تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 12 جـ2 Print

5. مساندة الآخرين

أحد العناصر الهامة في الجهاد الروحي هو مساندة الأعضاء بعضها لبعض، فالحياة مع الله وإن كانت تمثل علاقة شخصية خفية بين الله والمؤمن لكن ليس في فردية منعزلة، إنما هي حياة شركة بين الله وكنيسته الواحدة. كل عضو يسند أخاه في الرب، لكي يتشدد الكل معًا كعروسٍ واحدة. يقول الرسول: "لِذَلِكَ قَّوِمُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ" [١٢]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [ليس شيء يجعل البشر ينهزمون سريعًا في التجارب وينهارون مثل العزلة. اخبرني، بعثر فرقة في حرب، فإن العدو لا يقلق في سبيهم وأسرهم كفرادى.]

الآخرون بالنسبة لك كما يشبههم الرسول هم الأيدي والركب، فإنك لا تستطيع أن تقاوم العدو الشرير إبليس إن كان الأيدي مسترخية والركب مخلعة، فكل مساندة من جانبك لأخيك إنما هي مساندة لك أنت شخصيًا لأنه يمثل يديك وركبك! لهذا لا عجب إن ضعف الرسول بولس مع كل ضعيف، والتهب قلبه محترقًا مع عثرة كل إنسان، ويفرح ويتهلل مع توبة الغير!

تقويم الأيادي المسترخية والركب المخلعة لا يكون بمساندة الآخرين بالكلمات النظرية وإنما بالحياة العملية الداخلية والسلوك الروحي الحيّ، إذ يكمل الرسول قائلاً: "اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ. مُلاَحِظِينَ لِئَلاَّ يَخِيبَ أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ. لِئَلاَّ يَطْلُعَ أَصْلُ مَرَارَةٍ وَيَصْنَعَ انْزِعَاجًا، فَيَتَنَجَّسَ بِهِ كَثِيرُونَ" [١٤-١٥]. هنا يركز الرسول على سمتين هامتين في الجهاد، تسندان النفس وتعينا الآخرين، هما إتباع السلام مع الجميع والتمتع بالحياة المقدسة. فمن جهة إتباع السلام، فالمؤمن إذ يدرك مركزه كعضوِ في الجسد المقدس بل وفي البشرية كلها يعمل بروحٍ متناسقٍ مع الجميع خلال الرأس المدبر، يحتمل ضعف الآخرين من أجل بنيان الجماعة وسلامه الداخلي ولدفع الضعيف بالحب نحو التوبة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [احتمال الشر هو أعظم سلاح في التجارب. به يجعل المسيح تلاميذه أقوياء، إذ يقول: "هذا أنا أرسلكم كغنم وسط ذئاب، فكونوا حكماء كالحيات، وبسطاء كالحمام" (مت ١٠: ١٦)... فإنه ليس من شيء يُخجل من يصنع معنا شرًا مثل احتمالنا ما يجلبه علينا بلطف وعدم النقمة بكلمةٍ أو فعلٍ. هذا يجعل منا فلاسفة (حكماء)، ويجلب لنا مكافأة عظيمة، وفي نفس الوقت ينفع من صنع معنا شرًا.] أما من جهة الحياة المقدسة، فهي ترتبط بإتباع السلام وتلازمه. الحب الحقيقي الذي يعمل فينا لإتباع السلام هو بعينه يعمل فينا للتقديس بالرب يسوع القدوس. من يحب إخوته بصدقٍ في المسيح يسوع مشتهيًا خلاصه، لا يمكن أن يقبل الحياة الشريرة، بل يحب القداسة ويتفاعل معها. حبنا لإخوتنا أيضًا يفتح أبواب النعمة أمامنا لننهل منها شركة الحياة المقدسة في الرب.

ما هو إتباع السلام إلاَّ دخول في شركة عملية مع السيد المسيح محب البشر وملك السلام! هذه الشركة هي بعينها الحياة المقدسة. يقول القديس چيروم: [المسيح هو القداسة التي بدونها لا يقدر أحد أن يعاين وجه الله. المسيح هو خلاصنا، إذ هو المخلص والفدية في نفس الوقت. المسيح هو كل شيء بالنسبة لنا، فمن يترك شيئًا من أجله يجده مقابل ما قد تركه، فيستطيع في حرية أن يقول "نصيبي هو الرب" (مز ١٢٣: ٦).]

أما علة السقوط في الحياة الروحية والعجز عن الجهاد فهو الاستباحة والاستهتار، فيكون مصير الإنسان هو مصير عيسو الذي طلب أن يرث البركة بدموع، لكن لم تجد التوبة لها مكانًا في قلبه الذي تدرب على الاستباحة، فقد تبلدت حواسه ولم يجد للندامة موضعًا فيه، يقول الرسول: "لِئَلاَّ يَكُونَ أَحَدٌ زَانِيًا أَوْ مُسْتَبِيحًا كَعِيسُو، الَّذِي لأَجْلِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَ بَكُورِيَّتَهُ. فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرِثَ الْبَرَكَةَ رُفِضَ، إِذْ لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَانًا، مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ" [١٦-١٧]. كما أن كل حب يوّلد حبًا وكل جهاد روحي يلهب القلب إلى جهاد أعظم في الرب، فإنه كل استباحة تود استباحة، وكل تهاون يخلق تهاونًا... حتى تفسد حياة المؤمن تمامًا وتفتر أحاسيسه الداخلية، ويشتهي الحياة المقدسة السابقة، لكن في تراخِ بلا توبة صادقة. هذه الخبرة حدثنا عنها الآباء فحذرونا من الثعالب الصغيرة والخطايا التي تبدو تافهة، فإن عدو الخير لا يحارب الإنسان المؤمن بخطايا واضحة إلاَّ بعد أن يتسلل إلى قلبه خلال التهاون في الصغائر، حتى متى أفسد القلب الداخلي يهاجمه بكل أنواع الخطايا، فيسقط فيما كان يظن أنه يستحيل ارتكابه. فداود النبي العظيم صاحب القلب النقي والمرتل لله على الدوام استهان قليلاً، فخرج على السطح عوض أن يشترك مع جيشه في الحرب بالصلاة والتذلل؛ هذا التهاون البسيط فتح المجال للنظر إلى امرأة أخيه في الرب وقائد جيشه، وهكذا انخرط من ضعفٍ إلى ضعف حتى سقط تمامًا في فخ إبليس... لكن الرب لم يتركه!

كما يتسلل العدو إلى قلبك خلال الصغائر، اسحب قلبك إلى الجهاد الروحي خلال الصغائر... فمن التداريب الجميلة الروحية حينما يشعر المؤمن بالتراخي أنه يقول في نفسه لأجاهد اليوم وأستريح غدًا، وإذ يقضي يومه يلتهب قلبه بالأكثر نحو الله، فيعود يكرر نفس القول وهكذا يسحب قلبه إلى الحياة السماوية العالية خلال جهاد بسيط في اللحظة الحاضرة، ولا يضع أمام نفسه خططًا لفترة طويلة، كما لا يؤجل للغد عمل الرب.

6. الناموس القديم والملكوت الجديد

إذ أراد الرسول تأكيد فاعلية وصية العهد الجديد وبركات الملكوت الجديد قارن بين طريق استلام الناموس في العهد القديم على يديّ موسى النبي على جبل سيناء وتقبل الكلمة الإلهي ذاته في العهد الجديد.

أولاً:
عندما تسلم موسى الناموس اضطرم الجبل الملموس بالنار بطريقة مادية واضحة وظلام وحدثت زوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات، الأمر الذي جعل الشعب يستعفي من السماع لله مباشرة، ولم يكن ممكنًا حتى للحيوانات أن تقترب من الجبل وإلا رُجمت أو رُميت بالسهام دون أن يلمسها أحد! هكذا كانت العلاقة بين الله والإنسان مرعبة وغامضة، أما في العهد الجديد فلا نرى شيئًا من هذا إذ التحم كلمة الله بنا خلال تجسده فلم يعد هناك رعب ولا غموض.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [لم يُعط العهد الجديد ومعه هذه الأمور (النار والضباب والعاصف وأصوات البوق) وإنما قُدم إلينا حديثًا بسيطًا من قبل الله... كانت هذه الأمور مرعبة حتى لم يحتملوا سماعها، ولا تتجاسر حتى أية بهيمة أن تصعد؛ أما ما جاء بعد ذلك فلم يكن هكذا، لأنه ماذا تكون سيناء بالنسبة للسماء؟ والنار الملموسة بالنسبة لله الذي لا يُقترب إليه، إذ هو نار آكلة؟]

هذه الأمور التي ظهرت مع استلام الناموس تكشف عن سماته؛ فالنار تشير إلى عقاب العصاة الرهيب، والضباب والظلام علامة الغموض وعدم الكشف عن الحق في كماله وإنما خلال الظل والرمز. وأصوات الأبواق تشير إلى طبيعته كإعداد لمجيء الملك السماوي كما في اليوم الأخير (١ كو ١٥: ٥٢). ويشير العاصف إلى الشعب المستكين المحتاج إلى عاصف ليوقظه من سباته الروحي وتراخيه.

في دراستنا لسفر الخروج تحدثنا في أكثر من تفصيل عن رموز هذه الأمور الروحية لحالة النفس الداخلية حين تتقبل كلمة الله فيها. تصير كالجبل الراسخ الملتهب بالنار الإلهية المتقدة، تحيط بها الأسرار الإلهية كضباب، ويُسمع فيها أصوات البوق معلنة الحق بحياتها الداخلية وسلوكها الَظاهر، تهب فيها عواصف الروح التي تحطم كل شرٍ تسلل إليها؛ هذا وكل بهيمة، أي كل فكر حيواني يقترب إليها يُرجم بحجارة الحق ويُضرب بسهم الصليب فلا يكون له موضع في داخلها.

ثانيًا: لم تقف حالة الرعب عند الشعب وإنما مست موسى النبي نفسه، إذ "قَالَ مُوسَى: أَنَا مُرْتَعِبٌ وَمُرْتَعِدٌ!" [٢١]. أما الآن فالكلمة قريبة منا، في داخل القلب، إذ دخل "الكلمة الإلهي" في حياتنا، وصار له مسكنًا فينا.

ثالثًا: عند استلام الشريعة الموسوية كان الشعب في البرية عند سفح الجبل، وكأن الناموس قد عجز عن أن يقدم للشعب الحياة السماوية المرتفعة، ويدخل بهم إلى أورشليم العليا، أرض الموعد. أما في العهد الجديد، فدخل بنا كلمة الله إلى السماوات عينها، وجعل منا محفل ملائكة: "بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ: أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ، وَكَنِيسَةِ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ" [٢٢-24].

يرى العلامة أوريجينوس في السماء التي ننعم بها أربع رتب هي: جبل صهيون، مدينة الله أورشليم السمائية، ربوات هم محفل ملائكة، كنيسة أبكار مكتوبين في السماوات. أعلى هذه الدرجات هي العضوية في كنيسة الأبكار حيث ينعمون بالشركة مع المسيح البكر. إذ يقول: [اجتهد بكل قوتك أن تنمو وتتقدم في أعمالك وحياتك وعاداتك وإيمانك وطريقة تصرفاتك حتى تبلغ كنيسة الأبكار المكتوبين في السماوات، فإن لم تستطع فلتبلغ إلى درجة أقل... وإن كنت لا تقدر أن تقترب من الربوات الذين هم محفل ملائكة وتصعد إلى هذه الدرجة فعلى الأقل تبلغ مدينة الله الحيّ أورشليم السماوية، وإن كنت غير قادر على بلوغ هذه فحاول على الأقل أن تتجه نحو جبل صهيون لكي تخلص على الجبل (تك ١٩: ١٧). يكفي أنك لا تبقى على الأرض ولا تسكن الوديان ولا تبطئ في المناطق المطمورة.]

على أي الأحوال في العهد الجديد دخلنا إلى ملكوت الله المجيد، حيث يرتفع بنا إلى جبل صهيون الحق، وننعم بأورشليم العليا ونُحسب محفل ملائكة وأبكار للرب. وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [من لا يرغب في التمتع بالصحبة العلوية مع هؤلاء! من لا يرغب في تسجيل اسمه معهم، لكي يسمع معهم: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم" (مت ٢٥: ٣٤).]

ويلاحظ أن الملكوت الذي بلغناه في المسيح يسوع يقدم لنا ثمانية أمور: جبل صهيون، مدينة الله، محفل ملائكة، كنيسة أبكار، الله ديان الجميع، أرواح أبرار مكملين، وسيط العهد الجديد يسوع، دم رش يتكلم أفضل من هابيل. نحن نعلم أن رقم ٨ يشير إلى ما وراء الزمن (٧ أيام الأسبوع)، أو إلى الحياة الانقضائية الأخروية، فالملكوت الجديد هو ملكوت سماوي يرفع الإنسان إلى الحياة الفائقة السماوية.

ركز كثير من الآباء على "كنيسة أبكار مكتوبين في السماوات"، إذ صرنا في المسيح يسوع البكر أبكارًا. بكورية السيد المسيح ليست كالبكورية الجسدية، صاحبها يحرم الآخرين من التمتع بها، إنما بالعكس تهب الآخرين شركة فيها. هذه البكورية التي صارت لنا ليست جسدية، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [الذين اعتبروا أبكارًا أمام الله ليس هم الأبكار حسب الميلاد الجسدي، إنما اختارهم الله بسبب حسب استعدادهم. هذا ما حدَث بالنسبة ليعقوب الرجل الثاني إذ حسبه الله بكرًا ونال بركة البكورية (تك ٢٧: ١١). بفضل إصابة أبيه بالعمى بسماح إلهي، وذلك لحسب استعداد قلبه الذي رآه الله فيه، إذ قيل: "وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرًا أو شرًا... مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو" (رو ٩: ١١، ١٢؛ ملا ١: ٢، ٣). هكذا لم يكن اللاويون أبكارًا حسب الجسد لكنهم ثبتوا كأبكار.]

مرة أخرى إذ أدرك الرسول كيف تمررت نفوس المسيحيين الذين هم من أصل عبراني لأنهم حُرموا من جبل صهيون ومدينة أورشليم والناموس المُسلَم بيد ملائكة، لهذا كشف لهم عن الملكوت الجديد الذي صار فيهم، بكونه مشبعًا لاحتياجاتهم ويعوضهم بأكثر مما فقدوا، فقد دعاه:

أ. جبل صهيون، فإن كانوا قد صاروا مضطهدين يُحرمون من السكنى في جبل صهيون الذي اعتز به اليهود، فإن رب المجد يرتفع بهم إلى جبل صهيون الحقيقي الداخلي، يرفع النفس إلى الجبل العالي لتنعم بالحياة السماوية.

ب. مدينة الله الحيّ أورشليم السماوية، عوض أورشليم الأرضية حيث الهيكل الذي يعتز به اليهود صارت النفس عينها مدينة الله، أورشليم الجديدة، لا يُقام فيها هيكل الله بل هي بعينها الهيكل المقدس، كقول الرسول بطرس: "الذي إذ تأتون إليه حجرًا حيًا مرفوضًا من الناس، ولكن مختار من الله كريم، كونوا أنتم أيضًا مبنيين كحجارة حية بيتًا روحيًا كهنوتًا مقدسًا لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (١ بط ٢ : ٤، ٥).

ج. ربوات هم محفل ملائكة، إن كان اليهود قد فقدوا حرفية الناموس الذي سلم بيد ملائكة، فقد صاروا هم أنفسهم محفل ملائكة! وكما يقول القديس إكليمنضس السكندري إن المؤمنين الحقيقيين أصحاب المعرفة الروحية (الغنوسيين) ليس فقط يكونون في صحبة الملائكة، بل يصيرون هم أنفسهم كالملائكة. هذا أيضًا ما تحدث عنه كثير من الآباء بشيء من الإفاضة مثل العلامة أوريجينوس القديس يوحنا الذهبي الفم.

د. كنيسة أبكار، كان لليهود أبكارهم الروحيين أي سبط لاوي، يتقبلهم الله عن كل الجماعة المقدسة عوض الأبكار حسب الجسد. والآن صاروا كنيسة أبكار، خلال إتحادهم مع الابن البكر الحقيقي.

هـ. الله ديان الجميع، كان اليهود في حرفيتهم يتطلعون إلى الله كإله اليهود وحدهم، أما وقد قبلوا الإيمان بمخلص العالم فقد أدركوا الله كديان البشرية كلها.

و. إلى أرواح أبرار مكملين، صار لهم في المسيح أن يتبرروا ويصيروا كاملين في عيني الآب.

ز. وسيط العهد الجديد يسوع، إن كان رجال العهد القديم يطلبون المسيا وينتظرونه، فإن رجال العهد الجديد تمتعوا به، هذا الذي وهبهم "العهد الجديد" يدخل بهم إلى ملكوته السماوي.

ح. إلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل، هكذا يختم حديثه عن بركات العهد الجديد بمقارنته مع العهد القديم بالدم المرشوش في القلب، الذي يصرخ فينا شاهدًا للحق ومقدسًا إيانا... لا يمكن للزمن أن يخفته!

بعد المقارنة بين العهدين دخل إلى جانب عملي، وهو التزامنا لا بالافتخار بما نلناه، وإنما بالتجاوب معه عمليًا: "اُنْظُرُوا أَنْ لاَ تَسْتَعْفُوا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أُولَئِكَ لَمْ يَنْجُوا إِذِ اسْتَعْفَوْا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الأَرْضِ، فَبِالأَوْلَى جِدًّا لاَ نَنْجُو نَحْنُ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ، الَّذِي صَوْتُهُ زَعْزَعَ الأَرْضَ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ وَعَدَ قَائِلاً: إِنِّي مَرَّةً أَيْضًا أُزَلْزِلُ لاَ الأَرْضَ فَقَطْ بَلِ السَّمَاءَ أَيْضًا. فَقَوْلُهُ مَرَّةً أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى تَغْيِيرِ الأَشْيَاءِ الْمُتَزَعْزِعَةِ كَمَصْنُوعَةٍ، لِكَيْ تَبْقَى الَّتِي لاَ تَتَزَعْزَعُ. لِذَلِكَ وَنَحْنُ قَابِلُونَ مَلَكُوتًا لاَ يَتَزَعْزَعُ، لِيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ بِهِ نَخْدِمُ اللهَ خِدْمَةً مَرْضِيَّةً، بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى. لأَنَّ إِلَهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ" [٢٥-٢٩].

بمقدار ما تزداد العطية وتعظم تزداد المسئولية أيضًا. فإن كان الذين استهانوا بالناموس الذي عند تسلمه تزعزعت الأرض (إذ حدثت نار وأصوات رعود وزلزلة) لم ينجوا، فكيف ينجو من يستهين بالكلمة الإلهي السماوي، الذي قال أنه يزلزل الأرض والسماء أيضًا؟ في العهد القديم كانت الأرض تتزلزل إذ كان الناموس يمس الجسد الترابي، لكن العهد الجديد يمس الأرض والسماء، أي الجسد والروح معًا؛ لذا فعقوبة كاسر الناموس كانت بالأكثر تمس حياتنا الأرضية، لكن كاسر الوصية ومحتقر العهد الجديد فيسقط تحت العقوبة هنا على الأرض وفي الحياة الأخرى. من ناحية أخرى إن كنا قد قبلنا ملكوتًا لا يتزعزع يهب الجسد والنفس خلودًا، فلنشكر الرب ونخدمه بخشوعٍ وتقوى، مدركين أن إلهنا نار آكلة، قادر أن يلهب الجسد والنفس معًا بالروح الناري، فنصير بحق خدام الله الناريين! وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [لأنه يليق بخادم الرب أن يكون يقظًا وحريصًا، نعم بل وكلهيب نار، حتى أنه إذ بالروح الملتهب يبدد كل خطية جسدانية يقدر أن يقترب إلى الله الذي يُدعى نارًا آكلة كما يعبِّر القديسون.]

1 لذلك نحن ايضا اذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا لنطرح كل ثقل و الخطية المحيطة بنا بسهولة و لنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع امامنا
2 ناظرين الى رئيس الايمان و مكمله يسوع الذي من اجل السرور الموضوع امامه احتمل الصليب مستهينا بالخزي فجلس في يمين عرش الله
3 فتفكروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه لئلا تكلوا و تخوروا في نفوسكم
4 لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية
5 و قد نسيتم الوعظ الذي يخاطبكم كبنين يا ابني لا تحتقر تاديب الرب و لا تخر اذا وبخك
6 لان الذي يحبه الرب يؤدبه و يجلد كل ابن يقبله
7 ان كنتم تحتملون التاديب يعاملكم الله كالبنين فاي ابن لا يؤدبه ابوه
8 و لكن ان كنتم بلا تاديب قد صار الجميع شركاء فيه فانتم نغول لا بنون
9 ثم قد كان لنا اباء اجسادنا مؤدبين و كنا نهابهم افلا نخضع بالاولى جدا لابي الارواح فنحيا
10 لان اولئك ادبونا اياما قليلة حسب استحسانهم و اما هذا فلاجل المنفعة لكي نشترك في قداسته
11 و لكن كل تاديب في الحاضر لا يرى انه للفرح بل للحزن و اما اخيرا فيعطي الذين يتدربون به ثمر بر للسلام
12 لذلك قوموا الايادي المسترخية و الركب المخلعة
13 و اصنعوا لارجلكم مسالك مستقيمة لكي لا يعتسف الاعرج بل بالحري يشفى
14 اتبعوا السلام مع الجميع و القداسة التي بدونها لن يرى احد الرب
15 ملاحظين لئلا يخيب احد من نعمة الله لئلا يطلع اصل مرارة و يصنع انزعاجا فيتنجس به كثيرون
16 لئلا يكون احد زانيا او مستبيحا كعيسو الذي لاجل اكلة واحدة باع بكوريته
17 فانكم تعلمون انه ايضا بعد ذلك لما اراد ان يرث البركة رفض اذ لم يجد للتوبة مكانا مع انه طلبها بدموع
18 لانكم لم تاتوا الى جبل ملموس مضطرم بالنار و الى ضباب و ظلام و زوبعة
19 و هتاف بوق و صوت كلمات استعفى الذين سمعوه من ان تزاد لهم كلمة
20 لانهم لم يحتملوا ما امر به و ان مست الجبل بهيمة ترجم او ترمى بسهم
21 و كان المنظر هكذا مخيفا حتى قال موسى انا مرتعب و مرتعد
22 بل قد اتيتم الى جبل صهيون و الى مدينة الله الحي اورشليم السماوية و الى ربوات هم محفل ملائكة
23 و كنيسة ابكار مكتوبين في السماوات و الى الله ديان الجميع و الى ارواح ابرار مكملين
24 و الى وسيط العهد الجديد يسوع و الى دم رش يتكلم افضل من هابيل
25 انظروا ان لا تستعفوا من المتكلم لانه ان كان اولئك لم ينجوا اذ استعفوا من المتكلم على الارض فبالاولى جدا لا ننجو نحن المرتدين عن الذي من السماء
26 الذي صوته زعزع الارض حينئذ و اما الان فقد وعد قائلا اني مرة ايضا ازلزل لا الارض فقط بل السماء ايضا
27 فقوله مرة ايضا يدل على تغيير الاشياء المتزعزعة كمصنوعة لكي تبقى التي لا تتزعزع
28 لذلك و نحن قابلون ملكوتا لا يتزعزع ليكن عندنا شكر به نخدم الله خدمة مرضية بخشوع و تقوى
29 لان الهنا نار اكلة



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 12 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +