تفسير رسالة بولس الرسول الى تيطس اصحاح 3 جـ2 Print

ويعلق القديس أمبروسيوس على هذا القول قائلاً:

]الروح القدس هو الذي يخلصنا من دنس الأمم!

سامية هي هذه النعمة التي تغير غضب الوحوش إلى بساطة الروح.]

[من هو هذا الذي يُولد من الروح ويصير روحًا (روحانيًا) إلا الذي يتجدد بالروح في ذهنه". (أف 4: 23)! هذا هو بالتأكيد ذاك الذي يولد بواسطة الماء والروح حيث ننال رجاء الحياة الأبدية خلال جرن الميلاد الذي للروح القدس.[

ويعلق القديس أغسطينوس قائلاً:

]في المعمودية غُسلت كل الخطايا السابقة. وخلالها يكون عون الروح الذي به يشتهي ضد الجسد فلا ننهزم في حربنا، (الروحية). وخلالها تكون للصلاة الربانية فاعليتها حين نقول "اغفر لنا ذنوبنا". هكذا يُعطى لنا التجديد، ونُعان في صراعنا، وتسكب الصلاة، ويكون قلبنا غير مشوب. وبهذا نكون بلا لوم.[

وقد لاحظ القديس أغسطينوس أن قوله "خلصنا" جاءت في عبارة الرسول عوض "اعتمدنا"، فعلق قائلاً بأنه لا يمكن التمتع بالخلاص خارج المعمودية، إذ كلمة "العماد" وكلمة "الخلاص" متفقتان في الهدف ومتلازمتان فهما في العمل.

يقول أيضًا عن أهمية العماد لخلاص الأطفال: ]إذن من يقدر أن يتجاسر فيثبت أنه بدون التجديد الذي يتكلم عنه الرسول يمكن للأطفال أن ينالوا الخلاص الأبدي كما لو كان المسيح لم يمت من أجله؟ [

غير أننا لا نفهم من قوله " خلصنا " بصيغة الماضي أن الإنسان يقول: "إنني خلصت فعلاً كأننا قد نلنا كل شيء، فتستكين نفوسنا، ظانين استحالة سقوطنا أو انحرافنا. لكن الحقيقة هي أننا سالكون في طريق الخلاص حتى النفس الأخير وإنما بالرجاء خلصنا.

يقول القديس أغسطينوس: ]من الواضح أننا نحصل في غسل التجديد لا على الخلاص ذاته بل الرجاء فيه " وذلك إلى أن نعبر الأبدية فيتم الخلاص. [

ولما كان هذا الرجاء أكيدًا نقول: "نحن خلصنا" كما لو كان الخلاص قد مُنح فعلاً.

ففي موضع آخر يقول: "نحن أنفسنا أيضًا نئن في أنفسنا متوقعين التبني فداء أجسادنا، نحن بالرجاء خلصنا ولكن الرجاء المنظور ليس رجاءً ، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضًا؟ ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر" (رو 8: 23-25). إنه لم يقل "نحن نخلص" بل قال "خلصنا" أي بالرجاء، مع إنه لم يتم فعلاً حتى الآن.

وبنفس الطريقة فإنه بالرجاء - وليس تم فعلاً - إذ نحن إلى الآن لا نعرف إنسانًا حسب الجسد قد خلص تمامًا، إنما رجاؤنا هو في المسيح، إذ فيه نترجى أن ما قد وعدنا به قد تحقق فعلاً ( تحقق فيه فصار متحققًا لنا).

ويقول القديس ذاته أيضًا: ]لكن إن سأل أحد عما إذا كان بنفس الغسل قد أُنقذنا فعلاً بالتمام في كل طريق، فإنني أجيب أنه ليس كذلك إذ يقول الرسول: "بالرجاء خلصنا"… فيحدث خلاص الإنسان في المعمودية إذ يخلص من أي خطية قد حلت به من والديه وأيضًا كل ما أخطأ به قبل عماده، لكن خلاصه سيكون فيما بعد حينما يأتي الوقت الذي فيه لن يخطئ قط تمامًا (في الأبدية). [

موقف الإنسان من عمل النعمة

خشي الرسول أن يُفهم من خلال حديثه عن لطف الله وإحسانه ونعمته لخلاصنا أنه يمحو كل جهاد أو عمل من جانبنا في طريق خلاصنا، لذلك أكمل القول هكذا:

"أريد أن تقرر هذه الأمور لكي يهتم الذين أمنوا بالله أن يمارسوا أعمالاً حسنة، فإن هذه الأمور هي الحسنة والنافعة للناس". [8]

وكأنه يكتب قائلاً إنني إذ أقرر هذا لا أثبط هممكم في الجهاد وممارسة الأعمال الحسنة، فإن هذا يناقض غايتي، بل بالأحرى أدفعكم إلى المثابرة والجهاد في كل عملٍ صالحٍ، عالمين أننا لسنا نعمل بقوتنا البشرية الواهنة بل مستندين على النعمة القوية القادرة.

إن تركيزه على النعمة غايته تشجيع المؤمن لا على التواكل والتراخي بل على العمل والجهاد بثقة في الذي يعمل فيهم وبهم، وفي نفس الوقت يحطم كل كبرياء يمكن أن يتسلل في قلب المؤمن بسبب ما يصنعه أو يصل إليه من حياة تقوية فاضلة.

3. تجنب المقاومين

بعدما أرشدنا الرسول إلى الخضوع والطاعة للرئاسات ومحبة كل البشر مفتدين الوقت في كل عمل صالح، خشي لئلا يضربنا عدو الخير بالانهماك وإضاعة الطاقات في المناقشات الغبية مع المقاومين والمبتدعين، ذلك تحت دافع الدفاع عن الحق فقال:

"وأما المباحثات الغبية والأنساب والخصومات والمنازعات الناموسية فاجتبها، لأنها غير نافعة وباطلة، الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالمًا أن مثل هذا قد انحرف، وهو يخطئ محكومًا عليه من نفسه11". [9-11]

قبلاً كان يحدث كل المؤمنين بجميع فئاتهم عن شهادتهم العملية وكرازتهم خلال سلوكهم وحياتهم اليومية وخضوعهم وطاعتهم للسلطات وحبهم لجميع الناس، والآن يوقف كل مضيعة للوقت إذ يمنع:

1. المباحثات الغبية: أي المناقشات التي لا تقوم على أساس التعرّف بالحق أو تذوقه، بل لمجرد التعصب وإبراز القدرة على الكلام والإقناع. يُصاب الكثير من الخدام بهذه الضربة، فما أن يلتقي الراعي أو الخادم بإنسان حتى تتفتح أبواب كثيرة للمناقشات والأحاديث البعيدة عن التوبة والخالية من التمتع بالشركة بالله وتتسم رائحة المسيح في سير القديسين أو خلال الطقوس الحية.

2. الأنساب: إذ كان اليهود يعتمدون على أنهم أبناء إبراهيم، الأمر الذي جر بعض المعلمين إلى إضاعة الوقت مع اليهود المقاومين في إطالة المناقشات بخصوص اتتساب البشرية لإبراهيم أو غيره من الآباء. وقد أبكم الرب اليهود بكلمات قليلة مختصرة.

3. الخصومات: يقول الذهبي الفم: ]أما الخصومات فيعني بها المناقشات مع الهراطقة. يود الرسول ألا نتعب فيها بغير جدوى، دون أن نجني منها شيئًا، لأنها تنتهي إلى لا شيء. لأنه إن صمم إنسان جاحد على عدم تغيير رأيه مهما حدث، فلماذا تتعب نفسك وتزرع على الصخر، مع أنه كان يليق بك أن توجه عملك العظيم إلى شعبك متحدثًا معهم عن الفضائل؟[

فإذا يتصلف الإنسان في عناده يليق بنا ألا نجادله بعد بل نعرض عنه.

إذن يجدر بالرعاة كما يقول القديس أمبروسيوس: ]أن يكونوا هكذا كمرشدين للسفن حكماء. فيفردون شراعات إيمانهم حيث يسير في أكثر الأماكن أمانًا، حاسبين تكاليف "رحلة الكتب المقدسة" فلا ننطق بكلمة إلا للبنيان. وباختصار يليق بالراعي أن ينخلع عن المباحثات الغبية والأنساب والخصومات وكل ما هو ليس للبنيان إذ يدعوها الرسول أنها أمور غير نافعة، من ينشغل بها يصير غبيًا.]

4. وصايا ختامية

في ختام الرسالة أرسل إليه عن بعض الأمور الخاصة قائلاً:

أ. "حينما أرسل إليك ارتيماس أو تيخيكس، بادر أن تأتي إليّ إلى نيكوبوليس لأني عزمت أُشتي هناك". [12]

إنه يرسل إليه ارتيماس أو تيخيكس اللذين هما أعزاء لديه، وذلك بعد خروجه من السجن، وقد طلب منه أن يأتيه إلى نيكوبوليس، لا ليرافقه في الأسفار والرحلات، وإنما كما يقول ذهبي الفم: ]لكي يشجعه ويرشده ويزوده للخدمة[.

أما "ارتيماس" فهو اختصار للاسم اليوناني "أرتيمادورس" أي "عطية الآلهة أرطاميس". وهو أحد رفقاء الرسول في الفترة الأخيرة من حياته.

و "تيخيكس" وهو اسم يوناني معناه "محصن"، كثيرًا ما كان يرافق الرسول بولس في رحلاته (أع 20: 4)، وقد شهد له أنه الأخ الحبيب والخادم الآمين (راجع كو 4: 7، 9). وأرسله حاملاً الرسائل إلى أفسس وكولوسي (أف 6: 21)، (كو 4: 7). يقترح هنا إرساله إلى تيطس في كريت ليخبرهم عن أحوال الخدمة ويعزي قلوبهم بما عمله الرب على يدّ الأسير بولس. كما أرسله الرسول إلى أفسس (2 تي 4: 12).

2. "جهز زيناس الناموسي وأبلوس باجتهاد للسفر، حتى لا يعوزهما شيء. ويتعلم من لنا أيضًا أن يمارسوا أعمالاً حسنة للحاجات الضرورية حتى لا يكونوا بلا ثمر". [13-14]

لعله دعاه بالناموسي لأن زيناس كما يقول القديس الذهبي الفم: ]كان متضلعًا في الناموس الموسوي. [

و"زيناس" اختصار للاسم اليوناني "زيندورس" أي "عطية الآلهة زفس"، كان من رجال القانون، جال في جزيرة كريت مع "أبلوس" للكرازة والخدمة يعاونان الأسقف "تيطس".

أما "أبلوس" السكندري الفصيح فسيجيء الحديث عنه في رسالة "الرسول بولس" الأولى إلى أهل "كورنثوس" إن شاء الرب وعشنا.

وقد طلب الرسول منه أن يعطيهما احتياجاتهما ليكون قدوة أمام المعلمين والرعية في كريت، فلا يكونوا طماعين بل أسخياء في العطاء، خاصة في احتياجات الخدمة. وقيمة هذا العمل إنه ثمر للحياة المسيحية الحقيقية والإيمان الحي العامل، فيشتمه الله تقدمه مقدسة.

3. وأخيرًا يختم الرسالة كعادته مقدمًا سلام مَن معه، طالبًا السلام على جميع المؤمنين، قائلاً: "يسلم عليك الذين معي جميعًا، سلم على الذين يحبوننا في الإيمان".

ثم يصلي من أجلهم طالبًا "النعمة مع جميعكم، آمين" [15]، وهذه زبدة كل الطلبات أن ترافقنا نعمة الله على الدوام. آمين.

1 ذكرهم ان يخضعوا للرياسات و السلاطين و يطيعوا و يكونوا مستعدين لكل عمل صالح
2 و لا يطعنوا في احد و يكونوا غير مخاصمين حلماء مظهرين كل وداعة لجميع الناس
3 لاننا كنا نحن ايضا قبلا اغبياء غير طائعين ضالين مستعبدين لشهوات و لذات مختلفة عائشين في الخبث و الحسد ممقوتين مبغضين بعضنا بعضا
4 و لكن حين ظهر لطف مخلصنا الله و احسانه
5 لا باعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني و تجديد الروح القدس
6 الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا
7 حتى اذا تبررنا بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الابدية
8 صادقة هي الكلمة و اريد ان تقرر هذه الامور لكي يهتم الذين امنوا بالله ان يمارسوا اعمالا حسنة فان هذه الامور هي الحسنة و النافعة للناس
9 و اما المباحثات الغبية و الانساب و الخصومات و المنازعات الناموسية فاجتنبها لانها غير نافعة و باطلة
10 الرجل المبتدع بعد الانذار مرة و مرتين اعرض عنه
11 عالما ان مثل هذا قد انحرف و هو يخطئ محكوما عليه من نفسه
12 حينما ارسل اليك ارتيماس او تيخيكس بادر ان تاتي الي الى نيكوبوليس لاني عزمت ان اشتي هناك
13 جهز زيناس الناموسي و ابلوس باجتهاد للسفر حتى لا يعوزهما شيء
14 و ليتعلم من لنا ايضا ان يمارسوا اعمالا حسنة للحاجات الضرورية حتى لا يكونوا بلا ثمر
15 يسلم عليك الذين معي جميعا سلم على الذين يحبوننا في الايمان النعمة مع جميعكم امين




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى تيطس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى تيطس +