنه يجلب شرًا، وهذا كقول القديس أغسطينوس من قبيل حب الله أن يحدثنا بلغتنا قدر فهمنا، فهو يجلب التأديب الذي نسميه شرًا لخيرنا. أما الشر أي الخطيّة، فلا يحرضنا الله عليها، بل ولم يخلق فينا عواطف أو دوافع أو طبيعة شريرة، بل كل ما خلقه فينا هو حسن جدًا. ونحن بإرادتنا في شخص آدم انحرفنا عما هو حسن لنشبعه بما هو ليس حسن. فالحواس والعواطف والدوافع كلها بلا استثناء يمكن أن تًوجه كطاقات للخير متى سلمت في يد الله، وكطاقات للشر متى نُزِعَت عنا نعمته...

إذن الله لا يجربنا بالشرور، إنما يسمح لنا بالتجارب الخارجيّة لامتحاننا.

يقول البابا ديونيسيوس الإسكندري:

[ربما تقول: ما هو الفرق بين كون الإنسان يُجَرَّب، وبين سقوطه في تجربة أو دخوله فيها؟ حسنًا متى انهزم إنسان بالشر، ساقطًا بسبب عدم جهاده دون أن يصونه الله بدرعه، نقول أنه دخل في تجربة وسقط فيها وصار أسيرًا تحتها. أما من يثبت ويحتمل فهذا الإنسان يكون مجرَّبًا وليس داخلاً في تجربة أو ساقطًا فيها.

هكذا اقتاد الروح السيد المسيح لا ليدخله في تجربة بل ليجربه الشيطان (مت ٤: ١).

إبراهيم أيضًا لم يُدخله الله في تجربة بل جربه...

والرب جرب (امتحن) تلاميذه...

هكذا عندما يجربنا الشرير يجذبنا إلى الشر لأنه "مُجرِّب بالشرور". أما الله فعندما يجربنا (يمتحنا) يسمح لنا بالتجارب بكونه غير مُجَرِّب بالشرور.

الشيطان يجذبنا بالقوة بقصد إهلاكنا، والله يقودنا بيده ويدربنا لأجل خلاصنا. [

إذن الشر ليس مصدره الله. فلماذا نسقط في الشر؟

"لكن كل واحد يُجَرِّب إذا انجذب وانخدع من شهوته. ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطيّة،والخطيّة إذا كملت تنتج موتًا" ]14-15[.

ا. الانجذاب والانخداع: يقوم عدو الخير بإثارتنا بمثيرات داخلية وخارجيّة كثيرة بلا حصر، من لذات جسديّة وملذات العالم وكراماته وأحزانه. هذه المثيرات مهما اشتدت ليست لها قوة الإلزام بل الخداع لكي ما يخرج الإنسان من حصانة الله، ويفلت من بين يديه، منجذبًا ومنخدعًا وجاريًا وراء الخطيّة.

يؤكد ربنا يسوع المسيح قائلاً: "خرافي تسمع صوتي... ولا يخطفها أحد من يدي" (يو 10: 27-28)، أي لا توجد قوة مهما بلغت يمكن أن تخطف نفس المؤمن الذي يسمع لصوت الرب ويتبعه، أما إن امتنع المؤمن عن الاستماع لصوت الرب وقَبِلَ باختياره الإنصات إلى صوتٍ آخر، للحال ينخدع وينجذب من دائرة الرب إلى دائرة الخطيّة.

من يُقبِل إلى الرب لا يخرجه خارجًا (يو 6: ٣٧)، إذ هو الباب إن دخل به أحد يخلص ويجد مرعى (يو ١٠: ٩)، ولكن إن شاء الخروج عن الرب، فلا يلزمه الرب بالبقاء، عندئذ ينطلق من عناية الله تجاه خداعات العدو.

ب. الحبل: يُشبِّه الرسول الشهوات بامرأة زانية تجذب إليها الإنسان وتخدعه. وإذ يقبلها ويتجاوب معها يتحد بها فتحبل. "ثم الشهوة إذا حبلت..." أي تكون كالجنين الذي ينمو يومًا فيومًا، الذي هو الخطيّة.

ج. الولادة: وإذ يكتمل نمو الجنين تلد ابنًا هو "الموت"، لأن الخطيّة تحمل في طياتها جرثومة الموت.

تحدَّث كثير من الآباء عن هذه المراحل الثلاث. فيطالبوننا أن نصارع الخطيّة في طورها الأول وهي تحاول أن تخدع حيث لا سلطان لها علينا، ويمكننا برشم علامة الصليب وبصرخة خفيفة داخليّة تجاه الرب أن نتخلص منها. أما إذا تركنا الخطيّة لتتعدى الطور الأول إلى الثاني حيث نقبلها ونرضيها. فإن إرضاءنا لها- مهما كان إغراؤها- هو بإرادتنا ونحن مسئولون عنه.

هذا ما يؤكده القديس مرقس الناسك قائلاً يأنه لا يمكن أن تسيطر علينا خطيّة فجأة، لكن إما أننا سبق أن قبلناها بإرادتنا، أو قبلنا خطيّة مشابهة لها أو باعثة لها. فمثلاً لا تسيطر أفكار شهوة على إنسان عفوًا، اللهم إلاَّ إذا كان قد سبق أن ترك لأفكاره العنان بإرادته يتلذذ بها، أو سقط بإرادته في الكبرياء والعجرفة وحب الظهور الذي يُوَلِّد السقوط، أو سقط في الغضب بإرادته حيث تنزع عنه نعمة الله، أو أتخم معدته وتلذذ بالنَّهم.

إذن يليق بنا أن ندرك مراحل الخطيّة الثلاث (الانجذاب لها، التلذذ بها، تنفيذها) حتى نحاربها بالرب يسوع منذ بدايتها. وهذا أكثر أمانًا لنا. وقد تحدث القديس أغسطينوس عن هذه المراحل الثلاث فقال:

[الخطية تكمل على ثلاث مراحل:

ا. إثارتها (الانجذاب لها والانخداع بها).

ب. التلذذ بها (الحبل بها).

ج. إرضاؤها (الولادة).

تحدت الإثارة عن طريق الذاكرة أو الحواس كالنظر أو السمع أو الشم أو التذوق أو اللمس. فإن نتج عن هذا لذة لزم ضبطها. فلو كنا صائمين، فبرؤيتنا الطعام تثور شهوة التذوق، هذه الشهوة تنتج لذة. فعلينا ألاَّ نرضيها بل نضبطها إن كان لعقلنا - الذي يمنعنا من إرضائها - السيادة. أما إذا أرضيناها فستكون الخطيّة قد كملت في القلب فيعلم بها الله ولو لم يعلم بها البشر.

إذن هذه هي خطوات الخطيّة: تتسلل الإثارة بواسطة الحواس الجسدانيّة كما تسللت الحيّة في إثارة حواء، لأنه حيث تسربت الأفكار والتصورات الخاطئة إلى نفوسنا تكون هذه نابعة من الخارج من الحواس الجسديّة. وإن أدركت الروح أي إحساس خفي عن غير طريق هذه الحواس الجسديّة، كان هذا الإحساس مؤقتًا وزائلاً، فتسلل هذه التصورات إلى الفكر في دهاء الحيّة...

وكما أن للخطيّة مراحل ثلاث أي الإثارة واللذة والإرضاء، هكذا تنقسم الخطيّة إلى ثلاثة أنواع:

ا. خطيّة القلب (لم تنفذ عمليًا).

ب. خطيّة بالعمل.

ج. خطيّة كعادة.

وهذه الأصناف الثلاثة تشبه ثلاثة أموات:

ا. الميت الأول كما لو كان في المنزل ولم يُحْمَل بعد، وذلك عند إرضاء الشهوة في القلب (وهو صبية صغيرة).

ب. الميت الثاني كما لو كان قد حُمِل خارج المنزل، وذلك عندما يبلغ الرضا حد التنفيذ (وهو شاب أكبر من الصبية).

ج. الميت الثالث كما لو كان في القبر قد أنتن، وذلك عندما تكون الخطيّة قد بلغت حد العادة (وهو رجل أكبر من الشاب).

ونرى في الإنجيل أن الرب أقام هذه الأنواع الثلاثة من الأموات مستخدمًا عبارات مختلفة عند إقامتهم. ففي الحالة الأولى قال: "طليثا قومي" (مر ٥: 41). وفي الثانية: "أيها الشاب لك أقول قم" (لو٧: ١٤). وأما في الثالثة فقد انزعج بالروح وبكى وبعد ذلك صرخ بصوت عظيم "لعازر هلم خارجًا" (يو ١١: ٣3-4٤).]

 




السابق 12345التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +
 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 1 جـ4 PDF Print Email

٤. الله أبونا، لا يهب إلاَّ الصلاح

"لا تضلوا يا إخوتي الأحباء . كل عطيّة صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار" ]16-١٧[.

في كل مرة نصلي نقول: "فلنشكر صانع الخيرات..." لأننا لا نعرف مصدرًا للخيرات غير الله. وهنا يحذرنا الرسول ألاَّ نضل، فنظن أنه يمكن أن يصدر عن الله غير الخير والصلاح، أو نحسب أننا نقدر أن ننال صلاحًا بطريق آخر غير الله. نَسَبُ الشر إلى الله ضلال، لأن الله "أب الأنوار". وطلب الصلاح من غير الله ضلال، لأنه هو "أب" لا يقبل أن يلتجىء أولاده إلى أب غيره!

إذن كل عطيّة صالحة أي لخيرنا، وكل موهبة تامة مُقدَّمة كهبة مجانيّة ليس فيها عيب أو نقصان هي من فوق نازلة، أي يوجد فيض مستمر من السماء تجاه البشر، من الأب نحو أولاده.

يقول الأب شيريمون: [يبدأ الله معنا ما هو صالح، ويستمر معنا فيه، ويكمله معنا. وذلك كقول الرسول "والذي يُقدِّم بذارًا للزارع وخبزًا للأكل سيقدم ويُكَثِّر بذاركم ويُنْمِي غلات برّكم" (٢ كو ٩: ١٠). هذا كله من أجلنا نحن، لكي بتواضع نتبع يومًا فيومًا نعمة الله التي تجذبنا. أما إذا قاوْمنا نعمته برقبة غليظة وآذان غير مختونة (أع ٧: ٥١)، فإننا نستحق كلمات النبي إرميا القائل "هل يسقطون ولا يقومون؟ أو يرتد أحد ولا يرجع؟ فلماذا ارتد هذا الشعب في أورشليم ارتدادًا دائمًا، تمسكوا بالمكر، أبوا أن يرجعوا؟" (إر ٨: 4-5).]

ويؤكد الرسول أنها من عند "أبي الأنوار. الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران".

وكما يُدْعَى إبليس أب الأشرار (يو ٨: ٤٤)، يُدْعَى الله "أب الأنوار" أي القديسين النوارنيين أو الملائكة. إنه النور الحقيقي وواهب النور. إنه ليس كالشمس المنظورة التي تعكس نورها على الكواكب الأخرى، لكنها تتغير ويأتي اليوم الذي فيه تزول، إنما هو شمس البرّ الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران!

أب ينير أولاده، وأبوته المنيرة ثابتة لا تتناقص، يجذب أولاده ليستنيروا منه. كيف يتم ذلك؟ خلال أشعة محبته المعلنة في عطاياه الزمنيّة والروحيّة يجذب أنظارنا وينير عقولنا، فنراه ونعشقه، وعندئذ لا ننشغل حتى بعطاياه الصالحة ومواهبه التامة، إنما نقول له مع القديس أغسطينوس: [قبل هذه الأعمال الجسديّة أعمالك الروحيّة التي هي سماوية ومتلألئة هكذا... لكنني جُعْتُ إليك، وعشطتُ لك... لك أنت بذاتك أيها الحق "الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران".]

عطيّة واحدة خلال كل عطاياه التي بلا حصر ومواهبه التامة يلزم ألاَّ تفارق ذهننا أبدًا، وهي عطيّة الميلاد الجديد الذي نلناه بالمعموديّة، فصرنا له أولادًا وهو أب لنا، إذ:

"شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه" ]١٨[.

يا لها أشرف عطيّة أننا بالرب يسوع "كلمة الحق" الذي مات عنا بالجسد وقام وهبنا بروحه القدوس أن نولد لله والكنيسة ولادة جديدة روحيّة بالمعموديّة.

بهذه الولادة يجدر بنا أن نرتبط بالرب يسوع "البكر"، فنصير نحن أيضًا "باكورة من خلائقه".

وكما كان الله يُلزِم عابديه أن يقدموا له البكور وأوائل الثمار مخصصة له، معتبرًا أنهم بذلك قدموا كل الثمار له. هكذا يقبلنا الله كباكورة من خلائقه، محفوظين ومخصصين لله (عب ١٢: 2٣)، وبهذا نرتبط بكنيسة الأبكار مكتوبين في السماوات.

هكذا انتقل بنا يعقوب الرسول الحديث عن التجارب الخارجيّة كمصدر فرح وتطويب للصابرين إلى الجهاد ضد التجارب الداخليّة، أي التحفظ من الخطيّة، ثم عناية الله بنا وتقديم كل إمكانية لنا، معلنًا حبه فيما وهبنا إياه أن نكون أولادًا له. لكن ما موقفنا نحن كأولاد لله؟ هذا يحدثنا عنه الرسول بطريقة عمليّة.

٥. موقفنا كأولاد لله

أولاً: الإسراع في الاستماع

"إذًا يا إخوتي الأحباء. ليكن كل إنسان مسرعًا في الاستماع" ]١٩[.

يترجم البعض عبارة "إذًا يا إخوتي الأحباء" "أنتم تعرفون هذا. ولكن يا إخوتي الأحباء..." كأن ما قد سبق أن تحدث به هو أمر يعرفه المؤمنون، كتبه الرسول من أجل التذكرة فقط، وإنما يطلب أن نََتَنَبَّه إلى واجبنا العملي والتزامنا كأولاد لله.

وأول واجب نلتزم به هو أننا إذ ولدنا بكلمة الحق بالمعموديّة يليق بنا ألاَّ نفارق "كلمة الحق" بل نسرع دومًا للجلوس عند أقدام ربنا يسوع "كلمة الحق" مع مريم أخت لعازر، مُنْصِتين إلى حديثه العذب المملوء حبًا.

هذا هو واجبنا، وهذا أيضًا هو حقنا، وهذا هو نصيبنا الذي لن يُنْزَع منا إلى الأبد، أن نجلس متواضعين عند أقدام الرب يناجينا ونناجيه. حقًا ما أصعب على الإنسان في وسط دوامة هذه الحياة، أن يهرب! يهرب من أجل نفسه التي هي أغلى ما عنده، لكي يخلع عنه كل اهتمام واضطراب مُنصِتًا بكل جوارحه لعريس نفسه، هذا الذي يبعث صوته في داخل النفس سرورًا وفرحًا وتبتهج عظام الإنسان في تواضع وانسحاق وليس في كبرياء وعجرفة.

ثانيًا: مبطئًا في التكلم

إذ يسرع الإنسان للإنصات إلى كلمة الحق يتشرب بروح أبيه الذي لا يشهد للحق بكثرة الكلام بل بالعمل. وبهذا نتفهم الوصيّة "فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات" (مت ٥: 16). حسن للإنسان أن يشهد للحق، لكن كثرة الكلام والتسرع فيه يكشفان عن نفسٍ خائرة ضعيفة تخفي ضعفها وراء المظهر، من أجل هذا يوصي الحكيم قائلاً "أرأيت إنسانًا عجولاً في كلامه؟ الرجاء بالجاهل أكثر من الرجاء به" (أم ٢٩: ٢٠).

ويقول القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك: [كثيرًا ما تكلمت وندمت وأما عن الصمت فما ندمت قط.]

وكشف لنا مار إسحق مفهوم الصمت أنه ليس مجرد امتناع عن الكلام بل هو حديث سري مع الرب يسوع، لذلك نصح الراغب في الصمت أن يقتني ثلاث خصال: خوف الله، صلاة دائمة، عدم انشغال القلب بأي أمر.

كما يقول أيضًا: [من يريد أن يلازم السكوت من غير أن يقطع علل الآلام فهو أعمى.]

إذن كما يقول الكتاب "للسكوت وقت وللتكلم وقت" (جا ٣: ٧). بوجد ثلاثة أنواع للسكوت وثلاثة أنواع للكلام:

1. الصمت المقدس، وهو أن يصمت الفم ليتكلم القلب مع الله.

2. الصمت الباطل، وهو أن يصمت الفم دون أن ينشغل القلب بالله.

3. الصمت الشرير، وهو أن يصمت الفم وينشغل الداخل بالشر.

1. الكلام المقدس: وهو الحديث الذي يقول عنه القديس باسيليوس الكبير: [يُظهر رائحة بخور تدبيرنا الداخلي المملوءة حكمة.] أي يتكلم الإنسان فيما هو لبنيان نفسه وبنيان الآخرين.

2. الكلام الباطل: وهو الحديث الذي ليس للبنيان وبلا معنى، وهذا نعطي عنه حسابًا (مت ١٢: ٣٦).

3. الكلام الشرير: الذي يهدم النفس ويهدم الآخرين.

من أجل هذا يقول الأب بيمين: [إن الصمت من أجل الله جيد، كما أن الكلام من أجل الله جيد.]

ثالثًا: "مبطئًا في الغضب، لأن غضب الإنسان لا يصنع برّ الله" ]٢٠[.

دُعِيَ الله بطويل الأناة وبطيء الغضب، لهذا يجدر بأولاده أن يتشبهوا بأبيهم، فلا يطلبوا الانتقام ولا ينفعلوا، بل في طول أناة يترفقوا بالجميع.

فغضب الإنسان لا يصنع برّ الله، وكما يقول القديس أغسطينوس أن الإنسان مهما ارتكب من خطيّة يستطيع في نفس اللحظة أن يقف نادمًا ويشعر بمحبة الله طويل الأناة، لكن في لحظات الغضب لا يقدر الإنسان أن يقف للصلاة، بهذا يحرم نفسه من برّ الله.

ويقول أيضًا: [لا تظنوا أن الغضب أمر يستهان به، إذ يقول النبي: "تعكرت (ذبلت) من الغضب عيناي" (مز ٦: ٧)، وبالتأكيد لا يقدر مُتَوَعِّك العينين أن يعاين الشمس، وإن حاول رؤيتها تؤذيه ولا تبهجه.]

ويوضح لنا يوحنا كاسيان خطورة الغضب فيقول:

[يجب أن نستأصل سم الغضب المميت من أعماق نفوسنا. فطالما بقي الغضب في قلوبنا وأَعْمَى بظلمته المؤذية عين الروح (القلب) لا نستطيع الحصول على التمييز والحكم السليم، ولا نستطيع أن ننال النظرة الداخليّة الصادقة أو المشورة الكاملة، ولا أن نكون شركاء للحياة أو نحتفظ بالبرّ، أو حتى يكون لنا المقدرة على النور الروحي الحقيقي "تعكَّرت من الغضب عيناي" (مز ٦: ٧). ولا نستطيع أن نصير شركاء للحكمة، ولو وُجد حكم جماعي بأننا حكماء، لأن "الغضب يستقر في حضن الجهلاء" (جا 7: 9). ولا نستطيع أن ننال الحياة غير المائتة، لأن الغضب يُهْلِك حتى الحكم (راجع أم ١٥). ولا نقدر أن نحصل على القوة الضابطة للبرّ حتى لو ظن البشر فينا أننا كاملون وقديسون، لأن "غضب الإنسان لا يصنع برّ الله". كما لا نستطيع نوال الوقار والكرامة التي تُعطَى حتى في العالميات، ولو ظنوا بنا أننا نبلاء وذوو شرف، لأن "الرجل الغضوب يُحتقر". ولا يمكن أن تكون لنا مشورة صالحة... "لأن السريع الغضب لا يعمل بالحق" (أم ١٤: ١٧). ولا نستطيع التحرر من أي اضطرابات خطيرة أو نكون بلا خطيّة، ولو لم يسبب لنا أحد اضطرابًا... "لأن الرجل الغضوب يهيج الخصام، والسخوط كثير المعاصي" (أم ٢٩: ٢٢).]

 




السابق 12345التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +
 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 1 جـ5 PDF Print Email

رابعًا: مقتلعًا بذار الشر، غارسًا بذار كلمة الله

"لذلك اطرحوا كل نجاسة وكثرة شر، فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة، القادرة أن تخلص نفوسكم" ]٢١ [.

إذ يحدث الرسول يعقوب الذين وُلِدوا "بكلمة الحق" لهذا يوجه أنظارهم إلى "كلمة الحق" القادرة أن تأتي فيهم بثمر كثير.

ولكي تمتليء حياتهم بكلمة الحق ويتجاوبوا معها يَلْزم أن تتم في داخل قلوبهم عمليتان متلازمتان، بل هما عمليّة واحدة لها جانبان، وهي عمليّة طَرْح النجاسة وبَذْر كلمة الله. فبالولادة الثانية صرنا أبناء الله وبسِرّ الميرون حل الروح القدس فينا، وصار لنا بالروح القدس أن نُفْرِغ من قلبنا كل ما هو ليس حقًا (النجاسة) ليملك فينا ما هو حق (كلمة الله).

من أجل هذا توصي الكنيسة الإشبين: [ازرعوا فيهم الخصال الجميلة. ازرعوا فيهم الطاعة والمحبة والطهارة. ازرعوا الرحمة والصدقة والعدل. ازرعوا فيهم التقوى والصبر والصلاح...]

إذن لنطرح عنا كل نجاسة، وربما قُصِدَ بها هنا الغضب السابق ذكره. ولا نقف عند طرح كل روح الغضب، بل لنقبل في وداعة كلمة الله المغروسة القادرة. هذه الكلمة هي البذار التي تأتي بثمر كثير.

نلاحظ أن الرسول يُحَدِّث أناسًا مؤمنين ومُعَمَّدين ومع ذلك يقول: "قادرة أن تخلص نفوسكم" ولم يقل "خلصت نفوسكم"، لأن الخلاص أمر مستمر يعيش فيه المؤمن كل أيام غربته، وليس أمرًا حدث وانتهى. وكأن الرسول ينصحنا أن نخضع بروح الوداعة، لا العجرفة، لكلمة الله، لأنه يلزمنا أن نثابر كل أيام غربتنا حتى لا نفقد الطريق.

هذا الخضوع يلزم أن يكون عمليًا وليس مجرد حفظ للكلمة أو استماع نظري لها، إذ يقول الرسول: "ولكن كونوا عاملين بالكلمة، لا سامعين فقط خادعين نفوسكم" ]٢٢[.

"لأنه ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون" (رو ٢: ١٣). وقد شبه الرب السامعين غير العاملين برجلٍ جاهلٍ يبني بيته على الرمل، فتهب الرياح وتسقط الأمطار فيسقط ويكون سقوطه عظيمًا (مت ٧: ٢٦-٢٧)، ويشبهه الرسول بالآتي:

"لأنه إن كان أحدكم سامعًا للكلمة وليس عاملاً، فذاك يشبه رجلاً ناظرًا وجه خلقته في مرآة . فإنه نظر ذاته وللوقت نسي ما هو" ]23- 24[. يشبهه بالرجل الذي ينظر في مرآة، ومن شيمة الرجال ألا يمعنوا النظر فيها، أما أبناء الله فيليق بهم أن يُمْعِنوا النظر في كلمة الله التي هي كالمرآة تكشف لهم ضعفهم ونقائصهم. وهي أيضًا تُذَكِّرهم بخلقتهم الروحيّة الجديدة أي بميلادهم السماوي، وهذا يبعث فيهم روح الجهاد، ويجعلهم يتجاوبون مع الإمكانيات الإلهيّة الموهوبة لهم. لأنه متى أدرك الإنسان مركزه كابن لله لا يكف عن الالتصاق بأبيه ومناجاته متشبثًا بحقوقه للحياة المقدسة.

"ولكن من اطلع على الناموس الكامل، ناموس الحريّة، وثبت، وصار ليس سامعًا ناسيًا، بل عاملاً بالكلمة، فهذا يكون مغبوطًا في عمله" ]٢٥[.

إذ يُمْعِن النظر في الناموس ناموس الحريّة، أي الإنجيل، الذي حررنا بقوة الدم من سلطان الخطيّة، وَوَهَبْنا حريّة الأبناء، فإنه بهذا تصير كلمة الله بالنسبة له عمليّة، فلا يكون سامعًا ناسيًا بل ثابتة فيه. في أعماق نفسه الداخليّة.

هذا العمل يَهَب لنا عذوبة بالرغم من صعوبة الوصيّة، إذ نحمل نيرها لا بتذمر كعبيد أذلاء، ولا من أجل المنفعة كأجراء، بل نفرح بها كأبناء يتقبلون وصيّة أبيهم، لهذا يكون كل منا "مغبوطًا في عمله". بهذا يقول الإنسان لخالقه: "نيرك هيِّن وحِمْلَك خفيف" رغم ما يجاهد به وثابر فيه ويتحمله ويتخلى عنه من أجل الرب!

خامسًا: "ملجمًا لسانه"

"إن كان أحد فيكم يظن أنه دَيِّنْ وهو لا يلجم لسانه، بل يخدع قلبه، فديانة هذا باطلة" ]٢٦[.

الديانة الحقيقيّة هي التي تنبع من الداخل، من القلب، إذ "مَجْد ابنة الملك من الداخل"، و"الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يُخرِج الصالحات" (لو ٦: ٤٥). على هذا الأساس ظن البعض أنه لا حاجة لضبط اللسان بدعوى أن القلب طيب والعبادة بالروح... لكن الرب الديان يقول: "من فضلة القلب يتكلم اللسان" (مت ١٢: ٣٤).

ويقول الشيخ الروحاني: [من يحذر بلسانه لن يسلب كنزه منه إلى الأبد. فم الساكت يترجم أسرار الله. ومن يتكلم بسرعة يبعد عن خالقه.]

يقول الأب بيمين: [من يضبط فمه فإن أفكاره تموت، كالجرّة التي يوجد فيها حيَّات وعقارب، سِدْ فمها (فوهتها) فإنها تموت.]

[وسأل أخ شيخًا: [يا أبي إني أشتهي أن أحفظ قلبي. فقال له الشيخ: كيف يمكنك أن تحفظ قلبك وفمك الذي هو باب القلب مفتوح سايب؟ ]

إذن من لا يضبط لسانه يخدع قلبه، فبينما يظن أنه دَيِّن إذ بديانته باطلة.

سادسًا: يرحم إخوته

"الديانة الطاهرة النقيّة عند الله الآب هي هذه افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم" ]٢٧[.

لم يقل الرسول "الديانة الطاهرة... هي الإيمان" إنما كشف عن الجانب العملي ليس تجاهلاً أو استهتارًا بالإيمان، لكن تأكيدًا للأعمال المرتبطة بالإيمان. فإذ يقيم الآب نفسه أبًا للأيتام وقاضيًا للأرامل (مز ٦٨: ٥) لهذا فإن من كانت ديانته طاهرة يلزمه أن يتمثل بأبيه.

والجميل في الكنيسة الأولى أنها اهتمت بالأرامل، إذ أعطت للأرامل اللواتي ينذرن أنفسهن للخدمة مكانة خاصة تلي مكانة العذارى مباشرة، حتى أن القديس يوحنا الذهبي الفم عندما أرسل إلى أرملة شابة يعزيها في زوجها هنأها أنها صارت "أرملة".

وقد اهتمت الكنيسة بتحويل طاقات هؤلاء الأرامل إلى العبادة أو الخدمة التي تتناسب معهن، الأمر الذي جعل كثيرًا من القديسين كتبوا بفيض عن "الترمل وشروطه وقوانينهن ونظامهن".

سابعًا: "وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم" ]٢٧[.

بدأ أولاً بالترفق بالمتألمين أي اليتامى والأرامل، لأنه بدون رحمة بالآخرين كيف نستعين برحمة الله لكي تحفظنا من دنس العالم وشهواته؟ إذن لنرحم فيما هو قليل ليرحمنا الله في الكثير.

وإذ يحفظ الإنسان نفسه بلا دنس، لا يعطي لإبليس أي حق للملكيّة في داخله، بهذا تبقى النفس مقدسة للرب وحده.

1 يعقوب عبد الله و الرب يسوع المسيح يهدي السلام الى الاثني عشر سبطا الذين في الشتات
2 احسبوه كل فرح يا اخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة
3 عالمين ان امتحان ايمانكم ينشئ صبرا
4 و اما الصبر فليكن له عمل تام لكي تكونوا تامين و كاملين غير ناقصين في شيء
5 و انما ان كان احدكم تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء و لا يعير فسيعطى له
6 و لكن ليطلب بايمان غير مرتاب البتة لان المرتاب يشبه موجا من البحر تخبطه الريح و تدفعه
7 فلا يظن ذلك الانسان انه ينال شيئا من عند الرب
8 رجل ذو رايين هو متقلقل في جميع طرقه
9 و ليفتخر الاخ المتضع بارتفاعه
10 و اما الغني فباتضاعه لانه كزهر العشب يزول
11 لان الشمس اشرقت بالحر فيبست العشب فسقط زهره و فني جمال منظره هكذا يذبل الغني ايضا في طرقه
12 طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة لانه اذا تزكى ينال اكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه
13 لا يقل احد اذا جرب اني اجرب من قبل الله لان الله غير مجرب بالشرور و هو لا يجرب احدا
14 و لكن كل واحد يجرب اذا انجذب و انخدع من شهوته
15 ثم الشهوة اذا حبلت تلد خطية و الخطية اذا كملت تنتج موتا
16 لا تضلوا يا اخوتي الاحباء
17 كل عطية صالحة و كل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند ابي الانوار الذي ليس عنده تغيير و لا ظل دوران
18 شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه
19 اذا يا اخوتي الاحباء ليكن كل انسان مسرعا في الاستماع مبطئا في التكلم مبطئا في الغضب
20 لان غضب الانسان لا يصنع بر الله
21 لذلك اطرحوا كل نجاسة و كثرة شر فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة ان تخلص نفوسكم
22 و لكن كونوا عاملين بالكلمة لا سامعين فقط خادعين نفوسكم
23 لانه ان كان احد سامعا للكلمة و ليس عاملا فذاك يشبه رجلا ناظرا وجه خلقته في مراة
24 فانه نظر ذاته و مضى و للوقت نسي ما هو
25 و لكن من اطلع على الناموس الكامل ناموس الحرية و ثبت و صار ليس سامعا ناسيا بل عاملا بالكلمة فهذا يكون مغبوطا في عمله
26 ان كان احد فيكم يظن انه دين و هو ليس يلجم لسانه بل يخدع قلبه فديانة هذا باطلة
27 الديانة الطاهرة النقية عند الله الاب هي هذه افتقاد اليتامى و الارامل في ضيقتهم و حفظ الانسان نفسه بلا دنس من العالم




السابق 12345التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +
 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

الإيمان والأعمال

بعدما تحدث الرسول عن موقفنا كأبناء لله عابدين بالحق، بدأ يوجه النظر في هذا الأصحاح إلى أهمية الأعمال للإيمان:

١. الإيمان والمحاباة بين العابدين ١ - ٣.

أولاً: تضاد الله المهتم بالفقراء ٤ - ٥.

ثانيًا: الأغنياء أكثرهم يثيرون مشاكل ٦ - ٧.

ثالثًا: تملق الأغنياء يكسر الوصية ٨ - ١١.

رابعًا: احتقار الفقراء يفقدنا الرحمة ١٢ - ١٣.

٢. الاتكال على الإيمان بدون الأعمال ١٤.

أولاً: مثالان لإيمان ميت ١٥ - ١٨.

ثانيًا: مثالان لإيمان حي بالأعمال ٢٠ - ٢٤.

ثالثًا: ضرورة تلازم الإيمان مع الأعمال ٢٥.

1. الإيمان والمحاباة بين العابدين

"يا اخوتي لا يكن لكم إيمان ربنا يسوع المسيح رب المجد في المحاباة" ]١[.

يلقب الرسول ربنا يسوع المسيح بـ "رب المجد" لكي يرفع أنظار المؤمنين إلى المجد السماوي الحقيقي، فلا يحابون الناس على أساس الغنى والكرامة والمجد زمني، بل يحبون الكل كإخوة لهم ميراث أبدي مرتبطون بإيمان الرب.

خلال هذه الإخوّة يوجه لهم الحديث قائلاً: "يا إخوتي"، مُظهِرًا أنه لا بوجد تحيز ولا محاباة بل الكل أعضاء لجسدٍ واحدٍ. هذا هو الإيمان الحي العامل.

وكما يقول القديس إكليمنضس أسقف روما:

[لا وجود للعظيم بغير الصغير، ولا للصغير بدون العظيم، بل يرتبط بعضنا البعض لأجل نفع الجميع. لنأخذ الجسد كمثال: فالرأس لا يقدر أن يوجد بغير الرجلين، ولا الرجلان بغير الرأس، "بل بالأولى أعضاء الجسد التي تظهر أضعف هي ضرورية" (١ كو ١٢: ٢١-٢٢)، ونافعة للجسد كله. نعم إن الأعضاء كلها تعمل في وفاق، وترتبط مع بعضها في طاعة كاملة لأجل سلامة الجسد كله.

بهذا نحفظ جسدنا المسيحي أيضًا في كماله، فيخضع كل منا لصاحبه حسب عطيّته الخاصة. فيلزم على القوي أن يهتم بالضعيف، والضعيف أن يحترم القوي. ويعول الغني الفقير، والفقير يشكر الله الذي وهبه من يعوله. والحكيم لا يُظهِر حكمته في كلام بل في أعمال صالحة. والمتواضع لا يتباهى بتواضعه بل يترك الشهادة له من الغير. والعفيف أيضًا لا يفتخر عالمًا أن ضَبْطَ نفسه هو عطيّة من آخر (الله). يلزمنا أن نحب الإخوة من القلب، هؤلاء الذين خلقوا من نفس المادة التي خلقنا نحن منها.]

الإيمان يلزم ترجمته عمليًا في عمل المحبة الذي يجعلنا نحب الجميع بلا تمييز أو محاباة. وقد كشف الرسول عن علامة المحاباة وخطورتها قائلاً:

"فإنه إن دخل إلى مجمعكم رجل بخواتم ذهب في لباس بهيّ، ودخل أيضًا فقير بلباس وسخ .  فنظرتم إلى اللابس اللباس البهيّ، وقلتم له اجلس أنت هنا حسنًا، وقلتم للفقير قف أنت هناك أو اجلس تحت موطيء قدميَّ "] 2- 3[.

كيف لا تكون هناك محاباة بين العابدين إن حدث هذا التمييز؟

١. تمييز الغني بالقول له "اجلس أنت هنا حسنًا".

لم يقل الرسول "إن دخل إلى مجمعكم غني" بل "إن دخل إلى مجمعكم رجل بخواتم ذهب في لباس بهيّ" أي إنسان عليه علامات الغنى والكبرياء. إذ كان بعض الرجال الأغنياء يلبسون خواتم ذهبيّة كثيرة ويهتمون باللباس البهيّ الفاخر لنوال الكرامة والمجد الزمني. ويكشف الرسول عن روح المحاباة ليس فقط في تقديم الأغنياء في أماكن خاصة في أماكن العبادة، بل يقول "ونظرتم إلى الملابس..." أي أعطيتم لهم أهميّة. ولم يقل "دخل إلى كنيستكم" بل "إلى مجمعكم"، وربما هذا للتوبيخ إذ لا يليق هذا التحيز بالكنيسة.

٢. احتقار الفقير بأمره بالوقوف أو الجلوس عند أقدام الغني

يقول القديس إأمبروسيوس: [ما هو النفع الذي يعود عليك بتكريمك (محاباتك) للغني؟ هل لأنه أكثر استعدادًا لإبقاء محبة الآخرين له؟ فنقدم المعروف لمن نتوقع منهم أنهم سيوافوننا عنه. إنه يلزمنا أن نفكر بالأكثر فيما يخص الضعفاء والمحتاجين لأننا بسبب هؤلاء نترجى الجزاء من الرب يسوع، الذي في مثال وليمة العرس (لو ١٤: ١٢-١٣) قدّم لنا صورة عامة للفضيلة. فقد طلب منا أن نقدم أعمالنا بالأكثر لمن ليس في قدرتهم ردها لنا.]

وخطورة التمييز بين الأغنياء والفقراء هي:

أولاً: تضاد الله المهتم بالفقراء

"فهل لا ترتابون في الأمر وتصيرون قضاة أفكار شريرة.  اسمعوا يا إخوتي الأحباء، أمَا اختار الله فقراء هذا العالم أغنياء في الإيمان وورثة الملكوت الذي وعد به الذين يحبونه، وأمَّا أنتم فأهنتم الفقير" ] 4-5 [.

وكأن الرسول يقول: هل يحتاج الأمر إلى تفسير أو توضيح؟ أمَا تحكم عليكم ضمائركم في داخلكم من جهة أفكاركم الشريرة هذه؟

وكما يقول القديس أمبروسيوس: [إن كان ملكوت الله للمساكين فمن هو أغنى منهم؟]

وكما يقول القديس أغسطينوس: [الجميع عند الله متساوون، إنما تسمو منزلة كل واحد منهم حسب إيمانه وليس حسب أمواله.]

هكذا لا يميز الله بيننا حسب غنانا، بل أعطى اهتمامًا بالفقراء من أجل مذلتهم، واعتبر كل إهانة تلحق بهم مُوَجَّهَة ضده، لهذا ينصحنا الكتاب المقدس قائلاً: "من قدم ذبيحة من مال المساكين فهو كمن يذبح الابن أمام أبيه" (سي ٣٤: ٢٤). من أجل هذا تقف الكنيسة نصيرة للمساكين، موبخة الأغنياء الظالمين، حتى قال القديس يوحنا ذهبي الفم:

[كثيرون ينتهرونني قائلين: أنت دائمًا تُضيِّق على الأغنياء، وهم بالتالي يُضيِّقون على الفقراء.

حسنًا إنني أُضيِّق على الأغنياء، أو بالحري ليس على الأغنياء بل على الذين يُسيئون استخدام الأموال. فأنا لا أهاجم أشخاصهم بل جشعهم. فالغِنَى شيء والجشع شيء آخر، وجود فائض شيء والطمع شيء آخر.

هل أنت غني؟ أنا لا أمنعك من هذا. كن هل أنا جشع؟ إنني أتوَعَّدك... إنني لن أسكت.

هل تهاجمني بسبب هذا؟ إنني مستعد أن يُسْفَك دمي، لكنني أريد أن أمنعك عن أن تخطيء. إنني لا أُكِنُّ لك بغضة، ولا أشنّ عليك حربًا، إنما أريد أمرًا واحدًا هو نَفْع المستمعين إليَ.

إن الأغنياء هم أولادي، والفقراء أيضًا أولادي. إن رَحمًا واحدًا (المعموديّة) تَمَخَّض بهم بشدة. فالكل هم نسل لمن تَمَخَّض بهم. فإن كنت تَكيل الإهانات للفقير، فإنني أَتَوَعَّدك لأن الفقير في هذه الحالة لا تحل به خسارة مثلك. لأنه لا يسقط في الخطأ بل ما يصيبه من خسارة هو مجرد فقدانه المال،أمَّا أنت فكغني تلحق بك الخسارة في روحك.]

ثانيًا: كثير من المشاكل يسببها الأغنياء

"أليس الأغنياء يتسلطون عليكم؟ وهم يجرونكم إلى المحاكم!  أمَّا هم يُجَدِّفون على الاسم الحسن الذي دُعِيَ به  ليكم!" ]6- ٧[.

كأن الرسول يقول: لماذا تحابون الأغنياء مع أن أغلب المشاكل تنبعث منهم؟

تطلَّعوا فإن الأمم الوثنيين قَبِلوا الكلمة بإيمانٍ وفرحٍ (أع ١٣: ٤٨)، بينما ثار اليهود الأغنياء ماديًا وأغنياء في الاعتداد بالذات وحب الكرامة الزمنيّة ضد الإيمان، إذ يقول سفر الأعمال "ولكن اليهود حركوا النساء الشريفات ووجوه المدينة وأثاروا اضطهادًا على بولس وبرنابا وأخرجوهما من تخومهم" (13: 50).

وظاهر من قول الرسول "يتسلطون عليكم" إن احترامهم وتملقهم ومحاباتهم للأغنياء لا يقوم على أساس الحب والاحترام بل التملق والمداهنة.

ثالثًا: تملقهم ينافي الناموس

"فإن كنتم تكملون الناموس الملوكي حسب الكتاب  تحب قريبك كنفسك فحسنًا تفعلون.  ولكن إن كنتم تُحابون تفعلون خطيّة، مُوَبَّخين من الناموس كَمُتَعَدِّين" ]8- ٩[.

فلو أن تكريمهم نابع عن الحب لكان في ذلك تكميل للناموس الملوكي، وكان عملهم هذا حسنًا جدًا. لكن إذ الدافع هو المحاباة، لذلك فقد انحرفوا وتعدوا الناموس، وصار عملهم خطيّة.

وقد دعا القديس إكليمنضس السكندري الذين لا يعملون بالحب ولا يخدمون إخوتهم أنهم غير سالكين في "الطريق الملوكي". لقد دُعِيَت "المحبة" بالناموس الملوكي.

1. لأنها شريعة ملكوت السماوات وقانونها الذي يسود السماء إلى الأبد.

2. لأنها الطريق الذي يبلغ بنا إلى ملك الملوك ذاته، بل هو نفسه "المحبة"، أي هو "الطريق".

وقد أوضح لنا الرب أنه بالمحبة يتعلق الناموس والأنبياء (مت ٢٢: ٤٠) "لأن كل الناموس في كلمة واحدة يُكْمَل: تحب قريبك كنفسك" (غل ٥: ١٤).

يقول القديس أغسطينوس: [يقول الرسول: المحبة هي تكميل الناموس. فإذا وجدنا المحبة ماذا نحتاج بعد! وإذا خسرنا المحبة أي ربح يمكننا أن نجنيه؟ لنتمسك بوصية الرب (يو ١٥: ١٢) بأن نحب بعضنا بعضًا وبهذا نُنَفِّذْ كل الوصايا.]

إذن فلنحرص على حفظ الوصيّة أي محبة القريب حتى لا نكسر الناموس.

"لأن من حفظ الناموس، وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرمًا في الكل. لأن الذي قال لا تزن،ِ قال أيضًا لا تقتل. فإن لم تزنِ ولكن قتلت فقد صرت متعديًا الناموس" ]10- ١1[.

يثير هذا النص تساؤلاً: هل كل الخطايا متشابهة، فمن يقتل عمدًا كمن يكذب عن إكراه؟ لقد كتب القديس أغسطينوس رسالة إلى القديس چيروم يشرح له فيها هذا النص وقد أوضح فيها:

1. أن الخطايا بالعمد مثل القتل عمدًا ليس كالهفوات التي تصدر عن ضعفٍ بشريٍ أو بغير إرادةٍ أو عن جهلٍ. غير أن جميع الخطايا عقابها الموت الأبدي، وجميع الخطايا لا يمكن التطهير منها إلاَّ بدم السيد المسيح.

2. يقصد الرسول بهذا النص أن خطيّة "عدم المحبة" والاستهانة بالفقير ومحاباتنا للأغنياء، تجعلنا نكسر الناموس كله.

ويجدر بنا أن نلاحظ:

1. أن قول الرسول "وإنما عثر في واحدة" تعني هنا الاستهانة بها، وبالتالي الاستهانة بواضع الوصيّة.

2. يريد الرسول منا أن نجاهد ضد الثعالب الصغيرة، لأن البشر غالبًا ما يهتمون بالخطايا التي بحسب نظرهم كبيرة لكنهم لا يهتمون بما يحسبونه خطيّة صغيرة. وبهذا يغلق الرسول باب الخداع الذي تفتحه لنا الخطيّة لنستهين بها.

3. هذا لا يعني أن المؤمنين لا يخطئون قط، وإنهم إن أخطأوا ولو عن جهل أو بغير إرادة أو في ضعف يفقدوا كل شيء، إنما يوجه الرسول أنظارنا إلى الصليب، فمهما كانت الخطيّة يَلزَم التوبة عنها.

رابعًا: احتقار الفقراء يفقدنا الرحمة

"هكذا تكلموا وهكذا افعلوا كعتيدين أن تُحاكَموا بناموس الحريّة. لأن الحُكْم بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة. والرحمة تفتخر على الحُكْم" ]12- ١٣[.

"هكذا تكلموا وهكذا افعلوا" أي ليكن هو موضوع كرازتكم وموضوع سلوككم أن تصنعوا الرحمة مع إخوتكم فتنالوا رحمة يوم الدين. فإذ نُحاكَم بناموس الحريّة هكذا لا نتمتع بالتحرر الأبدي من الكثير ما لم نعتق إخوتنا مما هو قليل وزمني، ولا ننتفع بمراحم الله غير المحدودة ما لم نترفق بإخوتنا فيما هو محدود. وقد ضرب لنا الرب مثلاً بالعبد الشرير الذي سامحه سيده بعشرة آلاف وزنة أمَّا هو فلم يسامح أخاه في مئة دينار، بل أمسك به وأخذ بعنقه وألقاه في السجن بوحشيَّة، فخسر الأول ما قد سامحه به سيده (مت 18: 23-34).

يقول القديس باسيليوس الكبير: [من أجل أنك لا ترحم الآخرين فلا يصنع بك رحمة. ولأنك أغلقت باب بيتك إزاء المساكين فلا يفتح لك الله باب ملكوته، وكما أمسكت بالخبز عن البائسين حينما كانوا يطلبونه منك هكذا يمسك الله عنك الحياة الأبديّة التي تطلبها. إنكم ستحصدون ما زرعتم. فإن كنتم قد زرعتم المرارة فستحصدون المرارة، وإن زرعتم القسوة فلا تحصدون سوى الأتعاب القاسية والعذابات الهائلة. وإن كنتم قد هربتم من الرحمة تهرب الرحمة منكم، وإن رذلتم الفقراء يرذلكم ذاك الذي صار فقيرًا حبًا فيكم

 

السابق 1 2التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +

 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email

٢. الاتكال على الإيمان بدون الأعمال

يجدر بنا أن نراعي أن الرسول يعقوب كان يحث أناسًا مؤمنين انحرف بعضهم في سلوكهم تحت دَعْوَى أن دم المسيح يطهر وكافٍ لخلاصهم دون حاجة إلى الجهاد والمثابرة، لذلك وجه إليهم الحديث قائلاً:

"ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد أن له إيمانًا ولكن ليس له أعمال؟ هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟" ]١٤[.

لقد سبق أن رأينا أن الأعمال التي يقصدها الرسول يعقوب غير ما قصده الرسول بولس. فالإيمان وحده لا يقدر أن يخلص، فحنانيا وسفيرة آمنا بالرب لكن بسبب انحرافهما عن السلوك في النور هلكا (أع ٥: ٩). ويذكر لنا الرب (مت ٧: 21-23) من بين الهالكين أناسًا مؤمنين بل وأصحاب مواهب ومعجزات لكن إذ ليس لهم أعمال يقول لهم "إني لا أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم".

وإذ تحدث البابا أثناسيوس الرسولي عن أهمية الأعمال قال إن الرسول بولس دائمًا يبدأ بالحديث عن الإيمان، ولا نفع لإيماننا بغير أعمال. يقول البابا: [بحق يَلزمنا أن نبحث في الفكر الرسولي، لا في بداية الرسائل بل وفيما جاء بنهايتها وفي صُلْبِها حيث يورد المعتقدات (الإيمان) والنصائح (الأعمال)... وقد استخدم موسى المؤمن - خادم الله - نفس الطريقة لأنه عندما أذاع كلمات الشريعة الإلهيّة، تكلم أولاً عن الأمور الخاصة بمعرفة الله... (تث ٦: ٤) وبعدما أشار للشعب عن الله وعلمهم بمن يؤمنون به وأخبرهم عن الله الحقيقي، عندئذ بدأ يقدم الشريعة الخاصة بالأمور التي بها يكون الإنسان مرضيًا لله قائلاً: "لا تزنِ. لا تسرق" مع بقيَّة الوصايا. هكذا بحسب التعليم الرسولي: "يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود، وأنه يجازي الذين يطلبونه" (عب ١١: ٦). الآن فإنه يُبْحَث عن الله عن طريق الأعمال الصالحة كقول النبي: "اطلبوا الرب ما دام يُوجد. ادعوه وهو قريب. ليترك الشرير طريقه ورجل الإثم أفكاره" (إش ٥٥: 6-7) .]

أولاً: مثالان لإيمان ميت

1. "إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومي. فقال لهما أحدكم امضيا بسلام استدفئا واشبعا، ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد فما المنفعة؟ هكذا الإيمان أيضًا، إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته"] 15- ١٧[.

يشبه الإيمان بغير أعمال بالحنو الكلامي تجاه المتألمين دون محاولة التنفيذ.

ونلاحظ أن الرسول يقول: "إن كان أخ أو أخت" ليظهر مقدار المسئوليّة تجاههما، كما يتحدث عن مقدار الضنك الذي بلغاه، ثم يُحمِّل الكنيسة المسئوليّة إذ يقول: "لم تعطوهما" بصيغة الجمع مع أنه سبق فتحدث بصيغة المفرد "أحدكم".

"لكن يقول قائل أنت لك إيمان وأنا لي أعمال. أرِني إيمانك بدون أعمالك، وأنا أُريك بأعمالي إيماني" ]١٨[.

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [هل تعليمنا ضعيف؟ إن كنت مسيحيًا آمن بالمسيح، وإن كنت تؤمن به أرني إيمانك بأعمالك؟]

فالأعمال الحيّة برهان على وجود الإيمان وحيويته إذ "من ثمارهم تعرفونهم" (مت ٧: ١٦)، بل وبرهان على أننا سالكون حسب الولادة الجديدة إذ "بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس" (١ يو ٣: ١٠). وهي برهان ليس أمام الناس بل ويجازينا الله حسبها، إذ "يجازي كل واحد حسب عمله" (مت ١٦: ٢٧).

لقد أعلن اللص عن إيمانه بأعماله، إذ شهد للرب واعترف له في أحلك اللحظات التي تركه فيها الجميع (لو 23: ٤١)... اعترف علنًا بلا خجل بصليب الرب، وأشكر واحتمل الألم بلا تذمر. اعترف، أليس هذا عملاً؟

٢. "أنت تؤمن أن الله واحد حسنًا تفعل.  والشياطين يؤمنون ويقشعرون" ]١٩[.

هذا هو المثال الثاني للإيمان الميت وهو التشبّه بالشياطين. يعلق القديس أغسطينوس قائلاً:

[إنك تمدح نفسك لأجل إيمانك هذا... حسنًا تفعل! والشياطين يؤمنون ويقشعرون فهل يعاينون الله؟

إن أنقياء القلب وحدهم هم الذين يعاينونه (مت ٥: 8)، فمن يقدر أن يقول أن الشياطين نقيّة القلب؟ ومع هذا فإنهم يؤمنون ويقشعرون! لذلك ينبغي أن يوجد فارق بين إيماننا وإيمان الشياطين، فإيماننا ينقي القلب، وأما إيمانهم فيجعلهم مذنبين. هم يفعلون الشر، ومع ذلك يقولون: "نحن نعرفك، مَنْ أنت قدوس الله" (لو ٤: ٣٤). وهو ما قاله أيضًا بطرس "أنت هو ابن الله" فمدحه الرب بينما وبخ الشياطين...

فأي إيمان هو هذا الذي ينقي القلب إلاَّ الذي عرّفه الرسول بأنه "الإيمان العامل بالمحبة"؟]

ويقول أيضًا: [هكذا أيضًا عندما تسمع من "من آمن واعتمد وخلص" (مر ١٦: ١٦). فبالطبع لا نفهمها على أنه يقصد كل من آمن أيًا كان إيمانه "فالشياطين يؤمنون ويقشعرون". وكما لا نفهمها على جميع من اعتمدوا، فسِيمُون (الساحر) رغم قبوله المعموديّة إلاَّ أنه لم يكن من السهل أن يخلص.]

ثانيًا: مثالان لإيمان حي بالأعمال

١. "ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت؟ ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال، إذ قدم إسحق ابنه على المذبح؟ فترى أن الإيمان عَمِلَ من أعماله، وبالأعمال أُكْمِلَ الإيمان. وتم الكتاب القائل: فآمن إبراهيم بالله فَحُسِبَ له برًا، ودُعِيَ خليل الله. ترون إذًا أنه بالأعمال يتبرر الإنسان، لا بالإيمان وحده" ]20-٢٤[.

إذ يوجه الرسول حديثه إلى إنسان إيمانه باطل بسبب عدم الأعمال لذلك يدعوه "أيها الإنسان الباطل"، وذلك مثل إيمانه الذي بلا عمل.

وقد ضرب لنا مثلاً بأب الآباء الذي حُسِبَ له إيمانه برًا، وقد دُعي صديق الله، ولكن كيف نال هذا؟ بالأعمال أكمل إيمانه. والعجيب أن المثال الذي استخدمه الرسول بولس (رو ٤: ٣؛ غل ٣: 6) لتأكيد أهمية الإيمان وحده دون أعمال الناموس هو نفسه المثال الذي استخدمه يعقوب الرسول لتأكيد الأعمال المكملة للإيمان. وقد أورد الرسول بولس نفس المثال في الرسالة إلى العبرانيين مُظهرًا الإيمان والأعمال معًا قائلاً: "بالإيمان إبراهيم أطاع". كما أكد يشوع بن سيراخ إيمان إبراهيم وأعماله (سي ٤٤: ٢٠-٢١).

٢. "كذلك راحاب الزانية أيضًا أما تبررت بالأعمال، إذ قبلت الرسل، وأخرجتهم في طريق آخر" ]٢٥[

لقد شهد شعب أريحا بقوة الله (يش ٢: ٩)، لكن لم ينتفع أحد بهذه الشهادة إلاَّ راحاب لأنها ربطت إيمانها بالعمل فصار حيًا.

ثالثًا: مثال لارتباط الإيمان بالأعمال

"لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت هكذا الإيمان بدون أعمال ميت" ]٢٦[.

إلى هذه الدرجة يوضح الرسول أهمية الأعمال حتى حسبها كالروح بالنسبة للجسد.

لقد دعاهما البابا أثناسيوس الرسولي بأختين قائلاً:

[الإيمان والأعمال أختان مرتبطتان ببعضهما البعض. فمن يؤمن بالرب يكون نقيًا، ومن يكون نقيًا فهو مؤمن بالأكثر.

لهذا فمن هو شرير يكون بلا شك ضالاً عن الإيمان، ومن يترك التقوى يتخلى عن الإيمان الحقيقي.

وكما أنه عندما يساعد الأخ أخاه يصيران حصنين لبعضهما البعض، هكذا أيضًا الإيمان والصلاح، إذ ينموان متشابهين مُمْسِكَيْن ببعضهما البعض، فمن يختبر أحدهما يتقوى بالآخر.

لذلك إذ يرغب الرسول في أن يتدرب التلميذ على الصلاح حتى النهاية وأن يجاهد من أجل الإيمان

نصحه قائلاً: "جَاهِدْ جهاد الإيمان وتمسك بالحياة الأبديّة" (١ تي ٦: ١٢).]

هكذا فإن المسيحيّة ليست فلسفة فكريّة بل حياة في نور ربنا يسوع.

1 يا اخوتي لا يكن لكم ايمان ربنا يسوع المسيح رب المجد في المحاباة
2 فانه ان دخل الى مجمعكم رجل بخواتم ذهب في لباس بهي و دخل ايضا فقير بلباس وسخ
3 فنظرتم الى اللابس اللباس البهي و قلتم له اجلس انت هنا حسنا و قلتم للفقير قف انت هناك او اجلس هنا تحت موطئ قدمي
4 فهل لا ترتابون في انفسكم و تصيرون قضاة افكار شريرة
5 اسمعوا يا اخوتي الاحباء اما اختار الله فقراء هذا العالم اغنياء في الايمان و ورثة الملكوت الذي وعد به الذين يحبونه
6 و اما انتم فاهنتم الفقير اليس الاغنياء يتسلطون عليكم و هم يجرونكم الى المحاكم
7 اما هم يجدفون على الاسم الحسن الذي دعي به عليكم
8 فان كنتم تكملون الناموس الملوكي حسب الكتاب تحب قريبك كنفسك فحسنا تفعلون
9 و لكن ان كنتم تحابون تفعلون خطية موبخين من الناموس كمتعدين
10 لان من حفظ كل الناموس و انما عثر في واحدة فقد صار مجرما في الكل
11 لان الذي قال لا تزن قال ايضا لا تقتل فان لم تزن و لكن قتلت فقد صرت متعديا الناموس
12 هكذا تكلموا و هكذا افعلوا كعتيدين ان تحاكموا بناموس الحرية
13 لان الحكم هو بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة و الرحمة تفتخر على الحكم
14 ما المنفعة يا اخوتي ان قال احد ان له ايمانا و لكن ليس له اعمال هل يقدر الايمان ان يخلصه
15 ان كان اخ و اخت عريانين و معتازين للقوت اليومي
16 فقال لهما احدكم امضيا بسلام استدفئا و اشبعا و لكن لم تعطوهما حاجات الجسد فما المنفعة
17 هكذا الايمان ايضا ان لم يكن له اعمال ميت في ذاته
18 لكن يقول قائل انت لك ايمان و انا لي اعمال ارني ايمانك بدون اعمالك و انا اريك باعمالي ايماني
19 انت تؤمن ان الله واحد حسنا تفعل و الشياطين يؤمنون و يقشعرون
20 و لكن هل تريد ان تعلم ايها الانسان الباطل ان الايمان بدون اعمال ميت
21 الم يتبرر ابراهيم ابونا بالاعمال اذ قدم اسحاق ابنه على المذبح
22 فترى ان الايمان عمل مع اعماله و بالاعمال اكمل الايمان
23 و تم الكتاب القائل فامن ابراهيم بالله فحسب له برا و دعي خليل الله
24 ترون اذا انه بالاعمال يتبرر الانسان لا بالايمان وحده
25 كذلك راحاب الزانية ايضا اما تبررت بالاعمال اذ قبلت الرسل و اخرجتهم في طريق اخر
26 لانه كما ان الجسد بدون روح ميت هكذا الايمان ايضا بدون اعمال ميت




السابق 1 2التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +
 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

    الإيمان واللسان

في هذا الأصحاح يعالج موضوع "الإيمان واللسان" إذ دخلت بعض الأخطاء عن فِرِّيسيَّة اليهود الشريرة ألا وهي حب التعليم وكثرة الكلام بلا حكمة فتحدث عن:

1. حب التعليم ١ - ٢.

2. خطورة اللسان ٢ - ٦.

٣. كيف نضبط اللسان؟ ٧ - ١٢.

4. اللسان والحكمة الحقيقية ١٣ - ١٨.

1. حب التعليم

"لا تكونوا معلمين كثيرين يا إخوتي، عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم" ]١[.

الإيمان الميت الذي بلا أعمال يدفع بالإنسان إلى تغليف نفسه بمظهر التعليم، فيُكثِر الكلام والتوبيخ والانتهار بغير انسحاق داخلي. لهذا تُلزِم الكنيسة جميع خدامها ورعاتها أن يكون لهم آباء اعتراف حتى لا ينسوا بنيانهم الروحي في وسط الخدمة والتعليم. وينصح الرسول بولس تيموثاوس "لاحظ نفسك والتعليم".

وتعلمنا الكنيسة في القداس الإلهي أن يصلي الكاهن من أجل خطاياه قبل صلاته من أجل جهالات الشعب.

لهذا يخاف القديس أغسطينوس أسقف هيبو على نفسه فيقول: [إننا نحرسكم في عملنا كوكلاء لله، لكننا نحن أيضًا نود أن يحرسنا الله. إننا كم لو كنا رعاة بالنسبة لكم، لكننا أيضًا في رعاية الله، إذ نحن خراف زملاء لكم. إننا معلمون بالنسبة لكم. لكن بالنسبة لله فهو السيد الواحد، ونحن زملاء لكم في مدرسته. إن أردنا أن يحرسنا الله الذي تواضع من أجلنا وتمجد لكي يحفظنا، فلنتواضع نحن أيضًا فلا يظن أحد أنه شيء، فإنه ليس لأحد شيء صالح ما لم يكن قد أخذه من الله الذي وحده هو صالح.]

لكن يدفع الكبرياء بعض الخدام والعلمانيين حتى أنهم ظنوا في أنفسهم أنهم قد خلصوا وأنهم صالحون لا يخطئون، لهذا أكمل الرسول قائلاً:

"لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا".

هذا الفكر الخاطىء (يظن البعض في أنفسهم أنهم قد خلصوا وأنهم صالحون لا يخطئون) له جذوره في عهد الرسل، كما في أيام القديس أغسطينوس حيث كتب يوبخ البيلاجيين على هذه الادعاءات، وكتب القديس أمبروسيوس يوبخ القائلين بهذا أيضًا. تؤكد تعاليم الكتاب المقدس وأقوال الآباء شدة الحرب الروحيّة التي يواجهها الرعاة أكثر من غيرهم، لأنه متى أسقطهم الشيطان يشتت الرعيّة معهم.

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه حتى رئيس الأساقفة مُعَرِّض للضعفات حتى يترفق بالضعفاء أولاده وإخوته.

ويقول البابا بطرس السكندري: [من هم أكثر سُمُوًا من الرسل الذين هم أنفسهم لم يخلوا من ضعفنا؟ لأن أحدهم يقول: "لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا"... لكن عندما نتوب عنها ننال غفرانًا، خاصة إن كانت بغير إرادة أو عن جهل أو ضعف.]

٢. خطورة اللسان

"إن كان أحد لا يَعْثُر في الكلام، فذاك رجل كامل، قادر أن يُلْجِم كل الجسد أيضًا" ]٢[.

انتقل الرسول من الحديث عن حب التعليم دون التعلم إلى كثرة الكلام المُعثر. فمن لا يلجم لسانه لا يستطيع أن يضبط الجسد كله، أي حياته كلها، أما من يلجمه فيكون رجلاً كاملاً، أي فيه رجولة ونضوج روحي.

يقول القديس يوحنا الدرجي:

[الثرثرة هي عرش الغرور، ومن هذا العرش تظهر محبة إبراز الذات والمباهاة والافتخار.

الثرثرة إشارة إلى الجهل، وباب الاغتياب، وموصل إلى الهزل والضحك، وخادم للكذب والرياء.

هي دليل النوم وتشتيت الذاكرة، تُزِيل اليقظة وتبرد الحرارة وتفتر الصلاة.]

وقد ضرب الرسول أمثلة على خطورة اللسان فقال:

ا. "هوذا الخيل تضع اللُّجُم في أفواهها لكي تطاوعنا فندير جسمها كله" ]٣[.

اللُّجُم لا تدير الرأس كله فحسب بل الجسم كله، أي السلوك كله. إذًا فلنقل للرب: "احْفَظْ لفمي كِمامةً فيما الشر مُقابلي" (مز ٣٩: 1) حتى لا يركض جسدنا كالخيل ويُطَوِّح بالنفس البشريّة على الأرض محطمة.

ب. "هوذا السفن أيضًا وهي عظيمة بهذا المقدار وتسوقها رياح عاصفة تديرها دفة صغيرة جدًا إلى حيثما شاء قصد المدير ]4[. هكذا اللسان أيضًا هو عضو صغير ويفتخر متعظمًا".

السفن مع ضخامتها يديرها الربان بدفة صغيرة، ومتى أساء الربان استخدامها يفقد السفينة وكل ما عليها. فقد أساء نبوخذ نَصَّر الدفة، أي لسانه ونطق متعظمًا: "هذه بابل العظيمة التي بنيتها... بقوة اقتداري ولجلال مجدي" (دا ٤: 30)، فذاق المر سنينًا! وهيرودس بسبب الدفة الصغيرة ضربه ملاك الرب لأنه لم يعطِ المجد لله وصار الدود يأكله، إذ صرخ الشعب قائلاً: "هذا صوت إله لا صوت إنسان" (أع ١٢: 22). وبطرس من أجل كلمة بكى بمرارة.

ج. "هوذا نار قليلة، أي وقود تحرق. فاللسان نار عَالَمُ الإثم. هكذا جعل في أعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كله ويُضْرِم دائرة الكون ويُضْرَم من جهنم" ]5- 6[.

شرارة بسيطة كفيلة بحرق غابة ضخمة، لهذا "لا تدع فمك يجعل جسدك يخطيء" (جا ٥: ٦). فاللسان هو الشرارة التي تُضْرَم من جهنم لكي تُضْرِم الجسم كله، فيفقد الإنسان قدرته على الصلاة ويسبب انشقاقات ويثير الحقد، ويخسر سلام الإنسان الداخلي والخارجي. هذا كله بسبب اللسان أُضْرِم من إبليس.

ويقال أن "جهنم" هنا تعني مكانًا كان اليهود يلقون فيه الحيوانات الميتة والقاذورات لحرقها، وكانت النيران لا تنطفيء ليلاً أو نهارًا.

٣. كيف نضبط اللسان؟

"لأن كل طبع للوحوش والطيور والزحافات والبحريات يُذَلَّل، وقد تَذَلَّل للطبع البشري. وأما اللسان فلا يستطيع أحد أن ذَلِّله" ]7-8[.

يقول القديس أغسطينوس:

[لم يقل الرسول أنه لا يوجد من يُذَل اللسان بل لا يستطيع أحد (من البشر) أن يُذَلل اللسان، حتى متى أُلجِم نعترف بأن ذلك بفضل حنان نعمة الله ومعونته.]

[يستطيع الإنسان ترويض الوحوش المفترسة، أما لسانه فلا يقدر أن يُلجِمه!...

يستطيع الإنسان تهذيب كل شيء ما عدا ذاته، فما يقدر عليها!

يقدر على تهذيب كل ما يخاف منه، أو يجدر به أن يخافه، أما ذاته التي لا يخافها فلا يقدر عليها!

إذن لنلجأ إلى الله الذي يستطيع أن يُلجِمه. أنتم لا تقدرون على إقناع ألسنتكم لأنكم بشر... فلنطلب من الله لكي يروضنا قائلين له: "يا رب ملجأ كنت لنا".

هل يستطيع (الإنسان) صورة الله أن يُرَوِّض الأسد، ويعجز الله عن ترويض صورته؟

إن رجاءنا يكمن في هذا المُرَوِّض لنخضع له ملتمسين رحمته... لنحتمله حتى يُرَوِّضنا، فنصير كاملين، لأنه كثيرًا ما يسمح لنا بتأديبات. فإن كنتم تستخدمون أسواطًا في ترويض الحيوانات المفترسة، أمَا يستخدم الله ذلك ليحوِّلنا نحن وحوشه إلى أولاد له؟]

يذكر مكروبياس أن بعضًا كانوا يُرَوِّضون الغربان حتى كانت تنطق قائلة: "السلام عليك يا قيصر الملك الغالب"، وكانوا يقومون ببيعها لقيصر وهو عائد منتصرًا... أفلا يقدر الله أن يروض ألسنتنا لتنطق بالتسبيح للرب الغالب؟

"هو شر لا يضبط مملوء سمًا مميتًا" ]٨[.

عندما أراد الرسول أن يُظهِر شر الإنسان قال: "الجميع زاغوا... حنجرتهم قبر مفتوح. بألسنتهم قد مكروا. سم الأصلال تحت شفاههم وفمهم مملوء لعنة ومرارة" (رو ٣: ١2-١٤). وكأن هذا يكفي للكشف عن مقدار ما بلغه الإنسان من زيغان وفساد. وسرّ شره ليس في طبعه لكن في انحرافه عن عمله، فتارة يبارك الله، وأخرى ينحرف ليلعن الناس، وكما يقول الرسول:

"به نبارك الله الآب، وبه نلعن الناس الذين قد تَكَوَّنوا على شبه الله. من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة. لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذه الأمور هكذا. ألَعَل ينبوعًا ينبع من عين واحدة، العذب والمر؟ هل تقدر يا اخوتي تينة أن تصنع زيتونًا أو كرمة تينًا؟ ولا كذلك ينبوع يصنع ماء مالحًا وعذبًا" ]9- ١٢[.

اللسان الذي نبارك به الله في الصلاة، متى استخدمناه في إساءة الناس الذين هم على شبه الله، نوجه الإهانة إلى الله خالقهم، ونستهين بحبه الذي أحب به العالم كله حتى بذل ابنه الوحيد عنهم.

جيد للتينة أن تُخرِج تينًا، والزيتونة زيتونًا، ولكن لا يليق بالتينة أن تخرج زيتونًا. هكذا ليُخرِجْ اللسان حسبما يليق بعمل الإنسان ووظيفته، فلا يوبخ الابن أباه، ولا ينتهر الإنسان شيخًا، ولا يدين إنسانًا مخطئًا. هكذا يَلزم بنا أن تكون لنا الحكمة الحقيقيّة حتى نعرف كيف نتكلم؟ ومتى نتكلم؟


السابق 12التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +

 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email

٤. اللسان والحكمة الحقيقية

"من هو حكيم وعالم بينكم فَلْيُرِ أعماله بالتصرف الحسن في وداعة الحكمة" ]١٣[.

 لا تظهر الحكمة الحقيقيّة بكثرة المعرفة الذهنيّة، إنما تنكشف خلال:

1. العمل: "فَلْيُرِ أعماله بالتصرف الحسن".

كما يقول الأب نسطور:

[إن كنتم مشتاقين إلى الحصول على نور المعرفة الروحيّة، معرفة ليست خاطئة لأجل كبرياء فارغ لتكونوا رجالاً فارغين يجدر بكم أولاً أن تلتهبوا بالشوق نحو هذا التطويب الذي نقرأ عنه "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). وبهذا تنالون ما قاله الملاك لدانيال "والفاهمون يضيئون كضياء الجَلَد، والذين ردّوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور" (دا ١٢: ٣)... وهكذا يَلزم المثابرة بالجهاد في القراءة مع السعي بكل اشتياق لنوال المعرفة العمليّة الاختبارية أولاً أي المعرفة الأخلاقيّة.

فبعدما يبذلون جهودًا وأتعابًا كثيرة يستطيعون أن ينالوا المعرفة الروحيّة كمكافأة لهم من أجلها. وإذ يقتنون المعرفة لا من مجرد التأمل في الشريعة بل كثمرة لتعبهم يتغنون قائلين: "من وصاياك تَفَهَّمْت " (مز ١١٩: 104).]

2. الوداعة: يقول الرسول "في وداعة الحكمة"، إذ المعرفة الحكيمة هي المملوءة وداعة وتواضعًا بلا كبرياء أو عجرفة.ولقد أوضح الرسول علامات الحكمة الرائعة فقال:

"ولكن إن كان لكم غيرة مُرَّة وتَحَزُّب في قلوبكم فلا تفتخروا وتكذبوا على الحق. ليست هذه الحكمة نازلة من فوق،

بل هي أرضيّة نفسانيّة شيطانيّة. لأنه حيث الغيرة والتَحَزُّب هناك التشويش وكل أمر رديء" ]14-١6[.

حيث توجد الغيرة المُرَّة والتَحَزُّب تكون الحكمة زائفة.

فجيد للإنسان أن تكون له غيرة (٢ كو ١١: ٢)، لكن لا تكون مُرَّة أي شريرة. لأنها لا تكون مبنية على أساس الحق، بل على التعصب الأعمى والتهور، وذلك كما فعل بطرس حين استل السيف وقطع أذن عبد رئيس الكهنة. هذه الغيرة تفقد الإنسان والذين حوله الحق، وتؤدي إلى تَحَزُّبات، لأنه "حيث الغيرة والتَحَزُّب هناك التشويش وكل أمر رديء"، أي تفقد الإنسان سلامه الداخلي (١ كو ١٤: ٣٣). ويكفي لهذا الإنسان الغيرة المُرَّة والتَحَزُّب أن يكونا في داخل القلب ]14[ لكي تفسده.

أما مصادر الحكمة الزائفة فهي:

ا. أرضية، أي نابعة عن محبة العالم، من يمتلكها لا يرتفع قلبه للسماويات، بل يتعلق قلبه بالأرضيّات. ومع أنه يغير على الحق، لكن غيرته وكرازته يبعثهما حب المادة أو حب الكرامة أو محبة مديح الناس.

ب. نفسانية، أي صادرة عن الذات البشريّة، يركز الإنسان خدمته حول الأنا فلا يريد أن تختفي لِيَظْهَر الرب، بل يُخفي الربَّ رغم كرازته بالرب لِيَظهر هو، فيهتم ليس بما للروح بل بما للجسد.

ج. شيطانية، أي باعثها الخفي هو الشيطان. فإذ سقط بالكبرياء لا يكفَّ عن أن يبث الكبرياء في البشر تحت ستار الحكمة واللباقة، ولو كان خلال العبادة وتعليم الغير والبحث عن النفوس الضالة.

أما الحكمة الحقيقية فمصدرها ومميزاتها هي:

"وأما الحكمة التي من فوق أولاً طاهرة ثم مسالمة مترفقة مذعنة مملوءة رحمة وأثمارًا صالحة عديمة الريب والرياء. وثمر البر يزرع في السلام من الذين يفعلون السلام" ]17- ١٨[.

مصدر الحكمة السماوية من فوق نازلة من عرش الله القدوس (حك ٩: ٤، ٩)، يمنحها الله لأولاده المثابرين المتمسكين به. أما مميزاتها فهي:

ا. طاهرة، أي نقيّة بلا غرض مُلتوٍ، تَهَب صاحبها قلبًا طاهرًا وحياة عفيفة. فكما أن الله طاهر (١ يو ٣: ٣)، وكلامه طاهر (مز ١٢: ٦)، لهذا فمن يقتني حكمة الله لا يطيق الدنس، بل ينجذب إلى حياة الطهارة متشبهًا بالله.

ب. مسالمة، أي مملوءة سلامًا، إذ قيل عنها إن كل طرقها سلام، إذ بالحكمة ينجذب الإنسان تجاه الله، ويمتليء قلبه سلامًا ويفيض أيضًا بسلام خارجي مع الغير حتى أنه لا يطيق أن يرى شجارًا أو يسمع صوتًا عاليً،ا بل يُنَفِّذْ على الدوام هذه الوصيّة "فلنعكف إذًا على ما هو للسلام وما هو للبنيان بعضنا لبعض" (رو ١٤: ٩).

ج. مترفقة، إذ يمتليء القلب بالسلام تجاه الغير ويعمل لبنيان الآخرين، يترفق بالكل مهما كانت الأخطاء والضعفات، واضعًا نصب عينيه كيف يربح الجميع. هذا الترفق ليس مظهرًا خارجيًا، بل هو حياة داخليّة، سواء تكلم الإنسان أو صَمَتَ، أدّب أو انتقد... في هذا كله يترفق ويتحنن لكن في حزم.

د. مملوءة رحمة وأثمارًا صالحة: وحيث توجد الطاعة لابد من الثمر الصالح. وكما تدفع الحكمة الزائفة إلى الكبرياء وبالتالي إلى "كل عمل رديء"، هكذا يعلن الرسول هنا عن الحكمة الحقيقيّة أنها عمليّة، إذ تدفع إلى الطاعة والخضوع، وبالتالي إلى الرحمة والأثمار الصالحة.

وكما أن الإيمان بدون أعمال ميت، كذلك الحكمة بغير ثمر زائفة، وقد وصفها سفر الحكمة أنها مستعدة لعمل الخير وحب البشريّة (حك ١: ٦). وقد أعلن ذلك حكمة الله المتجسد، إذ "جال يصنع خيرًا" (أع ١٠: ٣٨). إذًا فلنلبس الرب يسوع الحكمة الحقيقيّة لنأتي بثمر كثير (يو 15: 2)، ونجول به نصنع خيرًا.

ز. عديمة الريب: أي ثابتة غير متزعزعة ولا منقسمة، لها هدف واحد واضح، تكشف الطريق السماوي بوضوح رغم ما فيه من آلام وأتعاب.

الحكمة الحقيقيّة تجعل الإنسان لا يطيق أن ينقسم قلبه بين محبة الله ومحبة العالم، أو يترنح بين الأبديّات والزمنيّات، أو يخلط بين الاتكال على الله والاتكال على ذاته البشريّة، إنما يكون القلب ثابتًا في اتجاهه ومحبته ورجائه.

إن عدم الريب يحمل معنى عدم المداهنة للغنى على حساب الفقير.

س. عديمة الرياء: أي لا تحمل في خارجها بخلاف ما في باطنها، بل كما يقول الرسول "إننا في بساطة وإخلاص الله، لا في حكمة جسديّة بل في نعمة الله، تصرفنا في العالم" (٢ كو ١: 12). وقد حَذَّرَ الرب يسوع تلاميذه من خمير الفريسيين الذي هو رياؤهم.

ش. تَهَب "ثمر البرّ يزرع في السلام (الأمان) من الذين يفعلون السلام" إذ بالحكمة يحصد الإنسان ثمر البرّ... هذا الحصاد المملوء أمانًا، هو ثمر لزرع السلام، بمعنى أنه بالحكمة يصنع الإنسان سلامًا ويحصد في أمان ثمار البرّ.

إنه يزرع سلامًا بخضوعه لروح الرب، وعدم مقاومته له، ويحصد برًا، وهذا من ثمر الروح الذي خضع له وأطاعه وتجاوب مع عمله مثابرًا.

 

1 لا تكونوا معلمين كثيرين يا اخوتي عالمين اننا ناخذ دينونة اعظم
2 لاننا في اشياء كثيرة نعثر جميعنا ان كان احد لا يعثر في الكلام فذاك رجل كامل قادر ان يلجم كل الجسد ايضا
3 هوذا الخيل نضع اللجم في افواهها لكي تطاوعنا فندير جسمها كله
4 هوذا السفن ايضا و هي عظيمة بهذا المقدار و تسوقها رياح عاصفة تديرها دفة صغيرة جدا الى حيثما شاء قصد المدير
5 هكذا اللسان ايضا هو عضو صغير و يفتخر متعظما هوذا نار قليلة اي وقود تحرق
6 فاللسان نار عالم الاثم هكذا جعل في اعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كله و يضرم دائرة الكون و يضرم من جهنم
7 لان كل طبع للوحوش و الطيور و الزحافات و البحريات يذلل و قد تذلل للطبع البشري
8 و اما اللسان فلا يستطيع احد من الناس ان يذلله هو شر لا يضبط مملو سما مميتا
9 به نبارك الله الاب و به نلعن الناس الذين قد تكونوا على شبه الله
10 من الفم الواحد تخرج بركة و لعنة لا يصلح يا اخوتي ان تكون هذه الامور هكذا
11 العل ينبوعا ينبع من نفس عين واحدة العذب و المر
12 هل تقدر يا اخوتي تينة ان تصنع زيتونا او كرمة تينا و لا كذلك ينبوع يصنع ماء مالحا و عذبا
13 من هو حكيم و عالم بينكم فلير اعماله بالتصرف الحسن في وداعة الحكمة
14 و لكن ان كان لكم غيرة مرة و تحزب في قلوبكم فلا تفتخروا و تكذبوا على الحق
15 ليست هذه الحكمة نازلة من فوق بل هي ارضية نفسانية شيطانية
16 لانه حيث الغيرة و التحزب هناك التشويش و كل امر رديء
17 و اما الحكمة التي من فوق فهي اولا طاهرة ثم مسالمة مترفقة مذعنة مملوة رحمة و اثمارا صالحة عديمة الريب و الرياء
18 و ثمر البر يزرع في السلام من الذين يفعلون السلام




السابق 12التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +
 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

الإيمان والشهوات

بعدما تحدث الرسول عن الحكمة السماوية والحكمة الأرضيّة أراد أن يوجه أنظارنا إلى خطورة الشهوات الأرضيّة على حياة المؤمنين إذ:

١. تفقدنا سلامنا الداخلي ١ - ٣.

٢. تفقدنا سلامنا مع الله ٤ - ١٠.

٣. تفقدنا سلامنا مع الناس ١١ - ١٣.

٤. لا تهبنا شيئًا ١٤ - ١٧.

1. تفقدنا سلامنا الداخلي

"من أين الحروبات والخصومات بينكم، أليست من هنا من لذاتكم المحاربة في أعضائكم؟" ]١[

تنبع المنازعات والخصومات لا عن مضايقات الغير، بل عن ضعف الإنسان الداخلي وهزيمته في الحرب الخفيّة التي ميدانها النفس. وقد أوضح الأب بيامون أن البناء متى اهتز وسقط لا يكون العيب في الرياح التي هَبَّتْ، بل في عدم تأسيس البناء على أساس قوي، إذ يقول:

[إذا انهزم الإنسان أمام خطأ واشتعلت فيه نيران الغضب، وجب عليه ألاَّ يعتبر أن مرارة الإهانة الموجهة إليه هي سبب خطيّته بل بالحري ظهور ضعفه الخفي. إذًا لا نحتاج إلى البحث عن سلامنا في الخارج، ولا نظن أن صبر الآخرين يفيد عدم صبرنا. لأنه كما أن ملكوت الله داخلنا، كذلك أعداء الإنسان من "أهل بيته" (مت ١٠: ٣٦)، لأنه ليس عدوًا أكثر من قلبي الذي هو بالحق ألْصَق أهل بيتي إليَّ.]

فأساس المنازعات هي حرمان القلب من السلام الداخلي، لهذا يقول القديس أغسطينوس: [في الحرب الروحيّة إذا انتصرنا على شهواتنا ننتصر على أعدائنا (الشياطين). لأنه متى قهرنا فينا الشهوات الأرضيّة، نقهر لا محالة العدو الذي يتسلط علينا بهذه الشهوات. فإذا قيل للشيطان (في شخص الحيّة) أن يأكل التراب، قيل للخاطيء (في شخص آدم) أنت تراب وإلى تراب تعود، وبهذا صار الإنسان طعامًا للشيطان. فإن أردنا ألاَّ نكون هكذا يلزمنا ألاَّ نكون ترابًا.]

سرّ الخصومات هو استسلام المرء للذات المحاربة في أعضائنا بغير مقاومة. أما إذا قاوم ولم يستسلم، فإنه وإن ضايقه الجميع، وساءت الظروف المحيطة به، وفَقَدَ كل شيء، لا يفقد سلامه الداخلي ولا يدخل الخوف إلى قلبه. وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم [لا يضرك أحد إن لم تضر نفسك بنفسك. إن كنت لا تخطيء فإن عشرات الألوف من السيوف تهددك، ولكن الله ينتشلك حتى لا تقترب إليك.]

هذا ما تفعله اللذات في حياة الإنسان المستسلم لها... وماذا ينتفع منها؟

يقول الرسول: "تشتهون ولستم تمتلكون". إنها كالسراب تجذب الإنسان ليجري وراءها فيضل الطريق ويزداد عطشًا دون أن ينال شيئًا لأنها لذَّات خادعة.

"تقتلون وتحسدون ولستم تقدرون أن تنالوا. تخاصمون وتحاربون، ولستم تمتلكون لأنكم لا تطلبون" ]٢[.

يحدِّث الرسول أناسًا قامت بينهم خصومات، في ظاهرها من أجل الحق، لكن حقيقة دافعها اللذات المحاربة في أعضائهم أي الكرامة الزمنيّة أو أي دوافع أرضيّة أخرى. هذه اللذات دفعتهم إلى روح الحسد والبغضة. لهذا يقول "تقتلون" أي تبغضون "وتحسدون ولستم تقدرون أن تنالوا". وقد دعاهم قتلة بسبب البغضة. وذلك كما في إنجيل متى (٥: ٢٢) ورسالة يوحنا الأولى (٣: ١٥)، حيث تُعْتَبَر الكراهية قتلاً، وفي سفر يشوع بن سيراخ (٣٤: ٢١) يُعتبر من يهضم حق الأجير سافك دم.

فكل بغضة هي قتل حتى وإن اختفت وراء الدفاع عن الحق، ولا ينال الإنسان من وراء ذلك شيئًا بل يفقد حتى حياته، كإيزابيل التي قتلت نابوت اليزرعيلي كرمه، فلحست الكلاب دمها ( ١ مل ٢١: ١-23).

"تطلبون ولستم تأخذون لأنكم تطلبون رديًا، لكي تنفقوا في لذاتكم" ]٣[.

لقد سبق الرسول فعلل سبب عدم نوال الشيء بعدم الطلب "لستم تمتلكون، لأنكم لا تطلبون". وما أصعب على الأب أن يرى أولاده محتاجين ولا يطلبون من أبيهم. غير أنه توجد فئة تطلب لكنها لا تأخذ. وليس السبب في الواهب بل في الطالبين، فبينما يرفعون كلماتهم في الصلاة إلاَّ أن قلوبهم مرتبطة باللذات في الأرض، فتكون صلواتهم مَكْرَهَة أمام الرب. إذ نستخدمها وسائل لتحقيق مآرب أرضيّة، وكأننا نقول للآب السماوي: "هب لنا عطايا أرضيّة، لأننا مرتبطون بالأرض، ونريد أن نرتبط بها، ولا نشتاق أن نتهيأ للسماء حيث يكون لنا نصيب معك".

ما أثقل على نفس الأب أن يطلب الابن منه عطايا لكي يهرب بها من وجه أبيه، والعروس التي تطلب من عريسها هدايا ولا تطيق أن ترى وجهه!

يقول القديس غريغوريوس: ["كل ما تسألون الآب باسمي يعطيكم". أما اسم الابن فهو "يسوع" أي مخلص. فالذي يسأل باسم المخلص هو ذاك الذي يسأل فيما يختص بأمر خلاصه. إذن فلتراجعوا طلباتكم لتنظروا ما إذا كانت باسم "يسوع" أي خاصة بأمور الخلاص، أم يطلب أحدكم عُرسًا وآخر حقلاً وثالث ثوبًا ورابع رزقًا وقوتًا... وهذه يجب أن تُطْلَب من الخالق القدوس لكن الأولى أن نتبع قول الرب: "اطلبوا أولاً ملكوت الله"[.

٢. تفقدنا سلامنا مع الله

"أيها الزناة والزواني، أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله؟ فمن أراد أن يكون محبًا للعالم، فقد صار عدوًا لله" ]٤[.

يترجمها البعض "أيتها الزانيات Ye Adulteress"، وليس غريبًا أن يستخدم الرسول هذه الصيغة، لأنه في العهد القديم كان يُشبَّه خيانة عهد الله والانحراف عن العبادة بالخيانة الزوجيّة، كما استخدم العهد الجديد نفس التشبيه مُسَمِّيًا هذا الأمر "فسقًا" أي زنا روحيًا، فيه ترفض النفس البشريّة الاتحاد بعريسها (2 كو 11: 2) لتتحد بإله آخر. هذا الإله قد يكون إنسانًا معينًا أو شهوة مادة.

لكن يتساءل البعض: لماذا نعتبر محبة العالم عداوة لله وزنا روحيًا، مع أن الله خلق كل شيء من أجل الإنسان؟ الله لا يريد مضايقتنا أو حرماننا، لكن كبعلٍ للعروس أو خَتْنِها السماوي لا يقبل أن تلتصق بآخر. يريدنا أن نستعمل العالم. لكي نَتلَمَّس محبة الواهب دون أن يرتبط قلبنا بحب العطيّة ذاتها متجاهلين صاحبها. فالعالم في خلقته حسن (تك ١: 10)، لكن إذا تمسك الإنسان به، وانشغل عن الله يُقال: "العالم كله وُضِعَ في الشرير" (١ يو ٥: ١٩)، إذ لم يعد قنطرة للعبور إلى الأبديّة، بل تَعَبَّد له الإنسان وارتبط بمغرياته، وهكذا سقط في فخاخه. لهذا يوبخنا الرسول قائلاً:

"أم تظنون أن الكتاب يقول باطلاً الروح الذي حلّ فينا يشتاق إلى الحسد" ]٥[.

وكما يقول الله عن نفسه "لأني أنا الرب إلهك إله غيور" (خر ٢٠: ٥). فالروح القدس الساكن فينا يشتاق إلى الحسد أو يغير علينا غيرة مقدسة.

وكما يقول القديس إيرونيموس [لو لم يكن الله محبًا للنفس لما غار عليها ولا تَعَقَّبها على حب غيره، كالرجل الذي يتعقَّب عروسه على حبها سواه.]

"ولكنه يعطي نعمة أعظم. لذلك يقول يقاوم الله المستكبرين، أما المتواضعون فيعطيهم نعمة" ]٦[.

إن كان الله يغير علينا فإنه لا يتركنا وحدنا حتى لا نخور في أنفسنا (عب ١٢: ٣) لكنه يَهَب نعمة أعظم للمتواضعين الخاضعين لعمله (أم ١٦: ١٨)، أما الذين يتكلون علي ذواتهم فيقاومهم لأنهم ارتبطوا بروح إبليس المعاند.

"فاخضعوا لله. قاوموا إبليس فيهرب منكم" ]٧[.

إن كنا نرفض ملكوت إبليس يَلْزَمنا أولاً أن نقبل ملكوت الله بالخضوع له، بعد هذا نقاوم، وعندئذ لا يكون لإبليس سلطان علينا بل يهرب منا.

ويُشَبِّه القديس ذهبي الفم الشيطان بكلبٍ لا يبرح ملتصقًا بمائدة صاحبه مادام يُلْقَى إليه بين حين وآخر شيئًا منها. لكن إن كفَّ عن ذلك، فسيبقى إلى حين ثم ينقطع رجاؤه ويهرب من المائدة ليبحث عن مائدة أخرى. هكذا يَلْزَمنا أن نقاوم إبليس على الدوام ولا نعطيه مكانًا فينا (أف ٦: ١١، ١٣؛ ٤: ٢٧).




السابق 1 2التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +
 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email

كيف نخضع لله ونقاوم إبليس؟

1. بالاقتراب منه "اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم"

رأى الأب المحب ابنه الضال راجعًا "فتحنن وركض ووقع على عنقه وقَبَّله" (لو ١٥: 20). فما أن نرجع إلى الله حتى يرجع هو إلينا (زك ١: ٣)، لأنه ليس ببعيدٍ عنا، بل كما يقول "هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي" (رؤ ٣: ٢٠).

بالتوبة ندخل إلى الله، وبدونها لا ننتفع بالبركات الإلهيّة التي نلناها في العماد، ولا نستحق التناول من الأسرار المقدسة للاتحاد بالرب، ولا نعرف كيف نصلي أو كيف نستمع إلى صوت الله في كتابه، أو كيف ندخل بيته، أو نُرَنِّم له ونسبحه ونشكره، أو نخدمه ونخدم أولاده الخ.

٢. "نقوا أيديكم أيها الخطاة"

يقول القديس إكليمنضس الروماني: [ليتنا نقترب إليه في قداسة النفس، رافعين أيادي نقيّة غير دنسة.]

يَلْزم ألاَّ تكون التوبة كلامًا أو مجرد مشاعر وعواطف بل سلوكًا أيضًا وحياة. لذلك طالب الرسول بنقاوة اليدين، أو نقاوة الأعمال. ويريدنا الرسول بولس أن نصلي رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال (١ تي ٢: ٨)، لأنه "من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه، الطاهر اليدين والنقي القلب" (مز ٢٤: ٤). ويؤكد الله "إن كَثَّرتم الصلاة لا أسمع". وما السبب؟ "أيديكم ملآنة دمًا" (إش ١: ١٥).

٣. "وطهروا قلوبكم يا ذوي الرأيين" ]٨[.

وهنا لم يقل "أيها الخطاة" بل "يا ذوي الرأيين" موضحًا أن طهارة القلب تعني وحدة الهدف، فلا يكون منقسمًا بين محبة الله ومحبة شيء آخر. هكذا عرَّف الأب موسى نقاوة القلب الذي هو ترمومتر العبادة.

"اكتئبوا ونوحوا وابكوا ليتحول ضحككم إلى نوح وفرحكم إلى غم" ]٩[.

يقول الأب نيلس السينائى: [قبل كل شيء اطلب من الله أن يَهبَك دموعًا، فربما تُلَيِّن الدموع الصلابة الكامنة في نفسك، وتكشف لك خطاياك من نحو الله، وبهذا يَهَبك الله عنها غفرانًا. استخدم الدموع كسلاح للحصول على طلباتك من الله، لأن الله القدير يُسَرُّ عندما تصلي بدموع... احذر الوقوع في انفعال عاطفي... فكثير من الناس ينسون الغرض من الدموع.]

ليعطنا الرب أن نرفع أعيننا بالدموع نحوه كالطفل تجاه أمه، فيكون لنا هذا "الحزن الذي بحسب مشيئة الله يُنْشيء توبة لخلاص بلا ندامة" (٢ كو ٧: ١٠).

جاء في سيرة القديس باخوميوس [في أحد الليالي إذ عبر باخوميوس ومعه تادرس تلميذه على مقابر فوجدا نسوة يَنُحْنَ ويَبْكِين، فتأثر باخوميوس لهذا المنظر مشتاقًا لو بكى الكل على خطاياهم حتى يقومون... لذلك قال لتلميذه: أما ترى هؤلاء كيف يَسْكُبْنَ دموعهن على أموات ليس لهن قدرة على إقامتهم؟ فكم يَلزمنا نحن المدعوين رهبانًا أن نندب أنفسنا الميتة بزلاتها لكي يقيمها السيد المسيح ويحييها برحمته!

على كل حال البكاء ممدوح إن كان بقصد صالح، كما كان يفعل سائر الآباء القديسين. فداود النبي يقول: "أُعَوِّم كل ليلة سريري بدموعي أُذَوِّب فراشي" (مز ٦: ٥)، فعني بالمساء هذا العالم، والصباح العالم الآتي. ويوسف بكى على إخوته... وناح إرميا النبي نادبًا شعبه.]

4. "اتضعوا قدام الرب فيرفعكم" ]١٠[.

خشي الرسول أنهم في بكائهم يحسبون أنفسهم أفضل من غيرهم فيفقدون كل جهادهم. لهذا يقول الأب نيلس السينائي [عندما تسكب فيضًا من الدموع أثناء الصلاة لا تفتخر بذلك، ظانًا في فكرك أنك أفضل من آخرين، بل إن اعترافك بخطاياك وهبك دموعًا استجلبت حنان الله.]

٣. تفقدنا سلامنا مع الناس

رأينا أن محبة الأرضيّات تفقدنا سلامنا الداخلي وسلامنا مع الله، وبالتالي تُفْسِد نظرتنا للآخرين، فندينهم ونرى كأنهم أشرار. لذلك ينصحنا الرسول: "لا يذم بعضكم بعضًا أيها الإخوة. الذي يذم أخاه ويدين أخاه يذم الناموس ويدين الناموس، وإن كنت تدين الناموس فلست عاملاً بالناموس، بل ديانًا له" ]١١[.

إنه يوجه الحديث قائلاً: "أيها الإخوة". فإذ نحن إخوة يليق بنا أن نستر ضعفات بعضنا البعض، مترفقين بالكل. فمن يذم أخاه يذم الناموس الذي أوصانا بمحبة القريب كنفوسنا، ومن يدين الناموس ويرفضه إنما يرفض واضعه مع أنه "واحد هو واضع الناموس، القادر أن يخلص ويهلك، فمن أنت يا من تدين غيرك؟" ]١٢[

إنه الديان الوحيد واضع الناموس الحب والرحمة وقادر أن يخلص، وقادر أن يدين، فَمَنْ نحن حتى ندين الآخرين فنسلب الله حقه وعمله؟

ذكر بلاديوس [حدث أن دان إسحق القس التبايسي أخًا على فعل ما، وذلك بعد خروجه من الجماعة ليتوحد في البريّة، فجاءه ملاك يقول له: "الرب يقول لك: أين تشاء أن تطرح نفس ذلك الأخ المخطيء الذي تدينه؟" فلما أدرك خطأه قال "أخطأت، اغفر لي".]

ويقول الشهيد كبريانوس [لا يجوز لنا أن نسبق بالحكم مادام الرب نفسه هو الديان، اللهم إلاَّ إذا كان سيصادق على ما نحكم به الآن على الخطاة، حتى إذا وجد فيما بعد توبة صادقة وكاملة منهم.]

٤. لا تهبنا شيئًا

سِرُّ انجذابنا للشهوات وانشغالنا بالأرضيّات هو عدم إدراكنا لحقيقة غربتنا على الأرض، أو تناسينا لها، لهذا يوبخ الرسول قائلاً:

"هلم الآن أيها القائلون نذهب اليوم أو غدًا إلى هذه المدينة أو تلك وهناك نصرف سنة واحدة ونَتَّجِر ونربح . أنتم الذين لا تعرفون أمر الغد، لأنه ما هي حياتكم، إنها بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل" ]13- ١٤[.

ليس العيب في الاتجار، لكن في التحديد بأمرٍ قاطعٍ دون تسليم المشيئة للرب. حَسَنٌ للإنسان أن يدبِّر الأمور، متكلاً على الله، وشَرّ أن يظن أنه قادر على تدبير أموره بحكمته الخاصة. فالرب لا يُعلِّمنا التواكل بل الاتكال، بل يطلب الأمانة في كل عمل، لكن بغير كبرياء، كالغني الغبي الذي جمع الكثير، وظن أنه قادر أن يُشْبِعَ نفسه لسنين كثيرة، فطُلِبَتْ نفسه في ذات الليلة (لو ١٢: ١٥-٢١).

"ما هي حياتكم؟" هكذا يستخف الرسول بالحياة الزمنيّة من أجل قصرها، وكما يقول القديس ذهبي الفم: [إن الحياة هنا وأمورها هي مجرد طريق، أما مسكننا فهو أمور الدهر الآتي. أمور هذه الحياة تُشْبِه الربيع، أما الحياة الأخرى فهي كالصخور لا تنهدم.]

لم يقل الرسول "لماذا تذهبون وتتاجرون"، إنما كان لومه هكذا: "عِوَض أن تقولوا إن شاء الرب وعشنا نفعل هذا أو ذاك. وأما الآن فإنكم تفتخرون في تعظمكم، كل افتخار مثل هذا رديء" ]15- 16[.

لقد كانت عادتهم أن يذهبوا إلى المدن الجديدة ويقضون عامًا تقريبًا ليتاجروا ويربحوا ويعودوا إلى بلدهم. لم يَلُمْهُمْ على هذا، إنما لامهم لأنهم لم يسلموا المشيئة في يدي الله، بل اتكلوا على ذواتهم وتخطيطاتهم وحكمتهم وتكبروا.

"فمن يعرف أن يعمل حسنًا، ولا يعمل، فذلك خطيّة له" ]١٧[. وكأنه يجيبهم على سؤال وجهوه إليه: وهل في هذا العمل خطيّة؟ نحن لم نُؤْذِ أحدًا ولا أسأنا إلى الناموس، فلماذا تلومنا؟

بلا شك عدم الاتكال على الله خطيّة، لكن الرسول أجابهم بصورة أروع. "من يعرف أن يعمل حسنًا" "أي يتكل على الله"، "ولا يعمل، فذلك خطيّة". فماذا يكون الأمر إن كنتم تعرفون ما هو شر وتفعلونه؟

1 من اين الحروب و الخصومات بينكم اليست من هنا من لذاتكم المحاربة في اعضائكم
2 تشتهون و لستم تمتلكون تقتلون و تحسدون و لستم تقدرون ان تنالوا تخاصمون و تحاربون و لستم تمتلكون لانكم لا تطلبون
3 تطلبون و لستم تاخذون لانكم تطلبون رديا لكي تنفقوا في لذاتكم
4 ايها الزناة و الزواني اما تعلمون ان محبة العالم عداوة لله فمن اراد ان يكون محبا للعالم فقد صار عدوا لله
5 ام تظنون ان الكتاب يقول باطلا الروح الذي حل فينا يشتاق الى الحسد
6 و لكنه يعطي نعمة اعظم لذلك يقول يقاوم الله المستكبرين و اما المتواضعون فيعطيهم نعمة
7 فاخضعوا لله قاوموا ابليس فيهرب منكم
8 اقتربوا الى الله فيقترب اليكم نقوا ايديكم ايها الخطاة و طهروا قلوبكم يا ذوي الرايين
9 اكتئبوا و نوحوا و ابكوا ليتحول ضحككم الى نوح و فرحكم الى غم
10 اتضعوا قدام الرب فيرفعكم
11 لا يذم بعضكم بعضا ايها الاخوة الذي يذم اخاه و يدين اخاه يذم الناموس و يدين الناموس و ان كنت تدين الناموس فلست عاملا بالناموس بل ديانا له
12 واحد هو واضع الناموس القادر ان يخلص و يهلك فمن انت يا من تدين غيرك
13 هلم الان ايها القائلون نذهب اليوم او غدا الى هذه المدينة او تلك و هناك نصرف سنة واحدة و نتجر و نربح
14 انتم الذين لا تعرفون امر الغد لانه ما هي حياتكم انها بخار يظهر قليلا ثم يضمحل
15 عوض ان تقولوا ان شاء الرب و عشنا نفعل هذا او ذاك
16 و اما الان فانكم تفتخرون في تعظمكم كل افتخار مثل هذا رديء
17 فمن يعرف ان يعمل حسنا و لا يعمل فذلك خطية له




السابق 1 2التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +
 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 5 جـ1 PDF Print Email

الإيمان والانشغال بالغنى

بعد ما تحدث عن الشهوات الأرضيّة عاد ليحدثنا عن خطورة الانشغال بالغنى:

١. الانشغال بالغنى ١ - ٦.

٢. موقف المؤمنون من الأغنياء الظالمين ٧ - ١١.

٣. عدم القسم ١٢.

٤. موقف المؤمن في كل الظروف:

أولا: في حالة الحزن ١٣.

ثانيًا: في حالة السرور ١٣.

ثالثًا: في حالة المرض ١٤ - ١٨.

رابعًا: في حالة انحراف أخ ٩ - 20.

1. الانشغال بالغنى

أ. الغنى غير باقٍ

"هلم أيها الأغنياء ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة. غناكم قد تهرأ، وثيابكم قد أكلها العُثُّ. ذهبكم وفضتكم قد صدئا.

وصدأهما يكون شهادة عليكم، ويأكل لحومكم كنار، قد كنزتم في الأيام الأخيرة" ]1- ٣[.

يطلب الرسول من الأغنياء المتكلين على أموالهم أن يبكوا ويولولوا:

ا. لأن شقاوتهم قادمة. وهنا كلمة "قادمة" لا تعني المستقبل البعيد، إنما تعني أنها على الأبواب. ولهذا السبب يسمي القديس يوحنا الذهبي الفم المال "الشارد"، إذ يؤدي إلى أتعاب كثيرة، وعند الضرورة يهرب ولا يقف بجوار صاحبه.

ب. لأن شقاوتهم تَنْبُع من نفس المصدر الذي يترجون منه السعادة، فغناهم قد تهرأ، وهنا لم يقل "سيتهرأ" وذلك للتأكيد.

"وثيابكم أكلها العُثُّ"، والثياب علامة الغنى، كما هو علامة السلطان والسطوة (إش ٣: ٦)، فعندما أحب يعقوب يوسف أعطاه ثوبًا ملونًا، الأمر الذي أثار حسد إخوته عليه.

"ذهبكم وفضتكم قد صدئا". إنه لم يذكر معدنًا رخيصًا كالبرونز (سى 12: 10،) وذلك بسبب غناهم. فإنه حتى المعادن الثمينة مع الزمن تفقد لمعانها وجمالها. وهنا يُذكِّرنا الرسول بِمَثَل العبد الكسلان الذي "حفر في الأرض وأخفى فضة سيده" (مت ٢٥: 18).

ج. هذا يكون شهادة عليهم ويأكل لحومهم كنار، إذ تحترق أجسادهم وتهلك نفوسهم كما بنار. لأن مُحِبّ المال لا يستريح هنا ولو اقتنى العالم كله، ولا يستريح في الأبديّة إذ لا يطيق أن يعاين الله.

د. "قد كنزتم في الأيام الأخيرة". بينما كان يَلْزم الاستعداد للرحيل، قد بدأوا يكنزون ويزينون المسكن ويبنون بيوتًا، مع أنهم في لحظات يرحلون.

ب. ينزع العدل والرحمة

"هوذا أجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ، وصياح الحصَّادين قد دخل إلى أذني رب الجنود" ]٤[.

حب الاقتناء يُفقد الإنسان رحمته بأخيه، بل يدفعه إلى ظلم الأجير. وهو إحدى الفئات الأربع التي تهتز السماوات لصراخهم ويسمع لهم الرب وهم:

- المقتول عمدًا (تك ٤: ١٠).

- صراخ المسكين (خر ٢: 24).

- صراخ التائبين (تك ١٨: 26).

- صراخ الأجراء المظلومين.

إنها تصرخ كدم هابيل طالبةً الانتقام كقول الكتاب "لا تَبِتْ أجرة أجير عندك إلى غد"، "من يمسك أجرة الأجير يُسْفَك دمه".

نلاحظ أن الرسول يلقب الله "رب الجنود" أي رب الصباؤوت أو رب القوات السمائيّة، بمعنى أنه قادر على الدفاع عن المظلومين.

ج. يدفع إلى حياة الترف والتنعم

"قد ترفهتم على الأرض وتنعمتم وربيتم قلوبكم كما في يوم الذبح" ]٥[.

خلق الله العالَم لنستخدمه، لا لكي نلهو فيه وبه عن الخالق، إذ يوبخنا قائلاً: "لما رَعَوْا شبعوا، شبعوا وارتفعت قلوبهم لذلك نسوني" (هو ١٣: ٦)، "أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟" (مت ٦: ٢٥).

إن حياة الانغماس في الترف تحرم الإنسان من ضبط نفسه "أما المتنعمة فقد ماتت وهي حيّة" (١ تي ٥: ٦). بالتنعم يتربى القلب لكي يُذْبَح في يوم الدينونة، لهذا يُحذِّرنا الرب "فاحترزوا لأنفسكم لئلا تَثْقُل قلوبكم في خُمَارٍ وسُكْرٍ وهموم الحياة فيصادفكم ذلك اليوم بغتة" (لو ٢١: ٣٤).

د. يقاوم البر والأبرار

"وحكمتم على البار، قتلتموه، لا يقاومكم" ]٦[.

قصد بالبار ربنا يسوع كما سبق أن قال إستفانوس الشماس في توبيخه لجماعة اليهود "البار الذي أنتم صرتم مُسَلِّميه وصالبيه" (أع ٧: ٥٢). وربما قصد بالبار جماعة المؤمنين الذين قتلهم اليهود وخاصة الأغنياء منهم ورؤساؤهم دون أن يقاوموهم، وذلك مثل إستفانوس ويعقوب بن زبدي. وربما أيضًا كان يتحدث بروح النبوة عن نفسه، إذ قتلوه دون أن يقاومهم مع أنهم كانوا يدعونه بالبار.

2. موقف المؤمنون من الأغنياء الظالمين

"فتأنّوا أيها الإخوة إلى مجيء الرب"

مجيء الرب يبعث في المؤمنين (الإخوة) طول الأناة، إذ يُحوِّل الآلام إلى لذة ومتعة، وتصير موضوع فرح، لأنها تُزَكِّيهم في ذلك اليوم.

يقول الشهيد أغناطيوس الثيؤفورس (حامل الإله): [ليت النار والصليب... ليت جماعات الحيوانات المفترسة... ليت التمزيق والكسر... خلع العظام وبتر الأعضاء... تقطيع الجسد إربًا إربًا... وليت كل عذابات الشيطان تَنْصَبُّ عليّ، لكنني فقط أصلي إلى يسوع المسيح.]

هكذا إذ يتطلع المؤمن إلى يوم الرب يشتهيه، عاملاً ومثابرًا بنعمة الرب كالفلاح الذي يترجى يوم الحصاد.

"هوذا الفلاح ينتظر ثمر الأرض الثمين، متأنيًا عليه حتى ينال المطر المبكر والمتأخر. فتأنوا أنتم، وثبتوا قلوبكم، لأن مجيء الرب قد اقترب" ]7- ٨[.

يحتمل الفلاح الآلام والأتعاب من أجل الحصاد لينال المطر المبكر والمتأخر الذي يُعِيُنه على الإثمار. هكذا إذ ننتظر مجيء الرب حصادنا، يلزمنا أن نحتمل كل شيء، لننال بركات الرب ونعمه علينا التي قدمها ويقدمها لنا في العهد القديم وفي العهد الجديد.

كلما اقترب موعد الزفاف يتعلق قلب العروس بعريسها، مُهيِّئةً نفسها ليوم العرس، مُتزينة بكل هداياه لها. هكذا نتزين نحن بكل هبات الرب - المبكرة والمتأخرة - لنقدِّم عروسًا عفيفة طاهرة بلا عيب ولا دنس ولا غضن. ومن أجل يوم العرس نحتمل الضيق بقلبٍ ثابتٍ بلا تردد وذلك كقول الرسول:

"فتأنوا أنتم وثبِّتوا قلوبكم، لأن مجيء الرب قد اقترب".

وكما كتب البطريرك المتألم البابا أثناسيوس الرسولي إلى شعبه يوضح لهم عذوبة الطريق واتساعه رغم ضيقه وأتعابه قائلاً:

[ومع أن طريق الملكوت ضيق وكَرْب بالنسبة للإنسان، لكنه متى دخل رأى اتساعًا بلا قياس، وموضعًا فوق كل موضع. إذ شهد بذلك أولئك الذين رأوا وعاينوا وتمتعوا بذلك.]

(يقول البشر في الطريق) "جَعَلْتَ ضغطًا على مُتُوننا" - أي (أحزانًا على قوتنا) (مز ٦٦: ١١). لكن عندما يَرْوُون فيما بعد عن أحزانهم يقولون: "أخرجتنا إلى الخصب" (مز ٦٦: ١2)، وإذ يدرك المؤمن عذوبة الطريق يليق به أن يُنَفِّذ وصيّة الرسول:

"لا يئن بعضكم على بعض أيها الإخوة لئلا تُدانوا.  هوذا الديان واقف على الباب" ]٩[.

أنكم كإخوة لا يليق بكم أن تطلبوا الانتقام، فإن هذا عمل الديان.

هوذا الديان واقف على الباب، أي يوم الرب قد اقترب جدًا، فالآن ليس وقت الانتقام والإدانة بل وقت الخلاص وإعانة غير العارفين للحق، وذلك بحبنا لهم، وصلاتنا من أجلهم لأجل إنقاذهم وليس للانتقام منهم.

إنها لحيظة ينبغي علينا فيها أن نختبيء في حب الله ومحبة القريب، فنخلص نحن ويخلص الآخرون معنا أيضًا.

وكما يقول القديس إكليمنضس الروماني:

[كل الأجيال، من آدم إلى يومنا هذا، تموت. ولكن الذين بنعمة الله تكملوا في الحب فلهم موضع بين القديسين، ويظهرون عند ظهور ملكوت السموات. إذ مكتوب: "هلم يا شعبي ادخل مخادعك واغلِقْ أبوابك خلفك. اختبيء نحو لحيظة حتى يعبر الغضب" (إش ٢٦: ٢٠) "وأتذكر يومًا حسنًا فأقيمكم" (حز ٣٧: ١٢)...

فموسى عندما صعد على الجبل وقضي أربعين يومًا وأربعين ليلةً في صوم وتواضع قال له الله: "قم انزل عاجلاً من هنا لأنه قد فسد شعبك... اتركني فأبيدهم وأمحو اسمهم من تحت السماء، وأجعلك شعبًا أعظم وأكثر منهم" (تث ٩: 12-14)، أجابه موسى: "الآن إن غفرت خطيتهم، وإلاَّ فامحني من كتابك الذي كتبت (للحياة)" (خر ٣٢: 32).

يا لعظمة الحب! يا لكماله العجيب! العبد يكلم سيده بصراحة طالبًا العفو لشعبه، أو أن يحذف اسمه هو أيضًا معهم!...

هكذا نحن أيضًا يَلزمنا أن نطلب من أجل كل ساقطٍ في الخطيّة حتى يهب لهم إمعان الفكر والتواضع، فيخضعوا لإرادة الله وليس لنا.]

"خذوا يا إخوتي مثالاً لاحتمال المشقات والأناة الأنبياء الذين تكلموا باسم الرب" ]١٠[.

وكأن الرسول يوبخنا قائلاً: أنتم قد اقتربتم من يوم الرب، فإن كنتم لا تقتدون بالرب يسوع عريسكم، أو حتى برجال العهد الجديد، فلا أقل من تتمثلوا برجال العهد القديم. فالأنبياء رأوا خلال الرموز والظلال والرؤى وروح النبوة، ومع هذا لم يفلت منهم أحد من الآلام والمشقات التي حلت بهم من اليهود، أمَّا نحن فقد رأينا وسمعنا ما لم يره الأنبياء ويسمعوه، أفلا يليق بنا أن نحتمل على الأقل ما احتملوه؟

لقد اقتربت بنا الأيام جدًا وصرنا في الساعة الأخيرة، فيلزم أن يزداد رجاؤنا ونستعد للآلام مُطوِّبين الذين سبقوا فاحتملوا بصبر.

"ها نحن نُطَوِّب الصابرين، قد سمعتم بصبر أيوب، ورأيتم عاقبة الرب، كثير الرحمة ورؤوف" ]١١[.

وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [كان أيوب يرى أن العالم هو مكان يتجرب فيه البشر على الأرض (أي ٧: ١)، فيتزكون في هذا العالم بالأحزان والأتعاب والغم، فينال كل واحد منهم المجازاة التي تتلائم معه، إذ يقول الله على لسان النبي "أنا الرب فاحص القلب مختبر الكلى، لأعطي كل واحد حسب طرقه" (إر ١٧: ١٠).]

ويقول مار إفرام السرياني: [التجارب تساعد العادلين والأبرار، فأيوب رجل التمييز كان منتصرًا في تجاربه. لقد حل به الضعف، ومع ذلك لم يَشْكُ! أحزنه المرض لكنه لم يتذمر! سقط جسده ووهنت قوته أما إرادته فلم تضعف! لقد برهن في آلامه على كماله، لأن التجارب لم تهلكه!]

السابق 1 2 3التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +

 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email

وحلل القديس يوحنا ذهبي الفم آلام أيوب وكيف احتملها بصبر وقد سبق ترجمة تحليله هذا في كتيب عن "رد عن القائلين بأن للشيطان سلطان علينا"، مكتفيًا هنا بذكر مقتطفات منها:

[1. افتقر أكثر من الشحاذين... هؤلاء لهم ثوب ممزق، أما هو فجلس عريانًا، بل كان له ذلك الثوب الذي أمدته الطبيعة به أي الجسد، وحتى هذا الثوب مزقه الشيطان من كل جانب، بل أصابه بالقروح.

هذا القطيع الفقير له على الأقل أن يستظل تحت سقفية في الطرقات ولهم مأوى، أما أيوب فبقى لياليه في العراء ولا سقف له يأويه!...

هؤلاء لهم (شرور) يوبخون بها أنفسهم، وهذه تساهم بتعزية ليست بقليلة في أثناء الكارثة... أما أيوب فنزعت عنه كل تعزية!

هؤلاء فقراء من مولدهم فاعتادوا الفقر، أما هو فاحتمل كارثة لم يقدر عليها!

لقد حُرم من الأرض المجردة بل جلس في مزبلة...

2. آلام الجسد: من بلغ به العجز مثله! من احتمل أمراضًا هكذا؟... الرائحة الكريهة تحيط به من كل جانب بعنف، والجسد يتحطم قليلاً قليلاً وتصيبه العفونة... ولم يكن قادرًا على التمتع بالقوت المُعْطَى له.

3. احتماله موت أولاده: لقد فقد أولاده العشرة. الكل اُِكتُسِحُوا دفعة واحدة والجميع في ريعان شبابهم. والعشرة كانوا فضلاء، ولم يموتوا موتًا طبيعيًا بل موتًا قاسيًا يُرثى له.

4. احتماله سُخرية البشر: وكان أيضًا هروب أصدقائه منه واستهزاؤهم وسخريتهم وتهكمهم وتجريحهم له أمرًا لا يُطاق (أي ١٩: ١). فإن آلام الكارثة لا تعادل تلك التي تنبع من أولئك الذين يوبخوننا أثناء الكارثة...

لقد دعاهم غير رحماء بقوله "أقاربي قد خذلوني والذين عرفوني نزلاء بيتي وإمائي يحسبونني أجنبيًا. صرتُ في أعينهم غريبًا. عبدي دعوتُ فلم يُجِبْ. بفمي تضرعت إليه" (أي ١٩: ١٤-١٦).

5. أهوال الليل: لم يجد راحة بالليل، فإن أهوال الليل المرعبة كانت أقصى من مصائبه بالنهار... "تُرِيعُنِي بالأحلام وتُرْهِبُني بِرُؤى" (أي ٧: ١٤).

ولكن إن قلتَ: إنه أيوب!... (أقول) إنه كان الأجدر بك أن تحتمل أكثر منه... لأن أيوب كان في عهد ما قبل النعمة وقبل الناموس، حيث لم تكن هناك حياة محدودة ولا أُعْطِيَ نعمة الروح العظيم، عندما كان يصعب محاربة الخطيّة، وكانت اللعنة سائدة والموت مرعبًا

٣. عدم القسم

"ولكن قبل كل شيء يا إخوتي لا تحلفوا لا بالسماء ولا بالأرض ولا بقسم آخر، بل لتكن نعمكم نعم، ولاكم لا، لئلا تقعوا تحت دينونة" ]١٢[.

القسم معناه اشهاد الله على عمل معين أو على تعهد معين، أو أنك تقول الصدق. وإذ كل الخليقة من أعلى السماء إلى أسفل الأرض، من عرش الله إلى الشعرة البيضاء أو السوداء جميعُها تحكمها العناية الإلهيّة، فمن يُقْسِمُ بالسماء أو الأرض أو أورشليم أو رؤوسهم يرتبطون بالقسم أمام الله.

لكن قد يسأل أحد: لقد جاء في الشريعة "أوفِ للرب أقسامك" فلماذا منع الرب (مت ٥) ويعقوب الرسول القسم؟

1. رأي القديس يوحنا ذهبي الفم:

يوضح القديس خطورة القسم في:

ا. إن الشيطان يستغله لِنُقْسِمَ أثناء غضبنا، فإذا ما عدنا إلى هدوءنا نَلتزِم بما أقسمنا به في غضبنا، فننجذب إلى الخطيّة قسرًا.

ب. في لحظات اللذة والشهوة يفقد الإنسان اتزانه فَيُقْسِم، كما فعل هيرودس حينما أَقْسَمَ في فترة خنوعه للشر أن يُعطِي لابنة هيروديا ما تطلبه ولو كان نصف المملكة... والْتَزَمَ بقطع رأس يوحنا المعمدان.

ج. من أجل تحقيق هدف سامً يُقْسِمُ الإنسان من غير أن يدرك ما يُقْسِمُ من أجله، كما فعل يفتاح إذ صار قاتلاً لابنته بسبب قسمه (قض ١١).

2. رأي القديس أغسطينوس، أن القسم ليس خطيّة في ذاته، ولكن الرب منعنا من القسم:

ا. لأنه لا يليق أن نقسم بالله من أجل أمورٍ زمنيّة.

ب. أن من يعتاد على القسم فيما هو صِدْقٌ لا يقدر أن يمتنع فيما هو كَذِبٌ.

ج. إن الرسول بولس قد أقسم كما في (٢ كو ١١: ٣١)... وذلك بشروط:

أولاً: أن يكون من أجل خلاص الناس، وليس من أجل ربحٍ زمنيٍ له أو لهم.

ثانيًا: موضوعه الكرازة والبشارة وليس أمرًا زمنيًا.

ثالثًا: أن يُشْهِدَ الله على حق أكيد...

رابعًا: إن هذه الشهادة أو القسم من أجل ضعف السامعين، وليس تأكيدًا لكلامنا.

ومع هذا فإذ يعتاد اللسان على القسم لا يدرك أو يميز بين القسم الحقيقي وغير السليم لهذا يمنعنا الرب منه بتاتا




السابق 1 2 3التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +
 
تفسير رسالة يعقوب اصحاح 5 جـ3 PDF Print Email
٤. موقف المؤمن في كل الظروف

أولاً: في حالة الحزن

"أعَلَىَ أحد بينكم مشقات فليصلِ" ]١٣[.

ربنا يسوع المسيح هو المركز الذي تتجه إليه أنظارنا في كل الظروف والأحوال، سواء الضيق أو الفرح أو المرض أو سقوط أخ وانحرافه، في كل أمورنا نتجه نحو الرب.

ففي الضيق نرفع أنظارنا بالصلاة. وكما يقول الأب نيلس: [الصلاة هي دواء الغم وانقباض النفس.]

المؤمن المتعقل يُحوِّل آلامه إلى لقاءات مع الرب، فقد جاء في سيرة القديس باخوميوس إنه إذ كان يجمع الحطب متى دخلت في قدمه شوكة كان يذكر شوكة الخطيّة ويتأمل آلام الرب، وكثيرًا ما كان يُستغرق في صلاته بدموع ناسيًا إخراج الشوكة من قدمه.

ومن إحسانات الله علينا أن يسمح لنا بالتجارب ولا يستجيب لطلباتنا سريعًا بل يتركنا في الضيق لِنتعلَّم الوجود في حضرته. وكما يقول الأب نيلس: [لا تضطرب وتحزن إذا لم تحصل على طلباتك من الله... الله يريد أن يفيدك أكثر بأن يُعَلِّمك الإلحاح في الصلاة مع الصبر في الوقوف أمامه، لأنه أي شيء أسْمَى من الوقوف أمام الله في حديث معه والدخول في شركته؟]

ثانيًا: في حالة الفرح

"أمسرور أحد فليرتل" ]13[.

يَلزمنا ألاَّ ننشغل بفرحنا عن المسيح بل نستخدمه كفرصة لتسبيح الله وشكره. وقد خصص الكتاب أسفارًا وأصحاحات بأكملها للتسبيح مثل سفر المزامير وتسبحة موسى (خر ١٥) وتسبحة الثلاث فتية. وقد رتبت الكنيسة أن يسبح أولادها بتسابيح مقطتفة من الكتاب المقدس أو بروحه، وذلك في مناسبات متعددة منها قبل صلاة القداس الإلهي، وأثناء توزيع جسد الرب ودمه، وفي أثناء الفرح بأعياد القديسين الذين انطلقوا إلى الفردوس.

وقد نَغََّمَتْ الكنيسة المزامير وكثيرًا من التسابيح بنغمات جميلة وقسمتها إلى مقاطع، فكان المؤمن أينما وُجِد يقول مَقْطعًا فيرد عليه الباقون بالمقطع التالي وهكذا أينما وُجِدْتَ، سواء في الحقول أو البيوت أو المتاجر لا تسمع سوى مزامير وتسابيح روحيّة تُشْعِلُ القلب بمحبة الله والصلاة له بحرارة.

يقول الأب إسحق:

[من له القدرة - مهما بلغت خبرته - أن يعدد الأسباب التي تثير القلب فيلتهب مُشتعِلاً بالنار، وتحثه للصلوات الورعة العظيمة الغيرة؟ لكننا نذكر أمثلة قليلة منها...

أحيانًا التغنِّي بمقطع من المزامير يبعث فينا صلاة حارة.

وأحيانًا انسجام التلحين لصوت أحد الإخوة يثير الأذهان الخاملة إلى ابتهالات كثيرة.

كذلك طريقة النطق والوقار الذي للمرنم (بالتسبيح) يلهب غيرة من معه.]

يقول الأب أوغريس:

[صَلِّ في سلام ونقاء، رتل بفهم ولذة وبذلك ستكون كنسرٍ صغيرٍ يُحَلِّق في أعلى السماء.

ترتيل المزامير يُسَكِّن الشهوات ويكبح نبضات آلام الجسد، والصلاة تدفع العقل لأن يكون حكيمًا وسليمًا في أفعاله...

ترتيل المزامير هو صورة لِتَنَوُّع الحكمة الإلهيّة...

إن لم تكن قد أَخَذْتَ عطيّة الله أو ترتيل المزامير اطْلُب بحرارة وإلحاح فستأخذ.]

ثالثًا: سر مسحة المرضى وسر الاعتراف

"أمريض أحد بينكم فليَدْعُ قسوس الكنيسة، فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب. وصلاة الإيمان تَشْفي المريض والرب يقيمه. وإن كان قد فعل خطيّة تُغْفَر له. اعترفوا بعضكم على بعض بالزلات، وصلوا بعضكم لأجل بعض لكي تُشْفَوْا. طِلْبَة البار تقتدر كثيرًا في فعلها. كان ايليا إنسانًا تحت الآلام مثلنا، وصلى صلاة أن لا تمطر، فلم تمطر على الأرض ثلاث سنين وستة أشهر ثم صلى أيضًا فأعطت السماء مطرًا وأخرجت الأرض ثمرها".. ]15- 18[

الكنيسة كأم تترفق بأولادها ومسئولة أن تُشْبِع لهم احتياجاتهم ليس في ترفُّه أو تنعُّم، ولكن بالقدر الذي به يسلكون في طريق الصليب. لذلك إذا مرض الإنسان "فليَدْعُ قسوس الكنيسة". وقد سَلَّمنا الآباء الصلوات التي يصليها الكهنة من أجل المريض. وقد وُضِعَتْ بإرشاد الروح القدس، وقد سبق التعليق عليها، إنما نذكر هنا عنها:

1. إنها توجه أنظار المؤمن المريض جسديًا إلى خلاص نفسه والاهتمام بالشفاء الروحي. وما أكثر الفصول من الكتاب المقدس والصلوات التي يبتهل بها الكاهن من أجل غفران خطايا المريض ومن معه، وخطايا الكاهن نفسه، وجهالات كل الشعب.

2. تشترط الكنيسة أن يُلازم سِرَّ مسحة المرضى سِرَّ الاعتراف "اعترفوا بعضكم على بعض بالزلات"، وهنا واضح أن الذي يعترف هو المريض للكاهن وليس الكاهن للمريض.

يقول القديس أغسطينوس بأنه [هل عندما يُقال "علموا بعضكم بعضًا" نفهم منها أن التلميذ يعلم المعلم أو واضح أن المعلم هو الذي يعلم التلميذ، وهكذا أيضًا عندما نقول "اشفوا بعضكم بعضًا" واضح أن الطبيب هو الذي يَشْفِي المريض. [

3. "ويدهنوه بزيت باسم الرب"... فالسرّ هنا لا يعتمد على برّ الكاهن وصلاحه بل على "اسم الرب". فالعامل فيه هو الروح القدس. غير أن إيماننا شرط أساسي في السرّ "وصلاة الإيمان تَشْفي المريض والرب يقيمه".

فالكنيسة كعروس الرب تطلب بروح عريسها أن يقيم أولادها، لكنها تقدم مشيئته لا مشيئتنا الذاتية، فقد يكون لخير المريض - رغم مغفرة خطاياه - أن يبقى في المرض لأجل تأديبه أو تزكيته أو بحكمة إلهيّة أخرى كما حدث مع بولس الرسول. لذلك تصلي الكنيسة قائلة:

[يا من أقام ابن الأرملة وابنة الرئيس من الموت لما أمرهما بالقيام وأقام لعازر من بعد موته بأربعة أيام من الجحيم بسلطان لاهوته أقِمْ عبدك هذا من موت الخطيّة، وإن أمرتَ بإقامته إلى زمان آخَر، فامنحه مساعدة ومعونة لكي يُرضيك في كل أيام حياته.

وإن أمَرْتَ بأخذ نفسه فيكون ذلك بيد ملائكة نورانيين يخلصونه من شياطين الظلمة - انْقُلْه إلى فردوس الفرح ليكون مع جميع القديسين بدمك الذي سُفِكَ من أجل خلاصنا الذي به اشتريتنا لأنك أنت رجاؤنا...]

4. يقدّم الرسول لنا مثلاً في الإيمان، وهو كعادته يوبخ المؤمنين بأمثلة من رجال العهد القديم. فالسماء خضعت لإيليا حينما أصدر لها أمرًا لكي تمتنع عن المطر (1مل 17: 1) ومن هو إيليا هذا؟ إنه إنسان تحت الآلام مثلنا، أي تحت الضعف مثلنا!

ونلاحظ أن النبي صلى من أجل السماء لكي تمتنع عن إسقاط المطر، ليس انتقامًا لنفسه، بل تأديبًا للشعب الذي ترك عبادة الله الحي وعبد إله الصيدونيين، فاستجاب الله له، فكم بالأكثر تكون قوة صلاة الكنيسة عروس المسيح في سرّ المسحة من أجل شفاء المريض، روحيًا أولاً ثم جسديًا.

يقول العلامة ترتليان: [اسْتُخْدِمَتْ صلوات العهد القديم من أجل الخلاص من النيران (دا ٣) والوحوش (دا ٦) والمجاعات (يع ٥) مع أنهم لم يكونوا قد استلموا الصلاة من السيد المسيح، فكم بالأكثر تكون فاعليّة الصلاة المسيحيّة قويّة جدًا إذ لا تأتي بالملائكة لكي تُهدِّيء من عمل النار ولا تُبْكِم الأسود ولا تُقدِّم للجائع خبزًا طازجًا (٢ مل ٤: 42-44). إنها ليس لها نعمة نَزْع مشاعر الألم (أي نزع التجارب) بل تَهَب الألم والشعور به والحزن، هذا كله مع الاحتمال. إنها تُغَذِّى الهبة بالفضيلة.]

رابعًا: في حالة انحراف أحد الإخوة

"أيها الإخوة إن ضل أحد بينكم عن الحق فَرَدَّه أحد. فليعلم أن من رَدَّ خاطئًا عن ضلال طريقه، يخلص نفسًا من الموت، ويستر كثرة من الخطايا" ]19- 20[.

ختم الرسول رسالته بهذه العبارة. ومع أنه عالج في الرسالة أمورًا كثيرة تكشف عن ضعفات الذين أرسَلَ إليهم الرسالة، مثل محبة التعليم وحب الظهور وكثرة الكلام والمحاباة للأغنياء في أماكن العبادة والقسم، إلاَّ أنه يختم الرسالة بألا يكفوا عن أفعالهم هذه، إذ سبق أن أرشدهم إلى ذلك، بل أن يبحثوا عن الخروف الضال.

والسبب في هذا أنه بهذا "يخلص نفسًا من الموت" هي نفس الذي ضل، "ويستر كثرة من الخطايا" أي خطايا الباحث عن الضالين. لأنه كما نستر على الضالين بِرَدِّهم إلى طريق الحق، يستر الله أيضًا علينا من جهة خطايانا الكثيرة. ففي تَرَفُّقْنَا بالساقطين يقيمنا الرب معهم ويتراءف علينا.

ويقول القديس بينوفيوس: [وأيضًا مع الرحمة والإيمان تُمْحَى الذنوب إذ "بالرحمة والحق يُسْتَر الإثم" (أم ١٦: ٦)... وذلك كما بواسطة شوقنا نحو خلاص الذين ضلوا وسَعْيِنا وتَعَبِنا بإنذاراتنا ووعظنا.]

ويقول القديس غريغوريوس: [إن كان الذي يخلِّص إنسانًا من الموت الجسدي - مع أنه لم يمت اليوم يموت غدًا - فإنه يستحق مكافأة عظيمة، فأية مكافأة يستحقها من يخلِّص نفسًا من الموت الأبدي، ويُسَبِّب لها مجدًا أبديًا لا تخسره أبدًا!]

ويقول القديس يوحنا الدرجي: [التقرب بنفس واحدة إلى الله بالتوبة أفضل عند الله من جميع القرابين، إذ ليس في العالم عند الله أفضل من النفس الإنسانيّة، لأن كل ما في العالم يزول إلاَّ النفس المذكورة فإنها خالدة.]

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [لِنُوِلْوِلْ عليهم أشدَّ من ولولة النساء النادبات، لأنهم يجهلون خلاصهم، لأن المرأة لا تحب رجلها هكذا كما نحب نحن كافة الناس لنجذبهم للخلاص.]

[إن رأيتَ أعمى يسقط في هوة، أما تمد يدك إليه وتسنده حالاً. فكيف إذن يسوغ لنا أن نرى إخوتنا ساقطين في مثل هذه المخاطر ولا نمد إليهم يد الإغاثة، وهم مشرفون على السقوط في الحفرة الجهنميّة الخالدة؟]

[متى رأيتَ إنسانًا محتاجًا إلى شفاء روحي أو جسدي، لا تقل في نفسك إن هذا من عمل فلان أن ينقذه من شره ويَشفيه. فإنني أنا علماني ولي زوجة وأولاد، وهذا من عمل الكهنة والرهبان. أجبني يا هذا هل لو وجدتَ وعاءً مملوءًا ذهبًا تقول في نفسك لِمَ لا يأخذ هذا الوعاء فلان أو فلان... بل تبادر كالذئب الخاطف وتأخذه قبل أي إنسان. ليكن لك هذا الاشتياق بالنسبة لإخوتك الساقطين، واضعًا في نفسك أنك وجدتَ كنزًا ثمينًا جدًا وهو اعتناؤك بأمر خلاص أخيك. هوذا الله نفسه يقول على فم رسوله إنك إن أنقذتَ إنسانًا من الضلالة تخلص نفسًا من الموت!]

1 هلم الان ايها الاغنياء ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة
2 غناكم قد تهرا و ثيابكم قد اكلها العث
3 ذهبكم و فضتكم قد صدئا و صداهما يكون شهادة عليكم و ياكل لحومكم كنار قد كنزتم في الايام الاخيرة
4 هوذا اجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ و صياح الحصادين قد دخل الى اذني رب الجنود
5 قد ترفهتم على الارض و تنعمتم و ربيتم قلوبكم كما في يوم الذبح
6 حكمتم على البار قتلتموه لا يقاومكم
7 فتانوا ايها الاخوة الى مجيء الرب هوذا الفلاح ينتظر ثمر الارض الثمين متانيا عليه حتى ينال المطر المبكر و المتاخر
8 فتانوا انتم و ثبتوا قلوبكم لان مجيء الرب قد اقترب
9 لا يئن بعضكم على بعض ايها الاخوة لئلا تدانوا هوذا الديان واقف قدام الباب
10 خذوا يا اخوتي مثالا لاحتمال المشقات و الاناة الانبياء الذين تكلموا باسم الرب
11 ها نحن نطوب الصابرين قد سمعتم بصبر ايوب و رايتم عاقبة الرب لان الرب كثير الرحمة و راوف
12 و لكن قبل كل شيء يا اخوتي لا تحلفوا لا بالسماء و لا بالارض و لا بقسم اخر بل لتكن نعمكم نعم و لاكم لا لئلا تقعوا تحت دينونة
13 اعلى احد بينكم مشقات فليصل امسرور احد فليرتل
14 امريض احد بينكم فليدع شيوخ الكنيسة فيصلوا عليه و يدهنوه بزيت باسم الرب
15 و صلاة الايمان تشفي المريض و الرب يقيمه و ان كان قد فعل خطية تغفر له
16 اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات و صلوا بعضكم لاجل بعض لكي تشفوا طلبة البار تقتدر كثيرا في فعلها
17 كان ايليا انسانا تحت الالام مثلنا و صلى صلاة ان لا تمطر فلم تمطر على الارض ثلاث سنين و ستة اشهر
18 ثم صلى ايضا فاعطت السماء مطرا و اخرجت الارض ثمرها
19 ايها الاخوة ان ضل احد بينكم عن الحق فرده احد
20 فليعلم ان من رد خاطئا عن ضلال طريقه يخلص نفسا من الموت و يستر كثرة من الخطايا




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +
 



14 مسرى 1733 ش
20 أغسطس 2017 م

تذكار معجزة القديس ثاؤفيليس 23

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك