إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

القلب والفكر يعملان معاً كل منهما سبب ونتيجة مشاعر القلب تسبب أفكاراً فى العقل والأفكار تسبب المشاعر فى القلب

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email
يقول المرتل أن الغنم والبقر جميعًا وبهائم البر وطيور السماء وأسماك البحر يخضعون لذاك الذي في تواضعه صار كمن هو أقل من الملائكة. ماذا يعني الغنم والبقر إلاَّ رمزًا للقطيع الناطق، الشعب القديم الذي قبل بعضه الخضوع لمملكة المسيح الروحية وسيقبل بقية القطيع هذا الخضوع، بينما بهائم البرية يشير إلى جماعات الأمم التي عاشت كمن في البرية، محرومة من المراعي التي تمتع بها شعب الله مثل الناموس والأنبياء والوعود والعهود الخ.، طيور السماء تشير إلى النفوس المتعجرفة هائمة في الأمور العالية فإنها بروح الحب تخضع للسيد، بينما أسماك البحر تشير إلى النفوس المرتبكة بهموم الحياة كمن يسلك في وسط الأمواج. هكذا جاء كلمة الله متجسدًا لكي يقتنص في شبكة محبته كل إنسان: اليهودي والأممي، المتكبرين والمحطمين!

ما نقوله عن العالم الخارجي يتحقق أيضًا في العالم الداخلي فإن وجدنا في داخلنا قطيعًا من الغنم أو وحوشًا مفترسة، طيورًا تهيم في الجو أو أسماكًا تسبح في المياه، فلنسلمها لذاك الذي وحده له السلطان أن يخضعها لملكوته، مقدسًا أعماقنا الداخلية وتصرفاتنا الخارجية لتصير كلها لحسابه.

على أي الأحوال تواضع السيد حتى موت الصليب هو طريق الملكوت، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [افتقدنا ابن الله حين كنا لا شيء، وإذ حمل ما لنا (ناسوتنا) ووحَّده بنا، صار أعظم من الكل.] هذا هو طريق خضوعنا لملكه، فكنائبٍ عنا خضع بإرادته للآب حاملاً الآلام حتى الموت، فصرنا خاضعين لأبيه، وله أيضًا. خضوعنا الآب إنما خلال خضوع الابن له، ويتحقق خلال خضوعنا نحن أيضًا للابن، غير أنه يوجد فارق بين خضوعنا نحن للآب والابن، وخضوع الابن نفسه لأبيه.

يليق بنا أن نميز بين أنواع مختلفة للخضوع خاصة في عبارة الرسول بولس: "وبعد ذلك متى سلم المُلْك لله الآب، متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة، لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه، آخر عدو يبطل هو الموت، لأنه أخضع كل شيء تحت قدميه ولكن حينما يقول إن كل شيء قد أخضع، فواضح أنه غير الذي أخضع له الكل، ومتى أخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل" (١ كو ١٥: ٢٤-٢٨).

في هذه العبارة يميز الرسول بين ثلاثة أنواع من الخضوع: خضوع الهزيمة الكاملة التي تتحقق في يوم الرب العظيم حيث يخضع إبليس وجنوده وينهدم الموت تمامًا تحت قدمي السيد، وخضوع طاعة الخليقة لخالقها حيث تنعم بإكليلها الأبدي، أما ما هو أعظم وأسمى فهو خضوع الابن لأبيه على مستوى فريد.

لقد تحدث القديس أمبروسيوس باستفاضة عن خضوع الابن لأبيه مؤكدًا أنه يختلف تمامًا عن خضوعنا للإمبراطور أو الملك، أو خضوعنا لكل ترتيب بشري من أجل الرب (١ بط ٢: ١٣)، أو خضوع الزوجة لرجلها (أف ٥: ٣)، أو خضوعنا نحن للآب في خوف المسيح.

يخضع السيد المسيح للآب من جانبين: الجانب الأول أنه كابن واحد مع الآب في اللاهوت لا يحمل إرادة مخالفة للآب، بل ذات إرادة الآب، يخضع لا كعبد مأمور وإنما كابن وحيد الجنس يحمل إرادة واحدة مع أبيه. ومن الجانب الآخر، إذ حمل طبيعتنا البشرية وصار ممثلاً لنا، خضع في طاعة كاملة لأبيه لنُحسب فيه أبناء طاعة، وتنزع عنا طبيعة العصيان التي ورثناها عن آدم الأول.

وقد لاحظ القديس أمبروسيوس أن خضوع الابن لأبيه يتحقق في المستقبل كقول الرسول: "فحينئذ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل" (١ كو ١٥: ٢٨)، فهل لا يخضع الابن للآب حاليًا؟ [لم يخضع المسيح (بكل كنيسته) بعد لأن أعضاؤه لم تجلب بعد للخضوع... لكن حينما نصير ليس أعضاء كثيرين بل روحًا واحدًا، عندئذ يخضع هو أيضًا خلال خضوعنا نحن.]

كأن خضوع الكنيسة كلها حين تكتمل بأعضائها في يوم الرب العظيم بروح واحد هو خضوع جسد المسيح للآب خلال الرأس فيحسب المسيح خاضعا لأبيه فينا!

بمعنى آخر، السيد المسيح كرأس خاضع لأبيه منذ الأزل، قبل التجسد، لكنه إذ قبل المؤمنين به جسدًا له يخضع له فينا، أو نخضع نحن للآب باسم ابنه ولحسابه وإمكانياته.

هذا هو غاية التجسد الإلهي، خلاله صار الابن متواضعًا كأقل من الملائكة، لكي يجلب المؤمنين إلى الآب بالخضوع. الأمر الذي تحقق جزئيًا ويبقى عاملاً خلال أعماله الخلاصية. وكما يقول الرسول: "عَلَى أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَهُ. وَلَكِنَّ الَّذِي وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلاً بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ".


ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارة الرسولية السابقة، قائلاً:

[إن كان يجب أن تخضع كل الأشياء له، لكنها لم تخضع بعد، فلا تحزن ولا تضطرب.]

[يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد، وليس لأجل المؤمنين فقط، وإنما من أجل العالم كله. حقًا لقد مات عن الجميع، ولكن ماذا إن كان ليس الجميع قد آمنوا؟ لقد تمم ما هو من جانبه!]

[قال بحق: "يذوق الموت لأجل كل واحدٍ"، ولم يقل "يموت"، كما لو كان بالحقيقة يتذوق الموت حيث قضي فيه زمانًا قصيرًا حتى قام.] أما علة تذوقه الموت لأجل كل واحدٍ منا فهو دخوله إلى الموت قدام كل واحد منا حتى لا نرهب الموت بعد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما أن الطبيب وهو في غير حاجة إلى تذوق الطعام المعد للمريض، لكنه من أجل اهتمامه بالمريض يتذوقه أولاً ليحثه على التناول منه بثقة، هكذا كان كل الناس يهابون الموت، فلكي يشجعهم ضد الموت تذوقه (السيد) بنفسه، وإن كان ليس في حاجة إليه، إذ يقول: "رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيَّ شيء" (يو ١٤: ٣٠).]

هذا وقد علق القديس نفسه على قول الرسول: "وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ" قائلاً أن السيد تواضع عن الملائكة قابلاً للموت لكنه تواضع قليلاً، أي لمدة ثلاثة أيام حيث قام معلنًا مجده، أما نحن فقد سقطنا تحت سلطان الموت زمانًا طويلاً بسبب الخطية حتى جاء من أقامنا منه.

بعد أن تحدث عن دور الابن في خلاصنا خلال تجسده وآلامه أوضح دور الآب، قائلاً: "لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ، أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ" [١٠]. وللقديس يوحنا الذهبي الفم تعليق رائع على هذه العبارة، حيث يقول: [إنه يعمل ما يليق بحبه للبشرية، مقدمًا ابنه البكر أكثر مجدًا من الجميع، إذ يعلنه كمثال للآخرين، كمجاهد شريف يفوق الكل. إنه رئيس خلاصهم، أي علة خلاصهم. لاحظ الفارق بينه وبيننا، فهو ابن ونحن أبناء لكن هو يخلِّص (الآخرين) أما نحن فنخلُص... انظر كيف يفصل بينه وبيننا، قائلاً: وهو آت بأبناء كثيرين إلى المجد.]

إن كان الابن الوحيد الجنس قد وُضع قليلاً عن الملائكة لكي يكلل بالمجد والكرامة خلال خلاص كل واحد منا بآلامه المخلصة، فإن هذا العمل لا يخص الابن وحده، بل هو عمل الآب أيضًا الذي قدم لنا ابنه كقائد خلاصنا، باذلاً إياه بالآلام حتى الموت ليحقق خلاصنا ويهبنا في ابنه البنوة له، وكأن الآب يعمل فينا بآلام ابنه لنتمتع بمجد البنوة له.

بمعنى آخر إن كان الآب قد أوجدنا بابنه، إذ "به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان"، فإن تجديد خلقتنا وخلاصنا من الإنسان العتيق الفاسد الإيمان حققه بابنه أيضًا خلال آلامه. يقارن القديس يوحنا الذهبي الفم بين العمل الإلهي في الخلقة والعمل الإلهي في تجديدنا، قائلاً: [الآلام هي تكميل Perfecting الخلاص وعلته... لقد قبل الجسد ليحتمل الآلام وهذا أعظم بكثير من خلقته للعالم من العدم. حقًا إن عمل الخلقة هو من قبيل حبه المترفق، لكن العمل الآخر (الخلاص بآلامه) لهو أعظم من ذلك بكثير، هذا ما أشار إليه الرسول بقوله: "ليظهر في الدهور الآتية غني نعمته الفائق لصلاحه، أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أف ٢: ٧، ٦).]


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 


24 برمهات 1736 ش
02 أبريل 2020 م

نياحة البابا مقاريوس ال 59
تجلى العذراء بالزيتون
نياحة ميخا النبى

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك