تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 11 جـ3 Print


و. موسى

"بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية..." [٢٤]. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [إذ وُضعت السماء أمام موسى صار الإعجاب بقصر مصري أمرًا تافهًا... لقد حسب العار من أجل المسيح أفضل من الحياة السهلة، وهذا في ذاته يحمل مكافأة... لقد ألقى موسى بنفسه في مخاطر كثيرة بمحض اختياره في الوقت الذي كان في إمكانه أن يعيش متدينًا وهو يتمتع بالخيرات...، لكنه حسبه خطية ألاَّ يكون مستعدًا لاحتمال الآلام مع الغير، فصار احتماله للآلام خيرًا عظيمًا، ملقيًا بنفسه فيها تاركًا القصر الملكي. لقد فعل هذا لأنه رأى أمامه أمورًا عظيمة، حاسبًا عار المسيح أفضل من خزائن مصر.]

بالإيمان ترك موسى مصر غير خائف من غضب الملك، لقد هرب أولاً خائفًا من الملك لكي لا يجرب الرب وسط المخاطر بلا هدف، وعندما دُعي للعمل أطاع وعاد ليواجه فرعون بلا خوف.

"بِالإِيمَانِ صَنَعَ الْفِصْح،َ وَرَشَّ الدَّم،َ لِئَلاَّ يَمَسَّهُمُ الَّذِي أَهْلَكَ الأَبْكَارَ" [٢٨]. لقد قام موسى بهذا العمل بكونه رمزًا لعمل السيد المسيح الخلاصي، أي الفصح الحقيقي الذي عبر بنا من عبودية إبليس إلى حرية مجد أولاد الله، وقد سبق لنا الحديث عن ذلك بشيءٍ من التوسع في دراستنا لسفر الخروج.

"بِالإِيمَانِ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ الأَحْمَرِ كَمَا فِي الْيَابِسَةِ، الأَمْرُ الَّذِي لَمَّا شَرَعَ فِيهِ الْمِصْرِيُّونَ غَرِقُوا" [٢٩].
هنا يقارن شعبًا بشعبٍ، فقد قاد موسى الشعب كله بالإيمان ليجتازوا البحر كيابسة. إن كان موسى بشعبه يمثل مملكة الله التي ينفتح لها الطريق خلال مياه المعمودية، فإن فرعون بجيشه يمثل مملكة إبليس التي تتحطم خلال نفس مياه المعمودية. في المعمودية تقوم مملكة السماوات فينا وتتحطم مملكة إبليس ولا يكون لها موضع فينا.

ز. يشوع:

"بِالإِيمَانِ سَقَطَتْ أَسْوَارُ أَرِيحَا، بَعْدَمَا طِيفَ حَوْلَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ" [٣٠]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بالتأكيد لا تستطيع أصوات الأبواق أن تسقط الحجارة (التي للأسوار)... لكن الإيمان يقدر أن يفعل كل شيء.]

ط. راحاب الزانية:

"بِالإِيمَانِ رَاحَابُ الزَّانِيَةُ لَمْ تَهْلِكْ مَعَ الْعُصَاةِ، إِذْ قَبِلَتِ الْجَاسُوسَيْنِ بِسَلاَمٍ" [٣١]
. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً:

[من العار أن تظهر في عدم إيمان أكثر من زانية!

لقد سمعت ما رواه الرجلان وآمنت!

وكانت النتيجة هلاك الكل بينما حُفظت وحدها من الهلاك.

لم تقل في نفسها: أني أبقى مع أصدقائي الكثيرين،

ولا قالت: هل أنا أكثر حكمة من هؤلاء الرجال العقلاء الذين لا يؤمنون، وأنا أؤمن؟!

لم تقل شيئًا من هذا بل آمنت بما سيحدث وما سيعانيه (الكنعانيون).]

انتقل الرسول من الآباء البطاركة إبراهيم وإسحق ويعقوب إلى يوسف فموسى كأول قائد للشعب ثم تلميذه يشوع الذي دخل بالشعب أرض الموعد، وهنا يتوقف أمام امرأة زانية غريبة الجنس "راحاب" نالت ما لم يستطع كثير من العبرانيين أن ينالوه، فقد استحقت أن تُحسب في نسب السيد المسيح (مت ١: ٥)، ثم يبلغ بنا إلى رجال إيمان من القضاة مثل جدعون وباراق وشمشون ويفتاح، والملوك مثل داود، والأنبياء كصموئيل. هكذا يجول بهم خلال كل تاريخهم ليقدم أمثلة من كل حقبة فقد وُجد شهود حق لله حتى في أحلك العصور.

انتقل الرسول من أمثلة رجال ونساء للإيمان إلى أمثلة للأعمال الإيمانية منها:

* قهر المالك بالإيمان.

* صنع البرّ.

* نوال المواعيد.

* سد أفواه الأسود.

* إطفاء قوة النار.

* النجاة من حد السيف.

* نوال قوة من ضعف.

* التشدد في الحرب.

* أخذت نساء أمواتهن بقيامة كما فعلت الأرملة مع إيليا النبي.

* احتمال العذاب ورفض النجاة الزمنية من أجل نوال قيامة أفضل.

* الدخول في تجارب من هزء وجلد وقيود وحبس.

* احتمال الموت من نشر وقتل بالسيف.

* الطواف في جلود غنم وجلود معزي في عوز مكروبين ومذلين.

هذه مجرد أمثلة حية واقعية لأعمال إيمانية عاشها رجال العهد القديم، ويعيشها المؤمن في العهد الجديد بفهمٍ روحيٍ جديدٍ، فبالمسيح يسوع يقهر المؤمن ممالك إبليس والخطية ومحبة العالم، وبه يمارس البرّ ليحيا كشبه إلهه، وينعم بالمواعيد الإلهية. بالإيمان نسد أفواه أسود الشر والرجاسات التي تود افتراسنا، ونطفئ لهيب الشهوات الجسدية النار الداخلية. بالإيمان بالسيد المسيح ننعم بالنجاة من كل سيف أو سهم شرير، ونتمتع بالقوة بالرغم مما لنا في ذاتنا من ضعف، ونتشدد كجنود روحيين في حربنا ضد العدو غير المنظور. بالإيمان تتقدم النفس كالأرملة التي مات وحيدها، فيقيم مسيحنا النفس الميتة. بالإيمان نحتمل الآلام بفرحٍ ولا نطلب خلاصًا زمنيًا بل المكافأة الأبدية.

في اختصار نردد ما قاله القديس يوحنا الذهبي الفم عما يفعله الإيمان في حياة المؤمنين وما يهبهم من قوة روحية وغلبة: [لو وضعت العالم كله ضدهم، أجدهم راجحين في الميزان، ذوي قيمة عظيمة.] إن كانوا قد عاشوا في عوز ومذلة، لكن "لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ" [37].

1 و اما الايمان فهو الثقة بما يرجى و الايقان بامور لا ترى
2 فانه في هذا شهد للقدماء
3 بالايمان نفهم ان العالمين اتقنت بكلمة الله حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر
4 بالايمان قدم هابيل لله ذبيحة افضل من قايين فبه شهد له انه بار اذ شهد الله لقرابينه و به و ان مات يتكلم بعد
5 بالايمان نقل اخنوخ لكي لا يرى الموت و لم يوجد لان الله نقله اذ قبل نقله شهد له بانه قد ارضى الله
6 و لكن بدون ايمان لا يمكن ارضاؤه لانه يجب ان الذي ياتي الى الله يؤمن بانه موجود و انه يجازي الذين يطلبونه
7 بالايمان نوح لما اوحي اليه عن امور لم تر بعد خاف فبنى فلكا لخلاص بيته فبه دان العالم و صار وارثا للبر الذي حسب الايمان
8 بالايمان ابراهيم لما دعي اطاع ان يخرج الى المكان الذي كان عتيدا ان ياخذه ميراثا فخرج و هو لا يعلم الى اين ياتي
9 بالايمان تغرب في ارض الموعد كانها غريبة ساكنا في خيام مع اسحق و يعقوب الوارثين معه لهذا الموعد عينه
10 لانه كان ينتظر المدينة التي لها الاساسات التي صانعها و بارئها الله
11 بالايمان سارة نفسها ايضا اخذت قدرة على انشاء نسل و بعد وقت السن ولدت اذ حسبت الذي وعد صادقا
12 لذلك ولد ايضا من واحد و ذلك من ممات مثل نجوم السماء في الكثرة و كالرمل الذي على شاطئ البحر الذي لا يعد
13 في الايمان مات هؤلاء اجمعون و هم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها و صدقوها و حيوها و اقروا بانهم غرباء و نزلاء على الارض
14 فان الذين يقولون مثل هذا يظهرون انهم يطلبون وطنا
15 فلو ذكروا ذلك الذي خرجوا منه لكان لهم فرصة للرجوع
16 و لكن الان يبتغون وطنا افضل اي سماويا لذلك لا يستحي بهم الله ان يدعى الههم لانه اعد لهم مدينة
17 بالايمان قدم ابراهيم اسحق و هو مجرب قدم الذي قبل المواعيد وحيده
18 الذي قيل له انه باسحق يدعى لك نسل
19 اذ حسب ان الله قادر على الاقامة من الاموات ايضا الذين منهم اخذه ايضا في مثال
20 بالايمان اسحق بارك يعقوب و عيسو من جهة امور عتيدة
21 بالايمان يعقوب عند موته بارك كل واحد من ابني يوسف و سجد على راس عصاه
22 بالايمان يوسف عند موته ذكر خروج بني اسرائيل و اوصى من جهة عظامه
23 بالايمان موسى بعدما ولد اخفاه ابواه ثلاثة اشهر لانهما رايا الصبي جميلا و لم يخشيا امر الملك
24 بالايمان موسى لما كبر ابى ان يدعى ابن ابنة فرعون
25 مفضلا بالاحرى ان يذل مع شعب الله على ان يكون له تمتع وقتي بالخطية
26 حاسبا عار المسيح غنى اعظم من خزائن مصر لانه كان ينظر الى المجازاة
27 بالايمان ترك مصر غير خائف من غضب الملك لانه تشدد كانه يرى من لا يرى
28 بالايمان صنع الفصح و رش الدم لئلا يمسهم الذي اهلك الابكار
29 بالايمان اجتازوا في البحر الاحمر كما في اليابسة الامر الذي لما شرع فيه المصريون غرقوا
30 بالايمان سقطت اسوار اريحا بعدما طيف حولها سبعة ايام
31 بالايمان راحاب الزانية لم تهلك مع العصاة اذ قبلت الجاسوسين بسلام
32 و ماذا اقول ايضا لانه يعوزني الوقت ان اخبرت عن جدعون و باراق و شمشون و يفتاح و داود و صموئيل و الانبياء
33 الذين بالايمان قهروا ممالك صنعوا برا نالوا مواعيد سدوا افواه اسود
34 اطفاوا قوة النار نجوا من حد السيف تقووا من ضعف صاروا اشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء
35 اخذت نساء امواتهن بقيامة و اخرون عذبوا و لم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة افضل
36 و اخرون تجربوا في هزء و جلد ثم في قيود ايضا و حبس
37 رجموا نشروا جربوا ماتوا قتلا بالسيف طافوا في جلود غنم و جلود معزى معتازين مكروبين مذلين
38 و هم لم يكن العالم مستحقا لهم تائهين في براري و جبال و مغاير و شقوق الارض
39 فهؤلاء كلهم مشهودا لهم بالايمان لم ينالوا الموعد
40 اذ سبق الله فنظر لنا شيئا افضل لكي لا يكملوا بدوننا




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +