إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

كل جلجثة وصليب تعقبها دائماً أفراح القيامة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 12 جـ1 PDF Print Email

الجهاد

 

لما كان "كهنوت المسيح" هو الموضوع الرئيسي لهذه الرسالة، حيث يقدم لنا الرسول السيد المسيح بكونه رئيس الكهنة الأعظم، جالسًا عن يمين الآب في السماء بكونها قدس الأقداس، يشفع فينا بدمه، ليدخل بنا إلى حضن أبيه، فقد ختم حديثه مؤكدًا أن هذه الشفاعة العجيبة لا توهب للمتكاسلين والمتراخين. لهذا بعد أن حدثنا عن الإيمان مقدمًا لنا أمثلة حية لرجال الإيمان، صار يحدثنا حديثًا مباشرًا عن التزامنا الحيّ، الذي بدونه لن ننعم بعمل السيد المسيح الكفاري.

1. الجهاد وسحابة الشهود ١.

2. الجهاد والتأمل في آلام المسيح ٢ - ٣.

3. الجهاد حتى النهاية ٤.

4. قبول التأديب الإلهي ٥ - ١١.

5. مساندة الآخرين ٢ - ١٧.

6. الناموس القديم والملكوت الجديد ١٨ - ٢٩.

1. الجهاد وسحابة الشهود

"لِذَلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هَذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ" [١].


إذ يحيط بنا الضعف فيمثل ثقلاً على النفس، تهاجمنا الخطية من كل جانب، لهذا يليق بنا أن نجاهد بغير انقطاع متطلعين إلى سحابة الشهود المحيطة بنا فنتمثل بهم في شهادتهم للحق. هذه السحابة هي "لنا" ليس فقط كمثالٍ نقتدي به لكنها "لنا" تسندنا بالصلاة لحسابنا.

يشبه الرسول القديسين بالسحابة لأنها مرتفعة إلى فوق، تتحول إلى مطرٍ لتروي الأرض. هكذا المؤمن الحقيقي يحيا في السماويات لكنه لا يتجاهل النفوس الضعيفة الملتصقة بالأرض والتي لها طبيعة التراب، إنما يصلي من أجلها لكي يستخدمه الله كمطر يروي الأرض بالبركات العلوية، فتأتي بثمر روحي كثير.

حينما يتحدث السيد المسيح عن مجيئه الأخير يؤكد أنه سيأتي على السحاب، وكأنه يأتي الرب جالسًا في قديسيه، السحاب الروحي المحيط به والحامل إياه. لنحيا كسحاب يطلب السماويات، دون تجاهل للأرض فنحمل ربنا يسوع فينا ونعلنه من يومٍ إلى يوم حتى يتجلى فينا بالكمال يوم مجيئه الأخير!

لكي تكون لنا شركة مع "السحابة من الشهود" التي لم يستطع الرسول أن يحدد قياسها، قائلاً: "مقدار هذه"، ولكي نصير نحن أنفسنا جزءًا لا يتجزأ من هذه السحابة الإلهية يلزمنا أن "ِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا"، الأمور التي تفسد طبيعتنا وتحرمنا من التمتع بالخلقة الجديدة التي صارت لنا في المعمودية. ففي سفر إشعياء يتحدث النبي عن السيد المسيح القادم من مصر على سحابة خفيفة وسريعة (١٩: ١ - الترجمة السبعينية)، هذه التي تشير إلى السيدة العذراء عند هروبها إلى مصر حاملة السيد المسيح في حضنها، كما يقول القديس كيرلس الكبير، وفي نفس الوقت تشير إلى كل نفسٍ نقية وورعة تحمل يسوعها في داخلها وتسير به كسحابة سريعة خفيفة، لا يهدم ثقل الخطية طبيعتها ويعوق مسيرتها.

نشتهي أن نلتصق بالسحابة العظيمة من الشهود، الخفيفة والسريعة التي تحمل مخلصها مسرعة به، لا بالكلام والعاطفة فحسب، وإنما بالجهاد في الرب، إذ يكمل الرسول حديثه، قائلاً: "وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا" [١]، أي لنسرع بالصبر إلى السباق الذي وُضع أمامنا لننال المكافأة. وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [مع وجود ضيقات مستمرة فإن "الضيق ينشئ صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاءً، والرجاء لا يخزي" (رو ٥: ٤). فإذ كان النبي إشعياء يتوقع مثل هذا الضيق صرخ بصوت عالِ وحثنا: "هلم يا شعبي ادخل مخادعك وأغلق أبوابك خلفك، اختبئ نحو لحيظة حتى يعبر الغضب" (إش ٢٦: ٣٠).]

يقول القديس چيروم: [في الوقت الحاضر نحن في وادي الدموع! هذا العالم هو موضع البكاء لا البهجة؛ يليق بنا ألاَّ نضحك. هذا هو العالم، إنه زمن الدموع، أما العالم العتيد فهو عالم الفرح... لقد دخل بنا الله كمصارعين في حلبة سباق حيث يكون نصيبنا على الدوام هو الصراع... إذن هذا الموضوع إنما هو وادي الدموع فلا نكون في أمانٍ (تراخٍ) بل كمن في حلبة صراع واحتمال للآلام.]

2. الجهاد والتأمل في آلام المسيح

"َلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا، نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ. فَتَفَكَّرُوا فِي الَّذِي احْتَمَلَ مِنَ الْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هَذِهِ، لِئَلاَّ تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ" [١-٣].

إن كانت شهادة القديسين هي عون لنا في جهادنا، نمتثل بهم وننتفع بصلواتهم، مقاومين كمن في حلبة صراع لنلقي عنا كل ثقل أرضي وخطية محيطة بنا لنرتفع مع السحابة الإلهية إلى فوق، ويكون لنا شرف حمل الرب في داخلنا. فإن آلام السيد المسيح من أجلنا حتى الموت موت الصليب هي ينبوع نعم إلهية تسندنا في هذا الجهاد؛ أو كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كانت آلام من هم قريبين منا تثيرنا للجهاد فأية غيرة لا يقدمها لنا سيدنا! أي عمل لا يحققه فينا!... حقًا إن آلام المسيح وآلام الرسل هي تعزية عظيمة حقيقية!... أيها الأحباء، الألم هو أمر عظيم يحقق أمرين عظيمين: يمسح خطايانا ويعطي قوة للرجال (الروحيين).]

دعا الرسول السيد المسيح "رئيس الإيمان ومكمله"، فهو قائد المؤمنين في طريق الكمال الوعر، يدخل بهم إلى نفسه، لكي يعبر بهم من مجدٍ إلى مجد، فينعمون بالكمال أمام الآب خلال إتحادهم به.

آلام الصليب لا تُحتمل، وخزيه مرّ، لكنه في عيني السيد المسيح هو موضوع سرور وفرح، إذ يراه الطريق الذي به يحملنا إلى قيامته، ليجلسنا معه وفيه عن يمين العرش الإلهي. بالمسيح يسوع ربنا نفرح بالألم - بالرغم من مرارته القاسية - إذ نرى طريق الأقداس مفتوحًا أمامنا. احتمل السيد آلامه من أجلنا نحن الخطاة وليس من أجل نفسه، فكم بالحري يليق بنا أن نقبلها من أجل نفوسنا، خاصة وأننا نتقبلها في المسيح المتألم!

3. الجهاد حتى النهاية

"لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" [٤].

لم يقدم لنا الرسول هذه الوصية الخاصة بالجهاد الروحي حتى النهاية إلاَّ بعد أن قدم لنا أمثلة عملية وحية لمؤمنين مجاهدين من آباء بطاركة وأنبياء وقضاه وملوك، وأوضح لنا إمكانية الجهاد، إذ نحن محاطون بسحابة الشهود العاملين معنا، وفوق الكل أوضح عمل السيد المسيح المصلوب في حياتنا. لقد قبل الآلام بسرور مستهينًا بخزي الصليب، الأمر الذي يجعل جهادنا الروحي حتى الموت مقبولاً ومفرحًا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إلى الآن لم تحتملوا الموت، إنما امتدت خسارتكم عند المال والكرامة والطرد من موضع إلى آخر. على أي الأحوال، لقد بذل المسيح دمه من أجلنا، أما أنتم فلم تفعلوا هذا لأجل أنفسكم. لقد صارع من أجل الحق حتى الموت من أجلكم، أما أنتم فلم تدخلوا بعد في المخاطر التي تهدد بالموت.]

4. قبول التأديب الإلهي

مادمنا أولاد الله، فإن الله يسمح لنا بالتجارب والضيقات أثناء الجهاد على الأرض، لا للانتقام ولا للدينونة وإنما لمساندتنا. فهو يعيننا لا بلطفه بنا فحسب خلال الترفق، وإنما أيضًا بتأديبنا لأجل نفعنا الروحي. فالضيقة بالنسبة للمؤمن الحقيقي المجاهد قانونيًا هي علامة حية لاهتمام الله به من أجل بنيانه.

"وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ: يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُزْ إِذَا وَبَّخَكَ. لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ" [٤-٦].

كثيرًا ما علق آباء الكنيسة على هذه العبارة الرسولية نقتطف منها:

- مغبوط هو الإنسان الذي يؤدَب في هذه الحياة، فإن الرب لا يعاقب عن الشيء مرتين (نا ١: ٩ - الترجمة السبعينية).

القديس چيروم

- عندما يوبخ الله، وإنما لكي يصلح، ويصلح لكي يحفظنا (له) .

القديس كبريانوس

- لا ترجع النفس إلى الله إلاَّ إذا انتزعت عن العالم، وليس شيء ينتزعها عنه بحق إلاَّ التعب والألم؛ حين تكون النفس ملتحمة بملذات العالم التافهة الضارة والمهلكة... نتحول بسبب هذه التأديبات عن ضعفنا، إذ يليق بالإنسان أن يدرك أنه يتألم بسبب الخطية. ليته يرجع إلى نفسه ويقول: "أنا قلت في قلبي: ارحمني يا رب، اشفِ نفسي، فإني أخطأت إليك" (مز ٤١: ٤). بالضيق يا رب دربني، إذ تجلد كل ابن تقبله، ما عدا الابن الوحيد الذي وحده بلا خطية... أما أنا فأقول لك: "يا رب أخطأت".

القديس أغسطينوس

- الأب لا يهذب ابنه لو لم يحبه، والمعلم الصالح لا يصلح من شأن تلميذه ما لم يرَ فيه علامات نوال الوعد. عندما يرفع الطبيب عنايته عن مريض، يكون هذا علامة يأسه من شفائه.

- أيهما أفضل أن ندخل معركة (التأديب) إلى حين ونحمل أوتاد الحسكة (أسياخ من الخوازيق)، وتكون معنا أسلحة، ونرهق من حمل التروس الثقيلة، لكي نفرح بعد ذلك خلال الغلبة، أم نبقى عبيدًا إلى الأبد، لأننا لم نقدر أن نحتمل ساعة واحدة.

القديس چيروم

- لا تستطيع القول بأن إنسانًا بارًا يعيش بلا ضيق، حتى وإن لم يظهر عليه الضيق... إذ يلزم بالضرورة لكل بار أن يجتاز الطريق. هذا هو إعلان المسيح، أن الطريق الواسع العريض يؤدي إلى الهلاك، أما الضيق الكرب فيؤدي إلى الحياة (مت ٧: ١٣ - ١٤)... هل لأنك تعاني من أتعاب كثير تظن أن الله تركك، وأنه يبغضك؟! إن كنت لا تتألم يكون بحق قد تركك، لأنه إن كان الله يؤدب كل ابن يقبله، فمن لا يسقط تحت التأديب لا يكون ابنًا... ماذا نقول؟ ألا يسقط الأشرار تحت الضيق؟ حقًا يسقطون... هم ينالون عقاب شرهم ولا يؤدبون كأبناء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

التأديب هو علامة البنوة، فالآب يهتم ببنيان ابنه الشرعي، ولا يبالي بالنغول: "وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ" [٨]. وكما قال القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان عدم التأديب علامة خاصة بالنغول، إذن يليق بنا أن نفرح بالتأديب كعلامة شرعية بنوتنا.]

يقارن الرسول بين التأديب الذي نخضع له من آبائنا في الجسد والتأديب الذي يقع علينا من أبينا السماوي موضحًا النقاط التالية:

أولاً:
أن التأديب يُعطي للآباء الجسديين مهابتهم، فالطفل يهاب والده بكونه المربي الحازم؛ "ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلاَ نَخْضَعُ بِالأَوْلَى جِدًّا لأَبِي الأَرْوَاحِ، فَنَحْيَا؟" [٩]. هنا يؤكد الرسول عنصرًا هامًا وهو "المخافة الأبوية" فإننا وإن كنا أبناء الله، بذل الله أبونا ابنه الوحيد فدية عنا، وارتفع الابن عن يمينه ليشفع فينا، هذا يبعث فينا الدالة القوية لدى الله، فإن التأديب يهب الابن مخافة نحو أبيه تمتزج بالدالة، حتى لا تتحول الدالة إلى استهتار. لكن شتان بين المخافة التي تنطلق في قلب الابن والمخافة الممتزجة بالرعب في قلب الأجير أو العبد. الابن يخاف أباه لئلا يجرح مشاعره ويسيء إلى أبوته، أما الأجير فيخاف لئلا يُحرم من الأجرة، والعبد يخاف من العقاب.

ثانيًا: آباؤنا الجسديون يؤدبوننا أيامًا قليلة حسب استحسانهم [١٠]، مشتاقين أن يروننا ناجحين في هذا الزمان الحاضر، نحقق أمنياتهم الزمنية فينا، أما الله فيؤدب لهدف أعظم: لأجل المنفعة لكي نشترك في قداسته. هذه هي غاية تأديبه لنا، إذ يود أن يرانا شركاء في حياته المجيدة، نحمل سماته فينا، نتشبه به. هذه هي غاية الله من الإنسان، أن يراه كابن يحمل صورة أبيه.

ثالثًا: " كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ" [١١]. فالابن يئن تحت ألم التأديب، لكن متى بلغ النضوج أدرك أن التأديب هو سرّ نجاحه وبهجة قلبه الأكيدة. هكذا تأديب الله لنا يقدم لنا في البداية نوعًا من الحزن، لكنه في نفس الوقت يهب ثمر برّ السلام. به ندخل إلى برّ المسيح المجاني فيمتلئ قلبنا سلامًا فائقًا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الذين يتناولون الدواء المرّ يخضعون أولاً لشيء من الامتعاض لكنهم يشعرون بالراحة بعد ذلك... هذا أنتم تتألمون، هكذا هو التأديب في بدايته... فإنه كل تأديب يبدو للحزن مع أنه في حقيقته غير ذلك.]




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 12 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 


10 توت 1736 ش
21 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة مطرونة
استشهاد القديس يؤانس المصري وزملائه
استشهاد القديسة باسين وأولادها الثلاثة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك